Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة لكن في الخانية ما يخالفه، واعتمده القهستاني، شب ثم شاخ) فيه أنه من قبيل زوال المانع كما قاله الإسبيجابي ولهذا سموها موانع. وعبارة القهستاني: مانع الزيادة إذا ارتفع كما إذا بنى ثم هدم عاد حق الرجوع كما في المحيط وغيره، ومن الظن أنه ينافيه ما في النهاية أنه حين زاد لا يعود حق الرجوع بعده، لأنه قال ذلك فیما إذا زاد وانتقص جميعاً كما صرح به نفسه اهـ. قلت: في التاترخانية: ولو كانت الزيادة بناء فانهدم يعود حق الرجوع، والمانع من الرجوع الزيادة الباقية في العين كما ذكر شمس الأئمة السرخسي اهـ. وعبارة الشارح جملة شرطية سقط جوابها من قلمه سهواً، والمسألة في شرح المجمع لابن ملك. ولو منع القاضي الرجوع لثبوت الزيادة ثم زالت عاد للواهب حق الرجوع كما في المحيط. ونقله في الدرر. قال في غاية البيان: وقال في الكافي: رجل وهب لرجل أيضاً فبنى فيها الموهوب له بناء ثم أراد الواهب الرجوع فخاصمه إلى القاضي فقال له القاضي ليس لك أن ترجع فيها ثم هدمها الموهوب له كان للواهب أن يرجع فيها. قال شيخ الإسلام علاء الدين الإسبيجابي: يريد به أن قول القاضي لم يقع قضاء حتى لا ينقض، وإنما وقع فتوى بناء على مانع، فإذا زال المانع تغير الحكم اهـ. ومثله في التاترخانية عن المحيط. قوله: (لكن في الخانية ما يخالفه) وكذا في الظهيرية. قال سري الدين في حاشية الزيلعي. وفي الظهيرية وقاضيخان: وإذا قضى القاضي بإبطال الرجوع لمانع ثم زال المانع عاد حق الرجوع. بيانه: إذا بنى في الدار الموهوبة بناء أبطل القاضي رجوع الواهب بسبب البناء، ثم هدم الموهوب له البناء وصارت كما كانت فله الرجوع فيها اهـ. وقد علمت أنه لزوال المانع لا نقض قضاء، والمسألة المذكورة في المؤلف ذات خلاف أيضاً. فقد قال في المحيط والذخيرة: رجل وهب لرجل وصيفاً فشبّ عند الموهوب وكبر وطال وشاخ وانتقصت قيمته ليس للواهب الرجوع، لأنه زاد في بدنه وطال في جثته ثم انتقص من وجه آخر بشيخوخته، وحين زاد سقط حق الرجوع فلا يعود بعد ذلك، ولو كان طويلاً يوم وهبه وطال عند الموهوب له وكان الطول نقصاناً وكان ينتقص به فهذه ليست بزيادة حقيقة فلا يمنع الرجوع، ويكون الشيء زيادة صورة نقصاناً معنى كالإصبع الزائدة، وما أشبه ذلك كما في الذخيرة. وذكر الناطفي في أجناسه: ولو وهب أمة فسمنت وكبرت له أن يرجع، وكذا جميع الحيوانات اهـ. وفي الهندية عن المحيط: ولو وهب أمة فشبت وكبرت لا يرجع وكذلك جميع الحيوانات اهـ. فهما قولان للمشايخ ط. لكن الموافق لما في قاضيخان أوفق، حيث ذكر عدم الرجوع ولم يتعرض لخلافه كما يأتي قريباً، فتأمل. قوله: (واعتمده القهستاني) ٦٢٢ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة فليتنبه له لأن الساقط لا يعود (كبناء وغرس) إن عدا زيادة في كل الأرض وإلا رجع، ولو عدا في قطعة منها امتنع فيها فقط. زيلعي (وسمن) وجمال حيث قال: وفيه إشعار بأن مانع الزيادة إذا ارتفع كما إذا بنى ثم هدم عاد حق الرجوع كما في المحيط اهـ. قوله: (فليتنبه له) بمنزلة قوله وفيه نظر وعلله بقوله: ((لأن الساقط الخ)). قوله: (لأن الساقط لا يعود) وفيه أن هذا من باب زوال المانع، كما إذا تزوّجت المرأة وسقط حقها في الحضانة فإنها إذا بانت عاد حقها فيها لزوال المانع، ولذا اعتمد في شرح الملتقى العود، هكذا وجد في بعض النسخ، وهي التي كتب عليها الحلبي: وفي بعض النسخ تقديم العلة على قوله فليتنبه، وعليها فهو تعليل لقوله وإن زالت الخ، وهو الصواب وغيرها خطأ من الناسخ. والحاصل: أن هذا من باب زوال المانع لا عود الساقط لما علمت من أن الزيادة المتصلة من موانع الرجوع فکان الوجه ما في الخانیة، وسیصرح به نقلاً عن الدرر حیث قال قضى ببطلان الرجوع لمانج ثم زال المانع عاد الرجوع، فأفاد صحة الرجوع ولو بعد القضاء بعدمه عند وجود المانع إذا زائدذلك المانع لا من باب الساقط حتى لا يرجع، حتی لو قضی ببطلان الرجوع لمانع ثم زال يعود الرجوع كما يأتي، ويؤيده ما يأتي في المانع الرابع خروج الموهوب إلا إذا رجع الثاني فله الرجوع فكذلك هنا. قوله: (إن عدا زيادة) قال في المنح: إذا كان يوجب الزيادة في الأرض، وإن كان يوجب لا يمنع الرجوع، وإن كان يوجب في قطعة منها بأن كانت الأرض كبيرة بحيث لا يعد مثلها زيادة فيها كلها امتنع في تلك القطعة دون غيرها. كذا في الرمز. وفي السراجية: إذا وهب أرضًاً فبنى الموهوب له فيها بناء بطل الرجوع، ولو زال البناء عاد في حق الرجوع انتهى. وفي المنهاج: رجل وهب لرجل أرضاً بيضاء أنبت في ناحية منها نخلاً أو بنى بيتاً أو دكاناً أو دارباً: يعني معلفاً للدواب كان ذلك زيادة فيها وليس له أن يرجع في شيء منها اهـ. وفيها: أما إذا لم يعد زيادة أصلاً كبناء تنور الخبز في غير محله فإنه لا يمنع الرجوع اهـ معزياً للزيلعي. قوله: (إلا) راجع لقوله: ((إن عدا زيادة)) فهو مفهومه، وقوله: ((ولو عدا في قطعة)) مفهوم قوله في كل الأرض. وفي الهندية عن الكافي: إن وهب لآخر أرضاً بيضاء فأنبت الموهوب له في ناحية منها نخلاً أو بنى بناء أو دكاناً وكان ذلك زيادة فيها فليس له أن يرجع في شيء منها، فإن كان لا يعدّ زيادة أو يعد نقصاناً فإنه لا يمنع الرجوع، حتى لو بنى دكاناً صغيراً بحيث لا يعد زيادة أصلاً فلا عبرة به، وإن كان الأرض عظيمة لا يعد ذلك زيادة في الكل، إنما يعد زيادة في تلك القطعة فله أن يرجع في غيرها اهـ. قوله: (وسمن) قيده في الحواشي اليعقوبية بالمعتدل، وهو حسن. ٦٢٣ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة وخياطة وصبغ وقصر ثوب وكبر صغير وسماع أصم وإبصار أعمى وإسلام عبد ومداواته وعفو جناية وتعليم قرآن أو كتابة أو قراءة ونقط مصحف، قال المصنف في منحه: وكذا إذا غيره عن حاله بأن كان حنطة فطحنها أو دقيقاً فخبزه أو سويقاً فلته بسمن أو كان لبناً فاتخذه جبناً أو سمناً اهـ. قال محشيه الخير الرملي: وفي الولوالجية: رجل وهب سويقاً فلته بالماء يرجع الواهب لأنه بقي الاسم وهذا نقصان، كمن وهب لرجل حنطة فلتها بالماء فرق بين هذا وبين ما إذا وهب تراباً فلته بالماء حيث لا يرجع، والفرق أن ها هنا اسم التراب لم يبق فلم يبق الموهوب اهـ. أقول: وكذا لو وهب عنباً فصيره زبيباً لعدم بقاء الاسم. تأمل اهـ. قوله: (وخياطة) أما إذا قطعه فلا يمتنع الرجوع، ولو قطعه نصفين فخاط نصفه وبقي النصف الآخر له الرجوع في الآخر. قوله: (وصبغ) ولو بأسود لأنه ربما ينفق على السواد أكثر مما ينفق على صبغ آخر. قاضيخان. أقول: ولون الأسود في زماننا من أحسن الألوان ويزداد به قيمة عن غيره من الألوان، وما نقل عن الإمام أنه مما ينقص الثمن فهو اختلاف زمان. قوله: (وقصر ثوب) لزيادة قيمة الموهوب بها. قال في الهندية: ولو وهب كرباساً فقصره الموهوب له لا يرجع لأنه