Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب الإقرار
في قول أبي حنيفة.
ولو قال: له عليَّ ألفُ درهمٍ من ثمن خمرٍ، أو خنزير : لزمته
الألفُ، ولم يُقْبَل تفسیرُه.
في قول أبي حنيفة)، ولا يُصدَّق في قوله: ((ما قبضتُ))، وَصَلَ أم
فَصَلَ؛ لأنه رجوعٌ، ولا يملكه.
وقالا: إن وَصَل: صُدِّق، وإن فصَل: لم يصدّق.
واعتمد قولَه البرهانيَّ، والنسفي، وصدر الشريعة، وأبو الفضل
الموصلي. ((تصحیح)).
* (ولو قال: له عليَّ ألفُ درهمٍ من ثمن خمرٍ، أو خنزير)، أو
حُرٍّ، أو ميتةٍ، أو مالِ قمارٍ: (لزمته الألف) المقَرُّ بها، (ولم يُقْبل
تفسيره) عند أبي حنيفة، وَصَل أم فَصَل؛ لأنه رجوعٌ؛ لأن ثمن الخمر
وما عُطِف عليه: لا يكون واجباً، وأول كلامه للوجوب.
وقالا: إذا وَصَل: لا يلزمه شيء؛ لأنه بيَّن بآخر كلامه أنه ما أراد
الإيجاب.
قال في ((التصحيح)): واعتمد قولَه المذكورون قبله(١).
(١) أي البرهاني، والنسفي، وصدر الشريعة، وأبو الفضل الموصلي.

٢٠٢
كتاب الإقرار
ولو قال : له عليَّ ألفٌ من ثمنٍ متاعٍ، وهي زُيوفٌ، وقال المقَرُّ
له : جيادٌ : لزمه الجِيادُ في قول أبي حنيفة .
ومَن أقرَّ لغيره بخاتَمٍ : فله الحَلْقةُ والفَصُّ.
وإن أقرَّ له بسيفٍ : فله النَّصْلُ والجَفْنُ.
.
* (ولو قال: له عليَّ ألفٌ من ثمن متاع)، أو قرضٍ، (وهي
زُيوفٌ، وقال المقَرُّ له: جيادٌ: لزمه الجِياد في قول أبي حنيفة)؛ لأن
هذا رجوعٌ؛ لأن مطلق العقد يقتضي السلامة عن العيب، والزَّيَافَةُ
عيبٌ، ودعوى العيب رجوعٌ عن بعض موجَبِه، وصار كما إذا قال:
((بعتُكَه معيباً))، وقال المشتري: ((سليماً)): فالقول للمشتري.
وقالا: إن قال موصولاً: صُدِّق، وإن مفصولاً: لا يُصدَّق.
قال في ((التصحيح)): واعتمد قولَه المذكورون قبله(١).
[أقرَّ بخاتم :]
* (ومَن أقرَّ لغيره بخاتم: فله الحَلْقة، والفَصُّ) - بالفتح،
ويكسر- ؛ لأن اسم الخاتم يتناولهما.
[أقرَّ بسيف : ]
* (وإن أقرَّ له بسيفٍ: فله النَّصْل) أي: الحديدة (والجَفْنُ):
(١) أي البرهاني، والنسفي، وصدر الشريعة، وأبو الفضل الموصلي.

٢٠٣
كتاب الإقرار
والحمائلُ.
وإن أقرَّ له بحَجَلةٍ : فله العِيدانُ والكُسوةُ.
وإن قال : لِحَمْلِ فلانةٍ عليَّ ألفُ درهمٍ، فإن قال : أوصى له به
فلانٌ، أو مات أبوه فوَرِثُه : فالإقرارُ صحیحٌ.
القرَاب(١)، (والحمائلُ) : - جمع: حِمَالة: بالكسر: العَلاَّقة -؛ لأن
اسم السيف ينطوي على الكل.
* (وإن أقرَّ له بحَجَلةٍ) - بحاءٍ، فجيم مفتوحتين: بيتٌ يُبنى
للعروس، يُزِيَّن بالثياب والأسِرَّة والسُّتُور -: (فله): أي المقَرِّ له:
(العِيدان) التي تُبنىُ بها الحجَلَة، (والكسوةُ) التي توضع على
العيدان؛ لأن اسم الحَجَلة يتناولهما.
[الإقرار بمالٍ لحَمْل فلانة : ]
* (وإن قال: لِحَمْلِ فلانةٍ عليَّ ألف درهم، فإن) بَيَّن سبباً صالحاً
بأن (قال: أوصى له به فلان، أو مات أبوه فوَرِثه) منه: (فالإقرار
صحيحٌ) اتفاقاً.
* ثم إن جاءت به في مدةٍ يُعْلَم أنه كان قائماً وقت الإقرار: لزمه.
(١) أي غِمد السيف. مختار الصحاح (جفن).

