Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ كتاب الدعوى قلت: وهذا الخلاف فيما إذا كان كل قاض على محلة على حدة، أما إذا كان في المصر حنفي وشافعي ومالكي وحنبلي في مجلس واحد والولاية واحدة فلا ينبغي أن يقع الخلاف في إجابة المدعي، لما أنه صاحب الحق. كذا بخط المصنف على هامش البزازية، فليحفظ. (وركنها إضافة الحق إلى نفسه) لو أصيلاً كلي عليه كذا (أو) إضافته (إلى من ناب) المدعي (منابه) كوكيل وصي (عند النزاع) متعلق بإضافة الحق (وأهلها العاقل قوله: (قلت وهذا الخلاف) أي بين محمد القائل باعتبار المدعى عليه وبين أبي يوسف القائل باعتبار المدعي. قوله: (على حدة) أي لا يقضي على غير أهلها. قوله: (أما إذا كان في المصر حنفي وشافعي الخ) أي وقد ولى الحنفي على أن يحكم على جميع أهل المصر وكذا الشافعي ونحوه فليس هو كمن ولى على محلة. قوله: (في مجلس واحد) قيد اتفاقي والظاهر أنه أراد في بلدة واحدة لأن المدار على عموم الولاية كما تقدم، فلو اقتصر على قوله ((والولاية واحدة)) لكان أحسن، ويعني باتحادها عمومها. قوله: (والولاية واحدة) أي لم يخصص كل واحد بمحله. قوله: (لما أنه صاحب الحق) هذا ما يعطيه كلام المقدسي، وهو يفيد اعتبار المدعي ولو كان أحد القضاة يساعد المدعى عليه، وهذا التعليل منه أولى من تعليله السابق بقوله إذ لا تظهر فائدة في كون العبرة للمدعي أو المدعى عليه ط . قال الشارح في الدر المنتقى بعد أن ذكر نحو هذا: وأفتى بعض موالي الروم بأنه إن انضم إليه احتمال ظلمه فللمدعى عليه، والله تعالى الموفق ا هـ. قوله: (وركنها) أي الدعوى إضافة الحق إلى نفسه. الركن جزء الماهية، وقد قدم أنها قول مقبول الخ، فهي مركبة من إضافة الحق إلى نفسه ومن القول الدال عليه ومن كونه عند القاضي، فيكون أركانها ثلاثة، ويحتمل أن كونها عند القاضي شرط كما سيصرح به فيكون الركن شيئين فقط القول ومدلوله، وظاهر كلام الشارح أن الركن هو المدلول فقط. وأما القول فهو وسيلة إليه فيكون أراد بالركن الماهية وكثيراً ما يقع ذلك في كلامه، فليتأمل. قوله: (كوكيل ووصي) الأولى كموكل ويتيم. قوله: (عند النزاع الخ) إنما تسمى دعوى عند النزاع لأنه حينئذ يسمى مدعياً، أما بعد ثبوت حقه وانقطاع النزاع عنه فلا يسمى مدعياً، وكذا عند المسالمة فإنها ليست دعوى شرعاً. قال في البحر: فخرج الإضافة حالة المسالمة فإنها دعوى لغة لا شرعاً اهـ. ونظير ما تقدم عن البزازية عند قوله يقصد به طلب حق. قوله: (وأهلها) أدخله في البحر في الشروط، ونظم الحموي الشروط بقوله: [الطويل] ٥٤٢ كتاب الدعوى المميز) ولو وصياً لو مأذوناً في الخصومة وإلا لا أشباه. فَتِلْكَ ثَمَانٍ مِنْ نِظَامِي لَھَا حُلَا أَيَا طَالِبَاً مِنِّي شَرَائِطَ دَعْوَةٍ وَمَجْلِسُ حُكْمٍ بِالعَدَالَةِ سُرْبِلاً فَحَضْرَةُ خَصْمٍ وانْتِفّاءُ تَنَاقُضٍ وَإِمْكَانَهُ والعَقَّلُ دَامَ لَكَ العُلاَ كَذَلِكَ مَعْلُومِيَّةُ المُدَّعِي بِهِ وَإِلْزَامُهُ خَصْماً بهِ النَّظْمُ كُمِّلاً كَذَاكَ لِسَانُ المُدَّعِي مِنْ شُرُوطِھَا قوله: (ولو صبياً) أي ولو المميز صبياً. قوله: (وإلا) أي وإن لم يكن مأذوناً لا تصح دعواه كسائر عبارته الدائرة بين الضرّ والنفع. تتمة: أنقل العلامة أبو السعود عن الزيلعي أن الصبي العاقل المأذون له يستحلف ويقضى عليه بالنكول، ولا يستحلف الأب في مال الصبي والوصي في مال اليتيم ولا المتولي في مال الوقف إلا إذا ادعی علیھم العقد فیستحلفون حينئذ. ويأتي تمامه في محله إن شاء الله تعالى. وفي الفصول العمادية: لو ادعى على صبي محجور عليه شيئاً وله وصي حاضر لا تشترط حضرة الصبي ذكره في كتاب القسمة، ولم يفصل بين ما إذا كان المدعي عيناً أو ديناً وجب بمباشرة هذا الوصي أو وجب لا بمباشرته كضمان الاستهلاك ونحوه. وذكر الخصاف في أدب القاضي: لو ادعى على صبي محجور مالاً بالاستهلاك أو بالغصب، إن قال المدعي لي بيئة حاضرة تسمع دعواه ويشترط حضور الصغير لأن الصبي مؤاخذ بأفعاله والشهود محتاجون إلى الإشارة لكن يحضر معه أبوه أو وصيه، حتى إذا ألزم الصغير بشيء يؤدي عنه أبوه من ماله: يعني من مال الصغير. وذكر بعض المتأخرين حضرة الصغير عند الدعاوى شرط، سواء كان الصغير مدعياً أو مدعى عليه. والصحيح أنه لا يشترط حضرة الأطفال الرضع عند الدعاوى، هكذا ذكر في المحيط، وذكر رشيد الدين في فتاواه أن المختار أنه يشترط حضرة الصبي عند الدعاوی ا هـ. وفي جامع أحكام الصغار للأستروشني: ولو ادعى رجل على صبي محجور شيئاً وله وصي حاضر لا يشترط حضور الصبي، هكذا ذكر شيخ الإسلام، ولم يفصل بين ما إذا كان المدعي ديناً أو عيناً وجب الدين بمباشرة هذا الوصي أو لا. وذكر الناطفي في أجناسه: إذا كان الدين واجباً بمباشرة هذا الوصي لا يشترط إحضار الصبي. وفي أدب القاضي للخصاف: إذا وقع الدعوى على الصبي المحجور عليه إذا لم يكن للمدعي بينة فليس له حق إحضاره إلى باب القاضي: لأنه لو حضر لا يتوجه عليه ٥٤٣ كتاب الدعوى اليمين، لأنه لو نكل لا يقضي بنكوله، وإن كانت له بينة وهو يدعي عليه الاستهلاك كان له حق إحضاره، لأن الصبي مؤاخذ بأفعاله والشهود يحتاجون إلى الإشارة إليه فكان له حق إحضاره، ولكن يحضر معه أبوه حتى إذا لزم الصبي شيء يؤدي عنه أبوه من ماله. وفي كتاب الأقضية أن إحضار الصبي في الدعاوى شرط، وبعض المتأخرين من مشايخ زماننا منهم من شرط ذلك سواء كان الصغير مدعياً أو مدعى عليه، ومنهم من أبى ذلك. وإذا لم يكن للصبي وصي وطلب المدعي من القاضي أن ينصب عنه وصياً أجابه القاضي إلى ذلك. وفي فتاوى القاضي ظهير الدين: والصحيح أنه لا يشترط حضرة الأطفال الرضع عند الدعوى، ونشترط حضرة الصبي عند نصب الوصي للإشارة إليه. هكذا في الفتاوى. وفي كتاب الأقضية: ومن مشايخ زماننا من أبى ذلك، وقال لو كان الصبي في المهد يشترط إحضار المهد مجلس الحكم، ولا شك أن اشتراطه بعيد، والأول أقرب إلى الصواب وأشبه بالفقه ا هـ. وفي جامع أحكام الصغار للأستروشني أيضاً: الصبي التاجر والعبد التاجر يستحلف ويقضى عليه بالنكول. وذكر الفقيه أبو الليث أن الصبي المأذون له يستحلف عند علمائنا، وبه نأخذ. وفي الفتاوى أنه لا يمين على الصبي المأذون حتى يدرك. وذكر في النوادر: يحلف الصبي المأذون له ويقضي بنكوله. وفي المنية: الصبي العاقل المأذون له يستحلف ويقضي بنكوله. وفي الولوالجية: صبي مأذون باع شيئاً فوجد المشتري به عيباً فأراد تحليفه فلا يمين علیه حتى يدرك. وعن