Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب الصلح
ابن كمال. لأنه حكم إجارة.
(والأخيران) أي الصلح بسكوت وإنكار (معاوضة في حق المدعي وفداء يمين
وقطع نزاع في حق الآخر) وحينئذ (فلا شفعة في صلح عن دار مع أحدهما) أي مع
سكوت أو إنكار، لكن للشفيع أن يقوم مقام المدعي فيدلي بحجته، فإن كان
للمدعي بينة أقامها الشفيع عليه وأخذ الدار بالشفعة، لأن بإقامة البينة تبين أن
الصلح كان في معنى البيع، وكذا لو لم يكن له بينة فحلف المدعى عليه فنكل.
بجنسها من المنافع فكذا الصلح لكن صور المسألة القهستاني بما لو أوصى بسكنى داره
لرجل ثم مات ثم ادعى الموصى له السكنى فصالحه عن هذه السكنى على سكنى دار
أخرى أو دراهم مسماة، فتبين منه أن المراد من اختلاف جنس المنفعة اختلاف عينها.
تأمل وراجع. وكان ينبغي أن يذكر هذه المسألة قبل. قوله ((شرط التوقيت فيه)). قوله:
(ابن كمال) قال في الإيضاح: لكن إنما يجوز بمنفعة عن منفعة إذا كانتا مختلفتي الجنس
انتهى. كذا إذا صالحه عن سكنى دار على خدمة عبد، بخلاف ما إذا اتحد الجنس، كما
إذا صالح عن سكنى دار على سكنى دار فإنه لا يجوز كما قدمناه قريباً. قوله: (لأنه) أي
انفساخ العقد بذلك هو حكم الإجارة: يعني إذا كان الصلح عن المال بالمنفعة. قوله:
(أي الصلح) يشير إلى تقدير مضاف في المصنف. وقوله: (بسكوت وإنكار) الباء بمعنى
في: أي الصلح الواقع في سكوت وإنكار، والظرفية مجازية، ولا يصلح جعلها سببية لأن
سبب الصلح الدعوى. قوله: (وإنكار) الواو بمعنى أو. قوله: (معاوضة في حق المدعي)
لأنه يأخذه عوضاً عن حقه في زعمه. درر. فبطل الصلح على دراهم بعد دعوى دراهم
إذا تفرقا قبل القبض. بحر. قوله: (وفداء يمين وقطع نزاع في حق الآخر) إذا لولاه
لبقي النزاع ولزم اليمين. قال الزيلعي: وهذا في الإنكار ظاهر، لأنه تبين بالإنكار أن ما
يعطيه لقطع الخصومة وفداء اليمين، وكذا في السكوت لأنه يحتمل الإقرار والإنكار،
وجهة الإنكار راجحة إذ الأصل فراغ الذمم فلا يجب بالشك، ولا يثبت به کون ما في
يده عوضاً عما وقع بالشك: أي مع أن حمله على الإنكار أولى، لأن فيه دعوى تفريغ
الذمة وهو الأصل كما علمت. قوله: (فلا شفعة في صلح عن دار مع أحدهما) يعني إذا
ادعى رجل على آخر داره فصالح عنها بدفع شيء لم تجب الشفعة لأنه يزعم أنه يستبقي
الدار المملوكة له على نفسه بهذا الصلح ويدفع خصومة المدعي عن نفسه، لا أنه يشتريها
وزعم المدعي لا يلزمه. منح قوله: (فيدلي بحجته) أي فيتوصل الشفيع بحجة المدعي إلى
إثبات الدعوى عليه: أي على المدعي المنكر أو الساكت. قوله: (لأن بإقامة البيئة) حذف
اسم إن. قوله: (فحلف) بتشديد اللام: أي الشفيع المدعى عليه أن الدار لم تكن
للمدعي.

٣٠٢
کتاب الصلح
شرنبلالية (وتجب في صلح) وقع (عليها بأحدهما) أو بإقرار، لأن المدعي يأخذها
عن المال فيؤاخذ بزعمه.
(وما استحق من المدعي رد المدعي حصته من العوض ورجع بالخصومة فيه)
فيخاصم المستحق لخلوّ العوض عن الغرض (وما استحق من البدل رجع إلى.
الدعوى في كله أو بعضه) هذا إذا لم يقع الصلح بلفظ البيع،
قال في الخانية: ادّعيا أرضاً في يد رجل بالإرث من أبيهما فجحد ذو اليد فصالحه
أحدهما على مائة لم يشاركه الآخر، لأن الصلح معاوضة في زعم المدعي فداء يمين في زعم
المدعى عليه فلم يكن معاوضة من كل وجه، فلا يثبت للشريك حق الشركة بالشك. وفي
رواية عن أبي حنيفة يشاركه انتهى ملخصاً.
أقول: لم لم يؤاخذ بزعم، كما يأتي نظيره؟ ولعل العلة في ذلك أنه باع نصيبه فقط
ولا شركة لأخيه فيه، بخلاف ما لو صالح المديون على مقدار معلوم حيث يشاركه أخوه
كما هو ظاهر، تأمل. قوله: (وتجب) أي تجب الشفعة في دار وقع الصلح عليها بأن
تكون بدلاً. قوله: (بأحدهما) أي الإنكار أو السكوت. قوله: (أو بإقرار) لا حاجة إليه
للاستغناء عنه بقوله في الصلح عن إقرار فتجري فيه الشفعة. قوله: (عن المال) أل عوض
عن الضمير. قوله: (فيؤاخذ بزعمه) حتى لو ادعى داراً فأنكر فصالحه عنها عن دار
أخرى وجبت الشفعة في التي صالح عليها دون الأخرى لما ذكرنا. عيني. وإنكار الآخر
المعاوضة لا تمنع وجوب الشفعة فيها؛ ألا ترى أن رجلاً لو قال أنا اشتريت هذه الدار من
فلان وفلان ینکر یأخذها الشفیع بالشفعة، وكذا لو ادعى أنه باع داره من فلان وهو ينكر
يأخذها الشفيع منه بالشفعة لأن زعمه حجة في نفسه. زيلعي. قوله: (وما استحق من
المدعي) ((من) فيه للتبعيض، فهو قاصر على ما إذا استحق بعضه. قوله: (فيه) أي في
البعض المستحق. قوله: (لخلوّ العوض عن الغرض) علة. لقوله: (رد المدعي حصته)
وذلك لأن المدعى عليه لم يدفع العوض إلا ليدفع خصومته عن نفسه ويبقى المدعي في يده
بلا خصومة أحد، فإذا استحق لم يحصل له مقصوده، وظهر أيضاً أن المدعي لم يكن له
خصومة فيرجع عليه انتهى. منح. قوله: (رجع) أي المدعي. قوله: (في کله) إن استحق
كل العوض. قوله: (أو بعضه) إن استحق بعضه، لأن المبدل في الصلح عن إنكار هو
الدعوى، فإذا استحق البدل وهو المصالح عليه رجع بالمبدل وهو الدعوى: أي إلا إذا
كان مما لا يقبل النقض فإنه يرجع بقيمة المصالح عليه كالقصاص والعتق والنكاح والخلع
كما في الأشباه عن الجامع الكبير.
قال الحموي: قوله كالقصاص فيه نظر، فإنه ذكر في الجامع الكبير أنها لو كانت
الدعوى قصاصاً فصالحه المدعى عليه من غير إقرار على جارية فاستولدها المدعي ثم
1
1

