Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كتاب الديات / باب ما يحدثه الرجل في الطريق وغيره
(وعلم ذلك وجب) على واضعه (النصف وهدر لنصف، ولو لم يعلم أيّ طرف)
منهما (أصابه ضمن النصف استحساناً) زيلعي (ومن نحى حجراً وضعه آخر فعطب
به رجل ضمن) لأن فعل الأول نسخ بفعل الثاني (كمن حمل على رأسه) أو ظهره
(شيئاً في الطريق فسقط منه على آخر أو دخل بحصير أو قنديل أو حصاة في مسجد
غيره) أي جعل فيه حصى أو بواري. ابن كمال (أو جلس فيه لا للصلاة) ولو
القرآن أو تعليم (فعطب به أحد) كأعمى ضمن خلافاً لهما (لا) يضمن (من سقط
أو وضع فيه خشبة ثم باع الكل وتركه المشتري حتى عطب به إنسان، فالضمان على البائع
لأن فعله لم يتسخ بزاول ملكه، بخلاف الحائط المائل إذا باعه بعد الإشهاد عليه، حيث لا
يضمن المشتري لأنه لم يشهد عليه، ولا البائع لأن الملك شرط لصحة الإشهاد، فيبطل
بالبيع لأنه لا يتمكن من نقض ملك الغير، وهنا الضمان بإشغال هواء الطريق لا باعتبار
الملك، والإشغال باق فيضمن، كما لو حصل من مستأجر أو مستعير أو غاصب، وفي
الحائط لا يضمن غير المالك ا هـ ملخصاً. قوله: (استحساناً) لأنه في حال يضمن الكل
وفي حال لا يضمن شيئاً فيضمن النصف، والقياس أن لا يضمن شيئاً للشك. وتمامة في
الزيلعي. قوله: (ومن نحى حجراً) أي حوله عن موضعه إلى موضع آخر. قوله: (فسقط
منه على آخر) وكذا إذا سقط فتعثر به إنسان. هداية. لأن حمل المتاع في الطريق على رأسه
أو على ظهره مباح له، لكنه مقيد بشرط السلامة بمنزلة الرمي الى الهدف أو الصيد.
زيلعي. قوله: (أو دخل بحصير أو قنديل أو حصاة الخ) أي فسقط الحصير أو القنديل
على أحد أو سقط الظرف الذي فيه الحصاة على أحد. منح.
أقول: وعبارة الهداية: وإذا كان المسجد للعشيرة فعلق رجل منهم فيه قنديلاً أو .
جعل فيه بواري أو حصاة الخ، والظاهر منها أن حصاه فعل ماض مشدد الصاد معطوف
على جعل، ويدل على ذلك تفسير ابن كمال، وأما جعله مفرداً بتاء الوحدة فهو بعيد،
وكذا إرادة الظرف أبعد. وفي منهوات ابن كمال: ومن وهم أن المراد الظرف الذي فيه
الحصاة فقد وهم اهـ.
وقيد الشرنبلالي الخلاف في الضمان بما إذا فعل ذلك بلا إذن أهل المسجد، فلو
بإذنهم فلا ضمان اتفاقاً، كما لو كان من أهل المحلة وعلق القنديل للإضاءة، فلو للحفظ
ضمن اتفاقاً كما في شرح المجمع اهـ. وجعل في البزازية إذن القاضي كإذن أهل المحلة.
قوله: (في مسجد غيره) أي مسجد غير حيه ويأتي مفهومه، والظاهر أن مسجد الجماعة
حكمه في ذلك حكم مسجد حيه فلا يضمن بما ذكر ط. قوله: (ولو لقرآن أو تعليم)
لأن المسجد بني للصلاة وغيرها تبع لها، بدليل أنه إذا ضاق فللمصلي إزعاج القاعد
للذكر أو القراءة أو التدريس ليصلي موضعه دون العكس. قوله: (لا يضمن من سقط منه

٢٦٢
كتاب الديات / باب ما يحدثه الرجل في الطريق وغيره
منه رداء لبسه) عليه (أو أدخل هذه) الأشياء المذكورات (في مسجد حيه) أي محلته،
لأن تديبر المسجد لأهله دون غيرهم ففعل الغير مباح فيتقيد بالسلامة (أو جلس فيه
للصلاة).
الحاصل: أن الجالس للصلاة في مسجد حيه أو غيره لا يضمن، ولغير
الصلاة يضمن مطلقاً خلافاً لهما، واستظهر في الشرنبلالية معزياً للزيلعي وغيره
قولهما، وقد حققته في شرح الملتقى.
وفيه: لو استأجره ليبني أو ليحفر له في فناء حانوته أو داره فتلف به الأجير
رداء ألبسه) أي سقط على إنسان فعطب به أوسقط فتعثر به، أشار إليه في الهداية ثم قال:
والفرق: أي بين المحمول والملبوس، أن حامل الشيء قاصد حفظه فلا حرج في التقييد
بوصف السلامة. واللابس لا يقصد حفظاً ما يلبسه فيتحرج بالتقييد بالسلامة، فجعل
مباحاً مطلقاً. وعن محمد أنه إذا لبس ما لا يلبسه فهو كالحامل، لأن الحاجة لا تدعو إلى
لبسه اهـ. وكالرداء السيف والطيلسان ونحوهما كما في الغاية. قوله: (عليه) متعلق بقوله
((لبسه)) ولا يصح تعلقه بسقط لفساد المعنى، فافهم. قوله: (ففعل الغير مباح) يفيد أن
فعل الأهل واجب مثلاً، وليس كذلك بل كلاهما مباح، غير أن فعل الأهل مباح مطلق
غير مقيد بالسلامة، وفعل غير مباح مقيد بها ط. قوله: (الحاصل أن الجالس للصلاة الخ)
ذكر شمس الأئمة أن الصحيح من مذهب أبي حنيفة: أن الجالس لانتظار الصلاة لا
يضمن، وإنما الخلاف في عمل لا يكون له اختصاص بالمسجد كقراءة القرآن ودرس الفقه
والحديث، وذكر في الذخيرة أنه إذا قعد فيه لحديث أو نام فيه لغير صلاة أو مر فيه مار
ضمن عنده، وقالا: لا يضمن، وإن قعد للعبادة كانتظار الصلاة أو الاعتكاف أو قراءة
القرآن أو للتدريس أو للذكر، اختلف المتأخرون فيه على قولين بالضمان وعدمه. زيلعي
ملخصاً. قوله: (مطلقاً) أي في مسجد حيه أو غيره. قوله: (معزياً للزيلعي) فإنه نقل عن
الحلواني أن أكثر المشايخ أخذوا بقولهما، وعليه الفتوى اهـ. ونقل عن صدر الإسلام أن
الأظهر ما قالاه، لأن الجلوس من ضرورات الصلاة، فيكون ملحقاً بها. وفي العيني
بقولهما قالت الثلاثة، وبه يفتى ا هـ ط. قوله: (وقد حققته في شرح الملتقى) حاصله ما
قدمناه. وذكر أيضاً أن الجلوس للكلام المحظور فيه الضمان اتفاقاً، وعليه يحمل ما أطلقه
فخر الإسلام. قوله: (وفيه لو استأجره الخ) ذكر الزيلعي وغيره ما حاصله أنه لو
استأجره ليشرع له جناحاً في فناء داره وقال له إنه ملكي أو لي فيه حق الإشراع من القديم
ولم يعلم الأجير فظهر بخلافه فسقط على إنسان قبل الفراغ أو بعده، فالضمان على
الأجير، ويرجع على الآمر قياساً واستحساناً، وإن أخبره بأن لا حق له في الإشراع أو لم
يخبره حتى بنى فسقط فأتلف: إن قبل الفراغ ضمن ولا يرجع، وإن بعده فكذلك قياساً

٢٦٣
كتاب الديات / باب ما يحدثه الرجل في الطريق وغيره
وإن بعده فعلى شيء إن قبل فراغه فعلى الآمر، كما لو كان في غير فنائه ولم يعلم به
الأجير، فإن علمه فعليه كما لو أمره بالبناء في وسط الطريق لفساد الأمر، ولو قال
الآمر هو فنائي وليس لي حق الحفر فعلى الأجير قياساً: أي لعلمه بفساد الأمر فما
أغره، وعلى المستأجر استحساناً اهـ.