محمد: لو حلف وهو صبي ثم أدرك لا يمين عليه كالنصراني إذا حلف ثم أسلم لا يمين عليه، فهذا دليل على أنه لو حلف يكون معتبراً. وعن محمد: إذا ادعى على الصبي دين وأنكر الغلام فالقاضي يحلفه، وإن نكل يقضى بالدين عليه ولزمه في ذلك بمنزلة الكبير، وفي الصبي المحجور إذا لم يكن للمدعي بينة لا يكون له إحضاره إلى باب القاضي، لأنه لو حلف ونكل لا يقضى عليه بنكوله، ولو كان له بينة وهو يدعي عليه الاستهلاك له إحضاره لأنه مأخوذ بأفعاله، وإن لم يكن مأخوذاً بأقواله والشهود محتاجون إلى الإشارة إليه فيحضر، لكن يحضر معه أبوه ومن هو في معناه، لأن الصبي بنفسه لا يلي شيئاً فيحضر الأب، حتى إذا لزمه يؤمر الأب بالأداء عنه في ماله. كذا في الحواشي الحموية. ٥٤٤ كتاب الدعوى (وشرطها) أي شرط جواز الدعوى (مجلس القضاء وحضور خصمه) والحاصل: أن المفهوم مما ذكر أنه لا يلزم إحضار الصغير ولو مدركاً على الصحيح ما لم يكن مستهلكاً للإشارة إليه في الشهادة ولكن يحضر معه أبوه أو وصيه. قوله: (وشرطها) لم أر اشتراط لفظ مخصوص للدعوى وينبغي اشتراط ما يدل على الجزم والتحقيق، فلو قال أشك أو أظن لم تصح الدعوى. بحر. فائدة: لا تسمع الدعوى بالإقرار، لما في البزازبة عن الذخيرة: ادعى أن له عليه كذا وأن العين الذي في يذه له لما أنه أقر له به أو ابتدأ بدعوى الإقرار وقال إنه أقرّ أن هذا لي أو أقر أن لي عليه كذا. قيل يصح، وعامة المشايخ على أنه لا تصح الدعوى لعدم صلاحية الإقرار للاستحقاق الخ. بحر من فصل الاختلاف في الشهادة. وسيأتي متناً أول الإقرار. قوله: (أي شرط جواز الدعوى) أي صحتها. قوله: (مجلس القضاء) فيه مناقشة، فإن شرط الشيء خارج عن ذلك الشيء وحضور مجلس القاضي مأخوذ في مفهوم الدعوى حيث عرفها في الدرر بأنها مطالبة حق عند من له الخلاص. وأما على تعريف الكنز بأنها إضافة الشيء إلى نفسه حالة المنازعة فلا ترد هذه المناقشة. أبو السعود. والمراد بمجلس القاضي محل جلوسه حيث اتفق ولو في بيت أو دكان، إذ لا تسمع الدعوى ولا الشهادة إلا بين يدي القاضي، أما نوابه الآن في محاكم الكنارات فلا يصح سماعهم الدعوى إلا بها ما لم يطلق لهم الإذن بسماعها أينما أرادوا، فإذا أطلق لهم صاروا مثله. قوله: (وحضور خصمه) قال في البحر: ولا بد من بيان من يكون خصماً في الدعاوى ليعلم المدعى عليه، وقد أغفله الشارحون وهو مما لا ينبغي. فأقول: في دعوى الخارج ملكاً مطلقاً في عين في يد مستأجر أيمستعير أو مرتهن فلا بد من حضرة المالك وذي اليد، إلا إذا ادعى الشراء منه قبل الإجارة فالمالك وحده يكون خصماً، وتشترط حضرة المزارع إن كان البذر منه أو كان الزرع نابتاً وإلا لا. وفي دعوى الغصب عليه لا تشترط حضرة المالك. وفي البيع قبل التسليم لا بد في دعوى الاستحقاق والشفعة من حضرة البائع والمشتري فاسداً بعد القبض خصم لمن يدعي الملك فيه وقبل القبض الخصم هو البائع وحده وأحد الورثة ينتصب خصماً عن الكل فالقضاء عليه قضاء الكل وعلى الميت. وقيده في الجامع بكون الكل في يده وأن البعض في يده فبقدره والموصي له ليس بخصم في إثبات الدين إنما هو خصم في إثبات الوكالة أو الوصاية، إلا إذا كان موصی له بما زاد على الثلث ولا وارث فهو کالوارث. واختلاف المشايخ في إثبات الدین علی من في يده مال المیت وليس بوارث ولا وصي، ولا تسمع دعوى الدين على الميت على غريم الميت مديوناً أو دائناً أي لأجل المحاصصة. ٥٤٥ کتاب الدعوى والخصم في إثبات النسب خمسة: الوارث والوصي والموصى له والغريم للميت أو على الميت. وقف على صغير له وصي ولرجل فيه دعوى يدعيه على متولي الوقف لا على الوصي لأن الوصي لا يلي القبض. ولا تشترط حضرة الصبي عند الدعوى عليه وتكفي حضرة وصيه ديناً أو عيناً باشره الوصي أو لا. ولا تشترط حضرة العبد والأمة عند دعوى المولى أرشه ومهرها. ولو ادعى على صبي محجور عليه استهلاكاً أو غصباً وقال لي بينة حاضرة تسمع دعواه وتشترط حضرة الصبي مع أبيه أو وصيه وإلا نصب له القاضي وصياً، وتشترط حضرته عند الدعوى مدعياً أو مدعى عليه. والصحيح أنه لا تشترط حضرة الأطفال الرضع عند الدعوى. والمستأجر خصم لمن يدعي الإجارة في غيبة المالك على الأقرب إلى الصواب، وليس بخصم على الصحيح لمن يدعي الإجارة أو الرهن أو الشراء والمشتري خصم للكل کالموهوب له. وفي دعوى العين المرهونة تشترط حضرة الراهن والمرتهن وتصح الدعوى على الغاصب وإن لم تكن العين في يده، فلذا كان للمستحق الدعوى على البائع وحده، وإن كان المبيع في يد المشتري لكونه غاصباً والمودع أو الغاصب إذا كان مقراً بالوديعة والغصب لا ينتصب خصماً للمشتري وينتصب خصماً لوارث المودع أو المغصوب منه. ومن اشترى شيئاً بالخيار فادعاه آخر يشترط حضرة البائع والمشتري باطلًا لا يكون خصماً للمستحق، وإذا استحق المبيع بالملك المطلق وقضى به فبرهن البائع على النتاج وبرهن على المشتري في غيبة المستحق ليدفع عنه الرجوع بالثمن اختلف المشايخ، والأصح أنه لا يشترط حضرته. ومنهم من قال: المختار اشتراطها، وأفتى السرخسي بالأول وهو الأظهر. والأشبه أن الموصى له ينتصب خصماً للموصى له فيما في يده، فإن لم يقبض ولكن قضى له بالثلث فخاصمه موصى له آخر: فإن إلى القاضي الذي قضى له كان خصماً، وإلا فلا. وإذا ادعى نكاح امرأة ولها زوج ظاهر يشترط حضرته لسماع الدعوى والبينة ودعوى النكاح عليها بتزويج أبيها صحيحة بدون حضرة أبيها. ودعوى الواهب الرجوع في الهبة للعبد عليه صحيحة إن كان مأذوناً، وإلا فلا بد من حضرة مولاه. ٥٤٦ کتاب الدعوى فلا يقضى على غائب وهل يحضره بمجرد الدعوى إن بالمصر أو بحيث يبيت بمنزله؟ نعم، وإلا فحتی یبرهن أو يحلف والقول للواهب أنه مأذون ولا تقبل بينة العبد أنه محجور، فإن غاب العبد لم تصح دعوى الرجوع على مولاه إن كانت العين في يد العبد. وتمامه في خزانة المفتين ا هـ. قوله: (فلا يقضى على غائب) أي بالبينة سواء كان غائباً وقت الشهادة أو بعدها وبعد التزكية، وسواء كان غائباً عن المجلس أو عن البلد إلا أن يكون ذلك ضرورياً، كما إذا توجه القضاء على الخصم فاستتر بشرطه المذكور في موضعه. ابن الغرس: وأما إذا أقر عند القاضي فيقضى عليه وهو غائب، لأن له أن يطعن في البينة دون الإقرار، ولأن القضاء بالإقرار قضاء إعانة، لكن قال في الخامس والعشرين من جامع الفصولين ناقلاً عن الخانية: غاب المدعى عليه بعد ما برهن عليه أو غاب الوكيل بعد قبول البينة قبل التعديل أو مات الوكيل ثم عدلت تلك البينة لا يحكم بها. وقال أبو يوسف: يحكم وهذا أرفق بالناس. ولو برهن على الموكل فغاب ثم حضر وكيله أو على الوكيل ثم حضر موكله يقضي بتلك البينة، وكذا يقضي على الوارث ببينة قامت على مورثه، وقد مر الكلام على ذلك مستوفى في القضاء، فراجعه. وكذا لا تسمع الشهادة على غائب إلا إذا التمس المدعي بذلك كتاباً حكمياً للقضاء به فيجيبه القاضي إليه، فيكتب إلى القاضي الغائب الذي بطرفه الخصم بما سمعه من الدعوى والشهادة ليقضي عليه كما في الهندية عن البدائع. قوله: (وهل يحضره بمجرد الدعوى) أي يحضر القاضي الخصم. قوله: (فحتى يبرهن) يعني قال بعضهم: إنما يحضره إذا برهن على دعواه لا للقضاء بها بل ليعلم صدقه. وقال بعضهم: إنما تقام البينة على الخصم ولا خصم هنا بل يحلفه بالله أنه صادق فيما يدعي عليه ليعلم بذلك صدقه، فإن حلف أحضر له خصمه. قوله: (أو يحلف) أو لحكاية الخلاف، لأنهما قولان لا قول واحد يخير فيه بين البرهان والتحليف. قال في البحر: إن كان في المصر أو قريباً منه بحيث لو أجاب يبيت في منزله، وإن كان أبعد منه قيل يأمره بإقامته البينة على موافقة دعواه لإحضار خصمه والمستور في هذا يكفي، فإذا أقام يأمر إنساناً ليحضر خصمه. وقيل يحلفه القاضي، فإن نكل أقامه عن مجلسه، وإن حلف أمر بإحضاره اهـ. قال قاضيخان: فإذا أقام البينة قبلت بينته للأشخاص لا للقضاء ا هـ: أي بل لإحضاره، فإذا حضر أعاد البينة ثانياً، فإن عدلت قضى عليه كما في شرح أدب القاضي. قال الشلبي: وعمل قضاة زماننا على خلاف ما تقدم، فإذا أتى لهم شخص فقال لي دعوى على شخص يأمرون بإحضاره من غير أن يستفسروا المدعي عن دعواه ليعلموا ٥٤٧ کتاب الدعوى صحتها من فسادها، وهذا منهم غفلة عما ذکروه أو جهل به ا هـ. وفي خزانة الأكمل: قال أبو يوسف: لو اختفى المدعى عليه في البيت بعث إليه القاضي نساء وأمرهن بدخول داره، فإن عرفنه، وإلا عزل النساء في بيت ثم يدخل الرجال فيفتشون بقية الدار. قال هشام لمحمد: ما تقول في رجل له حق على ذي سلطان فلم يجيء معه إلى مجلس القاضي؟ فأخبرني أن أبا يوسف كان يعمل بالإعداء وهو قول أهل البصرة وبه نأخذ. والإعداء أن يبعث القاضي إلى بابه من يأتيه به، بأن يقول له إن القاضي يدعوك إلى مجلس الحكم، فإن أجابه فبها، وإلا جعل القاضي وكيلاً عنه. ولا يأخذ أبو حنيفة بالإعداء ا هـ. قال في البحر: ولم يذكر الشارحون هنا حكم استيفاء ذي الحق حقه من الغير بلا قضاء، وأحببت جمعه من مواضعه تكثيراً للفوائد وتيسيراً على طالبيها، فإن كان الحق حد قذف فلا يستوفيه بنفسه لأن فيه حق الله تعالى اتفاقاً. والأصح أن الغالب فيه حقه تعالى، فلا يستوفيه إلا من يقيم الحدود ولكن يطلب المقذوف كما بيناه في بابه؛ وإن كان قصاصاً فقال في جنايات البزازية: قتل الرجل عمداً وله وليّ له أن يقتص بالسيف فقضى به أولاً ويضرب علاوته، ولو رام قتله بغير سيف منع، وإن فعل عزّر لكن لا يضمن لاستيفائه حقه اهـ. وإن كان تعزيراً ففي حدود القنية: ضرب غيره بغير حق وضربه المضروب أيضاً أنهما يعزّران، ويبدأ بإقامة التعزير بالبادىء منهما لأنه أظلم والوجوب عليه أسبق أهـ. وأما إذا شتمه فله أن يقول له مثله، والأولى تركه كما قدمناه في محله، بخلاف ما إذا قذفه فلا يجوز له أن یقول له مثله کما إذا قال له یا کلب لأنه كذب محض. وقالوا: للزوج أن يؤدب زوجته، وله أن يضربها على عدم إجابته إذا دعاها الفراشه ولا مانع، وعلى ترك الزينة وهو يريدها، وعلى ضربها ولده، وعلى خروجها بغير إذنه بغير حق، وعلى صعودها على السطح لتطلّ على الجيران أو يراها الأجانب، وحينئذ فله أن يقفل عليها الباب. والصحيح أنه لا يضربها على ترك الصلاة كما مر في موضعه مفصلًا. وفي جامع الفصولين من التحليف: ومن عليه التعزير لو مكن صاحب الحق منه أقامه: يعني لم يختص الإمام بإقامته، فإن الزوج يؤدب المرأة ولو رأى أحداً يفعل ذلك فله أن يمنعه ويضربه لو لم ينزجر بالمنع باللسان، ولو كان حقه تعالى لانعكست هذه الأحكام اهـ. وإن كان عيناً. ففي إجارة القنية: ولو غاب المستأجر بعد السنة ولم يسلم المفتاح إلى الآجر فله أن يتخذ مفتاحاً آخر، ولو أجره من غير إذن الحاكم جازا هـ. ٥٤٨ کتاب الدعوى مَطْلَبُ: حَادِثَةُ الفَتْوَى وقد صارت حادثة الفتوى: مضت المدة وغاب المستأجر وترك متاعه في الدار فأفتيت بأن له أن يفتح الدار ويسكن فيها، وأما المتاع فيجعله في ناحية إلى حضور صاحبه، ولا يتوقف الفتح على إذن القاضي أخذاً مما في القنية. وفي غصب منية المفتي: أخذت أغصان شجرة إنسان هواء دار آخر فقطع ربّ الدار الأغصان: فإن كانت الأغصان بحال يمكن لصاحبها أن يشدها بحبل ويفرغ هواء داره ضمن القاطع، وإن لم يكن لا يضمن إذا قطع من موضع لو رفع إلى الحاكم أمر بالقطع من ذلك الموضع : هـ. وإن كان ديناً، ففي مداينات القنية رب الدين إذا ظفر من جنس حقه من مال المدیون على صفته فله أخذه بغير رضاه، ولا يأخذ خلاف جنسه كالدراهم والدنانير. وعند الشافعي: له أخذه بقدر قيمته. وعن أبي بكر الرازي: له أخذ الدراهم بالدنانیر استحساناً لا قياساً، ولو أخذ من الغريم جنس الحق غير رب الدین ودفعه لرب الدین. قال ابن سلمة: هو غاصب والغريم غاصب الغاصب، فإن ضمن الآخذ لم يصر قصاصاً بدينه، وإن ضمن الغريم صار قصاصاً. وقال نصير بن يحيى: صار قصاصاً بدينه والآخذ معين له، وبه يفتى. ولو غصب غير الدائن جنس الدين من المديون فغصبه منه الدائن، فالمختار هنا قول ابن سلمة اهـ. وظاهر قول أصحابنا أن له الأخذ من جنسه مقراً كان أو منكراً له بينة أو لا، ولم أر حكم ما إذا لم يتوصل إليه إلا بكسر الباب ونقب الجدار، وينبغي أن له ذلك حيث لا يمكنه الأخذ بالحاكم. وإذا أخذ غير الجنس بغير إذنه فتلف في يده ضمنه ضمان الرهن كما في غصب البزازية. ولم أر حكم ما إذا ظفر بمال مديون مديونه والجنس واحد فيهما وينبغي أن يجوز ا هـ بزيادة وبعض تغيير. لكن في إطلاق قوله ضمنه ضمان الرهن وعزوه لغصب البزازية نظر. فإن الذي في غصب البزازية: رفع عمامة مديونه عن رأسه حين تقضاه الدين وقال لا أردها عليك حتى تقضي الدين فتلفت العمامة في يده تهلك هلاك الرهن بالدين. قال: هذا إنما يصح إذا أمكنه استردادها فتركها عنده. أما إذا عجز فتركها لعجزه ففيه نظر ا هـ. وأنت خبير بأن ما هنا مشكل، إذ يقتضي أن الزائد على الدين أمانة مع كونه غاصباً، إذ ليس له أخذ غير جنس حقه، فتأمل ذلك. وفي البزازية في الرهن: تقاضى دينه فلم يقضه فرفع