٣٠٣
كتاب الصلح
فإن وقع به رجع بالمدعي نفسه لا بالدعوى، لأن إقدامه على المبايعة إقرار بالملكية.
عيني وغيره.
(وهلاك البدل) كلَّ أو بعضاً (قبل التسليم له) أي للمدعي
استحقت فأخذها المستحق وضمنه العقر وقيمة الولد فإن المدعي يرجع إلى دعواه، فلو
أقام البينة أو نكل المدعى عليه رجع بقيمة الولد وقيمة الجارية أيضاً ولا يرجع بما ادعاه،
يخلاف ما تقدم: يعني لو ادعى على رجل ألفاً فجحدها أو سكت فصالحه على جارية
فقبضها واستولدها ثم استحقها مستحق فأخذها فإنه لا يرجع بقيمة الجارية ويرجع بما
ادعاه وهو الألف.
والفرق أن الصلح ثمة وقع عن دعوى المال وأنه يحتمل الفسخ بالإقالة والرد
بالعيب والخيار، فكذا تنفسخ بالاستحقاق، وإذا انفسخ عادت الدعوى كما كانت فيرجع
بما ادعاه وهو الألف. أما الصلح عن القصاص فلا يحتمل الفسخ لأنه بعد سقوطه لا
يحتمل العود، لأن الصلح عفو فلا يحتمل النقض كالعتق والنكاح والخلع، فإذا لم يفسخ
باستحقاق الجارية بقي الصلح على حاله وهو السبب الموجب تسليم الجارية وقد عجز عن
تسليمها فيجب قيمتها. كذا في شرح تلخيص الجامع للفخر المارديني.
ثم قال: وفيه إشكال، وهو أن يقال: إذا أقررتم أن الصلح عن الدم لا ينتقض
باستحقاق الجارية وجب أن لا يرجع إلى دعواه: يعني سواء كان الصلح عن إنكار أو بينة
أو نكون لأن الرجوع إلى الدعوى نتيجة انتقاض الصلح كما تقدم آنفاً ولم ينتقض انتهى.
قال في البحر: ولو استحق المصالح علیه أو بعضه رجع إلى الدعوى في کله أو
بعضه، إلا إذا كان مما لا یتعین بالتعیین وهو من جنس المدعى به فیحنئذ يرجع بمثل ما
استحق ولا يبطل الصلح، كما إذا ادعى ألفاً فصالحه على مائة وقبضها فإنه يرجع عليه
بمائة عند استحقاقها سواء كان الصلح بعد الإقرار أو قبله كما لو وجدها ستوقة أو
نبهرجة، بخلاف ما إذا كان من غير الجنس كالدنانير، هذا إذا استحقت بعد الافتراق فإن
الصلح يبطل، وإن كان قبله رجع بمثلها ولا يبطل الصلح كالفلوس اهـ. قوله: (فإن وقع
به) أي بلفظ البيع، بأن عبر بلفظ البيع عن الصلح في الإنكار والسكوت بأن قال أحدهما
بعتك هذا الشيء بهذا وقال الآخر اشتريته حيث يرجع المدعي عند الاستحقاق على المدعى
عليه بالمدعي نفسه لا بالدعوى، لأن إقدام المدعى عليه على المبايعة إقرار منه بأن المدعي
ملك المدعى فلا يعتبر إنكاره، بخلاف الصلح لأنه لم يوجد منه ما يدل على أنه أقر بالملك
له، إذ الصلح قد يقع لدفع الخصومة كما يأتي قريباً قوله: (لأن إقدامه) أي المدعى عليه
قوله: (إقرار بالملكية) أي للمدعي، بخلاف الصلح لأنه لم يوجد منه ما يدل على أنه أقر
بالملك له، إذ الصلح قد يقع لدفع الخصومة قوله: (قبل التسليم له) وأما هلاكه بعد

٣٠٤
كتاب الصلح
(كاستحقاقه) كذلك (في الفصلين) أي مع إقرار أو مع سكوت أو إنكار، وهذا لو
البدل مما يتعين وإلا لم يبطل بل يرجع بمثله. عيني.
(صالح عن) كذا في نسخ المتن والشرح، وصوابه على (بعض ما يدعيه) أي
عين يدعيها لجوازه في الدين كما سيجيء فلو ادعى عليه داراً فصالحه على بيت
معلوم منها
تسليمه له فيهلك على المدعي لدخوله في ضمانه. قوله: (کاستحقاقه) أي کاستحقاق بدل
الصلح كذلك: أي كلَّ أو بعضاً. قوله: (في الفصلين) أي مع إقرار أو مع سكوت
وإنكار فيرجع بالمدعي أو بالدعوى، فإن كان عن إقرار رجع بعد الهلاك إلى المدعي، وإن
كان عن إنكار رجع إلى الدعوى. وإذا هلك بعضه يكون كاستحقاق بعضه حتى يبطل
الصلح في قدره ويبقى في الباقي. منح. قوله: (وهذا) أي رجوعه إلى الدعوى عند
استحقاق البدل أو هلاكه قبل التسليم. قوله: (لو البدل) أي لو كان البدل مما يتعين.
قوله: (وإلا) بأن كان لا يتعين وهو من جنس المدعى به. قوله: (لم يبطل) أي الصلح.
قوله: (بل يرجع بمثله) كأن كان دراهم أو دنانير، فإن الصلح لا يبطل بهلاكه لأنهما لا
يتعينان في العقود والفسوخ فلا يتعلق بهما العقد عند الإشارة إليهما وإنما يتعلق بمثلهما
في الذمة فلا يتصور فيه الهلاك.
والحاصل: أنه إذا ادعى عليه ألفاً فصالحه على مائة وقبضها فإنه يرجع عليه بالمائة
عند استحقاقها سواء كان الصلح قبل الافتراق أو بعده، بخلاف ما إذا كان من غير
الحنس كالدنانير هنا إذا استحقت بعد الافتراق فإن الصلح يبطل، وإن كان قبله فإنه يرجع
مثلها ولا يبطل الصلح كالفلوس كما قدمنا. قوله: (كذا في نسخ المتن والشرح) لعله هو
الذي وقع له. والذي في نسخة الشرح التي بيدي ((عليّ)). قوله: (أي عين يدعيها) تفسير
لما وتخصيص لعمومها فإنها تشمل الدين. حلبي. وهذا لو قائماً، ويأتي حكم ما إذا كان
هالكاً عند قول المتن ((والصلح عن المغصوب الهالك)). قوله: (لجوازه في الدين) لجواز
إسقاطه، وهو علة للتخصيص المذكور: إنما كان هذا خاصاً بالعين لجوازه في الدين، لأن
الصلح عن دين ببعضه أخذ البعض حقه وإسقاط للباقي كما يأتي وإسقاط الدين جائز،
وإنما لم يجز في العين لأن الإبراء عن الأعيان لا يصح، ولذا لو زاد على البعض ثوباً أو
درهماً صح لأنه يجعل الثوب أو الدرهم بدلاً عن الباقي، وكذا لو أبراه عن الدعوى في
باقيها يصح، فلو صالحه على بيت منها على أن يترك الدعوى في باقيها كأن أخذ البعض
حقه وإبراء عن الدعوى في الباقي والإبراء عن الدعوى صحيح، فليس له أن يدعي بعد
ذلك ولكن لا يملكها ديانة لعدم وجود التمليك لها لفقد سببه. قوله: (فلو ادعى عليه
داراً) تفريع على المتن وتمثيل له ح. قوله: (على بيت معلوم منها) الظاهر أنه كان على

٣٠٥
كتاب الصلح
فلو من غيرها صح. قهستاني (لم يصح) لأن ما قبضه من عين حقه وإبراء عن
الباقي، والإبراء عن الأعيان باطل. قهستاني. وحيلة صحته ما ذكره. بقوله: (إلا
بزيادة شيء) آخر كثوب ودرهم (في البدل) فيصير ذلك عوضاً عن حقه فيما بقي
(أو) يلحق به (الإبراء عن دعوى الباقي) لكن ظاهر الرواية
بعض شائع منها كذلك للعلة المذكورة. قوله: (فلو من غيرها صح) الأولى تأخيره عن
قوله ((لم يصح)) وعلته ليكون مفهوماً للتقييد بقوله ((منها)) وليسلم من الفصل بين لو
وجوابها وهو قوله لم يصح بأجنبي وهو. قوله: ((فلو من غيرها صح)). قوله: (لأن ما
قبضه من عين حقه) أي بعض عين حقه وهو على دعواه في الباقي، لأن الصلح إذا كان
على بعض عين المدعي كان استيفاء لبعض الحق وإسقاطاً للبعض، والإسقاط لا يرد على
العين بل هو مخصوص بالدين، حتى إذا مات واحد وترك ميراثاً فأبرأ بعض الورثة عن
نصيبه لم يجز لكون براءته عن الأعيان. درر. ويأتي قريباً بأوضح مما هنا. قوله: (كثوب
ودرهم) أشار بذلك إلى أنه لا فرق بين القيمي والمثلي. قوله: (فيصير ذلك) أي المزيد من
الثوب والدرهم. قوله: (عوضاً عن حقه فيما بقي) أي فيكون مستوفياً بعض حقه وآخذ
العوض عن البعض. قوله: (أو يلحق) منصوب بأن مضمرة مثل - أو يرسل - فيكون
مؤولًا بمصدر مجرور معطوف على مجرور الباء وهو بضم الياء من الأفعال. قوله: (عن
دعوى الباقي) لأن الإبراء عن عينه غير صحيح: أي في حق الدعوى وسقوط العين ديانة
کما في المبسوط، ولذا قيد به.
وأما الإبراء عن دعوى العين فجائز كما في الدرر، وهو أن يقول برئت عنها أو عن
خصومتي فيها أو عن دعواي هذه الدار فلا تسمع دعواه ولا بينته. وأما لو قال أبرأتك
عنها أو عن خصومتي فيها فإنه باطل، وله أن يخاصم: أي غير المخاطب، كما لو قال
لمن بيده عبد برئت منه فإنه يبرأ، ولو قال أبرأتك لا لأنه إنما أبرأه عن ضمان كما في
الأشباه من أحكام الدين.
قلت: ففرقوا بين أبرأتك وبرئت أو أنا بريء لإضافة البراءة لنفسه فتعم، بخلاف
أبرأتك لأنه خطاب الواحد فله مخاصمة غيره كما في حاشيتها معزياً للولوالجية شرح
الملتقى.
وفي البحر: الإبراء إن كان على وجه الإنشاء كأبرأتك، فإن كان عن العين بطل من
حيث الدعوى فله الدعوى بها على المخاطب وغيره ويصح من حيث نفي الضمان، وإن
كان عن دعواها: فإن أضاف الإبراء إلى المخاطب كأبرأتك عن هذه الدار أو عن
خصومتي فيها أو عن دعواي فيها لا تسمع دعواه على المخاطب فقط، وإن أضافة إلى
نفسه كقوله برئت عنها أو أنا بريء فلا تسمع مطلقاً؛ هذا لو على طريق الخصوص: أي