قلت: وقد قدم هو وغيره القياس هنا، وظاهره ترجيحه سيما على دأب
صاحب الملتقى من تقديمه الأقوى، فتأمل (ومن حفر بالوعة في طريق بأمر السلطان
أو في ملكه أو وضع خشبة فيها) أي الطريق (أو قنطرة بلا إذن الإمام) وكذا كل ما
فعل في طريق العامة (فتعمد رجل المرور عليها لم يضمن)
بفساد الأمر، كما لو أمره بالبناء في الطريق. وفي الاستحسان: يضمن الآمر لصحة
الآمر، لأن فناءه مملوك له من حيث إن له الانتفاع بشرط السلامة، وغير مملوك له من
حيث إنه لا يجوز له بيعه، فمن حيث الصحة يكون قرار الضمان على الأمر بعد الفراغ،
ومن حيث الفساد يكون على العامل قبل الفراغ. وإن استأجره ليحفر له في غير فنائه
ضمن الآمر دون العامل، إذا لم يعلم أنه غير فنائه لصحة الأمر حينئذ، فنقل فعله إلى
الآمر لأنه غره فإن علم بذلك ضمن إذ لا غرور، فبقي الفعل مضافاً إليه. ولو قال إنه
فنائي وليس لي فيه حق الحفر يضمن العامل قياساً إذ لا غرور. وفي الاستحسان: يضمن
الآمر اهـ. زاد في البزازية: إن كان بعد الفراغ اهـ.
فقد أفاد أن التفصيل قبل الفراغ أو بعده جار في الحفر أيضاً كما ذكره الشارح،
فافهم، ووجه الفرق بين الحفر والإشراع، فإن الأجير في الإشراع إذا لم يعلم ضمن
ورجع على الأمر، وفي الحفر لم يضمن أصلاً هو أن الآمر متسبب ومشرع الجناح مباشر،
بخلاف الحافر فإنه متسبب أيضاً، والمتسبب يضمن إذا كان متعدياً، والمتعدي هنا هو الآمر
فقط. إتقاني ملخصاً. وفي المغرب: الفناء سعة أمام البيوت، وقيل ما امتد من جوانبها.
قوله: (فما أغره)، كذا وقع له في شرح الملتقى، والفعل متعد بنفسه من غير همز. قال في
القاموس: غرّه: خدعه ا هـ ط. قوله: (وظاهره) أي التقديم المأخوذ من قدم ترجيحه
على الاستحسان أو هذا وإن ظهر في عبارة الملتقى لا يظهر في عبارة غيره خصوصاً
صاحب الهداية فإنهما يؤخران دليل المعتمد، وقد أخر الاستحسان مع دليله. أفاده ط.
قوله: (أو في ملكه) وكذا إذا حفر في فناء له فيه حق التصرف بأن لم يكن للعامة ولا
مشتركاً لأهل سكة غير نافذة. ملتقى. قوله: (وكذا كل ما فعل في طريق العامة) أي من
إخراج الكنيف والميزاب والجرصن وبناء الدكان وإشراع الروشن وحفر البئر وبناء الظلة
وغرس الشجر ورمي الثلج والجلوس للبيع: إن فعله بأمر من له ولاية الأمر لم يضمن،
وإلا ضمن. أفاده في العناية. قوله: (فتعمد الخ) تفريع على قوله ((أو وضع خشبة الخ))

٢٦٤
كتاب الديات / باب ما يحدثه الرجل في الطريق وغيره
لأن الإضافة للمباشر أولى من المتسبب، وبهذا تبين أن المتسبب إنما يضمن في حفر
البئر ووضع الحجر إذا لم يتعمد الواقع المرور. كذا في المجتبى.
وفيه: حفر في طريق مكة أو غيره من الفيافي لم يضمن، بخلاف الأمصار.
قلت: وبهذا عرف أن المراد بالطريق في الكتب الطريق في الأمصار دون
الفيافي والصحارى لأنه لا يمكن العدول عنه في الأمصار غالباً دون الصحارى (ولو
استأجر) رجل (أربعة لحفر بئر له فوقعت البئر عليهم) جميعاً (من حفرهم فمات
أحدهم فعلى كل واحد من الثلاثة الباقية ربع الدية ويسقط ربعها) لأن البئر وقع
عليهم بفعلهم فقد مات من جنايته وجناية أصحابه فيسقط ما قابل فعله. خانية
وغيرها.
زاد في الجوهرة: وهذا لو البئر في الطريق، فلو في ملك المستأجر فينبغي أن
قال الرملي: ويتعين حذفه لأن الضمان منتف بالتعمد المذكور، وإن كان الوضع بإذن
الإمام اهـ. لكنه يعلم بالأولى، على أن هذا إنما يتأتى في قوله بلا إذن الإمام، أما قوله
(فتعمد)) فإنه يفسد المعنى بحذفه. تأمل. قوله: (لأن الإضافة الخ) تعليل للمسألتين
الأخيرتين، وعلة الأوليين عدم التعدي كما في التبيين. قوله: (من الفياني) قال في
القاموس: الفيف: المكان المستوي، أو المفاز لا ماء فيها كالفيافة والفنفاء ويقصر، جمعه
أفیاف وفیوف وفیاف ا هـ. قوله: (لم یضمن) لأنه غیر متعد یه لأنه يملك الارتفاق بهذا
الموضع نزولًا وربطاً للدابة وضرباً للفسطاط من غير شرط السلامة لأنه ليس فيه إيطال
حق المرور على الناس، فكان له حق الارتفاق من حيث الحفر للطبخ أو الاستقاء فلا
يكون متعدياً. بزازية. قوله: (قلت الخ) من كلام المجتبى، وقد نقل في المجتبى عن
بعض الكتب تقييد الحفر في الفيافي بما إذا كان في غير ممرّ الناس، ثم نقل عن كتاب آخر
بدون هذا القيد، ثم قال: قلت: وبهذا عرف الخ، فالإشارة إلى ما نقله ثانياً، وهو ما
اقتصر عليه الشارح.