زيادة متصلة وصفة متقومة، ولو غسله يرجع. كذا في محيط السرخسي. وإن فتله لا یرجع إذا کان یزید بذلك في الثمن. کذا في الوجيز للكردري. قوله: (وكبر صغير) قد علمت أن فيه خلافاً، لكن مثنى قاضيخان على عدم الرجوع ولم يتعرض للقول الآخر. وعبارته: رجل وهب عبداً صغيراً فشب وصار رجلاً طويلاً لا يرجع الواهب فيه، لأن الزيادة في البدن تمنع الرجوع وإن كانت تنقص القيمة اهـ. وعلله أيضاً في الاختيار بأنه زاد في بدنه ثم انتقص بوجه آخر فلا يرجع. قوله: (ومداواته) أي من مرض كان عند الواهب. أما إذا مرض عند الموهوب له فداؤه لا يمنع الرجوع. هندية عن البحر. وكأنه أراد بالمداواة حصول أثرها وهو البرء، أما بدونه فلم تحصل الزيادة والبرء بدون المداواة زيادة، تأمل. قوله: (وعفو جناية) أي صدرت من العبد كما إذا كان العبد حلال الدم فعفا الولي عنه، وهو في يد الموهوب له لا يرجع، وإن كانت الجناية خطأ فقداه الموهوب له لا يمنع من الرجوع ولا يسترد منه الفداء كما في الزيلعي. ولو جنى العبد على الموهوب له فللواهب الرجوع والجناية باطلة. هندية عن محيط السرخسي. قوله: (وتعليم قرآن أو كتابة الخ) أو كانت أعجمية فعلمها الكلام أو شيئاً من الحروف لا يرجع لحدوث الزيادة في العين كما في البحر، ومثله في الهندية عن المضمرات بزيادة هو المختار. قال في التاتر خانية معزياً لواقعات الناطفي: رجل وهب لرجل جارية فعلمها القرآن ٦٢٤ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة بإعرابه وحمل تمر من بغداد إلى بلخ مثلاً ونحوها. وفي البزازية: والحبل إن زاد خيراً أو الكتابة أو المشط ليس له أن يرجع هو المختار اهـ: أي وإن كانت هذه الزيادة معنوية، لكن في الزيلعي والعيني ما يخالفه فليراجع؛ وما ذكر في منية المفتي نقلاً عن السراجية أن الإسلام والتعليم ليس بزيادة مانعة عن الرجوع فمحمول على مروي عن محمد، وإلا فيكون مخالفاً لما في المعتبرات. قوله: (بإعرابه) أي بيان إعرابه من رفع ونصب وخفض وجزم، هذا إذا كان على الصواب، أما لو كان خطأ فهو تنقيص فلا يمنع الرجوع وإنما امتنع الرجوع في هذه المسائل لحدوث الزيادة في العين عند أبي يوسف. قال الحموي: وهو المختار. وعن محمد وزفر: لا يمنع الرجوع؛ لأن هذه ليست زيادة في العين فأشبهت الزيادة في السعر، وروي الخلاف بالعكس كما في الزيلعي، وعن أبي حنيفة روايتان كما في الشرنبلالية. قوله: (وحمل تمر من بغداد إلى بلخ مثلاً) فإن فيه زيادة القيمة بالنقل من مكان إلى مكان. بحر. قال في الهندیة معزیاً إلى التبیین: ولو نقله من مكان إلى مكان حتى ازدادت قيمته واحتاج إلى مؤنة النقل ذكر في المنتقى أنه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ينقطع الرجوع اهـ. وفي ط: وانظر حكم ما إذا لم تزد وقد علم أن محل كون زيادة السعر لا تمنع الرجوع إذا لم ينقل الهبة. قال الزيلعي: ولو نقله من مكان إلى مكان حتى ازدادت قيمته واحتاج فيه إلى مؤنة النقل ذكر في المنتقى أن عندهما ينقطع الرجوع، وعند أبي يوسف لا، لأن الزيادة لم تحصل في العين فصار كزيادة السعر. ولهما أن الرجوع يتضمن إبطال حق الموهوب له في الكراء ومؤنة النقل، بخلاف نفقة العبد؛ لأنها ببدل وهو المنفعة والمؤنة بلا بدل اهـ. وفي شرح السير الكبير للسرخسي: أنه لو كانت الهبة في دار الحرب فأخرجها الموهوب له إلى موضع يقدر فيه على حملها لم يكن للواهب الرجوع لأنه حدث فيها زيادة بصنع الموهوب له، فإنها كانت مشرفة على الهلاك في مضيعة وقد أحياها بالإخراج من ذلك الموضع انتهى. لكنه ذكر ذلك في صورة ما إذا ألقى شيئاً وقال حين ألقاه من أخذه فهو له ذكره في التاسع والتسعين. قوله: (ونحوها) أي المذكورات. وذكر في المنح مسائل من هذا الباب، منها: ما لو وهب له حلقة فركب فيها فصاً إن كان لا يمكن نزعه إلا بضرر لا يرجع، وإن أمكن نزعه بلا ضرر يرجع اهـ. والتطيين والتخصيص وتحديد السكين ونحوها زيادة تمنع الرجوع كما في الدر المنتقى. قوله: (وفي البزازية والحبل إن زاد خيراً منع وإن نقص لا) هذه الجملة موجودة في بعض النسخ دون بعض، وما في البزازية جزم به في الخلاصة، وقدمنا الكلام عليه عن الهندية لمناسبة ما إذا وهب حاملاً، قال فيها: وإن وهب جارية حاملاً فرجع قبل الوضع إن كان رجوعه قبل أن تمضي مدة يعلم ٦٢٥ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة منع الرجوع، وإن نقص لا. ولو اختلفا في الزيادة ففي المتولدة ككبر القول للواهب وفي نحو بناء وخياطة وصبغ للموهوب له. خانية وحاوي. ومثله في المحيط لكنه استثنى ما لو كان لا يبني في مثل تلك المدة، فيها زيادة الحمل جاز، فلا اهـ. قوله: (ففي المتولدة ككبر) بأن قال الموهوب له وهبتها لي وهي صغيرة فكبرت عندي وقال الواهب وهبتها هكذا كبيرة. قوله: (القول للواهب) لأنه ينكر لزوم العقد. قوله: (وفي نحو بناء وخياطة) فقال الواهب وهبتها هكذا مبنية أو نخيطة وقال الموهوب له أحدثته. قوله: (لكنه استثنى الخ) هذا ظاهر لتيقن كذب الموهوب له من حيث إن العادة تحيل إحداث هذا البناء في مثل هذه المدة، والضمير في لكنه لصاحب المحيط. وفي المحيط: لو قال رجل وهب لك مورثي هذا العبد فلم تقبضه في حياته بل بعد وفاته وقال الموهوب له قبضته في حياته والعبد في يد الوارث فالقول للوارث؛ لأن القبض قد علم الساعة والميراث قد تقدم القبض. بحر. ومقتضى التقييد بكون العبد في يد الوارث أنه لو كان في يد الموهوب له لا يكون القول للوارث بل للموهوب له. قال في الهندية: رجل وهب داراً فبنى الموهوب له في بيت الضيافة تنوراً للخبز كان الواهب أن يرجع في هبته. كذا في الظهيرية. ولو وهب له حماماً فجعله مسكناً أو وهب له بيتاً فجعله حماماً: فإن كان البناء على حاله لم يزد فيه شيئاً فله أن يرجع، وإن كان زاد فيه بناء أو علق عليه باباً أو خصصه وأصلحه أو طينه فليس له أن يرجع في شيء فيه. كذا في المحيط. إن هدم البناء رجع في الأرض ولو استهلك البعض له أن يرجع في الباقي. كذا في الوجيز للكردري. ولو كانت الزيادة بناء فانهدم يعود حق الرجوع. كذا في التاترخانية. وهب عبداً فكاتبه فعجز ورده رقيقاً فله الرجوع. ولو زالت الرقبة عن ملكه ثم عاد إليه بالفسخ فللواهب الرجوع. ولو جنى العبد على الموهوب له فللواهب الرجوع والجناية باطلة. هكذا في محيط السرخسي. رجل وهب شاة أو بدنة أو بقرة فأوجيها الموهوب له لأضحية أو هدي أو جزاء صيد أو نذر أو قلد البدنة أو البقرة أو أوجبها تطوعاً، فللواهب أن يرجع في الروايات الظاهرة. وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يرجع. كذا في محيط السرخسي. ولو وهب له شاة فذبحها فله أن يرجع فيها وهذا بلا خلاف، ولو ضحى بها أو ذبحها في هدي المتعة لم يكن له أن يرجع فيها في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى. وقال محمد رحمه الله تعالى: يرجع فيها وتجزئه الأضحية والمتعة، ولم ينص على قول أبي حنيفة ٦٢٦ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة (لا) يمنع الزيادة (المنفصلة) كولد وأرش وعقر وثمرة فيرجع في الأصل لا الزيادة، لكن لا يرجع بالأم حتى يستغني الولد، عنها. كذا نقله القهستاني. لكن نقل البرجندي وغيره أنه قول أبي يوسف فليتنبه له. ولو حبلت ولم تلد هل للواهب الرجوع؟ قال في السراج: لا، وقال الزيلعي: نعم. وفي الجوهرة: رحمه الله تعالى. واختلف المشايخ رحمهم الله تعالى فيه. قال بعضهم: إنه كقول محمد رحمه الله تعالى وهو الصحيح، كذا في المحيط. ولو وهب درهماً ثم استقرضه من الموهوب له فأقرضه إياه جاز وليس للواهب أن يرجع أبداً. كذا في خزانة المفتين. رجل وضع حبلاً في المسجد أو علق قنديلًا له الرجوع بخلاف ما إذا علق حبلاً للقنديل. كذا في السراجية. قوله: (لا يمنع الزيادة المنفصلة) فإن قيل: ما الفرق بين الرد بالعيب والرجوع بالهبة حتى منعت الزيادة المنفصلة الرد لا الرجوع، والمتصلة بالعكس. قلنا: هو إنه لا يجوز رد العين فقط لسلامة الزيادة للمشتري مجاناً وهو ربا ولا مع الزيادة قصداً لعدم ورود العقد عليها، والفسخ يرد على مورد العقد لا تبعاً، إذ الولد لا يتبع الأم بعد الانفصال، بخلاف الهبة لعدم الربا فيها والرد في المتصلة حصل ممن حصلت الزيادة على ملكه فكان إسقاط حقه برضاه فلا يمنعه الزيادة، بخلاف الرجوع لعدم حصوله برضاه ذلك فمنعه. يعقوبية. قوله: (كولد) بنكاح أو سفاح بزازية. قوله: (وأرش) أي أرش جناية على العبد كما إذا قطعت يده وأخذ الموهوب له أرشه كان للواهب أن يرجع ولا يأخذ الأرش. هندية. قوله: (حتى يستغني الولد عنها) ولم يعتبر ذلك في الثمرة لأنه يجوز بيعها بدا صلاحها أو لا فكذا هنا يأخذها الموهوب له، فتأمل. قوله: (لكن نقل البرجندي الخ) يعني وعنده غير يرجع بها دون الولد وإن لم يستغن، وحينئذ ينبغي أن تجبر على حضانته بأجر المثل، فليراجع. قوله: (أنه قول أبي يوسف) قال في الهندية: قال بشر: قلت وإن اختصموا في الرجوع والولد صغير ثم أدرك الصغير وقد كان القاضي أبطل الرجوع في الأم قال له الرجوع فيها هـ. فأفادت أن القاضي يبطل الرجوع قبل كبر الولد. وهل على قوله يلزم الموهوب له الأجر مدة الرضاع؟ ومقتضى القواعد أن ينظر إلى الولد، تارة يقبل غير أمه وتارة لا، فإن لم يقبل إلا إياها أمسكها للرضاع ولا أجر وامتنع أخذها، وإن قبل غيرها لا تمنع إلا برضا الواهب وله الأجر، ويحرر ط. ثم إن ظاهر الخانية اعتماد خلاف قول أبي يوسف حيث قال: ولو ولدت الهبة ولداً كان للواهب أن يرجع في الأم في الحال. وقال أبو يوسف: لا يرجع حتى يستغني الولد عنها ثم يرجع في الأم دون الولد اهـ. قوله: (قال في السراج لا، وقال الزيلعي نعم) تقدم التوفيق من أن الحبل عيب في الآدمية لا في البهيمة، وتقدم عن الهندية من أن الجواري تختلف، فمنهن ٦٢٧ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة مريض مديون بمستغرق وهب أمة فمات وقد وطئت ردها مع عقرها هو من تستمن به ويحسن لونها فيكون زيادة تمنع الرجوع، ومنهن بالعكس فيكون نقصاناً لا يمنع الرجوع اهـ. ويؤيد هذا التوفيق ما قدمناه أيضاً، من أن الحبل إن زاد خيراً منع الرجوع، وإن نقص لا، فإذا كانت الموهوبة أمة وحبلت عند الموهوب له ونقصت بذلك كان للواهب الرجوع ولا يتبعها حملها، بل إذا ولدت بعد الرجوع يسترده الموهوب له لکونه حدث علی ملكه، کما قالوا فيما لو بنى في الدار الموهوبة بناء منقصاً کبناء تنور في بيت السكنى، فإنه لا يمنع الرجوع كما في الخانية وللموهوب له أخذه، فقد سقط ما قيل إن ما ذكره الشارح لا يوافق القولين، فافهم. ثم لا يخفى أن هذا في الحبل العارض. أما لو وهبها حبلی ورجع بها كذلك صح، وليس الكلام فيه خلافاً لما فهمه الحموي. وبقي ما لو كان الحبل من الموهوب له فقد قدمنا عن الشيخ أبي السعود بحثاً بأنه مانع من الرجوع. قوله: (مريض) قال في المحيط: يجب أن يعلم أن هبة المريض هبة عقد وليست بوصية، واعتبارها من الثلث ما كان، لأنها وصية، ولكن لأن حق الورثة يتعلق بالمريض، وقد تبرع بالهبة فيلزم تبرعه بقدر ما جعل الشرع له وهو الثلث، وإذا كان هذا التصرف هبة عقد اشترط له سائر شرائط الهبة، ومن جملتها قبض الموهوب قبل موت الواهب اهـ. قوله: (وقد وطئت) أطلق في وطئها فعم ما لو كان الواطىء الموهوب له أو غيره. قوله: ((ردها مع عقرها) لتعلق حق الغرماء فيها إذ الدين يتعلق بذمة المديون، فإذا مرض مرض الموت تعلق بتركته، وكانت هبته حينئذ وصية لا تنفذ مع استغراق التركة بالدين فلذا يلزمه عقرها، لأنه لم يملكها قبل الموت حيث كانت وصية ولا بعد الموت لتعلق حق الغرماء، ولم يجب الحد للشبهة فوجب العقر، فلو حملت من ذلك الوطء یراجع حکمه. فروع: وهب في مرضه ولم يسلم حتى مات بطلت الهبة لأنه وإن كان وصية حتى اعتبر فيه الثلث فهو هبة حقيقة فيحتاج إلى القبض. وهب المريض عبداً لا مال له غيره ثم مات، وقد باعه الموهوب له لا ينقض البيع ويضمن ثلثيه، وإن أعتقه الموهوب له والواهب مديون ولا مال له غيره قبل موته جاز، وبعد موت الواهب لا، لأن الإعتاق في المرض وصية وهي لا تعمل حال قيام الدین، وإن أعتقه الواهب قبل موته ومات لا سعاية على العبد لجواز الإعتاق ولعدم الملك يوم الموت. بزازية. ورأيت في مجموعة مثلا علي الصغير بخطه عن جواهر الفتاوى: كان أبو حنيفة حاجاً فوقعت مسألة الدور بالكوفة فتكلم كل فريق بنوع فذكروا له ذلك حيث استقبلوه فقال من غير فكر ولا روية أسقطوا السهم الدائر تصح المسألة. ٦٢٨ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة المختار، (والميم موت أحد العاقدين) بعد التسليم، فلو قبله بطل، ولو اختلفا والعين في يد الوارث، فالقول للوارث، مثاله: مريض وهب عبداً له من مريض وسلمه إليه ثم وهبه من الواهب الأول وسلمه إليه ثم ماتا جميعاً ولا مال لهما غيره فإنه وقع فيه الدور متى رجع إليه شيء منه زاد في ماله، وإذا زاد في ماله زاد في ثلثه، وإذا زاد في ثلثه زاد فیما یرجع إليه، وإذا زاد فيما يرجع إليه زاد في ثلثه، ثم لا يزال كذلك فاحتيج إلى تصحيح الحساب. وطريقه: أن تطلب حساباً له ثلث وللثلث ثلث، وأقله تسعة، ثم تقول: صحت الهبة في ثلاثة منها ويرجع من الثلاثة سهم إلى الواهب الأول، فهذا السهم هو سهم الدور فأسقطه من الأصل يبقى ثمانية فمنها تصح، وهذا معنى قول أبي حنيفة: أسقطوا السهم الدائر، وتصح الهبة في ثلاثة من ثمانية والهبة الثانية في سهم، فيحصل للواهب الأول ستة ضعف ما صححنا في هبته، وصححنا الهبة الثانية في ثلث ما أعطينا، فثبت أن تصحيحه بإسقاط سهم الدور، وقيل دع الدور يدور في الهواء اهـ ملخصاً. قوله: (والميم موت أحد العاقدين) يعني حرف الميم إشارة إلى أن موت أحدهما مانع إن كان بعد