٢٠٤
كتاب الإقرار
وإن أَبْهَمَ الإقرارَ : لم يصحَّ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال
۶
محمد : يصح.
* فإن جاءت به ميتاً: فالمال للموصي، والمورِّث؛ لأنه إقرارٌ في
الحقيقة لهما، وإنما ينتقل إلى الجنين بعد الولادة، ولم ينتقل.
* ولو جاءت بولدین حیَّيْن: فالمال بينهما.
* وإن بَيَّن سبباً مستحيلاً، بأن قال: باعني، أو أقرضني: فالإقرار
باطل اتفاقاً أيضاً.
* (وإن أَبْهَم الإقرارَ)، ولم يبيِّن سببَه: (لم يصح عند أبي
يوسف)، وفي نسخةٍ (١): ((أبي حنيفة))، بدل: ((أبي يوسف)).
(وقال محمد: يصحُ)؛ لأن الإقرار من الحُجَج، فيجب إعماله،
وقد أمكن بالحمل على السبب الصالح.
ولأبي يوسف: أن الإقرار مطلَقُه ينصرف إلى الإقرار بسبب
التجارة، فيصير كأنه صرَّح به. ((هدایة)).
* قال في ((التصحيح)): وفي ((الهداية))، و((الأسرار))، و((شرح
الإسبيجابي))، و((الاختيار))، و((التقريب))، و((نظم الخلافيات)): ذُكِر
الخلافُ بين أبي يوسف ومحمد.
(١) كما هو في نسخة: (٦١١ هـ، ٦٤٩ هـ، ١٣٠٩ هـ)، وجاء في نسخة
(٨٩٢ هـ): ((عند أبي حنيفة وأبي يوسف)).

٢٠٥
كتاب الإقرار
ولو أقرَّ بحَمْلٍ جاريةٍ، أو حَمْلِ شاةٍ لرجل : صحَّ الإقرارُ، ولزمه.
وذَكَر في ((النافع)) الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف.
وذكر في ((الينابيع)) قول أبي حنيفة مع أبي يوسف، فقال: قال أبو
حنيفة وأبو يوسف في هذه المسألة: إن بَيَّنَ المقرُّ جهةً صالحةً،
كالإرث والوصية: صحَّ(١) إقراره، ولزمه، وإلا: فلا، وقال محمد:
صحَّ إقراره، سواء بَيَّن جهةً صالحةً، أو أبهم، ويُحمل إقراره على أنه
أوصى به رجل، أو مات مورِّته وتَركه ميراثاً.
واعتمد قولَ أبي يوسف الإِمامُ البرهاني، والنسفي، وأبو الفضل
الموصلي وغيرُهم، وعلَّل الكلّ لمحمدٍ بالحمل على سببٍ صحيحٍ،
وإن لم يذكره، فليُحْفَظ هذا، فإنه يقع إقراراتٌ مطلقة عن السبب، لا
يُتصوَّر أن يكون لها سببٌ صحيح شرعاً. اهـ
* (ولو أقرَّ بحَمْل جاريةٍ، أو حَمْل شاةٍ لرجل: صحَّ الإقرار،
ولزمه) المقَرُّ به، سواء بيَّن سبباً صالحاً، أو أبهم؛ لأن له وَجْهاً
صحيحاً، وهو الوصية من جهة غيره، فحُمل عليه، وهذا إذا عُلِم
وجودُه وقت الوصية(٢). ((جوهرة)).
(١) هكذا: ((صحَّ): في الينابيع (مخطوط) المنقول عنه، وكذلك في التصحيح
ص ٢١٧ الذي نقل عنه الميداني، لكن جاء النص في نُسَخ اللباب كلها: ((رجح)).
(٢) بأن يولد حمل الجارية لأقل من ستة أشهر من وقت موت الموصي، وذكر
الطحاوي أن المدة تعتبر من وقت الوصية، وأما بالنسبة للدواب، فأقل مدة حملها
=

