Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب ما لم يأخذ مالاً لأنه لم يحتبس بمالها، ولو سافر بماله ومالها أو خلط بإذن ما أقام بالكوفة حتى يعود إلى البصرة لأن وطنه بالكوفة كان وطن إقامة وأنه يبطله بالسفر الخ. قوله: (ما لم يأخذ مالاً) هذه العبارة تفيد أنه إذا أخذ مالاً غير مال المضاربة بأن تركه في بلده وسافر بمال آخر وأقام بالكوفة فإنه لا نفقة له بدليل المقابلة والتعليل، وليس الأمر كذلك، وكأنه فهم ذلك من قول المنح: فلو أخذ مالاً بالكوفة وهو من أهل البصرة وكان قدم الكوفة مسافراً فلا نفقة له ا ه. والمقصود من هذه العبارة هو ما لو نوى الإقامة بمصر ولم يتخذه داراً فله النفقة، إلا إذا كان قد أخذ مال المضاربة في ذلك المصر فلا نفقة له ما دام فيه، ويدل له ما في المبسوط: ولو دفع المال إليه مضاربة وهما بالكوفة وليست الكوفة بوطن للمضارب لم ينفق على نفسه من المال ما دام بالكوفة، لأن إقامته فيها ليست للمضاربة فلا يستوجب النفقة ما لم يخرج منها، فإن خرج منها إلى وطنه ثم عاد إليها في تجارة أنفق في الكوفة من مال المضاربة، لأن وطنه بها كان مستعاراً وقد انتقض بالسفر فرجوعه بعد ذلك إلى الكوفة وذهابه إلى مصر آخر سواء. مكي. قال في البحر: فلو أخذ مالًا بالكوفة وهو من أهل البصرة وكان قدم الكوفة مسافراً فلا نفقة له في المال ما دام بالكوفة، فإذا خرج منها مسافراً فله النفقة حتى يأتي البصرة لأن خروجه لأجل المال ولا ينفق من المال ما دام بالبصرة، لأن البصرة وطن أصلي له فكان إقامته فيه لأجل الوطن لا لأجل المال، فإذا خرج من البصرة له أن ينفق من المال إلى أن يأتي الكوفة لأن خروجه من البصرة لأجل المال وله أن ينفق أيضاً ما أقام بالكوفة حتى يعود إلى البصرة، لأن وطنه بالكوفة كان وطن إقامة وأنه يبطل بالسفر، فإذا عاد إليها وليس له بها وطن فكأن إقامته فيها لأجل المال. كذا في البدائع والمحيط والفتاوى الظهيرية اهـ. ويظهر منه أنه لو كان له وطن في الكوفة أيضاً ليس له الإنفاق إلا في الطريق، ورأيت التصريح به في التاترخانية من الخامس. والحاصل: أنه إذا أخذ مالًا بالكوفة وهو من أهل البصرة وكان قدم الكوفة مسافراً قبل ذلك فلا نفقة له ما دام بها حتى يرتحل عنها، وعليه فلا يخفى مما في كلام الشارح من الإيجاز الملحق بالألغاز. أقول: وحق العبارة هكذا: ما لم يأخذ مالها فيه لأنه لم يحبس به، ويفيد بمفهومه أنه إذا احتبس بأن سافر من البلدة التي أخذ المال فيها ثم عاد بالمال إليها كان له النفقة لأنه احتبس به حينئذ. قوله: (أو خلط الخ) أو بعرف شائع كما قدمنا أنه لا يضمن به. قوله: (بإذن) أي تصير شركة ملك فلا تنافي المضاربة ونظيره ما قدمناه لو دفع إليه ألفاً نصفها قرض ونصفها مضاربة صح ولكل نصف حكم نفسه اهـ. مع أن المال مشترط شركة ملك ٤٢٢ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب أو بمالين لرجلين أنفق بالحصة وإذا قدم رد ما بقي. مجمع. ويضمن الزائد على المعروف، ولو أنفق من ماله ليرجع في مالها له ذلك ولو هلك لم يرجع على المالك (ويأخذ المالك قدر ما أنفقه المضارب من رأس المال إن كان ثمة ربح، فإن استوفاه وفضل شيء) من الربح (اقتسماه) على الشرط لأن ما أنفقه يجعل كالهالك والهالك يصرف إلى الربح كما مر (وإن لم يظهر ربح فلا شيء عليه) أي المضارب (وإن باع فلم يضمن المضاربة، وبه ظهر أنه لا ينافي ما قدمه الشارح عن الكافي من أنه ليس للشريك نفقة، فافهم. قوله: (أو بمالين لرجلين) هذا مخصوص بأن لا يكون المال الآخر بضاعة. قال في المحيط البرهاني: ولو كان أحدهما بضاعة فنفقته في المضاربة، إلا أن يتفرغ للعمل في البضاعة ففى ماله إلا أن يأذن له المستبضع بالنفقة منها لأنه متبرع: تاترخانية في الخامس عشر فيها من العتابية: ولو رجع المضارب من سفره بعد موت رب المال فله أن ينفق من المال على نفسه وعلى الرقيق، وكذا بعد النهي، ولو كتب إليه ينهاه وقد صار المال نقداً لم ينفق في رجوعه اهـ. قوله: (رد ما بقي) أي لوميز مالاً للنفقة فأنفق بعضه وبقي منه شيء حين قدم مصره رد ما بقي إلى المضاربة لأن الاستحقاق أمر ينتهي بانتهاء السفر. رحمتي عن ابن ملك. والظاهر أنه يردّ ما زاد عنه مما اشتراه للنفقة من كسوة وطعام عند انتهاء السفر. قوله: (ولو أنفق من ماله) أو استدان على المضاربة للنفقة. بحر. وهذا يفيد أن قولهم لا يملك الاستدانة مقيد بغير النفقة. قوله: (له ذلك) وكذا لو استدان على المضاربة للنفقة؛ لأن التدبير في الإنفاق إليه كالوصي إذا أنفق من مال نفسه على الصغير اهـ .. قوله: (ولو هلك) أي مال المضاربة قبل أن يرجع. قوله: (لم يرجع على المالك) لفوات محل النفقة. بحر. قوله: (ويأخذ الخ) أي أن المالك يأخذ المال الذي أنفقه المضارب من رأس المال من المال الذي جاء به المضارب، فإذا استوفى رب المال رأس ماله الذي دفعه إلى المضارب بما اشترى به البضاعة وما أنفقه وفضل شيء اقتسماه، وإن لم يظهر ربح فلا شيء على المضارب عوضاً عما أنفقه على نفسه. قوله: (من رأس المال) متعلق بأنفق. قال في البحر: وفيه إشارة إلى أن المضارب له أن ينفق على نفسه من مال المضاربة قبل الربح اهـ. قيد بالنفقة لأنه لو كان في المال دين غيرها قدم إيفاؤه على رأس المال كما في المنح. وفي البحر أيضاً: وأطلق المضارب ليفيد أنه لا فرق بين المضارب ومضاربه إذا كان أذن له في المضاربة وإلا فلا نفقة للثاني. قوله: (إن كان ثمة ربح) الأوضح أن يقول: من الربح إن كان ثمة ربح. قوله: (وإن لم يظهر ربح فلا شيء عليه) أي على المضارب عوضاً عما أنفقه على نفسه. ٤٢٣ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب المتاع مرابحة حسب ما أنفق على المتاع من الحملان وأجرة السمسار والقصار والصباغ ونحوه) مما اعتيد ضمه (ويقول) البائع (قام عليّ بكذا وكذا يضم إلى رأس المال ما يوجب زيادة فَيه حقيقة أو حكماً أو اعتاده التجار) كأجرة السمسار هذا هو الأصل. نهاية (لا) يضم (ما أنفقه على نفسه) لعدم الزيادة والعادة. (مضارب بالنصف شرى بألفها بزاً) أي ثياباً (وباعه بألفين وشرى بهما عبداً فضاعا في يده) قبل نقدهما لبائع العبد وحاصل المسألة: أنه لو دفع له ألفاً مثلاً فأنفق المضارب من رأس المال مائة وربح مائة يأخذ المالك المائة الربح بدل المائة التي أنفقها المضارب ليستوفي المالك جميع رأس ماله، فلو كان الربح في هذه الصورة مائتين يأخذ مائة بدل النفقة ويقتسمان المائة الثانية بينهما على ما شرطاه فتكون النفقة مصروفة إلى الربح ولا تكون مصروفة رأس المال، لأن رأس المال أصل والربح تبع فلا يسلم لهما التبع حتى يسلم لرب المال الأصل. عيني. قوله: (حسب ما أنفق الخ) وفي الكافي: شرى بالمال ثياباً وهو ألف واستقرض مائة للحمل رابح بألف ومائة عند الإمام وعندهما على مائة فقط، ولو باعها بألفين قسم على أحد عشر جزءاً سهم له