وحاصله: أنه على الأول يضمن لو حفر في محجة الطريق بحيث يمرّ الناس
والدوابّ عليها، لا إن حفر يمنة أو يسرة بحيث لا يمر عليها، وهو ما في البزازية عن
المحيط. وعلى الثاني: لا يضمن مطلقاً لإمكان العدول من المارّ عن مكان الحفر. قال ط :
ولكنه لا يظهر في نحو الظلمة والبهائم المارة فيحمل المطلق على المقيد. والله تعالى أعلم
بالصواب. قوله: (من حفرهم) ومثله: ما لو كانوا أعواناً له، وأما لو كان الحافر واحداً
فانهارت عليه من حفره فدمه هدر. ط عن الهندية عن المبسوط. قوله: (خانية) عبارتها:
لأن البئر وقع بفعلهم، وكانوا مباشرين والميت مباشر أيضاً الخ. قوله: (فينبغي أن لا

٢٦٥
كتاب الديات / باب ما يحدثه الرجل في الطريق وغيره
لا يجب شيء لأن الفعل مباح فما يحدث غير مضمون اهـ.
قلت: ويؤخذ منه جواب حادثة: هي أن رجلًا له كرم وأرضه تارة تكون
مملوكة وعليها الخراج كأراضي بيت المال وتارة تكون للوقف وتارة تكون في يده
مدة طويلة يؤدي خراجها ويملك الانتفاع بها بغرس أو غيره فيستأجر هذا الرجل
جماعة يحفرون له بئراً ليغرس فيه أشجار العنب وغيره فيسقط على أحدهم، هل
لورثته مطالبته بديته؟ قال المصنف: والحكم فيها أو شبهها عدم وجوب شيء على
المستأجر، وكذا على الأجراء كما يفيده كلام الجوهرة، ويحمل إطلاق الفتاوى على
ما وقع مقيداً لاتحاد الحكم والحادثة. والله أعلم.
يجب شيء الخ) قد علمت التصريح بأن ذلك قتل مباشرة، فيستوي فيه الملك وعدمه، فهو
بحث مخالف للمنقول. قوله: (قلت الخ) هو للمصنف في المنح. قوله: (له كرم) الكرم:
العنب. قاموس. قوله: (وأرضه تارة تكون مملوكة الخ) المراد أن أرضه لا تخلو عن أحد
هذه الأشياء، وليس المعنى أن هذه الأشياء تداولت على أرض واحدة ط. قوله:
(كأراضي بيت المال) الكاف للتمثيل إن أريد بقوله ((مملوكة)) أي لعامة المسلمين، أو للتنظير
إن أريد به ملكها لمن هي في يده: أي عليها الخراج نظير أراضي بيت المال فإن أغلبها
خراجية. تأمل. قوله: (وتارة تكون في يده الخ) الذي رأيته في المنح: وتارة تكون للوقف
وتكو في يده مدة طويلة الخ، وهذا أولى، لأن ما تكون في يده كذلك هي أراضي بيت
المال أو الوقف. قوله: (يؤدي خراجها) المناسب أجرتها، ولو قلنا إنها لبيت المال لما في فتح
القدير: إن المأخوذ الآن من أراضي مصر أجرة لا خراج؛ ألا ترى أنها ليست مملوكة
للزراع كأنه لموت المالكين شيئاً فشيئاً بلا وارث فصارت لبيت المال ا هـ. قوله: (على
الأجراء) بعد آخره جمع أجير، وفي بعض النسخ ((الآجر)) بمد أوله، وهو الأجير لأنه أجر
نفسه، والأولى أولى. قوله: (كما يفيده كلام الجوهرة) أي السابق وهو قوله ((لأن الفعل
مباح فما يحدث غير مضمون)). قوله: (ويحمل إطلاق الفتاوى) أي إطلاق الخانية وغيرها
الضمان على ما وقع مقيداً في عبارة الجوهرة بقوله: وهذا لو البئر في الطريق، لوجود
الشرط الذي ذكره الأصوليون في حمل المطلق على المقيد، وهو اتحاد الحكم والحادثة،
والحكم هنا هو الضمان والحادثة هي الحفر في الطريق، ونظيره صوم كفارة اليمين فإنه في
الآية مطلق، وقيد بالتتابع في قراءة ابن مسعود فيحمل المطلق على المقيد لاتحاد الحكم وهو
الصوم، والحادثة وهي كفارة اليمين ضرورة تعذر الجمع؛ وفي هذا الكلام نظر، فإنه لا
نص هنا، وتقييد الجوهرة الضمان بما إذا كان في الطريق ينافيه تصريحهم له بضمان المباشر
ولو في الملك، ولذا قال الرملي: الظاهر أنه قاله بحثاً لا نقلًا، ولا يخفى فساده لتصريحهم
بأنه مباشرة لا تسبب، وفي المباشرة لا ينظر إلى كون الفعل في ملكه أولى، كمن رمی سهماً

٢٦٦
كتاب الديات / باب ما يحدثه الرجل في الطريق وغيره
فروع: لو استأجر ربّ الدار الفعلة لإخراج جناح أو ظلة فوقع فقتل إنساناً:
إن قبل فراغهم من عمله فالضمان عليهم، لأنه حينئذ لم يكن مسلماً لربّ الدار،
ويضمن لو رشّ الماء بحيث يزلق واستوعب الطريق، ولو رشّ فناء حانوت بإذن
صاحبه فالضمان على الآمر استحساناً، وتمامه في الملتقى. والله تعالى أعلم.
فَصْلٌ فِي الْخَائِطِ الْمَائِلِ
(مال حائط إلى طريق العامة ضمن ربه) أي صاحبه (ما تلف) به من نفس
إنسان أو حيوان أو مال (إن طالب ربه) حقيقة أو حكماً كالواقف والقيم ولو حائط
المسجد فتضمن عاقلة الواقف، وكالقيم الولي
في ملكه فأصاب شخصاً، فإنه يضمن، وإذا فقد عرفت أن الحكم في الحادثة التي تكرّر
وقوعها وجوب الضمان على الكيفية المذكورة على الاجراء ا هـ ملخصاً. قوله: (فروع الخ)
ساقط من بعض النسخ، وقدمنا الكلام عليها. والله تعالى أعلم.