٣٠٦
كتاب الصلح
الصحة مطلقاً. شرنبلالية. ومشى عليه في الاختيار،
عين مخصوصة، فلو على العموم فله الدعوى على المخاطب وغيره، كما لو تبارا الزوجان
عن جميع الدعاوى وله أعيان قائمة له الدعوى بها لأنه ينصرف إلى الديون لا الأعيان.
وأما إذا كان على وجه الإخبار كقوله هو بريء مما لي قبله فهو صحيح متناول للدين
والعين فلا تسمع الدعوى، وكذا لا ملك لي في هذا العين. ذكره في المبسوط والمحيط.
فعلم أن قوله لا أستحق قبله حقاً مطلقاً ولا دعوى يمنع الدعوى بالعين والدين، لما في
المبسوط: لا حق لي قبله يشمل كل عين ودين، فلو ادعى حقاً لم يسمع ما لم يشهدوا أنه
بعد البراءة اهـ ما في البحر ملخصاً. وقوله بعد البراءة يفيد أن قوله لا حق لي إبراء عام لا
إقرار. قوله: (الصحة مطلقاً) ولو من غير هذه الحيلة فلا تصح الدعوى بعده وإن برهن.
أقول: الإبراء عن الأعيان لا يصح اتفاقاً، أما في خصوص المسألة، وهو ما إذا
ادعى داراً وصالحه على بيت منها يصح في ظاهر الرواية، ويجعل كأنه قبل منه بعض حقه
وأبرأه عن الدعوى في باقيه كما قدمنا، لأن الإبراء عن العين إبراء عن الدعوى فيه،
والإبراء عن الدعوى في الأعيان صحيح. وعلى ما في المتن وهو رواية ابن سماعة لم يجعله
إیراء عن الدعوى وقال بعدم صحته.
قال في الاختيار: ولو ادعى داراً فصالحه على قدر معلوم منها جاز ويصير كأنه أخذ
بعض حقه وأبرأه عن دعوى الباقي، والبراءة عن العين وإن لم تصح لكن البراءة عن
الدعوى تصح، فصححناه على هذا الوجه قطعاً للمنازعة اهـ.
وفي الذخيرة البرهانية: ادعى داراً في يد رجل واصطلحا على بيت معلوم من الدار
فهو علی وجھین: إن وقع الصلح على بيت معلوم من دار أخری للمدعى عليه فهو جائز،
وإن وقع الصلح على بيت معلوم من الدار التي وقع فيها الدعوى فذلك الصلح جائز لأنه
في زعم المدعي أنه أخذ بعض حقه وترك البعض، وفي زعم المدعى عليه أنه فداء عن
يمينه. وإذا جاز هذا الصلح هل يسمع دعوى المدعي بعد ذلك وهل تقبل إن كان البيت
من دار أخرى؟ لا تسمع دعواه باتفاق الروايات، لأن هذا معاوضة باعتبار جانب، المدعي
فكأنه باع ما ادعى بما أخذ.
وفيما إذا وقع الصلح على بيت من هذه الدار ذكر شيخ الإسلام نجم الدين النسفي
في شرح الكافي أنه تسمع، وهكذا يفتي الشيخ الإمام الأجلّ ظهير الدين المرغيناني، وذكر
شيخ الإسلام في شرحه أنه لا تسمع دعواه. وروى ابن سماعة عن محمد أنه تسمع.
قالوا: وهكذا ذكر في بعض روايات الصلح، واتفقت الروايات أن المدعى عليه لو
أقر بالدار للمدعي أنه يؤمر بتسليم الدار إليه، وفي رواية ابن سماعة أن المدعي بهذا
الصلح استوفى بعض حقه أو أبرأ عن الباقي، إلا أن الإبراء لاقى عيناً والإيراء عن

٣٠٧
كتاب الصلح
وعزاه في العزمية للبزازية.
وفي الجلالية لشيخ الإسلام: وجعل ما في المتن رواية ابن سماعة، وقولهم
الأعيان باطل، فصار وجوده وعدمه بمنزلة شيء واحد. وجه ظاهر الرواية أن الإبراء
لاقى عيناً ودعوى فإنّ المدعي كان يدعي جميع الدار لنفسه والإبراء عن الدار صحيح،
وإن كان الإبراء عن العين لا يصح، فإن من قال لغيره أبرأتك عن دعوى هذا العين صح
الإبراء حتى لو ادعى بعد ذلك فلا تسمع.
أو نقول: الإبراء لاقى الدعوى، فإن قوله أبرأتك عن هذه العين معناه أبرأتك عن
دعوى هذه العين؛ ألا ترى أن قول المغصوب منه للغاصب أبرأتك عن العبد المغصوب
معناه أبرأتك عن ضمان العبد المغصوب، وبهذه المسألة تبين أن معنى قولنا البراءة عن
الأعيان لا تصح أن العين لا تصير ملكاً للمدعى عليه بالإبراء لا أن يبقى المدعي على
دعواه .
وفي آخر كتاب الدعوى في منتقى ابن سماعة عن محمد: في رجل خاصم رجلاً في
دار يدعيها ثم قال أبرأتك عن هذه الدار أو قال أبرأتك عن خصومتي هذا كله باطل وله
أن يخاصم، ولو قال برئت من هذه الدار أو قال برئت من دعوى هذه الدار كان جائزاً
ولا حق فيها، ولو جاء ببينة لم أقبلها.
وفي منتقى إبراهيم بن رستم عن محمد: رجل ادعى داراً في يد رجل فصالحه المدعى
عليه على نصفها وقال برئت من دعواي في النصف الباقي أو قال برئت من النصف الباقي
أو قال لا حق لي في النصف الباقي ثم أقام البينة على جميع الدار لا تقبل بينته، ولو قال
صالحتك على نصفها على أني أبرأتك من دعواي في النصف الآخر ثم أقام بينة كان له أن
يأخذ الدار كلها، وفرق بين قوله برئت وبين قوله أبرأتك. قال: ألا ترى أن عبداً في يد
رجل لو قال لرجل برئت منه کان بريئاً منه، ولو قال أبراتك منه كان له أن يدعيه وربما
أبرأه من ضمانه. قال: وقال أصحابنا رحمهم الله تعالى أنت مني بريء وأنا منك بريء
كان له أن يدعي في العبد اهـ. قوله: (في العزمية) ووجهه كما في الحموي أن الإبراء
لاقى عيناً ودعوى والإبراء عن الدعوى صحيح، فإن من قال لغيره أبرأتك عن دعوى
هذه العين صح، ولو ادعاه بعد لم تسمع. قوله: (للبزازية) عبارتها: وهذا هو المذكور في
أكثر الفتاوى على اختلاف ظاهر الرواية وفي ظاهر الرواية يصح، ولا تصح الدعوى وإن
برهن. قوله: (وقولهم) جواب سؤال وارد على ظاهر الرواية، تقديره: كيف صح
الصلح على بعض العين المدعاة مطلقاً مع أنه يلزم منه البراءة عن باقيها؟
وقد قالوا: الإبراء عن الأعيان باطل، ومقتضاه أنه لا يصح. أفاده الطحطاوي.
لكن ما ذكره وارد على كلام الماتن على ظاهر الرواية، إذ لا تعرض للإبراء فيها، وما

٣٠٨
كتاب الصلح
الإبراء عن الأعيان باطل، معناه بطل الإبراء عن دعوى الأعيان ولم يصر ملكاً
للمدعى عليه، ولذا لو ظفر بتلك الأعيان حلّ له أخذها لكن لا تسمع دعواه في
الحكم.
وأما الصلح على بعض الدين فيصح ويبرأ عن دعوى الباقي أي قضاء لا
ديانة، فلذا لو ظفر به أخذه. قهستاني. وتمامه في أحكام الدين من الأشباه،
تضمنه الصلح إسقاط للباقي لا إبراء، فافهم وتأمل. قوله: (عن دعوى الأعيان) الأنسب
هنا حذف. قوله: ((دعوى)) كما يظهر مما تقدم من عبارة الذخيرة، وهو المناسب لسياق
كلامه ولما يأتي من الاستدراك الآتي في. قوله: ((لكن تسمع دعواه في الحكم)) إذ لو بطل
الإبراء عن الدعوى لسمعت دعواه، ولأن الفقه صحة البراءة عن دعوى الأعيان كما مر
بلا خلاف فيها، ولو قال الإبراء عن الأعيان باطل ديانة لا قضاء لكان أحكم، والله تعالى
أعلم. قوله: (ولم يصر ملكاً للمدعى عليه) هو المقصود من المقام: أي أن معنى بطلان
البراءة عن الأعيان أنها لا تصير ملكاً للمبرىء منها فحل للمدعي أخذها إن وجدها،
وليس معنى البطلان المذكور أنه يسوغ له الدعوى بها بعد الإبراء منها. أبو السعود.
قوله: (وأما الصلح على بعض الدين) مفهوم. قوله: ((سابقاً أي عين يدعيها)).
قال المقدسي معزياً للمحيط: له ألف فأنكره المطلوب فصالحه على ثلاثمائة من
الألف صح ويبرأ عن الباقي قضاء لا ديانة، ولو قضاه الألف فأنكر الطالب فصالحه بمائة
صح ولا يحلى له أخذها ديانة، فيؤخذ من هنا ومن أن الربا لا يصح الإبراء عنه ما بقيت
عينه عدم صحة براءة قضاة زماننا مما يأخذونه ويطلبون الإبراء فيبرئونهم، بل ما أخذه عن
الربا أعرق(١) بجامع عدم المحل في كل.
واعلم أن عدم براءته في الصلح استثنى منه في الخانية ما لو زاد أبرأتك عن البقية.
سائحاني: أي حيث يبرأ حينئذ قضاء وديانة.
قلت: ويظهر من هذا أن ما تضمنه الصلح من الإسقاط ليس إبراء من وجه، وإلا
لم يحتج. لقوله: وأبرأتك عن البقية. قوله: (أي قضاء لا ديانة) هذا إذا لم يبرىء الغريم
من الباقي وإلا برىء ديانة كما علمت.
أقول: تأمل فيه مع أنهم قالوا: إن الصلح عن الدين على بعضه أخذ لبعض حقه
وإسقاط للباقي وإسقاط الدين يصح. فالذي يظهر أنه يسقط قضاء وديانة، ولو تم ما
ذكره هنا لم يبق فرق بين الدين والعين على ظاهر الرواية. تأمل. قوله: (وتمامه في أحكام
الدين من الأشباه) وعبارتها: ومنها صحة الإبراء عن الدين، ولا يصح الإبراء عن
(١) في ط (قوله أعرق) بالقاف: أي أشد حالاً في التحريم من الربا.