والعشرة للمضاربة. قوله: (من الحملان) قال في مجمع البحرين: والحملان بالضم الحمل مصدر حمله، والحملان أيضاً أجر ما يحمل اهـ. وهو المراد ط. قوله: (وأجرة السمسار) هو تكرار مع ما تقدم في المتن. قوله: (وكذا يضم إلى رأس المال ما يوجب زيادة) لأنها بالزيادة عن الثمن صارت كالثمن. زيلعي. وهو مستغني عنه بما قبله ط. قوله: (حقيقة) كالصبغ والخياطة وكسوة المبيع وغيره. قوله: (أو حكماً) كالقصارة وحمل الطعام وسوق الغنم وسقي الزرع وغيره. قوله: (وهذا هو الأصل نهاية) أشار بهذا إلى ما مر في باب المرابحة بقوله: وضابطه كل ما يزيد في المبيع أو في قيمته يضم، واعتمد العيني عادة التجار بالضم، فإذا جرت العادة بضم ذلك يضم. قوله: (على نفسه) أي في السفر ففي الإقامة أولى. قوله: (لعدم الزيادة والعادة) لما كان(١) في عبارة المنح ما يشعر بأن بعض النفقة تكون سبباً لزيادة الثمن لكن لم تجر العادة بضمها، وهذا البحث يتعلق بباب المرابحة وقد تقدم تحقيقه، وعلى كل فهو تكرار مع ما في المتن، والأولى التمثيل بما يأخذه العشار. قوله: (بزاً) قال محمد في السير: البزّ عند أهل الكوفة: ثياب الكتان أو القطن لا ثياب الصوف أو الخز. منح عن المغرب. وقيل هو متاع البيت. ذكره مسكين. قوله: (أي ثياباً) أطلقه إشارة إلى أن الحكم غير مقيد بحقيقة البز التي هي الكتان أو القطن أو متاع البيت. قوله: (فضاعا) أي الألفان هلكا في يده (١) في ط (قوله لما كان الخ) هكذا بالأصل. ٤٢٤ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب (غرم المضارب) نصف الربح (ربعهما و) غرم (المالك الباقي و) يصير (ربع العبد) ملكاً (للمضارب) خارجاً عن المضاربة لكونه مضموناً عليه ومال المضاربة أمانة وبينهما تناف (وباقيه لها ورأس المال) جميع ما دفع المالك وهو (ألفان وخمسمائة) ولكن (ربح) المضارب في بيع العبد (على ألفين) فقط لأنه شراه بهما. (ولو بيع) العبد (بضعفهما) بأربعة آلاف (فحصتها ثلاثة آلاف) لأن ربعه للمضارب (والربح منها نصف الألف بينهما) لأن رأس المال ألفان وخمسمائة. (ولو شرى من ربّ المال بألف عبداً من غير تقصير منه برهان. قوله: (غرم المضارب ربعهما) لأن المال لما صار ألفين ظهر الربح في المال وهو ألف وكان بينهما نصفين فيصيب المضارب منه خمسمائة، فإذا اشترى بالألفين عبداً صار مشتركاً بينهما فربعه للمضارب وثلاثة أرباعه لرب المال، ثم إذا ضاع الألفان قبل النقد كان عليهما ضمان العبد على قدر ملكهما في العبد، فربعه على المضارب وهو خمسمائة وثلاثة أرباعه على رب المال وهو ألف وخمسمائة. منح. وهو مشكل لأن مال المضاربة في يده أمانة وما شراه إنما شراء للمضاربة ألا يرى أنه بعد اقتسام الربح قبل فسخ المضاربة لو وقع خسران يسترد منه الربح، فعلمنا أن الربح لم يملكه بمجرد حصوله ولم يقع الشراء له، فليتأمل وجهه. قوله: (وغرم المالك الباقي) ولكن الألفان يجبان جميعاً للبائع على المضارب ثم يرجع المضارب على رب المال بألف وخمسمائة، لأن المضارب هو المباشر للعقد وأحكام العقد ترجع إليه. إتقاني. قوله: (لكونه مضموناً) علة. لقوله: (خارجاً عن المضاربة) أي بين الضمان المفهوم من مضمون وبين الأمانة. قوله: (وباقيه لها) لأن ضمان رب المال لا ينافي المضاربة. قوله: (ولو بيع العبد) أي والمسألة بحالها. قوله: (فحصتها ثلاثة آلاف) ثمن ثلاثة أرباع العبد. قوله: (لأن ربعه) أي ربع العبد ملك للمضارب كما تقدم. قوله: (بينهما) أي والألف يختص بها المضارب كما مر. قوله: (ولو شرى من رب المال بألف عبداً) أي قيمته ألف فالثمن والقيمة سواء، وإنما قلنا ذلك لأنه لو كان فيهما فضل بأن اشترى رب المال عبداً بألف قيمته ألفان ثم باعه من المضارب بألفين بعد ما عمل المضارب في ألف المضاربة وربح فيها ألفاً فإنه يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة حصة المضارب: أما لو كان مال المضاربة ألفين فهي كالمسألة الأولى وكذا إذا كان في قيمة المبيع فضل دون الثمن بأن كان العبد يساوي ألفاً وخمسمائة فاشتراه رب المال بألف وباعه من المضارب بألف يبيعه المضارب مرابحة على ألف ومائتين وخمسين، وكذا عكسه بأن شرى عبداً قيمته ألف بألف فباعه منه بألف. فالمسألة رباعية: قسمان لا يرابح فيهما إلا على ما اشترى رب المال، وهما إذا كان لا فضل فيهما أو لا فضل في قيمة المبيع فقط. وقسمان يرابح عليه وعلى حصة المضارب، وهما إذا كان فيهما فضل أو في قيمة ٤٢٥ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب شراء) رب المال (بنصفه رابح بنصفه) وكذا عكسه لأنه وكيله، ومنه علم جواز شراء المالك من المضارب وعكسه. (ولو شرى بألفها عبداً قيمته ألفان فقتل العبد رجلاً خطأ فثلاثة أرباع الفداء على المالك وربعه على المضارب) على قدر ملكهما. (والعبد يخدم المالك ثلاثة أيام والمضارب يوماً) لخروجه عن المضاربة بالفداء المبيع فقط، وهذا إذا كان البائع رب المال، فلو كان المضارب فهو على أربعة أقسام أيضاً كما يأتي. وتمامه في البحر عن المحيط. قوله: (شراء رب المال بنصفه) صفة عبد. قوله: (رابح بنصفه) جواب شراه، أي فلا يجوز أن يبيعه مرابحة على ألف لأن بيعه من المضارب كبيعه من نفسه لأنه وكيله فيكون بيع ماله بماله فيكون كالمعدوم وهو لا يجوز. وفي حاشية الشلبي: لأن عقد المرابحة عقد أمانة فيجب تنزيهه عن الخيانة وعن شبهة الخيانة، والعقد الأول وقع لرب المال والثاني كذلك، لأن شراء المضارب لا يخرج عن ملك رب المال إلا أنه صح العقد لزيادة فائدة وهي ثبوت اليد والتصرف للمضارب فبقي شبهة عدم وقوع العقد الثاني فبيعه مرابحة على الثمن الأول وذلك خمسمائة. قوله: (وكذا عكسه) وهو ما لو كان البائع المضارب والمسألة بحالها بأن شرى رب المال بألف عبداً شراء المضارب بنصفه ورأس المال ألف فإنه يرابح بنصفه: أي يبيعه مرابحة على خمسمائة، لأن البيع الجاري بينهما كالمعدوم، وهذا إذا كانت قيمته كالثمن لا فضل فيهما، ومثله لو الفضل في القيمة فقط. أما لو كان فيهما فضل أو في الثمن فقط فإنه يرابح على ما اشترى به المضارب وحصة المضارب، وبه علم أنه المسألة رباعية أيضاً. وتمامه في البحر. قوله: (ومنه علم جواز شراء المالك من المضارب وعكسه) أما شراء المالك من المضارب مال المضاربة فإنه وإن كان مال المالك لكنه لا يملك التصرف فيه بعد صيرورته عرضاً، وصحة العقد تحتمل حصول الثمرة وقد حصلت بملكه التصرف. وأما شراء المضارب من رب المال فهو صحيح، لأن ما شراء لا يملك فيه العين ولا التصرف، وهو وإن شراء للمالك لأنه وكيل عنه، لكن في شرائه فائدة وهو حصول الربح له. وفيه فائدة للمالك أيضاً لأنه ربما يعجز عن بيعه بنفسه. قوله: (ولو شری) أي من معه ألف بالنصف كما قيد به في الكنز. قوله: (لخروجه عن المضاربة بالفداء) لأن الفداء مؤنة الملك فيتقدر بقدره، فإذا فدياه خرج العبد كله عن المضاربة. أما