Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
کتاب الدعوى/ باب دعوی النسب
واستحقاق عين من مشتر، ودعوى الآبق.
لا تحلیف على حق مجهول إلا في ست: إذا اتهم القاضي وصي يتيم، ومتولي
وقف، وفي رهن مجهول، ودعوى سرقة،
يبطل الحق السابق بالإقرار اللاحق، ولأن زيادة التعدي الثابتة بالبرهان حقه فلا يؤثر
الإقرار اللاحق في بطلانه ا هـ موضحاً. ط. وقدمنا الكلام عليه. قوله: (واستحقاق عين
من مشتر) فإن المشتري إذا أقر بالاستحقاق للمستحق لا يتمكن من الرجوع بالثمن على
بائعه، فإذا أقيمت عليه البينة أمكنه ذلك، وقد تقدم أنه يسوغ له الإنكار مع العلم لأجل
هذا التمكن ط. لكن قد يقال مع الإقرار كيف يكون له الرجوع. تأمل. قوله: (ودعوى
الآبق) يعني إذا ادعى على شخص أن العبد الذي عنده أبق منه، وأقر واضع اليد بذلك
فله أن يطلب البينة على ذلك لاحتمال أن الغير تملكه منه. قوله: (لا تحلیف على حق
مجهول) أي ادعى به مدع، كما لو ادعى على شريكه خيانة مبهمة لم يحلف كما في الخانية،
لكن أفتی قارىء الهداية بخلافه.
وعبارته: سئل إذا ادعى أحد الشريكين على آخر خيانة وطلب من الحاكم يمينه هل
يلزم أو لا؟ أجاب: إذا ادعى عليه خيانة في قدر معلوم وأنکر فحلف عليه، فإن حلف
برىء، وإن نكل ثبت ما ادعاه، وإن لم يعين مقداراً فكذا الحكم، لكن إذا نكل عن اليمين
لزمه أن يبين مقدار ما كان فيه، والقول في مقداره إلى المقر مع يمينه لأن نكوله كالإقرار
بشيء مجهول، والبيان في مقداره إلى المقر مع يمينه إلا أن يقيم خصمه بينة على الأكثر،
ومثله المضارب مع رب المال. قوله: (إذا اتهم القاضي وصي يتيم ومتولي وقف) ولم يدع
عليه شيئاً معلوماً فإنه يحلف نظراً لليتم والوقف. حموي. قوله: (وفي رهن مجهول) أي لو
ادعى الراهن رهناً مجهولاً: أي كثوب مثلاً فأنكر المرتهن فإنه يحلف، وقيده بعض الفضلاء
عازياً إلى القنية بما إذا ذكر المدعي قدر الدين الذي وقع به الرهن ط. قوله: (ودعوى
سرقة) أقول: فيه نظر لما نقل قاضيخان من أنه يشترط ذكر القيمة في الدعوى إذا كانت
سرقة ليعلم أنها نصاب أو لا، فأما فيما سوى ذلك فلا حاجة إلى بيانها. أبو السعود.
ولعل ذلك في حق القطع لا الضمان كما يفيده كلامه ط.
قال في جامع الفصولين: ادعى أعياناً مختلفة الجنس والنوع والصفة وذكر قيمة الكل
جملة ولم يذكر كلّا على حدة، اختلف فيه المشايخ: قيل لا بد من التفصيل، وقيل يكتفي
بالإجمال وهو الصحيح، إذ المدعي لو ادعى غصب هذه الأعيان لا يشترط لصحة دعواه
بيان القيمة، فلو ادعى أن الأعيان قائمة فيؤمر بإحضارها فتقبل البينة بحضرتها، ولو قال
إنها هالكة وبين قيمة الكل تسمع دعواه.
وفي ج: ولو ادعى أنه غصب أمته ولم يذكر قيمتها تسمع دعواه ويؤمر برد الأمة،

١٢٢
کتاب الدعوى/ باب دعوى النسب
وغصب، وخيانة مودع.
لا يحلف المدعي إذا حلف المدعى عليه إلا في مسألة في دعوى البحر. قال:
وهي غريبة يجب حفظها. أشباه.
قلت: وهي ما لو قال المغصوب منه كانت قيمة ثوبي مائة وقال الغاصب لم
ولو هالكة فالقول في قدر القيمة للغاصب فلما صح دعوى الغصب بلا بيان القيمة فلأن
يصح إذا بين قيمة الكل جملة أولى، وقيل إنما يشترط ذكر القيمة لو كانت الدعوى سرقة
ليعلم أن السرقة كانت نصاباً وفي غيرها لا يشترط ذكره الحموي، فظهر أن إيرادها في هذا
المحل في حق الضمان لا القطع كما قدمناه عن ط.قوله: (وغصب) قال في الدرر
والغرر: ولو قال غصب مني عين کذا ولا أدري أنه هالك أو قائم ولا أدري کم کانت
قيمته، وذكر في عامة الكتب أنها تسمع الدعوى لأن الإنسان ربما لا يعرف قيمة ماله،
فلو كلف بيان القيمة لتضرر. وفائدة صحة الدعوى مع هذه الجهالة الفاحشة توجه اليمين
على الخصم إذا أنكر والجبر على البيان إذا أقر ونكل عن اليمين ١ هـ. وقدمناه في الدعوى
مع ما عليه من الكلام، فراجعه. قوله: (وخيانة مودع) فإنه يحلف ما خان فيما ائتمن،
فإن حلف برىء، وإن نكل يجبر على بيان قدر ما نكل عنه، وقيل لا يستحلف حتى يقدر
شيئاً يستحلف عليه.
وذكر بعض الفضلاء: أن سماع الدعوى في مثل هذه المسائل مع الجهالة متفق عليه
إلا في دعوى الوديعة ودعوى الغصب حيث يشترط لسماعها فيهما بيان القيمة عند بعض
المشايخ ١ هـ. وينبغي زيادة دعوى السرقة كما يعلم من الحموي.
قال شمس الأئمة الحلواني: الجهالة كما تمنع قول البينة تمنع الاستحلاف، إلا إذا
اتهم القاضي وصي اليتيم الخ. وحينئذ فدعوى المجهول لا يستحلف عليها، فلو ادعى
على رجل أنه استهلك ماله وطلب التحليف من القاضي لا يحلفه، وكذا لو قال بلغني أن
فلان بن فلان أوصى لي ولا أدري قدره وأراد أن يحلف الوارث لا يجيبه القاضي، وكذا
المديون إذا قال قضيت بعض ديني ولا أدري كم قضيت أو قال نسيت قدره وأراد تحليف
الطالب لا يلتفت إليه كما في الخانية. قوله: (إلا في مسألة في دعوى البحر الخ) أي قبل
قوله ولا ترد يمين على مدع. قوله: (وهي غريبة يجب حفظها) ستأتي هذه المسألة في كتاب
الغصب، وكتب المحشي هناك على قوله فلو لم يبين فقال: الظاهر أن في النسخة خللاً،
لأنه إذا لم يبين فما تلك الزيادة التي يحلف عليها: أي على نفيها، وفي ظني أن أصل
النسخة فإن بين: يعني أنه لو بين حلف على نفي الزيادة التي هي أكثر مما بينه وأقل مما
يدعيه المالك هذا. ويبنغي أن يقارب في البيان، حتى لو بين قيمة فرس بدرهم لا يقبل