التسليم، لأن بموت الموهوب له ينتقل الملك إلى ورثته فصار كما إذا انتقل حال حياته، ولأن تبدل الملك كتبدل العين فصار كعين أخرى، وإذا مات الواهب فوارثه أجنبي عن العقد إذ هو ما أوجبه وحق الرجوع مجرد خيار فلا يورث كخيار الشرط، ولأن الشارع أوجبه للواهب والوارث ليس بواهب. فإن قلت: إنه بالموت قد خرج الموهوب عن الملك فيستغني بذكر الخاء عن الميم. أجيب بأن الميت يعطى حكم الحي في أشياء كحق التجهيز والتكفين وقضاء الدين، وتنفيذ الوصية فربما يظن أن الهبة من تلك الأشياء فكان النص صريحاً على الموت أولى، ولينظر ما لو حكم بلحاقه مرتداً، ومفاد ما ذكر من التعليل أنه لو حكم بلحاقه مرتداً فالحكم كذلك وليراجع صريح النقل، والله تعالى أعلم. قوله: (بعد التسليم) قيد به لأنه لو مات أحدهما قبله بطلت لعدم الملك، ورجوع المستأمن إلى دار الحرب بعد الهبة قبل القبض مبطل لها كالموت، فإن كان الحربي أذن للمسلم في قبضه وقبضه بعد رجوعه إلى دار الحرب جاز استحساناً، بخلاف قبضه بعد موت الواهب كذا في المبسوط. بحر. قوله: (بطل) يعني عقد الهبة والأولى بطلت: أي لانتقال الملك للوارث قبل تمام الهبة. قوله: (ولو اختلفا) أي الشخصان لا بقید الواهب والموهوب له، وإن كان التركيب يوهمه بأن قال وارث الواهب ما قبضته في حياته وإنما قبضته بعد وفاته وقال الموهوب له بل قبضته في حياته والعبد في يد الوارث ط. قوله: (والعين في بد الوارث) هذا ليس بقيد لما في الهندية عن الذخيرة: قال المدعى عليه: وهب لك والدي هذا العين فلم تقبضه إلا بعد موته، وقال الموهوب له: قبضته في حياته والعين في يد الذي ٦٢٩ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة وقد نظم المصنف ما يسقط بالموت فقال: [الطويل] وكَفَّارةُ دِيه خَرَاجٌ وَرَابِعٌ ضَمَانٌّ لِعِثْقِ هَكَذَا نَفَقَاتُ يدعي الهبة فالقول للوارث، لأن القبض قد علم الساعة والميراث قد تقدم القبض اهـ. منح وبحر. وفيه تأمل ط. وقدمناه قريباً ولم يظهر لي وجه التأمل. قوله: (وقد نظم المصنف الخ) لم يذكره في المنح. قال الحلبي: وهو من الطويل من الضرب الثالث منه، والجزء الأول فيه الثلم، والجزء الثاني مقبوض مع تسکین هاء دیه، ولو زاد واواً وسكن الياء من ديه لسلم من العلل ط. ولو زاد الواو(١) في أوله وشدد الياء مع سكون الهاء في ديه لكان أولى، وفيه ما فيه لأن الواو يجوز حذفها، ولو قال: خَرَاجْ دِيَاتٌ ثُمَّ كَفَّارَةٌ كَذَا لَاسْتَقَامَ وَزْنهُ وَصح معناه لاستقام أيضاً. زکاة کذا عشر خراج ورابع أو قال: قوله: (كفارة) أطلق فيها فعم كل كفارة وظاهره أنها تسقط بالموت أصلاً حتى لا يخرج عنه من ماله، ولا يجب الوصية به، وهذا خلاف ما نص عليه الشرنبلالي، فإنه قال في نور الإيضاح وشرحه الصغير في أحكام إسقاط الصلاة: ولزمه عليه الوصية بما قدر عليه وبقي في ذمته حتى أدركه الموت من صوم فرض وكفارة وظهار وجناية على إحرام ومنذور فيخرج عنه وليه من ثلث ما ترك، وإن لم يوص لا يلزم الوارث الإخراج، وعلى هذا دين صدقة الفطر أو النفقة الواجبة والخراج والجزية والكفارات المالية والوصية بالحج والصدقة المنذورة والاعتكاف المنذور عن صومه اهـ مختصراً. فإن أراد أنه إذا مات لا يطالب الوارث بها من تركته صح، أما الذي وجبت بإيصائه فيطالب بإخراجها شرعاً ط. وفي شرح السراجية: وإن كان الدين من حقوق الله تعالى كالزكاة والصلاة والصوم وحجة الإسلام والنذر والكفارة، فإن أوصى به الميت وجب عندنا تنفيذه من ثلث ماله الباقي بعد دين العباد، وإن لم يوص لم يجب اهـ. وعليه فمعنى سقوطها بالموت عدم وجوب إخراجها من التركة بلا وصية، أما إذا أوصى بها فيطالب بإخراجها شرعاً. قوله: (ديه) أي على العاقلة أو على نفس القاتل إن لم يكن له عاقلة هكذا يفيد إطلاقه ط. قوله: (خراج) يعم خراج الرأس والأرض، وقد علمت من نقل الشرنبلالي أنه يوصي بهما ويخرجان من الثلث. قال المصنف في باب العشر: من عليه عشر أو خراج إذا مات أخذ من تركته، وفي رواية لا بل يسقط بالموت، والأول ظاهر الرواية. قوله: (ضمان لعتق) أي إذا أعتق أحد الشريكين حفظه من عبد موسراً فضمنه شريكه فمات المعتق سقط بموته. قوله: (هكذا (١) في ط (قوله ولو زاد الواو الخ). ٦٣٠ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة كَذَا هِبَةٌ حُكْمُ الجَميعِ سُقُوطُها بِمَوْتٍ لِمَا أَنَّ الجَمِيعَ صِلَاتُ (والعين العوض) بشرط أن يذكر لفظاً يعلم الواهب أنه عوض كل هبته (فإن قال خذه عوض هبتك أو بدلها) أو في مقابلتها ونحو ذلك (فقبضه الواهب نفقات) أي غير المستدانة بأمر القاضي. وفي حاشية أبي السعود: المراد من النفقة التي تسقط غير المستدانة بأمر القاضي، أما هي فقد جزم في الظهيرية بعدم السقوط، وصححه في الذخيرة ونسبه إلى كافي الحاكم، وعلله بأن للقاضي ولاية عامة فكانت استدانتها بأمره بمنزلة استدانة الزوج بنفسه، ولو استدان بنفسه لا يسقط ذلك الدين بموت أحدهما، فكذا هذا، وقد تقدم في النفقات الكلام على هذا مستوفى، وكذا في رسالة سيدي الوالد رحمه الله تحرير النقود في نفقات الفروع والأصول فارجع إليها فإنها فريدة في بابها ولم يسبق(١) على منوالها. قوله: (كذا هبة) يعني إذا وهب ولم يسلم حتى مات فإنها تبطل. قوله: (لما أن الجميع صلات) أي أو في حكمها كالخراج وقد علمت أنه ليس محصوراً فيما ذكره من الخمسة كما علمت مما مر فتأمل، ولأن الصلات لا تتم إلا بالتسليم، وإذا مات قبل التسليم تسقط. فإن قيل: لو كانت النفقة صلة كيف يجبر الزوج على التسليم. قلنا: يجوز أن يجبر؛ ألا ترى أن من أوصى أو يوهب عبده من فلان بعد موته فمات الموصي فإن الورثة يجبرون على تنفيذ الوصية في العبد وإن كان صلة، ولو مات العبد تبطل الوصية، وكذا الشفيع يستحق على المشتري تسليم الدار إليه بالشفعة والشفعة صلة شرعية، ولو مات الشفيع بطلت الشفعة كما في شرح أدب القضاء. قوله: (بشرط أن يذكر لفظاً الخ) لأن حق الرجوع ثابت له ولا يسقط إلا بعوض يرضى به، ولا يتم ذلك بدون رضاه. وفي الجوهرة ما يفيد أنه يكفي العلم بأنه عوض هبته ط. قال في الخانية: وهب لرجل عبداً بشرط أن يعوّضه ثوباً إن تقايضا جاز، وإلا لا اهـ. قوله: (خذه عوض هبتك) أفاد أنه لو وهب له شيئاً أو تصدق عليه ولم يذكر أنه عوض لا يسقط الرجوع بل لكل منهما أن يرجع في هبته. کذا في البحر. لکن یؤید کلام الجوهرة المذكور ما يأتي عن اليعقوبية الآتي قريباً، فتأمل. وفي أبي السعود بعد أن ذكر ما نقلناه عن البحر وهو صريح في عدم الفرق بين الهبة والصدقة فيخالف ما قدمناه من أنه إذا كان الموهوب له فقيراً ليس له الرجوع لأنها صدقة، اللهم إلا أن يحمل ما هنا على أن المتصدق عليه غني فتزول المخالفة لأنها حينئذ تكون مجازاً عن الهبة. قوله: (ونحو ذلك) أي من كل لفظ يفيد التعويض. وفي الخانية: (١) في ط (قوله