نصيب المضارب فإنه صار مضموناً عليه. وأما نصيب رب المال فبقضاء القاضي بانقسام الفداء عليهما، لأن قضاءه بالفداء يتضمن قسمة العبد بينهما لأن الخطاب بالفداء يوجب سلامة المفدي ولا سلامة إلا بالقسمة. زيلعي. قال في البحر: لأن الفداء مؤنة الملك وقد كان الملك بينهما أرباعاً لأنه لما صار المال ٤٢٦ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب للتنافي كما مر. ولو اختار المالك الدفع والمضارب الفداء فله ذلك لتوهم الربح حينئذ. عيناً واحداً ظهر الربح وهو ألف بينهما وألف لرب المال، فإذا فدياه خرج عن المضاربة لأن نصيب المضارب صار مضموناً عليه ونصيب رب المال صار له بقضاء القاضي بالفداء عليهما، وإذا خرج عنها بالدفع أو بالفداء غرما على قدر ملكهما اهـ. والفرق بين هذا وبين ما مر حيث لا يخرج هناك ما خص رب المال عن المضاربة، وهنا يخرج لأن الواجب هناك ضمان التجارة وهو لا ينافي المضاربة، وهنا ضمان الجناية وهو ليس من التجارة في شيء فلا يبقى على المضاربة. كفاية. قوله: (كما مر) أي قريباً من أن ضمان المضارب ينافي المضاربة. قوله: (ولو اختار المالك الدفع الخ) قال في البحر: قيد بقوله قيمته ألفان؛ لأنه لو كانت قيمته ألفاً فتدبير الجناية إلى رب المال؛ لأن الرقبة على ملكه لا ملك للمضارب فيها، فإن اختار رب المال الدفع والمضارب الفداء مع ذلك فله ذلك؛ لأنه يستبقي بالفداء مال المضاربة وله ذلك، لأن الربح يتوهم. كذا في الإيضاح اه. ونحوه في غاية البيان. ولا يخفى أن الربح في مسألة المصنف محقق، بخلاف هذه فقد علل لغیر مذکور، على أن الظاهر أنه في مسألة المتن لا ينفرد أحدهما بالخيار لكون العبد مشتركاً، يدل عليه ما في غاية البيان ويكون الخيار لهما جميعاً إن شاء فديا وإن شاء دفعا، فتأمل اهـ. أقول: لكن صدر عبارة البحر ينافي آخرها، ولعلهما قولان: الأول: أن الخيار لرب المال لأن العبد ملکه وحده. والثاني: أن الخيار للمضاربة لتوهم الربح ولاستبقاء المضاربة. ثم لا تنافي بين قوله هنا لاستبقاء المضاربة وقول الشارح فيما مر ((أنه يخرج عن المضاربة بالفداء)) لأن ما مر فيه للمضارب ربح فضمن قدر ربحه من الفداء والضمان ينافي المضاربة، بخلاف ما هنا. تأمل. وفي البحر قال: ثم اعلم أن العبد مشترك في المضاربة إذ جنی خطأ لا يدفع بها حتى يحضر المضارب ورب المال، سواء كان الأرش مثل قيمة العبد أو أقل أو أكثر، وكذا لو کانت قیمته ألفاً لا غیر لا يدفع إلا بحضرتهما؛ لأن المضارب له فیه حق ملك حتی ليس لرب المال أن يأخذه ويمنعه من بيعه كالمرهون إذا جنى خطأ لا يدفع إلا بحضرة الراهن والمرتهن. والحاصل: أنه يشترط حضرة رب المال والمضارب للدفع دون الفداء، إلا إذا أبى المضارب الدفع والفداء وقيمته مثل رأس المال فلرب المال دفعه لتعنته، فإن كان أحدهما غائباً وقيمة العبد ألفا درهم فقداه الحاضر كان متطوّعاً لأنه أدى دين غيره بغير أمره وهو ٤٢٧ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب (اشترى بألفها عبداً وهلك الثمن قبل النقد) للبائع لم يضمن لأنه أمين، بل (دفع المالك) للمضارب (ألفاً أخرى ثم وثم) أي كلما هلك دفع أخرى إلى غير نهاية (ورأس المال جميع ما دفع) بخلاف الوكيل، لأن يده ثانياً يد استيفاء لا أمانة. (معه ألفان فقال) للمالك (دفعت إليّ ألفاً وربحت ألفاً وقال المالك دفعت ألفين فالقول للمضارب) غير مضطر فيه، فإنه لو أقام بينة على الشركة لا يطالب بحصة صاحبه لا بالدفع ولا بالفداء. كذا في النهاية. وذكر قاضيخان أن المضارب ليس له الدفع والفداء وحده لأنه ليس من أحكام المضاربة، فلذا كان إليهما اهـ. قال المقدسي: ولو اختار المضارب وحده الدفع دفع حصته والمالك مخير في الباقي بين الدفع والفداء اهـ. قوله: (اشترى) أي المضارب. قوله: (ثم وثم) فيه حذف المعطوف ودخول العاطف على مثله. حموي. قوله: (ورأس المال جميع ما دفع) يعني لا يكون للمضارب شيء من الربح حتى يصل رب المال إلى جميع ما أوصله المضارب على أنه ثمن. أما إذا أراد المضارب أن يبيعه مرابحة لا يرابح إلا على ألف كما تقدم اهـ شلبي. قوله: (بخلاف الوكيل) إذا كان الثمن مدفوعاً إليه قبل الشراء، ثم هلك بعد الشراء فإنه لا يرجع إلا مرة لأنه أمكن جعله مستوفياً لأن الوكالة تجامع الضمان كالغاصب إذا وكل ببيع المغصوب ثم في الوكالة في هذه الصورة يرجع مرة. وفيما إذا اشترى ثم دفع الموكل إليه المال فهلك بعده لا يرجع لأنه ثبت له حق الرجوع بنفس الشراء فجعل مستوفياً بالقبض بعده. أما المدفوع إليه قبل الشراء أمانة في يده وهو قائم على الأمانة بعده فلم يصر مستوفياً فإذا هلك يرجع عليه مرة ثم لا يرجع لوقوع الاستيفاء. بحر. والحاصل: أن الوكيل إذا قبض الثمن بعد الشراء ثم هلك فإنه لا يرجع لأنه ثبت له حق الرجوع بنفس الشراء فجعل مستوفياً بالقبض بعده. وأما لو دفع إليه قبل الشراء فهلك بعد الشراء يرجع مرة، لأن المدفوع إليه قبل أمانة في يده وهو قائم على الأمانة بعده، فإذا هلك يرجع عليه مرة ثم لا يرجع لوقوع الاستيفاء. أفاده المصنف. قوله: (لأن يده ثانياً يد استيفاء لا أمانة) بيانه أن المال في يد المضارب أمانة ولا يمكن حمله على الاستيفاء لأنه لا يكون إلا بقبض مضمون، فكل ما قبض يكون أمانة وقبض الوكيل ثانياً استيفاء لأن وجب له على الموكل مثل ما وجب عليه للبائع، فإذا قبضه صار مستوفياً له فصار مضموناً عليه فيهلك عليه، بخلاف ما إذا لم يكن مدفوعاً إليه إلا بعد الشراء حيث لا يرجع أصلاً، لأنه ثبت له حق الرجوع بنفس الشراء فجعل مستوفياً بالقبض بعده، إذ المدفوع إليه قبله أمانة وهو قائم على الأمانة بعده فلم يصر مستوفياً، فإذا هلك يرجع مرة فقط لما قلنا. قوله: (معه) أي المضارب. قوله: (فالقول للمضارب) وقال زفر: القول ٤٢٨ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب لأن القول في مقدار المقبوض للقابض أميناً أو ضميناً، كما لو أنكره أصلاً. (ولو كان الاختلاف مع ذلك في مقدار الربح فالقول لرب المال في مقدار الربح فقط) لأنه يستفاد من جهته (وأيهما أقام بينة تقبل) وإن أقاماها فالبينة بينة رب المال في دعواه الزيادة في رأس المال، (و) بينة (المضارب في دعواه الزيادة في الربح) قيد الاختلاف بكونه في المقدار، لأنه لو كان في الصفة فالقول لرب المال فلذا قال (معه لرب المال، وهو قول أبي حنيفة أولاً، لأن المضارب يدعي الربح والشركة فيه ورب المال ينكره. فالقول قول المنكر. ثم رجع وقال: القول قول المضارب، وهو قولهما بأن حاصل اختلافهما في المقبوض فالقول قول القابض في مقدار المقبوض ولو ضمنياً اعتباراً بما لو أنكره أصلاً فإن القول له. قوله: (لأن القول في مقدار المقبوض للقابض) لأنه أحق بمعرفة مقدار المقبوض. قوله: (أميناً) أي كالمودع. قوله: (أو ضمنياً) كالغاصب. قوله: (كما لو أنكره) أي القبض أصلاً فالقول قوله. قوله: (ولو كان الاختلاف مع ذلك) أي مع الاختلاف في المقبوض الاختلاف في مقدار الربح، بأن قال المال رب رأس المال ألفان وشرطت لك ثلث الربح وقال المضارب رأس المال ألف وشرطت لي نصف الربح كان القول للمضارب في قدر رأس المال لأنه القابض، والقول لرب المال في مقدار الربح لأنه المنكر للزيادة، وهو لو أنكر استحقاق الربح عليه بالكلية بأن ادعى البضاعة قبل منه، فكذا في إنكاره الزيادة. ذكره الزيلعي. قوله: (فقط) لا في رأس المال، بل القول فيه للمضارب لأنه القابض كما علمت. قوله: (لأنه يستفاد من جهته) أي من جهة رب المال من حيث إن الربح نماء ملكه. قوله: (وإن أقاماها الخ) أي لأن بينة رب المال في زيادة رأس المال أكثر إثباتاً، ولأن بينة المضارب في زيادة الربح أكثر إثباتاً كما في الزيلعي. ويؤخذ من هذا ومن الاختلاف في الصفة أن رب المال لو ادعى المضاربة وادعى من في يده المال أنها عنان وله في المال كذا وأقاما البينة فبينة ذي اليد أولى، لأنها أثبتت حصة من المال وأثبتت الصفة. أقول: لكن قد يقال: إن كلتا البينتين أثبتت حصة وصفة وتزيد بينة رب المال بأنه خارج، إلا أن يقال: إن الصفة التي أثبتتها بينة القابض أقوى، لأن شركة العنان أقوى من المضاربة، فليتأمل. قوله: (في المقدار) أي مقدار المقبوض. قوله: (لأنه لو كان في الصفة) أي صفة الدفع هل هو مضاربة أو بضاعة؟ وقال المالك بضاعة ولم أجعل لك من الربح شيئاً، وقال من في يده المال مضاربة وجعلت لي نصف الربح فالقول لرب المال؛ لأن العامل يدعي عليه استحقاق أجر على عمله وهو ينكر والقول للمنكر، وكان الأولى تقديم هذه المسألة على المسألة السابقة فيقول: قيد بكونه في مقدار المقبوض، لأنه لو كان في مقدار الربح أيضاً أو في الصفة فالقول لرب المال. ٤٢٩ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب ألف فقال هو مضاربة بالنصف وقد ربح ألفاً وقال المالك هو بضاعة فالقول للمالك) لأنه منكر (وكذا لو قال المضارب هي قرض رب المال هي بضاعة أو وديعة أو مضاربة فالقول لرب المال والبينة بينة المضارب) لأنه يدعي عليه التمليك والمالك ینکر. (وأما لو ادعى المالك القرض والمضارب المضاربة فالقول للمضارب) لأنه ينكر الضمان، وأيهما أقام البينة قبلت (وإن أقاما) بينة (فبينة رب المال أولى) لأنها أكثر إثباتاً . قال العلامة الرحمتي: وقوله لأنه لو كان في الصفة ليس على إطلاقه، لأنه لو ادعى المالك القرض والقابض المضاربة أو البضاعة أو الوديعة كان القول للقابض كما سيأتي متناً. قوله: (فقال) أي المضارب. قوله: (وقال المالك) الأولى ذو اليد. قوله: (فالقول للمالك) لأنه منكر، ولأن المضارب يدعي عليه تقويم عمله أو شرطاً من جهته أو يدعي الشركة في الربح وهو ينكر. ذكره ابن الكمال. قوله: (ولو قال المضارب) الأولى واضع اليد لأن المسألتين الأوليين اتفقا فيهما على عدم المضاربة. قوله: (هي قرض) أي وجميع الربح لي. قوله: (أو وديعة) إنما كان القول له وإن كان الربح ليس له منه شيء لما ذكره المؤلف من أنه يدعي عليه التمليك وهو ينكر. قوله: (والبينة بينة المضارب) سواء أقامها وحده أو مع رب المال، لأنها تثبت أمراً زائداً وهو التمليك بالقرض. قوله: (لأنه يدعي عليه التمليك) أي تمليك بعض الربح فيما إذا ادعى المضاربة وتمليك عين المال فيما إذا ادعى القرض؛ لأن المستقرض يملكه ولذا كان ربحه له. قوله: (لأنه ينكر الضمان) أي ورب المال يدعيه والقول للمنكر، فقد خرجت هذه عن قاعدة الاختلاف في الوصف لهذه العلة لأنها أكثر إثباتاً لأنها تثبت عليه ضمان البدل ط. قوله: (فبينة رب المال أولى لأنها أكثر إثباتاً) لأنه يدعي عليه الضمان بالقرض، وهذا معنى قوله ((لأنها أكثر إثباتاً)) وهذا ظاهر فيما إذا ادعى المالك القرض لأنها تثبت الضمان على المستقرض. أما لو ادعى القابض القرض فينبغي أن تكون البينة له، لأن بينته أكثر إثباتاً وهو تملك المال المقبوض، وكذا لو ادعى المضاربة لأنها تثبت استحقاقاً في الربح. تأمل. والحاصل: أن القول لمدعي المضاربة في الوجهين والبيئة بينة مدعي القرض فيهما على ما ذكر. وفي البدائع قال: دفعت لي ألفاً مضاربة فهلكت فقال المقر له لا بل غصبتها مني: فإن الهلاك قبل التصرف فلا ضمان، وإن بعده يضمن: يعني لأن التصرف في مال الغير سبب لوجوب الضمان في الأصل فكان دعوى الإذن دعوى البراءة عن الضمان فلا يثبت ٤٣٠ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب وأما الاختلاف في النوع: فإن ادعى المضارب العموم أو الإطلاق وادعى المالك الخصوص فالقول للمضارب لتمسكه بالأصل. إلا بحجة. والظاهر أن هذا لا يجري فيما نحن فيه لأنه أقرّ بالقبض المبيح للتصرف. قوله: (وأما الاختلاف في النوع) هذا مقابل قوله المار: (لأنه لو كان في الصفة) وكان عليه أن يؤخر هذا إلى قوله: (ولو ادعى كل نوعاً) لأن الاختلاف في العموم والخصوص ليس من الاختلاف في النوع بل من الصفة فلا يتم التفريع الآتي عليه وهو قوله: (فإن ادعى المضارب الخ). قال في البدائع: فإن اختلفا في العموم والخصوص فالقول قول من يدعي العموم بأن ادعى أحدهما المضاربة في جميع التجارات أو في عموم الأمكنة أو مع عموم الأشخاص، لأن قول من يدعي العموم يوافق المقصود بالعقد، إذ المقصود هو الربح وهنا المقصود بالعموم أوفر، وكذا لو اختلفا في الإطلاق والتقييد فالقول قول من يدعي الإطلاق، حتى لو قال رب المال أذنت لك أن تتجر في الحنطة دون ما سواها، وقال المضارب ما سميت لي تجارة بعينها فالقول قول المضارب مع يمينه، لأن الإطلاق أقرب إلى المقصود بالعقد على ما بينا. وقال الحسن بن زياد: القول قول رب المال في الفصلين: فإن قامت لهما بينة فالبينة بينة من يدعي الخصوص في دعوى العموم والخصوص وفي دعوى الإطلاق والتقييد بينة من يدعي التقييد لأنها تثبت زيادة قيد وبينة الإطلاق ساكتة. ولو اتفقا على الخصوص لكنهما اختلفا في ذلك الخاص بأن قال رب المال دفعت المال إليك مضاربة في الير وقال المضارب في الطعام فالقول قول رب المال اتفاقاً، لأنه لا يمكن الترجيح هنا بالمقصود من العقد الاستوائهما في ذلك فترجح بالإذن، وأنه يستفاد من رب المال، فإن أقاما البينة فالبينة بينة المضارب، لأن بينته مثبتة وبينة رب المال نافية، لأنه لا يحتاج إلى الإثبات والمضارب يحتاج له لدفع الضمان عن نفسه، فالبينة المثبتة للزيادة أولى. كذا في الحواشي الحموية. قوله: (فإن ادعى المضارب العموم) أي في أنواع التجارات. قوله: (أو الإطلاق) بأن قال أطلقت لي في السفر براً وبحراً. قوله: (وادعى المالك الخصوص) أي بنوع من التجارة. والمناسب أو التقييد لتحسن المقابلة بأن قال قيدت لك السفر بالبر. قوله: (فالقول للمضارب) لأن الأصل في المضاربة العموم، إذ المقصود منها الاسترباح والعموم والإطلاق يناسبانه. وهذا إذا تنازعا بعد تصرف المضارب، فلو قبله فالقول