Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
٣- التقريب في المسائل الخلافية بين الإمام أبي حنيفة وأصحابه :
وهو مجرَّدٌ من الأدلة، ويقع في مجلد، وقد ذكر أصحاب
الفهرس الشامل(١) نسخةً منه في اسطنبول، تقع في (٢٧٩) ورقة،
وتاريخ نسخها ٤٨٠هـ.
٤- التقريب الثاني في المسائل الخلافية بين أبي حنيفة وأصحابه
(مع الأدلة) :
وقد ضمَّن فيه التقريبَ الأول، ثم زاد فيه أدلةَ كل فريق، ويقع
في عدة مجلدات(٢).
٥- جزء في الحديث، من مرويات الإمام القدوري عن شيخه أبي
بكر محمد بن علي المؤدب، رواه عن القدوري تلميذه الدامغاني،
ذكره الإمام القرشي(٣)، وذكر سندَه إليه، وأورد حديثاً منه.
وذكر له أصحاب الفهرس الشامل (٤) عدة نسخ، تقع النسخة منها
في (٤) ورقات، وفيه (٢٣) حديثاً فقط، قام بتحقيقه وتخريج
أحاديثه الأستاذ یاسین گوك کوز، في قونية بتركيا، وجاء في ١٣٠ ص.
وكان المحدِّثون يتناقلونه بالسماع فيما بينهم حتى القرن التاسع
(١) ٢/ ٦٧١.
(٢) وقد سماه بهذا الاسم: التقريب الأول، والتقريب الثاني ابنُ تغري بردي في
النجوم الزاهرة ٢٧/٥، وينظر تاج التراجم ص٩٩، الفوائد البهية ص٣١.
(٣) الجواهر المضية ٢٤٩/١.
(٤) ٣/ ١٢٣.

٣٠٢
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
وما بعده، كما في الدرر الكامنة(١)، والضوء اللامع (٢).
بل قال العلامة الشيخ الكوثري رحمه الله: ((وللقدوري جزء
حديثيٌّ معروفٌ، مرويٌّ في أثبات المشايخ على توالي القرون، وهو
مرويًّ في المعجم المؤسس، للحافظ ابن حجر، وإني أرويه بالسند
إلى ... ))(٣).اهـ
٦ - أدب القاضي على مذهب الإمام أبي حنيفة (٤).
٧- المختصر (مختصر القدوري) في فروع المذهب الحنفي:
وقد أفردتُ عنه دراسة خاصة موسعة، مع ذكر ما وقفتُ عليه من
شروحه، والأعمال العلمية التي قامت عليه، والتي بلغتْ بمجموعها
(١٢٣)، وستأتي قريباً إن شاء الله تعالى.
وهكذا، فجملة ما ذُكر للقدوري من مؤلفات: سبعةُ كُتُب، ومع
هذا فإن صاحب هدية العارفين(٥) لمَّا ترجم للقدوري، وذَكَرَ كتبَه
السابقة الذكر ما عدا جزءه الحديثي، قال: ((وغير ذلك)). اهـ.
وعليه فيحتمل أن تكون له كتبٌ أخرى لم نقف عليها.
وأذكر فيما يلي أسماءَ كتبه مجملةً مرتبةً على حروف المعجم:
(١) ٤ / ٢٦٧.
(٢) ١٩/٩.
(٣) التحرير الوجيز ص١٠٨، في إجازته لتلميذه الأستاذ أحمد خيري.
(٤) ذكره له البغدادي في هدية العارفين ٧٤/٥.
(٥) ١/ ٧٤.

٣٠٣
الفصل الأول: ترجمة الإمام القدوري
١ - أدب القاضي.
٢ - التجريد في المسائل الخلافية بين أبي حنيفة والشافعي.
٣- التقريب الأول، في المسائل الخلافية بين الإمام أبي حنيفة
وأصحابه.
٤ - التقريب الثاني، مضمَّناً فيه التقريب الأول (مع الأدلة).
٥- جزء في الحديث من مرويات القدوري.
٦ - شرح مختصر الكرخي.
٧- المختصر في الفقه.