العمامة عن رأسه وأعطاه منديلاً فلفه على رأسه فالعمامة رهن؛ لأن الغريم بتركها عنده رضي بكونها رهناً، وسيأتي في الرهن متناً أخذ عمامة المديون لتكون رهناً عنده لم تكن رهناً اهـ. وفي جامع الفصولين: أخذ عمامة مدیونه لتكون رهناً لم يجز أخذه وهلکه کرهن، ٥٤٩ كتاب الدعوى منية (ومعلومية) المال (المدعي) وهذا ظاهر لو رضي المديون بتركه رهناً ا هـ. والتوفيق بين النقول ظاهر، فتأمل، والله تعالى أعلم. قوله: (منية) عبارتها إذا طلب من القاضي إحضار الخصم وهو خارج المصر، إن كان الوضع قريباً بحيث لو ابتكر من أهله أمكنه أن يحضر مجلس القاضي ويجيب خصمه ويبيت في منزله يحضره بمجرد الدعوى، كما إذا كان في المصر، وإن كان أبعد قيل يأمره بإقامة البينة على موافقة دعواه لإحضار خصمه. وقيل يحلفه القاضي، فإن نكل أقامه عن مجلسه وإن حلف يأمر بإحضاره ا هـ كما قدمناه بأوضح من هذا. قوله: (ومعلومية المال المدعي) أي ببيان جنسه وقدره بالإجماع، لأن الغرض إلزام المدعى عليه عند إقامة البينة، ولا إلزام فيما لا يعلم جنسه وقدره. قال في البحر: وأشار باشتراط معلومية الجنس والقدر إلى أنه لا بد من بیان الوزن في الموزونات. وفي دعوى وقر رمان أو سفرجل لا بد من ذكر الوزن للتفاوت في الوقر، ويذكر أنه حلو أو حامض أو صغير أو كبير. وفي دعوى الكعك يذكر أنه من دقيق المغسول أو من غيره، وما عليه من السمسم أنه أبيض أو أسود وقدر السمسم. وقيل لا حاجة إلى السمسم وقدره وصفته. وفي دعوى الإبريسم بسبب السلم لا حاجة إلى ذكر الشرائط، والمختار أنه لا بد من ذكر الشرائط . وفي القطن يشترط بيان أنه بخاري أو خوارزمي. وفي الحناء لا بد من بيان أنه مدقوق أو ورق. وفي الديباج إن سلماً يذكر الأوصاف والوزن، وإن عيناً لا حاجة إلى ذكر الوزن ويذكر الأوصاف، ولا بد من ذكر النوع والوصف مع ذكر الجنس والقدر في المكيلات، ويذكر في السلم شرائطه من إعلام جنس رأس المال وغيره ونوعه وصفته وقدره بالوزن إن كان وزنياً، وانتقاده بالمجلس حتى يصح، ولو قال بسبب بيع صحيح جرى بينهما صحت الدعوى بلا خلاف. وعلى هذا في كل سبب له شرائط قليلة يكتفي بقوله بسبب کذا صحیح. وإن ادعی ذهباً أو فضة فلا بد من بیان جنسه ونوعه إن كان مضروباً كبخاري الضرب وصنعته جيداً أو وسطاً أو رديئاً إذا كان في البلد نقود مختلفة. وفي العمادي: إذا كان في البلد نقود وأحدها أروج لا تصح الدعوى ما لم يبين. وتمامه في البزازية وخزانة المفتين ا هـ. قال في البزازية: ولو قال بسلم صحيح ولم يذكر الشرائط، كان شمس الإسلام رحمه الله تعالى يفتي بالصحة وغيره لا؛ لأن شرائطه مما لا يعرفه إلا الخواص ويختلف فيه ٥٥٠ کتاب الدعوى إذ لا يقضى بمجهول، ولا يقال مدعى فيه وبه إلا أن يتضمن الإخبار. (و) شرطها أيضاً (كونها ملزمة) شيئاً على الخصم بعد ثبوتها وإلا كان عبثاً بعضها. وفي المنتقى: لو قال ببيع يكفي، وعلى هذا كل ما له شرائط كثيرة لا يكتفي فيه بقوله بسبب صحيح، وإذا قلت الشرائط يكتفي به. أجاب شمس الإسلام فيمن قال كفل كفالة صحيحة أنه لا يصح كما في السلم لأن المسألة مختلف فيها، فلعله صحيح على اعتقاده لا في الواقع ولا عند الحاكم، والحنفي يعتقد عدم صحة الكفالة بلا قبول فيقول كفل وقبل المكفول له في المجلس فيصح ويذكر في القرض وأقرضه منه مال نفسه لجواز أن يكون وكيلاً في الإقراض من غيره والوكيل سفير فيه فلا يملك الطلب ويذكر أيضاً قبض المستقرض وصرفه إلى حوائجه ليكون ديناً بالإجماع، فإن كونه ديناً عند الثاني موقوف على صرفه واستهلاكه، وتمامه فيها. قوله: (إذ لا يقضي بمجهول) أي لأن فائدة الدعوى القضاء بها ولا يقضي بمجهول فلا تصح دعوى المجهول. ويستثنى من فساد الدعوى بالمجهول دعوى الرهن والغصب، لما في الخانية: إذا شهدوا أنه رهن عنده ثوباً ولم يسموا الثوب ولم يعرفوا عينه جازت شهادتهم والقول للمرتهن في أيّ ثوب كان وكذلك في الغصب ا هـ. فالدعوى بالأولى. وفي المعراج: وفساد الدعوى، إما أن لا يكون لزمه شيء على الخصم أو يكون المدعي مجهولاً في نفسه ولا يعلم فيه خلاف إلا في الوصية، بأن ادعى حقاً من وصية أو إقرار فإنهما يصحان بالمجهول، وتصح دعوى الإبراء المجهول بلا خلاف اهـ. فبلغت المستثنيات خمسة اهـ. وفي الأشباه: ولا يحلف على مجهول إلا في مسائل: الأولى: إذا اتهم القاضي وصي اليتيم. الثانية: إذا اتهم متولي الوقف فإنه يحلفهما نظراً للوقف واليتيم. الثالثة: إذا ادعى المودع خيانة مطلقة. الرابعة: الرهن المجهول. الخامسة: دعوى الغصب. السادسة: دعوى السرقة اهـ. قوله: (ولا يقال مدعى فيه) قال الحلبي: تعديته بفي لم أرها فليراجع اهـ. قال الشيخ أبو الطيب: لم أجد في كتاب أن المدعى فيه خطأ أو لغو، ولعل الشارح وجده اهـ. وفي طلبة الطلبة: ولا يقال مدعى فيه وبه وإن كان يتكلم به المتفقهة إلا أنه مشهور فهو خير من صواب مهجور. حموي. أقول: وحينئذ يستغني عما قاله الشارح من أن الادعاء يضمن معنى الإخبار فيعدي بالباء. تأمل. قوله: (إلا أن يتضمن الإخبار) في بعض النسخ ((إلا بتضمن الإخبار)) بحذف ((أن)) وبالباء الموحدة في تضمن: أي فعل الدعوى يتعدى بنفسه فيقال ادعاه، وقد يضمن معنى الإخبار فيقال ادعى بأرض أي أخبر بأنها له فهو راجع إلى به وبقي الأول على عمومه. قوله: (وكونها ملزمة) فلا تصح دعوى التوكيل على موكله الحاضر لإمكان ٥٥١ کتاب الدعوى (وكون المدعي مما يحتمل الثبوت، فدعوى ما يستحيل وجوده) عقلًا أو عادة (باطلة) لتيقن الكذب في المستحيل العقلي، كقوله لمعروف النسب أو لمن لا يولد مثله لمثله هذا ابني، وظهوره في المستحيل العادي كدعوى معروف بالفقر أموالاً عظيمة على آخر أنه أقرضه إياها دفعة واحدة أو غصبها منه فالظاهر عدم سماعها. بحر. وبه جزم ابن الغرس في الفواكه البدرية. (وحكمها وجوب الجواب على الخصم) وهو المدعى عليه بلا أو بنعم، حتى لو سكت كان إنكاراً فتسمع البينة عليه إلا أن يكون اخرس. اختيار. عزله. بحر. قوله: (وظهوره) أي الكذب وهو بالجر عطفاً على تيقن. قوله: (کدعوى معروف بالفقر) وهو أن يأخذ الزكاة من الأغنياء. منح: أي إن ادعى لنفسه، أما لو ادعى وكالة عن غني فيصح كما صرح به ابن الغرس لأنه غير مستحيل عادة. قوله: (أنه أقرضه إياها) نقداً منح. قوله: (دفعة واحدة) ظاهر التقييد بما ذكر أنه إذا ادعاها ثمن عقار كان له أو ادعاها قرضاً بدفعات أن تسمع دعواه. قوله: (وبه جزم ابن الغرس في الفواكه البدرية) في القضايا الحكمية حيث قال: ومن شروط