٣٠٩
کتاب الصلح
وقد حققته في شرح الملتقى
الأعيان والإبراء عن دعواها صحيح، فلو قال أبرأتك عن دعوى هذا العين صح الإبراء
فلا تسمع دعواه بها بعده، ولو قال برئت من هذه الدار ومن دعوى هذه لم تسمع دعواه
وبينته، ولو قال أبرأتك عنها أو عن خصومتي فيها فهو باطل وله أن يخاصم، وإنما أبرأه
عن ضمانه. كذا في النهاية من الصلح.
وفي كافي الحاكم: لا حق لي قبله يبرأ من الدين والعين والكفالة والإجارة والحدود
والقصاص اهـ.
وبه علم أنه يبرأ من الأعيان في الإبراء العام، لكن في مداينات القنية: افترق
الزوجان وأبرأ كل واحد منهما صاحبه عن جميع الدعاوى وكان للزوج بذر في أرضها
وأعيانْ قائمة الحصاد والأعيان القائمة لا تدخل في الإبراء عن جميع الدعاوى اهـ.
ويدخل في الإبراء العام الشفعة فهو مسقط لها قضاء لا ديانة إن لم يقصدها. كذا في
الولوالجية.
وفي الخانية: الإبراء عن العين المغصوبة إبراء عن ضمانها وتصير أمانة في يد
الغاصب. وقال زفر: لا يصح الإبراء وتبقى مضمونة، ولو كانت العين مستهلكة صح
الإبراء وبرىء من قيمتها اهـ. فقولهم حينئذ الإبراء عن الأعيان باطل معناه: أنها لا
تكون ملكاً له بالإبراء، وإلا فالإبراء عنها لسقوط ضمانها صحيح أو يحمل على الأمانة
اهـ: أي إن البطلان عن الأعيان محله إذا كانت الأعيان أمانة، لأنها إذا كانت أمانة لا
تلحقه عهدتها فلا وجه للإبراء عنها. تأمل.
وحاصله: أن الإبراء المتعلق بالأعيان: إما أن يكون عن دعواها وهو صحيح
مطلقاً؛ وإن تعلق بنفسها: فإن كان مغصوبة هالكة صح أيضاً كالدين، وإن كانت قائمة
فهي بمعنى البراءة عنها عن ضمانها لو هكلت وتصير بعد البراءة من عينها كالأمانة لا
تضمن إلا بالتعدي عليها، وإن كانت العين أمانة فالبراءة لا تصح ديانة بمعنى أنه إذا ظفر
بها مالكها أخذها وتصح قضاء فلا يسمع القاضي دعواه بعد البراءة. هذا ملخص ما
استفيد من هذا المقام ط، وقدمنا قريباً زبدته وزيادة وهو كلام حسن يرشدك إلى أن قول
الشارح معناه الخ محمول على الأمانة إلى أن قوله فتصح قضاء فيه أنه باطل والحالة هذه
فلا تصح لا قضاء ولا ديانة، بل حملوا إطلاق قولهم البراءة عن الأعيان باطلة على هذه
الصورة. تأمل.
بقي لو ادعى عيناً عليه في يده فأنكره ثم أبرأه المدعي عنها فهو بمنزلة دعوى
الغصب لأنه بالإنكار صار غاصباً، وهل تسمع الدعوى بعده لو قائمة؟ الظاهر نعم.
قوله: (وقد حققته في شرح الملتقى) نصه قلت: وقولهم عن الأعيان لا يصح معناه أن

٣١٠
كتاب الصلح
(و) صح الصلح (عن دعوى المال مطلقاً) ولو بإقرار أو بمنفعة (و) عن دعوى
(المنفعة)
العين لا تصير ملكاً للمدعى عليه لا أنه يبقى على دعواه بل تسقط في الحكم إذا كان
الإبراء مضافاً للمتكلم كالصلح عن بعض الدين فإنه إنما يبرأ عن باقيه في الحكم لا في
الديانة: أي عن غير ما في غير الذمة إذ لا يسقط بالإسقاط. أما القائم بها فيسقط به.
والصلح إما إسقاط للباقي أو إبراء عنه، وكلاهما صحيح في دين الذمة، ولذا لو ظفر به
أخذه. قهستاني وبرجندي وغيرهما. وأما الإبراء عن دعوى الأعيان فصحيح بلا خلاف
اهـ ح. لكن قوله لأنه يبقى على دعواه الخ مخالف لما نقلناه عن شرح الملتقى آنفاً عند قوله
عن دعوى الباقي.
وفي الخلاصة: أبرأتك عن هذه الدار أو عن خصومتي فيها أو عن دعواي فيها
فهذا كله باطل، حتى لو ادعى بعده تسمع، ولو أقام بينة تقبل اهـ. لكن في قوله لو
ادعى بعده تسمع: أي على غير المخاطب كما مر عن البحر تأمل.
والحاصل: أن الذي تعطيه عبارة الكتب المشهورة إن كان الإبراء عنها على وجه
الإنشاء، فإما أن يكون عن نفس العين أو عن الدعوى بها، فإن كان عن نفس العين فهو
باطل من جهة أن له الدعوى بها على المخاطب وغيره صحيح من جهة الإبراء عن وصف
الضمان، فالإبراء الصادر في المنقول والعقار إبراء عن الأعيان لا يمنع الدعوى بأدواتها
على المخاطب ولا غيره، فافهم تغنم. قوله: (وصح الصلح عن دعوى المال) لأنه في
معنی البيع، فما جاز بیعه جاز صلحه. درر.
ولما كان جواز الصلح وعدم جوازه دائراً على أصل وهو وجوب حمل الصلح على
أقرب عقد من العقود المعهودة وأشباهها مهما أمكن وصح هذا الصلح لأنه محمول على
عقد البيع لاشتراكهما في مبادلة المال بالمال وهي حقيقة البيع، وصح عن دعوى المنفعة
حملاً على الإجارة وعن دعوى الرق حملاً على العتق بمال لاشتراكهما في تمليك المنفعة
بعوض في الأول وفي أصل المعنى في الثاني، فيراعى في الملحق ما يراعى في الملحق به مهما
أمكن. وذكر فساد صلح الزوج عن دعوى المرأة النكاح وفساد صلح عن دعوى حد الخ
بناء على هذا الأصل أيضاً، لأنه لما لم يكن الحمل على واحد من العقود المعهودة ولم يكن
مصحح آخر في كل منها حكم بفساده. تدبر. قوله: (ولو بإقرار) بيان لوجه الإطلاق:
أي سواء كان بإقرار أو سكوت أو إنكار، وسواء كان بمال أو بمنفعة. قوله: (وبمنفعة)
أي ولو بمنفعة، ويكون بمعنى الإجارة إذا كان عن إقرار. قوله: (وعن دعوى المنفعة)
صورته: أن يدعي على الورثة أن الميت أوصى بخدمة هذا العبد وأنكر الورثة لأن الرواية
محفوظة. على أنه لو ادعى استئجار عين والمالك ينكر ثم صالح لم يجزاهـ. وفي الأشباه:

٣١١
كتاب الصلح
ولو بمنفعة عن جنس آخر (و) عن دعوى (الرق وكان عتقاً على مال) ويثبت الولاء
لو بإقرار وإلا لا إلا ببينة. درر.
قلت: ولا يعود بالبينة رقيقاً، وكذا في كل موضع أقام بينة بعد الصلح لا
يستحق المدعي لأنه يأخذ البدل باختياره نزل بائعاً فليحفظ (و) عن دعوى الزوج
الصلح جائز عن دعوى المنافع إلا دعوى إجارة كما في المستصفى ا هــ رملي. وهذا
مخالف لما في البحر. تأمل. قوله: (ولو بمنفعة عن جنس آخر) الأولى التعبير بمن
كالصلح عن السكنى على خدمة العبد، بخلاف الصلح عن السكنى على سكنى فلا يجوز
كما في العيني والزيلعي. قال السيد الحموي: لكن في الولوالجیة ما يخالفه، حیث قال:
وإذا ادعى سكنى دار فصالحه على سكنى دار أخرى مدة معلومة جاز، وإجارة السكنى
بالسكنى لا تجوز. قال: وإنما كان كذلك لأنهما ينعقدان تمليكاً بتمليك اهـ. أبو السعود.
وذكره ابن ملك في شرح الوقاية مخالفاً لما ذكره في شرحه على المجمع. قال في اليعقوبية:
والموافق للكتب ما في شرح المجمع.
والحاصل: أن الجنس إحدى علتي الربا وبإحدى العلتين يحرم، فتمليك المنافع لا
يكون إلا نسيئة لحدوثه آناً بعد آن، فيمتنع مع اتحاد الجنس لا مع اختلافه. قوله: (وعن
دعوى الرق وكان عتقاً على مال) صورته: إذا ادعى على مجهول الحال أنه عبده فصالحه
المدعى عليه على مال جاز وكان عتقاً بمال مطلقاً: أي في حق المدعي والمدعى عليه إن
کان عن إقرار، وفي حق المدعي إن کان عن سكوت أو إنكار، ویکون حينئذ فداء یمین
وقطعاً للخصومة في حق المدعى عليه. قوله: (ويثبت الولاء) لو وقع الصلح بإقرار: أي
من المدعى عليه وهو العبد. قوله: (وإلا) أي وإن لم يكن بإقرار بأن كان الصلح عن
إنكار أو سكوت. قوله: (لا) أي لا يثبت الولاء لأنه لم يصدقه على أنه معتقه بل ينكر
العتق ويدعي أنه حرّ الأصل، ومن ادعى ولاء شخص لا يثبت له إلا بتصديق المدعى
عليه كما تقدم في الإقرار. قوله: (إلا ببينة) أي إلا أن يقيم المدعي البينة بعد ذلك فتقبل
بينته في حق ثبوت الولاء عليه لا غير حتى لا يكون رقيقاً، لأنه جعل معتقاً بالصلح فلا
يعود رقيقاً. منح. قوله: (ولا يعود بالبينة الخ) يغني عنه قوله وكان عتقاً على مال، لأن
بالبينة أثبت أنه كان رقيقاً قبل الصلح وقد وقع الصلح عتقاً على مال على ما قدمه فلا
وجه لعوده رقيقاً. قوله: (المدعي) بالبناء للمجهول، وسيأتي آخر الباب استثناء مسألة،
وهي قوله ((إلا في الوصي على مال الخ)). قوله: (بأخذ البدل) متعلق بنزل. قال
الحموي: ولو كان المدعي كاذباً لا يحل له البدل ديانة. قوله: (نزل بائعاً) أي بأخذ
البدل: أي فيما يصلح أن يكون بائعاً فيه أو مستأجراً أو مؤجراً أو معتقاً على مال أو
مختلفاً فيما يصلح له. قوله: (عن دعوى الزوج) لو أسقط لفظ الزوج ما ضرّ. قال في

٣١٢
كتاب الصلح
(النكاح) على غير مزوّجة (وكان خلعاً) ولا يطيب لو مبطلًا ويحل لها التزوج لعدم
الدخول، ولو ادعته المرأة فصالحها لم يصح. وقاية ونقاية ودرر وملتقى، وصححه
الشرنبلالية: لو أسقط لفظ الزوج لكان أولى. ثم قال: وهذا إذا لم تكن ذات زوج، لأنه
لو كان لها زوج لم يثبت نكاح المدعي فلا يصح الخلع انتهى. قوله: (على غير مزوجة) أما
لو كان لها زوج: أي ثابت لم يثبت نكاح المدعي فلا يصح الخلع. شرنبلالية. قال
القهستاني: لأنه لو كانت ذات زوج لم يصح الصلح، وليس عليها العدة ولا تجديد النكاح
من زوجها كما في العمادية، وشمل كلامه ما إذا ادعى أنها زوجته قبل أن يتزوجها هذا
الزوج الموجود في حال الدعوى، لأنه حين ادعى النكاح ادعاه على غير مزوجة. أما لو
ادعى أنه تزوجها في حال قيام الزوجية لم تصح دعواه فلا يصح صلحه لعدم تأتي كونه
خلعاً، وكذا لو لم يحل له نكاح المدعى عليه كتزوج أختها أو أربع سواها فدعواه لا تصح
حنيئذ، ولا وجه لصحة صلحه لعدم إمكان كونه خلعاً، لأن الخلع لا يكون إلا بعد
النكاح الصحيح. قوله: (وكان خلعاً) ظاهر أنه ينقص عدد الطلاق فيملك عليها طلقتين
لو تزوجها بعد، أما إذا كان عن إقرار فظاهر، وأما إذا كان عن إنكار أو سكوت فمعاملة
له بزعمه، فتدبر ط. قوله: (ولا يطيب لو مبطلاً) هذا عام في جميع انواع الصلح. كفاية.
والحاصل: أن ما يأخذه بدلاً عن الصلح إن كان محقاً في دعواه فإنه يطيب له، فإن
كان في دعوى المال فإنه بدل ماله، وإن كان في دعوى المنفعة فإنه أجرة ماله، وإن كان في
دعوى الرق فإنه بدل العتق، وإن كان في دعوى النكاح فإنه بدل الخلع، ولو كان مبطلاً
في دعواه لا يطيب له ما يأخذه لأنه أكل مال أخيه بالباطل، وهذا عام في كل مسائل
الصلح. قوله: (لعدم الدخول) أي إذا كان كذلك في نفس الأمر. أما لو علم صحة
دعواه وأنه دخل بها أو اختلى لا يحل لها إلا بعد انقضاء العدة. قوله: (لم يصح) لأنه إن
جعل ترك الدعوى منها فرقة فلا عوض على الزوج في الفرقة منها، كما إذا مكنت ابن
زوجها، وإن لم تجعل فرقة فالحال على ما كان عليه قبل الدعوى، لأن الفرقة لما لم توجد
كانت الدعوى على حالها لبقاء النكاح في زعمها فلم يكن شيء ثمة يقابله العوض فكان
رشوة اهـ. درر. والظاهر أنه لا يجوز لها التزوج بغيره معاملة لها بزعمها ط.
قال الزيلعي: وإن كانت هي المدعية والزوج ينكر ذكر في بعض نسخ المختصر أنه
لا يجوز، لأنه لو جعل ترك الدعوى منها طلاقاً فالزوج لا يعطى العوض في الفرقة إذا لم
يسلم له شيء في هذه الفرقة وهي يسلم لها المال والنفس، وإن لم يجعل فرقة فالحال بعد
الصلح على ما كان عليه قبله فتكون على دعواها فلا يكون هذا الصلح مفيداً قطع
الخصومة فلا يصار إليه. وذكر في بعضها أنه يجوز لأنه يجعل كأنه زادها على مهرها ثم
خالعها على أصل المهر دون الزيادة فيسقط المهر غير الزيادة انتهى. قال الحموي: وأطال

٣١٣
كتاب الصلح
في المجتبى والاختيار، وصحح الصحة في درر البحار.
(وإن قتل العبد المأذون له رجلاً عمداً لم يجز صلحه عن نفسه) لأنه ليس من
تجارته فلم يلزم المولى، لكن يسقط به القود ويؤاخذ بالبدل بعد عتقه (وإن قتل عبد
له) أي للمأذون (رجلاً عمداً وصالحه) المأذون (عنه جاز)
صاحب غاية البيان في ترجيح عدم الجواز. قوله: (وصحح الصحة في درر البحار) لأنه
يجعل كأنه زاد في مهرها إلى آخر ما قدمناه، وأقره في غرر الأفكار، وعليه اقتصر في البحر
فكان فيه اختلاف التصحيح. وعبارة المجمع: وادعت هي نكاحه فصالحها جاز، وقيل لم
یجز.
فائدة في فروق المحبوبي: لو ادعت امرأة أن زوجها طلقها ثلاثاً وأنكر الزوج
فصالحها على مائة درهم على أن تبرئه من الدعوى لم يصح، ويرجع الزوج عليها والمرأة
على دعواها. ولو ادعى على امرأة نكاحها فجحدت فصالحها على مائة درهم لتقر فأقرت
صح ويلزمه المال ويكون هذا ابتداء عقد، وبه يظهر الفرق بين الأولى والثانية، لأن في
الفصل الأول لا يمكن جعله ابتداء عقد، وفي الثانية ممكن. قوله: (المأذون له) أي
بالتجارة. قوله: (عمداً) قيد به، لأنه لو كان القتل خطأ فالظاهر الجواز لأنه يسلك به
مسالك الأموال ط. قوله: (فلم يلزم المولى) لأنه لم يأذن به وإنما أذن له فيما هو من
أعمال التجارة وليس هذا منها. قال المقدسي: فإن أجازه صح عليه، وإلا لا. قوله:
(لكن يسقط به القود) لأنه صحيح بينه وبين أولياء المقتول لأنه مكلف فيصح تصرفه في
حق نفسه لا في مال الغير وهو المولى بغير إذنه، لأن الوليّ أسقطه بالبدل ولا مانع من
جانبه.
وحاصله کما في العناية: أن نفس العبد ليست من کسبه فلا يجوز له التصرف فيها،
ولم يجب البدل في حق المولى بل تأخر إلى ما بعد العتق لأن صلحه عن نفسه صحيح لكونه
مكلفاً، ولم يصح في حق المولى فصار كأنه صالحه على بدل مؤجل يؤاخذ به بعد العتق.
قوله: (ويؤاخذ) أي المأذون المصالح، لأنه قد التزم المال وهو معسر في حال رقه فينظر إلى
الميسرة وهي تكون بعد عتقه. قوله: (وإن قتل عبد له) عبد فاعل قتل. قوله: (وصالحه
المأذون) على تقدير مضاف: أي صالح أولياءه: يعني إذا كان لهذا المأذون عبد قتل رجلاً
عمداً فصالح عنه مولاه المأذون جاز، وهكذا التصوير في غاية البيان؛ فالمراد بالمولى العبد
المأذون وهو مولى عبد قاتل عمداً، وأطلق صحة هذا الصلح فشمل أنه صحیح سواء كان
على هذا المولى المأذون دين أو لم يكن، وسواء كان على عبده دين أو لم يكن كما في تكملة
الديري. وفي التعبير بالمولى عن المأذون تعسف، كما نبه عليه عزمي زاده. ووجهه أن
المولى إنما يطلق على الأسفل بعد عتقه ورق المأذون قائم فلا يصح إطلاق المولى عليه كما