١٢٣
کتاب الدعوى/ باب دعوی النسب
أدرٍ ولكنها لا تبلغ مائة صدق بيمينه وألزم ببيانه، فلو لم يبين يحلف على الزيادة ثم
يحلف المغصوب منه أيضاً أن قيمته مائة، ولو ظهر خبر الغاصب بين أخذه أو قيمته
فلیحفظ، والله تعالى أعلم.
منه كما تقدم نظيره اهـ. وكتب على قوله هناك ولو حلف المالك أيضاً على الزيادة أخذها
لم يظهر وجهه، فليراجع اهـ. قوله: (وألزم ببيانه) لأنه أقر بقيمة مجهولة، فإن أخبر
بشيء يحلف على ما يدعيه المغصوب منه من الزيادة، فإن حلف لا يثبت ما ادعاه
المغصوب منه، وإن نكل لا يثبت أيضاً ما لم يحلف المدعي أن قيمته مائة فإن حلف أخذ
من الغاصب مائة، وقوله يحلف على ما يدعيه المغصوب منه فيه أنه حلف أولاً على ذلك،
فلو كانت هذه اليمين على ما ذكره من القيمة بأن يحلف أن قيمته ما ذكره.
وحاصله: أن يمين المدعى عليه أنها لم تكن قيمته مائة ويمين المدعي أن قيمته المائة.
قوله: (يحلف على الزيادة) أي التي يدعيها المالك، فإن حلف لا يثبت ما ادعاه المغصوب
منه، وإن نكل لا يثبت أيضاً ما لم يحلف المدعي أن قيمته مائة، وإلى هذا أشار بقوله ((ثم
يحلف المغصوب منه الخ)) والظاهر أن ثمرة هذا اليمين ثبوت الخيار له إذا ظهر. قوله:
(ثم يحلف المغصوب منه أيضاً أن قيمته مائة) فإن حلف أخذ من الغاصب مائة، لكن قد
يقال: إذا لم يبين فما تلك الزيادة التي يحلف عليها، وعليه فالأولى أن يقول فإن بين
حلف على نفي الزيادة التي هي أكثر مما بينه وأقل مما يدعيه المالك. تأمل. قوله: (ولو
ظهر) أي الثوب. قوله: (بين أخذه) أي الثوب بما دفعه من الدراهم لا بقيمة الثوب في
ذاته وإن كانت أنقص أو أزيد لأن المالك لم يرض إلا بدفعه بالمائة. قوله: (أو قيمته)
عطف على الضمير المجرور: أي أو أخذ قيمته بأن يرده ويأخذ القيمة التي دفعها.
وفي متفرقات إقرار التاترخانية: ويجبر الغاصب على البيان لأنه أقر بقيمة مجهولة وإذا
لم يبين يحلف على ما يدعي المالك من الزيادة، فإن حلف ولم يثبت ما ادعاه المالك يحلف
أن قيمته مائة، ويأخذ من الغاصب مائة فإذا أخذ ثم ظهر الثوب خير الغاصب بين أخذه
أو رده وأخذ القيمة. وحكى عن الحاكم أبي محمد العيني أنه كان يقول: ما ذكر من
تحليف المغصوب منه وأخذ المائة بثمنه من الغاصب هذا بالإنكار يصح، وكان يقول:
الصحيح في الجواب أن يجبر الغاصب على البيان، فإن أبى يقول له القاضي أكان قيمته
مائة؟ فإن قال لا، يقول أكان خمسين؟ فإن قال لا، يقول خمسة وعشرين إلى أن ينتهي إلى
ما لا تنقص عنه قيمته عرفاً وعادة فيلزمه ذلك اهـ. لكن قال بعض الفضلاء: الحصر
ممنوع لأنهما إذا اختلفا في قدر الثمن أو المبيع ولا بينة تحالفا، ولو اشترى أمة بألف
وقبضها ثم تقايلا وقبل قبضها اختلفا في قدر الثمن تحالفا؛ ولو اختلفا في الأجرة أو
المنفعة أو فيهما قبل التمكن في الدمرة تحالفا. حموي. وفيه أن كلاً منهما في هذه المسائل

١٢٤
کتاب الدعوى/ باب دعوى النسب
مدع ومدعى عليه. ط عن الطوري. ومثله في حاشية الحموي.
تذنيب برهن أنه ابن عمه لأبيه وأمه وبرهن الدافع أنه ابن عمه لأمه فقط أو على
إقرار الميت به: أي بأنه ابن عمه لأمه فقط كان دفعاً قبل القضاء بالأول لا بعده لتأكده
بالقضاء.
ادعی میراثاً بالعصوبة فدفعه أن يدعی خصمه قبل الحكم بإقراره بأنه من ذوي
الأرحام إذ يكون حينئذ متناقضاً.
ادعى قيمة جارية مستهلكة فبرهن الخصم أنها حية رأيناها في بلد كذا لا يقبل إلا أن
مجيء بها حية.
الكفيل ينصب خصماً عن الأصل بلا عكس؛ لأن القضاء على الكفيل قضاء على
الأصيل ولا عكس.
إذا اشترك الدين بين شريكين لا بجهة الإرث فأحدهما لا ينتصب خصماً عن الآخر
الکل من الدرر.
رجل غاب عن امرأته وهي بكر أو ثيب فتزوجت بزوج آخر وولدت كل سنة
ولداً: قال أبو حنيفة: الأولاد للأول. وعنه أنه رجع عن هذا وقال: لا يكون الأولاد
للأول إنما هم للثاني. وعليه الفتوى كما في الخانية. ولو ادعى عليه مهر امرأة فقال ما
تزوجها ثم ادعى الإبراء عن المهر فهو دفع مسموع إن وفق كما في القنية. وفيها: ادعى
عليه شيئاً فأمره القاضي بالمصالحة فقال لا أرضى بهذه المصالحة وتركته أصلاً فهو إسقاط
لما يدعيه عنك.
إذا قال تركته أصلاً فهو إبراء. وعنه: لو قال تركت دعواي على فلان وفوضت
أمري إلى الآخرة لا تسمع دعواه بعده.
أقول: قيد القاضي اتفاقي كما لا يخفى.
وفي الفتاوى النجدية: رجل مات فقالت امرأة لابن الميت كنت امرأة أبيك محمد إلى
يوم موته وطلبت المهر والميراث فأنكر الابن وقال اسم أبي لم يكن محمداً وإنما كان عمر،
ثم جاءت فادعت أنها امرأة أبيه عمر إلى يوم موته وطلبتهما تسمع دعواها وليس بتناقض
لجواز أن يكون له اسمان شذ تسمع إذا وفق المدعي.
أقول: وجه التوفیق بأن تقول کنت أعلم أن لأبیه اسمین فادعیت بأحدهما فلما
أنكر ادعيت بالآخر، وفهم من هذه المسألة أن تسمع الدعوى على الميت بدون اسم أبيه
ونسبه. تدبر.

١٢٥
كتاب الدعوى/ باب دعوى النسب
قال في التاترخانية في الخامس عشر من الدعوى: غلط الاسم لا يضرّ لجواز أن
یکون له اسمان، ومثله في صور المسائل عن الفتاوى الرشيدية.
وفي البزازية في السادس عشر من الاستحقاق، وكذا في الخيرية من العشر والخراج
وقدمناه عن التنقيح.
ولنختم هذا الباب بمسألة ختم بها كتاب الدعوى في الجامع الصغير، نسأل الله
حسن الخاتمة. وهي أنه إذا قالت المرأة أنها أم ولد هذا الرجل وأرادت استحلافه ليس لها
ذلك في قول أبي حنيفة، خاصة لأن أمومية الولد تابع للنسب وهو لا يرى اليمين في
النسب ١ هـ. والله تعالى أعلم، وأستغفر الله العظيم.

١٢٦
كتاب الإقرار
کِتابُ الإفْرَارِ
مناسبته أن المدعى عليه
كِتَابٌ الإفْرَارِ
ثبت بالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ أمره بالإملال، فلو لم
يقبل إقراره لما كان للإملال معنى، وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى
أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] والمراد به إقرار. زيلعي. والسنة، فقد قبل ◌َّفي إقرار ماعز
والغامدية والإجماع. فقد أجمعت الأمة على أن الإقرار حجة في حق نفسه حتى أوجبوا
الحد والقصاص بإقراره وإن لم يكن حجة في حق غيره لعدم ولايته عليه فأولى المال
والمعقول، فإن العاقل لا يقر على نفسه كاذباً فيما فيه ضرر على نفسه أو ماله فترجحت
جهة الصدق في حق نفسه لعدم التهمة وكمال الولاية اهـ. بخلاف إقراره في حق غيره.
حتى لو أقر مجهول النسب بالرق جاز ذلك على نفسه وماله ولا يصدق على أولاده
وأمهاتهم ومدبريه ومكاتبيه، بخلاف ما إذا ثبت بالبينة لأن البينة إنما تصير حجة بالقضاء
والقضاء ولاية عامة فينفذ في حق الكل. أما الإقرار فحجة بنفسه ولا يحتاج فيه إلى القضاء
فينفذ عليه وحده الخ، وقوله ولا يصدق على أولاده الخ لأنه ثبت لهم حق الحرية أو
استحقاقها فلا يصدق عليهم كما في الدرر. قوله: (مناسبته) أي للدعوى.
ووجه تأخيره عنها أن الدعوى تنقطع به فلا يحتاج بعده إلى شيء آخر، حتى إذا لم
يوجد يحتاج إلى الشهادة، وركنه لفظ أو ما في حكمه دالّ عليه كقوله لفلان عليّ كذا أو ما
يشبهه، لأنه يقوم به ظهور الحق وانكشافه حتى لا يصح شرط الخيار فيه بأن أقر بدين أو
بعين على أنه بالخيار إلى ثلاثة أيام فالخيار باطل، وإن صدقه المقر له والمال لازم كما في
محيط السرخسي: وله شروط ستذكر في أثناء الكلام، وهي: العقل والبلوغ بلا خلاف
والحرية في بعض الأحكام دون البعض، حتى لو أقر العبد المحجور بالمال لا ينفذ في حق
المولى، ولو أقر بالقصاص يصح. كذا في المحيط .. ويتأخر إقراره بالمال إلى ما بعد العتق،
وكذا المأذون له يتأخر إقراره بما ليس من باب التجارة كإقراره بالمهر بوطء امرأة تزوجها
بغير إذن مولاه، وكذا إذا أقر بجناية موجبة للمال لا يلزمه، بخلاف ما إذا أقر بالحدود
والقصاص كما في التبيين، وكون المقربة مما يجب تسليمه إلى المقر له، حتى لو أقر أنه
غصب كفّاً من تراب أو حبة حنطة لا يصح، لأن المقر به لا يلزمه تسليمه إلى المقر له،
ومنها الطواعية والاختيار، حتى لا يصح إقرار المكره في النهاية، وإقرار السكران بطريق
محظور صحيح إلا في: حد الزنا وشرب الخمر مما يقبل الرجوع وإن كان بطريق مباح لا كما
في البحر، وحكمه ظهور المقر به: أي لزومه على المقر بلا تصديق وقبول من المقر له فإنه