صحة الدعوى أن يكون المدعي به مما يحتمل الثبوت بأن يكون مستحيلاً عقلاً أو عادة، فإن الدعوى والحال ما ذكر ظاهرة الكذب في المستحيل العادي يقينية الكذب في المستحيل العقلي مثلاً، الدعوى بالمستحيل العادي دعوى من هو معروف بالفقر والحاجة، وهو أن يأخذ الزكاة من الأغنياء ويدعي على آخر أنه أقرضه مائة ألف دينار ذهباً نقداً دفعة واحدة وأنه تصرف فيها بنفسه ويطالبه برد بدلها فمثل هذه الدعوى لا يلتفت إليها القاضي لخروجها مخرج الزور والفجور، ولا يسأل المدعى عليه عن جوابها اهـ. قال في المنح: لكنه لم يستند في منع دعوى المستحيل العادي إلى نقل عن المشايخ اهـ. قال في البحر في آخر باب التحالف والله أعلم هل منقول أو قاله تفقهاً كما وقع لي ثم ذكر نحو ما ذكره ابن الغرس، إلى أن قال: قلت: اللهم إلا أن يقال: غصب لي مالاً عظيماً كنت ورثته من مورثي المعروف بالغنى فحينئذ تسمع اهـ. قلت: لكن في المذهب فروع تشهد له منها ما سيأتي آخر فصل التحالف. قوله: (حتى لو سكت) لا يظهر التفريع ط. قال في البحر: وزاد الزيلعي وجوب الحضور على الخصم، وفيه نظر لأن حضوره شرطها كما قدمناه فكيف يكون وجوبه حكمها المتأخر عنها اهـ. وأقول: وعبارة الزيلعي: وحكمها وجوب الجواب على الخصم إذا صحت، ويترتب على صحتها وجوب إحضار الخصم، والمطالبة بالجواب بلا أو نعم، وإقامة البينة أو اليمين ٥٥٢ کتاب الدعوى وسنحققه. وسببها تعلق البقاء المقدر بتعاطي المعاملات (فلو كان ما يدعيه منقولًاً في يد الخصم وذكر) المدعي (أنه في يده بغير حق) لاحتمال كونه مرهوناً في يده أو إذا أنكر اهـ. فليس في كلام الزيلعي ما يفيد أنه جعل وجوب الحضور حكماً. وغاية ما استفيد من كلامه أن القاضي لا يحضره بمجرد طلب المدعي بل بعد سماعه دعواه، فإن رآها صحيحة أحضره لطلب الجواب وإلا فلا، فتدبر. أبو السعود. قوله: (وسنحققه) أي في شرح قول المصنف ((وقضى بنكوله مرة)). قوله: (تعلق البقاء) أي بقاء عالم المكلفين. قوله: (المقدر) أي المحكم وهو نعت البقاء: أي الذي قدره الله تعالى. قوله: (بتعاطي المعاملات) أي بسبب تعاطي المعاملات، وهو متعلق بتعلق: أي والمعاملات من نحو البيع والإجارة والاستئجار وغير ذلك يجري فيها الزيادة والنقصان والإقرار والجحود والتوكيل وغير ذلك، فكانت الدعوى مما يقتضي بقاءه، لأنه لو أهملت لضاعت أحواله، لأن الإنسان مدني بالطبع لا يمكن أن يقوم بجميع ما يحتاج إليه، والدعوى من المعاملات، فما كان سبباً للمعاملات وهو تعلق البقاء كان سبباً لها. قوله: (فلو كان ما يدعيه منقولًا) أي مجحوداً غير وديعة، أما المقرّ به لا يلزم إحضاره لأنه يأخذه من المقر، وكذا لو كان وديعة لا يصح الأمر بإحضارها إذ الواجب فيها التخلية لا النقل ط. ويرد عليه أن الدعوى في العین الوديعة إنما تكون إذا جحدها، وحينئذ فتكون مغصوبة، والعين المغصوبة يكلف إحضارها. تأمل. والقهستاني زاد: وذكر في الخزانة أنهم لو شهدوا بشيء مغيب عن المجلس قبلت وإن أمكن إحضاره، بخلاف ما قال بعض الجهال إنه لا تقبل اهـ. لكنه غريب فليتأمل، ويأتي خلافه. قوله: (وذكر المدعي أنه في يده) فلو أنكر كونه في يده فبرهن المدعي أنه كان في يد المدعى عليه قبل هذا التاريخ بسنة هل يقبل ويجبر بإحضاره؟ قال صاحب جامع الفصولين: ينبغي أن يقبل إذا لم يثبت خروجه من يده فتبقى ولا تزول بشك، وأقره في البحر، وجزم به القهستاني. ورده في نور العين بأن هذا استصحاب، وهو حجة في الدفع لا في الإثبات، ولا شك أن ما ذكر من قبيل الإثبات. قال صاحب التوضيح: ومن الحجج الفاسدة الاستصحاب، وهو حجة عند الشافعي في كل ما يثبت وجوده بدليل ثم وقع الشك في بقائه. وعندنا حجة للدفع لا للإثبات، إذ الدليل الموجب لا يدل على البقاء وهذا ظاهر اهـ. قوله: (بغير حق لاحتمال كونه مرهوناً الخ) فإن الشيء قد يكون في يد غير المالك بحق كالرهن في يد المرتهن والمبيع في يد البائع لأجل قبض الثمن. قال صدر الشريعة: هذه علة تشمل العقار أيضاً، فما وجه تخصيص المنقول بهذا الحكم؟ أقول: دراية وجهه موقوفة على مقدمتين مسلمتين. ٥٥٣ کتاب الدعوى إحداهما: أن دعوى الأعيان لا تصح إلا على ذي اليد كما قال في الهداية: إنما ینتصب خصماً إذا كان في يده. والثانية: أن الشبهة معتبرة يجب دفعها لا شبهة الشبهة؛ كما قالوا: إن شبهة الربا ملحقة بالحقيقة لا شبهة الشبهة. إذا عرفتهما فاعلم أن في ثبوت اليد على العقار شبهة لكونه غير مشاهد، بخلاف المنقول فإن فيه مشاهدة فوجب دفعها في دعوى العقار بإثباته بالبينة لتصح الدعوى، وبعد ثبوته يكون احتمال كون اليد لغير المالك شبهة الشبهة فلا يعتبر. وأما في اليد في المنقول فلكونه مشاهداً لا يحتاج إلى إثباته. لكن فيه شبهة كون اليد لغير المالك فوجب دفعها لتصح الدعوى اهـ. قال المولى عبد الحليم: قد نشأ من كلام صدر الشريعة هذا كلمات للفضلاء المتأخرين، وعد كل منهم ما طوّلوا تحقيقاً وما لخصوا تدقيقاً، وقد وقع بينهم تدافع فذيلوا کلامهم بالحمد لله علی کونهم مهتدین لما منحوا. أقول: ومن الله التوفيق وبيده أزمة التحقيق والتدقيق: إنه لا خفاء في أنه لا اختصاص لقوله بغير حق بالمنقول لأن مفاده دفع احتمال كون المدعي مرهوناً أو محبوساً بالثمن في يده، ففي المنقول: كما احتاج إلى هذا الدفع احتاج في العقار أيضاً. ومن ذلك أن المشايخ صرحوا في هذا الدفع بأنه وجب أن يقول في المنقول بغير حق، وأن يذكر في العقار أنه يطالبه، لأن ظاهر حال الطالب أن لا يطالبه إلا إذا كان له الطلب وذا لا يكون إذا كان في يد غيره بحق، فمطالبته بالعقار تتضمن قوله بغير حق، ولذلك دفعت هذا الاحتمال كما صرح به في الهداية. وقد قال ظهير الدين المرغیناني: إنه لا بد في دعوى العقار من معرفة القاضي كونه في يد المدعى عليه، فيذكر المدعي أنه في يده اليوم بغير حق كما في العمادية. وأيضاً لا اختصاص في المطالبة بالعقار، إلا أن وجوبها لما كان بعد إحضار المنقول وتضمنها طلب الإحضار في الجملة لم يحتاجوا إلى التصريح بها؛ ولله درهم في التحقيق والتدقيق. إذا عرفت هذا ظهر أن إشكال صدر الشريعة ساقط عن أصل، وأنه لا فرق بينهما في الاحتياج إلى هذا الدفع. نعم وجد الفرق بينهما وهو أن المنقول لما غلب فيه الإعارة والرهن بل البيع وجرى الغصب عليه بالاتفاق دون العقار أوجبوا في المنقول التصريح بأنه في يده بغير حق، واكتفوا في العقار بتضمن كلامه هذا المعنى. ٥٥٤ کتاب الدعوى محبوساً بالثمن في يده (وطلب) المدعي (إحضاره إن