Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض قال في نور العين: ويلحق السكران بالصاحي في العبادات والحقوق فيلزمه سجدة تلاوة وقضاء الصلاة شح، وإذا أفاق يلزمه الوضوء لو كان بحال لا يعرف الذكر من الأنثى لا كمغمى عليه، ومن سكر من شراب محرم أو من المثلث لزمه كل التكاليف الشرعية، ويصح جميع عباراته وتصرفاته سواء شرب مكرهاً أو طائعاً،. بزدوي. السكر لو بمباح كشرب مكره، ومضطر، وشرب دواء، وشرب ما يتخذ من حبوب وعسل عند أبي حنيفة كالإغماء يمنع من صحة طلاق، وعتاق وسائر التصرفات، والسكر بمحظور كسكر من كل شراب محرم، ونبيذ المثلث، ونبيذ الزبيب المطبوخ المعتق لا ينافي الخطاب، فيلزمه جميع أحكام الشرع، وتصح عباراته كلها بطلاق وعتاق وبيع وشراء، وأقارير، ويصح إسلامه لا ردته استحساناً، ولو أقر بقصاص أو باشر سبباً لزمه حكمه، ولو قذف أو أقر به لزمه الحد، ولو زنى حد إذا صحا، ولو أقر أنه سكر من خمر طائعاً لم يحد حتى يصحو فيقرأ وتقوم عليه البينة، ولو أقر بشيء من الحدود لم يجد إلا في حد قذف، وتقام عليه الحدود إذا صحا. قال في الهداية: لا يجد السكران حتى يعلم أنه سكر من النبيذ وأنه شربه طوعاً، إذ السكر من المباح لا يوجب الحد كالبنج ولبن الرماك، وكذا شرب المكره لا يوجب الحد ولا يحد السكران حتى يزول عنه السكر تحصيلاً لمقصود الانزجار والسكران الذي يحد عند أبي حنيفة، هو من لا يعقل منطقاً لا قليلاً ولا كثيراً، ولا يعقل الرجل من المرأة، وعندهما: من يهذي ويخلط كلامه إذاً هو السكران في العرف، وإليه مال أكثر المشايخ، والمعتبر في القدح المسكر في حق الحرمة ما قالا إجماعاً أخذا بالاحتياط انتهى. وقدمنا عن الأشباه أن الفتوى على قولهما في إنتقاض الطهارة، وفي يمينه أن لا يسكر، وأنه يستثنى سقوط القضاء من قولهم السكر بمباح كإغماء، فإنه لا يسقط عنه وإن كان أكثر من يوم وليلة لأنه بفعله. قال قاضيخان: يجوز جميع تصرفات السكران إلا الردة والإقرار بالحدود والإشهاد على شهادة نفسه. وفي محل آخر منه من سكر من خمر أو شراب متخذ من أصل الخمر وهو العنب والزبيب والتمر كنبيذ ومثلث وغيرهما ينفذ جميع تصرفاته عندنا، وبه أخذ عامة المشايخ. وقال الحسن بن زياد الطحطاوي والكرخي والصفار ومالك والشافعي في أحد قوليه وداود الأصفهاني: لا يصح منه تصرف ما وردته لا تصح عندنا استحساناً. إذ الكفر واجب النفي لا واجب الإثبات. وعن أبي يوسف أنه کان يأخذ بالقياس ويقول: تصح ردته انتهى. قال: فلو قضی قاض بقول واحد من هؤلاء نفذ قضاؤه. واختلف المشايخ فيما يتخذ من حبوب وثمار وعسل: من قال بوجوب الحد ٢٦٢ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض بالسكر به يقول ينفذ تصرفاته ليكون زجراً له، ومن قال لا يجب الحد به وهو الفقيه أبو جعفر والإمام السرخسي يقول لا ينفذ تصرفاته، ولو شرب شراباً حلواً فلم يوافقه وذهب عقله بالصداع لا بالشراب فطلق، قال محمد: لا يقع، وبه يفتى. هذا كله في الشراب طائعاً، فلو مكرهاً فطلق فالصحيح أنه لا يقع، وفي محل آخر منه: ولو شرب الخمر مكرهاً أو لضرورة وسكر فطلق اختلفوا فيه، والصحيح أنه كما لا يلزمه الحد لا يقع طلاقه ولا تنفذ تصرفاته، ولو سكر مما يتخذ من حبوب وفواكه وعسل اختلفوا فيه، قال الفقيه أبو جعفر: أنه كما لا يلزمه الحد لا تنفذ تصرفاته. قاضیخان. لو كانت الخمر مغلوبة بالماء تحرم، لكن لا يحد شاربها ما لم يسكر، وفيما سوى الخمر مما يتخذ من عنب وزبيب لا يجد شاربه ما لم يسكر، ومن سكر بالبنج فالصحيح أنه لا يحد، ولا تصح تصرفاته ولا تقع ردته. ابن الهمام. عدم وقوع طلاق السكران بالبنج والأفيون لعدم المعصية، فإنه يكون للتداوي غالباً فلا يكون زوال العقل بسبب هو معصية، حتى لو لم يكن للتداوي بل للهو وإدخال الآفة قصداً ينبغي أن نقول يقع. وقال أيضاً: اتفق مشايخ الحنفية والشافعية بوقوع طلاق من زال عقله بأكل الحشيش، وهو المسمى ورق القنب لفتواهم بحرمته اتفاقاً من متأخريهم، إذ لم يظهر أمر الحشيش في زمن المتقدمين سني طلاق السكران غير واقع، وبه أخذ كثير من مشايخ بلخ، وهو قول عثمان رضي الله تعالى عنه: هذا نبيذ عسل وتين وحنطة وشعير وذرة حلال، وإن لم يطبخ عند أبي حنيفة، وأبي يوسف: إذا شرب بلا لهو ولا طرب لقوله عليه الصلاة والسلام (الخَمْرُ مِنْ هَاتَين الشِّجَرَتَين، وَأَشَارَ إِلَى كَرْمٍ وَنَخْلٍ))(١) خص التحريم بهما، إذ المراد بيان الحكم. ثم قيل: يشترط الطبخ لإباحته، وقيل لا، وهو المذكور في الكتاب. وهل يجد إذا سكر منه؟ قيل لا يحد، وقالوا: الأصح أنه يحد، إذ روي عن محمد فيمن سكر من الأشربة أنه يحد بلا تفصيل، إذ الفساق يجتمعون عليه في زماننا كما على سائر الأشربة بل فوق ذلك. يقول الحقير: قوله الأصح موافق لما اختاره صاحب المبسوط كما مر، لكنه مخالف لما نقله قاضيخان عن الفقيه أبي جعفر، ولما نقله البزدوي أيضاً عن أبي حنيفة، كما مر كلاهما في أول المبحث، والله تعالى أعلم بالصواب. هداية. المثلث العنبي حلال عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا قصد به التقوية لا التلهي. وعند محمد: حرام، وعنه أنه حلال، وعنه أنه مكروه، وعنه أنه توقف فيه مختارات النوازل نبيذ تمر ونبيذ زبيب إذا طبخ أدنى (١) أخرجه مسلم في كتاب الأشربة (١٣ - ١٤) وأبو داود (٣٦٧٨) والترمذي (١٨٧٥) والنسائي في كتاب الأشربة ب (١٩) وابن ماجة (٣٣٧٨) وأحمد في المسند ٢٧٩/٢ والدارمي ١١٣/٢. ٢٦٣ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض (المقر له إذا كذب المقر بطل إقراره) لما تقرر أنه يرتد بالرد (إلا) في ست طبيخ، وإن اشتد إذا شرب ما يغلب على ظنه أنه لا يسكر من غير لهو ولا طرب جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو الصحيح، لأنه أبعد من تفسيق الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ونبيذ حنطة وشعير وعسل حلال وإن لم يطبخ إذا شرب منه بلا لهو، عند أبي حنيفة وأبي یوسف فهو المثلث ولا يحد شاربه عندهما، ولا يقع طلاقه وإن سکر منه، وعن محمد أنه حرام، ويحد شاربه إذا سكر منه، ويقع طلاقه. والأصح فيه قول محمد، وكذا المتخذ من الألبان إذا اشتد، فهو على هذا الخلاف. أشباه. صرحوا بكراهة أذان السكران، والاستحباب الإعادة، وينبغي أن لا يصح أذانه كالمجنون فضك. سكران جمح فرسه فاصطدم إنساناً فمات، لو كان يقدر على منعه فليس بمسير له فلا يضاف إليه سيره، وكذا غير السكران لو عاجزاً عن منعه. زوج بنته الصغيرة بأقل من مهرها: لو صاحياً جاز عند أبي حنيفة، أما عندهما فقيل: يجوز النكاح لا النقصان، ونص في جمع أنه لا يجوز النكاح عندهما، ولو في سكر اختلف على قول أبي حنيفة، قيل يجوز، وقيل لا، وهو الصحيح فقط. تزوج امرأة بحضرة سكارى وعرفوا أمر النكاح إلا أنهم لا يذكرون بعد صحوهم جاز ط . وكله بطلاق فطلقها وهو سكران، فلو وكله وهو سكران يقع إذ رضي بعبارته، ولو وكله وهو صاح لا يقع إذا رضي بعبارة الصاحي لا السكران خ. وكيل بيع وشراء إذا سكر نبيذ تمر: فلو يعرف البيع والشراء والقبض قال سنجر: جاز عقده على موكله كما باشر لنفسه لا لو ببنج كمعتوه. وقال غيره: لا يجوز في النبيذ أيضاً، إذ بيع السكران إنما جاز زجراً عليه فلا يجوز على موكله، فسقط رد الغصب على سكران ورفع ثوبه للحفظ مر في أوائل فصل الضمان انتهت. قال بعض الفضلاء: وهل يدخل في ذلك تصرفات الصبيّ السكران من إسلامه وغيره؟ وكانت واقعة الفتوى. تأمل. أقول: الظاهر أنه لا يدخل في ذلك؛ لأن البالغ السكران من محرم جعل مخاطباً زجراً له وتغليظاً عليه، والصبي ليس أهلاً للزجر والتغليظ. كذا ذكره في الحواشي الحموي. قوله: (بطل إقراره) قال في الذخيرة: من أقر لإنسان بشيء وكذبه المقر له فقال المقر أنا أقيم البينة على ذلك لا تقبل بينته اهـ. بيري. ولو عاد المقر في الإقرار ثانياً وصدقه المقر له كان للمقر له أن يؤاخذه بإقراره الثاني. تاترخانية. والمعنى: أنه إذا كذبه ثم صدقه لا يعمل تصديقه إلا في المواضع المذكورة فإنه يعمل تصديقه بعد التكذيب ط. أقول: وما نقله في التاترخانية استحسان، والقياس أن لا يكون له ذلك، وفي ٢٦٤ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض على ما هنا تبعاً للأشباه. (الإقرار بالحرية والنسب وولاء العتاقة والوقف) في الإسعاف: لو وقف على رجل فقبله ثم رده لم يرتد، وإن ردّه قبل القبول ارتد الذخيرة: وصدقه المقر له بأن قال لك عليّ ألف درهم فقال المقر له أجل لي عليك، ولو أقر بالبيع وجحد المشتري ووافقه المقر في الجحود أيضاً ثم إن المقر له ادعى الشراء لا يثبت الشراء، وإن أقام المشتري بينة على ذلك ولو صدقه البائع على الشراء يثبت الشراء اهـ. قال السيد الحموي أقول: وجه القياس أن الإقرار الثاني عين المقر به أولاً فالتكذيب في الأول تكذيب في الثاني. ووجه الاستحسان أن يحتمل أنه كذبه بغير حق لغرض من الأغراض الفاسدة فانقطع عنه ذلك الغرض، فرجع إلى تصديقه فجاء الحق وزهق الباطل اهـ. قوله: (على ما هنا) أي على ما في المتن، وإلا فسيأتي زيادة عليها. قوله: (الإقرار بالحرية) فإذا أقر أن العبد الذي في يده حر تثبت حريته، وإن كذبه العبد ط. قوله: (والنسب) قد تقدم في باب دعوى النسب فيما تصح فيه دعوى الرجل والمرأة أنه لا بد من تصديق هؤلاء، إلا في الولد إذا كان لا يعبر عن نفسه؛ ومن جملة ما يشترط تصديقه مولى العتاقة، إلا أن يحمل أنه إذا عاد إلى التصديق بعد الرد يقبل كما قلنا. ويدل على ذلك عبارة البحر في المتفرقات فإنه قال: وقد بالإقرار بالمال احترازاً عن الإقرار بالرق والطلاق والعتاق والنسب والولاء فإنها لا ترتد بالرد، أما الثلاثة الأول ففي البزازية: قال لآخر أنا عبدك فرد المقر له ثم عاد إلى تصديقه فهو عبده، ولا يبطل الإقرار بالرق بالرد كما لا يبطل بجحود المولى، بخلاف الإقرار بالعين والدين حيث يبطل بالرد، والطلاق والعتاق لا يبطلان بالرد لأنهم إسقاط يتم بالمسقط وحده، وأما الإقرار بالنسب وولاء العتاقة ففي شرح المجمع من الولاء، وأما الإقرار بالنكاح فلم أره الآن اهـ. فتصور المسائل المذكورة هنا مثل تصوير الرق إلا الطلاق والعتاق لما علل به ط. قوله: (والوقف) قال في الأشباه: إن المقر له إذا رده ثم صدقه صح كما في الإسعاف. قوله: (في الإسعاف لو وقف على رجل الخ) يشير به للرد على المتن، ولكن رأيت معزياً للخزانة ما يوافق المتن، وهو لو قال لا أقبل يبطل، وقيل لا يبطل، وهو المختار عند بعض المتأخرين اهـ. لكن فيه أن الكلام في الإقرار بالوقف لا في الوقف، وأيضاً الكلام فيما لا يرتد ولو قبل القبول على أن عبارة الإسعاف على ما في الأشباه والمنح هكذا: ويزاد الوقف، فإن المقر له إذا زاده ثم صدقه صح، وهي موافقة لما نحن بذكره من أن الإقرار لا يرتد بالرد ولو قبل القبول، وما نقله الشارح من أن الوقف يرتد بالرد قبل القبول لا بعده هو غير ما نحن فيه. ونقل الحموي عن الإسعاف ما يناسب هذا فقال: ولو أقر لرجلین بأرض في يده أنها وقف عليهما أو على أولادهما ونسلهما أبداً ثم من بعدهم على المساكين فصدقه وكذبه ٢٦٥ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض (والطلاق والرق) فكلها لا ترتد ويزاد الميراث. بزازية. والنكاح كما في متفرقات قضاء البحر، وتمامه ثمة. واستثنى ثمة مسألتين من الإبراء وهما: إبراء الكفيل لا الآخر ولا أولاد لهما يكون نصفها وقفاً على المصدق منهما والنصف الآخر للمساكين لو رجع المنكر إلى التصديق رجعت الغلة إليه. وهذا بخلاف ما لو أقر لرجل بأرض فكذبه المقر له فإنها تصير له ما لم يقر له ثانياً. والفرق أن الأرض المقر بوقفيتها لا تصير ملكاً لأحد بتكذيب المقر له، فإذا رجع ترجع إليه والأرض المقر بكونها ملكاً ترجع إلى ملك المقر بالتكذيب اهـ. وهذا غير ما نقله الشارح عنه كما علمت، وهو المناسب للمقام والملائم لأن المقر له قد كذب المقر ثم صدقه يصح تصديقه، فتأمل. قوله: (والرق) أي لو قال له أنا رفيقك فأنکر ثم ادعاه وصدقه العبد صح، ومنه ما قدمه الشارح في کتاب العتق عن الخلاصة: قال لعبده أنت غير مملوك الخ. قوله: (ويزاد الميراث) أي فلا يعمل رد الوارث إرثه من المورث. قوله: (كما في متفرقات قضاء البحر) وعبارته: قيد بالإقرار بالمال احترازاً عن الإقرار بالرق والطلاق والعتاق والنسب والولاء، فإنها لا ترتد بالرد. أما الثلاثة الأول، ففي البزازية قال لآخر أنا عبدك فرد المقر له ثم عاد إلى تصديقه فهو عبده، ولا يبطل الإقرار بالرق بالرد كما لا يبطل بجحود المولى، بخلاف الإقرار بالعين والدين حيث يبطل بالرد، والطلاق والعتاق لا يبطلان بالرد لأنهما إسقاط يتم بالمسقط وحده، وأما الإقرار بالنسب وولاء العتاقة ففي شرح المجمع من الولاء، وأما الإقرار بالنكاح فلم أره الآن انتهى قوله: (واستثنى ثمة مسألتين من الإبراء) أي من قولهم الإبراء يرتد بالرد، ولا حاجة إلى ذكرهما هنا فإنهما ليسا مما نحن فيه ح: أي لأن الكلام في الإقرار وما ذكره في الإبراء. وعبارته قال: ثم اعلم أن الإبراء يرتد إلا فيما إذا قال المديون أبرئني فأبرأه فإنه لا يرتد كما في البزازية، وكذا إبراء الكفيل لا يرتد بالرد، فالمستثنى مسألتان، كما أن قولهم إن الإبراء لا يتوقف على القبول ولا يخرج عنه الإبراء عن بدل الصرف والسلم فإنه يتوقف على القبول ليبطلاه كما قدمنا في باب السلم. والحاصل: أن الكلام في أن الإقرار يرتد بالرد إلا في مسائل، وهاتان المسألتان ليستا منها، وحينئذ فلا وجه لزيادة ذلك. قال في كتاب المداينات: الإقرار يرتد بالرد إلا في مسائل : الأولى: إذا أبرأ المحتال عليه فرده لم يرتد. الثانية: إذا قال المدیون أبرئني فأبراه فرده ولا يرتد. الثالثة: إذا أبرأ الطالب الکفیل فرده لم يرتد، وقیل یرتد. الرابعة: إذا قبله ثم رده