١٢٧
كتاب الإقرار
إما منكر أو مقرّ
يلزم على المقر ما أقر به لوقوعه دالا على المخبر به لا ثبوته ابتداء کما في الكافي، لأنه ليس
بناقل لملك المقر إلى المقر له فلذا فرع عليه ما سيأتي من صحة الإقرار بالخمر للمسلم حتى
يؤمر بالتسليم إليه، ولو كان تمليكاً مبتدأ لما صح، وكذلك لا يصح الإقرار بالطلاق
والعتاق مع الإكراه والإنشاء يصح مع الإكراه كما في المحيط.
وحاصله: أن قول المقر إن هذا الشيء لفلان معناه أن الملك فیه ثابت لفلان ولیس
معناه أنه ملك للمقر وجعله للمقر له فهو إخبار دالٌ على المخبر به فيلزمه الصدق،
ويحتمل الكذب فيجوز تخلف مدلوله عنه كما في الإقرار بالطلاق مكرهاً كما قلنا، وسيأتي
لقيام دليل الكذب وهو الإكراه، ولو كان معناه الثبوت ابتداء لصح لكونه إنشاء والإنشاء
لا يتخلف مدلوله عنه كما سيأتي تمامه قريباً. ولو أقر لغيره بمال والمقر له يعلم أنه كاذب
في إقراره لا يحل له ديانة إلا أن يسلمه بطيب من نفسه فيكون هبة منه ابتداء كما في
القنية، وإنما يعتبر الإقرار إظهاراً في حقق ملكية المقر به حتى يحكم بملكيته للمقر له بنفس
الإقرار ولا يتوقف على تصديق المقر له، أما في حق الرد فيعتبر تمليكاً مبتدأ كالهبة حتى
يبطل برد المقر له وبعدما وجد التصديق من المقر له لا يعمل رده لو رد الإقرار بعد ذلك،
ثم الإقرار إنما يبطل برد المقر له إذا كان المقر له يبطل بالرد حق نفسه خاصة، أما إذا كان
يبطل حق غيره فلا يعمل رده، كما إذا أقر لرجل أنى بعت هذا العبد من فلان بكذا فرد
المقر له إقراره وقال: ما اشتريت منك شيئاً ثم قال بعد ذلك: اشتريت فقال البائع ما
بعتكه لزم البائع البيع بما سمي لأنه جحد البيع بعد تمامه، وجحود أحد المتعاقدين لا
يضر، حتى أن المشتري متى قال ما اشتريت وصدقه البائع وقال نعم ما اشتريت ثم قال
لا بل اشتريت لا يثبت الشراء وإن أقام البينة على ذلك، لأن الفسخ تم بجحودهما، ثم في
كل موضع بطل الإقرار برد المقر له، لو أعاد المقر ذلك الإقرار فصدقه المقر له كان للمقر
له أن يأخذه بإقراره، وهذا استحسان. هكذا في المحيط.
ثم اعلم أن السكوت نزلوه منزلة الإقرار في مسال سيذكرها الشارح، ونذكر تمامها
إن شاء الله تعالى كذلك الإيماء بالرأس وسيذكره المصنف. قوله: (إما منكر أو مقر)
واللائق بحال المسلم الإقرار بالحق كي لا يحتاج المدعي إلى تدارك الشهود والملازمة في باب
القاضي للإحضار، ولاسيما وما يلزم عليه في هذا الزمان للتسبب بالوصول إلى سحت
المحصول، كما أن اللائق بالمدعي أن تكون دعواه حقاً لئلا يلزم المدعى عليه الدفع
لسحت المنع وقدمه: أي الإقرار على ما بعده وهو الصلح لترتبه على الإنكار غالباً، ثم إذا
حصل بالصلح شيء: إما أن يستريح فيه بنفسه وتقدم طريقه في البيع أو بغيره وهو

١٢٨
كتاب الإقرار
وهو أقرب لغلبة الصدق.
(هو) لغة: الإثبات، يقال قر الشيء: إذا ثبت. وشرعاً: (إخبار
المضاربة وإن لم يستريح فإما أن يحفظه بنفسه ولا يحتاج إلى بيان حكمه أو بغيره وهو
الوديعة. قوله: (وهو) أي الإقرار أقرب: أي لحال المسلم. قوله: (لغلبة الصدق) أي من
المدعي في دعواه ومن المقر فيما أقر به، لأن العاقل لا يقر على نفسه كاذباً فيما ضرر على
نفسه أو ماله، فترجحت جهة الصدق في حق نفسه لعدم التهمة وكمال الولاية، بخلاف
إقراره في حق غيره. قوله: (هو لغة) فإذا كان حسياً يقال أقره، وإذا كان قولياً يقال أقر
به، فالإقرار إثبات لما كان متزلزلاً بين الجحود والثبوت. أبو السعود. وهو مشتق من
القرار. درر.
قال في المنح: وهو في اللغة إفعال من قر الشيء إذا ثبت، وأقره غيره إذا أثبته.
قوله: (وشرعا إخبار) أي في الأصح وليس بإنشاء لصحته في ملك غيره، ولو أقرّ مريض
بماله لأجنبي صح من غير توقف على إجازة وارث. قال في الحواشي السعدية: ولعله
ينتقض بالإقرار بأن لا حق له على فلان، وبالإبراء وإسقاط الدين ونحوه كإسقاط حق
الشفعة اهـ.
وقد يقال: فيه إخبار بحق عليه وهو عدم وجوب المطالبة. تأمل. وللقول بأنه
إنشاء فروع تشهد له: منها لو رد إقراره ثم قبل لا يصح، وكذا الملك الثابت بالإقرار لا
یظهر في حق الزوائد المستهلكة فلا يملكها المقر له. حموي.
أقول: قوله: (لا يظهر في حق الزوائد المستهلكة يفيد بظاهره أنه يظهر في حق
الزوائد الغير المستهلكة). وهو مخالف لما في الخانية: رجل في يده جارية وولدها أقر أن
الجارية لفلان لا يدخل فيه الولد، ولو أقام بينة على جارية أنها له يستحق أولادها اهـ.
والفرق أنه بالبينة يستحقها من الأصل، ولذا قلنا: إن الباعة يتراجعون فيما بينهم،
بخلاف الإقرار حيث لا يتراجعون.
بقي أن يقال في قول السيد الحموي هو إخبار في الأصح وليس بإنشاء مخالفة لما
صرح به في البحر وجری علیه المصنف من أنه إخبار ،من وجه إنشاء من وجه فللأول
يصح إقراره بمملوك الغير ويلزمه تسليمه إذا ملكه، ولو أقر بالطلاق والعتاق مكرهاً لا
يصح، والثاني لو رد إقراره ثم قبل لا يصح، وكذا الملك الثابت بالإقرار لا يظهر في حق
الزوائد المستهلكة فلا يملكها المقر له ا هـ من غير ذكر خلاف، ومنه تعلم أن ما ذكره
السيد الحموي مما يدل على ثبوت الخلاف فيه حيث صحح كونه إخبار الإنشاء لا يصح
عزوه لصاحب البحر کما وقع في كلام بعضهم، فتنبه. قوله: (بحق علیه للغیر) قیده بأن

