Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كتاب العارية
ترهن، بل ولا تودع ولا تعار، بخلاف العارية على المختار. وأما المستأجر فيؤجر
وهو خلاف موضوعها، وإن وقعت لازمة يلزم لزوم العارية وهو خلاف موضوعها،
وذلك لأن الإجارة إذا لزمت تصير العارية لازمة لعدم إمكان الاسترداد فيها، ولا ترهن
العارية أيضاً لأنها غير لازمة والرهن لازم، فلو جاز للمستعير أن يرهن العارية لزم لزوم
ما لا يلزم وهو العارية، أو عدم لزوم ما لا يلزم وهو الرهن. ذكره الشمني. قوله: (ولا
تودع) أي كما أن الوديعة لا تتضمن ما فوقها كذلك لا تتضمن مثلها. قوله: (ولا تعار)
لأن العارية أقوى لأن فيها تمليك المنافع لأن المودع لا يملك الانتفاع والمعار يملكه.
قوله: (بخلاف العارية) أي فإنها تودع وتعار: أي مطلقاً عند الإطلاق. أما عند التقييد
بمستعمل فليس له أن يعير إلا إذا كان الاستعمال لا يختلف كالسكنى والحمل والزراعة،
وإن شرط أن ينتفع هو بنفسه لأن التقييد فيما لا يختلف غير مفيد كما في شرح المجمع.
قال المصنف في شرحه: واختلفوا في إيداع المستعير. قال بعض المشايخ: ليس له أن
يودع مطلقاً منهم الكرخي، واستدلوا عليه بمسألة ذكرها في الجامع أن المستعير إذا بعث
العارية إلى صاحبها على يد أجنبي فهلكت في يد الرسول ضمن المستعير العارية، وليس
ذلك إلا إيداعاً منه.
قال الباقلاني: هذا القول أصح، لأن الإيداع تصرف في ملك الغير وهو العين بغير
إذنه قصداً فلا يجوز، بخلاف الإعارة لأنه تصرف في المنفعة قصداً وتسليم العين من
ضروراته فافترقا. وأكثرهم على أنه يجوز، منهم مشايخ العراق وأبو الليث والشيخ الإمام
أبو بكر محمد بن الفضل والصدر الكبير برهان الأئمة، لأن الإيداع دون الإعارة والعين
وديعة عند المستعير في العارية، فإذا ملك الأعلى فالأولى أن يملك الأدنى. قال ظهير
الدين المرغيناني: وعليه الفتوى اهـ. وجعل الفتوى على هذا في السراجية أيضاً.
وفي الصيرفية أن القول بأن العارية تودع أو لا تودع محله ما إذا كان المستعير يملك
الإعارة، أما فيما لا يملكها لا يملك الإيداع، والله تعالى أعلم.
أقول: ومن الصور التي لا تملك فيها الإعارة ما لو انتهت مدتها وهو ما ذكره
المصنف. ومنها ما لو عین المعیر للمستعیر أن لا یعیر فیما یختلف بالاستعمال کرکوب
الدابة ولبس الثوب لأنهما يختلفان باختلاف المستعملين كما سيذكره المصنف. قوله: (وأما
المستأجر) بفتح الجيم فيؤجر: أي من غير مؤجره، فلا تجوز وإن تخلل ثالث، به یفتی
للزوم تمليك المالك، ولا يؤجره بأكثر مما استأجره، أطلقه وهو مقيد بما لا يختلف الناس
بالانتفاع به.
قال في البزازية: إعارة المستأجر تجوز إلا في شيئين: استأجرها ليركبها بنفسه ليس له
إركاب غيره لا ببدل ولا مجاناً، وكذا لو استأجره ليلبسه ليس له الإعارة ولا الإجارة لغيره

٥٢٢
كتاب العارية
ويودع ويعار ولا يرهن. وأما الرهن فكالوديعة. وفي الوهبانية نظم تسع مسائل لا
يملك فيها تمليكاً لغيره بدون إذن سواء قبض أو لا، فقال: [الطويل]
وَمَالِكُ أَمْرٍ لَا يَمْلِكُهُ
لأنهما يختلفان باختلاف المستعملين، حتى لو استأجر دابة للركوب مطلقاً يقع على أول ما
یوجد، فإن رکب أو أرکب تعین وليس له غيره بعد انتھی.
وفي الحافظية: وقولهم يؤجر المستأجر ويعير ويودع فيما لا يختلف الناس في الانتفاع
به انتھی.
وفي وديعة البحر عن الخلاصة: والوديعة لا تودع ولا تعار ولا تؤجر ولا ترهن،
والمستأجر يؤجر ويعار ويودع، ولم يذكر حكم الرهن، وينبغي أن يرهن اهـ.
وفي قول الخلاصة: وينبغي نظر لأنه قد مر آنفاً في مختارات النوازل لصاحب الهداية
أن المستأجر لا يرهن، اللهم إلا أن يكون في المسألة روايتان، أو سقطت كلمة ((لا)) من
عبارة أن يرهن في الخلاصة سهواً من قلم الناسخ.
لا يقال: لعل مراد صاحب الخلاصة من قوله ينبغي أن يرهن هو الرهن لا
المستأجر. لأنا نقول: لا مجال لذلك الاحتمال لأنه ذكر في الخلاصة أيضاً في كتاب الرهن
أن الرهن لا يرهن، أفاده في نور العين، ولذلك زدت في عبارته ((لا)) من غير تنبيه عليها
في الوديعة عند قوله الدفع لمن في عياله. قوله: (ويودع) لكن الأجير المشترك يضمن
بإيداع ما تحت يده، لقول الفصولين: ولو أودع الدلال ضمن. سائحاني. قوله: (ويعار)
فيركب من شاء إذا استأجر له ويتعين أول راكب كما يأتي. قوله: (ولا يرهن) لأن فيه
إبقاء الدين وهو تمليك لعينه، والمستأجر إنما ملكت منافعه لا عينه. قوله: (فكالوديعة)
فلا يؤجر ولا يرهن ولا يودع ولا يعار.
قال في الأشباه: الوديعة لا تودع ولا تعار ولا تؤجر ولا ترهن، والمستأجر يؤجر
ويعار ولا يرهن، والعارية تعار ولا تؤجر، وإنما جازت إعارة المعار والمؤجر للإطلاق في
الانتفاع وهو معدوم في الإيداع.
فإن قيل: إن أعار فقد أودع. قلنا هذا ضمني لا قصدي، والرهن كالوديعة لا
يودع ولا يعار ولا يؤجر. وأما الوصيّ فيملك الإيداع والإجارة دون الإعارة كما في
وصايا الخلاصة، وكذا المتولي على الوقف والوكيل بقبض الدين يعد مودعاً فلا يملك
الثلاثة كما في جامع الفصولين. قوله: (ومالك أمر الخ) مالك مبتدأ وجملة لا يملكه صفة
له، وقوله وكيل الخ هو الخبر.
قال الشارح ابن الشحنة: قد ذكرها قاضيخان مجموعة فقال:

٥٢٣
كتاب العارية
.... بِدُو ن أَمْرٍ وَكيلٌ مُسْتعيرٌ وَمُؤَجَرُ
الأولى: الوكيل ليس له أن يوكل فيما وكل فيه؛ لأنه فوض إليه التصرف دون
التوكيل: والناس متفاوتون في الآراء وقد رضي برأيه دون رأي غيره، فلو أذن له في ذلك
جاز.
الثانية والثالثة: المستعير والمستأجر وكل منهما ذكر له صورتين، فالمستعير إذا استعار
دابة ليركبها ليس له أن يعيرها لغيره إلا أن يكون أمره بذلك أو أباحه له.
ولو استعار قباء أو قميصاً ليلبسه له أن يعيره لغيره بدون أمره. والأصل في ذلك
أن العارية إذا كانت مما يختلف باختلاف المستعملين ليس للمستغير أن يعير بدون أمر المعير
وإن كانت لا تختلف يجوز. والمستأجر لو استأجر دابة ليركبها بنفسه ليس له أن يؤجرها
للغیر لا للرکوب ولا للحمل إلا بأمر المؤجر. ولو استأجر الثوب لیلبسه هو بنفسه لیس
له أن يؤجره لغيره لما مر، وإلى ذلك أشار بقوله ركوباً ولبساً فيهما: أي في العارية
والإجارة.
الرابعة: المضارب بفتح الراء ليس له أن يضارب غيره بغير إذن.
الخامسة: المرتهن لا يملك أن يرهن الرهن بغير إذن الراهن فإنه رضي بحبسه لا
بحبس غيره، فإن فعل فهلك عند الثاني كان للمالك أن يضمن أيهما شاء قيمة الرهن،
فإن ضمن الأول لا يرجع على واحد، وإن ضمن الثاني له الرجوع على الأول.
السادسة: القاضي ليس له أن يستحلف بدون إذن الإمام ولم يذكر هذه المسألة
قاضيخان هنا، وذكرها في الهداية، وهي مقيسة على الوكيل.
السابعة: المستودع لا يملك الإيداع عند أجنبي إلا أن يأذن له لأن المالك إنما رضي
بيده دون يد غيره، والأيدي تختلف في الأمانة. وأيضاً الشيء لا يتضمن مثله كما مر.
الثامنة: المستبضع لا يملك الإبضاع، فإن أبضع وهلك كان لرب المال أن يضمن
أيهما شاء، فإن سلم وحصل الربح كان لرب المال.
التاسعة: رجل أخذ أرضاً وبذراً ليزرعها ولم يقل له صاحب الأرض اعمل فيها
برأيك لا يدفع إلى غيره مزارعة، فإن كان البذر من قبل الآخر كان له أن يدفع إلى غيره
مزارعة على كل حال. وقد عدها المصنف أحد عشر، فإنه جعل الركوب واللبس مسألتين
مستقلتين، ولا يخفى أنهما صورتان تحت الإجارة والإعارة اهـ. قوله: (بدون أمر) أي من
الأصيل، ونصف البيت الواو من دون. قوله: (وكيل) فليس له أن يوكل فيما وكل فيه
لأنه فوض إليه التصرف دون التوكيل الخ. قوله: (مستعير) أي إذا استعار دابة ليركبها
ليس له أن يعيرها لغيره، إلا أن يكون أمره بذلك، أو استعار قميصاً ليلبسه ليس له أن
يعيره لغيره بدون أمر المعير الخ. قوله: (ومؤجر) بفتح الجيم: هو المستأجر بكسرها:

٥٢٤
كتاب العارية
رُكُوبَاً وَلُبْساً فيِهِمَا وَمُضَارِبٌ وَمُرْتِنٌ أَيْضاً وَقَاضِ يُؤْمَّرُ
وَمُسْتَوْدِعْ مُسْتَبْضِعٌ وَمُزَارِعٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِهِ الْبَّذْرُ يُبْذَرُ
قلت: والعاشرة: [الطويل]
وَمَا لِلمُسَاقِيَ أَنْ يُسَاقِيَ غَيْهُ وَإِنْ أَذِنَ المَوْلَىَ لَهُ لَيْسَ يُنْكَرُ
(فإن آجر) المستعير (أو رهن فهلكت ضمنه المعير) للتعدي (ولا رجوع له)
للمستعير (على أحد) لأنه بالضمان ظهر أنه آجر ملك نفسه،
يعني لو استأجر دابة ليركبها بنفسه أو قميصاً ليلبسه بنفسه ليس له أن يركب غيره ولا
يحمل، وكذا ليس له أن يلبس القميص إلا بأمر. قوله: (ركوباً ولبساً فيهما) أي في
المستعار والمؤجر: أي للركوب واللبس فيهما، فهو منصوب على المفعول لأجله، وإنما لا
يملك المستعير والمستأجر ذلك في الركوب واللبس ونحوهما للاختلاف بالمستعمل إلا
بالإذن. أما ما لا يختلف فله ذلك بدون الإذن، ولكن يخالف هذا ما يأتي متناً من قوله:
(((وله أن يعير ما اختلف استعماله أو لا)).
وقال في المنح: ومثله المستأجر، نعم هو صحيح فيما إذا عين المعير فإنه لا يعيره
حينئذ بدون إذن فيما يختلف استعماله لكنه أطلق هنا المستعير والمؤجر، ووافقه عليه
الشرنبلالية في شرحه، لکن الذي يظهر أنه هنا محمول على ما إذا قید بلبسه وركوبه،
وليحرر. قوله: (ومضارب) بكسر الراء فليس له أن يضارب بغير إذن. قوله: (ومرتهن)
فلا يملك أن يرهن بغير إذن الراهن لأنه رضي بحبسه لا بحبس غيره الخ. قوله:
(وقاض يؤمر) أي يستخلف فليس له أن يستخلف بدون إذن الإمام. قوله: (ومستودع)
بفتح الدال لا يملك الإيداع عند أجنبي إلا أن يأذن له المالك الخ. قوله: (ومستبضع)
فإنه لا يملك الإبضاع، فإن أبضع وهلك كان لرب المال أن يضمن أيهما شاء الخ. قوله:
(ومزارع) أي من أخذ الأرض مزارعة وكان البذر من ربها لا يدفعها إلى غيره مزارعة
بدون أمر، فإن كان البذر من قبل المزارع كان له أن يدفع إلى غيره مزارعة مطلقاً. قوله:
(من عنده) أي المزارع. قوله: (يبذر) بالبناء للمجهول حال من البذر ومن عنده خبر أو
هو خبر كان، وقوله من عنده متعلق به. قوله: (وما للمساقي) ذكره ابن وهبان في فصل
المساقاة والمزارعة. ووجه المنع أن الدفع إلى غيره فيما فيه إثبات الشركة في مال غيره بغير
إذنه فلا يصح. قوله: (وإن أذن المولى) أي المالك فإنه من معانيه. قوله: (ضمنه) بتشديد
الميم مبني للفاعل والمعير فاعل والضمير في ضمنه راجع للمستعير. قوله: (أجر ملك
نفسه) أي وكذا رهن ملك نفسه في صورة الرهن. قوله: (ولا رجوع له على أحد) عبارة
مسكين: على المستأجر، وهذا فسره القهستاني وقال: فلا فائدة في النكرة العامة.

٥٢٥
كتاب العارية
ويتصدق بالأجرة، خلافاً للثاني (أو) ضمن (المستأجر) سكت عن المرتهن.
وفي شرح الوهبانية: الخامسة: لا يملك المرتهن أن يرهن فيضمن، وللمالك
قال أبو السعود: وتعقبه شيخنا بأن طلب الفائدة ممنوع لجواز كون قيمة الرهن
عشرين وكان رهناً بعشرة فلا يرجع بالزائد على المرتهن. قوله: (ويتصدق بالأجرة) أي
عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، لأنه صار بمنزلة الغاصب والغاصب إذا أجر
يملك الأجرة ويتصدق بها لأنها حصلت بسبب خبيث وهو استعمال مال الغير فكان
سبيله التصدق اهـ. إتقاني بزيادة. قوله: (خلافاً للثاني) ينظر وجهه. قوله: (سكت عن
المرتهن) أي لو أن المستعير رهن العارية بدون إذن هل يضمن المرتهن أو لا؟ لم يذكر
حكمه. ونقل عن شرح الوهبانية أن المرتهن لا يملك الرهن، فلو رهن وهلك الرهن
للمالك الخيار، إن شاء ضمن المرتهن الأول، وإن شاء ضمن الثاني. فإن ضمن الثاني
رجع على الأول لأنه غره في ضمن عقد. ويؤخذ منه جواب مسألتنا، لأن كلاً من
المستعير والمرتهن لا يملكان الرهن، فكما أن المرتهن إذا رهن يخير المالك في تضمين أيهما
شاء ويرجع الثاني على الأول إن ضمنه فكذلك الحكم في المستعير إذا رهن ومتى ضمن
المرتهن الثاني والمرتهن من المستعير يرجع كل منهما بالدين على الراهن عنده لأنه تبين أن
الدین لا رهن به لأنهما ملکاه بضمانه.
وفي حاشية أبي السعود على مسكين: قال الشرنبلالية: وسكت عما لو ضمن المرتهن
فينظر حكمه. قال شيخنا: حكم المرتهن في هذه الصورة حكم الغاصب كما ذكره نوح
أفندي لأنه قبض مال الغير بلا إذنه ورضاه فيكون للمعير تضمينه وبأداء الضمان يكون
الرهن مالكاً على ملك مرتهنه، ولا رجوع له على الراهن المستعير بما ضمن، لما علمت
من كونه غاصباً ويرجع بدينه اهـ. وتقييده بقوله ولا رجوع له على الراهن المستعير
للاحتراز عما لو كان الراهن مرتهناً فإنه يرجع على الأول اهـ وهذا ما ذكره الشارح.
بقوله: (وفي شرح الوهبانية الخ) فليس بياناً لما سكت عنه المصنف كما يوهمه كلامه بل
بيان لفائدة أخرى تأمل. ولكن بيانه الذي قدمناه قبل عبارة أبي السعود.
والحاصل: أن ما في شرح الوهبانية ليس مما نحن فيه، إذ كلامنا في رهن المستعير
وما فيه في رهن المرتهن، وعليه فكان الأولى أن يقول لما سيأتي في كتاب الرهن من أنه إن
قيده بقدر أو جنس لو مرتهناً تقيد، فإن خالف ضمن المعير المستعير أو المرتهن إلا إذا
خالف إلى خير، فإن ضمن المستعير ثم عقد الرهن، وإن ضمن المرتهن يرجع بما ضمن
وبالدين على الراهن، وإن وافق وهلك عند المرتهن صار مستوفياً لدينه ووجب مثله للمعیر
على المستعير إن كان كله مضموناً، وإلا ضمن قدر المضمون والباقي أمانة الخ. قوله:
(الخامسة) أي من مسائل النظم المتقدم قريباً وقد سلف ما فيه. قوله: (أن يرهن) أي