ولم يسبق) كذا بالأصل، ولعله ((لم ينسخ)). ٦٣١ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة سقط الرجوع) ولو لم يذكر أنه عوض رجع كل بهبته، (و) لذا (يشترط فيه شرائط الهبة) كقبض وإفراز وعدم شيوع، ولو العوض مجانساً أو يسيراً. وفي بعض نسخ المتن بدل الهبة: العقد إذا عوض بعد الهبة وقال هذا ثواب هبتك أو مكانها أو کافاتك أو أثبتك أو تصدقت بها عليك بدلاً عن هبتك لا يبقى للواهب الرجوع. قوله: (سقط الرجوع) أي رجوع الواهب والمعوض كما في الأنقروي، وإليه يشير مفهوم الشارح. قوله: (ولو لم يذكر أنه عوض) أي فيكون هبة مبتدأة كما في الزيلعي. قوله: (رجع كل بهبته) برفع كل منوناً عوضاً عن المضاف إليه، لأن التمليك المطلق يحتمل الابتداء ويحتمل المجازاة، فلا يبطل حق الرجوع بالشك مستصفى، لكن قد يقال: إن الأصل أن المعروف كالملفوظ كما صرح به في الكافي، وفي العرف يقصد التعويض ولا يذكر خذ بدل هبتك ونحوه استحياء، فينبغي أن لا يرجع، وإن لم يذكر البدلية. وفي الخانية: بعث إلى امرأته هدايا وعوضت المرأة وزفت إليه ثم فارقها فادعى الزوج أن ما بعثه عارية وأراد أن يسترد وأرادت المرأة أن تسترد العوض فالقول للزوج في متاعه لأنه أنكر التمليك، وللمرأة أن تسترد ما بعثته إذ تزعم أنه عوض للهبة، فإذا لم يكن ذلك هبة لم يكن هذا عوضاً فلكل منهما استرداد متاعه. وقال أبو بكر الإسكاف: إن صرحت حين بعثت أنه عوض فكذلك، وإن لم تصرح به ولكن نوت أن يكون عوضاً كان ذلك هبة منها وبطلت نيتها، ولا يخفى أنه على هذا ينبغي أن يكون في مسألتنا اختلاف. يعقوبية. قوله: (ولذا الخ) قال ط: الأولى حذف لذا لأنه جعله مرتبطاً بما زاده، وإبقاء المصنف على ظاهره لأنه يفيد حكم ما ذكره الشارح بالأولی اهـ. نعم هو تعلیل لما یفهم من قوله (رجع کلّ بہبته) فإنه حیث سمی العوض هبة لأنه تمليك جديد، وإن سمى عوضاً شرط له ما يشترط للهبة. قوله: (وإفراز) عن مال المعوض فإنه إن عوضه ثمراً على شجر لا يتم حتى يفرزه. وفي الهندية: إن العوض المتآخر حكمه حكم الهبة يصح بما تصح به ويبطل بما تبطل به إلا في إسقاط الرجوع على معنى أنه يثبت حق الرجوع في الأولى ولا يثبت في الثانية اهـ. وهذا يدل على أن العوض لا يشترط في عقد الهبة ط. قوله: (ولو العوض مجانساً) أي من جنس الهبة ويسيراً: أي أقل منها، وذلك لأن العوض ليس ببدل حقيقة، إذ لو كان كذلك لما جاز بالأقل للربا، يحقق ذلك أن الموهوب له مالك للهبة والإنسان لا يعطي بدل ملكه لغيره، وإنما عوضه ليسقط حقه في الرجوع، وأيضاً فإنه لما كان العوض تمليكاً جديداً، وفيه معنى الهبة المبتدأة ولذا شرط فيه شرائطها فيجوز بأقل من الموهوب، ولو من جنسه لا فرق بين الأموال الربوية وغيرها، ولو كان عوضاً من كل وجه لامتنع ٦٣٢ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة وهو تحریف (ولا يجوز للأب أن يعوّض عما وهب للصغير من ماله) ولو وهب العبد التاجر ثم عوض فلكل منهما الرجوع. بحر. (ولا يصح تعويض مسلم من نصراني عن هبته خمراً أو خنزيراً) إذ لا يصح تمليكاً من المسلم. بحر (ويشترط أن لا في الأموال الربوية إلا مثلاً بمثل يداً بيد عند اتحاد الجنس. قوله: (وهو تحريف) لكن قد يقال على هذه النسخة إنه أراد بالعقد عقد الهبة، فأل للعهد الحضوري ويراد به المعقود عليه. والحاصل: أنه لا ملجىء إلى الحكم عليه بالتحريف مع إمكان صحته، إذ الأصل في اللام أو تكون للعهد والعقد المعهود هو الذي بوّب له، وهو عقد الهبة فكان معنى النسختين معتمداً. تأمل. قوله: (ولا يجوز للأب الخ) لأنه تبرع ابتداء وليس له أن يتبرع من مال الابن، فإن عوض فللواهب أن يرجع في هبته لبطلان التعويض بزازية، وهذه العلة تفيد أن الأب يرجع بما عوض؛ لأنه هبة من كل وجه فصح الرجوع به، والظاهر عدم كراهة الرجوع فيه لأنه لم يتبرع فيه ابتداء، بل لقصد التعويض ولم یتم له، فکان کما لو استحق الموهوب فإنه يرجع بالعوض، فكذا هنا، ولا يجوز له التعويض، وإن كانت الهبة للصغير بشرط التعويض كما في الهندية. ومما يتفرع على كون العوض بمعنى الهبة أنه لا يجوز لأنها تبرع، وليس للأب أن يتبرع بمال ابنه وله مندوحة عن رجوع الواهب في الهبة مع أن المسلم له مانع من دينه أن يرتكب المكروه، ومع ذلك لو باع العين الموهوبة للصغير امتنع الرجوع، وله ذلك في المنقول، فإن جاز له ذلك في العقار للضرورة تزاد على المسائل التي يباع فيها عقار الصغير. قوله: (من ماله) الضمير يرجع لأقرب مذكور، لا سيما وقد علم من صريح عبارة البزازية، ولو كان العوض من مال الأب صح لما مر، وسيأتي من صحة التعويض من الأجنبي. قوله: (ولو وهب العبد) أي وهب له شخص، ووهب بضم الواو مبني للمجهول: أي وهب له شخص شيئاً. قوله: (ثم عوض) أي عوض العبد عن هبته. قوله: (فلكل منهما الرجوع) وجهه في العبد ظاهر لأن الهبة تبرع وهو ليس من أهله، فإذا ملك العبد الرجوع لبطلان الهبة فكذا للموجب له الرجوع بالعوض، لأن التعويض مبني على الهبة وقد بطلت: أبو السعود. ويحتمل أن وهب مبني للفاعل وعوض مبني للمفعول. قال في الخانية: العبد المأذون إذا وهب لرجل فعوضه الموهوب له کان لكل واحد منهما أن يرجع فيما دفع؛ لأن هبة العبد باطلة مأذوناً كان أو محجوراً، وإذا بطلت الهبة بطل التعويض. قوله: (من نصراني) من هنا بمعنى اللام. قوله: (خمراً) مفعول تعويض ومفعول هبة محذوف وهو من إضافة المصدر لفاعله، والمعنى: لا يجوز أن يعوض المسلم خمراً أو خنزيراً إذا وهب له النصراني شيئاً؛ لأنا نهينا عن تمليك الخمر والخنزير وتملكهما، ٦٣٣ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة يكون العوض بعض الموهوب، فلو عوضه البعض عن الباقي) لا يصح (فله الرجوع في الباقي) ولو الموهوب شيئين فعوضه أحدهما عن الآخر إن كانا في عقدين صح، وإلا لا لأن اختلاف العقد كاختلاف العين والدراهم تتعين في هبة ورجوع. مجتبى (ودقيق الحنطة يصلح عوضاً عنها) لحدوثه بالطحن وكذا لو صبغ بعض الثياب أو لتّ بعض السويق ثم عوضه صح. خانية (ولو عوضه ولد إحدى جاريتين موهوبتين وجد) ذلك الولد (بعد الهبة امتنع الرجوع وصح) العوض (من فللذمي أن يرجع في هبته. قال الطحطاوي: والظاهر أنه لو كانت المسألة بالعكس يكون الحكم كذلك، ويحرر. قال في الهندية: وأهل الذمة في الهبة بمنزلة المسلمين لأنهم التزموا أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات إلا أنه لا تجوز المعاوضة بالخمر من الهبة فيما بين المسلم والذمي، سواء كان المسلم هو المعوض الخمر أو الذمي، ثم ذكر ذمي وهب لمسلم شيئاً فعوضه خمراً له الرجوع في هبته اهـ. قوله: (بعض الموهوب) قال في العناية: مثل أن يكون الموهوب داراً والعوض بيت منها أو الموهوب ألفاً والعوض درهم منها فإنه لا ينقطع به حق الرجوع، لأنا نعلم بيقين أن قصد الواهب من هبته لم يكن