للمالك، كما إذا ادعى المالك بعد التصرف العموم والمضارب الخصوص فالقول للمالك. در. منتقى. ومثله في الخانية وغاية البيان والزيلعي والبحر وغيرهما. وحكى ابن وهبان في نظمه قولین. ٤٣١ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب ولو ادعى كل نوعاً فالقول للمالك والبينة للمضارب فيقيمها على صحة تصرفه ويلزمها نفي الضمان. ولو وقتت البينتان قضى بالمتأخرة، وإلا فبينة المالك مال الصغير إلى نفسه. وفي مجموعة الأنقروي عن محيط السرخسي: لو قال رب المال هو قرض والقابض مضاربة، فإن بعد ما تصرف فالقول لرب المال والبينة بينته أيضاً والمضارب ضامن، وإن قبله فالقول قوله ولا ضمان عليه: أي القابض لأنهما تصادقا على أن القبض كان بإذن رب المال ولم يثبت القرض لإنكار القابض اهـ. ونقل فيها عن الذخيرة من الرابع مثله، ومثله في كتاب القول لمن عن غانم البغدادي عن الوجيز، وبمثله أفتى علي أفندي مفتي الممالك العثمانية، وكذا قال في فتاوى ابن نجيم: القول لرب المال. ويمكن أن يقال: إن ما في الخانية والمصنف وما قدمناه عن الدار المنتقى فيما إذا كان قبل التصرف حملاً للمطلق على المقيد لاتحاد الحادثة والحكم، وبالله التوفيق، كذا في مجموعة منلا علي ملخصاً. قوله: (ولو ادعى كل نوعاً) بأن قال أحدهما في بزّ وقال الآخر في بر. قوله: (فالقول للمالك) لأنهما اتفقا على الخصوص فكان القول قول من يستفاد من جهته الإذن والبينة بينة المضارب لحاجته إلى نفي الضمان وعدم حاجته إلى البينة. ذكره الزيلعي. قوله: (والبينة للمضارب فيقيمها على صحة تصرفه) يعني أن البينة تكون حينئذ على صحة تصرفه لا على نفي الضمان حتى تكون على النفي فلا تقبل. قوله: (ولو وقتت البينتان) بأن قال رب المال أديت إليك مضاربة أن تعمل في بز في رمضان وقال المضارب دفعت إليّ لأعمل في طعام في شوال وأقاما البينة. قوله: (قضى بالمتأخرة) لأن آخر الشرظين ينقض الأول. عناية. قوله: (وإلا) أي إن لم يوقتا أو وقتت إحداهما دون الأخرى. قوله: (فبيئة المالك) لأنه يتعذر القضاء بهما معاً للاستحالة، وعلى التعاقب لعدم الشهادة على ذلك، وإذا تعذر بهما القضاء فبينة رب المال أولى لأنها تثبت ما ليس بثابت. أفاده الأكمل. وهذا ينافي ما قدمه من أن البينة للمضارب إذ هو عند تعارض البينتين وإلا فهي لمن أقامها، إلا أن يحمل على أن البينة أقامها المضارب فقط وهو بعيد، لأنه إذا انفرد كل بإقامة البينة قبلت منه فلا وجه للتخصيص. وحاصله: أنه لم يظهر وجه ما ذكره لأن المفهوم من تصوير صاحب الدرر والعزمية أنهما اتفقا على المضاربة واختلفا في الوقت وأقاما بينة وأرّخت البينتان يقضي بالمتأخرة فلا يقال: وإلا لأنهما إذا لم يوقتا لا حاجة إليهما بعد الاتفاق على المضاربة، إلا أن يقال: إلا أن الاختلاف في التوقيت مبني على الاختلاف في النوع، لكن المفهوم خلافه. قال خير الدين الرملي: وجهه أن المضارب بقوله ما سميت لي تجارة بعينها يدعي التعميم وهو أصل في المضاربة فالقول قول من يدعيه ورب المال بدعواه النوع ادعى ٤٣٢ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب فروع: دفع الوصيّ مضاربة جاز، وقيده الطرسوسي بأن لا يجعل الوصي لنفسه من الربح أكثر مما يجعل لأمثاله. وتمامه في شرح الوهبانية. التخصيص وهو خلاف الأصل فيها، والبينة للإثبات والإثبات على من خالف الأصل. وأقول: على هذا الاختلاف بين الوكيل والموكل في ذلك على العكس. تأمل. قال في البحر في الوكالة: أمرتك بالاتجار في البر وادعى الإطلاق فالقول للمضارب لادعائه عمومه. وعن الحسن عن الإمام أنه لرب المال؛ لأن الإذن يستفاد منه، وإن برهنا فإن نص شهود العامل أنه أعطاه مضاربة في كل تجارة فهو أولى لإثباته الزيادة لفظاً ومعنى، وإن لم ينصوا على هذا الحرف فلرب المال ١ هـ. قوله: (جاز) فيكون عاقداً من الجانبين كما في النكاح وهبة الأب من طفله. قوله: (وقبده الطرسوسي) أي بحثاً منه. ورده ابن وهبان بأنه تقييد لإطلاقهم برأيه مع قيام الدليل على الإطلاق. واستظهر ابن الشحنة ما قاله الطرسوسي نظراً للصغير: أي ويكون هذا التقييد مراد من أطلق ليحصل به نفي التهمة، لكن في جامع الفصولين عن الملتقط: ليس للوصي في هذا الزمان أخذ مال اليتيم مضاربة فهذا يفيد المنع مطلقاً. قوله: (بأن لا يجعل الوصي لنفسه من الربح أكثر مما يجعل لأمثاله) بأن كان الغير يجعل لليتيم النصف منه فجعل الوصي الثلث له. قوله: (وتمامه في شرح الوهبانية) أي لابن الشحنة، لأنه إذا أطلق شرح الوهبانية ينصرف إليه، كما إذا أطلق شرح الكنز ينصرف للشارح الزيلعي، وكذا شرح الوقاية للشارح الشمني، وشرح الهداية لصاحب فتح القدير، وشرح القدوري للجوهرة كما هو مقتضى کلامهم. وعبارة ابن الشحنة: حيث قال بعد الذي ذكره الشارح: حتى لو كان الناس يعتقدون المضاربة بالنصف حتى عقدها هو لنفسه في مال الصغیر بالثلث لا يجوز له ذلك، وقال: إنه ما زاد ذلك إلا دفعاً لما توهمه عبارة الذخيرة من الجواز للتعليل بالاستنماء وعدم الاستحقاق في مال الصغير، وإنما هو من الربح الحاصل بعمل المضارب، وقال إنه لم يقف على هذا التقييد في كلام الأصحاب، ولكنه ينبغي أن يكون كذلك نظراً للصبي. وتعجب المصنف من تقييده بما أطلقه المشايخ برأيه مع قيام الدليل على الإطلاق لأنه نفع صرف، ووثوق الوصي بنفسه ليس كوثوقه بغيره، نعم لو جعله من باب الديانة والمروءة لكان حسناً، لكن لو عقد بأقل صح اهـ. قلت: الأظهر عندي ما قاله الطرسوسي، لأن تصرف الوصي إنما هو بالولاية النظرية ولا نظر للصبي في المضاربة في مال بأقل مما يفعله أمثال الوصي من الثقات، بل النظر فيه لجانب الوصي فإنه يحصل لنفسه ربحاً به يتعذر حصوله بدون مال اليتيم مع الحيف على اليتيم وإن كان مصلحة من حيث إنه يحصل الربح في الجملة، اللهم إلا أن ٤٣٣ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب وفيها: مات المضارب ولم يوجد مال المضاربة فيما خلف عاد ديناً في تركته. وفي الاختیار: دفع المضارب شیئاً للعاشر لیکفّ عنه ضمن لأنه ليس من أمور التجارة، لكن صرح في مجمع الفتاوى بعدم الضمان في زماننا. قال: وكذا الوصي لأنهما يقصدان الصلاح، وسيجيء آخر الوديعة. وفيه: لو شرى بمالها متاعاً فقال أنا أمسكه حتى أجد ربحاً كثيراً وأراد يقال: يكفي حصول المصلحة في الجملة وإن أمكن ما هو أولى منها اهـ. قال الشرنبلالي بعد نقل ما عن الطرسوسي: ونازعه المصنف وارتضى الشارح ذلك القيد نظراً للصغير بحثاً منه انتهى. أقول: ولا تنس ما قدمناه عن جامع الفصولين عن الملتقط. قوله: (وفيها) أي الوهبانية. قوله: (مات المضارب الخ) وكذا المودع والمستعير وكل من كان المال في يده أمانة إذا مات قبل البيان ولا تعرف الأمانة بعينها فإنه یکون علیه ديناً في ترکته، لأنه صار بالتجهيل مستهلكاً للوديعة: أي مثلاً ولا يصدق ورثته على الهلاك والتسليم إلى رب