الفصل الثاني
دراسة عن مختصر القدوري

٣٠٧
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
المبحث الأول
مكانة مختصر القدوري وثناء العلماء عليه
جَمَعَ الإمام القدوريُّ مختصرَه في الفقه لابنه محمد (١)، ثم كتب
الله لهذا المختصر القبول الكبير، ونفع الله به خلقاً لا يُحصون، ونال
مكانةً عاليةً مرموقةً عند علماء المذهب، وأجمعت كلمتُهم على
اعتماده كلَّ الاعتماد، وأنه من المتون المعتبرة المقدَّمة، وأثنَوْا عليه
من نواحٍ عديدةٍ ثناءً عظيماً.
ومن هذه الثناءات التي جمعتُها من مقدمات شروح القدوري:
* ما قاله الإمام أحمد بن محمد بن المظفر بن المختار الرازي،
المتوفى سنة ٥٠٠هـ، في مقدمة شرحه على القدوري، المسمى:
«حل مشكلات القدوري)):
((وهو - أي مختصر القدوري - كتابٌ طنَّت به الآفاق، وتناقله
الرفاقُ، واحتاج إليه الحاضر والبادي، كما يَحتاج إلىُ الزُّلال الصائفُ
(٢)
الصادي(٢).
(١) الجواهر المضية ٢٤٨/١.
(٢) أي العطشان في الصيف، والصادي: من الصَّدَى، وهو العطش. مختار
الصحاح (صدي).

٣٠٨
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
وأكبَّ على دراسته المحتدي(١) والمبتدي، وأَلَبَّ(٢) على قراءته
المقتَدَى والمقتدِي، لما فيه من حُسْنِ الإيجاز، ولُطْفِ الإعجاز،
وجَوْدةِ المعاني، ومتانةِ المباني، وكثرةِ المسائل المحتاجِ إليها،
والألفاظ الصحيحة المتّفق عليها، وكونه مباركاً على طالبيه، ميموناً
على قارئيه وضابطيه، والناسُ أعقلُ من أن يَمدحوا ما لم يَرَوْا عنده
آثار إحسان ... )). اهـ
* وقال الإمام المرغيناني، المتوفى سنة ٥٩٣هـ، في مقدمة
كتابه ((بداية المبتدي))(٣)، الذي شرحه في ((الهداية)):
((وحيث وقع الاتفاقُ بتطواف العراق (الطَّرُق)، وجدتُ
المختصرَ المنسوبَ إلى القدوري أجملَ كتابٍ، في أحسن إيجاز
وإعجاب)). اهـ
* وقد كَتَب الله لهذا المختصر القبولَ فوق ما تَقرُّ به العيون،
حتى قال الإمام السمر قنديُّ، المتوفى سنة ٥٣٧هـ، في مقدمة كتابه
((تحفة الفقهاء))، أي بعد مائة سنةٍ تقريباً من وفاة القدوري:
(لقد عمَّت رغبة الفقهاء إلى هذا الكتاب)). اهـ، ((ونَفَعَ الله به
خَلْقاً لا يُحصَوْن)) (٤). اهـ
(١) أي المتقدِّم في العلم المنتهي.
(٢) أي لَزِم وأقام. ينظر مختار الصحاح (لبب).
(٣) مخطوط، ولم تطبع هذه المقدمة مع الهداية التي هي شرح بداية المبتدي.
(٤) الجواهر المضية ٦/١، ٢٤٧ - ٢٤٨ نقلاً عن الإمام السمعاني (ت٥٦٢هـ).