٥٢٦
كتاب العارية
الخيار ويرجع الثاني على الأول (ورجع) المستأجر (على المستعير إذا لم يعلم بأنه عارية
في يده) دفعاً لضرر الغرر.
(وله أن يعير ما اختلف استعماله أولًا إن لم يعين) المعير (منتفعاً، و) يعير،
(ما لا يختلف إن عين) وإن اختلف لا للتفاوت، وعزاه في زواهر الجواهر للاختيار
بدون إذن الراهن. قوله: (ويرجع الثاني) أي إن ضمن. قوله: (على الأول) يعني أن
المرتهن لا يهلك الرهن، ولو رهن وهلك الرهن فللمالك الخيار، إن شاء ضمن المرتهن
الأول: أي ولا يرجع على أحد كما في ابن الشحنة، وإن شاء ضمن الثاني، فإن ضمن
الثاني رجع على الأول لأنه غره في ضمن عقد، فهذا ليس بياناً لما سكت عنه المصنف كما
يوهمه كلامه كما عرفت. قوله: (إذا لم يعلم بأنه عارية في يده) بأن نص على الإطلاق كما
سيذكره قريباً. أما إذا علم فلا رجوع لعدم الغرر. قوله: (ما اختلف استعماله أولًا)
الأول كاللبس والركوب والزراعة والثاني كالسكنى والحمل والاستخدام. قوله: (إن لم
يعين المعير منتفعاً) أي بأن نص على الإطلاق، كما لو استعار دابة للركوب أو ثوباً للبس
له أن يعيرها ويكون ذلك تعييناً للراكب واللابس، فإن ركب هو بعد ذلك. قال الإمام
علي البزدوي: يكون ضامناً. وقال السرخسي وخواهر زاده: لا يضمن. كذا في فتاوى
قاضیخان، وصحح الأول في الكافي. بحر. وسيأتي قريباً.
أقول: وهذا بظاهره يخالف ما تقدم عن الوهبانية؛ والظاهر حمله على ما إذا لم يأمره
المالك بذلك أو لم يبحه له، أما إذا أمره بذلك أو أباحه له فيجوز كما هنا وقدمناه عن
شارحها .
،وما في البحر عن المحيط: استعار دابة ليركبها فركب وأركب غيره فعطبت ضمن
نصف قيمتها، معناه أنهما ركباها معاً لأن سبب العطب ركويهما معاً وأحدهما مأذون فيه
فلهذا ضمن النصف، حتى لو أركب غيره فقط ضمن الكل، هكذا استظهره العلامة أبو
السعود. وقوله حتى لو أركب غيره: يعني بعد ما ركب هو لأن له أن يعير ما اختلف
استعماله إن لم يعين منتفعاً كما سمعت. قوله: (إن عين) أي منتفعاً. قوله: (وإن اختلف
لا) أي إن عین منتفعاً واختلف استعماله لا یعیر للتفاوت. قالوا: الركوب واللبس مما
اختلف استعماله، والحمل على الدابة والاستخدام والسكنى مما لا يختلف استعماله. قاله
أبو الطيب. وقال الشمني: لأن التقييد بالمنتفع فيما لا يختلف استعماله لا يفيد لعدم
التفاوت، بخلاف ما يختلف استعماله، لأن المعير رضي بذلك المعين دون غيره اهـ.
مدني.
قال الشرنبلالية: أقول: هذا القيد ليس باحترازي لقول الزيلعي وإن كان لا يختلف
يعني النفع كالسكنى والحمل جاز أن يفعل بنفسه وبغيره في أيّ وقت شاء؛ لأن التقييد

٥٢٧
كتاب العارية
(ومثله) أي كالمعار (المؤجر) وهذا عند عدم النهي، فلو قال لا تدفع لغيرك فدفع
فهلك ضمن مطلقاً. خلاصة.
(فمن استعار دابة أو استأجرها مطلقاً) بلا تقييد (يحمل) ما شاء (ويعير له)
بالانتفاع فيما لا يختلف لا يفيد، إلا أن يقال: إن للوصل وإن كان الأكثر استعمالها
مقرونة بواو الحال على حد قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] فإن فيه
وصلية بدون واو وإن كان قليلاً اهـ.
أقول: هذا البحث ساقط غير وارد؛ لأن المصنف قدم أنه يعير مطلقاً إن لم يعين،
وأفاد ثانياً أنه إن عين يعير ما لا يختلف.
وقال الشارح: وإن اختلف لا، فكان هذا تصريحاً بالمفهوم وتفصيلاً له، والشارح
رحمه الله تعالى لم يعوّل على هذا البحث لما ذكرنا، وهذا إنما يرد على مثل عبارة العيني عند
قول الكنز ويعير ما لا يختلف بالمستعمل: أي باختلاف المستعمل كالسكنى والحمل، هذا
إذا صدرت مطلقة، وإن كانت مقيدة بشيء تتقيد به اهـ. فيرد عليه ما قاله من التقييد
بالانتفاع فيما لا يختلف لا يفيد. قوله: (ومثله المؤجر) بفتح الجيم: أي إذا أجر شيئاً،
فإن لم يعين من ينتفع به فللمستأجر أن يعيره سواء اختلف استعماله أو لا وإن عين يعير
ما لا يختلف استعماله لا ما اختلف. منح. قوله: (مطلقاً) بلا تقييد.
أقول: الظاهر أنه أراد بالإطلاق عدم التقييد بمنتفع معين لأنه سيذكر الإطلاق في
الوقت والنوع وإلا لزم التكرار. تأمل.
قال في التبيين: ينبغي أن يحمل هذا الإطلاق الذي ذكره هنا فيما يختلف باختلاف
المستعمل كاللبس والركوب والزراعة على ما إذا قال على أن أركب عليها من أشاء، كما
حمل الإطلاق الذي ذكره في الإجارة على هذا اهـ. فما أوهمه قول المؤلف بلا تقييد بالنظر
لما يختلف لا يتم ط.
قلت: فعلى هذا يحمل قول المصنف سابقاً إن لم يعين بالنسبة للمختلف على ما إذا
نص على الإطلاق لا على ما يشمل السكوت، لكن في الهداية: لو استعار دابة ولم يسمّ
شيئاً له أن يحمل ويعير غيره للحمل ويركب غيره الخ فراجعها. قوله: (يحمل ما شاء)
أي من أي نوع كان، لأن أمره بالانتفاع مطلقاً والمطلق يتناول أيّ انتفاع شاء في أيّ وقت
شاء، وإليه التعيين بفعله إن شاء استعملها في الركوب أو في الحمل عليها، وأيّ ذلك فعل
لا يمكنه أن يفعل غيره بعد ذلك، لأن المطلق إذا تعين بقيد لا يبقى مطلقاً بعد ذلك،
ويشترط في الحمل أن تطيقه الدابة، أما لو كان لا تطيقه فهلكت ضمن لأنه ليس له ذلك
حتى في دابة نفسه. ط بزيادة.

٥٢٨
كتاب العارية
للحمل (ويركب) عملاً بالإطلاق (وأياً فعل) أولا (تعين) مراداً (وضمن بغيره) إن
عطبت حتى لو ألبس أو أركب غيره لم يركب بنفسه بعده هو الصحيح كافي.
(وإن أطلق) المعير أو المؤجر (الانتفاع في الوقت والنوع انتفع ما شاء أيّ وقت
شاء) لما مر (وإن قيده) بوقت أو نوع،
أقول: الذي يظهر لي أن الإطلاق في غير الدواب المعدة للركوب خاصة، أما هي
كأصائل الخيل المعروفة بالقسرافات من خيل العرب كالمعنقية والجدرانية وكحيلة العجوز
حتى السطة منها كالمسماة بسمار الخيل فإنها لا تحمل عادة وعرفاً، والمعروف عرفاً
كالمشروط شرطاً، فلو حمل عليها ولو قدر طاقتها مما يحمل عادة على غيرها من بقية الخيل
التي تحمل عادة وعطبت ينبغي أن يضمن. تأمل وراجع. قوله: (ويركب) بفتح أوله
وضمه أي بنفسه ويعير له، وحذفه للعلم به من سابقه. قوله: (وضمن بغيره الخ) أي
فيما يختلف بالمستعمل كما يفيده السباق واللحاق. سائحاني. وقدمنا عن الزيلعي أنه
ينبغي تقييد عدم الضمان فيما يختلف بما إذا أطلق الانتفاع فافهم. قوله: (هو الصحيح)
فإن ركب وعطبت ضمن لأنه تعين بالفعل فيكون خلافه تعدياً.
قال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده: إنه لا يضمن، وهذا أصح عندي؛ لأن
المستعير من المستعير إذا لم يضمن بالركوب أو اللبس؛ لأنه استعمل العين بإذن المستعير
وتمليكه فلأن لا يضمن إذا ركب بعد ذلك بنفسه بالطريق الأولى لأنه استعمله بالملك؛ لأنه
لو لم يملك لما ملك غيره، وأقره الإتقاني. قوله: (ما شاء) أي أيّ نوع شاء وأي فعل تعين.
روى بشر عن أبي يوسف: إذا استعار دابة أو ثوباً فاستعمل في المصر ثم خرج بها
من المصر واستعمل فهو ضامن، وإن لم يستعمل ففي الثوب لا يضمن لأن الخروج به
حفظ، وفي الدابة يضمن لأن الخروج بها تضييع معنى كما في الذخيرة.
ومن استعار دابة ليركبها إلى مكان معلوم ففي أيّ طريق ذهب وكان مما يسلكه
الناس لم يضمن، وإن كان مما لا يسلكه الناس ضمن، لأن مطلق الإذن ينصرف إلى
المتعارف كما في الفصول العمادية. قوله: (لما مر) من العمل بالإطلاق. قوله: (وإن قيده
بوقت) أي ولو التقييد معنى، حتى لو استعار كتاباً ليحضر فيه درس فلان فأتمه أو ترك
الدرس وجب رده لأنه مقيد معنى بمدة قراءة الكتاب وهو يحضره، وقدمنا مسألة استعارة
القدوم وهي نظيرها.
قال في البحر: وإذا قيدها بوقت فهي مطلقة إلا في حق الوقت، حتى لو لم يردها
بعد الوقت مع الإمكان ضمن إذا هلكت سواء استعملها بعد الوقت أم لا اهـ، ولو كانت
مقيدة بالمكان فهي مطلقة إلا من حيث المكان، حتى لو جاوزه ضمن؛ وكذا لو خالف
ضمن، وإن كان هذا المكان أقرب من المكان المأذون فيه خلاصة.