١٢٩
كتاب الإقرار
بحق علیه) الغیر (من وجه إنشاء من وجه) قید بعلیه،
یکون علیه، لأنه لو كان على غيره لغيره يكون شهادة ولنفسه یکون دعوى زيلعي،
وأطلق الحق في قوله هو إخبار بحق عليه ليشمل ما لو كان الحق المقر به من قبيل
الإسقاطات كالطلاق والعتاق، إذا الطلاق رفع القيد الثابت شرعاً بالنكاح، فإذا أقر
بالطلاق يثبت للمرأة من الحق ما لم يكن لها من قبل، وكذا العبد یثبت له علی سیده حق
الحرية إذا أقر سيده بعتقه، فما قيل من أنه يرد على التعريف الإقرار بالإسقاطات كالطلاق
والعتاق لعدم الإخبار فيها عن ثبوت حق للغير غير سديد. قوله: (إنشاء من وجه) هو
الصحيح، وقيل: إنشاء وينبني عليه ما سيأتي لكن المذكور في غاية البيان عن
الأستروشنية. قال الحلواني: اختلف المشايخ في أن الإقرار سبب للملك أو لا؟ قال ابن
الفضل: لا، واستدل بمسألتين.
إحداهما المريض الذي عليه دين إذا أقر بجميع ماله لأجنبي يصح بلا إجازة
الوارث، ولو كان تمليكاً لا ينفذ إلا بقدر الثلث عند عدم الإجازة.
والثانية أن العبد المأذون إذا أقر لرجل بعين في يده يصح، ولو كان تمليكاً يكون
تبرعاً منه فلا يصح. وذكر الجرجاني أنه تمليك واستدل بمسائل: منها إن أقر لوارثه بدين
في المرض لا يصح، ولو كان إخباراً لصح ا هـ ملخصاً. فظهر أن ما ذكره المصنف
وصاحب البحر جمع بين الطريقتين وكأن وجهه ثبوت ما استدل به الفريقان. تأمل. أفاده
سيدي الوالد رحمه الله تعالى. لكن لو كان إخباراً من وجه وإنشاء من وجه كما ذكره
المصنف لعرف بحد يشملها ولا قائل به، ولأنهم قالوا: لو أقر بمال للغير لزمه تسليمه
للمقر له إذا ملكه، ولو أقر بالطلاق والعتاق الخ فأمثال هذه المسائل دلت على أن الإقرار
إخبار لا إنشاء. إذ لو كان إنشاء لم تكن كذلك، وما استدل به على كونه إنشاء مطلقاً أو
من وجه أنه لو أقر لرجل فرد إقراره ثم قبل لم يصح ولو كان إخباراً لصح، وأنه لو ثبت
الملك بسبب الإقرار لم يظهر في حق الزوائد المتقدم ذكرها، ولو كان إخباراً لصارت
مضمونة عليه.
أقول: أما الجواب عن الأول فهو أن ارتداده بالرد ناشىء من أن حكمه الظهور لا
الثبوت ابتداء وذلك ناشىء من كونه حجة قاصرة، فلما صار مرتداً بالرد جعل كأنه لم
يكن فلذلك لم يصح قبوله بعده. على أن هذا الدليل مشترك الإلزام حيث إنه دليل على أنه
ليس بإنشاء، إذ الإنشاء مما لا يرتد بالرد فيما يكون من قبيل الإسقاطات، كما لو قال
هذا الولد مني يرتد برد الولد فهذا دليل على أن الإقرار إخبار ثم عاد الولد إلى التصديق
يثبت النسب نظراً إلى احتياج المحل، وقد سبق.

١٣٠
كتاب الإقرار
لأنه لو کان لنفسه یکون دعوی لا إقرار.
ثم فرع على كل من الشبهين فقال: (فا) لموجه (الأول) وهو الإخبار (صح
إقراره بمال مملوك للغير) ومتى قر بملك الغير اليلزمه تسليمه إلى المقر له
وأما الجواب عن الثاني: أن الإقرار لما كان حجة قاصرة اقتصر ثبوت الملك وظهوره
على المقر به فلم يتعد إلى الزوائد المستهلكة كما مر ويأتي، فتبين أنه ليس بإنشاء أصلًا.
تدبر. قوله: (لأنه لو کان لنفسه) أي علی الغیر، ولو للغیر علی الغیر یکون شهادة كما
قدمناه. قوله: (لا إقراراً) ولا ينتقض إقرار الوكيل والولي ونحوهما لنيابتهم مناب المنوبات
شرعاً. شرح الملتقى. قوله: (ثم فرع على كل من الشبهين) صوابه (من الوجهين)) ،لأنه لم
يقل الإقرار يشبه الإخبار ويشبهه الإنشاء، بل قال من وجه ومن وجه: أي إخبار من
وجه بالنظر لترتب بعض أحكام الإخبارات عليه، وإنشاء من وجه من حيث ترتب بعض
أحكام الإنشاءات عليه، وقد تبع الشارح المصنف فالمعنى أنه يعطى حكم الإخبار في
بعض الجزئيات وحكم الإنشاء في بعض آخر، وأما بالنظر للفظه فهو إخبار عن ثبوت
حق عليه لغيره لا غير. قوله: (فللوجه الخ) علة مقدمة على المعلول. قوله: (صح
إقراره) لأن الإخبار في ملك الغير صحيح لكن بالنظر للمقر، وأفاداً أنه لا يحتاج إلى
القبول کما قدمناه.
ے
وفي المنح عن تتمة الفتاوى: الإقرار يصح من غير قبول، لكن البطلان يقف على
الإبطال والملك للمقر له يثبت من غير تصديق وقبول لكن يبطل بزده، والمقر له إذا صدق
المقر في الإقرار ثم رده لا يصح الرد، وأفاد أيضاً صحة الإقرار للغائب. وأيضاً يستفاد
هذا مما سيأتي من قوله هي: أي الألف المعينة لفلان لا بل لفلان لا يجب عليه للثاني
شيء: أي لأنه أقر بها للأول ثم رجع وشنهد بها للثاني فرجوعه لا یصح وشهادته لا
تقبل، وبهذا تبين ضعف ما في الخانية من قوله لو أقر لغائب ثم أقر لآخر قبل حضور
الغائب ضح إقراره للثاني، لأن الإقرار للغائب لا يلزم بل يتوقف على التصديق انتهى.
ويمكن أن يقال: معنى صحته للثاني ليست لاحتياجه للتصديق وإنما لأجل أن
يرتد بالرد، فأفاد في الخانية أنه يأخذه الثاني، فإذا جاء الأول وصادق قبل رده الإقرار
یأخذه، وإن قال لیس لي یکون ملكاً للثاني، ولکن أفاد في البدائع أنه إن دفع للأول بلا
قضاء يضمن للثاني لأن إقراره بها صحيح في حق الثاني إذا لم يصح للأول اهـ. وأنت
خبير بأن هذا التعليل ربما يرد عليه، وحينئذ فتعليل المنح ظاهر وهو الموافق لظواهر
الكتب المعتمدة.

١٣١
كتاب الإقرار
وفي المنح في مسائل شتى فسر الرد بأن يقول ما كان لي عليك شيء أو يقول بل هو
لك أو لفلان.
قال العلامة الخير الرملي: قولهم الإقرار صحیح بدون التصديق لا يعارض قول
العمادي: إن إقراره للغائب توقف عمله على تصديق الغائب، إذ لا مانع من توقف العمل
مع الصحة كبيع الفضولي يصح ويتوقف؛ وكذا لا يعارض ما في الخانية من قوله: وأما
الإقرار للغائب لا يلزم بل يتوقف على التصديق، إذ معناه يتوقف لزومه لا صحته،
وقوله: فإن كان صحيحاً يمتنع الإقرار به للغير غير مسلم لعدم الملازمة؛ ألا ترى أن
للفضولي قبل إجازة المالك أن يبيع المبيع الذي باعه الآخر ويتوقف فلم يلزم من صحته
عدم صحة بيعه للآخر، بل الإقرار بمال الغير يصح ويلزم تسليمه إذا ملكه، وهذا يدل
على أن الإقرار ليس بسبب للملك كما سيأتي فكيف يلزم من صحة إقراره لغائب لا يلزمه
ذلك حتى كان له الرد عدم صحة الإقرار به للغير.
والحاصل: أن الإقرار يصح مطلقاً بلا قبول ولا يلزم لو كان المقر له غائباً ولعدم
لزومه جاز أن يقر به لغيره قبل حضوره فاجتمعت كلمتهم على أن القبول ليس من شرط
صحة الإقرار، وأما لزومه فشيء آخر، والمصنف لم يفرق بين الصحة واللزوم فاستشكل
في منحه على الصحة المجتمعة عليها كلمتهم باللزوم. وأما ما أجاب به المجيب المذكور
ففيه نظر، إذ لو كان كما فهمه لما افترق الإقرار للحاضر والغائب مع أن بينهما فرقاً في
الحكم؛ ألا ترى إلى قوله في الخانية: ولو أقر لولده الكبير الغائب أو أجنبي بعد قوله وأما
الإقرار للغائب لا يلزم، فالذي يظهر أن الإقرار للغائب لا يلزم من جانب المقر حتى صح
إقراره لغيره كما لا يلزم من جانب المقر له حتى رده. وأما الإقرار للحاضر فيلزم من
جانب المقر حتى لا يصح إقراره به لغيره قبل رده ولا يلزم من جانب المقر له فيصح رده.
وأما الصحة فلا شبهة فيها في الجانبين بدون القبول كما يفهم من كلامهم انتهى.
وفيه: ويشكل على ما في الفصول العمادية من قوله: وإن ادعى الرجل عيناً في يد
رجل وأراد استحلافه فقال صاحب اليد هذه العين لفلان الغائب لا يندفع اليمين عنه ما لم
يقم البينة على ذلك، بخلاف ما إذا قال هذا لابني الصغير. والفرق أن إقراره للغائب توقف
عمله على تصديق الغائب فلا يكون العين مملوكاً له بمجرد إقرار ذي اليد فلا يندفع اليمين.
وأما إقراره للصبي فلا يتوقف على تصديق الصبي فيصير العين ملكاً للصبي بمجرد إقراره
فلا يصح إقراره بعد ذلك لغيره فلا يفيد التحليف لأن فائدته النکول الذي هو کالإقرار.
أقول: لا یشکل ذلك، فإن قوله توقف عمله صريح في صحته ولكن لما توقف
عمل وهو اللزوم على تصديقه لم تندفع اليمين بمجرده ما لم يقم البينة عليه. تأمل. قوله:

١٣٢
كتاب الإقرار
إذا ملكه) برهة من الزمان لنفاده على نفسه، ولو كان إنشاء لما صح لعدم وجود
الملك.
وفي الأشباه: أقر بحرية عبد ثم شراه عتق عليه ولا يرجع بالثمن أو بوقفية
دار ثم شراها أو ورثها صارت وقفاً مؤاخذة له بزعمه (ولا يصح إقراره بطلاق
وعتاق مكرهاً) ولو كان إنشاء لصح لعدم التخلف.
(وصح إقرار العبد المأذون بعين في يده والمسلم بخمر وبنصف داره مشاعاً
والمرأة بالزوجية من غير شهود) ولو كان إنشاء لما صح
(إذا ملكه برهة من الزمان) أي قليلاً من الزمان، حتى لو تصرف فيه لغير المقر له بعد
ملكه لا ينفذ تصرفه وينقض لتصرفه في ملك غيره كما يؤخذ من القواعد.
ويؤخذ من هذا الفرع كما قال أبو السعود: أنه لو ادعى شخص عيناً في يد غيره
فشهد له بها شخص فردت شهادته لتهمة ونحوها كتفرد الشاهد ثم ملكها الشاهد يؤمر
بتسليمها إلى المدعي انتهى. قوله: (لما صح) أي إقراره للغير: أي ولو ملكه بعد. قوله:
(ولا يرجع بالثمن) على البائع: أي لاقتصار إقراره عليه فلا يتعدى لغيره. قوله: (صارت
وقفاً) بخلاف ما إذا غصب داراً من رجل فوقفها ثم اشتراها حيث لا يجوز وقفه. والفرق
أن فعل الغاصب إنشاء في غير ملكه فلا يصح، لأن شرط صحته ملكه له، بخلاف
الإقرار لكونه إخباراً لا إنشاء. قوله: (مكرها) حال من الضمير المضاف إليه الإقرار،
وإنما لم يصح إقراره بها مكرهاً لقيام دليل الكذب وهو الإكراه والإقرار إخبار يحتمل
الصدق والكذب فيجوز تخلف مدلوله الوضعي عنه. منح. قوله: (ولو كان إنشاء لصح
لعدم التخلف) أي تخلف مدلول الإنشاء عنه: أي لأنه يمتنع في الإنشاء تخلف مدلول
لفظه الوضعي عنه: أي متى وجد اللفظ الدال على إنشاء الطلاق أو العتاق سواء وجد
مدلوله في حال الطواعية أو الإكراه وهذا مخصوص فيما يصح مع الإكراه، بخلاف ما لا
يصح معه كالبيع فإنه يتخلف مدلوله عنه مع الإكراه: أي وهو إثبات الملك غير مستحق
الفسخ. قوله: (وصح إقرار العبد المأذون بعين في يده) ولو كان إنشاء لا يصح، لأنه
يصير تبرعاً منه وهو ليس أهلاً له. قوله: (والمسلم بخمر) حتى يؤمر بالتسليم إليه، ولو
كان تمليكاً مبتدأ لما صح كما في الدرر. وفيه إشارة إلى أن الخمر قائمة لا مستهلكة إذ لا
يجب بدلها للمسلم، نص عليه في المحيط كما في الشرنبلالية. قوله: (وينصف داره
مشاعاً) أي الدار القابلة للقسمة فإنه يصح الإقرار بها لكونه إخباراً، ولو كان إنشاء لكان
هبة، وهبة المشاع القابل للقسمة لا تتم، ولو قبض بخلاف مالا يقسم كبيت وحمام
صغيرين فإنها تصح فيه وتتم بالقبض. قوله: (والمرأة بالزوجية من غير شهود) لأنه إخبار
عن عقد سابق، ولو كان إنشاء لما صح إقرارها بالزوجية من غير شهود؛ لأن إنشاء عقد

١٣٣
کتاب الإقرار
(ولا تسمع دعواه عليه) بأنه أقرّ له (بشيء) معين (بناء على الأقرار) له بذلك، به
يفتى، لأنه إخبار يحتمل الكذب، حتى لو أقر كاذباً لم يحل له لأن الإقرار ليس
سبباً للملك. نعم لو سلمه برضاه كان ابتداء هبة وهو الأوجه. بزازية (إلا أن
يقول) في دعواه (هو ملكي) وأقر لي به أو يقول لي عليه كذا وهكذا أقر به فتسمع
إجماعاً، لأنه لم يجعل الإقرار سبباً للوجوب، ثم لو أنكر الإقرار هل يحلف؟ الفتوى
أنه لا يحلف على الإقرار بل على المال،
النكاح يشترط لصحته حضورهم كما مر في بابه. قوله: (ولا تسمع دعواه عليه بأنه أقر له
بشيء معين بناء على الإقرار له بذلك) يعني إذا ادعى عليه شيئاً لما أنه أقر له به لا تسمع
دعواه، لأن الإقرار إخبار لا سبب للزوم المقرّ به على المقر، وقد علل وجوب المدعي به
على المقر بالإقرار، وكأنه قال أطالبه بما لا سبب لوجوبه عليه أو لزومه بإقراره وهذا كلام
باطل. منح. وبه ظهر أن الدعوى بالشيء المعين بناء على الإقرار كما هو صريح المتن لا
بالإقرار بناء على الإقرار، قوله ((بأنه أقر له)) لا محل له، وفي إقحامه ركاكة. تأمل. قوله:
(به يفتى) مقابله أنها تسمع كما في جامع الفصولين.
وحاصله: أن الإقرار هل هو باق في الشرع أو هو إنشاء في المعنى فيكون سبباً
لذلك، فمن جعله إنشاء سوغ هذه الدعوى، ومن جعله باقياً على معناه الأصلي لم يجوز
سماعها، وعليه الجمهور وجميع المتأخرين، وهو الصحيح المعول عليه كما في الخلاصة.
قوله: (لأنه إخبار) أي لا سبب للزوم المقر به على المقر، وهو قد جعل سبب وجوب
المدعى به على المقر الإقرار فكأنه قال أطالبه بلا سبب لوجوبه علیه أو لزومه بإقراره،
وهذا باطل لما علم من كلام مشايخنا. قوله: (لم يحل له) أي للمقر له: أي لا يجوز له
أخذه جبراً ديانة كإقراره لامرأته بجميع ما في منزله وليس لها عليه شيء اهـ. بحر: أي
ولو كان إنشاء يحل أخذه كما في الدرر، وما نقله في القنية عن بعض المشايخ من أن
الإقرار كاذباً يكون ناقلاً للملك فخلاف المعتمد الصحيح من المذهب الذي إليه يذهب.
قوله: (نعم لو سلمه برضاه كان ابتداء هبة وهو الأوجه) هذا ظاهر إذا تعمد الكذب، أما
إذا كان يظن أنه واجب عليه يتعين الإفتاء بعدم الحل.
فرع: الإبراء والإقرار لا يحتاجان إلى القبول. أفاده السائحاني. قوله: (أو يقول لي
عليه كذا وهكذا أقر به) أي إنه لي عليه.
وفي شرح تحفة الأقران: وأجمعوا أنه لو قال هذا العين ملكي وهكذا أقر به المدعى
عليه يقبل. قوله: (ثم لو أنكر الإقرار) أي وقد ادعى ما أقرّ به لكونه ملكه ولم يبن على
مجرد إقراره لما تقدم. قوله: (الفتوى أنه لا يحلف على الإقرار بل على المال) قال ابن
الغرس: ثم لا يجوز أن يحلف أنه ما أقر به قولاً واحداً، لأن الصحيح أن الإقرار ليس