٣٠٩
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
* وقال الإمام حسام الدين الرازي علي بن أحمد، المتوفى سنة
٥٩٨هـ، في مقدمة كتابه: ((تكملة القدوري)):
((أما بعد: فإن أعلى مراتب اللاحق إذا عَجَزَ عن إدراك شأن
السابق، أن يَشُقَّ غبارَه، أو يَرْمُقَ بالعين آثارَه، والشيخُ الإمام أبو
الحسين البغدادي القدوري رحمةُ الله عليه ألَّف مختصراً برَّز في
تصنيفه، وجوَّد في ترتيبه وترصيفه، وأغنى به مع وجازة لفظه،
وجزالة المعنى، مع كثرة المسائل، والإيماءِ إلى الدلائل.
حيث لا غُنية للمبتدي عن دراسته وقراءته، ولا مندوحة للمنتهي
عن مراجعته ومطالعته، فمَن طَمِعَ أن يأتيَ بمثله: كان أطمعَ من
أَشعب(١)، وأعجزَ من ثعلب(٢) ... )). اهـ
* وقال الإمام الفقيه نجم الدين الزاهدي مختار بن محمود،
المتوفى سنة ٦٥٨هـ، في مقدمة شرحه على القدوري، المسمى:
((المجتبى))(٣):
((وهو - أي مختصر القدوري - أعظمُ دواوين الفقه بركةً وخطْراً،
وأرفعُها شأناً وقَدْراً، وأدورُها في أندية الفضلاء والمدارس، وأيمنُها
للمدرِّس والدارِس)». اهـ
(١) (أشعب): رجلٌ من أهل المدينة، يُقال له: (أشعب الطمَّاع)، له أخبار كثيرة
في طمعه، حتى صار مضرب مثل. ينظر مجمع الأمثال للميداني ٤٣٩/١ (٢٣٣٣).
(٢) ينظر مجمع الأمثال ٥٣/٢ (٢٦٤٢).
(٣) (مخطوط).

٣١٠
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
: وقال العلامة أبو عبد الرحمن عمر بن دانشمند، المتوفى بعد
سنة ٨٠٠هـ، في مقدمة شرحه على القدوري(١):
((إن كتاب القدوري قد تباهَجَ به الطالبون، وتفاخَرَ به الراغبون،
حتى صار عمدةً بينهم، وفَخْرَةً في مجالسهم، فلم يزالوا مشتغلين به
في كل زمان، ويتدارسونه في كل مكان.
وذلك لكونه أجملَ كتاب في الإيجاز، وأشملَه على مختار
الفتوى ... )). اهـ
* وقال شارح القدوري الإمام الفقيه عبد الأول بن حسين بن
حامد، المتوفى سنة ٩٥٠هـ، في مقدمة شرحه على القدوري،
المسمى: ((حَدَق العيون))(٢):
((لما كان مختصر القدوري كتاباً شريفاً، ومختصراً لطيفاً
شرحتُه ... )). اهـ
* وقال العلامة شهاب الدين المرجاني، المتوفى سنة ١٣٠٦ هـ:
((إن مختصر القدوري متنٌ متينٌ مفتَخَر، وتصنيفٌ رصينٌ معتَبَر،
قد شاع بين الأئمة الأعيان، وشهرتُه وظهورُ حاله تغني عن الإطناب
بالبيان)»(٣). اهـ
: وهكذا غدا هذا السِّفْر الجليل، والكتاب النبيل («تصنيفاً معتبراً،
(١) (مخطوط).
(٢) (مخطوط).
(٣) ناظورة الحق ص ٥٢، وينظر كشف الظنون ١٦٣١/٢.

٣١١
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
وتأليفاً معتمداً، وقد تداوله العلماء، وتنافَسَ فيه الفقهاء، وأُولعوا فيه
حفظاً ورواية، ودرساً وقراءةً وتفقُّهاً، ودرايةً وشرحاً وتعليقاً))(١). اهـ
* ((وعكفت الطلبةُ على تفهُّمه وتفهيمه، وازدحموا على تعلُّمه
وتعليمه)) (٢)، ((وأكبُّوا عليه، وصار المفزَع إليه))(٣).
* وشاء الله تعالى فضلاً وكرماً لهذا المختصر اللطيف أن ((طار في
الأقطار، وسار في الأمصار، وفاق في الاشتهار في جميع الأمصار
والأعصار على الشمس في رابعة النهار)) (٤).
* وقد وُصف هذا الكتاب أيضاً بأنه ((جامعٌ صغير، ونافعٌ كبير،
وأنه أحسن متون الفقه وأفضلُها، وأتمَّها فائدةً وأكملُها، فهو بحرٌ
وُ
زاخر، وغيثٌ ماطر))(٥).
* ((وهذا الكتاب مع صغر حجمه، ووجازة نظمه، لكن جميعَ
الواقعات من المسائل قد يوجد في قَعْره أو في الساحل، وهو أنفع
متون المذهب وأجلّ، وأتمّها فائدة وأكمل، خالٍ عن الزوائد المملَّة،
(١) ناظورة الحق للمرجاني ص ٥١.
(٢) من كلام الميداني في مقدمة كتابه الذي بين أيدينا: اللباب.
(٣) من كلام العلامة الشيخ محمد المختار بن عثمان الباطومي، المتوفى بعد
سنة ١٣١٢ هـ، في مقدمة حاشيته على القدوري.
(٤) من كلام العلامة الفقيه عبد الحميد اللكنوي الأنصاري، المتوفى سنة
١٣٥٣ هـ، في مقدمة شرحه على القدوري: الحل الضروري.
(٥) من مقدمة: الحل الضروري، وينظر مقدمة مجمع البحرين، لابن الساعاتي.