فَضْلٌ فِي الْخَائِطِ المَائِلِ
قوله: (مال حائط) أي عما هو أصله من الاستقامة وغيرها فيشمل المتصدع
والواهي. قهستاني. وكذا العلو إذا انصدع فأشهد أهل السفل على أهل العلو، وكذا
الحائط أعلاه لرجل وأسفله لآخر نص عليه في التاترخانية نقلاً عن النوازل. رملي. قوله:
(إلى طريق العامة) أي والخاصة فهو من قبيل الاكتفاء. قهستاني. لكن بينهما فرق في
بعض الأحكام كما يأتي. قوله: (أو مال) أي غير الحيوان لدخوله تحت النفس؛ ولو أراد
بالنفس الكاملة: وهي نفس الإنسان، وبالمال ما يعم الحيوان لوافق قوله الآتي ((ثم ما تلف
به من النفوس فعلى العاقلة)) فإن الحيوان غير مضمون عليهم بل هو في ماله. رحمتي.
قوله: (إن طالب ربه) بنصب ربه مفعول طالب، وفاعله قول المصنف الآتي ((مكلف))
والمطالبة أن يقول له إن حائطك هذا مخوف، أو يقول مائل فانقضه أو اهدمه حتى لا
يسقط ولا يتلف شيئاً، ولو قال ينبغي أن تهدمه فذلك مشورة. عناية. قوله: (أو حكماً)
من حيث قدرته على رفع هذا الضرر. قوله: (فتضمن عاقلة الواقف) أي في الصورتين،
لأن القيم نائب عنه فيكون الإشهاد على القيم إشهاداً على الواقف، كما أن الإشهاد على
الولي إشهاد على من تحت ولايته من صغير ومجنون. قال الرملي: ويؤخذ من عاقلة
الواقف إن كان له عاقلة فيما تتحمله وإن لم تكن له عاقلة، أو كان مما لا تتحمله، فلا
يؤخذ من القيم ولا يرجع في الوقف لأن الوقف لا ذمة له. قوله: (وكالقيم الولي) أي
من له ولاية من أب أو جد أو وصي، وزاد في الهداية الأم، ثم قال: لأن فعل هؤلاء
كفعله ا هـ: أي فعل الوصي والأب والأم كفعل الصبي والتقدم إليهم كالتقدم إلى الصبي
بعد بلوغه. عنایة. تأمل.

٢٦٧
كتاب الديات / باب ما يحدثه الرجل في الطريق وغيره
والراهن والمكاتب والعبد والتاجر وكذا أحد الشركاء، ولو الورثة استحساناً نعم. في
الظهيرية: لو مات ربه عن ابن فقط ودين مستغرق صح الإشهاد على الابن وإن لم
يملك الدار. برجندي وغيره (بنقضه مكلف مسلم أو ذمي) يعني من أهل الطلب
فيشترط في الصبيّ والعبد إذن وليه ومولاه بالخصومة. زيلعي (حرّ أو مكاتب وإن لم
يشهد) ولا يصح الطلب قبل الميل لعدم التعدي (و) الحال أنه (لم ينقضه) وهو يملك
وفي الدر المنتقى: فلو سقط حائط الصغير بعد الطلب من وليه كان الضمان في مال
الصبي، فلو بلغ أو مات الولي بعد الطلب فلا يضمن بالتلف بعده كما في العمادية
وغيرها اهـ. قوله: (والراهن) فإنه مالك لا المرتهن والراهن قادر على الهدم: يعني بفك
العين وإعادتها إلى يده، وكذا التقدم إلى المؤجر لأن الإجارة تفسخ بالأعذار وهذا عذر ا
هـ. ط عن الجوهرة. قوله: (والمكاتب) لملكه نقضه، فإن تلف به آدمي سعى في أقل من
قيمته ودية المقتول، أو مال سعى في قيمته بالغة ما بلغت اعتباراً بالجناية الحقيقية كما في
القهستاني عن الكرماني، وهذا لو التلف حال بقاء الكتابة؛ فلو بعد عتقه فعلى عاقلة
المولى، ولو بعد العجز لا يجب شيء على أحد، ويهدر الدم لعدم قدرة المكاتب، وعدم
الإشهاد على المولى كما في المنح وغيرها. وفي البرجندي عن قاضيخان: فإن أشهد على
المولى صح الإشهاد أيضاً. در منتقى. قوله: (والعبد التاجر) فإن له ولاية نقضه مديوناً أو
لا، فإن تلف به آدمي فعلى عاقلة المولى أو مال ففي رقبته حتی یباع فیه. در منتقى.
قوله: (وكذا أحد الشركاء) أي بالنسبة إليه فيضمن بقدر حصته فقط كما سيأتي متناً.
قوله: (استحساناً) لتمكنه منه بمباشرة طريقه وهو المرافعة إلى القاضي بمطالبة شركائه،
فصار مفرطاً فيضمن بقسطه وفي القياس: لا يضمن لعدم تمكنه من النقض وحده.
إتقاني. قوله: (نعم في الظهيرية الخ) قيل هو استدراك على قوله ((طالب ربه)) واعترض
بأنه داخل تحت قوله ((أو حكماً)) لأن الدار للمیت ولذا تقضى بها دیونه والوارث خليفته،
ولذا له أخذها وقضاء الدين من ماله، وقد يقال: هو استدراك على قوله ((أحد الشركاء)»
فإن التقييد بقوله ((عن ابن فقط)) يفهم أنه لو تعددت الورثة لا يصح الإشهاد. تأمل.
ولعل القيد اتفاقي. قوله: (صح الإشهاد) أي والدية على عاقلة الأب لا الابن كما في
المنح. قوله: (بنقضه) متعلق بطالب ومكلف فاعله. قوله: (يعني من أهل الطلب) أشار
إلى أن المراد بالمكلف من له حق الطلب ولو صبياً لا من كان بالغاً، لكن في الزيلعي أن
العبيد والصبيان بالإذن التحقوا بالحر البالغ. تأمل. قوله :- (وإن لم يشهد) أي على طلب
النقض. قال الزيلعي: وإنما ذكر الإشهاد ليتمكن من إثباته عند جحوده أو جحود عاقلته
فكان من باب الاحتياط لا على سبيل الشرط اهـ. قوله: (ولا يصح الخ) سيأتي متناً.
قوله: (والحال الخ) صاحب الحال فاعل ضمن أو مفعول طالب. قوله: (وهو يملك

٢٦٨
كتاب الديات / باب ما يحدثه الرجل في الطريق وغيره
نقضه في مدة يقدر على نقضه فيها، لأن دفع الضرر العام واجب، ثم ما تلف به من
النفوس فعلى العاقلة، ومن الأموال فعليه لأن العاقلة لا تعقل المال، ولا ضمان إلا
بالإشهاد على ثلاثة أشياء: على التقدم إليه، وعلى الهلاك بالسقوط عليه، وعلى كون
الجدار ملكاً له من وقت الإشهاد إلى وقت السقوط.
ولذا قال: (ولو تقدم إلى من) لا يملك نقضه ممن (يسكنها بإجارة أو إعارة أو
إلى المرتهن أو إلى المودع لا يعتدّ به) لعدم قدرتهم على التصرف، وحينئذ فلو سقط
بعد التقدم لمن ذكر (وأتلف شيئاً فلا ضمان أصلا) لا على ساكن ولا مالك (كما لو
خرج) الحائط (عن ملکه ببيع) أو غيره کهبة. حاوي قدسي.