٥٢٩
كتاب العارية
أو بهما (ضمن بالخلاف إلى شر فقط) لا إلى مثل أو خير (وكذا تقييد الإجارة بنوع
أو قدر) مثل العارية (عارية الثمنين والمكيل والموزون والمعدود المتقارب) عند
الإطلاق
وفي فتاوى قاضيخان: إذا استعار دابة إلى موضع كذا كان له أن يذهب عليها
ويجيء، وإن لم يسم له موضعاً ليس له أن يخرج بها من المصر اهـ. ومثله في جامع
الفصولين. قوله: (أو بهما) أي فتتقيد من حيث الوقت كيفما كان، وكذا من حيث
الانتفاع فيما يختلف باختلاف المستعمل، وفيما لا يختلف لا تتقيد لعدم الفائدة كما مر،
وقد قيد هذا الأخير كما في البدائع، وقضى بالخلاف إلى مثل أو خير ولم يذكر التقييد
بالمكان، لكن أشار إليه الشارح في الآخر. وذكره المصنف قبل قوله ((ولا تؤجر)) فقال:
استعار دابة ليركبها في حاجة إلى ناحية سماها فأخرجها إلى النهر ليسقيها في غير تلك
الناحية ضمن إذا هلكت، وكذا إذا استعار ثوراً ليكرب أرضه فكرب أرضاً أخرى
يضمن، وكذا إذا كرى ثوراً أعلى منه لم تجر العادة به.
وفي البدائع: اختلفا في الأيام أو المكان ما يحمل فالقول للمعير بيمينه. وفي الداماد:
وإن اختلفا فيما يحمل على الدابة أو في مسافة الركوب والحمل أو في الوقت فالقول في
ذلك کله للمعیر بیمینه.
وفي جامع الفصولين: استعارها شهراً فهو على المصر، وكذا في إعارة خادم وإجارته
وموصى له بخدمته اهـ. قوله: (لا إلى مثل) بأن استعار دابة ليحمل عليها عشرة أقفزة من
حنطة معينة فحمل عليها هذا القدر من حنطة أخرى أو ليحمل عليها حنطة نفسه فحمل
عليها حنطة غيره. قوله: (أو خير) بأن حمل قدر هذه الأقفزة المعينة من الشعير فإنه لا
يكون ضامناً لأنه إنما يعتبر من تقييده ما يكون مفيداً، حتى لو سمى مقداراً من الحنطة
وزناً فحمل مثل ذلك الوزن من الشعير ففي القياس يضمن، واختاره الإمام السرخسي
لأنه يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما تأخذه الحنطة. كذا في النهاية.
وصحح الولوالجي عدم الضمان، وخواهر زاده سوّى بين الكيل والوزن وهو
الصحيح، قال: لأنه أقل ضرراً، بخلاف التبن لأنه يأخذ ما وراء موضع الحمل وهو
أضعف من الحمل وهو الاستحسان، وبه كان يفتي الصدر الشهيد كما في الفصول
العمادية. قوله: (مثل العارية) على تقدير أي. قوله: (والمعدود المتقارب) مثل الجوز
والبيض وكذلك الأقطان والصوف والإبريسم والمسك والكافور وسائر متاع العطر التى لا
تقع الإعارة على منافعها قرض كما قدمناه. قوله: (عند الإطلاق) هو عدم وجود ما
يقتضي الانتفاع بها مع بقاء عينها الذي سيشير إليه بقوله ((حتى لو استعارها الخ)). قوله:

٥٣٠
كتاب العارية
(قرض) ضرورة استهلاك عينها، (فيضمن) المستعير (بهلاكها قبل الانتفاع) لأنه
قرض، حتى لو استعارها ليعير الميزان أو يزين الدكان كان عارية، ولو أعاره قصعة
ثرید فقرض، ولو بينهما مباسطة فإباحة،
(قرض) أي إقراض ولو كان قيمياً. بحر. لأن العارية بمعنى الإعارة كما مر وهي
التمليك» وتمامه في العزمية. قوله: (ضرورة استهلاك عينها) يعني والعارية الحقيقية ما
ينتفع بها مع قيام العين.
قال في التبيين: لأن الإعارة إذن في الانتفاع به، ولا يتأتى الانتفاع بهذه الأشياء إلا
باستهلاك عينها، ولا يملك الاستهلاك إلا إذا ملكها فاقتضت تمليك عينها ضرورة وذلك
بالهبة أو بالقرض، والقرض أدناهما ضرراً لكونه يوجب رد المثل وهو يقوم مقام العين اهـ:
أي فوجب المصير إليه ولأن للقرض شبهاً بالعارية؛ لأن فيها يسترد عينها بعد الانتفاع، وفي
القرض يسترد مثله والمثل يقوم مقام العين عند تعذرها، ومثله في الدرر والعيني. قالوا: هذا
إذا أطلق الإعارة. وأما إذا عين الجهة بأن استعار دراهم ليعير بها ميزاناً أو يزين بها دكاناً لم
يكن قرضاً، ولا يكون إلا المنفعة المسماة ذكره في الإيضاح. قوله: (فيضمن المستعير بهلاكها
قبل الانتفاع) ويصح بيعه من مقرضه لأنه باع ملك نفسه.
ولو اشتراه من مقرضه لا يصح، لأنه اشترى ملك نفسه، ولو اشترى عليه من
مقرض صح لأنه مقدور التسليم بكونه في ذمته، وإن تفرقا قبل قبضه بدله فسد للافتراق
عن دين بدين، وإن نقد في المجلس صح اهـ. ط عن الشلبي. قوله: (حتى لو استعارهما)
أي الثمنين وهو تفريع على مفهوم قوله عند الإطلاق. قوله: (ليعير الميزان) أي بالدنانير .
مثلاً. قال في القاموس: وعير الدنانير وزنها واحداً بعد واحد. وفي المختار: وعار المكيل
والموازين عياراً، ولا تقل عير. والمعيار بالكسر: العيار والأصل عاير. والجهري نهى عن
أن يقال عير. يعقوبية. قوله: (أو يزين) بفتح الياء من زان وهو متعد، ومنه الحديث ((ما
دخل الرفق في شيء إلا زانه)) ط. أو بضم الياء مع تشديد الياء الثانية من الزينة، ومنه
قوله تعالى: ﴿وَالخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]. قوله: (كان
عارية) لأنه أمكن العمل بحقيقة الإعارة وهو تمليك المنافع مع بقاء العين على ملك المعير
ط. ولأنه عين الانتفاع، وإنما تكون قرضاً عند الإطلاق كماتقدم. قوله: (فقرض) فعليه
مثلها أو قيمتها. خلاصة ومنح.
أقول: وهو مشكل؛ لأن القرض لا يكون في القيميات ولا يضمن بالقيمة.
وجوابه: أن قرض القيمي فاسد وقدم الشارح أن المقبوض بقرض فاسد كالمقبوض ببيع
فاسد أي فيكون مضموناً بالقيمة تأمل. وقدمناه. قوله: (فإباحة) ولا ضمان لأنه
يستهلكها على ملك المبيع.