لم يرتد اهـ. إلا أن يراد بقوله واستثنى مسألتين من قولهم ٢٦٦ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض يرتد، وإبراء المديون بعد قوله أبرئني فأبرأه لا يرتد، فالمستثنى عشرة فلتحفظ. وفي وكالة الوهبانية. ومتى صدقه فيها ثم رده لا يرتد بالرد، وهل يشترط لصحة الرد الإبراء يرتد بالرد: أي كما أنه يستثنى من قولهم إن الإبراء لا يتوقف على القبول، إلا الإبراء عن بدل الصرف والسلم فإنه يتوقف على القبول ليبطلاه، فإذا كان الإبراء في هاتين المسألتين لا يرتد بالرد وإن لم يقبله بعد فمن باب أولى إذا رده ثم قبله فإنه لا يبطل، وبهذا الاعتبار عدهما مسألتين مما نحن فيه، فتأمله. قوله: (فالمستثنى عشرة) أي على هذا المقال. قوله: (ومتى صدقه فيها) أي في الإقرار بعين أو دين والإبراء والوكالة والوقف، هذا ما تفيده عبارة العلامة عبد البر ط. أقول: ذكر في شرح الوهبانية خمس مسائل: مسألة الوكالة، فقال لو قال لآخر وكلتك ببيع هذا وسكت يصير وكيلاً، ولو قال لا أقبل بطل، وسيأتي في المقولة الآتية إمكان تصويرها، وهذه المسألة الأولى من النظم. وقال أيضاً: الإقرار والإبراء لا يحتاجان إلى القبول ويرتدان بالرد وهنا أن الثانية والثالثة من النظم. وقال أيضاً: إذا سكت الموقوف عليه في الوقف على فلان جاز، ولو قال لا أقبل بطل، وفي وقف الأصل لا تبطل. وهذه المسألة الخامسة من النظم، ثم قال: ولو صدقه في هذا كله ثم رده لا يرتد انتهى. فغير هذا الشارح عبارته إلى ما ترى، فضمير فيها يرجع إلى أربع مسائل مذكورة في شرح الوهبانية، لا إلى الوكالة، والمسألة الرابعة من شرح الوهبانية هي هبة الدين ممن عليه الدين لا تصح من غير قبول، خلافاً لزفر. كذا اختار السرخسي. وقيل: الخلاف على العكس، وفي قاضيخان مثله، وذكر أبو الليث أنها تصح من غير قبول إلا أنها تبطل بالرد، وفي الذخيرة والواقعات أن عامة المشايخ على أن هبة الدين(١) وإبراءه يتم من غير قبول. وفي العمادية: المذكور في أكثر الكتب والشروح: أن القبول ليس بشرط عندنا وهو الصحيح، ثم ذكر عن الصغرى أنه يرتد بالرد انتهى، فهذه خمس مسائل، لكن لم يذكر قوله ولو صدقه في هذا كله الخ إلا بعد الأربعة الأول، وهي الوكالة والإقرار والإبراء والوقف، ولا شك أن هذا المقصود لا يفهم من هذا الشرح. قوله: (لا يرتد بالرد) قد علمت أن من جملة مرجع الضمير الوكالة وهي عقد غير لازم، فكيف لا ترتد بالرد، ويمكن تصويرها فيما إذا وكله بشراء معين وقبل الوكالة فاشتراه بمثل ما عين له من قدر الثمن ثم ادعى أنه رد الوكالة فلا يقبل ط. قوله: (وهل يشترط لصحة الرد مجلس الإبراء) ذكره العلامة عبد البر في إبراء الدائن مديونه من الدين، وعبارته بعد ذكر هذه المسألة، وهل يشترط لصحة الرد مجلس الإبراء؟ اختلف المشايخ. ولو قال أبرئني مما لك عليّ فقال أبرأتك فقال لا أقبل فهو بريء. وفي بعض (١) في ط هبة الدين ممن عليه أو إيراؤه لا يحتاج فيهما إلى القبول. ٢٦٧ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض مجلس الإبراء؟ خلاف، والضابط أن ما فيه تمليك مال من وجه يقبل الرد، وإلا فلا كإيطال شفعة وطلاق وعتاق لا يقبل الرد، وهذا ضابط جيد فليحفظ. (صالح أحد الورثة وأبرأ إيراء عاماً) النسخ: هبة الدين ممن عليه لا تتم إلا بالقبول، والإبراء يتم لكن للمديون حق الرد قبل موته إن شاء انتهى. قوله: (والضابط) قال العلامة عبد البر عن تقويم الدبوسي: الصدقة بالواجب: أي الثابت في الذمة إسقاط كصدقة الدين على الغريم، وهبة الدين له فتتم له بغير قبول، وكذا سائر الإسقاطات تتم من غير قبول، إلا أن ما فيه تمليك مال من وجه قبل الارتداء بالرد، وما ليس فيه تمليك مال لم يقبل كإبطال حق الشفعة والطلاق، وهذا ضابط جید فتنبه له ا هـ. قال بعض الفضلاء: هذا الضابط ظاهر فيما يقبل الرد من الإنشاءات، لكن هو خارج عما البحث فيه من كون الإقرار يرتد أو لا يرتد، إذ الإقرار لا تمليك فيه. تأمل. قوله: (صالح الخ) وليت هذا الفرع ما جعل متناً ولا شرحاً، إذ أصل العبارة: قال تاج الإسلام: وبخط شيخ الإسلام وجدته: صالح أحد الورثة وأبرأ إبراء عاماً ثم ظهر شيء في التركة لم يكن وقت الصلح لا رواية في جواز الدعوى؛ ولقائل أن يقول: يجوز دعوى حصته منه، وهو الأصح، ولقائل أن يقول: لا اهـ. ثم اختصرها في الأشباه وتبعه هنا. قال الشرنبلالي: نقلها في الأشباه بما فيه اشتباه لا يليق، لأنه معزو إلى الخط، وفيه نظر، وبرهن عليه في رسالة اهـ. ويؤيده ما سيأتي: لو صالح الورثة أحدهم ثم ظهر عين لم يعلموها هل تدخل في الصلح؟ قولان: أشهرهما: لا، فهذا بلا إبراء فيه رواية مشهورة بعدم السماع، فكيف مع الإبراء الذي بمفرده يمنع السماع. قال في المحيط: لو أبرأ أحد الورثة الباقي ثم ادعى التركة وأنكروا لا تسمع دعواه، وإن أقروا بالتركة أمروا بالرد عليه اهـ: أي لأن الإبراء عن العين إذا منع دعواها فمصادقتهم له يعمل بها، وأيضاً فرع المتن يحتمل أن يكون ما ظهر تحت يد الورثة وأنهم أقروا بأنه من التركة بعد ذلك فيكون بسبب الصلح فيه روايتان: قيل لا تسمع دعواه لأن المصالح خرج عن كل التركة، والأشهر تسمع لأنه ما خرج إلا من قدر ما علم، فإذا انضم الإبراء إليه ربما ازداد غير الأشهر قوة عليه وإذا كانت تحت يد أجنبي، فكذا يقال: إلا أن الإبراء لا يقوي غير الأشهر، لعدم يد المبرأ، وخلط الشارح يد الوصي بهذا الفرع فيه نظر آخر، وإن ظهرت تحت يد الورثة وأنكروا أنه من التركة فالإبراء بانفراده مانع من الدعوى، فکیف مع الصلح؟ فکیف کان قوله لا رواية فيه، فيه ما فيه، بل قیل یعمل بالإبراء الواقع في ضمن الصلح ظهر فساده بفتوى الأئمة، فكيف به في الصحيح؟ فليت التاج أخذ تخريجه على هذا. ٢٦٨ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض أو قال لم يبق لي حق من تركة أبي عند الوصي أو قبضت الجميع ونحو ذلك (ثم ظهر في) يد وصيه من (التركة شيء لم يكن وقت الصلح) وتحققه (تسمع دعوى حصته منه على الأصح) ويمكن توجيهه بأنه أراد أنه ظهر تحت يد أجنبيّ، وتقدم عن ابن الغرس أنه لو أبرأ مطلقاً ثم ظهر أنه كان قبل الإبراء مشغول الذمة بشيء من تركة أبي المبرىء ولم يعلم بذلك ولا بموت أبيه إلا بعد الإبراء عمل الإبراء عمله، ولا يعذر المبرىء. وفي الخلاصة أبرأه عن الدعاوى ثم ادعى عليه مالاً بالإرث عن أبيه: إن مات أبوه قبل إبراته صح الإبراء ولا تسمع دعواه، وإن لم يعلم بموت الأب عند الإبراء ا هـ. ويأتي تمام الكلام على ذلك قريباً إن شاء الله تعالى. قوله: (أو قال) عطف على صالح لأنها مسألة أخرى. قوله: (أو قبضت الجميع) أي لو أقر الوارث أنه قبض ما على الناس من تركة والده ثم ادعى على رجل ديناً تسمع دعواه. منح عن الخانية. وصيّ الميت إذا دفع ما كان في يده من تركة الميت إلى ولد الميت وأشهد الولد على نفسه أنه قبض الترکة ولم يبق من ترکة والده قليل ولا کثیر