وكذا لو جنّ مطبقاً أو ارتد ولحق وحكم بلحاقه ثم عاد أو أفاق. خانية (بعد
الإشهاد ولو قبل القبض)
نقضه) مستغنى عنه بما بعد وبقوله ((ولو تقدم الخ)). قوله: (في مدة يقدر على نقضه فيها)
فلو ذهب بعد الطلب لطلب من يهدمه، وكان في ذلك حتى سقط الحائط، لم يضمن،
لأن مدة التمكن من إحضار الأجراء مستثنى في الشرع. قهستاني. قوله: (لأن دفع الضرر
العام واجب) علة لقول المصنف سابقاً ((ضمن ربه)) أي فإنا لو لم نوجب عليه الضمان
يمتنع من التفريغ، وكم من ضرر خاص يجب تحمله لدفع الضرر العام. قوله: (من
النفوس) أي الأحرار بقرينة قوله ((لأن العاقلة لا تعقل الأموال)» ط. وأراد بالنفوس ما
قابل الأموال فخرج الحيوان ودخل ما دون النفس. قوله: (فعلى العاقلة) أي عاقلة رب
الحائط. قوله: (ولا ضمان الخ) أي على العاقلة، فلو أنكرت العاقلة واحداً من الثلاثة
وأقرّ بها رب الدار، لزمه في ماله. طوري ملخصاً. قوله: (على التقدم إليه) أي على طلب
النقض ممن يملكه. قوله: (عليه) أي على لهالك. قوله: (وعلى كون الجدار ملكاً له) لأن
كون الدار في يده ظاهر، والظاهر لا يستحق به حق على الغير. غاية. قوله: (ولذا) أي
لاشتراط كون الدار ملكاً له الخ ط. قوله: (ولا مالك) لعدم الإشهاد عليه ط. قوله:
(عن ملكه) أي عن ولايته ليشمل قوله ((وكذا لو جن)) تأمل. قوله: (كهبة) الظاهر أنه لا
بد فيها من التسليم، حتى يبطل الإشهاد، إذ لا حكم لها قبل التسليم ط. قوله:
(وكذا لو جن) أي بعد الإشهاد. قوله: (مطبقاً) قيد به لإخراج المقطع، وظاهره أنه لا
يبطل الإشهاد، فإذا أتلف بعده وبعد الإشهاد شيئاً يكون مضموناً ط. قوله: (ثم عاد)
أي مسلماً وردت عليه الدار. خانية. أو أفاق: أي من جنونه، ففيه لفّ ونشر
مشوش: أي فلا يضمن إلا بإشهاد مستقبل. قوله: (ولو قبل القبض) أي قبض
المشتري المبيع، فلا يشترط القبض كما في عامة الكتب، وما في الهداية من التقييد به

٢٦٩
كتاب الديات / باب ما يحدثه الرجل في الطريق وغيره
لزوال ولايته بالبيع ونحوه، وإن عاد ملكه بعده. حاوي وخانية. بخلاف الجناح
لبقاء فعله كما مر (وإن مال إلى دار إنسان) من مالك أو ساكن بإجارة أو غيرها
فالإضافة لأدنى ملابسة. قهستاني (فالطلب إليه) لأن الحق له (فيصح تأجيله وإبراءه
منها) أي من الجناية (وإن مال إلى الطريق فأجله القاضي أو من طلب) النقض (لا)
يبرأ لأنه بحق العامة وتصرف القاضي في حق العامة نافذ فيما ينفعهم لا فيما
يضرهم. ذخيرة. بخلاف تأجيل من بالدار.
ولو مال بعضه للطريق وبعضه للدار فأيّ طلب صح الطلب، لأنه إذا صح
الإشهاد في البعض صح في الكل. برجندي (فإن بنى مائلاً ابتداء ضمن بلا طلب
كما في إشراع الجناح ونخوه) كميزاب لتعديه به (حائط بين خمسة أشهد على أحدهم
اتفاقي. أفاده القهستاني. قوله: (لزوال ولايته) أي عن ملك النقض، وهو علة لعدم
الضمان المفهوم من قوله ((كما لو خرج عن ملكه)) وما بعده. قوله: (ونحوه) أي من
الهبة والجنون والارتداد، فافهم. قوله: (وإن عاد ملكه) أي ولايته بعوده مسلماً أو
إفاقته، وكذا في البيع.
قال القهستاني: وإطلاق البيع يدل على أنه لو ردّ على البائع بقضاء أو غيره أو بخيار
شرط أو رؤية للمشتري لم يضمن إلا إذا طولب بعد الرد اهـ. وإذا كان الخيار للبائع.
فإن نقض البيع ثم سقط الحائط وأتلف شيئاً كان ضامناً، لأن خيار البائع لا يبطل ولاية
الإصلاح فلا يبطل الإشهاد؛ ولو أسقط البائع خياره بطل الإشهاد، لأنه أزال الحائط عن
ملكه. منح. قوله: (بخلاف الجناح) فلا يزول الضمان بزوال ملكه عنه، لأن الجناية فيه
بنفس الوضع وهو باق، وفي الحائط بترك النقض ولا قدرة له عليه بعد زوال الملك فزالت
الجناية. قوله: (فالإضافة لأدنى ملابسة) أي أدنى تعلق وارتباط، ككوكب الخرقاء في قول
الشاعر :
إِذَا كَوْكِبُ الخَرْقَاءِ لَاحَ بِسُخْرَةِ سُهَيْلٍ أَذَاعَتْ غَزْلَهَا في الأُقَارِبِ
قوله: (فالطلب إليه) الأولى له: أي للمالك أو الساكن، ولو مال إلى سكة غير
نافذة فالخصومة لواحد من أهلها. إتقاني. قوله: (وإن مال إلى الطريق الخ) ظاهر التعليل
الآتي أن المراد بها العامة، والظاهر أن الخاصة كذلك فلا بد من تأجيل كل أهلها أو
إبرائهم. تأمل. قوله: (ولو مال الخ) قال في الخانية: حائط لرجل بعضه مائل إلى الطريق
وبعضه مائل إلى دار قوم، وأشهد عليه أهل الدار، فسقط ما مال إليها ضمن، لأن الحائط
واحد فصح الإشهاد من أهل الدار فيما مال إليهم، وفيما مال إلى الطريق، فإن أهل الدار
من جملة العاملة، وإن كان المشهد من غيرهم صح فيما مال إلى الطريق، وإذا صح

٢٧٠
كتاب الديات / باب ما يحدثه الرجل في الطريق وغيره
فسقط على رجل ضمن) عاقلته (خمس الدية) أي خمس ما تلف به من مال أو نفس
لتمكنه من إصلاحه بمرافعته للحاكم.
(دار بين ثلاثة، حفر أحدهم فيها بئراً أو بنى حائطاً فعطب به رجل ضمن
ثلثي الدية) لتعديه في الثلثين، وقد حصل التلف بعلة واحدة فيقسم بالحصة،
وقالا: أنصافاً، لأن التلف قسمان: معتبر، وهدر.