٣١٤
كتاب الصلح
لأنه من تجارته والمكاتب كالحر.
(والصلح عن المغصوب الهالك على أكثر من قيمته قبل القضاء بالقيمة جائز)
أفاده المولى أبو السعود. قوله: (لأنه من تجارته) لأن استخلاصه كشرائه. منح. لأنه
باستحقاق القتل كالزائل عن ملکه وهو لو خرج عن ملكه كان له أن يشتريه فكذا له أن
يستخلصه، بخلاف المكاتب حيث يجوز له أن يصالح عن نفسه كما سيأتي. قوله:
(والمكاتب كالحر) أي لخروجه عن يد المولى إذ هو حر يداً واكتسابه له ما لم يعجز،
بخلاف المأذون فإنه عبد من كل وجه وکسبه لمولاه ولهذا نفذ تصرفه على نفسه حیث جاز
صلحه عنها. قال في الدرر: ولهذا إن ادعى أحد رقيته فإنه یکون خصماً فيه، وإذا جنی
علیه کان الأرش له، وإذا قتل لا تكون قيمته للمولى، بل لورثته تؤدى منها كتابته،
ويحكم بحريته في آخر حياته، ويكون الفضل لهم، فصار كالحر فيجوز صلحه عن نفسه
ولا كذلك المأذون. ذكره الزيلعي انتهى. قوله: (والصلح عن المغصوب) أي القيمي،
لأنه لو كان مثلياً فهلك فالمصالح إن كان من جنس المغصوب لا تجوز الزيادة اتفاقاً، وإن
كان من خلاف جنسه جاز اتفاقاً. ابن ملك: أي جاز مع اختلاف الجنس. قوله:
(الهالك) قيد به لأنه لا خلاف في الصلح بالأكثر عند قيامه، إذ لا نظر للقيمة حينئذ
أصلاً. ابن ملك. قوله: (على أكثر من قيمته) أي ولو بغبن فاحش. قال في غاية البيان:
بخلاف الغبن اليسير فإنه لما دخل تحت تقويم المقوّمين لم يعدّ ذلك فضلاً فلم يكن ربا:
أي عندهما، وقيد. بقوله: ((على أكثر من قيمته)) لأنه محل الخلاف.
قال في جامع الفصولين: غصب كرّ بر أو ألف درهم فصالح على نصفه، فلو كان
المغصوب هالكاً جاز الصلح، ولو قائماً لكن عينه أو أخفاه وهو مقر أو منكر جاز قضاء
لا ديانة، ولو حاضراً يراه لكن غاصبه منكر جاز كذلك، فلو وجد المالك بينة على بقية
ماله قضی له به، والصلح على بعض حقه في کیلي أو وزني حال قيامه باطل، ولو أقر
بغصبه وهو ظاهر في يده ويقدر مالكه على قبضه فصالحه على نصفه على أن يبرئه مما بقي
جاز قياساً لا استحساناً، ولو صالحه في ذلك على ثوب ودفعه جاز في الوجوه كلها إذ
يكون مشترياً للثوب بالمغصوب، ولو كان المغصوب قناً أو عرضاً فصالح غاصبه مالكه
على نصفه وهو مغيبه عن ملكه وغاصبه مقر أو منكر لم يجز، إذ صلحه على نصفه إقرار
بقيامه، بخلاف کيلي أو وزني إذ يتصور هلاك بعضه دون بعضه عادة، بخلاف ثوب وقن
اهـ. قوله: (قبل القضاء بالقيمة) أما بعد القضاء لا يجوز؛ لأن الحق انتقل بالقضاء إلى
القيمة. منح. فيرد الزيادة على القيمة. أبو السعود. قوله: (جائز) عند الإمام خلافاً لهما
لأن حق المالك في الهالك لم ينقطع ولم يتحول إلى القيمة فكان صلحاً عن المغصوب لا عن
قيمته، فلا يكون اعتياضه بأكثر من قيمته ربا، والزائد على المالية يكون في مقابلة الصورة

٣١٥
كتاب الصلح
كصلحه بعرض (فلا تقبل بينة الغاصب بعده) أي الصلح على (أن قيمته أقل مما
صالح عليه ولا رجوع للغاصب) على المغصوب منه بشيء (لو تصادقا بعد وأنها
أقل) بحر.
الباقية حكماً لا القيمة. وعندهما: لا يجوز إذا كان بغبن فاحش، لأن حقه في القيمة
فالزائد عليها رباً، ومحل ذلك إذا لم يكن مثلياً صولح عنه على مثله فإنه لا تجوز الزيادة
حينئذ، وإن كان من خلاف جنسه جاز اتفاقاً.
والحاصل: أن الإمام يقول: إن الضمان بدل عن العين المستهلكة فيجوز بالغاً ما
بلغ، كما إذا كانت قائمة حقيقة. والصاحبان يقولان: إن القيمة هي الواجبة في ضمان
العدوان لأنها هي التي يمكن وجوبها في الذمة دون العين فيكون المأخوذ بدلًا عن القيمة
عند الصاحبين، فما زاد عن القيمة يكون رباً. أبو السعود. قوله: (كصلحه بعرض) أي
سواء كانت قيمته كقيمة الهالك أو أقل أو أكثر، وإنما ذكرها الشارح هنا مع أنها ستأتي
متناً إشارة إلى أن محلها هنا، وظاهره أن الصلح عن قيمي بعرض، وإن كانت قيمته أكثر
جاز على هذا الخلاف، وليس كذلك بل الصلح على عرض، وإن كانت قيمته أكثر من
قيمة المغصوب جائز اتفاقاً. صرح به في الكافي وغيره.
غاية ما يقال: إن مقارنته بما قبله لمجرد تساويهما في الصحة عند زيادة البدل عن
قيمة المبدل وإن كان أحدهما اختلافياً والآخر اتفاقياً. نعم لو أفرده بالذكر كما في الهداية
وكما فعل المصنف لكان أولى. قوله: (فلا تقبل الخ) لأن بالصلح قد أخذ بعض حقه
وأسقط باقيه، والساقط لا يعود. قوله: (ولا رجوع للغاصب على المغصوب منه بشيء)
أي سواء كان قبل القضاء بقيمة المغصوب أو بعده لعدم ظهور الربا بين العرض وقيمة
المغصوب لفقد العلتين فيه، بخلاف ما لو دفعها من جنس القيمة بعد القضاء بها، لأن
تقدير القاضي كتقدير الشارع، فإذا دفع أزيد منه تحقق الربا إن كان من جنس ما قدره
القاضي. أما لو قضى بالدراهم فدفع الدنانير أو بالعكس فيجوز أيضاً لفقد العلة وهو
اتحاد الجنس، لكن يشترط القبض في مجلس الصلح لئلا يفترقا عن دين بدين. أفاده
الرحمتي.
تنبيهات الصلح على أكثر من مهر المثل جائز، ولو طلقها بعد الدخول أو ماتت لا
يجوز إلا على قدر مهر المثل، لأنه يصير بمنزلة الدين ولم يبق له حكم المهر ولذا لا يجوز
الزيادة فيه .
استهلك إناء فضة وقضى بالقيمة وافترقا قبل القبض لم يبطل، وكذا لو اصطلحا بلا
قضاء غصب طوق ذهب مائتا مثقال فضاع فصالحه على مائة ثم أقر المدعي أن أحدهما
كان ملك المدعى عليه فالصلح جائز عن الثاني ولا يرجع عليه، ولو أقام المدعي بينة على