إلا قد استوفاه ثم ادعى في ید الوصي شيئاً وقال من تركة والدي وأقام على ذلك بينة قبلت بيته. قلت: ووجه قبولها أن إقرار الولد لم يتضمن إبراء شخص معين، وكذا إقرار الوارث بقبضه جميع ما على الناس ليس فيه إبراء، ولو تنزلنا للبراءة فهي غير صحيحة في الأعيان. شرح وهبانية للشرنبلالي. وفيه نظر لأن عدم صحتها معناه: أن لا تصير ملكاً للمدعى عليه، وإلا فالدعوى لا تسمع كما يأتي في الصلح. قوله: (ثم ظهر في يد وصيه) هذا إنما يظهر في مسألة الوصي لا في غيرها، فلو ساق المصنف بتمامه إلى. قوله: (وقت الصلح) ثم يقول أو ادعى في يد الوصي شيئاً وقال هذا من تركة والدي أو ادعى على رجل ديناً لوالده تسمع دعواه فيما ذكر لكان أنسب، فتأمل. قوله: (لم يكن وقت الصلح) أي لم يذكر. قوله: (وتحققه) المراد أنه أثبته، وإلا فتحققه من غير إثبات لا يعتبر. قوله: (تسمع دعوى حصته منه على الأصح) قال في الدرر: وفي المنتقى إذا دفع الوصيّ إلی الیتیم ماله بعد البلوغ فأشهد الیتیم على نفسه أنه قبض جميع ترکة والده ولم يبق له من تركة والده قليل أو كثير إلا وقد استوفاه ثم ادعى شيئاً في يد الوصي وقال هو من تركة أبي وأقام البينة قبلت بينته، وكذا لو أقر الوارث أنه قد استوفى جميع ما ترك والده من الدين على الناس ثم ادعى ديناً على رجل تسمع دعواه انتهى. قال الشرنبلالي: وصحة دعواه به لعدم ما يمنع منها، لأن إشهاده أنه قبض جميع تركة والده الخ ليس فيه إبراء المعلوم عن معلوم ولا عن مجهول، فهو إقرار مجرد لا يستلزم إبراء فليس مانعاً من دعواه، ثم قال: وكذلك الحكم في إقرار الوارث أنه استوفى ٢٦٩ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض صلح البزازية ولا تناقض لحمل قوله لم يبق لي حق: أي مما قبضته. على أن الإبراء عن الأعيان باطل، وحينئذ فالوجه عدم صحة البراءة، دين والده، فلا يمنع هذا الإقرار دعوى الوارث بدين لمورثه على خصم له، لأنه إقرار غير صحيح لعدم إبراثه شخصاً معيناً أو قبيلة معينة، وهم يحصون، وهذا بخلاف الإباحة لكل من يأكل شيئاً من ثمرة بستانه فإنه يجوز، وبه يفتى، وبخلاف الإبراء عن مجهول لمعلوم فإنه صحيح كقول زيد لعمرو حاللني من كل حق لك عليّ ففعل برىء مما علم ومما لم یعلم، وبه يفتی ا هـ. قال في الخزانة: رجل قال لآخر حاللني من كل حق لك عليّ: إن كان صاحب الحق عالماً بما عليه برىء المديون حكماً وديانة، وإن لم يكن عالماً بما عليه برىء حكماً لا ديانة في قول محمد. وقال أبو يوسف: يبرأ حكماً وديانة، وعليه الفتوى ا هـ قبل. وإن لم تسمع الدعوى لا يحلف لأن اليمين فرع الدعوى، إلا أن يدعي عدم صحة إقراره بأن قال كنت مكرهاً في إقراري أو كذبت فيه فإنه يحلف المقر له فقولهم لعدم صحة الدعوى وعدم التحليف بعد الإبراء العام إنما هو فيما إذا لم يقع النزاع في نفس الإقرار الذي تبتني عليه الدعوى واليمين. تأمل. ولا تغفل عند الفتوى فإنه بحث بعضهم معي في ذلك انتهى. حموي. قوله: (صلح البزازية) عبارتها: قال تاج الإسلام وبخط شيخ الإسلام وجدته: صالح أحد الورثة وأبرأ إبراء عاماً ثم ظهر في التركة شيء لم يكن وقت الصلح لا رواية في جواز الدعوى، ولقائل أن يقول: تجوز دعوى حصته منه، وهو الأصح، ولقائل أن يقول لا انتهت. قوله: (ولا تناقض) هذا وارد على ما إذا قال الوارث للوصي قبضت تركة والدي ولم يبق لي حق من تركة والدي لا قليل، ولا كثير، وحاصل الإبراء كما في المنح وأصله لابن وهبان أن قولهم النكرة في سياق النفي تعم انتقض، لأن قوله ولم يبق لي حق نكرة في سياق النفي، فعلى مقتضى القاعدة لا يصح دعواه بعد ذلك لتناقضه، والمتناقض لا تقبل دعواه ولا بينته، ثم أجاب بما ذكره المؤلف ط. قوله: (على أن الإبراء عن الأعيان باطل) أي الصادر من الوارث للوصي، والمعنى: لو أبقينا عموم النكرة لا يصح لما ذكره، وظاهر هذا، ولو ذكرت وقت الصلح حيث كان الصلح عنها نفسها لا عن بدلها مستهلكة، لأن الإبراء يشمل الدراهم والدنانير التي في يد الموصي أو باقي الورثة، إذ هي أعيان والدين ما يكون ثابتاً في الذمة. أقول: وكما أن الإبراء عن الأعيان باطل، فكذا إجازة تلف المتلفات. قال في الوجيز من الدعوی: أتلف مال إنسان ثم قال المالك رضیت بما صنعت وأجزت ما صنعت لا يبرأ اهـ. وأما الإبراء عن دعوى الأعيان فصحيح، ولوارثاً كما في البزازية عن العدة. وقول المصنف: في الصلح أو الإبراء عن دعوى الباقي صريح في ذلك، وقول ٢٧٠ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض كما أفاده ابن الشحنة واعتمده الشرنبلالي، الشارح ثمة، وظاهر الرواية الصحة مطلقاً يفيد صحة البراءة عن الأعيان، ثم حققه بحمل بطلان الإبراء عن الأعيان على بطلانه في الديانة، وقيد في البحر بطلان الإبراء عن الأعيان بالإنشاء، أما لو على وجه الإخبار، كهو بريء مما لي قبله فهو صحيح متناول للدين والعين، وكذا لا ملك لي في هذا العين. وفي المبسوط: ويدخل في لا حق لي قبل فلان كل عين أو دين، وكل كفالة أو إجارة أو جناية أو حد. ثم قال شيخنا: وقوله لا حق لي ونحوه ليس من الإبراء بل إقرار. ثم نقل عن الفواكه البدرية ما نصه: أبرأ مطلقاً أو أقر أنه لا يستحق عليه شيئاً ثم ظهر أن المقر له كان مشغول الذمة بتركة أبي المقر ولم يعلم المقر بذلك ولا بموت أبيه إلا بعد الإقرار أو الإبراء عمل الإبراء والإقرار عمله ولا يعذر المقر كما قدمناه. أقول إنما لم يفرق بين الإنشاء والإخبار لأنه الصحيح وظاهر الرواية وفيه قطع النزاع، وقد تعورف من القضاة العمل عليه، وقوله ليس من الإبراء يرده قول البزازية: اتفقت الروايات على أن المدعي لو قال لا دعوى لي أو لا خصومة لي قبل فلان يصح ولا تسمع دعواه إلا في حق حادث بعد الإبراء ا هـ. وسيأتي تمامه قريباً إن شاء الله تعالى. قوله: (كما أفاده ابن الشحنة) لعله في غير هذا المحل، فإنه لم يذكره هنا عند ذكر هذه المسألة ط. قوله: (واعتمده الشرنبلالي) أي في حاشية الدرر وشرح الوهبانية: وعبارته في الشرح بعد نقل ما قدمنا عن المنتقى عازياً لقاضيخان. فإن قلت: إن إقرار الولد لم يتضمن إبراء شخص معين، وكذا إقرار الوارث بقبضه جميع ما على الناس ليس فيه إبراء فتقبل دعواه، ولو تنزلنا للبراءة فهي غير صحيحة في الأعيان، فإن الإبراء عن الأعيان لا يصح، بخلاف البراءة عن دعواه. ويعلم بهذا أن لا نقض على قول أئمتنا النكرة في سياق النفي تعم. وإيراد صاحب عقد الفرائض أن هذه المسألة انقضاء عليها لظنه أنه من قبيل الإبراء وليس كذلك، فلا احتياج لما تكلفه الشارح أيضاً من الجواب. وقد قال: إنه ظهر له أن الوجه عدم صحة البراءة وهو كذلك، وهذا ملخصه اهـ. وللشرنبلالي رسالة سماها [تنقيح الأحكام في الإقرار والإبراء الخاص والعام] أجاب فيها بأن البراءة العامة بين الوارثين مانعة من دعوى شيء سابق عليها عيناً كان أو ديناً بميراث أو غيره، وحقق ذلك بأن البراءة إما