٣١٢
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
والاختصارات المخلَّة))(١).
* ((وقد بلغ عدد مسائله اثنتا عشر ألف مسألة))(٢).
* ومن المزايا العلمية لهذا المختصر: أن القدوري ضمَّنْه المسائل
العلمية المتداولة، وتجنّب المسائل النادرة الوقوع، وفي هذا يقول
الإمام السمر قندي صاحب تحفة الفقهاء(٣) (ت ٥٣٧هـ):
((اعلم أن المختصر المنسوب إلى الشيخ أبي الحسين القدوري
رحمه الله، جامعٌ جُمَلاً من الفقه مستعملَة، بحيث لا تراها مدى
الدهر مهملة، يهدي بها الرائضَ(٤) في أكثر الحوادث والنوازل،
(١) خاتمة مصحح طبعة الجوهرة النيرة، سنة ١٣٢٥ هـ، التي وُضعت في آخر
المجلد الأول.
(٢) كما في بعض شروح المجمع، ينظر كشف الظنون ١٦٣١/٢، ووجدت
هذه الفائدة على ظهر عددٍ من النسخ الخطية لهذا المختصر، وواقع المختصر كذلك
كما ذكرتُ سابقاً.
والشيء بالشيء يذكر، فقد وقفتُ على نسخة من القدوري في المكتبة
المحمودية بالمدينة المنورة، كُتِب عليها هذه الفائدة دون عزوٍ لها، وهي: ((مسائل
القدوري (١٢٠٠٠) اثنتا عشر ألف مسألة، ومسائل الوقاية (٣٠٠٠٠) ثلاثون ألف
مسألة، ومسائل الكنز (٤٠٠٠٠) أربعون ألف مسألة)). اهـ
وعدد مسائل الجامع الصغير للإمام محمد، الذي جمع المرغيناني بينه وبين
القدوري في بداية المبتدي: ألف وخمسمائة واثنتان وثلاثون (١٥٣٢) مسألة، كما
قال البزدوي، ينظر كشف الظنون ١ / ٥٦١.
(٣) مقدمة تحفة الفقهاء.
(٤) أي المبتدىء الذي يروِّض نفسه على الفقه، ويُعوِّدها عليه، وأما المرتاض:
=

٣١٣
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
ويرتقي بها المرتاض إلى أعلى المراقي والنوازل)). اهـ
* ويقول العلامة محمد عبد الحي اللكنوي، المتوفى سنة
١٣٠٤ هـ، حين ذكر المختصرات الأربعة المعتمدة في المذهب
الحنفي، ومنها مختصر القدوري قال:
((أَلَّفها حُذَّاق الأئمة، وكبار الفقهاء المعروفين بالعلم والزهد
والفقه، والثقة في الرواية، كأبي جعفر الطحاوي، والكرخي،
والحاكم الشهيد، والقدوري))(١).
* وقال أيضاً: ((وقد كثُر اعتماد المتأخرين على الوقاية، والكنز،
والمختار، ومجمع البحرين، ومختصر القدوري، وذلك لِمَا عَلِموا
من جلالة مؤلّفيها، والتزامهم إيراد مسائلَ معتمدٍ عليها، وأشهرُها
ذكراً، وأقواها اعتماداً: الوقاية، والكنز، ومختصر القدوري، وهي
المراد بقولهم المتون الثلاثة)). اهـ
* تسمية المختصر بـ: ((الكتاب)):
ومن الثناءات النادرة الجامعة: إطلاقُ أئمة المذهب الحنفي
لفظ: ((الكتاب)): عَلَماً مفرداً على مختصر القدوري، فإذا قيل: قرأ
في المذهب الحنفي ((الكتاب)): عُلم بدون شكِّ أنه قرأ مختصر
القدوري.
فهو الذي ارتاضت نفسه، وتعلّم وترقى.
(١) عمدة الرعاية ص ١٠.