(الإشهاد على الحائط إشهاد على النقض) بالكسر ما ينقض من الجدار وحينئذ
(فلو وقع الحائط على الطريق بعد الإشهاد فعثر إنسان بنقضه فمات ضمن) لأن
النقض ملكه فتفريغه عليه (وإن عثر) رجل (بقتيل مات بسقوطها) أي الحائط (لا
يضمنه) لأن تفريغه للأولياء لا إليه، بخلاف الجناح حيث يضمن ربه القتيل الثاني
أيضاً لبقاء جنايته فيلزمه تفريغ الطريق عن القتيل أيضاً،
الإشهاد في البعض صح في الكل ا هـ ملخصاً. قوله: (أي خمس ما تلف به) تعميم
للمتن، لكن كان على الشارح إسقاط قوله ((عاقلته)) ١ هـ ح: أي لأن ضمان الأموال في
ماله كما سلف ط. قوله: (بمرافعته للحكام) مصدر مضاف إلى فاعله: أي بمرافعة
المشهد عليه بقية شركائه بمطالبة نقضه، والمذكور وجه الاستحسان، وفي القياس: لا
يضمن أحد كما قدمناه. قوله: (حفر أحدهم) أي بلا إذن البقية. قوله: (ضمن ثلثي
الدية) أي على عاقلته، ويضمن ثلثي المال في ماله كما مر. قوله: (بعلة واحدة) وهي
الثقل المقدر في الحائط والعمق المقدر في البئر، لأن القليل من الثقل والعمق ليس بمهلك
حتى يعتبر كل جزء علة فيجتمع العلل، وإذا كان كذلك يضاف إلى العلة الواحدة، ثم
يقسم على أربابها بقدر الملك. وتمامه في العناية. قوله: (وقالا أنصافاً) أي في هذه المسألة
والتي قبلها، لأن التلف بنصيب المشهد عليه معتبر، وبنصيب غيره هدر، وفي الحفر
والبناء باعتبار ملكه غير متعد، وباعتبار ملك شريكه متعد، فكانا قسمين فانقسم عليهما
نصفين. ابن كمال. قوله: (إشهاد على النقض) لأن المقصود إزالة الشغل. منح. قوله:
(مات بسقوطها) صفة قتيل، وتأنيث الضمير يحتاج إلى نقل في أن الحائط قد يؤنث ولم
أره، فليراجع. قوله: (لبقاء جنايته) لأن إشراع الجناح في نفسه جناية، وهو فعله فصار
كأنه ألقاه بيده عليه، فكان حصول القتيل في الطريق كحصول نقض الجناح في الطريق،
ومن ألقى شيئاً في الطريق كان ضامناً لما عطب به وإن لم يملك تفريغ الطريق عنه،
بخلاف مسألة الحائط فإن نفس البناء ليس بجناية وبعد ذلك لم يوجد منه فعل يصير به
جانياً لكن جعل كالفاعل بترك النقض في الطريق مع القدرة على التفريغ، والترك مع
القدرة وجد في حق النقض لا في حق القتيل، فلذلك جعل فاعلاً في حق القتيل الأول لا

٢٧١
كتاب الديات / باب ما يحدثه الرجل في الطريق وغيره
يؤيده أنه لو باع الحائط أو النقض برىء ولو باع الجناح لا. زيلعي (ولا يصح
الإشهاد قبل أن يهي الحائط) لانعدام التعدي ابتداء وانتهاء (وتقبل فيه شهادة رجل
وامرأتين) لأنه شهادة على التقدم لا على القتل.
فروع: حائط بعضه صحيح وبعضه واه فأشهد عليه فسقط كله وقتل إنساناً
ضمنه، إلا أن يكون الحائط طويلاً فيضمن ما أصاب الواهي فقط لأنه حينئذ
كحائطين، فالإشهاد يصح في الواهي لا في الصحيح.
حائطان أحدهما مائل والآخر صحيح، فأشهد على المائل فسقط الصحيح
فأتلف شيئاً كان هدراً. خانية.
مسجد مال حائطه فالإشهاد على من بناه والدية على عاقلة من بناه، وحائط
الوقف على المساكين على عاقلة الوقف، وحائط العبد التاجر على عاقلة مولاه ولو
مستغرقاً استحساناً.
قال وليّ القتيل: إذا جاء غد عفوت عن القصاص، لا يصح لأنه تمليك دل
عليه مسألة الأصل.
في حق القتيل الثاني. عناية. قوله: (يؤيده) أي يؤيد أن الجناية باقية في الجناح دون
الحائط. قوله: (قبل أن يهي) يقال: وهى الحائط يهي وهياً: إذا ضعف وهم بالسقوط
صحاح. قوله: (لا في الصحيح) أي لا يصح الإشهاد في البعض الصحيح فلا يضمن ما
أصابه كما لو كانا حائطين حقيقة. قوله: (على من بناه) أي إن كان حياً، وتقدم أن القيم
كالواقف فالإشهاد عليه عند عدمه. تأمل. قوله: (والدية على عاقلة من بناه) وأما
جنايات الأموال، فليست على العاقلة، فالظاهر أنها في مال الباني والواقف فيحرر ط.
وقدمنا عن الرملي: أنه لا يؤخذ من مال الوقف لأنه لا ذمة له. قوله: (على عاقلة
الواقف) أي تجب الدية فيه عليهم. قوله: (على عاقلة مولاه) وأما المال ففي رقبته كما
قدمناه، وقدمنا أيضاً حكم المكاتب. قوله: (قال ولي القتيل الخ) المسألة بتمامها في المنح.
قوله: (لأنه تمليك) أي وهو لا تصح إضافته، وهذا مخالف لما قدمه في الفروع قبیل باب
القود فيما دون النفس من أن القصاص لا يجري فيه التمليك. تأمل. قوله: (دل عليه
الخ) أي على أن العفو تمليك للقصاص، ولم يظهر لي وجه الدلالة، لأن غاية ما أفاد أن
الأمة صارت ملكه فلا يدل على أنه تمليك لا تصح إضافته، على أن كونها صارت ملكه له
مشکل.
وقال بعض المحشين: عبارة الولوالجية: ولو قتلت أمة رجلاً عمداً فزنى بها الولي
عمداً لم يجد، وإن لم يدع الشبهة لأن من العلماء من قال: للولي ولاية تملكها من غير

٢٧٢
کتاب الدبات / باب جناية البهيمة والجناية عليها
جارية قتلت رجلاً عمداً فزنى بها وليّ القتيل قبل أن يقتص لا يحد لأنها
صارت مملوكة. ولوالجية. والله تعالى أعلم.
بَابُ جِئَايَةِ الْتَهِيمَةِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا
الأصل أن المرور في طريق المسلمين مباح بشرط السلامة فيما يمكن الاحتراز
عنه .