٢٠٦
كتاب الإقرار
وإذا أقرَّ الرجلُ في مرض موته بديونٍ، وعليه ديونَ في صحته،
وديونٌ لزمته في مرضه بأسبابٍ معلومة : فدَيْن الصحة، والدينُ
المعروفُ بالأسباب مقدّمٌ.
[الإقرار في مرض الموت : ]
* (وإذا أقرَّ الرجل في مرض موته بديونٍ)، وحَدُّه سيأتي في
الوصايا (١)، (وعليه ديونٌ) لزمته (في صحته)، سواء عُلِم سَبَبُه أو
بإقراره، (و) عليه أيضاً (ديون لزمته في مرضه)، لكن (بأسبابٍ
معلومة)، كبدل ما ملكه، أو أهلكه، أو مهر مِثْل امرأة نكحها: (فدين
الصحة، والدينُ المعروف بالأسباب مقدَّم) على ما أقرَّ به في مرضه؛
لأن الإقرار لا يعتبر دليلاً إذا كان فيه إبطالُ حقِّ الغير، وفي إقرار
المريض ذلك؛ لأن حقَّ غرماء الصحة تعلَّق بهذا المال استيفاء،
ولهذا مُنْعَ من التبرع والمحاباة (٢) إلا بقدر الثلث.
سوى الشاة: ستة أشهر، وأقل مدة حمل الشاة: أربعة أشهر. الجوهرة ١/ ٣١١.
(١) حدُّ مرض الموت: ((أن يكون مريضاً مرضاً لا يعيش منه غالباً، ويُخاف منه
الهلاك غالباً، بأن يكون صاحبَ فراش لا يجيء ولا يذهب إلى أن يموت)). الجوهرة
١٢٢/٢.
(٢) المحاباة: من: حَيَاه، محاباةً: سامحه، مأخوذ من: حَبَوْته: إذا أعطيته،
والحِباء: العطاء. المصباح المنير (حبا)، المغرب (حبا)، والمراد: أن يخصَّ شخصاً
بمسامحةٍ في سعر بضاعة، ونحو هذا.

٢٠٧
كتاب الإقرار
فإذا قُضيت، وفَضَلَ شيء منها : كان فيما أقرَّ به في حال المرض.
وإن لم يكن عليه ديون في صحته : جاز إقراره، وكان المقَرُّ له
أَوْلى من الورثة.
.
وإقرارُ المریض لوارثه باطلٌ،
وإنما تُقدَّم المعروفة الأسباب؛ لأنه لا تُهَمَةَ في ثبوتها؛ لأن
المعاین: لا مردّ له.
* ولا يجوز للمريض أن يقضيَ دينَ بعض الغرماء دون البعض؛
لأن في إيثار البعض: إبطالَ حق الباقين، إلا إذا قضى ما استقرضه في
مرضه، أو نَقَدَ ثمن ما اشتراه فيه.
* (فإذا قُضيت): أي ديون الصحة، والديونُ المعروفة الأسباب،
(وفَضَلَ شيء منها: كان) ذلك الفاضل مصروفاً (فيما أقرَّ به في حال
المرض)؛ لأن الإقرار في ذاته صحيح، وإنما رُدَّ في حق غرماء
الصحة، فإذا لم يَبْقَ لهم حق: ظهرت صحتُه.
* (وإن لم يكن عليه ديون في صحته: جاز إقراره)؛ لأنه لم
يتضمن إبطالَ حقِّ الغير، (وكان المقَرُّ له أَوْلى من الورثة)؛ لأن قضاء
الدين من الحوائج الأصلية، وحقُّ الورثة يتعلق بالتركة بشرط الفراغ.
[إقرار المريض لوارثٍ : ]
* (وإقرارُ المريض لوارثه) بدينٍ، أو عينٍ: (باطلٌ)؛ لتعلَّق حق
الورثة بماله في مرضه، وفي تخصيص البعض به: إبطال حق الباقين،