٣١٤
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
وما هذا الإطلاق - والله أعلم - إلا لشهرة هذا المختصر وفضله،
وكثرة الثناء عليه، وأنه لم يؤلّف كتابٌ مثله، وأن كُتُبَ المذهب عليه
عیالٌ، وله عليها فضلٌ عال.
وهم بهذا كأن لسان حالهم يقول: إن مختصر القدوري هو
الكتاب الفريد الذي حُقَّ له دون غيره أن يشتهر ويُعرَف إذا أُطلق لفظ :
((الكتاب))، وأنه هو المراد(١).
وتاريخ هذا الإطلاق قديمٌ، فقد ذكره الإمام المرغيناني (ت
٥٩٣هـ) بهذا اللفظ مراراً في («الهداية»، وفي القرن السادس نفسه
أَلَّف الإمام اليزدي المطهر بن الحسين (ت بعد ٥٥٩هـ) شرحَه على
مختصر القدوري، وسمَّه: ((اللباب شرح الكتاب)).
وهكذا تتابع علماء الحنفية على هذا، حتى جاء العلامة الشيخ
عبد الغني الميداني (ت ١٢٩٨ هـ)، فسمَّى شرحَه الذي بين أيدينا
باسم شرح اليزدي، ولا أدري هل أَخَذَ الميدانيّ هذه التسمية من
اليزدي إعجاباً بها، أم أنه لم يطلع على اسم كتابه، فتوافقا فيها؟ الله
تعالى أعلم.
تنبيه على خطأ :
ذكر كثيرون - خطأً - من الثناء على مختصر القدوري ما نقله
(١) وقد أُطلق لفظ: ((الكتاب)) أيضاً عَلَماً على كتابٍ آخر قبل كتاب القدوري،
لشهرته وفضله عند النحويين، وهو كتاب سيبويه في النحو (عمرو بن عثمان، ت
١٨٠ هـ). ينظر كشف الظنون ١٤٢٢٦/٢.

٣١٥
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
صاحب كشف الظنون(١) عن أبي علي الشاشي أنه كان يقول: ((مَن
حفظ هذا الكتاب: فهو أحفظ أصحابنا، ومَن فهمه: فهو أفهم
أصحابنا)).اهـ
والصواب أن هذه المقولة قيلت في كتاب: ((الجامع الصغير))،
لمحمد بن الحسن الشيباني، وليست في ((مختصر القدوري))، فإن
صاحب كشف الظنون(٢) ذكرها في حق ((الجامع الصغير)) حين تكلم
ذکره وتكلم عنه.
وأيضاً فإن القدوري قد ولد بعد ١٨ سنة من سنة وفاة الشاشيءِّ
هذا، فقد توفي أبو علي الشاشي سنة ٣٤٤هـ، كما في الجواهر
المضية(٣)، وسيأتي بيان أكثر لهذا التصحيح عند الكلام عن عمل
القدوري في مختصره، ومنهجه فيه، وبيان هل كتب القدوريُّ مقدمةً
له أم لا؟
(١) ١٦٣٣/٢.
(٢) ١ / ٥٦١.
(٣) ٢٦٢/١