١٣٤
كتاب الإقرار
وأما دعوى الإقرار في الدفع فتسمع عند العامة (ول) وجه (الثاني) وهو الإنشاء (لو
ردّ) المقر له (إقراره ثم قبل لا يصح) ولو كان إخبار لصح وأما بعد القبول فلا يرتد
بسبب للملك، وقد علمت الحكم في الأسباب الشرعية المتفق على سببيتها وأن الصحيح
أنه لا يحلف عليها فكيف الحال فيما سببيته قول مرجوح اهـ. وقيل يحلف بناء على أنه
إنشاء ملك. قوله: (وأما دعوى الإقرار في الدفع) بأن أقام المدعى عليه بينة أن المدعي أقر
أنه لا حقّ له قبل المدعى عليه، أو أقام المدعى عليه بينة أن المدعي أقر أن هذه العين ملك
المدعى عليه فتسمع، وأما دعوى الإقرار بالاستيفاء فقيل لا تسمع لأنه دعوى الإقرار في
طرف الاستحقاق، إذ الدين يقضى بمثله.
ففي الحاصل: هذا دعوى الدين لنفسه فكان دعوى الإقرار في طرف الاستحقاق،
فلا تسمع. جامع الفصولين معزياً للمحيط والذخيرة. ومثله في البزازية لكن زاد فيها:
وقيل: يسمع لأنه في الحاصل يدفع أداء الدين عن نفسه، فكان في طرف الدفع. ذكره في
المحيط. وذكر شيخ الإسلام برهن المطلوب على إقرار المدعي بأنه لا حق له في المدعي،
أو بأنه ليس بملك له أو ما كانت ملكاً له يندفع الدعوى إن لم يقر به لإنسان معروف،
وكذا لو ادعاه بالإرث، فبرهن المطلوب على إقرار المورث بما ذكرنا، وتمامه فيها. قوله:
(فتسمع عند العامة) كما في الدرر وشرح أدب القاضي والخانية، وهذا مقابل قول المصنف
ولا تسمع دعواه عليه. قوله: (لا يصح) هذا في الإقرار بما يرتد، أما فيما لا يرتد بالرد
كالرق والنسب، فإنه لو أقر به ثم ادعاه المقر له بعد رده يقبل مبسوط والعقود اللازمة
مثل النكاح مما لا يرتد بالرد، فلو قال لها تزوجتك أمس فقالت لا ثم قالت بلى وقال هو
لا لزمه النكاح، لأن إقراره لم يبطل، إذ النكاح عقد لازم لا يبطل بمجرد جحود أحد
الزوجين، فيصح بتصديقها بعد التكذيب فيثبت، ولا يعتبر إنكاره بعد ا هـ.
سري الدين ملخصاً ط.
قال السيد الحموي قوله ((لا يصح)) محله فيما إذا كان الحق فيه لواحد مثل الهبة
والصدقة، أما إذا كان لهما مثل الشراء والنكاح فلا، وهو إطلاق في محل التقييد، ويجب
أن يقيد أيضاً بما إذا لم يكن المقر مقصراً على إقراره لما سيأتي من أنه لا شيء له إلا أن
يعود إلى تصديقه وهو مصر ا هـ.
وفي الخلاصة: لو قال لآخر كنت بعتك العبد بألف فقال الآخر لم أشتره منك
فسكت البائع حتى قال المشتري في المجلس أو بعده بلى اشتريته منك بألف فهو جائز،
وكذا النكاح، وكل شيء يكون لهما جميعاً فيه حق، وكل شيء يكون الحق فيه لواحد
مثل الهبة والصدقة لا ينفعه إقراره بعد ذلك. قوله: (وأما بعد القبول فلا يرتد بالرد)
يعني لأنه صار ملكه ونفى المالك ملكه عن نفسه عند عدم المنازع لا يصح. نعم لو

١٣٥
كتاب الإقرار
بالرد، ولو أعاد المقر إقراره فصدقه لزمه لأنه إقرار آخر، ثم لو أنكر إقراره الثاني لا
يحلف ولا تقبل عليه بينة.
قال البديع: والأشبه قبولها، واعتمده ابن الشحنة وأقره الشرنبلالي (والملك
الثابت به) بالإقرار (لا يظهر في حق الزوائد المستهلكة
تصادقا على عدم الحق صح لما تقدم في البيع الفاسد أنه طلب ربح مال ادعاه على آخر
فصدقه على ذلك فأوفاه إياه ثم ظهر عدمه بتصادقهما إنه لم يكن عليه شيء، فانظر كيف
التصادق اللاحق نقض السابق مع أن ربحه طيب حلال. قوله: (لأنه إقرار آخر) أي وقد
صدقه فيه فيلزمه. قاله العلامة عبد البر.
وفي التاترخانية: وفي كل موضع بطل الإقرار برد المقر له لو عاد المقر إلى ذلك
الإقرار وصدقه المقر له كان له أن يأخذه بإقراره، وهذا استحسان والقياس أن لا يكون له
ذلك ا هـ.
ووجه القياس: أن الإقرار الثاني عين المقر به، فالتكذيب في الأول تكذيب في
الثاني.
ووجه الاستحسان: أنه يحتمل أنه كذبه بغير حق لغرض من الأغراض الفاسدة
فانقطع عنه ذلك الغرض فرجع إلى تصديقه، فقد جاء الحق وزهق الباطل. حموي. قوله:
(ثم لو أنكر إقراره الثاني) أي وادعاه المقر له لكونه ملكه وأقام بينة عليه لا تسمع، ولو
أراد تحليفه لا يلتفت إليه للتناقض بين هذه الدعوى وبين تكذيبه الإقرار الأول. قوله:
(قال البديع) هو أستاذ صاحب القنية، فإنه عبر فيها بقال أستاذنا. قال عبد البر: يعني
للقاضي البديع. وفي بعض النسخ قال في البدائع: وليس بصواب ط. قوله: (والأشبه)
أي بالصواب والقواعد. قوله: (واعتمده ابن الشحنة وأقره الشرنبلالي) وعبارته: ولو أنكر
المقر الإقرار الثاني لا يحلف، ولا تقبل عليه بينة للتناقض من الكذب للإقرار الأول. وقال
القاضي البديع: ينبغي أن تقبل بينة المقر له على إقراره ثانياً وهو الأشبه بالصواب. وقال
الشارح: أي عبد البر ناظماً له: [الطويل]
وَقَدْ صَوَّبَ القَاضِي البَدِيعُ قَبُولَهَا وَعِنْدِي لَهُ الوَجهُ الصَّحِيحُ المُنَّوَّرُ
ومن أراد المزيد فعليه بشرحه. قوله: (لا يظهر في حق الزوائد المستهلكة) يفيد
بظاهره أنه يظهر في حق الزوائد الغير المستهلكة، وهو مخالف لما في الخانية كما قدمناه عنها
وقيد بها في الأستروشنية ونقله عنها في غاية البيان، وتقدم في الاستحقاق نظير ما قدمناه
عن الخانية، وأنه فرق في الاستحقاق لولد المستحقة بين الإقرار، فلا يتبعها ولدها وبين
الإثبات فيتبعها ولدها وكذا سائر الزوائد، وهو عام يشمل المستهلكة وغيرها، وهنا قد
قيدها بالمستهلكة فافهم أن القائمة يظهر بها لإقرار، فليحرر. ولعله أراد الاحتراز