٢٠٨
كتاب الإقرار
إلا أن يُصدِّقَه فيه بقيةُ الورثة.
ومَن أقرَّ لأجنبي في مرضه، ثم قال : هو ابني : ثَبَت نسبُه.
ولو أقرَّ لأجنبيةٍ، ثم تزوجها : لم يبطل إقراره لها .
ومَن طلَّق زوجته في مرضه ثلاثاً، ثم أقرَّ .
(إلا أن يُصدِّقه فيه بقيةُ الورثة)؛ لأن المانع تَعَلُّقُ حقهم في التركة،
فإذا صدَّقوه: زال المانع.
* (ومَن أقرَّ لأجنبي في مرضه، ثم قال: هو ابني)، وصدَّقه المقَرُّ
له، وكان بحيث يولَد لمثله، كما يأتي قريباً (١): (ثَبَت نسبُهُ) منه،
(وبطل إقراره له(٢))؛ لأن دعوى النسب تستند إلى وقت العُلُوق،
فتبيَّن أنه أقرَّ لابنه، فلا يصح.
* (ولو أقرَّ لأجنبية، ثم تزوجها: لم يبطل إقراره لها)؛ لأن
الزوجية تقتصر على زمان التزوج، فبقي إقراره لأجنبية.
(ومَن طلَّق زوجته في مرضه ثلاثاً)، أو أقلَّ بسؤالها، (ثم أقرَّ
(١) في الصفحة التالية، لكن لم يبيِّن هناك كيف يمكن أن يولَد له، وقد بيَّن هذا
صاحب الجوهرة ٣١٣/١ فقال: ((إن كان المقرُّ امرأة: لا بد أن يكون سنها أكبر منه
بتسع سنين ونصف، وإن كان رجلاً: فلا بدَّ أن تكون سنُّه أكبر منه باثنتي عشرة سنة
ونصف)). اهـ
(٢) لأن إقرار المريض لوارثه باطل. الجوهرة ٣١٣/١.

٢٠٩
كتاب الإقرار
لها بدَيْنٍ، ومات: فلها الأقلَّ من الدَّيْن، ومن ميراثها منه.
ومَن أقرَّ بغلامِ يُولَد مثلُه لمثلِه، وليس له نَسَبٌ معروفٌ: أنه ابنه،
وصدَّقه الغلامُ: ثَبَتَ نسبُه منه وإن كان مريضاً.
ويشاركُ الورثةَ في الميراث.
وِ
لها بدينٍ، ومات)، وهي في العدة: (فلها الأقلّ من الدين) الذي أقرَّ
به، (ومن ميراثها منه)؛ لأنهما متَّهمان في ذلك، لجواز أن يكونا
توصَّلا بالطلاق إلى تصحيح الإقرار، فيثبت أقلّ الأمرين(١).
* قيَّدنا بسؤالها، ودوام عدتها؛ لأنه بغير سؤالها: يكون فاراً،
فلها الميراث بالغاً ما بلغ، ويبطل الإقرار.
وإذا انقضت عدَّتُها قبل موته: ثبت إقراره، ولا ميراث لها.
[الإقرار بغلامٍ أنه ابنه : ]
* (ومَن أقرَّ بغلام) يُعبِّر عن نفسه، و(يُولَد مثلُه لمثله، ولیس
له): أي الغلام (نَسَبٌ معروف: أنه ابنه، وصدَّقه الغلام) في دعواه:
(ثبت نسبه منه وإن(٢) كان) المقرُّ (مريضاً.
* ويشاركُ) الغلامُ المقَرُّ له (الورثةَ في الميراث)؛ لأنه بثبوت
نسبه: صار كالمعروف النسب، فيشاركهم.
(١) لإزالة التُّهَمَة.
(٢) ((إن)): هنا وصلية.

٢١٠
كتاب الإقرار
ويجوز إقرار الرجل بالوالدين، والولدِ، والزوجةِ،
والمولى.
* وشُرِط كونه يولَد مثلُه لمثله؛ كي لا يكون مكذَّباً
ظاهراً.
* وأن لا يكون معروفَ النسب؛ لأن معروف النسب يمتنع ثبوته
من غيره.
* وشُرِط تصديقه؛ لأنه في يد نفسه، إذ المسألة في غلامٍ
يعبِّر عن نفسه، حتى لو كان صغيراً لا يعبِّر عن نفسه: لم يُعتبر
(١)
تصديقه(١).
[الإقرار بوالدين أو ولدٍ أو زوجةٍ : ]
* (ويجوز إقرار الرجل بالوالدين، والولد، والزوجة،
والمولى)؛ لأنه إقرارٌ بما يلزمه، وليس فيه تحميل النسب على
ءَ
(٢)
الغير(٢).
(١) إذ لا يُحتاج إلى تصديقه. الجوهرة ٣١٣/١، فيكون ولداً له بمجرد
إقراره به.
(٢) ويعتبر تصديق كل واحد منهم بذلك، كما سيأتي، وإن كان الولد لا يولد
مثله لمثله: لا تصح دعواه، سواء صدَّقه الابن أم لم يصدقه، أقام البينة أو لم يقم،
لاستحالة ذلك. الجوهرة ٣١٤/١.