عامة كلا حق أو لا دعوى أو لا خصومة لي قبل فلان أو هو بريء من حقي أو لا دعوى لي عليه أو لا تعلق لي عليه أو لا أستحق عليه شيئاً أو أبرأته من حقي أو مما لي قبله، وإما خاصة بدين خاص كأبرأته من دين كذا أو عام كأبرأته مما لي عليه فيبرأ عن كل دين دون العين، وإما خاصة بعين فتصح لنفي الضمان لا الدعوى فيدعي بها على المخاطب وغيره، وإن كان عن دعواها فهو صحيح كما علمت. ٢٧١ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض ثم إن الإبراء لشخص مجهول لا يصح، وإن لمعلوم صح ولو بمجهول، فقوله قبضت تركة مورثي كلها أو كل من لي عليه شيء أو دين فهو بريء ليس إبراء عاماً ولا خاصاً، بل هو إقرار مجرد لا يمنع من الدعوى، لما في المحيط قال: لا دين لي على أحد ثم ادعی علی رجل دیناً صح لاحتمال وجوبه بعد الإقرار ا هـ. أقول: لكن فيه أن هذا الاحتمال يصدق في الدعاوى كلها أو أكثرها بعد الإبراء العام مع أنها لا تسمع. والصواب التعليل بعدم صحة الإبراء للمجهول. تأمل. وفيه أيضاً: وقوله هو بريء مما لي عنده إخبار عن ثبوت البراءة لا إنشاء. وفي الخلاصة: لا حق لي قبله، فيدخل فيه كل عين ودين وكفالة وإجارة وجناية وحدا هـ. وفي الأصل: فلا يدعي إرثاً ولا كفالة نفس أو مال ولا ديناً أو مضاربة أو شركة أو وديعة أو ميراثاً أو داراً أو عبداً أو شيئاً من الأشياء حادثاً بعد البراءة اهـ. فما في شرح المنظومة عن المحيط: أبرأ أحد الورثة الباقي ثم ادعى التركة وأنكر وإلا تسمع دعواه، وإن أقروا بالتركة أمروا بالرد عليه اهـ. ظاهر فيما إذا لم تكن البراءة عامة لما علمته، ولما سنذكر أنه لو أبرأه عاماً ثم أقر بعده بالمال المبرا به لا يعود بعد سقوطه. وفي العمادیة؛ قال ذو اليد ليس هذا لي أو ليس ملكي أو لا حق لي فيه أو نحو ذلك ولا منازع له حينئذ ثم ادعاه أحد فقال ذو اليد هو لي فالقول له، لأن الإقرار لمجهول باطل، والتناقض إنما يمنع إذا تضمن إبطال حق على أحد اهـ. ومثله في الفيض وخزانة المفتين. فبهذا علمت الفرق بين أبرأتك أو لا حق لي قبلك وبين قبضت تركة مورثي أو كل من عليه دين فهو بريء ولم يخاطب معيناً، وعلمت بطلان فتوى بعض أهل زماننا بأن إبراء الوارث وارثاً آخر إبراء عاماً لا يمنع من دعوى شيء من التركة. وأما عبارة البزازية: أي التي قدمناها فأصلها معزوّ إلى المحيط، وفيه نظر ظاهر، ومع ذلك لم يقيد الإبراء بكونه لمعين أو لا، وقد علمت اختلاف الحكم في ذلك. ثم إن كان المراد به اجتماع الصلح المذكور في المتون والشروح في مسألة التخارج مع البراءة العامة لمعين فلا يصح أن يقال فيه لا رواية فيه. كيف وقد قال قاضيخان: اتفقت الروايات على أنه لا تسمع الدعوى بعده إلا في حادث، وإن كان المراد به الصلح والإبراء بنحو قوله قبضت تركة مورثي ولم يبق لي فيها حق إلا استوفيته فلا يصح قوله لا رواية فيه أيضاً لما قدمنا من النصوص على صحة دعواه بعده. واتفقت الروايات على صحة دعوى ذي اليد المقرّ بأن لا ملك له في هذا العين عند عدم المنازع. والذي يتراءى أن المراد من تلك العبارة الإبراء لغير معين مع ما فيه. ولو سلمنا أن المراد به المعين وقطعنا النظر عن اتفاق الروايات على منعه من ٢٧٢ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض الدعوى بعده فهو مباين لما في المحيط عن المبسوط والأصل والجامع الكبير ومشهور الفتاوى المعتمدة كالخانية والخلاصة فيقدم ما فيها ولا يعدل عنها إليه. وأما في الأشباه والبحر عن القنية: افترق الزوجان وأبرأ كل صاحبه عن جميع الدعاوى وللزوج أعيان قائمة لا تبرأ المرأة منها، وله الدعوى لأن الإبراء إنما ينصرف إلى الديون لا الأعيان اهـ. فمحمول على حصوله بصيغة خاصة كقوله أبرأتها عن جميع الدعاوى مما لي عليها، فيختص بالديون فقط لكونه مقيداً بمالي عليها، ويؤيده التعليل، ولو بقي على ظاهره فلا يعدل عن كلام المبسوط والمحيط وكافي الحاكم المصرح بعموم البراءة لكل من أبراء إبراء عاماً إلى ما في القنية اهـ. هذا حاصل ما ذكره الشرنبلالي في رسالته المذكورة، ومن رام الزيادة فليرجع إليها. قال الشارح في شرحه على الملتقى: وأما لو قال أبرأتك عنها أو عن خصومتي فيها فإنه باطل، وله أن يخاصم؛ كما لو قال لمن بيده عبد برئت منه فإنه يبرأ، ولو قال أبرأتك لا لأنه أبرأه عن ضمانه كما في الأشباه من أحكام الدين. قلت: ففرقوا بين أبرأتك وبرئت وأنا بريء لإضافة البراءة لنفسه فتعم، بخلاف أبرأتك لأنه خطاب الواحد فله مخاصمة غيره كما في حاشيتها معزياً للولوالجية. ومن المهم ما في العمادية من الفصل السابع عن دعوى الخانية: اتفقت الروايات أن قوله لا دعوى لي قبل فلان أو لا خصومة لي قبله یمنع الدعوى، إلا في حق حادث بعد البراءة كقوله برئت من هذا العبد أو خرجت منه أو لا ملك لي فيه فإنه يمنع دعواه اهـ. قوله لا حق لي قبله فإنه يعم كل عين ودين وكفالة وغيرها مطلقاً، لأن لا حق نكرة في النفي والنكرة في النفي تعم. كذا أطلقه محشي الأشباه وغيره. قلت: وهذا قضاء إلا المهر على ما قدمناه قبيل الصلح، فتأمل. وكما لو أبرأه عن الدعاوى فإنه يعم كلها، إلا إذا ادعى مالاً إرثاً عن أبيه ولم يعلم بموته وقت الإبراء تسمع دعواه، لا إن علم كما في البزازية من الرابع عشر في دعوى الإبراء، ووقع فيها (١) بكراس وفي غيرها بترك جواب الشرط فليتنبه لذلك. كذا أفاده الحانوتي في فتاويه. وذكر أن معنى الإبراء العام أن يكون للعموم مطلقاً لا بقيد تركته أو تركتها فلا يحتاج لما استثناه في الأشباه لأنه مخصص بتركة والده، وقد قدمنا عدم سماعها ولو بالإرث حيث علم بموت مورثه، إلا أن تخص المسألة المستثناة مبسألة الوصي دون الوارث، فتأمل. قال: وذلك كله حيث لم تكن البراءة والإقرار بعد دعوى بشيء خاص ولم يعمم بأن يقول أية دعوة (١) في ط (قوله ووقع فيها الخ) هكذا بالأصل. ٢٧٣ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض كانت أو ما يفيد ذلك، لما في البزازية أيضاً بعد قوله السابق. قوله: وفي المنية: ادعى عليه دعاوى معينة ثم صالحه وأقر أنه لا دعوى له عليه ثم ادعى عليه حقاً تسمع، وحمل إقراره على الدعوى الأولى، إلا إذا عمم وقال أية دعوة كانت، ونحوه كلا خصومة بوجه من الوجوه كما ذكره في الصلح: أي ونحوه مما يفيد العموم زائداً على قوله لا دعوى له، وبهذا الحل اضمحلّ توهم تناقض كلامهم، لأن من صرح بعدم سماعها بعد الإبراء العام المطلق صرح بسماعها بعد إبراء الوارث وغيره، لكن في محال مختلفة، وبهذا صارت مؤتلفة وبالله التوفيق. انتهى ما في شرح الملتقى. وقدمنا قبيل الإقرار عند قوله والتناقض في موضع الخفاء عفو خلاصة ما حرره سيدي الوالد رحمه الله تعالى في رسالته [إعلام الأعلام بأحكام الإبراء العام] التي وفق فيها بين عبارات متعارضة، ودفع ما فيها من المناقضة، فارجع إليها فإنها مفيدة في بابها، كافية لطلابها. والذي تحرر فيها