٥٣١
كتاب العارية
وتصح عارية السهم ولا يضمن لأن الرمي يجري مجرى الهلاك. صيرفية.
(ولو أعار أرضاً للبناء والغرس صح) للعلم بالمنفعة (وله أن يرجع متى شاء)
قال في الخانية: أعرتك هذه القصعة من الثريد فأخذها وأكلها كان عليه مثلها أو
قيمتها. قال الفقيه أبو الليث: هذا إذا لم يكن بينهما دلالة الهبة والتهادي اهـ كما قدمناه.
قوله: (وتصح عارية السهم) أي ليغزو دار الحرب لأنه ركن الانتفاع به في الحال وأنه
يحتمل عوده إليه برمي الكفرة بعد ذلك. منح عن الصيرفية. ونقل عنها قبل هذا أنه
استعار سهماً لیغزو دار الحرب لا یصح، وإن لرمي الهدف صح؛ لأنه في الأول لا يمكن
الانتفاع بعين السهم إلا بالاستهلاك؛ وكل عارية كذلك تكون قرضاً لا عارية. قوله:
(لأن الرمي يجري مجرى الهلاك) أي من غير تعدّ للإذن فيه فلا يكون ضامناً. قوله:
(صيرغية) عبارتها كما في المنح عنها: استعار سهماً، إن استعار ليغزو دار الحرب لا
يصح، وإن استعار لرمي الهدف صح، لأنه في الأول لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك
السهم، وكل عارية لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاك ذلك العين تكون قرضاً لا عارية،
لأنه لو غزا في دار الحرب ورمي إلى عدوّ ووقع السهم بينهم فلا يقدر على تخليصه فيكون
مستهلكاً فلا يصح.
قلت: قرد: يصح لأنه يمكن الانتفاع به في الحال فإنه يحتمل عوده إليه برمي.
الكفرة بعد ذلك وأفتى قح بأنه يصح ثم قال اهـ. وتصح عارية السلاح، وذكر في السهم
أنه لا يضمن كالقرض؛ لأن الرمي يجري مجرى الهلاك اهـ. وهذه النسخة التي نقلت منها
هكذا، والذي في نسخة مصححة عليها خطوط بعض العلماء: وكان في الأصل مكتوباً لا
يضمن فحك منها لفظة لا ويدل عليه تنظيره بقوله كالقرض؛ ولكن كان الظاهر على هذا
أن يقال في التعليل، لأن الرمي يجري مجرى الاستهلاك فتعبيره بالهلاك يقتضي عدم
الضمان، فتأمل وراجع. وقوله إن استعار ليغزو دار الحرب لا يصح: أي عارية، بل
يكون قرضاً بدليل قوله بعد يكون قرضاً لا عارية، وأراد بالقرض الفساد لأنه غير مثلي،
فالذي نقله الشارح هو ملخص ما أشار إليه صاحبها بقوله قلت الخ. قوله: (والغرس)
بفتح الغين وكسرها كما في البحر عن المغرب. قوله: (للعلم بالمنفعة) أي لأن منفعتها
معلومة تملك بالإعارة. درر. بل الإعارة أولى لكونها تبرعاً. قال سيدي الوالد رحمه الله
تعالی: وفي هذا التعلیل تأمل اهـ.
أقول: الظاهر أن وجه التأمل في التعليل كون العلم بالمنفعة في العارية لا يشترط،
بخلاف الإجارة حيث يشترط فيها أن تكون المنفعة معلومة لما تقدم عن الشارح أوائل
الكتاب عن العمادية من جواز إعارة المشاع معللاً بأن جهالة العين لا تفضي للمنازعة أو
للجهالة لعدم لزومها اهـ. ومثله ما نقلناه ثمة عن البحر بأن جهالة المنافع لا تضر في العارية.

٥٣٢
كتاب العارية
لما تقرر أنها غير لازمة (ويكلفه قلعهما إلا إذا كان فيه مضرة بالأرض فیترکان
بالقيمة مقلوعين) لئلا تتلف أرضه (وإن وقت) العارية (فرجع قبله) كلفه قلعهما
و(ضمن) المعير للمستعير (ما نقص) البناء والغرس (بالقلع)،
أما جهالة العين فمضرة إذا كانت تفضي إلى المنازعة اهـ. وحيث لم يشترط العلم
بالمنفعة لها لا يصلح تعليلاً لها وبه علم وجه التأمل. قوله: (لما تقرر أنها غير لازمة
ويكلفه قلعهما) وأيهما طلب القلع أجيب. زيلعي. ولا يضمن ما نقص من البناء
والغرس لعدم الغرور عند عدم التوقيت؛ لأنه شغل أرض المعير بهما فيؤمر بتفريغه إلا إذا
شاء أن يأخذهما بقيمتهما فيما إذا كانت الأرض تستضر بالقلع فحينئذ يضمن له قيمتهما
مقلوعین ویکونان له کي لا تتلف عليه أرضه ويستبد: أي يستقل هو بذلك لأنه صاحب
أصل، بخلاف ما إذا كانت لا تستضر بالقلع حيث لا يجوز الترك إلا باتفاقهما، بخلاف
القلع حيث لا يشترط فيه اتفاقهما كما في الزيلعي. قوله: (فرجع قبله) يكره الرجوع
للخلف بالوعد لقوله ﴿: ((المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ))(١) إتقاني. وقید بقوله قبله لأنه لو
مضى الوقت فصاحب الوقت يقلع الأشجار والبناء ولا يضمن شيئاً عندنا إلا أن يضر
القلع بالأرض فيتملك البناء والغرس بالضمان، ويعتبر في الضمان قيمته مقلوعاً، هندية
عن المحيط. قوله: (وضمن المعير للمستعير ما نقص البناء والغرس) لأنه لما وقت وقتاً
معلوماً فالظاهر الوفاء.بما وعد، فقد اعتمد على قوله ووثق به، فقد غره بخلفه فيضمن،
بخلاف غير الموقت، هذا ما مشى عليه في الكنز والهداية.
وذكر في البحر عن المحيط: ضمان القيمة قائماً إلا أن يقنعه المستعير ولا ضرر،
فإن ضمن فضمان القيمة مقلوعاً.
وعبارة المجمع: وألزمناه الضمان، فقيل ما نقصهما القلع، وقيل قيمتهما
ويملكهما، وقيل إن ضرّ يخير المالك: يعني المعير يخير بين ضمان ما نقص وضمان
القيمة؛ ومثله في درر البحار والمواهب والملتقى. وكلهم قدموا الأول، وبعضهم جزم به،
وعبر عن غيره بقيل فلذا اختاره المصنف وهو رواية القدوري، والثاني رواية الحاكم
الشهيد كما في غرر الأفكار.
فإن قلت: المغرور إنما يرجع بما لحقه من الضرر على الغار إذا كان في ضمن عقد
المعاوضة، وهنا العارية عقد تبرّع سواء وقت أم لم يوقت، فإنه بالتوقيت لا يلحق بالعقود
اللازمة: حتى أن المعير بعد التوقيت كان له الرجوع عن توقيته فيأخذ المستعار قبل مضي
الوقت، فكيف جاز رجوع المغرور على الغار في ضمن عقد التبرع ولا يرجع الموهوب له
من ضمان الاستحقاق على الواهب لأنه ثبت في ضمن عقد تبرع.
(١) أخرجه الترمذي (١٣٥٢) وابن ماجة (٢٣٥٣) وقد تقدم تخريجه مفصلًا.

٥٣٣
كتاب العارية
بأن يقوم قائماً إلى المدة المضروبة، وتعتبر القيمة يوم الاسترداد. بحر.
(وإذا استعارها ليزرعها لم تؤخذ منه قبل أن يحصد الزرع وقتها أولا) فتترك
بأجر المثل،
قلت: قال في المبسوط: الوجه فيه أن كلام العاقل محمول على الفائدة ما أمكن فلا
حاجة إلى التوقيت في تصحيح العارية شرها، ثم لما وقت المعير مع ذلك لا بد أن يكون
لذكر الوقت فائدة، وليس ذلك إلا التزام قيمة البناء والغرس. فكأنه أراد إخراجه قبله
فصار تقرير كلامه كأنه قال ابن في هذه الأرض لنفسك على أن أتركها في يدك إلى كذا،
فإن لم أتركها فأنا ضامن لك ما تنفق في بنائك ويكون بناؤك لي، فإن بدا له في الإخراج
ضمن قيمة بنائه وغرسه ویکون کأنه بنى له بأمره من النهاية ملخصاً، وقوله وليس ذلك
الخ بناء على ما ذكر الحاكم الشهيد. وأما على ما ذكره المصنف تبعاً للكنز والقدوري،
يقال: وليس ذلك إلا التزام ما نقص البناء والغرس بالقلع على الوجه المشروح، وقول
الشارح (ما نقص البناء والغرس)) أي نقصانه على أن ما مصدرية ويجوز أن تكون موصولة
ونقص حينئذ من نقص المتعدي، فعلى هذا يكون البناء والغرس منصوبين، وعلى الأول
مرفوعين. كذا في العناية.
قال قاضي زاده: لا يظهر وجه صحة كون البناء والغرس منصوبين ها هنا، لأن
الذي نقص البناء والغرس إنما هو القلع، فيصير المعنى على تقدير نصب البناء والغرس
وضمن المعیر قلع البناء والغرس، ولیس هذا بصحیح، لأن القلع ليس من جنس ما
يضمن بل هو سبب الضمان، وإنما المضمون قيمة البناء المنتقصة بالقلع وتمنع أيضاً صحة
المعنى على ذلك التقدير، إذ يصير المعنى حينئذ: وضمن المعير القلع بالقلع، ولا يخفى ما
فيه، فالوجه رفع البناء والغرس لا غير. حموي. قوله: (بأن يقوم الخ) بيانه إذا أعاره
أرضاً ليبني فيها أو يغرس مدة سنتين مثلاً ثم رجع في العارية وأمره بقلع بنائه وغرسه
فيسأل أرباب الخبرة بأن هذا البناء والغرس لو بقي المدة المذكورة كم تساوي قيمته الآن،
فإذا كان ألفاً مثلاً وقيمته الآن مقلوعاً مائة فيضمن تسعمائة. قوله: (إلى المدة المضروبة)
فيضمن ما نقص عنها كما علمت. قوله: (وتعتبر القيمة) أي ابتداؤها. قوله: (يوم
الاسترداد) أي يوم أراد رب الأرض استردادها لأن اعتبارها يوم الاسترداد أسهل كما في
البحر عن الولوالجي. ومثله في أبي السعود. خلافاً لمن اعتبر قيمتها وقت مضي المدة.
قوله: (قبل أن يحصد الزرع) من الإحصاد: أي يصير صالحاً للحصاد: حصد الزرع:
جزّه حصداً وحصاداً من باب طلب وضرب. كذاً في المغرب. قال أبو السعود: من
الثلاثي المجرد، قيل والأصح أن يقرأ بكسر الصاد من أحصد الزرع: إذا حان حصاده.
قوله: (وقتها أو لا) يوقت استحساناً. قوله: (فتترك بأجر المثل) فإذا حصد الزرع طالبه