٢١١
كتاب الإقرار
ويُقبَل إقرارُ المرأة بالوالدين، والزوج، والمولى.
ولا يُقبَل إقرارُها بالولد إلا أن يُصدِّقَها الزوجُ في ذلك، أو تشهدَ
** (ويُقبَل إقرارُ المرأة بالوالدين(١)، والزوجٍ، والمولى)؛ لما
بيَّنَا(٢).
** (ولا يُقبل إقرارُها) إذا كانت ذاتَ زوجٍ، أو معتدةً منه
(بالولد)؛ لأن فيه تحميلَ النسب على الغير، وهو الزوج؛ لأن النسب
منه، (إلا أن يُصدِّقها الزوجُ في ذلك)؛ لأن الحقَّ له، (أو تشهدَ
(١) قال في الدر المختار (ط البابي) ٦١٧/٥: ((وما ذكره من صحة الإقرار بالأم
کالأب: هو المشهور الذي علیه الجمهور، وقد ذکر بعضھم أن الإقرار بالأم لا یصح،
ولكن الحق صحته، بجامع الأصالة، فكانت كالأب، فليُحفظ)). اهـ
ونقل أبو السعود في فتح المعين على شرح الكنز ١٧٤/٣ عن طائفة من أئمة
المذهب بأنه لا يجوز الإقرار بالأم، ثم ختم ذلك بكلام صاحب الدر السابق.
وأما صاحب الجوهرة ٣١٤/١ فقال: ((الحاصل أنه يجوز إقرار المرأة بثلاثة:
الزوج، والمولى، والأب، لا غير، فيظهر بهذا أن قوله: ((بالوالدين)): وقع سهواً،
لأنه يقع التناقض، لأنه لو صحَّ الإقرار بالأم، وذلك يتوقف على تصديقها، فيكون
تصديقها بمنزلة إقرارها بالولد، وقد ذكر - أي القدوري - بعد هذا أن إقرار المرأة
بالولد: لا يقبل.
ويصح على الرواية التي تقول: إنها تُصدَّق في حق نفسها، كما إذا لم يكن لها
زوج، ویکون کولد الزنی، فیثبت نسبه من أمه، فلا إشكال حينئذ)». اهـ
(٢) وهو أن الإقرار بهؤلاء ليس فيه إلا إلزام نفسها، وليس فيه تحميل النسب
على الغير. وينظر تبيين الحقائق ٢٧/٥.

٢١٢
كتاب الإقرار
بولادتها قابِلَةٌ .
ومَن أقرَّ بنسبٍ من غير الوالدين، والولدِ، والزوج، والزوجةِ،
والمولى، مثلُ الآخِ، والعمّ :
بولادتها) امرأةٌ (قابلَةٌ)، أو غيرُها؛ لأن قول المرأة الواحدة في
الولادة مقبول.
قال الأقطع: فتثبت الولادة بشهادتها، ويلتحق النسب بالفراش.
اهـ
؛ قيَّدنا بذات الزوج، أو المعتدة منه؛ لأنها إذا لم تكن كذلك:
صحَّ مطلقاً.
* وكذا إذا كانت كذلك، وادعت أنه من غيره.
* قال في ((الهداية)): ولا بدَّ من تصديق هؤلاء، يعني الوالدين،
والولد، والزوج، والزوجة، والمولى؛ لما مرَّ أنهم في أيدي
أنفسهم، فيتوقف نَفَاذ الإقرار على تصديقهم.
* وقدَّمنا أن هذا في غير الولد الذي لا يعبِّر عن نفسه؛ لأنه
بمنزلة المتاع، فلا يعتبر تصديقه.
[الإقرار بنسب أخٍ، أو جدٍ ونحوهما :]
* (ومَن أقرَّ بنسبٍ من غير) هؤلاء المذكورين من (الوالدين،
والولد، والزوج، والزوجة، والمولى، مثلُ الأخِ، والعمِ)، والجَدِّ،

٢١٣
کتاب الإقرار
لم يُقبل إقرارُه في النسب.
فإن كان له وارثٌ معروفٌ قريبٌ أو بعيدٌ: فهو أَوْلى بالميراث من
المقَرِّ له.
وإن لم يكن له وارثٌ : استَحقَّ المُقَرُّ له ميراثَه .
ومَن مات أبوه، فأقرَّ بأخٍ : لم يثبت نسبُ أخيه منه، ويشاركه فى
الميراث .
وابنِ الابن: (لم يُقبَل إقراره في النسب) وإن صَدَّقه المقَرُّ له؛ لأن فيه
حملَ النسب على الغير.
: (فإن كان له): أي المقرُّ (وارثٌ معروفٌ) نسبه، (قريبٌ أو
بعيدٌ: فهو أَوْلى بالميراث من المقَرِّ له)؛ لأنه لما لم يثبت نسبه منه: لم
يزاحِمِ الوارثَ المعروفَ النسب.
* (وإن لم يكن له وارثٌ) معروفٌ: (استحق المُقَرُّ له ميراثَه)؛
لأن له ولايةَ التصرف في مال نفسه عند عدم الوارث، فيستحق جميعَ
المال وإن لم يثبت نسبه.
* (ومَن مات أبوه، فأقرَّ بأخٍ: لم يثبت نسب أخيه منه) وإن
صدَّقه، (و) لكنه (يشاركه في الميراث)؛ لأن إقراره تضمَّن شيئين:
- حَمْلَ النسب على الغير، ولا ولاية له عليه: فلا يثبت.
- والاشتراكَ في المال، وله ولايةً: فيثبت.