المال؛ ولو عين الميت في حال الحياة أو علم ذلك يكون ذلك أمانة في يد وصيه أو وارثه کما کان في يده، ويصدقون على الهلاك والدفع إلى صاحبه کما یصدق الميت حال حياته انتھی. وسیأتي تمامه في الوديعة. قوله: (عاد ديناً في تر كته) أي لأنه صار بالتجهيل مستهلكاً كما علمت، وأفتى به في الحامدية قائلاً: وبه أفتى قارىء الهداية. قوله: (لكن صرح في مجمع الفتاوى) نقل في المنح عنه ما نصه: قال الشيخ الإمام الأجل: وكان شيخنا يقول: الجواب في زماننا بخلاف هذا، ولا ضمان على المضارب فيما يعطى من مال المضاربة لسلطان طمع فيه وقصد أخذه بطريق الغصب، وكذا الوصي إذا صانع في مال اليتيم لأنهما يقصدان الإصلاح بهذه المصانعة، فلو لم يفعل أخذ المصانع جميع المال فدفع البعض لإحراز ما بقي من جملة الحفظ في زماننا، والأمين فيما يرجع إلى الحفظ لا يكون ضامناً، أما في زمانهم فكانت القوة لسلاطين العدل. انتهى مختصراً. ويؤخذ من هذا أنه إذا دفع من مال نفسه يكون متبرعاً فيضيع عليه ما دفع إلا إذا أشهد عند الدفع أنه يرجع ويحرر. قال الرحمتي: لا يضمن في زماننا لغلبة أهل الظلم والرشوة إذا كانت لدفع الضرر عن نفسه وعن رب المال كانت جائزة للدافع مأذوناً فيها عادة من المالك وإن حرمت على الآخذ انتهى. قوله: (لأنهما يقصدان الإصلاح) أي في هذه الرشوة فدفع البعض لإحراز ما بقي من جملة الحفظ والأمين فيما يرجع للحفظ لا يكون ضامناً. منح. قوله: (وسيجيء آخر الوديعة) ونصه: إذا هدد وخاف تلف نفسه أو عضوه أو خشي أخذ ماله کله فلا ضمان، وفیما سوى ذلك يضمن، فتأمل. وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. قوله: (وفيه لو شرى الخ) نقله في المنح بأبسط من ٤٣٤ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب المالك بيعه، فإن في المال ربح أجبر على بيعه لعمله بأجر كما مر، إلا أن يقول للمالك أعطيك رأس المال وحصتك من الربح فيجبر المالك على قبول ذلك. وفي البزازية: دفع إليه ألفاً نصفها هبة ونصفها مضاربة فهلكت يضمن حصة الهبة اهـ. هذا حيث قال: وفيه أيضاً: إذا اشترى المضارب بالمال متاعاً فقال المضارب أنا أمسكه حتى أجد ربحاً كثيراً وأراد رب المال بيعه فهذا على وجهين: إما أن يكون في مال المضاربة فضل بأن كان رأس المال ألفاً فاشترى به متاعاً يساوي ألفين، أو لم يكن في المال فضل بأن كان رأس المال ألفاً واشترى به متاعاً يساوي ألفاً، ففي الوجهين جميعاً لا يكون للمضارب حق إمساك المتاع من غير رضا رب المال إلا أن يعطي رب المال رأس المال، إن لم یکن فیه فضل ورأس المال وحصته من الربح إن کان فیه فضل فحينئذ له حق إمساكه، وإن لم يعط ذلك ولم يكن له حق إمساكه هل يجبر على البيع، إن كان في المال فضل يجبر المضارب على بيعه لأنه سلم له بدل عمله فيجبر على العمل، إلا أن يقول لربّ المال أعطيك رأس المال وحصتك من الربح إن كان في المتاع فضل أو يقول أعطيك رأس المال إن لم يكن فضل فإن اختار ذلك فحينئذ لا يجبر على البيع ويجبر رب المال على قبول ذلك نظراً من الجانبين، وإن لم يكن في المال فضل لا يجبر على البيع ويقال لرب المال المتاع كله خالص ملكك، فإما أن تأخذه برأس مالك أو تبيعه حتى تصل إلى رأس مالك. انتهى من مضاربة الذخيرة والمحيط. والحاصل: أن الكلام هنا في موضعين: الأول حق إمساك المضارب المتاع من غير رضا رب المال. والثاني إجبار المضارب على البيع حيث لا حق له في الإمساك. أما الأول: فلا حق له فيه سواء كان في المال ريح أو لا إلا أن يعطى لرب المال رأس المال فقط إن لم يربح أو مع حصته من الربح فحينئذ له حق الإمساك. وأما الثاني: وهو إجباره على البيع فهو أنه إن كان في المال ربح أجبر على البيع إلا أن يدفع للمالك رأس ماله مع حصته من الربح وإن لم يكن في المال ربح لا يجبر، ولكن له أن يدفع للمالك رأس ماله أو يدفع له المتاع برأس ماله. هذا حاصل ما فهمته من عبارة المنح عن الذخيرة، وهي عبارة معقدة كما سمعت، وقد راجعت عبارة الذخيرة فوجدتها كمافي المنح ونقلها في الهندية عن المحيط، ومثله في الفتاوى العطائية. وبقي ما إذا أراد المالك أن يمسك المتاع والمضارب يريد بيعه وهو حادثة الفتوى ويعلم جوابها مما مر قبيل الفصل من أنه لو عزله وعلم به والمال عروض باعها وإن نهاه المالك ولا يملك المالك فسخها ولا تخصيص الإذن لأنه عزل من وجه. قوله: (كما مر) الذي مر تعليل لغير هذا، وهو أنه يجبر على قضاء الدين إن كان في المال ربح. قوله: (يضمن حصة الهبة) لأن هبة المشاع الذي يقبل القسمة غير صحيحة فتكون في ضمانه. ٤٣٥ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب قلت: والمفتى به أنه لا ضمان مطلقاً، لا في المضاربة لأنها أمانة، ولا في الهبة لأنها فاسدة وهي تملك بالقبض على المعتمد المفتى به كما سيجيء فلا ضمان فيها، وبه يضعف قول الوهبانية: [الطويل] وَأَوْدَعَهُ عَشْراً عَلَى أَنَّ خمسَةً لَهُ هِبَةً فَاستَهْلَكَ الخَمْسَ يخسَرُ قوله: (وهي تملك بالقبض على المفتى به) قال السائحاني أقول: لا تنافي بين الملك بالقبض والضمان اهـ. ونص عليه في جامع الفصولين حيث قال رامز الفتاوى الفضلى: الهبة الفاسدة تفيد الملك بالقبض وبه يفتى، ثم إذا هلكت أفتيت بالرجوع للواهب هبة فاسدة لذي رحم محرم منه إذ الفاسدة مضمونة، فإذا كانت مضمونة بالقيمة بعد الهلاك كانت مستحقة الرد قبل الهلاك اهـ. فتنبه. قوله: (وأودعه عشراً) بعده بيت متوقف عليه وهو: [الطويل] لَهُ سَبْعَة قَالوا وَنِصْفاً إِذَا نَوَتْ لَهُ الخَمْسَةُ الأُخْرَى وَفيِ الشَّرْعِ يُنْشَرُ قال الشرنبلالي: صورتها رجل دفع لغيره عشرة دراهم وقال خمسة منها هبة لك وخمسة وديعة عندك فاستهلك القابض منها خمسة وهلكت الخمسة الباقية ضمن سبعة ونصفاً؛ لأن الخمسة الموهوبة مضمونة على القابض لأنها هبة مشاع يحتمل القسمة وهي فاسدة، والخمسة التي استهلكها نصفها من الهبة ونصفها من الأمانة فيضمن هذه الخمسة والخمسة التي ضاعت نصفها من الهبة فيضمن نصفها فصار المضمون سبعة ونصفاً. قلت: وهذا على غير الصحيح؛ لأن الهبة الفاسدة تملك بالقبض وقد سلطه المالك عليها فلا ضمان فيها، وكذلك لا ضمان في الوديعة، لما في البزازية: دفع إليه ألفاً نصفها هبة ونصفها مضاربة فهكلت يضمن حصة الهبة لا حصة المضاربة لأنها أمانة. وقوله يضمن حصة الهبة لا حصة المضاربة إنما هو على رواية عدم الملك وهو خلاف المفتى به، أما على المفتى به، فلا ضمان مطلقاً لا في الوديعة ولا في الهبة الفاسدة لأنه ملكها بالقبض فلذا قال الشارح ((وبه يضعف قول الوهبانية)) اهـح بتصرف وإصلاح من شرح العلامة عبد البر. ويضمن درهمين ونصفاً من الأمانة التي استهلكها ط. أقول: قوله وكذلك لا ضمان في الوديعة الخ فيه أن فرض مسألة الوهبانية في الاستهلاك وما استشهد به في الهلاك فينبغي أن يضمن درهمين ونصفاً بناء على المفتى به، لأن الخمسة التي استهلكها نصفها من الهبة فلا يضمن ونصفها من الأمانة فيضمن، وأما الخمسة التى ضاعت فلا يضمن شيئاً منها. تأمل. فروع سئل فيما إذا مات المضارب وعليه دين وكان مال المضاربة معروفاً فهل يكون رب المال أحق برأس ماله وحصته من الربح؟ الجواب نعم كما صرح به في الخانية والذخيرة البرهانية حامدية. ٤٣٦ كتاب المضاربة / باب المضارب يضارب وفيها عن قارىء الهداية من باب القضاء في فتاويه: إذا ادعى أحد الشريكين خيانة في قدر معلوم وأنكر حلف عليه، فإن حلف برىء، وإن نكل ثبت ما ادعاه، وإن لم يعين مقداراً فكذا الحكم، لكن إذا نكل عن اليمين لزمه أن يعين مقدار ما خان فيه، والقول قوله في مقداره مع يمينه لأن نكوله كالإقرار بشيء مجهول، والبيان في مقداره إلى المقر مع يمينه إلا أن يقيم خصمه بينة على أكثر اهـ. كل ما جاز للمضارب في المضاربة الصحيحة من شراء أو بيع أو إجارة أو بضاعة أو غير ذلك فهو جائز له في المضاربة الفاسدة، ولا ضمان على المضارب، وكذلك لو قال اعمل برأيك جاز له ما يجوز له في المضاربة الصحيحة كذا في الفصول العمادية. رجلان دفعا إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ونهياه عن الشركة فانشق الكيس الذي فيه الدراهم واختلط بدراهم المضارب من غير فعله فله أن يشتري بذلك ولا ضمان عليه والشركة بينهما ثابتة، وليس له أن يخص نفسه ببيع شيء من ذلك المتاع ولا يشتري بثمنه شيئاً لنفسه دون صاحبه، ولكن لو كان قبل أن يشتري بالمال شيئاً اشترى للمضاربة متاعاً بألف درهم وأشهد ثم نقدها من المال ثم اشترى لنفسه متاعاً بألف درهم ونقدها من المال فهذا جائز. كذا في المحيط. هندية. لو كان رب المال ملك العبد بغير شيء فباعه من المضارب بألف المضاربة لم يبعه مرابحة حتى يبين أنه اشتراه من رب المال. هندية عن المبسوط. إذا دفع رجل إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف ثم دفع إلى آخر ألف درهم بالنصف فاشترى أجد المضاربين عبداً بخمسمائة من المضاربة فباعه من المضارب الآخر بألف فأراد الثاني أن يبيعه مرابحة يبيعه على أقل الثمنين، ولو باعه الأول من الثاني بألفين ألف من المضاربة وألف من مال نفسه فإن الثاني يبيعه مرابحة على ألف ومائتين وخمسين، لأن الثاني اشتری نصفه لنفسه وقد كان الأول اشترى ذلك النصف الثاني بمائتين وخمسين. كذا في البدائع، ولو قال رب المال استقرض عليّ ألفاً واتبع بها على المضاربة ففعل كان ذلك على نفسه، حتى لو هلك في يده قبل أن يدفعه لرب المال لزمه ضمانه لأن الأمر بالاستقراض باطل. هندية عن الحاوي. وفيها: كل مضاربة فاسدة لا نفقة للمضارب فيها على مال المضاربة، فإن أنفق على نفسه من المال حسب من أجر مثل عمله وأخذ بما زاد إن كان ما أنفق منه أكثر من أجر المثل. كذا في المبسوط. لو قال المضارب لرب المال دفعت إليك رأس المال والذي في يدي ربح ثم قال لم أدفع ولکنه هلك فهو ضامن. كذا في الحاوي. ٤٣٧ كتاب الإبداع كِتَابُ الإيداع الأصل أن قسمة الربح قبل قبض رب المال رأس ماله موقوفة، إن قبض رأس المال صحت القسمة، وإن لم يقبض بطلت. كذا في محيط السرخسي. ولو دفع حربي إلى مسلم مال المضاربة ثم دخل المسلم دار الحرب بإذن رب المال فهو على المضاربة. كذا في خزانة المفتين. إذا دفع المسلم إلى النصراني مالاً مضاربة بالنصف فهو جائز إلا أنه مكروه، فإن اتجر في الخمر والخنزير، فربح جاز على المضاربة في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وينبغي للمسلم أن يتصدق بحصته من الربح. وعندهما: تصرفه في الخمر والخنزير لا يجوز على المضاربة، فإن اشترى ميتة فنقد فيه مال المضاربة فهو مخالف ضامن عندهم جميعاً، وإن أربى فاشترى درهمين بدرهم كان البيع فاسداً ولكن لا يصير ضامناً لمال المضاربة والربح بينهما على الشرط. ولا بأس بأن يأخذ المسلم مال النصراني مضاربة ولا يكره له ذلك، فإن اشترى به خمراً أو خنزيراً أو ميتة ونقد مال المضاربة فهو مخالف ضامن، فإن ربح في ذلك رد الربح على من أخذ منه إن كان يعرفه، وإن كان لا يعرفه تصدق به، ولا يعطي رب المال النصراني منه شيئاً. ولو دفع المسلم ماله مضاربة إلى مسلم ونصراني جاز من غير كراهة، كذا في المبسوط من باب شراء المضارب وهبته. والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم. كتَابُ الإيداع كان القياس أن يقول ((كتاب الوديع)) بدون التاء، لأنه فعيل بمعنى مفعول وفيه يستوي المذكر والمؤنث، تقول رجل جريح وامرأة جريح، وإنما عدل عن القياس لأنه جعل من عدد الأسماء تدخل عليه التاء كالذبيحة والنطيحة فتكون للنقل لا للتأنيث. نوح أفندي. وأصله أوداع وقعت الواو إثر کسرة قلبت ياء فصار إبداع اهـ. سري الدين. واعلم أن الفقهاء يبحثون عن أفعال المكلف، لكن الفقهاء يعنونون بعض الكتب بها كقولهم كتاب النكاح كتاب البيع والهبة، وفي بعضها بما يتعلق بتلك الأفعال ککتاب العارية والمأذون والوجه فيه غير ظاهر. در. منتقى. وحفظ الأمانة يوجب سعادة الدارين والخيانة توجب الشقاء فيهما، قال عليه الصلاة والسلام ((الأَمَانَةُ تَجُرُّ الغِنَى، وَالْخِيَانَةُ تَجُرُّ الفَقْرَ))(١). وروي أن زليخا لما ابتليت بالفقر وابيضت عيناها من الحزن على يوسف عليه السلام قامت له تنادي: أيها الملك اسمع كلامي، فوقف يوسف عليه السلام، فقالت: الأمانة (١) ذكره المتقي الهندي في الكنز (٥٤٩٩). ٤٣٨ كتاب الإبداع لا خفاء في اشتراكه مع ما قبله في الحكم وهو الأمانة (هو) لغة من الودع: أي الترك. وشرعاً: (تسليط الغير على حفظ ماله صريحاً أو دلالة) كأن انفتق زقّ رجل فأخذه رجل أقامت المملوك مقام الملوك، والخيانة أقامت الملوك مقام المملوك، فسأل عنها فقيل إنها زليخا، فتزوجها مرحمة عليها انتهى. زيلعي. والإيداع والاستيداع بمعنى. وفي المغرب يقال: أودعت زيداً مالاً واستودعته إياه: إذا دفعته إليه ليكون عنده فأنا مودع ومستودع بالكسر وزيد مودع ومستودع بالفتح والمال مودع ومستودع: أي وديعة اهـ. ط بزيادة. قوله: (وهو الأمانة) قال الزيلعي: وحكم الوديعة الحفظ على المستودع ووجوب الأداء عند الطلب وصيرورة المال أمانة في يده. وفي العناية: وجه مناسبة هذا الكتاب لما تقدم قد مر في أول الإقرار، وهو أن المال الثابت له إن حفظه بنفسه فظاهر، وإن بغيره فوديعة ثم ذكر بعده العارية والهبة والإجارة للتناسب بالترقي من الأدنى إلى الأعلى، لأن الوديعة أمانة بلا تمليك شيء، والعارية أمانة مع تمليك المنفعة بلا عوض، والهبة تمليك عين بلا عوض والإجارة تمليك المنفعة بعوض، وهي أعلى من الهبة لأنه عقد لازم واللازم أقوى وأعلى مما ليس بلازم أهـ: أي فكان في الكل الترقي من الأدنى إلى الأعلى. [البسيط] فَأَوَّلُ الغَيْثِ قَطْرٌ ثُمَّ يَنْسَكِبُ قوله: (من الودع) فالمزيد مشتق من المجرد. قال في الدر المنتقى. من ودع ودعا: أي ترك وكلاهما