٥٣٤
كتاب العارية
مراعاة للحقين، فلو قال المعير أعطيك البذر وكلفتك إن كان لم يثبت لم يجز بيع
الزرع قبل نباته باطل وبعد نباته فيه كلام أشار إلى الجواز في المغني. نهاية.
(ومؤنة الرد على المستعير، فلو كانت مؤقتة فأمسكها بعده فهلكت ضمنها)،
بأجر المثل وإن لم يعقد، وكان الفقيه أبو إسحاق الحافظ يقول: إنما يجب الأجر إذا أجرها
منه صاحبها أو القاضي وبدون ذلك لا يجب الأجر، فإن أبي المزارع ضمان أجر المثل
وكره القلع وأراد تضمين رب الأرض قيمة الزرع اختلف كلام صاحب المنتقى، ففي
موضع قال: له ذلك إلا أن يرضى رب الأرض بترك الزرع حتى يستحصد، وفي موضع
قال: ليس له ذلك. هندية مختصراً مزيداً ط. ونص في البرهان على أن الترك بأجر المثل
استحسان. ثم قال عن المبسوط: ولم يبين في الكتاب أن الأرض تترك في يد المستعير إلى
وقت إدراك الزرع بأجر أو بغير أجر، قالوا: وينبغي أن تترك بأجر المثل كما لو انتهت
مدة الإجارة والزرع بقل بعد اهـ. شرنبلالية، ومثله في الزيلعي.
أقول: ونظيره ما سبق من إعارة أمة ترضع ولده وإعارة فرس للغزو الخ. قوله:
(مراعاة للحقين) حق صاحب الأرض المعارة لثبوت الرجوع له فيها وحق صاحب الزرع
لأن مغرور بإذنه له في الزرع. قوله: (أشار إلى الجواز في المعنى) وهو المختار كما في
الغيائية.
وفي البحر. بعد نقل هذه المسألة وعزوها إلى النهاية: ولو بنى حائطاً في الدار
المستعارة استرد المعير الدار، فإذا أراد المستعير أن يرجع إليه بما أنفق ليس له ذلك، وليس
له أن يهدم الحائط إن كان البناء من تراب صاحب الأرض. كذا في الخلاصة.
وفي المحيط: لو استعار أرضاً ليبني ويسكن وإذا خرج فالبناء لصاحب الأرض
ولصاحب الأرض أجر مثلها مقدار السكنى والبناء للمستعير، لأن هذه إجارة معنى لأن
الإعارة تمليك المنافع بغير عوض، ولما شرط البناء له كانت إجارة فاسدة لجهالة المدة
والأجرة؛ لأن البناء مجهول فوجب أجر المثل أهـ. قوله: (على المستعير) لأنه قبض لمنفعة
نفسه والرد واجب عليه. زيلعي. قوله: (ضمنها) أي سواء استعملها بعد الوقت أو لا،
وهو مختار السرخسي، واختار صاحب المحيط وشيخ الإسلام أنه إنما يضمن إذا استعملها
بعد الوقت، أما إذا استعملها فلا ضمان كما في الشرنيلالية عن المجمع، وفي الكافي أن
العارية بعد مضي المدة تكون وديعة، وصححه في المجتبى حيث قال: والصحيح أن رد
العارية لا يجب قبل الطلب وبعده يجب اهـ وهو حكم الوديعة، ففي المسألة قولان
مصححان.
قال في البزازية: أعاره إلى الليل فهلك: قيل لا يضمن، وإن هلك في اليوم الثاني
ذكر في الكتاب أنه يضمن. قيل أراد به إن انتفع في اليوم الثاني به فيكون غاصباً مخالفاً

٥٣٥
كتاب العارية
لأن مؤنة الرد عليه. نهاية (إلا إذا استعارها ليرهنها) فتكون كالإجارة رهن الخانية
(وكذا الموصى له بالخدمة مؤنة الرد عليه، وكذا المؤجر
بالانتفاع بعد مضي الوقت، أما إذا لم ينتفع لا يضمن كالمودع الموقت باليوم إذا أمسكها
بعده لا يضمن، وقال السرخسي: يضمن على كل حال، واختاره القاضي، وفرق بين
العارية والوديعة أن الإمساك في الوديعة للمالك لأنه بعد مضيّ الوقت بنى على القبض
السابق وهو كان للمالك، وفي العارية الإمساك بعد مضي الوقت لنفسه، لأنه بنى على
القبض السابق وذاك كان لنفسه وعدم الضمان في الوقت كان للإذن فلم يوجد بعد
مضيه، ولأن مؤنة رد العارية على المستعير بالتقصير منه وفي الوديعة على المالك اهـ. ومثله
في الخلاصة وجامع قارىء الهداية، قال فيه: وهذا هو الأصح، وبه أفتى في الحامدية،
وأقره عليه سيدي الوالد رحمه الله تعالى في العقود الدرية، وقدمنا أوائل الكتاب عند قوله
ولعدم لزومها يرجع المعير متى شاء ولو موقتة.
عن فتاوى القاضي ظهير الدين: إذا كانت العارية موقتة بوقت فأمسكها بعد الوقت
فهو ضامن ويستوي فيه أن تكون العارية موقتة نصاً أو دلالة حتى أن من استعار قدوماً
ليكسر الحطب فكسره وأمسك حتى هلك يضمن، وتمامه ثمة فراجعه. قوله: (لأن مؤنة
الرد عليه) أي أجرته عليه لأنه قبض العين لمنفعة نفسه والرد واجب عليه عيني، فيضمن
إذا أمسكها بعد مضي الوقت لتقصيره فيكون مانعاً بعد مضيّ الوقت فيضمن، بخلاف
المستأجر؛ لأنه لا يجب عليه الرد يلى التخلية عند طلب المالك، فلو لم يوجد لم يوجد المنع
فلا يضمن، ولا يخفى ما في كلام الشارح من التكرار بعد كون ما سلف مفرعاً عليه.
قوله: (إلا إذا استعارها ليرهنها) أي فمؤنة الرد على المعير، لأن فيها نفع المالك بصيرورتها.
مضمونة عند الهلاك، فجعلنا حصول النفع بمنزلة حصول الأجرة للمؤجر، ولذا قال
(فتكون كالإجارة)). قوله: (فتكون كالإجارة) فإنها تصير مضمونة في يد المرتهن، وللمعير
أن يرجع على المستعير بقيمته فكانت بمنزلة الإجارة، ولأن هذه إعارة فيها منفعة لصاحبها
كما في الخانية، فقد حصل الفرق بين العارية للرهن وغيرها من وجهين: الأول هذا.
والثاني ما مر في الباب عند قوله بخلاف المستعير والمستأجر أن مستعير الرهن لو خالف ثم
عاد للوفاق بريء عن الضمان، بخلاف غيره، أفاده في البحر عن النهاية. قوله: (مؤنة
الرد عليه) لأنه هو المنتفع بالعين ولوجوبه عليه ط. قال القاضي فخر الدين المارديني:
وهذا لا رواية فيه ويجب أن تكون على الموصى له بالخدمة لأن قبضه لمنفعة نفسه فصار
كالعارية اهـ. قوله: (وكذا المؤجر) لأن العين المؤجرة مقبوضة لمنفعة المالك لأن الأجر له
به فإذا أمسكها المستأجر بعد مضي المدة لا يضمتها ما لم يطالبه صاحبها اهـ. ولا يجب على
المستأجر ردها، وإنما يجب عليه التمكين والتخلية، فلا يكون عليه مؤنة الرد. ولا يقال:

٥٣٦
كتاب العارية
والغاصب والمرتهن) مؤنة الرد عليهم لحصول المنفعة لهم، هذا
قبضه كان لمنفعة نفسه فوجب أن تكون المؤنة عليه. لأنا نقول: إنما حصل له منفعة وهي.
عرض يفنى، وما حصل للمؤجر عين تبقى فكان هو بالوجوب أولى اهـ. زيلعي. قوله:
(والغاصب) أي عليه أجرة رد المغصوب لأن الرد إلى المالك واجب عليه والأجرة مؤنته
فتجب عليه لأنه يجب عليه نسخ فعله وهو يردها إلى مالكها لأنه أزال يده عنها، ففي
ردها براءة فكان عاملاً لنفسه. قوله: (والمرتهن) لأن قبضه قبض استيفاء فكان قابضاً
لنفسه. زيلعي، ومثله في الوجيز وهو الظاهر.
وذكر في التحرير أنها على الراهن. وعبارته: مؤنة رد الرد على الراهن، لأن عينه
أمانة في يد المرتهن ولهذا كان نفقته وكفنه على الراهن، والمضمون عليه إنما هو المالية
والرد تصرف في العين لا في المالية، ومنفعة القبض وإن عادت على الراهن والمرتهن جميعاً
باعتبار قضاء الدين وحصول التوثقة، لكن ترجيح جانب الراهن بحكم الملك اهـ. ومثله
في شرح الطحاوي للإسبيجابي، وعليه فيحتاج إلى التوفيق بين الموضعين، فتأمل. ثم
رأيت الأستروشني في فتاواه ذكر كلاً من القولين من غير ترجيح لأحدهما، ولكن ذكر
صاحب النهاية القول الأول فقط وشيد أركانه حيث قال: لأن الغنم حصل له ولهذا
اختص به من بين سائر الغرماء حتى يستوفي دينه منه أولًا فكان الغرم عليه، وتبعه في
الدرر، ولهذا تبعهم المصنف، ولم يذكروا الوديعة ومؤنة ردها على المودع بكسر الدال كما
في الكنز، لأن منفعة حفظها عائدة إليه فكانت مؤنة ردها عليه. عيني.
وفي مؤيد زاده: مؤنة رد البيع فاسداً بعد الفسخ على القابض، ومؤنة رد المبيع
بخيار رؤية أو شرط على المشتري.
ولو تقايلا البيع فعلى البائع مؤنة رد مبيع له حمل ومؤنة، والرد في الأجير المشترك
كقصار وصباغ ونساج على الأجير، إذ الرد نقض القبض فيجب على من له منفعة
القبض، ومنفعة القبض هنا للأجير إذ له عين وهو الأجرة، ولرد الثوب المنفعة والعين
خير من المنفعة وكان الرد عليه، بخلاف ما إذا آجر قناً أو دابة فإن الرد على المالك إذ له
العين وللمستأجر المنفعة، ورمز لشيء في ضمان النساج من فصل الضمانات أن مؤنة الرد
على الأجير المشترك أم لا؟ فيه اختلاف. ولو شرطت على المالك فإنها عليه. كذا في
الثالث والثلاثين من الفصولين. قوله: (هذا) اسم الإشارة راجع إلى كون مؤنة الرد على
المؤجر: يعني إنما تكون عليه إذا أخرجه المستأجر بإذنه، أما إذا أخرجه بغير إذنه فعلى
المستأجر فيكون كالمستعير لو آجره العين وأذن له في نقلها إلى حيث شاء فيجب عليه: أي
على المستعير ردها لا على المستأجر. أما لو أخرجها بدون إذنه فيجب ردها على المستأجر
أيضاً لتعديه بالنقل والإخراج بدون إذن المالك. وفي المنح عن المحيط: هذا إذا كان

٥٣٧
كتاب العارية
لو الإخراج بإذن رب المال، وإلا فمؤنة رد مستأجر ومستعار على الذي أخرجه
إجارة. البزازية. بخلاف شركة ومضاربة هبة قضى بالرجوع. مجتبى (وإن رد
المستعير الدابة مع عبده، أو أجيره مشاهرة) لا مياومة (أو مع عبد ربها مطلقاً)
الإخراج بإذن رب المال، ولو بلا إذن فمؤنة الرد عليه مستأجراً أو مستعيراً اهـ. وكان
الأولى ذكره قبل الغاصب لأنه راجع إلى كون مؤنة الرد على المؤجر. قوله: (لو الإخراج
بإذن رب المال) أي إلى بلد آخر مثلاً، والظاهر أن المراد بالإذن الإذن صريحاً، وإلا فالإذن
دلالة موجود. تأمل. سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله: (بخلاف شركة) أي رد رأس
مال الشركة فيها، وفي المضاربة والبضاعة واللقطة والآبق فإنها على صاحب المال. منح.
وفي إجارة الظهيرية: فإن شرط أجر الرد على المستأجر فسدت، وحكى عن
المرغيناني أنها جائزة، ويجعل اشتراط الرد على المستأجر بمنزلة الزيادة اهـ. والأصل أن
مؤنة الرد تجب على من وقع القبض له. أبو السعود. قوله: (قضى بالرجوع) أي فيها
فإنها على الواهب. منح. والأولى للمؤلف أن يزيد لفظ فيها. قوله: (مجتبى) الذي فيه
مؤنة الرد فيها على مالكها وزاد اللقطة والآبق ورد نصف مهر المطلقة قبل الدخول وهو
عين، وليس فيه تعرض لما كان النقل فيه بإذن مالكه أولاً. نعم ينبغي الإطلاق لأن
مقتضى الشركة والمضاربة الإذن في النقل عند الإطلاق، وكذا الهبة لأنه قد ملكه إياها،
وللمالك أن ينقل ملكه حيث شاء، وكذا المرأة تملك المهر بالقبض، لكن ينافيه ما قدمناه
قريباً عن سيدي الوالد رحمه الله تعالى من أن الظاهر أن المراد بالإذن صريحاً، وإلا فالإذن
دلالة موجود، اللهم إلا أن يخص بما ذكر ثمة وأن المذكور هنا على ما ذكرنا فيحصل
الفرق. تأمل. قوله: (وإن رد المستعير الدابة مع عبده) كذا لو ردها إلى اصطبل مالكها أو
رد العبد إلى دار سيده لأنه أتى بالتسليم المتعارف، وهذا لأن الإصطبل أو الدار في يد
المالك، ولو ردهما على المالك كأن يردهما إلى الإصطبل أو الدار فكان الرد إليهما رداً على
المالك اهـ. زيلعي. وهذا في الاستحسان، والقياس أنه يضمن لأنه لم يردهما إلى صاحبهما
وإنما ضيعهم تضييعاً، وهو قول الثلاثة. عيني.
وجه الاستحسان ما ذكرناه من أنه أتى بالتسليم المتعارف، لأن ردّ العواري إلى دار
الملاك متعارف كآلة البيت. بحر عن الهداية. وذكر التمرتاشي عن أبي سلمة أنه إذا كان
الإصطبل خارج الدار لا يبرأ، لأن الظاهر أنها تكون هناك بلا حافظ كما في المنبع. وقيل
هذا في عادتهم كما في البيانية. قوله: (أو أجيره مشاهرة) يعلم منه حكم الأجير مسانهة
بالأولى لأنه يعدّ مع من في عيال المستعير. قهستاني. قوله: (لا مياومة) عللوه بأنه لم يكن
في عياله، وهو يفيد أنه لو كان في عياله يبرأ لو هلك قبل الوصول من غير تعدّ ويحرر
ط. قوله: (أو مع عبد ربها) أي مع من في عيال المعير. قهستاني.

٥٣٨
كتاب العارية
يقوم عليها أولًا في الأصح (أو أجيره) أي مشاهرة كما مر فهلكت قبل قبضها
(برىء) لأنه أتى بالتسليم المتعارف (بخلاف نفيس) كجوهرة (وبخلاف الرد مع
الأجنبي) أي (بأن كانت العارية مؤقتة فمضت مدتها ثم بعثها مع الأجنبي) لتعديه
بالإمساك بعد المدة (وإلا فالمستعير يملك الإيداع)،
قال في التبيين: وجه الاستحسان أن كل واحد من المعير والمستعير يحفظ دوابه
بسائسه، والدفع إليه كالدفع إلى صاحبها عادة؛ ولو دفعها إلى المالك لدفعها هو إلى
السائس وحفظه بسائسه كحفظه بنفسه، فيكتفي منه بالتسليم إلى السائس أو من السائس
إلى السائس أو من السائس إلى المالك اهـ. قوله: (يقوم عليها أولًا) لأنه يدفع إليه في
بعض الأوقات فيكون رضا المالك موجوداً دلالة. وقيل لا يبرأ إلا إذا ردها على من يقوم
بها: أي يتعهدها كالسائس، وقوله ((يقوم عليها الخ)) بيان للإطلاق في عبارة المصنف.
قوله: (بخلاف نفيس) هذا مفهوم التقييد بالدابة. قال في التبيين: وهذا في الأشياء التي
تكون في يد الغلمان عادة، وأما إذا لم تكن في أيديهم عادة کعقد لؤلؤ ونحوه فردها
المستعير إلى غلام صاحبها أو وضعها في داره أو إصطبله يضمن لأن العادة لم تجر به في
مثله اهـ ط .
ويفهم منه أنه إذا كانت العادة تجري في تسليم مثل هذه الأشياء أنه يكفي تسليمه
إلى غلامه كالمسمى بالخزاندار عند أصحاب الدول هل يكفي تسليمها إليه؟ الذي يظهر
نعم لأن العرف جرى بذلك عادة، ومثله ما إذا كان له أحد ممن في عياله يقوم بسائر
مصالحه من قبض وصرف وغيرهما، وليراجع. قوله: (ثم بعثها مع الأجنبي) معطوف
على قوله بخلاف. قوله: (لتعديه بالإمساك بعد المدة) حتى إذا هلكت في يده ضمن فكذا
إذا تركها في يد الأجنبي. زيلعي.
يؤخذ منه أن سبب الضمان ليس ردها مع الأجنبي، لأن الدفع إلى الأجنبي إيداع
والمستعير يملكه كما يملك الإعارة، إذ الإعارة أقوى منه لأن الإعارة إيداع وتمليك
المنفعة، بل سببه انقضاء وقت العارية، فإنه لو أمسكها بنفسه فهلكت في يده بعد مضيّ
مدتها يضمنها كما قدمناه فكذا في يد الأجنبي، ولذا قال لتعديه بالإمساك كما يؤخذ من
عبارة الزيلعي. قوله: (وإلا فالمستعير يملك الإيداع) إشارة إلى فائدة اشتراط التوقيت.
قال الزيلعي: وهذا: أي قوله بخلاف الأجنبي يشهد لمن قال من المشايخ إن المستعير ليس
له أن يودع.
وعلى المختار تكون هذه المسألة محمولة على ما إذا كانت العارية مؤقتة فمضت مدتها
ثم بعثها مع الأجنبي؛ لأنه بإمساكها بعد يضمن لتعديه فكذا إذا تركها في يد الأجنبي اهـ.
وفي البرهان. وكذا يعني يبرأ لو ردها مع أجنبي على المختار بناء على ما قال مشايخ