٢١٤
كتاب الإجارة
كتاب الإجارة
الإجارةُ عَقْدٌ على المنافع بعِوَضٍ.
ولا تصحُّ حتى تكون المنافعُ معلومةً، والأجرةُ معلومةً.
وما جاز أن يكون ثمناً في البيع : جاز أن يكون أجرةً في الإجارة.
كتاب الإجارة
* (الإجارةُ) لغة: اسمٌ للأجرة، وهي كِرَاء الأجير، وقد أَجَرَه:
إذا أعطاه أجرته، من بابَيْ: طَلَب، وضَرَب، فهو آخِرٌ، وذاك
مأجور، وتمامه في ((المغرب)).
* واصطلاحاً: (عَقْدٌ على المنافع بعِوَضٍ).
وتنعقد ساعةً فساعة، على حسب حدوث المنفعة، وأُقيمت
العين مقام المنفعة في حق إضافة العقد إليها؛ ليرتبط الإيجاب
بالقبول، ثم عَمَلُه يظهر في حق المنفعة.
* (ولا تصح) الإجارة (حتى تكون المنافع معلومةً، والأجرةُ)
أيضاً (معلومةً)؛ لأن الجهالة في المعقود عليه، وبدله: تُفْضِي إلى
المنازعة، كجهالة الثمن، والمثمَن في البيع.
. (و) كلُّ (ما جاز أن يكون ثمناً): أي بدلاً (في البيع: جاز أن
يكون أجرةَ في الإجارة)؛ لأن الأجرة ثمنُ المنفعة، فيُعتبر بثمن

٢١٥
كتاب الإجارة
والمنافعُ تارةً تصيرُ معلومةً بالمدة، كاستئجار الدُّور للسكنىُ،
والأَرَضِينَ للزراعة، فيصحُّ العقدُ على مدةٍ معلومة، أيَّ مدةٍ كانت.
وتارةً تصير معلومةً بالعمل والتسميةِ، كمن استأجر رجلاً على
صَبْغ ثوبٍ، أو.
المبيع، ولا ينعكس(١)؛ لجواز إجارة المنفعة بالمنفعة إذا اختلفا، كما
يأتي.
* (والمنافع تارةً تصير معلومةً بالمدة): أي ببيان مدة الاستئجار،
(كاستئجار الدُّور) مدةً معلومة (للسكنى، و) استئجارِ (الأَرَضِيْن
للزراعة، فيصح العقد على مدةٍ معلومة، أيَّ مدةٍ كانت): أي طالت
أو قَصُرت؛ لأن المدة إذا كانت معلومة: كان قدرُ المنفعة فيها
معلوماً، إلا في الأوقاف، فلا تجوز الإجارة الطويلة، في المختار،
كي لا يدَّعيَ المستأجر مِلْكَها، وهي ما زاد على ثلاث سنين في
الضِّيَاع، وعلى سنة في غيرها، وعلى هذا أرضُ اليتيم. ((جوهرة)).
* (وتارةً تصير) المنفعة (معلومةً بالعمل): أي ببيان العمل
المعقود عليه، (والتسمية، كمن استأجر رجلاً على صَبْغ ثوب، أو
(١) أي وما لا يصلح ثمناً في البيع: يجوز أن يكون أجرة، كالأعيان التي ليست
من ذوات الأمثال، كالحيوانات والعدديات المتفاوتة، وكذا استئجار الظئر بطعامها
وكسوتها يجوز عند أبي حنيفة استحساناً، وإن لم يجز ذلك ثمناً في البيع. الجوهرة
٣١٦/١، الهداية مع البناية ٢٧٥/٩.