٣١٦
كتاب الصلح
(ولو أعتق موسر عبداً مشتركاً فصالح) الموسر (الشريك على أكثر من نصف
قيمته لا يجوز) لأنه مقدر شرعاً فبطل الفضل اتفاقاً (كالصلح في) المسألة (الأولى
على أكثر من قيمة المغصوب) بعد القضاء (بالقيمة) فإنه لا يجوز، لأن تقدير
القاضي كالشارع (وكذا لو صالح بعرض صح، وإن كانت القيمة أكثر من قيمة
مغصوب تلف) لعدم الربا (و) صح (في) الجناية (العمد) مطلقاً ولو في نفس مع
إقرار (بأكثر من الدية والأرش) أو بأقل لعدم الربا (وفي الخطإ) كذلك
الألف والدار بعد الصلح كان على حقه في الدار لأن المائتين التي أخذهما إنما هما من
الألف وقد حط عن الباقي منها، ولو ادعى داراً أو ألفاً فصالحه على ألف ثم برهن على
نصف الدار ونصف الألف لم يكن له من ذلك شيء، ولو أقام البينة على ألف درهم
ونصف الدار كانت الألف قضاء بالألف وأخذ نصف الدار، ولو استحقت الدار من يد
المدعى عليه لم يرجع من الألف بشيء لأنه يقول الألف التي قبضت عن التي ادعيت،
وقياس الألف والدار الدرهم والدينار.
ووجه عدم كون البدل عن الجميع أو الشراء الواحد لا ينتظم الإسقاط والمعاوضة،
ولو أعطاه ثوباً عن جميع حقه فهو صلح الجميع. قوله: (ولو أعتق موسر عبداً الخ) قيد
بالموسر، لأنه لو كان معسراً يسعى العبد في نصفه كما في مسكين. قوله: (لا يجوز لأنه
مقدر شرعاً) قال في الدرر: لأن القيمة في العتق منصوص عليها، وتقدير الشارع ليس
أدنى من تقدير القاضي فلا تجوز الزيادة عليه اهـ. بخلاف ما تقدم لأنها غير منصوص
عليها، وإن صالحه على عرض جاز كيفما كان لأنه لا يظهر الفضل عند اختلاف الجنس.
عيني قوله: (لعدم الربا) لأنه قوبل صورة بصورة على قوله أو قيمة بصورة على قولهما،
وعلى كل فلا ربا. قوله: (وصح في الجناية العمد الخ) شمل ما إذا تعدد القاتل أو انفرد
حتى لو كانوا جماعة فصالح أحدهم على أكثر من قدر الدية جاز، وله قتل البقية والصلح
معهم، لأن حق القصاص ثابت على كل واحد منهم على سبيل الانفراد. تأمل. رملي.
قوله: (ولو في نفس مع إقرار) تفسير للإطلاق: أي سواء كان العمد في النفس أو ما
دونها، وسواء كان الصلح عن إقرار أو إنكار أو سكوت. قوله: (بأكثر من الدية) أي في
النفس. قوله: (والأرش) أي في الأطراف. قوله: (أو بأقل) أي على أقل وإن كان أقل
من عشرة دراهم لأنه لا موجب له، وإنما يجب بالعقد فيقدر بتقديرهما، بخلاف النكاح
حيث لا يجوز تسمية ما دون العشرة فيه لأنه مقدر شرعاً. قوله: (لعدم الربا) لأن
الواجب فيه القصاص وهو ليس بمال فلا يتحقق فيه الربا، فلا يبطل الفضل لعدم
المجانسة بين موجب العمد وهو القصاص والمدفوع من المال. قوله: (كذلك) أي بأكثر
من الدية: أي مطلقاً في النفس أو الأطراف مع الإقرار أو السكوت أو الإنكار. قوله:

٣١٧
كتاب الصلح
(لا) تصح الزيادة، لأن الدية في الخطإ مقدرة، حتى لو صالح بغير مقاديرها صح
كيفما كان بشرط المجلس، لئلا يكون ديناً بدين، وتعيين القاضي أحدهما يصير
غيره كجنس آخر ولو صالح على خمر فسد فتلزم الدية في الخطإ ويسقط القود لعدم
(لا تصح الزيادة) أفاد بالتقييد بالزيادة صحة النقص ويجعل إسقاطاً ط. وإذا لم تصح
الزيادة فالصلح صحيح والزيادة غير لازمة كما في الدرر والشرنبلالية. قوله: (لأن الدية
في الخطإ مقدرة) أي شرعاً والزيادة عليها تكون رباً فيبطل الفضل، ومقاديرها مائة بعير أو
مائتا بقرة أو مائتا شاة أو مائتا حلة أو ألف دينار أو عشرة آلاف درهم. عزمي عن
الكافي. فلا تجوز الزيادة عليه، كما لا يجوز الصلح في دعوى الدين على أكثر من جنسه
ط.
قال الرحمتي: وهذا في الدراهم والدنانير ظاهر. وأما في الإبل فينبغي الجواز لفقد
القدر اهـ.
أقول: سيأتي قريباً ما يؤيده، فافهم. قوله: (بغير مقاديرها) أي بغير الذهب
والفضة والإبل، كأن صالح بعروض أو حيوان غير ما ذكر صح سواء كانت قيمته قدر
دية أو لا. وأفاد أن الكلام فيما إذا صالح على أحد مقادير الدية المتقدمة. قوله: (بشرط
المجلس) أي بشرط القبض في المجلس إذا كان ما وقع عليه الصلح ديناً في الذمة، وهذا
مقيد بما إذا كان الصلح بمكيل أو موزون كما قيده في العناية. ح بزيادة من ط. قوله:
(لئلا يكون دين بدين) أي افترقا عن دين وهو الدية بدين وهو ما وقع عليه الصلح.
قوله: (أحدهما) كالإِبل مثلاً. قوله: (يصير) بضم الياء وفتح الصاد وكسر الياء المشددة
فعل مضارع. قوله: (كجنس آخر) فلو قضى القاضي بمائة بعير فصالح القاتل عنها على
أكثر من مائتي بقرة وهي عنده ودفعها جاز، لأن الحق تعين فيه بالقضاء فكان غيره من
المقادير كجنس آخر فأمكن الحمل على المعاوضة. منح.
وفي الجوهرة: إنما جاز ذلك لأن قضاء القاضي عين الوجوب في الإبل، فإذا
صالح على البقر فالبقر الآن ليست بمستحقة وبيع الإبل له بالبقر جائز.
وإذا صالح عن الإبل بشيء من المكيل والموزون مؤجل فقد عارض ديناً بدين فلا
يجوز، وإن صالح عن الإبل على مثل قيمة الإبل أو أكثر مما يتغابن فيه جاز لأن الزيادة
غير متعينة، وإن كان لا يتغابن فيها لا لأنه صالح على أكثر من المستحق اهـ. وقوله ((على
أكثر)) الظاهر أنه بالأقل كذلك بالأولى. قاله أبو الطيب. قوله: (فسد) لأن هذا صلح
عن مال فيكون نظير الصلح عن سائر الديون. قوله: (ويسقط القود) أي في العمد: أي
مجاناً: إن سمي نحو خمر: يعني يصير الصلح الفاسد فيما يوجب القود عفواً عنه، وكذا
على خنزير أو حر كما في الهندية، وهذا بخلاف ما إذا فسد بالجهالة.

٣١٨
كتاب الصلح
ما يرجع إليه. اختيار.
(وكل) زيد (عمراً بالصلح عن دم عمد أو على بعض دين يدعيه) على آخر
من مكيل وموزون (لزم بدله الموكل) لأنه إسقاط فكان الوكيل سفيراً (إلا أن يضمنه
قال في المنح في الكلام على العمد: ثم إذا فسدت التسمية في الصلح كما إذا صالح
على دابة أو ثوب غير معين تجب الدية، لأن الولي لم يرض بسقوط حقه مجاناً فيصار إلى
موجبه الأصلي، بخلاف ما إذا لم يسمّ شيئاً أو سمى الخمر ونحوه حيث لا يجب شيء لما
ذكرنا: أي من أن القصاص إنما يتقوّم بالتقويم ولم يوجد وفي قوله فيصار إلى موجبه
الأصلي نظر لأنه القصاص لا الدية، وبعد خطور ذلك بالذهن رأيت سريّ الدين نبه عليه
ط قوله: (بالصلح عن دم عمد) محله إذا صدر التوكيل من الجاني قوله: (أو على) نسخ
المتن أو عن بدل على قوله: (يدعيه على آخر) تبع الشارح في هذا المصنف في شرحه، وفي
العبارة قلب، والصواب: يدعيه عليه آخر، لما علمت أن التوكيل من طرف المدعى عليه،
وإلا فإذا كان مدعياً على آخر ديناً فوكل من يصالحه على بعضه كيف يقال البدل يلزم
الموكل مع أنه هنا آخذ البدل لا دافعه، ويدل عليه قوله الآتي ((لزم بدله الموكل)) وعبارة
الدرر هكذا وليس فيها كلمة ((على)) وعبارة الكنز: ومن وكل رجلاً بالصلح عنه فصالح
الوكيل لم يلزم الوكيل ما صالح عليه وهي أحسن، ولو حذف كلمة على آخر كما صنع
الدرر لسلم من هذا إلا أن تحمل عبارته هنا على ما ذكرنا، بأن يقال: أو على بعض دين
يدعیه آخر علیه، فتأمل.
قال الشمني: لأن هذا الصلح إسقاط محض، فكان الوكيل فيه سفيراً ومعبراً فلا
يكون البدل عليه كالوكيل بالنكاح، إلا أن يضمنه فإنه حينئذ يؤاخذ به لضمانه لا لعقد
الصلح اهـ. قوله: (من مكيل وموزون) هكذا قيد بهذا القيد في الدرر وتبعه الشارح، إلا
أن عبارة الدرر بلفظ أو والواو بمعنى أو: أي سواء كان ديناً منها بحسب الأصل أو
بحسب التقدير.
قال أبو الطيب: إن كان المراد من مكيل وموزون أن من بيانية للدين فلا حاجة إلى
اشتراط أن يكون الدين بدل المكيل والموزون، لأن الدين لا يكون إلا أحدهما، لأن
الأعيان لا تكون ديوناً اهـ. وبه ظهر قول بعض الأفاضل: هل مثله المعدود المتقارب
والمذروع إذا بين طوله وعرضه وصفته؟ فإنهم قالوا: يجوز فيه حينئذ السلم ويصح ثبوته
في الذمة يراجع اهـ. فتأمل. قوله: (لزم بدله الموكل) هذا ظاهر فيما إذا كان الوكيل من
طرف الجاني، ولا يظهر إذا كان من طرف الولي لأنه آخذ فكيف يقال يلزمه، وكذا لا
يظهر في جانب الدين إذا كان الموكل هو المدعي لأن الموكل مدع فكيف يلزمه، وأطلق في
لزومه الموكل فشمل الصلح بأقسامه الثلاثة، وبه صرح العيني. قوله: (لأنه إسقاط) أي