أمكن) فعلى الغريم إحضاره (ليشار إليه في الدعوى والشهادة) وأيضاً ما ذكره المصنف هنا يصلح أن يكون علة أيضاً للزوم التصريح في المنقول بغير حق وللاكتفاء بتضمن كلامه ذلك في العقار هذا، خير الكلام ما قل ودل، ولا تعجب من تبديل كلمات جم غفير فإنه ثمرة الانتباه. ولا مبدل لكلمات الله . ولا يشاركها فيه كلمات من سواه يورثه من يشاء ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانًا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلًا أَنْ هَدَانَا الله﴾ [الأعراف: ٤٣] وهو حسبي ونعم الوكيل. قوله: (وطلب المدعي إحضاره) هذا إذا لم يكن المدعى عليه مودعاً، فإذن ادعى عين وديعة لا يكلف إحضارها بل يكلف التخلية كما تقدم قريباً. ونقله في البحر عن جامع الفصولين. قال في غاية البيان: ثم إذا حضر ذلك الشيء إلى مجلس القاضي فشهدوا بأنه له ولم یشهدوا بأنه ملکه يجوز لأن اللام للتمليك، وکذلك إن شهدوا بأن هذا مالك له أو شهدوا على إقرار المدعى عليه بأنه للمدعي وذلك لا إشكال فيه، إنما الإشكال فيما لو ادعى أنه أقر بهذا الشيء ولم يدع بأنه ملكي وأقام الشهود على ذلك هل يقبل وهل يقضي بالملك؟ منهم من يقول نعم، فقد ذكرنا أن الشهود لو شهدوا بأن هذا أقر بهذا الشيء له تقبل وإن لم يشهدوا بأنه ملكه وكذلك المدعي، وأكثرهم على أنه لا تصح الدعوى ما لم يقل أقرّ به وهو ملكي، لأن الإقرار خبر والخبر يحتمل الصدق والكذب، فإذا كان كذباً لا يوجب والمدعي يقول أقر به لي يصير مدعياً للملك والإقرار غير موجب له فلم توجد دعوى الملك، فلهذا شرط قوله وهو ملكي، بخلاف الشهادة لأن الثابت بها كالثابت بالمعاينة ا هـ ملخصاً. قوله: (إن أمكن) المراد بالممكن ما لا مؤنة في نقله لا ما يمكن مطلقاً، لئلا يلزم تكليفه الإحضار مع الإمكان ولو فيما له حمل ومؤنة مع أنه لا يلزمه. أبو السعود. وقيل في كلام المتون مساهلة، لأن في دعوى عين وديعة لا يكلف إحضارها وإنما يكلف التخلية. أقول: سوق الكلام على أن المدعي الواجب إحضاره ما يكون في يد الخصم بغير حق، والوديعة ليست كذلك فلا يشملها صدر الكلام حتى يحتاج إلى تدارك إخراجها هنا كما لا يخفى، اللهم إلا أن يقال: بالإنكار لها صارت غصباً فيكلف إحضارها كما قدمناه عند قوله ((فلو كان ما يدعيه منقولًا)) فتدبر. قوله: (فعلى الغريم إحضاره) قدره ليفيد وجوبه، وهذا إذا لم يكن هالكاً ولا غائباً ولا ممتنع الوصول إليه بسبب من الأسباب ولا يحتاج إلى حمل ومؤنة كما يأتي قريباً. قوله: (ليشار إليه في الدعوى) بأن يقول هذا ثوبي مثلاً، لأن الإعلام بأقصى ما يمكن شرط وذلك بالإشارة في المنقول لأن النقل ممكن والإشارة أبلغ في التعريف. قوله: (والشهادة) بأن يقول الشاهد أشهد أن هذا الثوب لهذا ٥٥٥ كتاب الدعوى والاستخلاف (وذكر) المدعي (قيمته إن تعذر) إحضار العين بأن كان في نقلها مؤنة وإن قلت. ابن كمال معزياً للخزانة (بهلاكها أو غييتها) لأنه مثله معني المدعي مثلاً. قوله: (والاستحلاف) بالله العظيم هذا الثوب لي وهو في يدك بغير حق. قوله: (بأن كان في نقلها مؤنة) فيه أن هذا من قبيل الرحى والصبرة فذكره هاهنا سهو. قال في إيضاح الإصلاح: إلا إذا تعسر بأن كان في نقله مؤنة وإن قلت ذكره في الخزانة. والأولى في التركيب أن يقول: إن تعذر إحضار العين بهلاكها أو غيبتها أو تعسر بأن كان في نقلها مؤنة أو يقول وهو مقيد بما لا حمل له ولا مؤنة كما في البحر، وهذا إذا كانت العين قائمة، فلو كانت هالكة فهو كدعوى الدين في الحقيقة كما في جامع الفتاوى. قال في البحر: وتفسير الحمل والمؤنة كونه بحال لا يحمل إلى مجلس القاضي إلا بأجرة مجاناً، وقيل ما لا يمكن حمله بيد واحدة، وقيل ما يحتاج في نقله إلى مؤنة كبّ وشعير لا ما لا يحتاج في نقله إلى مؤنة كمسك وزعفران قليل، وقيل ما اختلف سعره في البلدان فهو مما له حمل ومؤنة لا ما اتفق اهـ. وعبارة ابن الكمال متناً وشرحاً: وهي إنما تصح في الدين بذكر جنسه وقدره. وفي العين المنقول: أي الذي يحتمل النقل بالإشارة إليه، فعلى الغريم إحضاره مجلس القاضي إلا إذا تعسر بأن كان في نقله مؤنة وإن قلت: ذكره في الخزانة. حضر الحاكم عنده أو بعث أميناً اهـ فتأمله. وتأمل هذا الشارح فإنه ظاهر في أنه إذا كان في النقل مؤنة يكتفي بذكر القيمة مع أن المصرح به أنه في صورة التعسر يحضره الحاكم أو يبعث أمينه ليشير إليها كما سيجيء قريباً، وذكر القيمة إنما هو في المتعذر إحضاره حقيقة بأن يكون هالكاً أو حكماً بأن يكون غائباً، وإن لم يكن بهذه المثابة بأن كان متعسر الإحضار مع بقائه كالرحى وصبرة الطعام وقطيع الغنم أرسل القاضي أمينه أو أحضره بنفسه فكان عليه أن يذكرها بعد قوله فيما سيأتي ((وإن تعذر إحضارها)) وكان الأولى للماتن أن يقول: وإن تعسر بدل تعذر، لأن الرحى وصبرة الطعام من قبيل المتعسر كما هو المصرح به في غير كتاب، فتأمل. لكن الذي عليه المجلة بموجب الأمر الشريف السلطاني أن المنقول متى احتاج إحضاره لمصرف ولا يمكن إلا بذلك فيكفي فيه التعريف وذكر القيمة كما في مادة ١٦٢٠ ومادة ١٦٢١. قوله: (أو غيبتها) أي بحيث لا يمكن إحضارها ولا حضور القاضي بنفسه أو أمينه لبعد مسافة أو مانع آخر فيكون ذلك بمنزلة الهلاك فقد تعذر إحضارها حقيقة في الهلاك وحكماً في الغيبة فيكتفي بذكر قيمتها، ولذا قال قاضیخان: بأن لا يدري مكانها. قوله: (لأنه) أي المذكور وهو القيمة، وهذا مما يزيد العبارة غموضاً لاحتياجه إلى التأويل وكأنه تحريف من الناسخ. والأولى أن يقال: لأنها أي القيمة مثلها: أي مثل العين كما في شرحه على الملتقى. قوله: (مثله) أي مثل ما يدعيه، وهو علة لقوله ٥٥٦ كتاب الدعوى (وإن تعذر) إحضارها (مع بقائها كوحي وصبرة طعام) وقطيع غنم (بعث القاضي أمينه) ليشار إليها (وإلا) تكن باقية (اكتفى) في الدعوى (وذكر قيمته عند تعذر إحضار العين)) فكأنه قال: لأن ذكر القيمة مثل إحضار العين، لأن المقصود من المدعي ماليته والقيمة تماثله في المالية فصح تذكير الضميرين، وقد قالوا: قيمة القيمي كعينه. قوله: (وإن تعذر) المراد بالتعذر هنا التعسر. قوله: (مع بقائها) أي والحال أن القاضي يمكنه أن يحضرها بنفسه أو أمينه لتفترق عما قدمه من قوله ((أو غيبتها)). قوله: (بعث القاضي الخ) لأن أمينه يقوم مقام نفسه، فلو ذهب بنفسه لكان هو الأصل فلا شبهة في صحته، ومثله ما ذكره ابن الكمال حيث قال: فعلى الغريم إحضاره إلا إذا تعسر، بأن كان في نقله مؤنة وإن قلت. ذكره في