٢١٦
كتاب الإجارة
خياطتِه، أو استأجر دابةً ليحمل عليها مقداراً معلوماً، أو يَركبَها مسافةً
سمّاها.
وتارةً تصير معلومةً بالتعيين والإشارةِ، كمن استأجر رجلاً ليَنْقُلَ له
هذا الطعام إلى موضع معلوم.
ويجوز استئجارُ الدُّورِ والحوانيتِ للسكنىُ وإن لم يبِيِّن ما يَعمَلُ
فيها .
خياطته)، وبيَّن الثوبَ، ولونَ الصِّبْغ، وجنسَ الخياطة، (أو استأجر
دابةً ليحمل عليها مقداراً معلوماً) قَدْرُه وجنسه، (أو يركبَها مسافةً
سمَّاها) ببيان الوقت أو الموضع، فلو خلا عنهما: فهي فاسدة.
(بزازية)).
* (وتارةً تصير) المنفعة (معلومةً بالتعيين) للمعقود عليه،
(والإشارة) إليه، (كمن استأجر رجلاً لينقل له هذا الطعام إلى موضعٍ
معلوم)؛ لأنه إذا أراه ما ينقَلُه، والموضعَ الذي يَحمل إليه: كانت
المنفعة معلومة.
[استئجار الدور والحوانيت : ]
* (ويجوز استئجار الدُّوْرِ): جَمْعُ: دار، وهي معلومة،
(والحوانيتِ): جمع: حانوت، وهي الدكان المعدَّة (للسكنى وإن لم
يبيِّن ما يَعمَلُ فيها)؛ لأن العمل المتعارَفَ فيها السكنى، فينصرف
إليه.

٢١٧
كتاب الإجارة
وله أن يَعملَ كلّ شيءٍ إلا الحِدَادَةَ، والقِصَارَةَ، والطِّحَانَةَ.
ويجوز استئجارُ الأراضي للزراعة، ولا يصحُّ العقدُ حتى يُسمِّيَ ما
يزرعُ فيها، أو يقولَ : على أن يزرعَ فيها ما شاء.
* (وله أن يَعملَ كلَّ شيءٍ) مما لا يَضُرُّ بالبناء، كما أشار إليه
بقوله: (إلا الحِدَادَةَ، والقصَارَةَ(١)، والطِّحَانَةَ(٢))؛ لأن في ذلك ضرراً
ظاهراً؛ لأنه يوهِن البناء، ويَضُرُّ به؛ فلا يملكه إلا بالتسمية.
[استئجار الأرض للزراعة : ]
* (ويجوز استئجار الأراضي للزراعة)؛ لأنها منفعةٌ مقصودةٌ
معهودةً فيها، (و) لكن (لا يصح العقد حتى يسمَِّ ما يَزرع فيها)؛
لأن ما يُزْرَع فيها متفاوتٌ، وبعضه يَضُرُّ بالأرض، فلا بدَّ من التعيين؛
كي لا تقع المنازعة، (أو يقول: على أن يزرع فيها ما شاء)؛ لأنه
بالتفويض إليه: ارتفعت الجهالة المَفْضِية إلى المنازعة.
(١) القصَّار: هو الذي يبيِّض الثياب وينظفها، والحرفة هي: القِصَارة، بالكسر.
ينظر المصباح المنير (قصر)، المغرب (قصر).
(٢) قال الزاهدي في المجتبى شرح القدوري (مخطوط): ((وفي أكثر النُّسَخ: ((إلا
الحدادة، والقصارة، والطّحانة))، وهو الصواب، وللأول - أي النسخ التي فيها: ((إلا
الحداد والقصار والطحان)) - أيضاً وجهٌ صحيح: وهو حذف المضاف، أي: ((إلا عملَ
الحدَّاد، والقصَّار، والطحَّان)). اهـ
قلت: وما لديَّ من نسخ القدوري، وكذلك نسخ اللباب، ففي أكثرها: ((إلا
الحداد والقصار والطحان)».