(ضمن الراكب في طريق العامة ما وطئت دابته وما أصابت بيدها أو رجلها أو
رأسها أو كدمت) بفمها (أو خبطت) بيدها أو صدمت (فلو حدثت) المذكورات (في
السیر في ملکه لم یضمن ربها إلا في الوطء وهو راکبها
رضا مولاها إن شاء، وإن شاء قتلها فصار ذلك شبهة في درء الحداهـ. فقد جعل علة
الدرء أن له ولاية تملكها على قول البعض، لا أنها صارت مملوكة له، وفرق بين العبارتين
اهـ ملخصاً. قوله: (جارية) بدل من مسألة الأصل، وقوله ((قبل أن يقتص)) تصريح
بمعلوم ط. والله تعالى أعلم.
بَابُ جِنَايَةِ الْبَهِيمَةِ وَالچِنَايَةِ عليها
ذكره عقيب جناية الإنسان، والجناية عليه مما لا يحتاج إلى بيان ذلك، ولكن لما
كانت البهيمة ملحقة بالجمادات من حيث عدم العقل، ذكره بعد ما يحدثه الرجل في
الطريق قبل جناية الرقيق، ونسبة الجناية إليها المشاكلة الجناية عليها. قوله: (الأصل) أي
في مسائل هذا الباب، وكذا الأصل أيضاً أن المتسبب ضامن إذا كان متعدياً، وإلا لا
يضمن، والمباشر يضمن مطلقاً كما يظهر من الفروع. رحمتي. قوله: (بشرط السلامة الخ)
لأنه يتصرف في حقه من وجه، وفي حق غيره من وجه، لکونه مشتركاً بین کل الناس،
فقلنا بالإباحة مقيداً بالسلامة ليعتدل النظر من الجانبين فيما يمكن الاحتراز عنه لا فيما لا
يمكن، لأنه يؤدي إلى المنع من التصرف. زيلعي ملخصاً. قوله: (ما وطئت دابته) أي من
نفس أو مال. در منتقى. فتجب الدية عليه وعلى عاقلته، وإن كان العاطب عبداً وجبت
قيمته على العاقلة أيضاً لأن دیته قیمته، وإن مالاً وجبت قیمته في ماله، وإن ما دون
النفس: فما أرشه أقل من نصف عشر الدية ففي ماله، وإن نصف العشر فصاعداً فهو
على العاقلة. جوهرة ملخصاً. قوله: (وما أصابت بيدها أو رجلها) أي في غير حالة
الوطء كأن أتلفت في حال رفعها أو قتل وضعها ط. قوله: (أو كدمت الخ) الكدم:
العض بمقدم الأسنان كما يكدم الحمار، والخبط: الضرب باليد، والصدم: الدفع وأن
تضرب الشيء بجسدك. مغرب. قوله: (في ملكه) أي الخاص أو المشترك، لأن لكل
واحد من الشركاء السير والإيقاف فيه. زيلعي. قوله: (لم يضمن) لأنه متسبب لا مباشر،

٢٧٣
كتاب الديات / باب جناية البهيمة والجناية عليها
لأنه) مباشر لقتله بثقله فيحرم الميراث.
(ولو حدثت في ملك غيره بإذنه فهو كملكه) فلا يضمن كما إذا لم يكن
صاحبها معها. قهستاني (وإلا) يكن بإذنه (ضمن ما تلف مطلقاً) لتعديه (لا) يضمن
الراكب (ما نفحت برجلها) أو ذنبها سائرة، خلافاً للشافعي (أو عطب إنسان بما
راثت أو بالت في الطريق سائرة أو واقفة لأجل ذلك) لأن بعض الدوابّ لا يفعله
إلا واقفاً (فلو) أوقفها (لغيره) فبالت (ضمن) لتعديه بإيقافها
وليس بمتعد بتسيير الدابة في ملكه. قوله: (لأنه مباشرة) فيضمن وإن لم يتعد. قوله:
(فيحرم من الميراث) لأنه قاتل حقيقة وعليه الكفارة كما سيصرح به. قوله: (ولو حدثت)
أي المذكورات. قوله: (فلا يضمن) أي إلا في الوطء وهو راكبها. قوله: (كما إذا لم يكن
صاحبها معها) سواء دخلت بنفسها أو أدخلها بالإذن. قوله: (ضمن) أي الراكب ما تلف
مطلقاً: أي سواء وطئت أو خبطت أو صدمت واقفة أو سائرة، وكالراكب السائق والقائد
كما يأتي متناً، وقد ظهر أن الكلام فيما إذا لم تدخل بنفسها.
قال في العناية: وإن كانت الجناية في ملك غير صاحبها: فإما إن أدخلها صاحبها
فيه أو لا، فإن كان الثاني فلا ضمان عليه على كل حال لأنه ليس بمباشر ولا متسبب،
وإن كان الأول فعليه الضمان على كل حال، سواء كان معها سائقها أو قائدها أو راكبها
أو لا، واقفة أو سائرة، لأنه إما مباشر أو متسبب متعد، إذ ليس له إيقاف الدابة
وتسييرها في ملك الغير اهـ. قوله: (لا يضمن الراكب) أي في طريق العامة أو غيرها.
قوله: (لا ما نفحت الخ) بالحاء المهملة، يقال نفحت الدابة: أي ضربت بحد حافرها.
مغرب. فقوله ((برجلها)) من استعمال المقيد في المطلق كما ذكره القهستاني وغيره، لكن في
الصحاح: أي ضربت برجلها، فلم يقيد بالحافر فتبقى دعوى المجاز بالنسبة إلى قوله ((أو
ذنبها)) تأمل. قوله: (سائرة) قيد لعدم الضمان بالنفحة، فإن الاحتراز عن النفحة مع
السير غير ممكن، لأنها من ضروراته، فلو أوقفها في الطريق ضمن النفحة أيضاً، لأن
صيانة الدواب عن الوقوف ممكنة، وإن كانت غير ممكنة عن النفحة فصار الإيقاف تعدياً
أو مباحاً مقيداً بشرط السلامة. إتقاني. قوله: (أو عطب) عطف على نفحت، وفيه
ركاكة، وعبارة الملتقى: ولا ما عطب بروثها أو بولها. قوله: (أو واقفة) أي بإيقافه أو
لا. بزازية. قوله: (لأجل ذلك) أي لأجل الروث أو البول، وهو علة لقوله «أو واقفة)).