٣١٩
كتاب الصلح
الوكيل) فيؤاخذ بضمانه (كما لو وقع الصلح) من الوكيل (عن مال بمال عن إقرار)
فيلزم الوكيل لأنه حينئذ كبيع (أما إذا كان عن إنكار لا) يلزم الوكيل مطلقاً. بحر
ودرر.
(صالح عنه) فضولي (بلا أمر صح إن ضمن المال
للقود عن القائل وبعض الدين عن المدعى عليه. قوله: (فيؤاخذ بضمانه) أي ويرجع على
الموكل به، وكذا الصلح في الخلع، وكذا يرجع في الصورة التالية لهذه كما في المقدسي:
وفي النكاح لا يرجع لأن الأمر بالصلح عنه أمر بالأداء عنه ليفيد الأمر فائدته، إذ الصلح
عنه جائز بلا أمره، بخلاف النكاح لأنه لا ينفذ عليه من الأجنبي، والأمر بالخلع كالأمر
بالصلح حتى يرجع على الآمر إن ضمن وأدى عنه. زيلعي.
قال عبد الحليم: قوله ((إلا أن يضمنه)) أي يكفل الوكيل البدل وأن يضيف العقد إلى
نفسه وإلى مال نفسه اهـ. وهذا كله فيما إذا كان الصلح عن دم العمد كما ذكره المصنف
عن إقرار أو سكوت أو إنكار أو فيما لا يحمل على المعاوضة كالصلح على بعض الدين
كما ذكره المصنف أيضاً لأنه إسقاط، فكان الوكيل سفيراً فلا يلزمه شيء إلا بالالتزام.
وأما فيما يحمل على المعاوضة فسيذكره بقوله الآتي هنا ((كما إذا وقع عن مال بمال الخ)).
قوله: (فيلزم الوكيل) أي ثم يرجع به على الموكل كما مر قريباً لأن الوكيل أصل في
المعاوضات المالية فترجع الحقوق إليه دون الموكل فيطالب هو بالعوض دون الموكل.
عيني. قوله: (لأنه حينئذ كبيع) أي والحقوق في عقد البيع ترجع إلى المباشر فكذا فيما إذا
كان بمنزلته فيلزم الوكيل ما صالح عليه ثم يرجع به على الموكل، ومقتضى الإطلاق أنه
يرجع وإن لم تكن الكفالة بأمر الموكل كما صرحت به عند قوله الآتي ((بأمره)) قوله:
(مطلقاً) سواء كان عن مال بمال أو لا، وسواء كان في دم عمد ودين أو غيرهما، وهذا
إنما يظهر في جانب المدعى عليه إذ هو في جانبه فداء يمين وقطع نزاع، وهذا إنما يعود
إلى الموكل لا إلى الوكيل. قوله: (صالح عنه) أي عن المدعى عليه فضولي الخ. هذا فيما
إذا أضاف العقد إلى المصالح عنه لما في آخر تصرفات الفضولي من جامع الفصولين.
ف: الفضولي إذا أضاف العقد إلى نفسه يلزمه البدل وإن لم يضمنه ولم يضفه إلى مال
نفس ولا إلى ذمة نفسه، وكذا الصلح عن الغير اهـ. قال الزيلعي: وهذا مفروض فيما لم
يحمل على المعاوضة كدعوى القصاص وأخواته، أما إذا كان عن معاوضة فيمضي على
الفضولي إذا كان شراء عن إقرار. قوله: (بلا أمر) قيد به لأنه لو كان بأمر نفذ الصلح عن
المدعى عليه وعليه البدل إلا في صورة الضمان فالبدل على المصالح عند الإمام الحلواني،
وذكر شيخ الإسلام أنه عليه وعلى المدعى عليه أيضاً فيطالب المدعى به أيهما شاء.
قهستاني عن المحيط. قوله: (صح إن ضمن المال) لأن الحاصل للمدعى عليه البراءة، وفي

٣٢٠
كتاب الصلح
أو أضاف) الصلح (إلى ماله أو قال عليّ) هذا أو (كذا وسلم) المال صح وصار
متبّعاً في الكل، إلا إذا ضمن بأمره. عزمي زاده (وإلا) يسلم في الصورة الرابعة
مثله يستوي المدعى عليه والأجنبي لأنه لا يسلم للمدعى عليه شيء كما يسلم للأجنبي،
والمقصود من هذا الصلح رضا صاحب الحق لا رضا المدعى عليه إذ لا حظ له فيه،
والمدعي ينفرد بالصلح فيما لا معاوضة فيه غير أنه لم يرض بسقوط حقه مجاناً، فإذا سلم
له العوض من جهة المتبرع صح اهـ. قوله: (أو أضاف الصلح) أي البدل الذي وقع عليه
الصلح. قوله: (إلى ماله) بأن يقول صالحتك على ألف من مالي أو على عبدي فلان، لأن
الإضافة إلى نفسه التزام منه للتسليم إلى المدعي وهو قادر على ذلك فيلزمه تسليمه. قوله:
(أو قال على هذا) أي وأشار إلى نقد أو عين، وإنما صح فيه لأن المعروف المشار إليه
كالمضاف إلى نفسه، لأنه تعين التسليم إليه بشرط أن يكون ملكه فيتم به الصلح. قوله:
(أو كذا) أشار به إلى الصورة الرابعة وهي صورة الإطلاق بأن قال عليّ ألف. قوله:
(وسلم المال) أي في الأخير وهي الصورة الرابعة. قوله: (صح) مكرر بما في المتن، وإنما
صح لأنه بالتسليم حقيقة تمّ رضاه فصار فوق الضمان والإضافة إلى نفسه.
قال في الدرر: أما الأول فلأن الحاصل للمدعى عليه البراءة وفي حقها الأجنبي
والمدعى عليه سواء، ويجوز أن يكون الفضولي أصيلاً إذا ضمن كالفضولي للخلع إذا ضمن
البدل. وأما الثاني فلأنه إذا أضافه إلى نفسه فقد التزم تسليمه فصح الصلح. وأما الثالث
فلأنه إذا عينه للتسليم فقد اشترط له سلامة العوض فصار العقد تاماً بقبوله. وأما الرابع
فلأن دلالة التسليم على رضا المدعي فوق دلالة الضمان والإضافة إلى نفسه على رضاه اهـ
باختصار. قوله: (وصار متبرعاً في الكل) أي في أربع صور الفضولي المارة آنفاً: وهي ما
إذا ضمن المال، وما إذا أضاف الصلح لما له، وما إذا قال صالحتك عنه بألف ولم يزد
وسلمها، وما إذا قال على ألفي هذه أو عبدي هذا وسلم، فلو استحق العوض في الوجوه
التي تقدمت أو وجده زيوفاً أو ستوقاً لم يرجع المصالح لأنه متبرع التزم تسليم شيء معين
ولم يلتزم الإيفاء من غيره فلا يزمه شيء آخر، ولكن يرجع بالدعوى لأنه لم يرض بترك
حقه مجاناً إلا في صورة الضمان فإنه يرجع على المصالح لأنه صار قريناً في ذمته، ولهذا لو
امتنع عن التسليم يجبر عليه. زيلعي. قوله: (إلا إذا ضمن بأمره) ثم يرجع على المصالح
عنه إن كان الصلح بغير أمره. بزازية فتقييد الضمان اتفاقي. وفيها الأمر بالصلح والخلع
أمر بالضمان لعدم توقف صحتهما على الأمر فيصرف الأمر إلى إثبات حق الرجوع،
بخلاف الأمر بقضاء الدين ا هـ. أقول لم يظهر لي الفرق. تأمل. قوله: (عزمي زاده) لم
أجد فيه، فليراجع. قوله: (وإلا يسلم في الصورة الرابعة) الأولى ترك هذا القيد وإبقاء، لا
على العموم بأن يقول: وإلا يكن كذلك: أي إن لم يضمن ولم يضف ولم يشر ولم يسلم،