٢١٨
كتاب الإجارة
ويجوز أن يستأجر الساحةَ ليبنيَ فيها، أو يَغرِسَ فيها نخلاً، أو
شجراً.
فإِذا انقضت مدةُ الإجارة: لزمه أن يقلعَ البناءَ والغَرْسَ الذي
غَرَسه، ويسلِّمَها فارغةً.
إلا أن يختارَ صاحبُ الأرض أن يَغْرَمَ له قيمةَ ذلك مقلوعاً،
فَمْلِكُه.
: (ويجوز أن يستأجر الساحةَ) - بالحاء المهملة - وهي الأرض
الخالية من البناء والغرس، (ليبنيَ فيها) بناءً، (أو يغرس فيها نخلاً،
أو شجراً)؛ لأنها منفعة تُقصد بالأراضي كالزراعة.
* (فإذا انقضت مدةُ الإجارة: لزمه) أي المستأجر (أن يقلع البناء)
الذي بناه، (والغَرْسَ الذي غَرَسه) إن لم يرض المؤْجِر بتركها،
(ويسلِّمَها) لصاحبها (فارغةً)؛ لأنه لا نهاية لهما، وفي إبقائهما إضرارٌ
بصاحب الأرض.
* بخلاف ما إذا انقضت المدةُ والزرعُ بَقْلٌ: حيث يُترك بأجر
المِثْل إلى إدراكه؛ لأن له نهايةً معلومة، فأَمكن رعايةُ الجانبين.
: (إلا أن يختار صاحبُ الأرض أن يَغْرَم له): أي للباني والغارِس
(قيمةَ ذلك) البناء، والغِراس (مقلوعاً: فيملكه).
* وهذا برضا صاحب البناء والغرس، إلا إذا كانت تَنقصُ
الأرضُ بالقلع: فحينئذ يتملَّكُها بغير رضاه. ((هداية)).

٢١٩
كتاب الإجارة
أو يرضى بتركه على حاله، فيكونُ البناءُ لهذا، والأرضُ لهذا.
ويجوز استئجارُ الدوابِّ للركوب، والحملِ .
فإن أطلق الركوبَ : جاز له أن يُركِبَها مَن شاء.
* (أو يرضى بتركه على حاله: فيكون البناء لهذا، والأرض
لهذا)؛ لأن الحق له، فله أن لا يستوفيه.
* والرَّطْبَةُ: كالشجر؛ لأنها لا نهايةً لها.
[استئجار الدواب للركوب والحمل : ]
* (ويجوز استئجار الدواب للركوب (١)، والحَمْل)؛ لأنها منفعة
معهودة.
* (فإن أطلق الركوب)، بأن قال: ((يَركَبُ مَن شاء))، وهو المراد
بالإطلاق - لا أنه يستأجر الدابة للركوب ويُطْلِقُه: فإنه لا يجوز (٢)،
كما في ((مسكين))، نقلاً عن ((الذخيرة))، و((المغني))، و((شرح
الطحاوي)) - : (جاز له أن يُركِبَها مَن شاء)؛ عملاً بالإطلاق.
(١) يعني لركوبٍ معيَّن إما نصاً أو تقديراً، فإن لم يُعيِّن مَن يركبه: لا تصح
الإجارة؛ لجهالة المعقود عليه، لأن الركوب مما يختلف اختلافاً فاحشاً. ينظر البناية
٣٠٨/٩، نتائج الأفكار ٢٦/٨، وفيهما تفصيل وعرضٌ لأقوال الشُرَّاح.
(٢) للجهالة، كما في فتح المعين ٣٣٩/٣، أي الجهالة في إطلاق الركوب، أما
الصورة الأولى الجائزة ففيها إطلاق مَن يركب.

٢٢٠
كتاب الإجارة
وكذلك إن استأجر ثوباً لِلَّبْس، وأطلق.
فإن قال له : على أن يَركَبَها فلانٌ، أو يَلبسَ الثوبَ فلانٌ، فأركبها
غيرَه، أو ألبسه غيرَه: كان ضامناً إن عَطِبت الدابةُ، أو تَلِف الثوبُ.
وكذلك كلّ ما يختلف باختلاف المستَعْمِل.
* ولكن إذا ركبَ بنفسه، أو أركب واحداً: ليس له أن يُركب
غيرَه؛ لأنه تعيَّن مراداً من الأصل، والناس يتفاوتون في الركوب،
فصار كأنه نصَّ على ركوبه.
* (وكذلك) الحكم(١) (إن استأجر ثوباً لِلُّبْس، وأطلق)؛ لتفاوت
الناس في اللُّبْس أيضاً.
* (فإن) قيَّد بأن (قال له: على أن يَركَبها فلانٌ، أو يَلبس الثوبَ
فلان)، فخالف، (فأركبها غيرَه، أو ألبسه غيرَه): أي غير المشروط:
(كان ضامناً إن عَطبت الدابة، أو تَلِف الثوب)؛ لأن الناس يتفاوتون
93
في الركوب واللّبس، فصحَّ التعيين، وليس له أن يتعدَّاه، ولا أجر
يلزمه(٢)؛ لأنه لا يجتمع مع الضمان.
* (وكذلك كلّ ما يختلف باختلاف المُستَعمل)؛ لما تقدم.
(١) أي ما ورد من التفصيل السابق في الركوب.
(٢) أي حال التلف والعطب، لأنه لا يجتمع الأجر مع الضمان.