٣١٦
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
المبحث الثاني
يُمْن مختصر القدوري وبركته
رأيتُ على وجه الصفحة الأولى من نسخة مخطوطةٍ لكتاب:
((السراج الوهاج)) شرح مختصر القدوري، للحدادي، المودَعة في
المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة، برقم ١٠٣٦، وتاريخ نَسْخها في
القرن التاسع، رأيتُ مكتوباً عليها ما نصُّه:
((لما صنَّف القدوريُّ هذا الكتابَ، عَمِد إلى بيت الله الحرام،
وعلَّقه في أستار الكعبة، وسأل الله تعالى أن يبارك فيه، فاستُجيب له،
وجعله مباركاً، وعدد مسائله اثنتا عشر ألفاً وخمسمائة». اهـ
ورأيت هذا الخبر بعينه في آخر نسخةٍ مخطوطةٍ من مختصر
القدوري، مودَعةٍ في مكتبة (قره باش)، ضمن مكتبة الملك
عبد العزيز بالمدينة المنورة، برقم ٢٣١، في ٢٢٥ ورقة، وتاريخ
نسخها سنة ١٠٣٣ هـ.
كما ذُكر هذا الخبر أيضاً على الصفحة الأولى من طبعة قديمة
المختصر القدوري، طبعت سنة ١٣٠٩ هـ، في المطبعة العثمانية
باسطنبول، زمن السلطان عبد الحميد.
* وقد صرَّح ببركته ويُمْنه أحد الشرَّاح القدامى للقدوري، وهو
الإمام أحمد بن محمد بن مظفر الرازي، المتوفى سنة ٥٠٠هـ، في

٣١٧
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
مقدمة كتابه: ((حل مشكلات القدوري))، فإنه قال في ثنائه على
مختصر القدوري، كما تقدم:
((لما فيه من حُسْن الإيجاز ... وكونه مباركاً على طالبيه، ميموناً
على قارئيه وضابطيه، والناسُ أعقلُ من أن يَمدحوا ما لم يَرَوا عنده
آثار إحسان)). اهـ
وهكذا اتفقت كلمة علماء المذهب وغيرهم على أن مختصر
القدوري كتابٌ مبارك، وأنه «قد شاعت بركتُه حتى صارت كالعلم
الضروري))(١). اهـ
وقال صاحب مفتاح السعادة (٢):
((اعلم أن هذا المختصر مما تبرَّك به العلماء، حتى جرَّبوا قراءته
أوقات الشدائد، وأيام الطاعون)). اهـ
ونقل صاحب كشف الظنون(٣) عن صاحب ((مصباح أنوار
الأدعية)) (٤) أنه قال:
(١) من كلام الميداني في مقدمة كتابه الذي بين أيدينا: اللباب.
(٢) طاش کبري زاده عند ذكره لمختصر القدوري ٢٥٤/٢.
(٣) ١٦٣١/٢، ناظورة الحق ص ٥٢.
(٤) الشيخ عبد الرحمن البسطامي، كما في كشف الظنون ١٢٠٥/٢، عند ذكره
لكتاب: ((مصباح أنوار الأدعية))، ولم يذكر شيئاً عن ترجمته.
وقد ترجم له البغدادي في هدية العارفين ٥٣١/١ ، وذكر اسمه كاملاً:
عبد الرحمن بن علي بن أحمد بن محمد البسطامي الأنطاكي الحنفي، نزيل (بروسه)،
المتوفى فيها سنة ٨٥٢ هـ ، وذكر له كتباً كثيرة ، وسمى كتابه الذي نقل عنه صاحب
=

٣١٨
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
((إن الحنفية يتبرَّكون بقراءته في أيام الوباء، وأن مَن حفظه يكون
أميناً من الفقر، حتى قيل: إن مَن قرأه على أستاذٍ صالحٍ، ودعا له عند
خَتْم الكتاب بالبركة، فإنه يكون مالكاً لدراهم على عدد مسائله، وفي
بعض شروح المَجْمع: أنه يشتمل على اثنتي عشر ألف مسألة)). اهـ
قلت: وهذه الأخبار هي من الواقع والمجرَّبات، والناسُ أعقلُ
من أن يَمدحوا ما لم يَروا عنده آثارَ إحسان، كما تقدم قبل قليل من
كلام الإمام أحمد بن محمد الرازي، (ت ٥٠٠هـ) .
* ومما وقفتُ عليه من الأخبار المجرَّبة في ذلك، ما ذكره
الأستاذ أحمد خيري تلميذ العلامة الكوثري في ترجمته للکوثري،
المطبوعة مع المقالات(١)، قال:
((ومما قرأتُه على الكوثري: ((مَتنَ القدوري))، وهو كتابٌ مبارك،
تواتر عند الأحناف أنه إذا قُرئ على شيخ صالح كان سبباً لتيسير
الرزق، ولما لم أجد أصلح من الأستاذ - الكوثري - بمصر، وذلك
لأني لم أكن عرفتُ يومئذ الأخ الصالح السيد إبراهيم أبي العيون،
شيخ معهد المينا حالياً، فقد قرأته عليه سنة ١٣٥٩ هـ، ودعا لي في
ختامه، وكتب لي الإجازة بخطه، فيسَّر الله تعالى رزقي تيسيراً لم يكن
311
على بالي، من حِلَّ مباركٍ، لا شُبهة فيه ولا رِيبة، فلله الحمد والشكر
والمِنَّ)). اهـ
كشف الظنون: ((مصباح الأنوار في أدعية الليل والنهار)).
(١) ص ٥٩.