في خصوص مسألتنا: أن الابن إذا أشهد على نفسه أنه قبض من وصیه جمیع ترکة والده ولم يبق له منها قليل ولا کثیر إلا استوفاه ثم ادعى داراً في يد الوصي وقال هذه من تركة والدي تركها ميراثاً لي ولم أقبضها فهو على حجته، وتقبل بينته كما نص عليه في آخر أحكام الصغار للأستروشني معزياً للمنتقى، وكذا في الفصل الثامن والعشرين من جامع الفصولين، وكذا في أدب الأوصياء في كتاب الدعوى معزياً إلى المنتقى والخانية والعتابية مصرحين بإقرار الصبي بقبضه من الوصي، فليس إلا إقرار المجهول كما ادعاه الشرنبلالي. وثمن نص على ذلك التصريح أيضاً العلامة ابن الشحنة في شرح الوهبانية وذكر الجواب عن مخالفة هذا الفرع لما أطبقوا عليه من عدم سماع الدعوى بعد الإبراء العام بأن الظاهر أنه استحسان. ووجهه أن الابن لا يعرف ما تركه أبوه على وجه التفصيل غالباً، فاستحسنوا سماع دعواه اهـ. ولهذا جعل صاحب الأشباه المسألة مستثناة من ذلك العموم الذي أطبقوا عليه، وهذا بخلاف إقرار بعض الورثة بقبض ميراثه من بقية الورثة وإبرائه لهم فإنه لا تسمع دعواه، خلافاً لما أفتى به الخير الرملي مستنداً إلى ما لا يدل له کما أوضحه سيدي الوالد رحمه الله تعالى في رسالته المذكورة، فلا يعدل عما قالوه لعدم النص في ذلك. فالحاصل: الفرق بين إقرار الابن للوصي وبين إقرار بعض الورثة للبعض، لما في البزازية عن المحيط: لو أبرأ أحد الورثة الباقي ثم ادعى التركة وأنكروا لا تسمع دعواه، وإن أقروا بالتركة أمروا بالرد عليه اهـ. ووجه الفرق بينهما أن الوصي هو الذي يتصرف في مال اليتيم بلا اطلاعه، فيعذر ٢٧٤ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض وسنحققه في الصلح (أقر) رجل (بمال في صك وأشهد عليه) به (ثم ادعى أن بعض هذا المال) المقر به (قرض وبعضه ربا عليه، فإن أقام على ذلك بينة تقبل) وإن كان متناقضاً لأنا نعلم أنه مضطر إلى هذا لإقرار. شرح وهبانية. قلت: وحرر شارحها الشرنبلالي أنه لا يفتى بهذا الفرع لأنه لا عذر لمن أقر، غايته أن يقال: بأنه يحلف المقر له على قول أبي يوسف المختار للفتوى في هذه ونحوها اهـ. قلت: وبه جزم المصنف فيمن أقر، فتدبر. إذا بلغ وأقر بالاستيفاء منه لجهله، بخلاف بقية الورثة فإنهم لا تنصرف لهم في ماله ولا في شيء من التركة إلا باطلاع وصيه القائم مقامه فلم يعذر بالتناقض، ومن أراد زيادة بيان ورفع الجهالة فعليه بتلك الرسالة ففيها الكفاية لذوي الدراية، وبه علم أن ما كان ينبغي للمصنف أن يذكر ما في البزازية متناً، وأما ما سيجيء آخر الصلح فليس فيه إبراء عام، وأما الأمر بالرد فقد بينا وجهه قريباً فلا تنسه، فتدبر. قوله: (وسنحققه في الصلح) كان عليه أن يقول: وسنحقق خلافه، لأن جعل الإبراء عن الأعيان مبطلًا لدعواها قضاء، وقد علمت أنه ليس فيه إبراء عام. قوله: (ربا عليه) أي على القرض. قوله: (شرح وهبانية) أي لابن الشحنة، ومثله في القنية معزياً لعبد القادر في الطبقات عن علاء الدین، وبه أفتى في الحامدية والخير الرملي في فتاويه الخيرية من الدعوى. قوله: (قلت وحرر الخ) أقول: يتعين الإفتاء بالمنقول؛ لأنه مضطر، فلا يرد لا عذر لمن أقر لا سيما وقد علمت أنه أفتى بالمتن هؤلاء الأجلاء المتأخرون. قوله: (لأنه لا عذر لمن أقر) فيه أن اضطراره إلى هذا الإقرار عذر. قوله: (غايته أن يقال الخ) ولأنه لا يتأتى على قول الإمام لأنه يقول بلزوم المال ولا يقبل تفسيره وصل أو فصل. وعندهما: إن وصل قبل وإلا فلا، ولفظة (ثم)) تفيد الفصل فلا يقبل اتفاقاً. شرنبلالي. وقد ضمن يقال معنى يفتى فعداه بالباء ط. وحاصل ما يقال من تحرير الشرنبلالي: أنه لا فائدة لدعواه أن بعض المقرّ به ربا إلا تحليف المقر له بناء على قول الثاني إذا ادعى أنه أقر كاذباً يحلف المقر له، وهذه المسألة من أفرادها فلذا قال في هذه ونحوها: ولقد أبعد من حمل قول أبي يوسف على الضرورة فقط كما في هذه المسألة كما مر قبيل استثناء، ولا تنس ما قدمناه في شتى القضاء فتحصل أن المفتى به هو المقول الذي مشى عليه المصنف. قوله: (بأنه يحلف المقر له) على أنه لم يكن بعضه ربا بل كله دين ثابت في ذمته شرعاً. قوله: (وبه) أي بقول أبي يوسف فيمن أقر: أي قبيل الاستثناء، وفي بعض النسخ فيما مر. قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى: ويمكن التوفيق بين الكلامين بأن يقال: إن قامت البينة على إقراره بالمال ينبغي أن لا تسمع دعواه أن بعضه ربا، وإن قامت على أن بعضه ٢٧٥ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض (أقر بعد الدخول) من هنا إلى كتاب الصلح ثالث في نسخ المتن ساقط من نسخ الشرح (أنه طلقها قبل الدخول لزمه مهر) بالدخول (ونصف) بالإقرار. (أقر المشروط له الربع) أو بعضه (أنه) أي ريع الوقف (يستحقه فلان دونه صح) وسقط حقه ربا تقبل، فتأمل. قوله: (من نسخ الشرح) أي المنح. قوله: (لزمه مهر بالدخول) فيه أن إقراره بعد الدخول أنه طلقها قبل الدخول إقرار بالزنا، وليس فيه شبهة دارئة للحد، لا شبهة فعل ولا شبهة محل ولا شبهة عقد، إذا لم تذكر الموطوءة بعد الطلاق قبل الدخول في واحدة منها ولا عدة عليها فكيف يلزمه المهر، وقد تتبعت المجمع وغيره فلم أر فيه سوى مسألة واحدة في فصل المهر وهي: لو أزال عذرتها بدفع وطلقها قبل الدخول فعليه نصفه، وأفتی بکله. وفي متن المواهب أخرى وتقدمت هنا في باب العدة وهي: لو أقر بطلاقها منذ سنين فكذبته أو قالت لا أدري تعتد من وقت الإقرار وتستحق النفقة والسكنى، وإن صدقته اعتدت من حين الطلاق. وقيل الفتوى على وجوبها من وقت الإقرار بلا نفقة اهـ. قال الشارح: غير أنه إن وطئها لزمه مهران، ولا نفقة ولا كسوة ولا سكنى لها لقبول قولها على نفسها. خانية. قال: ثم لو وطئها حدّ: أي بعد الثبوت والظهور. وأفاد في البحر أنه بعد العدة لعدم الحد بوطء المعتدة اهـ. فتأمل وراجع. وقد يقال: إنما سقط الحد هنا لعدم الإقرار بالزنا أربعاً صريحاً، فتأمل. قوله: (وسقط حقه) قيل عليه الإقرار على الراجح إخبار، وبنوا عليه أنه إذا أقر بشيء ولم يكن مطابقاً لنفس الأمر لا يحل للمقر له أخذه، فغاية ما حصل بالإقرار المؤاخذة به ظاهراً، والسؤال إنما هو عن سقوط الحق حقيقة فأين هذا من ذاك؟ لكن الإقرار باستحقاق فلان الربع لا يستلزم الإقرار بكونه هو الموقوف علیه كما قد یتوهم، كما يأتي تتمته قريباً مع بيان ما فيه عند قوله: ولو كتاب الوقف بخلافه. قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى. قوله ((وسقط حقه)) الظاهر أن المراد سقوطه ظاهراً، فإذا لم يكن مطابقاً للواقع لا يحل للمقر له أخذه: ثم إن هذا السقوط ما دام حياً، فإذا مات عاد على ما شرط الواقف. قال السائحاني في مجموعته: وفي الخصاف قال المقر له بالغلة عشر سنوات من اليوم لزيد، فإن مضت رجعت للمقر له، فإن مات المقر له أو المقر قبل مضيها ترجع الغلة على شرط الواقف، فكأنه صرح ببطلان المصادقة بمضيّ المدة أو موت المقر. وفي الخصاف أيضاً: رجل وقف علی زید وولده ثم للمساکین فأقر زيد به وبأنه على بكر ثم مات زيد بطل إقراره لبكر. ٢٧٦ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض ولو كتاب الوقف بخلافه وفي الحامدية: إذا تصادق جماعة الوقف ثم مات أحدهم عن ولد فهل تبطل مصادقة الميت في حقه؟ الجواب: نعم. ويظهر لي من هذا أن من منع عن استحقاقه بمضي المدة الطويلة إذا مات فولده يأخذ ما شرطه الواقف له؛ لأن الترك لا يزيد على صريح المصادقة، ولأن الولد لم يتملكه من أبيه وإنما تملكه من الواقف اهـ. أقول: اغتر كثيراً بهذا الإطلاق وأفتوا بسقوط الحق بمجرد الإقرار. والحق الصواب أن السقوط مقيد بقيود يعرفها الفقيه. قال العلامة الكبير الخصاف: أقر فقال غلة هذه الصدقة لفلان دوني ودون الناس جميعاً بأمر حق واجب ثابت لازم عرفته ولزمني الإقرار له بذلك، قال أصدقه على نفسه وألزم ما أقر به ما دام حياً، فإذا مات ردت الغلة إلى من جعلها الواقف له؛ لأنه لما قال ذلك جعلته كأن الواقف هو الذي جعل ذلك للمقر له. وعلله أيضاً بقوله لجواز أن الواقف قال إن له أن یزید وینقص وأن يخرج وأن يدخل مکانه من رأی فیصدق زید علی حقه ا هـ. أقول: يؤخذ من هذا أنه لو علم القاضي أن المقر إنما أقر بذلك لأخذ شيء من المال من المقر له عوضاً عن ذلك لكي يستبد بالوقف أن ذلك الإقرار غير معمول به، لأنه إقرار خال عما يوجب تصحيحه مما قاله الإمام الخصاف وهو الإقرار في زماننا فتأمله، ولا حول ولا قوة إلا بالله بيري، أي لو علم أنه جعله لغيره ابتداء لا يصح كما تقدم في الوقف . ٠ أقول: وإنما قال أصدقه على نفسه الخ لأنه إذا كان الوقف على زيد وأولاده ونسله ثم على الفقراء فأقر زيد بأن الوقف عليهم وعلى هذا الرجل لا يصدق على ولده ونسله في إدخال النقص عليهم، بل تقسم الغلة على زيد وعلى من كان موجوداً من ولده ونسله، فما أصاب زيداً منها كان بينه وبين المقر له ما دام زيد حياً، فإذا مات بطل إقراره ولم يكن للمقر له حق؛ وإن كان الوقف على زيد ثم من بعده على الفقراء فأقر زيد بهذا الإقرار لهذا الرجل شاركه الرجل في الغلة ما دام حياً، فإذا مات زيد كانت للفقراء ولم يصدق زيد عليهم؛ وإن مات الرجل المقر له وزيد حيّ فنصف الغلة للفقراء والنصف لزيد، فإذا مات زيد صارت الغلة كلها للفقراء ا هـ خصاف ملخصاً. وتمام الكلام على ذلك في التنقيح لسيدي الوالد رحمه الله تعالى مع فوائد نفيسة، وقد مر في الوقف فراجعه. قوله: (ولو كتاب الوقف بخلافه) حملاً على أن الواقف رجع عما شرطه وشرط ما أقر به المقر ذكره الخصاف في باب مستقل. أشباه. أقول: لم أر شيئاً منه في ذلك الباب، وإنما الذي فيه ما نقله البيري آنفاً، وليس فيه ٤٠ ٢٧٧ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض (ولو جعله لغيره) أو أسقطه لا لأحد (لم يصح التعليل بأنه رجع عما شرطه، ولذا قال الحموي: إنه مشكل لأن الوقف إذا لزم لزم ما في ضمنه من الشروط إلا أن يخرج على قول الإمام بعدم لزومه قبل الحكم ويحمل كلامه على وقف لم يسجل ا هـ ملخصاً. قلت: ويؤيده ما مر عن الدرر قبيل قول المصنف اتحد الواقف والجهة، وهذا التأويل يحتاج إليه بعد ثبوت النقل عن الخصاف والله تعالى أعلم. والإقرار باستحقاق فلان الربع لا يستلزم الإقرار بكونه هو الموقوف عليه حقيقة كما قد يتوهم، ويصح الإقرار مع كون المقر هو الموقوف عليه؛ ألا ترى أن الوقف لو كان بستاناً وقد أثمر فأقر الموقوف عليه بأن زيداً هو المستحق لهذه الثمرة صح الإقرار بطريق أنه باعه تلك الثمرة، أما جعلها له بطريق التملیك فلا یملکه لکونه تملیك الثمر بدون الشجر، إذا الاتصال بملك الواهب مخل بالقبض الذي هو شرط تمام التمليك ا هـ. قال الحموي: وفيه تأمل. وجهه أن بين ثمرة البستاني وربع الوقف فرقاً، وهو أن الثمرة عين موجودة يمكن قسمتها وتناولها، فالإقرار به للغير يحمل على التمليك بطريق البيع وهو صحيح مطلقاً، وجعلها للغير تمليك لا بطريق البيع بل بطريق الهبة، وهبة المشاع قبل قسمته باطلة. وأما ريع الوقف فهو ما يخرج منه من أجرة وغيرها، فالإقرار بها للغير لا يكون بطريق البيع. قوله: (ولو جعله لغيره) بأن أنشأ الجعل من غير إسقاط لتحسن المقابلة بينه وبين. قوله ((أو أسقطه الخ)) لأنه إسقاط لمجهول فلا يسقط حقه. قوله: (لم يصح) أي لا يصح أن يصير لغيره، لأن تصحيح الإقرار إنما هو معاملة له بإقراره على نفسه من حيث ظاهر الحال تصديقاً له في إخباره مع إمكان تصحيه حملاً أن الواقف هو الذي جعل ذلك للمقر له كما مر. أما إذا قال المشروط له الغلة أو النظر جعلت ذلك لفلان لا يصح لأنه ليس له ولاية إنشاء ذلك من تلقاء نفسه، وفرق بين الإخبار والإنشاء. نعم لو جعل النظر لغيره في مرض موته يصح إذا لم يخالف شرط الواقف لأنه يصير وصياً عنه، وكذا لو فرغ عنه لغيره وقرر القاضي ذلك الغير يصح أيضاً لأنه يملك عزل نفسه، والفراغ عزل، ولا يصير المفروغ له ناظراً بمجرد الفراغ بل لا بد من تقرير القاضي كما تحرر سابقاً، فإذا قرر القاضي المفروغ له صار ناظراً بالتقرير لا بمجرد الفراغ، وهذا غير الجعل المذكور هنا، فافهم. وأما جعل الريع لغيره فقال ط: إن كان الجعل بمعنى التبرّع لغيره بأن يوكله ليقبضه ثم يأخذه لنفسه فلا شبهة في صحة التبرع به، وإن كان بمعنى الإسقاط فقال في الخانية: إن الاستحقاق المشروط كإرث لا يسقط بالإسقاط اهـ. .٢٧٨ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض وكذا المشروط له النظر على هذا) كما مر في الوقف، قلت: ما عزاه للخانية الله أعلم بثبوته فراجعها. نعم المنقول في الخانية ما سيأتي، وقد فرق في الأشباه في بحث ما يقبل الإسقاط من الحقوق بين إسقاطه لمعين ولغير معين، وذكر ذلك في جملة مسائل كثر السؤال عنها ولم يجد فيها نقلاً فقال: إذا أسقط المشروط له الريع حقه لا لأحد لا يسقط كما فهمه الطرسوسي، بخلاف ما إذا أسقط حقه لغيره انتهى: أي فإنه يسقط، لكنه ذكر أنه لا يسقط مطلقاً في رسالته المؤلفة في بيان ما يسقط من الحقوق وما لا يسقط أخذاً مما في شهادات الخانية: من كان فقيراً من أصحاب المدرسة يكون مستحقاً للوقف استحقاقاً لا يبطل بإبطاله، فلو قال أبطلت حقي كان له أن يأخذه انتهى. قلت: لكن لا يخفى أن ما في الخانية إسقاط لا لأحد. نعم ينبغي عدم الفرق إذ الموقوف عليه الريع إنما يستحقه بشرط الواقف، فإذا قال أسقطت حقي منه لفلان أو جعلته له يكون مخالفاً لشرط الواقف حيث أدخل في وقفه ما لم يرضه الواقف لأن هذا إنشاء استحقاق، بخلاف إقراره بأنه يستحقه فلان فإنه إخبار يمكن تصحيحه كما مر. ثم رأيت الخير الرملي أفتى بذلك، وقال بعد نقل ما في شهادات الخانية: وهذا في وقف المدرسة فكيف في الوقف على الذرية المستحقين بشرط الواقف من غير توقف على تقرير الحاكم، وقد صرحوا بأن شرط الواقف كنص الشارع فأشبه الإرث في عدم قبوله الإسقاط، وقد وقع لبعضهم في هذه المسألة كلام يجب أن يحذر انتهى. فإن قلت: إذا أقر المشروط له الربع أو بعضه أنه لا حق له فيه وأنه يستحقه فلان هل يسقط حقه؟ قلت: نعم، ولو کان مكتوب الوقف بخلافه كما ذكره الخصاف في باب مستقل. فرع في إقرار الإسماعيلية فيمن أقرت بأن فلاناً يستحق ريع ما يخصها من وقف كذا في مدة معلومة بمقتضى أنها قبضت منه مبلغاً معلوماً فالإقرار باطل، لأنه بيع الاستحقاق المعدوم وقت الإقرار بالمبلغ المعين، وإطلاق قولهم لو أقر المشروط له الريح أنه يستحقه فلان دونه يصح ولو جعله لغيره لم يصح يقضي ببطلانه فإن الإقرار بعوض معاوضة. قوله: (وكذا المشروط له النظر على هذا) يعني لو أقر أنه يستحقه فلان دونه صح، ولو جعله لغيره لم يصح. كذا في شرح تنوير الأذهان. فلو أقر الناظر أن فلاناً يستحق معه نصف النظر مثلاً يؤاخذ بإقراره ويشاركه فلان في وظيفته ما داما حيين. بقي لو مات أحدهما، فإن كان هو المقر فالحكم ظاهر، وهو بطلان الإقرار وانتقال النظر لمن شرطه له الواقف بعده. وأما لو مات المقر له فهي مسألة تقع كثيراً، وقد سئل عنها سيدي الوالد رحمه الله تعالى مراراً. وأجاب عنها في تنقيح الحامدية بأن الذي يقتضيه النظر بطلان الإقرار أيضاً، لكن لا تعود الحصة المقر بها إلى المقر لما مر، وإنما يوجهها ٢٧٩ كتاب الإقرار / باب إقرار المريض وذكره في الأشباه ثمة وهنا، وفي الساقط لا يعود فراجعه. (القصص المرفوعة إلى القاضي لا يؤاخذ رافعها بما كان فيها من إقرار وتناقض) لما قدمنا في القضاء أنه لا يؤاخذ بما فيها (إلا إذا أقر) بلفظه صريحاً. (قال له عليّ ألف في علمي أو فيما أعلم أو أحسب أو أظن لا شيء عليه) خلافاً للثاني في الأول. قلنا: هي للشك عرفاً. نعم لو قال قد علمت لزمه اتفاقاً. القاضي للمقر أو لمن أراد من أهل الوقف، لأنا صححنا إقراره حملاً على أن الواقف هو الذي جعل ذلك للمقر له كما مر عن الخصاف، فيصير كأنه جعل النظر لاثنين ليس لأحدهما الانفراد. وإذا مات أحدهما أقام القاضي غيره، وليس للحيّ الانفراد إلا إذا أقامه القاضي كما في الإسعاف انتهى. ولا يمكن هنا القول بانتقال ما أقر به إلى المساكين كما في الإقرار بالغلة، إذا لا حق لهم في النظر وإنما حقهم في الغلة فقط، هذا ما حرره وقال: ولم أر من نبه عليه، فاغتنمه. قوله: (وذكره في الأشباه ثمة وهنا) أي عند قوله يملك الإقرار من لا يملك الإنشاء حيث قال: وعلى هذا لو أقر المشروط له الربع أنه يستحقه فلان دونه صح، ولو جعله له لم يصح اهـ. قوله: (وفي الساقط لا يعود فراجعه) عبارته هناك. قال قاضيخان في فتاويه من الشهادات في الشهادة بوقف المدرسة: إن من كان فقيراً من أهل المدرسة إلى آخر ما قدمناه قريباً. قوله: (القصص المرفوعة) في عرض حال ونحوه من المكتوب. قوله: (لا يؤاخذ) أي القاضي صاحبها بما فيها من إقرار ونحوه، لأنه لا عبرة بمجرد الخط فافهم. قوله: (في الأول) هو قوله في علمي، وظاهره أنه لا خلاف في قوله فيما أعلم مع أنه بمعناه، إذ قوله في علمي: أي معلومي. قوله: (لزمه اتفاقاً) لأن قد في مثله للتحقيق ط. قال في الكافي: من قال لفلان عليّ ألف درهم فيما أعلم أو قال في علمي لزمه المال، وقالا: لا يلزمه له أنه أثبت العلم بما أقر به فیوجب تأکیدہ کما لو قال قد علمت. ولهما أن التشكيك يبطل الإقرار، فقوله فيما أعلم يذكر للشك عرفاً فصار كقوله فيما أحسب وأظن، بخلاف قوله قد علمت لأنه للتحقيق اهـ. والحاصل: أن الشك عندنا هو التردد بين الطرفين مطلقاً كان أحدهما راجحاً أو مرجوحاً فيكون شاملاً للظن، فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم عند أهل المعقود، وغالب الظن هو الطرف الراجح الذي يكون قريبا من الجزم وفوق الظن، وهو عندهم ملحق باليقين. قال في الهندية في الباب الثاني من الإقرار: ولو قال لفلان عليّ ألف درهم فيما أعلم أو في علمي أو فيما علمت. قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى: هذا باطل کله. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: هو إقرار صحيح. وأجمعوا على أنه لو قال علمت أن لفلان عليّ ألف درهم أو قال لفلان عليّ ألف ٢٨٠ = كتاب الإقرار / باب إقرار المريض (قال غصبنا ألفاً) من فلان (ثم قال كنا عشرة أنفس) مثلاً (وادعى الغاصب) كذا في نسخ المتن، وقد علمت سقوط ذلك من نسخ الشرح، وصوابه: وادعى الطالب كما عبر به في المجمع. وقال شراحه: أي المغصوب منه (إنه هو وحده) غصبها (لزمه الألف كلها) وألزمه زفر بعشرها. قلنا: هذا الضمير. يستعمل في الواحد، والظاهر أنه يخبر بفعله دون غيره، فيكون. قوله: كنا عشرة رجوعاً فلا يصح نعم لو قال غصبناه كلنا صح اتفاقاً لأنه لا يستعمل في الواحد. (قال) رجل (أوصى أبي بثلث ماله لزيد بل لعمرو بل لبكر، فالثالث للأول وليس لغيره شيء) وقال زفر: لكل ثلثه وليس للابن شيء. قلنا: نفاذ الوصية في الثلث وقد أقر به للأول فاستحقه فلم يصح رجوعه بعد ذلك للثاني بها، بخلاف الدين لنفاذه من الكل. الكل من المجمع. فروع: أقر بشيء ثم ادعى الخطأ لم يقبل، إلا إذا أقر بالطلاق بناء على إفتاء درهم وقد علمت ذلك أن ذلك إقرار صحيح، كذا في الذخيرة: ولو قال له عليّ ألف درهم فيما أظن أو فيما ظننت أو فيما أحسب أو فيما حسبت أو فيما أرى أو فيما رأيت فهو باطل. كذا في المبسوط اهـ. وفي البزازية: وفيما علمت يلزم. وفي الخانية قال: علمي أن لفلان عليّ ألف درهم كان إقراراً في قولهم، وله عليّ ألف في شهادة فلان أو في علمه لا يلزم شيء، وبشهادة فلان أو بعلمه كان إقراراً، لأن حرف الباء للإلصاق فيقتضي وجود الملصوق به. وفي قضاء فلان القاضي أو المحكم برضانا يلزمه المال. قوله: (مثلاً) فالمراد أنه أشرك معه غيره ولو واحداً. قوله: (كذا في نسخ المتن) أي بعضها وفي بعض نسخ المتن: المغصوب منه. قوله: (وألزمه زفر بعشرها) لأنه أضاف الإقرار إلى نفسه وإلى غيره فيلزمه بحصته. قال في الكافي: وعلى هذا الخلاف لو قال أقرضنا أو أودعنا أو له علينا أو أعارنا. وعلى هذا لو قال: كنا ثلاثة أو أربعة يلزمه الثلث أو الربع ا هـ. قوله: (یستعمل في الواحد) قال تعالی ۔ إنا أرسلنا - وإنما قلنا بذلك وإن كان مجازاً لما ذكره من قوله والظاهر. قوله: (وقال زفر لكل ثلثه) لأن إقراره للأوّل صحيح، ولم يصح رجوعه بقوله بل، وصح إقراره الثاني والثالث فاستحقا وقاسه على مسألة الدين إذا أقر به هكذا. قوله: (لنفاذه من الكل) وقد تقدم قبيل إقراره المريض. قوله: (أقر بشيء ثم ادعى الخطأ لم يقبل) عزاه في المنح إلى الخانية. قال محشيه الخير الرملي: أقول: وذكر في البزازية من كتاب القسمة في الثاني من دعوى الغلط فيها: وإن ادعى أنه أخذ من حصته شيئاً بعد القسمة يبرهن عليه وإلا حلف عليه، وهذا إذا لم يقر بالاستيفاء، فإن أقر وبرهن على ذلك لا تصح الدعوى إلا على