ذلك فلا يحصل به، خلافاً لزفر فإنه قال: التحق بذلك سائر أمواله وبالقليل من ماله ينقطع الرجوع، فكذا هذا. وتمامه فيها. قوله: (فله الرجوع في الباقي) لأن حقه كان ثابتاً في الكل فإذا وصل إليه بعضه لا يسقط حقه في الباقي. زيلعي. قوله: (صح) سواء كانا في مجلس أو مجلسين. بحر. قوله: (وإلا لا) هي مسألة المصنف. قوله: (في هبة) يعني إذ اوهبه دراهم تعينت فلو أبدلها بغيرها كان إعراضاً منه عنها. فلو أتى بغيرها ودفعه له فهو هبة مبتدأة وإذا قبضها الموهوب له وأبدلها بجنسها أو بغير جنسها لا رجوع عليه، ومثل الدراهم والدنانير ط. قوله: (ورجوع) أي ليس له أن يرجع إلا إذا كانت دراهم الهبة قائمة بعينها، فلو أنفقها كان إهلاكاً يمنع الرجوع ط. قوله: (لحدوثه بالطحن) أي فهو غير الحنطة، فلا يقال إنه عين الموهوب أو بعضه، ولذا لو وهب الدقيق في الحنطة ثم طحنه وسلمه لم يصح، لأنه لما وهبه كان معدوماً حين الهبة كما قدمنا. قوله: (وكذا لو ضبغ) لأن الشيء مع غيره غيره مع نفسه، فالثوب المصبوغ والسويق الملتوت بالسمن غيرهما خاليين عن الصبغ واللت، ولأن ما في الثوب من الصبغ وما في السويق من السمن ونحوه يصلح عوضاً. قوله: (ثم عوضه) أي البعض: أي جعله عوضاً عن الهبة صح لحصول الزيادة فيه فكأنه شيء آخر. قوله: (امتنع الرجوع) لأنه ليس له الرجوع في الولد فصح العوض اهـ. منح. والظاهر أن ذكر الجاريتين اتفاقي، والأولى للمصنف التعبير بإحدى، وهو كذلك في بعض النسخ ط. قوله: (وصح العوض من أجنبي) أي دفعه لأن ٦٣٤ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة أجنبي، ويسقط حق الواهب في الرجوع إذا قبضه) كبدل الخلع (ولو) التعويض (بغير إذن الموهوب له) ولا رجوع ولو بأمره إلا إذا قال عوض عني على أني ضامن لعدم وجوب التعويض بخلاف قضاء الدين (و) الأصل أن (كل ما يطالب به الإنسان بالحبس والملازمة يكون الأمر بأدائه مثبتاً للرجوع من غير اشتراط الضمان، وما لا فلا) إلا إذا شرط الضمان. ظهيرية. وحينئذ (فلو أمر المديون رجلاً بقضاء دينه رجع عليه) وإن لم يضمن لوجوبه عليه لكن يخرج عن الأصل ما لو قال أنفق على بناء داري أو قال الأسير اشترني فإنه يرجع فيها بلا شرط رجوع كفالة. خانية. الموهوب له لا يحصل له بهذا العوض شيء لم يكن سالماً له من قبل، فيصح من الأجنبي كما يصح منه الخلع، والصلح عن دم العمد اهـ. زيلعي. قوله: (كبدل الخلع) أي كما يصح عن بدل الخلع من أجنبي، وكان الأولى تقديمه على قوله وسقط كما فعل العيني. قوله: (ولا رجوع) أي للمعوض على الموهوب له، ولو كان شريكه سواء كان بإذنه أو لا، لأن التعويض ليس بواجب عليه، فصار كما لو أمره أن يتبرع الإنسان، إلا إذا قال على أني ضامن، بخلاف المديون إذا أمر رجلًا بأن يقضي دينه حيث يرجع عليه، وإن لم يضمن لأن الدين واجب عليه. منح. قوله: (ولو بأمره) يعني لا رجوع للأجنبي على الموهوب له، ولو كان بأمره. قوله: (لعدم وجوب التعويض) علة لقوله ((ولا رجوع)) ولو بأمره. قوله: (بخلاف قضاء الدين) أي حيث يرجع الأجنبي على المدين إذا قضى بأمره: أي ولو لم يقل إني ضامن لأن الدين ثابت في ذمته، وقد أمره أن يسقط مطالبته عنه فيكون أمراً بأن يملكه ما كان للطالب، وهو الدين فصار كما لو أمره أن يملكه عيناً. ذكره الزيلعي. قال الإتقاني: والفقه فيه أنه لما أمره بقضاء الدين صار مستقرضاً منه ذلك القدر وموكلاً إياه بالصرف إلى غيره، لأنا لو لم نجعله كذلك لا يتصور فراغ ذمته عما عليه، لأن الذمة لا تفرغ إلا بالقضاء، ولا يقع الفعل قضاء إلا إذا انتقل في المؤدي إلى من عليه الدين أو لا، حتى إذا قبض رب الدين وجب للمديون مثل ما عليه فيلتقيان قصاصاً، وهذا لا يحتاج إليه في الهبة؛ لأنه لا دين على الموهوب له حتى يحتاج إلى فراغ ذمته بتقدير الاستقراض فافترقا من هذا الوجه اهـ. شلبي. قوله: (ما يطالب به الإنسان) دخل فيه النفقة على الزوجة والأولاد. قوله: (بالحبس والملازمة) خرج بذلك الأمر بالتكفير عنه وأداء النذر، فإنه وإن كان يطالب بهما لكن لا بالحبس والملازمة، فليتأمل. قوله: (لكن) استدراك على قوله ((وما لا فلا)). قوله: (بلا شرط رجوع) كأنه لأن العرف قاض بضمان ما يدفع في ذلك، وقد ذكر هذا البحث المصنف وشيخه في بحره. وأشار بقوله ((فتأمل)) إلى نظر في وجه الاستثناء، لكن قد يقال: إن فداء الأسير والإنفاق على بناء الدار ملحقان بمال له مطالب يحبس به، ويلازم عليه، أما الأسير إذا لم يفد فهو كالرقيق ٦٣٥ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة تحت أيدي المشركين بل أعظم بلاء، وربما يتعرضون لفتنته عن دينه ولا يقدر أن يتخلص إلا بالفداء فألحق بمال له مطالب، وأما بناء الدار فإنه من جملة الحوائج الأصلية، لأن عدم مكان يأوي إليه ويستر فيه أهله ويحفظ فيه ماله يؤدي إلى هلاكه فكان لا بد له منه فألحق بماله مطالب أيضاً، نظيره ما قالوا في الكفالة بالنوائب فهي صحيحة، وإن كانت تؤخذ منه بغير حق لأنها تؤخذ منه فوق أخذ الحق فجازت الكفالة بها لدفع التضييق عليه، فتأمل. أقول: وقد ذكر الشارح قبل كفالة الرجلين أصلين آخرين: أحدهما من قام عن غيره بواجب بأمره رجع بما دفع، وإن لم يشترطه كالآمر بالإنفاق عليه وبقضاء دينه إلا في مسائل أمره بتعويض عن هبته وبإطعام عن كفارته وبأداء عن زكاة ماله وبأن يهب فلاناً عني ألفاً ثانيهما في كل موضع يملك المدفوع إليه المال مقابلًا بملك مال، فإن المأمور يرجع بلا شرط، وإلا فلا فالمشتري أو الغاصب إذا أمر رجلًا بأن يدفع الثمن أو بدل الغصب إلى البائع أو المالك كان المدفوع إليه مالكاً للمدفوع بمقابلة مال هو المبيع أو المغصوب، وظاهره أن الهبة لو كانت بشرط العوض فأمره بالتعويض عنها يرجع بلا شرط لوجود الملك بمقابلة مال، بخلاف ما لو أمره بالإطعام عن كفارته أو بالإحجاج عنه ونحوه فإنه ليس بمقابلة مال، فلا رجوع للمأمور على الآمر إلا بشرط الرجوع، ويرد عليه الأمر بالإنفاق عليه، فإنه قدم أنه يرجع بلا شرط مع أنه ليس بمقابلة مال، فلا رجوع للمأمور على الآمر إلا بشرط الرجوع، وكذا الأمر بأداء النوائب وبتخليص الأسير على ما مر. قال في النوازل: قوم وقعت لهم مصادرة فأمروا رجلاً أن يستقرض لهم مالاً ينفقه في هذه المؤنات ففعل فالمقرض يرجع على المستقرض، والمستقرض هل يرجع على الآمر إن شرط الرجوع؟ يرجع، وبدون الشرط لا يرجع، والمختار أنه يرجع. تاترخانية في كتاب الوصايا. وفي مجموعة النقيب عن العمادية: أن المأمور بالإنفاق من مال نفسه في حاجة الآمر، قال بعضهم: يوجب الرجوع إذا اشترطه، وقال بعضهم: يوجب الرجوع من غير اشتراطه وهو الأصح. ولو قال عوض عن هبتي أو أطعم عن كفارتي أو أد زكاة مالي أو وهب فلاناً عني ألفاً لا يرجع بلا شرط الرجوع كما في البزازية . وذكر في السراج الوهاج ضابطاً آخر: أن الواهب الذي سقط عن الآمر بدفع المأمور إن كان من أحكام الآخرة فقط لم يرجع بلا شرط الرجوع؛ لأنه لو رجع بأكثر مما ٦٣٦ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهية أسقط، وإن كان من أحكام الدنيا رجع بلا شرط اهـ. وقيد هذا في الخلاصة بما إذا قال ادفع مقدار كذا إلى فلان عني، فلو لم يقل عني أو ادفعه فإني ضامن فدفع المأمور إن كان شريك الآمر أو خليطه وتفسيره بأن يكون بينهما في السوق أخذوا عطاء ومواضعة، فإنه يرجع على الآمر بالإجماع، وكذا لو كان الآمر في عيال المأمور أو المأمور في عيال الآمر، وإن لم يوجد واحد من هذه الثلاثة فلا رجوع عليه، وعند أبي يوسف يرجع، وهذا إذا لم يقل اقض عني، فإن قال: ثبت له حق الرجوع بالإجماع من مجموعة النقيب: قال في الخانية: ذكر في الأصل إذا أمر صيرفياً في المصارفة أن يعطي رجلاً ألف درهم قضاء عنه أو لم يقل قضاء عنه ففعل المأمور فإنه يرجع على الآمر في قول أبي حنيفة، فإن لم يكن صيرفياً لا يرجع، إلا أن يقول عني، ولو أمره بشرائه أو بدفع الفداء يرجع عليه استحساناً، وإن لم يقل على أن ترجع علي بذلك، وكذا لو قال أنفق من مالك علی عیالي أو في بناء داري يرجع بما أنفق، وکذا لو قال اقض ديني يرجع علی کل حال، ولو قضى نائبة غيره بأمره رجع عليه، وإن لم يشترط الرجوع هو الصحيح اهـ. والحاصل: أنه إذا قال اقض ديني أو نائبتي أو اكفل لفلان بألف علي أو انقده بألف علي أو اقض ماله على أو أنفق على عيالي أو في بناء داري يرجع مطلقاً شرط الرجوع أو لا قال عني أو لا، وكذا لو قال ادفع إلى فلان كذا وكان المأمور صيرفياً أو خليطاً للآمر أو في عياله وإلا فلا ما لم يقل عني أو على أني ضامن، بخلاف ما لو قال هب لفلان عني ألفاً أو أقرضه ألفاً أو عوّضه عني أو كفر عن يميني بطعامك أو أد زكاة مالي بمالك أو أحج عني رجلًا أو أعتق عني عبداً عن ظهاري فلا رجوع إلا بشرطه، وإن كان المأمور خليطاً أو قال عني، فجملة هذه المسائل أربعة أقسام: الأول: ما يرجع به المأمور مطلقاً . الثاني: ما يرجع إن کان صیرفیاً أو خليطاً له أو في عياله. الثالث: ما يرجع إن قال عني. الرابع: ما لا رجوع فيه إلا بشرط الرجوع، وقد لخص سيدي الوالد رحمه الله تعالى هذا الحاصل من كلام الخانية والخلاصة، فهذه المسائل منصوص عليها في الخانية والخلاصة، وبها يستغنى عن الأصول المارة لأنها غير ضابطة، وكذا الأصل الذي ذكرناه عن الشارح، وهو من قام عن غيره بواجب بأمره رجع بما دفع الخ فإنه غير ضابط أيضاً، لأنه لا يشمل الأمر بالإنفاق في بناء داره وبشراء الأسير وقضاء النائبة، ولشموله الواجب الأخروي کالأمر بأداء زکاته ونحوه. وفي نور العين عن مجمع الفتاوى: أمر أحد الورثة إنساناً بأن یکفن الميت فكفن، إن ٦٣٧ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة مع أنه لا يطالب بهما لا بحبس ولا بملازمة فتأمل، (وإن استحق نصف الهبة رجع بنصف العوض وعكسه لا ما لم يرد ما بقي) لأنه يصلح عوضاً ابتداء فكذا بقاء، لكنه يجبر ليسلم العوض، ومراده العوض الغير المشروط، أما المشروط فمبادلة كما سيجيء فيوزع البدل على المبدل. نهاية (كما لو استحق كل العوض حيث يرجع في كلها إن كانت قائمة لا إن كانت هالكة) كما لو استحق العوض وقد ازدادت الهبة أمره ليرجع عليه يرجع عليه كما في أنفق في بناء داري وهو اختيار شمس الإسلام، وذكر السرخسي أن له أن يرجع بمنزلة أمر القاضي. وفيه عن الذخيرة قال: ادفع إلى فلان قضاء له ولم يقل عني أو قال اقض فلاناً ألفاً ولم يقل عني ولا على أني ضامن لها أو كفيل بها فدفع، فلو كان المأمور شريكاً للآمر أو خليطاً له رجع على آمره، ومعنى الخليط: أن يكون بينهما أخذ وإعطاء أو مواضعة، على أنه متى جاء رسول هذا أو وكيله يبيع منه أو يقرضه فإنه يرجع على الآمر إجماعاً، إذ الضمان بين الخليطين مشروط عرفاً، إذ العرف أنه إذا أمر شريكه أو خليطه بدفع مال إلى غيره بأمره يكون ديناً على الآمر والمعروف كالمشروط، وكذا لو كان المأمور في عيال الآمر أو بالعكس يرجع إجماعاً، وإن لم يقل على أني ضامن ولم يشترط الرجوع اهـ. وأفاد التعليل بالضمان عرفاً أن ما جرى به العرف في الرجوع على الأمر يرجع وإن لم يكن خليطاً ولا في عياله، ولذا أثبتوا الرجوع للصيرفي، فليحفظ. قوله: (وإن استحق نصف الهبة رجع بنصف العوض) لأنه لم يدفعه إلا ليسلم له الموهوب كله، فإذا فات بعضه رجع عليه بقدره كغيره من المعاوضات. درر .. قال السمرقندي، وهذا إذا استحق نصف معين أما إذا لم يكن معيناً تبطل الهبة أصلاً. كذا في الشرح اهـ. وقال في الجوهرة: وهذا: أي الرجوع فيما إذا لم يحتمل القسمة وإن فيما يحتملها إذا استحق بعض الهبة بطل في الباقي ويرجع في العوض: أي لأن الموهوب له تبين أنه لم يملك ذلك البعض المستحق فبطل العقد فيه من الأصل، فلو جاز في الباقي كان هبة مشاع فيما يحتمل القسمة، وذلك يمنع ابتداء التمليك بالهبة. أشار إليه سري الدين. قوله: (وعكسه لا) أي إن استحق نصف العوض لا يرجع بنصف الهبة لأنه ليس عوضاً حقيقة على ما تقدم، ولأن النصف الباقي مقابل لكل الهبة فإن الباقي يصلح للعوض ابتداء، فكذا بقاء إلا أنه يتخير. قوله: (ليسلم العوض) الأولى أن يقول: لأنه لم يسلم له العوض، فتأمل. قوله: (الغير المشروط) أي في عقد الهبة. قوله: (أما المشروط) أي في العقد. قوله: (فيوزع) لأنه بيع. قوله: (كما لو استحق) تنظير لمفهوم قوله ((ما لم يرد ما بقي)) فإن مفهومه أنه إذا رد ما بقي رجع بكل الهبة. قوله: (لا إن كانت هالكة) فإن ٦٣٨ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة لم يرجع. خلاصة (وإن استحق جميع الهبة كان له أن يرجع في جميع العوض إن كان قائماً، وبمثله إن) العوض (هالكاً وهو مثلي وبقيمته إن قيمياً) غاية (ولو عوض النصف رجع بما لم يعوض) ولا يضر الشيوع لأنه طارىء. استحق العوض والهبة هالكة لا يرجع الواهب على الموهوب له أصلاً، لأن هلاك الهبة مانع من الرجوع اهـ. شلبي: أي وقد هلكت على ملكه واستحال الرجوع فيها، فاستوى في ذلك التعويض وعدمه ط. قوله: (لم يرجع) أي الواهب على الموهوب له ببدل العوض لأن الزيادة مانعة من الرجوع كالهلاك. قوله: (رجع ما لم يعوض) لأن المانع قد خص النصف. قوله: (ولا يضر الشيوع) أي الحاصل بالرجوع في النصف. قال في البزازية: عوضه في بعض هبته بأن كانت ألفاً عوضه درهماً منه فهو فسخ في حق الدرهم ويرجع في الباقي، وكذا البيت في حق الدار. قوله: (ولم أر من صرح به غيره) قائله المصنف في منحه، وفيه: بل صرحوا بأن العوض قسمان. قال سري الدين: جعل صاحب البدائع والمحيط العوض على نوعين: عوض مشروط في العقد وسيأتي في كلام المصنف آخر مسألة من هذا الباب، وعوض متأخر عن العقد، وهو ما ذكره المصنف والعين للعوض: أي المتأخر اهـ. وقد عقد صاحب الهندية باباً مستقلاً لهما: ويفرق بينهما