١٣٦
كتاب الإقرار
فلا يملكها المقر له) ولو إخباراً لملكها.
(أقر حرّ مكلف)
بالمستهلكة عن الهالكة بنفسها لأنها غير مضمونة مطلقاً لأنها كزوائد المغصوب. تأمل.
قوله: (فلا يملكها المقر له ولو إخباراً لملكها) قال في نور العين: شرى أمة فولدت عنده
لا باستيلاده، ثم استحقت ببينة يتبعها ولدها، ولو أقر بها لرجل لا، والفرق أنه بالبينة
يستحقها من الأصل، ولذا قلنا: إن الباعة يتراجعون فيما بينهم، بخلاف الإقرار حيث لا
يتراجعون ف. ثم الحكم بأمة حكم بولدها وكذا الحيوان، إذ الحكم حجة كاملة، بخلاف
: الإقرار فإنه لم يتناول الولد لأنه حجة ناقصة، وهذا الولد بيد المدعى عليه فلو في ملك
آخر هل يدخل في الحكم اختلف المشايخ اهـ.
ففيه مخالفة لمفهوم كلام المصنف، ويشبه أن تكون هذه التفريعات كلها جامعاً بين
قول من قال إن الإقرار إخبار بحق لآخر لا إثبات، وهو قول محمد بن الفضل والقاضي
أبي حازم وقول من قال: إنه تمليك في الحال وهو أبو عبد الله الجرجاني. قاله في
الشرنبلالية. وذكر استشهاد كل على ما قال بمسائل ذكرت في الفصل التاسع من
الأستروشنية.
والحاصل أن الإقرار هل هو إخبار بحق لآخر أم تمليك في الحال على ما قدمناه من
الخلاف؟ وقد علمت أن الأكثر على الأول الذي عليه المعول، وقد ذكروا لكل مسائل
تدل على ما قال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. قوله: (أقر حر مكلف) أي بالغ عاقل.
درر. قيد بالحر، لأن العبد المحجور عليه يتأخر إقراره بالمال إلى ما بعد العتق، وكذا
المأذون له يتأخر إقراره بما ليس من باب التجارة كما قدمناه. وكذا إذا أقر بجناية موجبة
للمال لا يلزمه لأن الإذن لم يتناول إلا التجارة، بخلاف ما إذا أقر بالحدود والقصاص،
لأن العبد مبقى على أصل الحرية في حقهما. زيلعي. قوله: (مكلف) شرط التكليف لأن
إقرار الصبي والمعتوه والمجنون لا يصح لانعدام أهلية الالتزام، إلا إذا كان الصبي مأذوناً
له فيصح إقراره بالمال لكونه من ضرورات التجارة؛ لأنه لو لم يصح إقراره لا يعامله
أحد، فدخل في الإذن كل ما كان طريقه التجارة كالديون والودائع والعواري والمضاربات
والغصوب فيصح إقراره بها لالتحاقه في حقها بالبالغ العاقل، لأن الإذن يدل على عقله،
بخلاف ما ليس من باب التجارة كالمهر والجناية والكفالة حيث لا يصح إقراره بها، لأن
التجارة مبادلة المال بالمال والمهر مبادلة مال بغير مال، والجناية ليست بمبادلة، والكفالة
تبرع ابتداء فلا تدخل تحت الإذن، والنائم والمغمى عليه كالجنون لعدم التمييز، وإقرار
السكران جائز إذا سكر بمحظور، لأنه لا ينافي الخطاب إلا إذا أقر بما يقبل الرجوع
كالحدود الخالصة، وإن سكر بمباح كالشرب مكرهاً لا يلزمه شيء. زيلعي. والردة

١٣٧
كتاب الإقرار
يقظان طائعاً (أو عبد) أو صبي معتوه (مأذون) لهم إن أقروا بتجارة كإقرار محجور
بحد وقود وإلا فبعد عتقه ونائم ومغمى عليه كمجنون، وسيجيء السكران ومر
المكره (بحق معلوم أو مجهول صح) لأن جهالة المقر به لا تضر إلا إذا بين سبباً
تضره الجهالة كبيع وإجارة.
وأما جهالة المقر فتضر كقوله لك على أحدنا ألف درهم لجهالة المقضي عليه،
كالحدود الخالصة. حموي. قوله: (يقظان) أخرج به النائم فلا يؤاخذ بما أقر به في النوم
لارتفاع الأحكام عنه. قوله: (طائعاً) أخرج به المكره فلا يصح إقراره، ولو بطلاق وعتاق
كما تقدم، أما طلاقه وعتاقه فيقعان. قوله: (إن أقروا بتجارة) أي بمال فيصح، وجوابه
قول المصنف الآتي صح أي صح للحال. قوله: (كإقرار محجور) أي عبد لأنه مبقى على
أصل الحرية في الحدود والقصاص ولأنه غير متهم بهذا الإقرار لأن ما يدخل عليه بهذا
الإقرار من المضرة أعظم مما يدخل على مولاه، وليس هو عائداً إلى الصبي والمعتوه فإنه لا
حد عليهما، ولا قود لأن عمد الصبي خطأ والمعتوه كالصبي، ويدل على تخصيصه بالعبد
قول الشارح وإلا فبعد عتقه أي إلا يكن إقرار العبد المحجور بحد أو قود بل بمال، فإنه
لا ينفذ عليه في الحال لأنه وما في يده لمولاه والإقرار حجة قاصرة لا تتعدى لغير المقر،
فلا ينفذ على مولاه فإن عتق سقط حق المولى عنه فنفذ إقراره على نفسه والأولى أن يعبر
بدل المحجور بالعبد وأن يؤخره بعد قوله ((الآتي صح)). قوله: (بحد وقود) أي مما لا تهمة
فيه كما ذكرنا فيصح للحال. قوله: (وإلا) أي بأن كان مما فيه تهمة. قوله: (فبعد عتقه)
أي فتتأخر المؤاخذة به إلى عتقه، وكذا المأذون رعاية لحق المولى. عيني. قوله: (ونائم)
قصد بهذا كالذي قبله وبعده بيان المحترزات. قوله: (أو مجهول) إنما صح الإقرار به لأن
الحق قد يلزمه مجهولاً بأن أتلف مالاً لا يدري قيمته أو جرح جراحة لا يعلم أرشها،
والضمير في صح يرجع للإقرار المعلوم من أقر. قوله: (لأن جهالة المقر به لا تضر) كما
إذا أقر أنه غصب من رجل مالاً مجهولاً في كيس أو أودعه مالاً في كيس صح الغصب
والوديعة، وثبت حكمهما لأن الحق قد يلزمه مجهولًا الخ. قوله: (إلا إذا بين سبباً تضره
الجهالة کبيع) أي لو قال له سهم من داري غير معين ولا معلوم مقداره، لأني قد كنت
بعته ذلك لا يصح لأن البيع المجهول فاسد، وكذا لو كان الإقرار بإجارة كذلك.
واعلم أن المقر بالمجهول تارة يطلق، وتارة يبين سبباً لا تضره الجهالة كالغصب
والجناية، وتارة يبين سبباً تضره الجهالة، فالأول يصح ويحمل على أن المقر به لزمه بسبب لا
تضره الجهالة، والثاني ظاهر، والثالث لا يصح الإقرار به كالبيع والإجارة؛ فإن من أقر أنه
باع من فلان شيئاً أو آجر من فلان شيئاً أو اشترى من فلان كذا بشيء لا يصح إقراره، ولا
يجبر المقر على تسليم شيء. أفاده في الدرر والشرنبلالية. قوله: (كقوله لك على أحدنا ألف)

١٣٨
كتاب الإقرار
إلا إذا جمع بين نفسه وعبده فيصح، وكذا تضر جهالة المقر له إن فحشت كالواحد
من الناس عليّ كذا وإلا لا، كلأحد هذين عليّ كذا فيصح ولا يجبر على البيان
ظاهره أن القائل واحد من جماعة ولو يحصون، وصدوره من أحدهم لا يعين أنه هو
المطالب، وأنه لا يجبر المتكلم على البيان. قوله: (إلا إذا جمع بين نفسه وعبده فيصح) هذا في
حكم المعلوم، لأن ما على عبده يرجع إليه في المعنى لكن إنما يظهر هذا فيما يلزمه في
الحال، أما ما يلزمه بعد الحرية فهو كالأجنبي فيه، فإذا جمعه مع نفسه كان كقوله لك عليّ
أو على زيد وهو مجهول لا يصح. حموي. قال في الأشباه: إلا في مسألتين، فلا يصح:
الأولى أن يكون العبد مديوناً، الثانية أن يكون مكاتباً، فافهم. قوله: (وكذا تضر جهالة
المقر له) أي فتبطل فائدة الإقرار لعدم اعتباره. قوله: (وإلا لا) أي لا تضر الجهالة إن لم
تتفاحش على ما ذكر شيخ الإسلام في مبسوطه والناطفي في واقعاته، وسوّى شمس الأئمة
بين المتفاحشة وغيرها في عدم الاعتبار، لأن المجهول لا يصلح مستحقاً إذ لا يمكنه جبره
على البيان من غير تعيين المدعي فلا يفيد فائدته كما في المنح.
قال الحموي: أقول: مثل شراح الهداية وغيرها للفاحشة بأن قال لواحد من الناس
ولغير الفاحشة بأن قال لأحدكما ووقع تردد بدرس شيخ مشايخنا بين أهل الدرس: لو
قال لأحدكم وهم ثلاثة أو أكثر محصورون هل هو من الثاني أو الأول؟ فمال بعضهم إلى
أنه من قبيل غير الفاحشة، وانتصر له بما في الخانية لو قال من بايعك من هؤلاء وأشار
إلى قوم معينين معدودين فأنا قبيل بثمنه جازاهـ. قال السائحاني: ويظهر لي أن المتفاحش
مائة .
أقول: لكن الذي يظهر لي أن الفاحش ما زاد على المائة أخذاً من قولهم في كتاب
الشهادات من الباب الرابع فيمن تقبل شهادته من الهندية عن الخلاصة: شهادة الجند
للأمير لا تقبل إن كانوا يحصون، وإن كانوا لا يحصون تقبل. نص في الصيرفية في حد
الإحصاء مائة وما دونه، وما زاد عليه فهؤلاء لا يحصون. كذا في جواهر الإخلاطي،
وقدمناه في الشهادات. قوله: (فیصح) لأن صاحب الحق لا يعدو من ذكره وفي مثله يؤمر
بالتذكر؛ لأن المقرّ قد ينسى صاحب الحق. منح. وهذا قول الناطفي. وقال السرخسي
إنها تضر أيضاً قوله: (ولا يجبر على البيان) أي إن فحشت أو لا زاد الزيلعي: ويؤمر
بالتذكر لأن المقر قد ينسى صاحب الحق، وزاد في غاية البيان أنه يحلف لكل واحد منهما
إذا ادعى. وفي التاترخانية: ولم يذكر أنه يستحلف لكل واحد منهما يميناً على حدة،
بعضهم قالوا نعم، ويبدأ القاضي بيمين أيهما شاء أو يقرع، وإذا حلف لكل لا يخلو من
ثلاثة أوجه: إن حلف لأحدهما فقط يقضى بالعبد للآخر فقط، وإن نكل لهما يقضى به
وبقيمة الولد بينهما نصفين سواء نكل لهما جملة بأن حلفه القاضي لهما يميناً واحدة أو