الخزانة. حضر القاضي عنده أو بعث أميناً اهـ. وهي التي قدمها الشارح، وقدمنا أنه ذكرها في غير محلها لأنه جعلها مثالاً لما تعذر نقله وأنه يكتفي فيه بذكر القيمة، والحال أنه مما تعسر لا مما تعذر، وأن الحكم فيه أن الحاكم يحضر عنده أو يبعث أميناً ولا يكتفي فيه بذكر القيمة كما تفيده عبارة ابن الكمال التي نقل الشارح عنه. تأمل. قال شمس الأئمة الحلواني: من المنقولات ما لا يمكن إحضاره عند القاضي كالصبرة من الطعام والقطيع من الغنم، فالقاضي فيه بالخيار: إن شاء حضر ذلك الموضع لو تیسر له ذلك، وإن لم یتیسر له الحضور وکان مأذوناً بالاستخلاف بعث خليفته إلى ذلك، وهو نظير ما إذا كان القاضي يجلس في داره ووقع الدعوى في جمل لا یسع باب داره فإنه يخرج إلى باب داره أو يأمر نائبه حتى يخرج ليشير إليه الشهود بحضرته. وتمامه في الدرر. قال في البحر: وفي الدابة يخير القاضي، إن شاء خرج إليها، وإن شاء بعث إليها من يسمع الدعوى والشهادة بحضرتها كما في جامع الفصولين ا هـ. لكن قال في غاية البيان: فإن كانت دابة ولا يقع بصر القاضي عليها ولا تتأتى الإشارة من الشهود والمدعي وهو على باب المسجد يأمر بإدخالها فإنه جائز عند الحاجة. ألا ترى ((أَنه عَلَيْهِ الصَّلَةُ وَالسَّلاَمُ طَافَ بِالبَيْتِ عَلَى نَاقَتِهِ) مع أن حرمة المسجد الحرام فوق حرمة سائر المساجد، وإن كان يقع بصر القاضي عليها فلا يدخلها لأنه لا يأمن ما يكون منها والحاجة منعدمة اهـ. قوله: (وإلا تكن باقية الخ) هذا تكرار مع قوله (((وذكر قيمته إن تعذر)). والحاصل: أن المدعى به إن أمكن إحضار عينه، ولم يكن له حمل ومؤنة كلف المدعى عليه إحضاره، وإن لم يمكن بأن تعذر لهلاك العين أو غيبتها، أو تعسر بأن كان في نقلها مؤنة ذكر المدعي القيمة، وإن لم تكن هالكة ولا غائبة ولا يمكن إحضارها إلى ٥٥٧ كتاب الدعوى (بذكر القيمة) وقالوا: لو ادعى أنه غصب منه عين كذا ولم يذكر قيمتها تسمع مجلس القاضي لتعذره كبستان ورحى أو تعسره كصبرة وقطيع غنم خير الحاكم: إن شاء حضر بنفسه لأنه الأصل، أو بعث أمينه. ولا تنس ما قدمناه قريباً عن المجلة من أنه إذا لم يمكن إحضار المنقول إلا بمصرف يكفي تعريفه وذكر قيمته. قوله: (بذكر القيمة) لأن عين المدعي تعذر مشاهدتها ولا يمكن معرفتها بالوصف، فاشترط بيان القيمة لأنها شيء تعرف العين الهالكة به. غاية البيان. وفي شرح ابن الكمال: ولا عبرة في ذلك للتوصيف لأنه لا يجدي بدون ذكر القيمة وعند ذكرها لا حاجة إليه، أشير إلى ذلك في الهداية ١ هـ. وفي قوله ((وذكر قيمته إن تعذر)) إشارة إلى أنه لا يشترط ذكر اللون في الذكورة والأنوثة والسن في الدابة، وفيه خلاف كما في العمادية. وقال السيد أبو القاسم: إن هذه التعريفات للمدعي لازمة إذا أراد أخذ عينه أو مثله في المثلي، أما إذا أراد أخذ قيمته في القيمي، فيجب أن يكتفي بذكر القيمة كما في محاضر الخزانة اهـ. فرع: وصف المدعي المدعى فلما حضر خالف في البعض: إن ترك الدعوى الأولى وادعى الحاضر تسمع لأنها دعوى مبتدأة، وإلا فلا. بحر عن البزازية. قوله: (وقالوا لو ادعى أنه غصب منه عين كذا الخ) قال في البحر: وأطلق في بيان وجوب القيمة عند التعذر واستثنوا منه دعوى الغصب والرهن. ففي جامع الفصولين: لو ادعى عيناً غائباً لا يعرف مكانه بأن ادعى أنه غصب منه ثوباً أو قناً ولا يدري قيامه وهلاكه، فلو بين الجنس والصفة والقيمة تقبل دعواه، وإن لم يبين قيمته أشار في عامة الكتب إلى أنها تقبل، فإنه ذكر في كتاب الرهن لو ادعى أنه رهن عنده ثوباً، وهو ينكر تسمع دعواه. وذكر في كتاب الغصب: ادعى أنه غصب منه أمة وبرهن تسمع. وبعض مشايخنا قالوا: إنما تسمع دعواه إذا ذكر القيمة، وهذا تأويل ما ذكر في الكتاب أن الشهود شهدوا على إقرار المدعى عليه بالغصب، فيثبت غصب القن بإقراره في حق الحبس والحكم جميعاً، وعامة المشايخ على أن هذه الدعوى والبينة تقبل، ولکن في حق الحبس وإطلاق محمد في الکتاب يدل عليه. ومعنى الحبس: أن يحبسه حتى يحضره ليعيد البينة على عينه، فلو قال لا أقدر عليه حبس قدر ما لو قدر أحضره ثم يقضي عليه بقيمته اهـ. ولم يبين الحكم فيما إذا لم يدر قيمتها أيضاً. قال في الدرر: قال في الكافي: وإن لم يبين القيمة وقال غصبت مني عين كذا، ولا أدري أهو مالك أو قائم ولا أدري كم كانت قيمته، ذكر في عامة الكتب أنه تسمع دعواه، لأن الإنسان ربما لا يعلم قيمة ماله، فلو كلف بيان القيمة لتضرّر به. أقول: فائدة صحة الدعوى مع هذه الجهالة الفاحشة توجه اليمين على الخصم إذا أنكر، والجبر على البيان إذا أقر أو نكل عن اليمين، فليتأمل. فإن كلام الكافي لا يكون كافياً إلا بهذا التحقيق اهـ. وقوله فائدتها توجه اليمين: أي حيث لا بينة، وإلا ففائدتها الحبس ٥٥٨ كتاب الدعوى فيحلف خصمه أو يجبر على البيان. درر وابن ملك. ولهذا لو (ادعى أحياناً مختلفة الجنس والنوع والصفة وذكر قيمة الكل جملة كفى ذلك) الإجمال على الصحيح، وتقبل بينته أو يحلف خصمه على الكل مرة (وإن لم يذكر قيمة كل عين على حدة) لأنه لما صح دعوى الغصب بلا بيان فلأن يصح إذا بين قيمة الكل جملة بالأولى: وقيل في دعوى السرقة: يشترط ذكر القيمة ليعلم كونهما نصاباً، فأما في غيرها فلا يشترط. عمادية. وهذا كله في دعوى العين لا الدين، فلو (ادعى قيمة شيء كما علمت. وقوله ذكر في عامة الكتب أنه تسمع دعواه وعامة المشايخ على أن هذه الدعوى والبينة تقبل ولكن في حق الحبس لا الحكم، وقدر الحبس بشهرين كما في الخانية. والحاصل: أنه في دعوى الرهن والغصب لا يشترط بيان الجنس والقيمة في صحة الدعوى والشهادة، ويكون القول في القيمة للغاصب والمرتهن. بحر: أي مع اليمين كما هو الظاهر. قلت: وزاد في المعراج: دعوى الوصية والإقرار قال فإن فيهما: يصحان بالمجهول، وتصح دعوى الإبراء المجهول بلا خلاف اهـ. فهي خمسة. قوله: (ولهذا) أي لسماع الدعوى في الغصب وإن لم يذكر القيمة. قوله: (مختلفة الجنس والنوع) كثياب ودواب فإن تحتها أنواعاً. قوله: (كفى ذلك الإجمال) أي ولا يشترط التفصيل. هندية. قوله: (على الصحيح) كما في خزانة المفتين وقاضيخان. هندية. قوله: (وتقبل بينته) أي على القيمة. قوله: (أو يحلف) أي عند عدم البرهان. قوله: (على الكل مرة) أي ولا يحتاج أن يحلفه على كل واحد بخصوصه، خلافاً لمن اختار ذلك راجع ما هو الصواب في ذلك. قوله: (لأنه) علة للعلة. قوله: (وقيل في دعوى السرقة) حكاه یقیل؛ لأن ثبوت حق الاسترداد أو تضمين القيمة لا