بما ذكر هنا من أنه لم يكن مشروطاً، واستحق بعضه فإنه يمتنع الرجوع، وإن كان مشروطاً انقسم على الهبة ط. قال في مشتمل الأحكام ناقلاً عن مختصر المحيط: العوض المانع إن كان مشروطاً في العقد فلكل واحد الامتناع ما لم يتقابضا فهو بمنزلة البيع يردان بعيب ويجب له الشفعة، ولو كان العوض متأخراً عن العقد إن أضافه إلى الهبة بأن قال هذا عوض هبتك أو جاريتك يصح، ويكون العوض هبة يصح بما تصح به الهبة ويبطل بما تبطل به الهبة، ويتوقف الملك على القبض ولا يكون في معنى المعاوضة ابتداء ولا انتهاء. فأما إذا لم يضف العوض إلى الهبة فلكل واحد منهما الرجوع بما وهب. ونقل عن شرح مختصر القدوري العوض: إذا لم يكن مشروطاً في العقد فهو هبة في نفسه فيتوقّف الملك على القبض، ولا يصح الشيوع، وفي حق الأول يعتبر عوضاً ثم يسقط به الرجوع، فما في مختصر المحيط موافق للمجتبى بأحد وجهيه. وفي غاية البيان: قال أصحابنا: إن العوض الذي يسقط به الرجوع ما شرط في العقد، فأما إذا عوضه بعد العقد لم يسقط الرجوع، لأنه غير مستحق على الموهوب له وإنما تبرع به ليسقط عن نفسه الرجوع فيكون هبة مبتدأة، ولیس کذلك إذا شرط في العقد، لأنه يوجب أن يصير حكم العقد حكم البيع، ويتعلق به الشفعة ويرد بالعيب فدل أنه قد صار عوضاً عنها، وقالوا أيضاً: يجب أن يعتبر في العوض الشرائط المعتبرة في الهبة من القبض وعدم الشيوع لأنه هبة. كذا في شرح الأقطع. ٦٣٩ كتاب الهية / باب الرجوع في الهبة تنبيه: نقل في المجتبى: أنه يشترط في العوض أن يكون مشروطاً في عقد الهبة، أما إذا عوضه بعده فلا، ولم أرَ من صرح به غيره، وفروع المذهب مطلقة كما مر، فتدبر (والخاء خروج الهية عن ملك الموهوب له) ولو بهبة، إلا إذا رجع الثاني فللأول الرجوع سواء كان بقضاء أو رضاً، لما سيجيء أن الرجوع فسخ حتى لو عادت بسبب جديد بأن تصدق بها الثالث على الثاني أو باعه منه لم يرجع الأول، ولو باع نصفه رجع في الباقي لعدم المانع. وقال في التحفة: فأما العوض المتأخر عن العقد فهو لإسقاط الرجوع، ولا يصير في معنى المعاوضة لا ابتداء ولا انتهاء، وإنما يكون الثاني عوضاً عن الأول بالإضافة إليه نصاً كهذا عوض عن هبتك، فإن هذا عوض إذا وجد القبض ويكون هبة يصح ويبطل بما تصح وتبطل به الهبة، وأما إذا لم يضف إلى الأولى يكون هبة مبتدأة ويسقط حق الرجوع في الهبتين جميعاً انتهى مع بعض اختصار. ومفاده أنهما قولان أو روايتان: الأول: لزوم اشتراطه في العقد. والثاني: لا بل لزوم الإضافة إلى الأولى، وهذا الخلاف في سقوط الرجوع. وأما كونه بيعاً انتهاء فلا نزاع في لزوم اشتراطه في العقد. تأمل. وسنذكر آخر الفصل في الفروع بيان العوض مفصلاً عن الهندية إن شاء الله تعالى، فراجعه. قوله: (وفروع المذهب مطلقة كما مر) من دقيق الحنطة وولد إحدى جاريتين. قال في المنح: منها ما قدمناه من أن دقيق الحنطة يصلح عوضاً منها، ومنها ما تقدم من أنه لو عوضه ولد إحدى جاريتين موهوبتين وجد بعد الهبة فإنه يمتنع الرجوع اهـ. قوله: (فتدبر) قال العلامة أبو السعود: قلت: الظاهر أن الاشتراط بالنظر لما سبق من توزيع البدل على المبدل، لا مطلقاً، وحينئذ فما في المجتبى لا يخالف إطلاقه فروع المذهب، فتأمل انتهى. لكن قال العلامة السائحاني: أقول: بل فروع المذهب صريحة في ضده كما قدمته عن الخانية وكما قدمه الشارح في قوله ((ومراده العوض الغير المشروط)) فلا تلتفت لما في المجتبى، ثم ظهر أن المراد بعدم كونه عوضاً أنه لا يجعل الهبة بيعاً انتهاء. ثم رأيت شيخنا أجاب بنظير هذا انتهى. فتأمل. قوله: (خروج الهبة) لأنه حصل بتسليط الواهب، فلا ينقضه أطلق في الخروج فشمل ما إذا وهب لإنسان دراهم ثم استقرضها منه فإنه لا يرجع فيها لاستهلاكها. خانية. وشمل أيضاً ما لو وهب لمكاتب إنسان، ثم عجز المكاتب لم يرجع المالك في الهبة عند محمد لانتقالها من ملك المكاتب إلى ملك مولاه خلافاً لأبي يوسف كما في المنح. قوله: (سواء كان) أي رجوع الثاني. قوله: (فسخ) فإذا عاد إلى الواهب الثاني ملكه عاد بما كان متعلقاً به. قوله: (لم يرجع الأول) لأن حق الرجوع لم يكن ثابتاً في هذا الملك. درر عن المحيط. قوله: (ولو باع نصفه الخ) مرتبط بالمصنف؛ ٦٤٠ كتاب الهبة / باب الرجوع في الهية وقید الخروج بقوله: (بالكلية) بأن یکون خروجاً عن ملکه من كل وجه. ثم فرع عليه بقوله: (فلو ضحى الموهوب له بالشاة الموهوبة أو نذر التصدق بها وصارت لحماً لا يمنع الرجوع)، ومثله المتعة والقران والنذر. مجتبى. وفي المنهاج: وإن وهب له ثوباً فجعله صدقة لله تعالى فله الرجوع خلافاً للثاني (كما لو ذبحها من غير تضحية) ويظهر في صورة تكرر الهبة أيضاً. قال في المحيط البرهاني: ولو وصل إلى الواهب الثاني بهبة أو إرث أو وصية أو شراء أو ما أشبه ذلك لم يكن للواهب الأول أن يرجع. قوله: (فلو ضحى الخ) أما لو طبخها بعد أن ضحى بها أو بدون التضحية ينبغي أن لا يرجع لأنه بمنزلة الاستهلاك كما علم في باب الغصب. قوله: (لا يمنع الرجوع) وتجزيه عن الأضحية والمتعة عند محمد، وليس له الرجوع في قول أبي يوسف، والصحيح أن قول الإمام كقول محمد. هندية عن المحيط. قال ط: وسكت عن النذر والظاهر عدم الإجزاء لعدم الوفاء بالنذر اهـ. قال السائحاني: ويظهر أنها تجزىء عن النذر والقران، أما على رواية أنها غير فسخ من الأصل إذا لم تكن بقضاء فظاهر، وأما على غيرها فلأن هذه الأشياء غير محسوسة، حتى يتأتى فيها النقض، وصرحوا بأن الزكاة لا تعود وكذا الشفعة فيما لو وهب المال قبل الحول ثم رجع بعده، وفيما لو رجع بعد ما وهب الدار وبيعت دار بجوارها، وسيأتي: [الطويل] وَوَهِبِ شَاةٍ رَاجِعٌ بَعْدَ ذَبِحِهَا فَيُجْزىءُ مَنْ ضَخَّى عَلَيْهَا وَيُؤْجَرُ وهذا البيت تصریح ببعض ما ظهر لي اهـ. أقول: ولأنه وإن لم يبح له أكل المنذور لكنه باق على ملکه بعدم الذبح ولذا يتصدق به والصدقة لا تكو إلا بما هو ملكه. تأمل. قوله: (والنذر) لعله أراد به هنا المطلق فلا يتكرر مع المصنف. أو يقال إنما كررها بعد ذكر المتن لها، لأنه نقل عبارة المجتبى برمتها تأييداً لما في المتن. قوله: (فجعله) أي الموهوب له. قوله: (فله الرجوع) ما لم يقبضه للمتصدق عليه، ولو وهب له شيئاً وقبضه فاختلسه الواهب واستهلكه غرم قيمته للموهوب له، ولو كان شاة فذبحها الواهب بعد قبض الموهوب له يأخذ الشاة المذبوحة من غير تغريم، بخلاف ما لو كان ثوباً فقطعه الواهب فإن الموهوب له يأخذ الثوب ويغرم الواهب له ما بين القطع والصحة. هندية. قوله: (خلافاً للثاني) أي فلا يمتنع الرجوع عنده، والخلاف يجري أيضاً في مسألة الأضحية وما عطف عليها كما هو في المجتبى. ولذا قال فيما لو ذبحها من غير تضحية: له الرجوع اتفاقاً: أي لم يخالف فيها أبو يوسف، لأنها لم تخرج عن ملكه أصلاً، وفي التضحية: خرجت لله تعالى وهما يقولان