١٣٩
كتاب الإقرار
لجهالة المدعى. بحر. ونقله في الدرر لکن باختصار مخل كما بينه عزمي زاده
على التعاقب بأن حلفه لكل على حدة، وإن حلف فقد برىء عن دعوة كل، فإن أراد أن
يصطلحا وأخذا العبد منه لهما ذلك في قول أبي يوسف الأول، وهو قول محمد كما قبل
الحلف، ثم رجع أبو يوسف وقال: لا يجوز اصطلاحهما بعد الحلف، قالوا: ولا رواية
عن أبي حنيفة اهـ.
أقول: والحاصل: أن قول الشارح ولا يجبر على البيان موافق لما في البحر والزيلعي
والعيني وشرح السيد حموي، ويخالفه ما في الدرر عن الكافي حيث قال: وإن لم يفحش
بأن أقر أنه غصب هذا العبد من هذا أو من هذا فإنه لا يصح عند شمس الأئمة
السرخسي؛ لأنه إقرار للمجهول. وقيل يصح وهو الأصح لأنه يفيد وصول الحق إلى
المستحق، لأنهما إذا اتفقا على أخذه فلهما حق الأخذ ويقال له: بين المجهول، لأن
الإجمال من جهته كما لو أعتق أحد عبديه وإن لم يبين أجبره القاضي على البيان إيصالا
للحق إلى المستحق اهـ. وكلام الشرنبلالية يفيد موافقة ما في الدرر من أنه يجبر على البيان
حيث قال: قوله كما لو أعتق أحد عبديه: يعني من غير تعيين، أما لو أعتق أحدهما
بعينه، ثم نسيه لا يجبر على البيان كما في المحيط اهـ.
وأقول: قوله لأن الإجمال الخ هكذا في الهداية وعامة الشراح قاطبة ربطوا هذا
الكلام على صحة الإقرار للمجهول، وصاحب الدرر ظن أنه مرتبط بالإقرار بالمجهول،
وليس كذلك كما يظهر لمن نظر نظر التدبر في كلام صاحب الكافي أيضاً، وقد سبق أنه لا
جبر على المقر لبيان المقر له عند كونه مجهولًا غير متفاحش، فاللائق عليه أن يأتي بهذا
الكلام في شرح قوله «ولزمه بیان ما جهل)).
أقول: وإنما يجبره القاضي على البيان فيما إذا أعتق أحد عبديه من غير تعيين، لأن
الظاهر من حال المقر هو العلم بالحق الذي أقر به، فيجب عليه البيان. لا يقال: إنه تقدم
عند. قوله: (أو مجهول) أن المقر قد يتلف مالًا لا يدري قيمته أو يجرح جراحة لا يعلم
أرشها. لأنا نقول: إن ذلك احتمال اعتبر هناك بتصحيح الإقرار بالمجهول، ولا يلزم من
ذلك أن يسمع قوله لا أدري في جميع ما أقر به، بل على القاضي أن يعتمد على ظاهر
الحال ولا يصدقه فيما هو محتمل. قوله: (لجهالة المدعي) أي فيهما، ولأنه قد يؤدي إلى
إيطال الحق على المستحق، والقاضي إنما نصب لإيصال الحق إلى مستحقه لا لإبطاله اهـ.
منح. قوله: (بحر) تتمة عبارته: ولكل منهما أن يحلفه. قوله: (ونقله في الدرر لكن
باختصار مخل كما بينه عزمي زاده) ليس في كلامه اختصار مخل بل زيادة مضرة ذكرها في
غير موضعها، وقد سمعت عبارته وصدرها، ولم يصح الإقرار للمجهول إذا فحشت
جهالته بأن يقول هذا العبد لواحد من الناس، لأن المجهول لا يكون مستحقاً، وإن لم

١٤٠
كتاب الإقرار
(ولزمه بیان ما جهل)
تفحش إلى آخر ما قدمنا عنها، واعترضه عزمي زاده بأن قوله: ويقال له بين المجهول
مرتبط بصحة الإقرار، مع جهالة المقر به لا بعدم الصحة في جهالة المقر له، ولا مساغ
لحمله على ذلك لأنه علل المسألة بأنه إقرار للمجهول، ولا يفيد لأن فائدته الجبر على
البيان، وصاحب الحق مجهول، وكان الواجب ذكر هذه المسألة في أثناء شرح قوله ((أقر
بمجهول صح)) ليوافق كلامه كلامهم ومرامه مرامهم اهـ.
وحاصله: أن ما ذكره صاحب الدرر من الجبر إنما هو فيما إذا جهل المقر به لا
المقر له لقول الكافي لأنه إقرار للمجهول، وأنه لا يفيد لأن فائدته الجبر على البيان، ولا
يجبر على البيان لأنه إنما يكون ذلك لصاحب الحق وهو مجهول.
فرع: لم يذكر الإقرار العام وذكره في البحر، وفي المنح: وصح الإقرار بالعام كما في
يدي من قليل أو كثير أو عبد أو متاع أو جميع ما يعرف بي أو جميع ما ينسب إليّ لفلان
وإن اختلفا في عين أنها كانت موجودة وقت الإقرار أو لا، فالقول قول المقر إلا أن يقيم
المقر له البينة أنها كانت موجودة في يده وقته.
واعلم أن القبول ليس من شرط صحة الإقرار، لكنه يرتد برد المقر له. صرح في
الخلاصة، وكثير من الكتب المعتمدة واستشكل المصنف بناء على هذا قول العمادي
وقاضيخان: الإقرار للغائب يتوقف على التصديق. ثم أجاب عنه وبحث في الجواب
الرملي ثم أجاب عن الإشكال بما حاصله: أن اللزوم غير الصحة، ولا مانع من توقف
العمل مع صحته كبيع الفضولي، فالمتوقف لزومه لا صحته، فالإقرار للغائب لا يلزم حتى
صح إقراره لغيره كما لا يلزم من جانب المقر له حتى صح رده، وأما الإقرار للحاضر
فيلزم من جانب المقر حتى لا يصح إقراره لغيره به قبل رده، ولا يلزم من جانب المقر له
فيصح رده، وأما الصحة فلا شبهة فيها من الجانبين بدون القبول وقدمنا شيئاً من ذلك
فارجع إليه. قوله: (ولزمه بيان ما جهل) أي يجبر عليه إذا امتنع كما في الشمني، لأنه
لزمه الخروج عما وجب عليه بالإقرار، لأن كثيراً من الأسباب تتحقق مع الجهالة
كالغصب والوديعة، لأن الإنسان يغصب ما يصادف ويودع ما عنده من غير تحرير في
قدره وجنسه ووصفه فيحمل عليه، حتى لو فسره بالبيع أو الإجارة لا يصح إقراره، لأن
هذه العقود لا تصح مع الجهالة فلا يجبر على البيان. زيلعي.
قال العلامة الخير الرملي: أقول به استخرجت جواب حادثة الفتوى: كرم وقف
استهلك العامل عليه حصة الوقف مدة سنين أو مات العامل وأقر ورثته باستهلاك ثمرته
في السنين المعينة إقراراً مجهولً في الغلة.