٣١٩
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
وكانت قراءته للمختصر على العلامة الكوثري في بيت الشيخ في
العباسية، في عشرة مجالس(١).
* ومن الصور الواقعية لبركة هذا المختصر، أنه انتشر انتشاراً
عجيباً في جميع الأمصار والأعصار، وذلك في وقتٍ لم يكن للمطابع
وجود أصلاً، فلا تخلو مكتبة من مكتبات العالم، إلا وتجد فيها
عشرات النسخ المخطوطة من هذا الكتاب، وقد ذكر أصحاب
الفهرس الشامل(٢) (٥٦٦) نسخة من هذا الكتاب في العالم.
وفي مكتبة السليمانية فقط في اسطنبول من مكتبات تركيا، توجد
(٢٨٨) نسخة مخطوطة من مختصر القدوري(٣)، وهكذا لو فتَّش
الباحث في سائر المكتبات سيجد عدداً كبيراً.
وقد يقول قائل: لعل سبب هذه الكثرة صِغَر حجمه، وسهولة
نَسْخه، والجواب: أن هذا واردٌ، ولكن كم كتاب مثله بحجمه، لكن
لم يُكتب له القبول والانتشار كما كُتب لهذا؟
وفي هذا يقول عنه الإمام السمعاني (ت٥٦٢هـ) - كما تقدم - :
((نفع الله به خلقاً لا يُحصَوْن)) (٤). اهـ
(١) التحرير الوجيز ص ١٠٢، في إجازته لتلميذه الأستاذ أحمد خيري.
(٢) ٩/ ٣٠٥ - ٣٤٣.
(٣) كما أفادني بهذا الأخ الكريم سعادة الدكتور الشيخ خليل قوتلاي حفظه الله،
حين راجع لي ما في المكتبة من نسخٍ للقدوري.
(٤) الجواهر المضية ٦/١، ٢٤٧، نقلاً عنه.

٣٢٠
الفصل الثاني: دراسة عن مختصر القدوري
ومن الأخبار النادرة التي وقفتُ عليها في تيسير نَسْخه لبركته،
ما ذكره صاحب الشقائق النعمانية(١) في ترجمة العالم العامل،
الفاضل الكامل المولى إلياس بن إبراهيم السينابي، من علماء القرن
التاسع الهجري، وله عدة مصنفات، منها شرح الفقه الأكبر، قال في
ترجمته :
((وكان خطَّه حسناً جداً، وكان سريعَ الكتابة، سمعتُ من والدي
أنه كتب مختصر القدوري في الفقه في يومٍ واحد)». اهـ
وهذا من بركة هذا الكتاب، فإنه لا يتأتَّى نَسْخه في مثل هذا
الوقت.
* ومن بركة هذا المختصر أيضاً أن الله يسَّر حفظه للطلبة ممن
يريد أن يتفقه على مذهب أبي حنيفة النعمان، حتى صار سمةً ووصفاً
يوصف به هذا المختصر، فقد قال الحافظ ابن كثير في البداية
والنهاية(٢) في ترجمة القدوري: ((صاحب المصنّف المختصر الذي
يُحفظ)». اهـ
وهكذا قال علماء المذهب: ((إن كتاب الشيخ الإمام القدوري كثُر
استعماله، وحاز من القبول سهماً، وتوفّرت الدواعي إلى الاعتناء به
حفظاً وفهماً ... )) (٣). اهـ
(١) ص ٦٣.
(٢) ٢٦/١٢.
(٣) العقود المفصّلة، للعباسي (مخطوط).