مستعمل في القرآن والحديث. ذكره ابن الأثير. فلا ينبغي أن يحكم بشذوذهما انتهى. وفي الزيلعي: من الودع، وهو مطلق الترك، وما ذكره النحاة من أن العرب أماتوا مصدر ((يدع)) رده قاضي زاده بأنه عليه الصلاة والسلام أفصح العرب وقد قال ((لَيْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الجَمَاعَاتِ أوْ لَيُخْتَمَنَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَوْ لَيُكْتَبنَّ مِنَ الغَافِلِينَ(١) أي عن تركهم إياها، والمراد من الختم في الحديث أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على عدم نفوذ الحق فيها، كذا بخط شيخنا. وقوله: ((ليختمن)) بضم الياء التحتية وفتح التاء المثناة من فوق ويفتح الميم أيضاً. وقوله: ((ليكتبن)) بضم الياء التحتية وفتح التاء المثناة من فوق ويضم الباء الموحدة من تحت. كذا السماع من شيخنا أبي السعود. وقال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىَ﴾ [الضحى: ٣] قرىء بالتخفيف والتشديد. قوله: (وشرعاً الخ) الأنسب بالمعنى اللغوي أن يقول: هو ترك ماله عند غيره لحفظه. قوله: (كأن انفتق) عبر به لأنه لو فتقه مالكه وتركه فلا ضمان على أحد، ولو فتقه غيره فالضمان على الفاتق. كذا ظهر لي ويحرر ط. قوله: (فأخذه رجل) أما إذا لم يأخذه ولم (١) أخرجه مسلم ٢/ ٥٩١ (٤٠ - ٨٦٥). ٤٣٩ كتاب الإبداع بغيبة مالكه ثم تركه ضمن، لأنه بهذا الأخذ التزم حفظه دلالة. بحر. (والوديعة ما تترك عند الأمين) وهي أخص من الأمانة كما حققه المصنف وغيره. يدن منه لا يضمن. منح عن المحيط. وهذا يفيد أنه إذا دنا منه لزمه وإن لم يأخذه والعلة تنافيه. قوله: (بغيبة مالكه) أما إذا كان المالك حاضراً لم يضمن في الوجهين. منح: أي في الأخذ وعدمه. قوله: (ثم تركه ضمن) ما ذكره من التعريف ليس خاصاً بالوديعة بل يشمل اللقطة، لأنه إذا رفعها لزمه حفظها، ومع هذا لا تسمى وديعة، ثم في تعريفه على ما ذكره المصنف نظر، لأن المذكور في المصنف التسليط وهو فعل المالك وهذا التزام وهو فعل الأمين، ولم يكن بتسليط من المالك لا صريحاً ولا دلالة، وإنما التسليط دلالة فيما سيأتي، وهو ما لو وضع ثوباً بين يدي رجل ولم يقل شيئاً، فتأمل. ويقرب من هذا ما ذكره في الأشباه في فن الحكايات عن أبي حنيفة قال: كنت مجتازاً فأشارت إليّ امرأة إلى شيء مطروح في الطريق فتوهمت أنها خرساء وأن الشيء لها فلما رفعته إليها قالت احفظه حتى تسلمه لصاحبه فإنه لقطة انتهى. إلا أن يقال: المراد تسليط الشرع فإنه بالأخذ التزم حفظه شرعاً. تأمل. قوله: (لأنه بهذا الأخذ التزم حفظه دلالة) علة. لقوله: (ضمن) ووجه كونه من التسليط على الحفظ دلالة أن المالك يجب حفظ ماله ويجب المعاونة على حفظه فكأنه أمره بالحفظ، والمؤلف جعل الدلالة من قبل المودع بالفتح وهو خلاف الموضوع، فلو قال لأنه بهذا سلطه على حفظه دلالة لكان أليق ط. قوله: (والوديعة ما تترك عن الأمين) أي للحفظ، زاد البرجندي فقط: ليخرج العارية لأنها تترك للحفظ والانتفاع، وإنما لم يقيد به تبعاً لصاحب الكنز لاعتباره في تعريف الإيداع السابق. قوله: (وهي أخص من الأمانة) لأن الأمانة اسم لما هو غير مضمون فيشمل جميع الصور التي لا ضمان فيها كالعارية والمستأجر والموصي بخدمته في يد الموصى له بها. والوديعة ما ودع للحفظ بالإيجاب والقبول فكانا متغيرين: أي بالعموم والخصوص. والحكم في الوديعة أنه يبرأ عن الضمان إذا عاد إلى الوفاق ولا يبرأ عن الضمان إذا عاد الوفاق في الأمانة. والفرق بين الوديعة والأمانة العموم والخصوص، فإن كل وديعة أمانة، والعكس لیس کذلك، وحمل الأعم على الأخص يجوز کما فعله صاحب الدرر دون عکسہ کما فعله القدوري، لأن الأمانة تشمل ما إذا كان من غير قصد، كما إذا هبت الريح في ثوب إنسان فألقته في حجر غيره. وما يقال من أن الوديعة قد تكون من غير صنع المودع على ما صرح به صاحب الهداية في آخر باب الاستثناء من كتاب الإقرار فدفعه بحمل الوديعة ثمة على معناها اللغوي لا الاصطلاحي، ومثل هذا كثير لا يخفى على من تدرّب. قوله: (كما حققه المصنف وغيره) قال المصنف في منحه: والفرق بينهما من وجهين. ٤٤٠ كتاب الإيداع (وركتها: الإيجاب صريحاً) كأودعتك (أو كناية). كقوله: لرجل أعطني ألف درهم أو أعطني هذا الثوب مثلاً فقال أعطيتك كان وديعة. بحر. لأن الإعطاء يحتمل الهبة، لكن الوديعة أدنى وهو متيقن فصار كناية (أو فعلًا) كما لو وضع ثوبه بين يدي رجل ولم يقل شيئاً، أحدهما: أن الوديعة خاصة بما ذكرنا والأمانة عامة تشمل ما لو وقع في يده شيء من غير قصد، بأن هبت الريح بثوب إنسان وألقته في حجر غيره وحكمها مختلف في بعض الصور، لأن في الوديعة يبرأ من الضمان بعد الخلاف إذا عاد إلى الوفاق، وفي الأمانة لا يبرأ عن الضمان بعد الخلاف. الثاني: أن الأمانة علم لما هو غير مضمون فتشمل جميع الصور التي لا ضمان فيها كالعارية والمستأجر والموصي بخدمته في يد الموصى له بها، والوديعة مما وضع للأمانة بالإيجاب والقبول فكانا متغايرين، واختاره صاحب الهداية والنهاية، ونقل الأول عن الإمام بدر الدين الكردري اهـ. وقد أوسع الكلام في هذا المقام العلامتان صدر الشريعة وقاضي زاده. قوله: (وركنها الإيجاب صريحاً) أي قولًاً أو فعلاً. قوله: (أو كتابة) المراد بها ما قابل الصريح مثل كنايات الطلاق لا البيانية كما نذكره قريباً. قوله: (كقوله لرجل أعطني الخ) لو قال كقوله ((لرجل أعطيتك بعد قوله أعطني كان أوضح))، لأن الإيجاب هو قوله «أعطيتك على أن قوله أعطني ليس بلازم في التصوير ط. قوله: (لأن الإعطاء يحتمل الهبة) أي ويحتمل الوديعة. وفيه أن احتمال الوديعة في مثل هذه العبارة بعيد جداً لغة وعرفا فلماذا عدلوا عن المتبادر إلى غيره. قوله: (لكن الوديعة أدنى) هذا التعليل ذكره في البحر أيضاً، ويشير إلى أن المراد بالكناية الكناية البيانية، وهي إطلاق الملزوم وإرادة اللازم كقوله: فلان طويل النجاد كثير الرماد على ما عرف في فن البيان، وليس كذلك لعدم انتقاله من اللازم إلى الملزوم ولا عكسه، فعلمنا أن المراد بالكناية ما احتملها وغيرها كما ذكرنا، فلو قال صريحاً أو احتمالاً لكان أظهر. تأمل. قوله: (ولم يقل شيئاً) فلو ذهب وتركه ضمن إذا ضاع فهذا من الإيجاب دلالة كما أنه من القبول كذلك، أما لو قال لا أقبل الوديعة لا يضمن إذ القبول عرفاً لا يثبت عند الرد صريحاً. قال صاحب جامع الفصولين: أقول دل هذا أن البقار لا يصير مودعاً في بقرة من بعثها إليه فقال البقار للرسول اذهب بها إلى ربها فإني لا أقبلها فذهب بها فينبغي أن لا يضمن البقار، وقد مر خلافه. يقول الحقير: قوله ينبغي لا ينبغي، إذ الرسول لما أتى بها إليه خرج عن حكم الرسالة وصار أجنبياً، فلما قال البقار ردها على مالکها صار گأنه ردها إلى أجنبي أو ردها مع أجنبي فلذا يضمن، بخلاف مسألة الثوب. نور العين، وتمامه فيه.