٥٣٩
كتاب العارية
فيما يملك الإعارة (من الأجنبي)
العراق من أن المستعير يملك الإيداع، وعليه الفتوى؛ لأنه لما ملك الإعارة مع أن فيها
إبداعاً وتمليك المنافع فلأن يملك الإيداع وليس فيه تمليك المنافع أولى، وأولوا قوله وإن
ردها مع أجنبي ضمن إذا هلكت بأنها موضوعة فيما إذا كانت العارية مؤقتة وقد انتهت
باستيفاء مدتها وحينئذ يصير المستعير مودعاً والمودع لا يملك الإيداع بالاتفاق أهـ.
شرنبلالية. فالقول بعدم إيداع المستعير ذهب إليه الكرخي. قال البقالي: وهذا أصح، وما
مشى عليه المصنف من أنه يملكه هو قول مشايخ العراق، وبه أخذ أبو الليث والفضلي.
قال في التمرتاشية: وإليه أشار محمد في الأصل. وقال في الكافي: وعليه الفتوى،
فبناء هذه المسألة على مذهب الكرخي ظاهر، أما قول المفتى به فمحمول على انتهاء
الإعارة لانقضاء المدة بأن كانت مؤقتة فمضت مدتها ثم بعثها مع الأجنبي كما في البحر.
قلت: لا فرق في إيجاب الضمان بين رد نفسه ورد غيره لو هلكت بعد مضي المدة،
فحينئذ قيد الأجنبي لا يفيد. تدبر. أو بأن استعارها فاستخدمها وبعد انقضاء العمل ردها
مع الأجنبي فهلكت يضمن، لما سبق من أنه لو عمل بعمل يتعين ذلك، وليس له أن
يعمل آخر بعمل والإيداع عمل آخر فيضمن فيظهر منه أنه لو ردها معه قبل الاستخدام
ينبغي أن لا يضمن، فظهر أن هذا الحمل أولى. على أنه لما انتهى العمل والإعارة صارت
وديعة عند المستعير فيصير مودعاً وهو لا يملك الإيداع بالاتفاق ولذلك يضمن كما في
الكافي وغيره.
قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى بعد كلام: لكن تقدم متناً أنه يضمن في المؤقتة،
وفي جامع الفصولین: لو كانت العارية مؤقتة فأمسكها بعد الوقت مع إمكان الرد ضمن،
وإن لم يستعملها بعد الوقت هو المختار سواء توقتت نصاً أو دلالة، حتى أن من استعار
قدوماً لیکسر حطباً فکسره فأمسك ضمن ولو لم یوقت اهـ. فعلى هذا فضمانه ليس
بالإرسال مع الأجنبي إلا أن يحمل على ما إذا لم يمكنه الرد. تأمل. ومع هذا يبعد هذا
التأويل التقييد أولاً بالعبد والأجير فإنه على هذا لا فرق بينهما وبين الأجنبي حيث لا
يضمن بالرد قبل المدة مع أيّ من كان ويضمن بعدها كذلك، فهذا أدل دليل على قول من
قال ليس له أن يودع، وصححه في النهاية كما نقله عنه في التاتر خانية. قوله: (فيما يملك
الإعارة) وهو ما لا يختلف، وظاره أنه لا يملك الإيداع فيما يختلف وليس كذلك. وعبارة
الزيلعي: وهذا لأن الوديعة أدنى حالاً من العارية، فإذا كان يملك الإعارة فيما لا يختلف
فالأولى أن يملك الإيداع على ما بينا، ولا يختص بشيء دون شيء، لأن الكل لا يختلف
في حق الإيداع وإنما يختلف في حق الانتفاع اهـ. اللهم إلا أن يقال: ما عبارة عن الوقت.
أي في وقت يملك الإعارة، وهو قبل مضي المدة إذا كانت موقتة وهو بعيد كما لا يخفى.

٥٤٠
كتاب العارية
به يفتى. زيلعي. فتعين حمل كلامهم على هذا؛ وبخلاف رد وديعة ومغصوب، إلى
دار المالك فإنه ليس بتسليم.
(وإذا استعار أرضاً) بيضاء (للزراعة يكتب المستعير) إنك أطعمتني أرضك
لأزرعها فيخصص لئلا يعم البناء ونحوه
تأمل. أفاده سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله: (به يفتى) لم يصرح الزيلعي بالفتوى،
وإنما قال المختار كما علمته من عبارته السابقة، وصرح بها صاحب البحر فقال: وقد
تقدم أن المختار المفتى به جوازه اهـ. قوله: (فتعين حمل كلامهم) أي في الضمان بالدفع إلى
الأجنبي. قوله: (على هذا) أي على ما إذا دفعها له بعد مضيّ الوقت، لكن لا يخفى أن
الضمان حينئذ بسبب مضي المدة لا من كونه بعثها مع الأجنبي، إذ لا فرق حينئذ بينه
وبين غيره. قوله: (وبخلاف) معطوف على قول المتن بخلاف، وكان الأولى ذكره هناك.
تأمل. قوله: (رد وديعة ومغصوب الخ) لأن الوديعة للحفظ ولم يرض بحفظ غيره، إذ لو
رضي به لما أودعها عنده، وبخلاف الغصب؛ لأنه صار متعدياً بإثبات يده في العين
وبإزالة يد صاحبها فلا بد من إزالة يده وإثبات يد صاحبها وذلك بالتسليم حقيقة، أما في
الدفع إلى الغلام فيضمن بدفع الوديعة إلى غلام المالك لا إلى غلام نفسه. زيلعي مختصراً
ط. قوله: (إلى دار المالك) وكذا لعياله هداية والمستأجر كالوديعة. قوله: (فإنه) كذا في
الهداية. قوله: (ليس بتسليم) لكن مسألة الغصب خلافية. ففي الخلاصة قال مشايخنا:
يجب أن يبرأ.
قال في الجامع الصغير: للإمام قاضيخان: السارق والغاصب لا يبرآن بالرد إلى
منزل ربها أو مربطه أو أجيره أو عبده ما لم يردها إلى مالكها اهـ. قوله: (للزراعة) قيد به
لأنه لو استعارها لمطلق الانتفاع يكتب أعرتني على الظاهر لأنه أدل على العموم ط. قوله:
(يكتب المستعير) الظاهر أن هذا على سبيل الأولى، وهذا عند أبي حنيفة لأن لفظة الإطعام
أدل على المراد من الإعارة لأنها تختص بالزراعة، وإعارة الأرض تارة تكون للزراعة وتارة
تكون للبناء ونصب الفسطاط، فكانت الكتابة بلفظ الإطعام أولى ليعلم أن غرضه
الزراعة. وعندهما: يكتب أنك أعرتني لأن الإعارة هي الموضوعة لهذا العقد، والكتابة
بالموضوع أولى.
وفائدة الكتابة أمن جحود المستعير عند تطاول المدة أو موت المعير وأمن المستعير من
لزوم الأجر بدعوى المعير أنه إنما آجره اهـ. أبو السعود. قوله: (إنك أطعمتني) بفتح
الهمزة لأنها وقعت مفعولًا ليكتب فهي مصدرية، ويجوز كسرها على معنى أنه يكتب هذا
اللفظ: أعني قوله ((إنك أطعمتني أرضك)) أبو السعود. قوله: (الأزرعها) اللام للتعليل.
قوله: (فيخصص) قال في التبيين: لأن الإطعام إذا أضيف إلى ما لا يؤكل يعرف منه المراد