يتوقف على ذلك، بل يتوقف عليه لزوم القطع مع البينة من المدعي أو الإقرار من السارق، وهذا مقابل لقول المصنف فيما تقدم، ((وذكر قيمته إن تعذر)). قال في البحر: وإنما يشترط ذكر القيمة في الدعوى إذا كانت دعوى سرقة ليعلم أنها نصاب أو لا، فأما فيما سوى ذلك فلا حاجة إلى بيانها ا هـ وعليه فكان الأولى ذكره هناك. قال في النهر: ينبغي أن يكون المعنى أنه إذا كانت العين حاضرة لا يشترط ذكر قيمتها إلا في دعوى السرقة. حموي. والتقويم يكون من أهل الخبرة فيما يظهر لا بقول المدعي. قوله: (فأما في غيرها) أي السرقة فلا يشترط: أي ذكر القيمة. قوله: (وهذا كله) أي المذكور من الشروط المذكورة من الاكتفاء بذكر القيمة. قوله: (في دعوى العين) أي الشيء المتعين المحسوس المملوك للمدعي على زعمه كالمغصوب والوديعة. قوله: (لا الدين) أي الحق الثابت في الذمة، وستأتي دعوى الدين في المتن. قوله: (فلو ادعى الخ) هو تمثيل للدين، لأن القيمة لازمة ذمة المدعى عليه في زعم المدعي اهـ. رحمتي. لكن ٥٥٩ كتاب الدعوى مستهلك اشترط بيان جنسه ونوعه) في الدعوى والشهادة ليعلم القاضي بماذا يقضي. (واختلف في بيان الذكورة والأنوثة في الدابة) قال بعض الأفاضل: هو تفريع على كون الشروط المارة إنما هي في دعوى العين، وأما الدين فسيأتي بأقسامه. تأمل. قوله: (بیان جنسه) أي جنس القيمة، وکذا کل دین يدعي وجنسه كالذهب مثلاً أو الفضة أو النحاس، وكذا كل مكيل أو موزون يمكن ثبوته في الذمة يبين جنسه ما هو فلا يكفي ذكر الفرش والحرف في المدينة، لأنها كالعنقاء معلوم الاسم مجهول الجنس والنوع. قوله: (ونوعه) ففي الذهب يبين أنه من نوع كذا، وكذا في الفضة، وكذا في البرّ بأن يقول: حورانية أو بلدية أو جيدورية أو سلمونية. قال ط: فيه أنه عند دعواه العين لا يكفي ادعاء عين مجهولة، بل لا بد من بيان جنسها ونوعها ثم یذکر القيمة، فالقیمة إنما أغنت عن الحضور فحينئذ لا بد من ذکر الجنس والنوع في كل، فليتأمل. ولذا قالوا في التعليل لذكر القيمة: لأن الأعيان تتفاوت، والشرط أن يكون في معلوم، وقد تعذر مشاهدته لأنها خلف عنه. وفي الذخيرة: إن كان العين غائباً وادعى أنه في يد المدعى عليه فأنكر إن بين المدعي قيمته وصفته تسمع دعواه وتقبل بينته اهـ. قوله: (ليعلم القاضي بماذا يقضي) قال في الذخيرة مثلاً: لو كان المدعي مكيلاً لا بد من بيان جنسه بأنه حنطة أو شعير، ونوعه بأنها سقية أو برية، وصفتها بأنها جيدة أو رديئة، وقدره بأن يقول كذا قفيزاً، وسبب وجوبها ذكره ابن ملك. أقول: لي شبهة في هذا المحل: وهي أنه لو ادعى أعياناً مختلفة، فقد مرأنه يكتفي بذكر القيمة للكل جملة. وذكر في الفصولين أنه لو ادعى أن الأعيان قائمة بيده يؤمر بإحضارها فتقبل البينة بحضرتها ولو قال إنها هالكة وبين قيمة الكل جملة تسمع دعواه. فظهر أن ما قدمه المصنف في دعوى الأعيان إنما هو إذا كانت هالكة، وإلا لم يحتج إلى ذكر القيمة لأنه مأمور بإحضارها. وقدمنا عن ابن الكمال أن العين إذا تعذر إحضارها بهلاك ونحوه، فذكر القيمة مغن عن التوصيف، وهو موافق لما ذكره المصنف في الأعيان من الاكتفاء بذكر القيمة، فقوله هنا (اشترط بيان جنسه ونوعه)) مشكل وإن قلنا إنه لا بد مع ذكر القيمة من بيان التوصيف لم يظهر فرق بين دعوى القيمة ودعوى نفس العين الهالكة، فما معنى قوله تبعاً للبحر فيما تقدم، وهذا كله في دعوى العين لا الدين، فليتأمل وفي البحر عن السراجية: ادعى ثمن محدود لم يشترط بيان حدوده اهـ. قال في الهندية: إذا ادعى على آخر ثمن مبيع مقبوض ولم يبين المبيع أو محدود ولم يحدده يجوز، وهو الأصح وكذا في دعوى مال الإجارة المفسوخة لا يشترط تحديد المستأجر اهـ. قوله: (واختلف في بيان الذكورة والأنوثة في الدابة) أي المستهلكة، أما القائمة فهي ٥٦٠ کتاب الدعوى فشرطه أبو الليث أيضاً واختاره في الاختيار وشرط الشهيد بيان السن أيضاً. وتمامه في العمادية (وفي دعوى الإيداع لا بد من بيان مكانه) أي مكان الإيداع (سواء كان له حمل أو لا، وفي الغصب أن له حمل ومؤنة فلا بد) لصحة الدعوى حاضرة في المجلس مشار إليها، وإذا كان هذا في الدابة ففي الرقيق أولى. قوله: (فشرطه أبو الليث أيضاً) أي كما شرط بيان القيمة. قوله: (وشرط الشهيد بيان السن أيضاً) أي كما يشترط بيان القيمة والذكورة أو الأنوثة. قال في المنح: وذكر الصدر الشهيد إذا ادعى قيمة دابة مستهلكة لا بد من ذكر الذكورة أو الأنوثة، ولا بد من بيان السن، وهذا على أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى مستقيم، لأن عنده القضاء بقيمة المستهلك بناء على القضاء بملك المستهلك، لأن حق المالك عنده باق في العين المستهلكة، فإنه قال: يصح الصلح عن العين المغصوب المستهلك على أكثر من قيمته، فلو لم يكن العين المستهلك ملكاً لا يجوز الصلح على أكثر من قيمته، لأنه حينئذ يكون الواجب في ذمة المستهلك قيمة المغصوب، وهو دين في الذمة، وإن صالح من الدين على أكثر من قيمته لا يجوز، وإذا كان القضاء بالقيمة بناء على القضاء بملك المستهلك لا بد من بيان المستهلك في الدعوى والشهادة ليعلم القاضي بماذا يقضي، وهذا القائل يقول: مع ذكر الأنوثة والذكورة لا بد من ذكر النوع بأن يقول: فرس أو حمار أو ما أشبه ذلك، ولا يكتفي بذكر اسم الدابة لأنها مجهولة اهـ. قال في الفصول العمادية: ولا يشترط ذكر اللون والشية في دعوى الدابة، حتى لو ادعى أنه غصب منه حماراً وذكر شيته، وأقام البينة على وفق دعواه فأحضر المدعى عليه حماراً فقال المدعي هذا الذي ادعيته وزعم الشهود كذلك أيضاً فنظروا فإذا بعض شياته على خلاف ما قالوا، بأن ذكر الشهود بأنه مشقوق الأذن وهذا الحمار غير مشقوق الأذن، قالوا: لا يمنع هذا القضاء للمدعي ولا يكون هذا خللاً في شهادتهم اهـ. قال في الهندية: ادعى على آخر ألف دينار بسبب الاستهلاك أعياناً لا بد وأن يبين قيمتها في موضع الاستهلاك، وكذا لا بد وأن يبين الأعيان فإن منها ما يكون مثلياً ومنها ما يكون من ذوات القيم ا هـ. وفيها وفي دعوى خرق الثوب وجرح الدابة لا يشترط إحضار الثوب والدابة، لأن المدعى به في الحقيقة الجزء الفائت من الثوب والدابة. كذا في الخلاصة. إذا ادعى جوهراً لا بد من ذكر الوزن إذا كان غائباً وكان المدعى عليه منكراً كون ذلك في يده كذا في السراجية. وفي اللؤلؤ يذكر درره وضوءه ووزنه. كذا في خزانة المفتين اهـ. قوله: (سواء كان له حمل أو لا) لأن المودع عليه أن يخلي بينه وبين الوديعة، وليس