قوله: (لأن بعض الدواب الخ) علة لعدم الضمان. قال فخر الإسلام: لأن الاحتراز عن
البول والروث غير ممكن فجعل عفواً، والوقوف من ضروراته لأن الدابة لا تروث ولا
تبول غالباً إلا بعد الوقوف فجعل ذلك عفواً أيضاً. إتقاني. قوله: (فلو أوقفها) في
المغرب، ولا يقال أوقفه إلا في لغة رديئة اهـ. كفاية. قوله: (لتعديه بإيقافه) أي إيقافه

٢٧٤
كتاب الديات / باب جناية البهيمة والجناية عليها
إلا في موضع أذن الإمام بإيقافها فلا يضمن، ومنه سوق الدواب، وأما باب
المسجد فكالطريق إلا إذا أعد الإمام لها موضعاً (فإن أصابت بيدها أو رجلها حصاة
أو نواة وأثارت غباراً أو حجراً صغيراً ففقأ عيناً) أو أفسد ثوباً (لم يضمن) لعدم
إمكان الاحتراز عنه (ولو) الحجر (كبيراً ضمن) لإمكانه (وضمن السائق والقائد ما
ضمنه الراكب) وصحح في الدرر أنه مطرود منعكس (و) الراكب (عليه الكفارة) في
الوطء كما مر
الدابة فالمصدر مضاف إلى فاعله: أي فهو متسبب متعد، إذ ليس له شغل طريق المسلمين
بإيقافها فيه كما في العناية. قال الرحمتي: فلو أوقفها للازدحام أو لضرورة أخرى: ينبغي
أنه إن أمكنه العود أو التخلص يضمن، وإلا فلا. قوله: (إلا في موضع إذن الإمام
بإيقافها) وكذا إذا أوقفها في المفاوز في غير المحجة فإنه لا يضمن ولو بغير إذنه لأنه لا
يضر الناس، بخلاف المحجة كما في الاختيار. قهستاني. والمحجة: الطريق. مغرب.
قوله: (إلا إذا أعد الإمام لها) أي للدوابّ أو لوقوفها موضعاً عند باب المسجد، فلا
ضمان فيما حدث من الوقوف فيه ط. وقيد بالوقوف لأنه لو كان سائراً في هذه المواضع
التي أذن فيها الإمام بالوقوف، أو قائداً أو سائقاً فهو ضامن، ولا يزيل ذلك عنه إذن
الإمام وإنما يسقط ما حدث من وقوف دابته في هذا الموضع راكباً، ولا دون السير
والسوق والقود. إتقاني. قوله: (لم يضمن) محل ذلك إذا لم ينخسها ولم ينفرها، أما لو
نخسها أو نفرها فأثارت غباراً أو حصاة فأتلفت شيئاً ضمنه. أفاده المكي ط. وعبارة
القهستاني: وقيل لو عنف الدابة في هذه الصور ضمن كما في الذخيرة. قوله: (لإمكانه)
أي لإمكان الاحتراز عنه، فالظاهر أنه من عنفه في السوق، فيوصف بالتعدي فیؤخذ به.
إتقاني. قوله: (ما ضمنه الراكب) أي أنهم في الضمان سواء، وكذا المرتدف. إتقاني.
فيضمنون ما حدث في الطريق العام إلا النفح، ولا يضمنون ما حدث في ملكهم، أو في
ملك غيرهم بأذنه إلا في الوطء إلى آخر ما تقدم. قوله: (إنه مطرد ومنعكس) الاطراد:
التلازم في الثبوت، والانعكاس: التلازم في النفي: أي كل ما يضمن فيه الراكب يضمن
فيه السائق والقائد، وما لا فلا. وخالف القدوري في السائق، فذكر أنه يضمن النفحة
بالرجل، لأنه بمرأى عينه فيمكنه الاحتراز، وعليه بعض المشايخ، وأكثرهم على أنه لا
يضمن إذ ليس فيها ما يمنعها عن النفحة فلا يمكنه الاحتراز، بخلاف الكدم لأنه يمكنه
کبحها بلجامها کما في شرح المجمع، وما صححه في الدرر هو قول الأكثر، وصححه في
الهداية والملتقى وغيرهما. قوله: (والراكب عليه الكفارة في الوطء) أي لو وطئت إنساناً
وهو راكبها، وكذا الرديف فإنهما مباشران للقتل حقيقة بثقلهما فيلزمها الكفارة، ويحرمان
من الميراث كالنائم إذا انقلب على إنسان. إتقاني. قوله: (كما مر) لم يمر ذلك في كلامه،

٢٧٥
كتاب الديات / باب جناية البهيمة والجنابة عليها
(لا عليهما) أي لا على سائق وقائد، ولو كان سائق وراكب لم يضمن السائق على
الصحيح خلافاً لما جزم به القهستاني وغيره، لأن الإضافة إلى المباشر أولى من
المتسبب كما مر: أي إذا كان سبباً لا يعمل بانفراده إتلافاً كما هنا، أما في سبب
والأظهر لما مر باللام إشارة إلى قوله المار ((لأنه مباشر الخ)). قوله: (لا عليهما) لأنهما
متسببان، بمعنى أنه لولا السوق أو القود لم يوجد الوطء، والكفارة جزاء المباشرة.
إتقاني. قوله: (أي لا على سائق وقائد) زاد القهستاني: المرتدف، وهو غير ظاهر ومخالف
لما سمعته آنفاً. قوله: (لم يضمن السائق على الصحيح) اعلم أن الزيلعي قال: قيل لا
يضمن السائق ما وطئت الدابة، لأن الراكب مباشر والسائق متسبب، والإضافة إلى المباشر
أولى، وقيل الضمان عليهما لأن كل ذلك سبب الضمان؛ ألا ترى أن محمداً ذكر في
الأصل أن الراكب إذا أمر إنساناً فنخس المأمور الدابة فوطئت إنساناً كان الضمان عليهما
فاشتركا في الضمان، فالناخس ساق، والآمر راكب، فتبين بهذا أنهما يستويان، والصحيح
الأول لما ذكرنا.
والجواب عما ذكر في الأصل أن المتسبب إنما لا يضمن مع المباشر إذا كان السبب
شيئاً لا يعمل بانفراده في الإتلاف كما في الحفر مع الإلقاء، فإن الحفر لا يعمل بانفراده
شيئاً بدون الإلقاء، وأما إذا كان السبب يعمل بانفراده فيشتركان وهذا منه، فإن السوق
متلف وإن لم يكن على الدابة راكب، بخلاف الحفر فإنه ليس بمتلف بلا إلقاء، وعند
الإلقاء وجد التلف بهما فأضيف إلى آخرهما اهـ. ونقله المصنف في المنح، وكتب بخطه في
الهامش: هذا الكلام يحتاج إلى مزيد تحرير ا هـ.
وذكر في السعدية: أن ما ذكره الزيلعي في معرض الجواب بمعزل عن هذا التقرير،
ولا يصلح جواباً عما في الأصل، بل هو تحقيق وتفصيل له، واللازم منه وجوب الضمان
على السائق، وهو قد صحح عدم الوجوب، وهذا من مثله غريب ا هـ.
وذكر الرملي عن الحلبي عن قارىء الهداية ما صورته: ينبغي أن يقال وهو
الصحيح، والجواب عن الأول اهـ. فيكون التصحيح للقول الثاني والجواب عن القول
الأول؛ ويؤيده قول النهاية: أما الجواب عن الأول الخ، وكذا قول الولوالجية: الراكب
والسائق والقائد والرديف في الضمان سواء حالة الانفراد والاجتماع هو الصحيح، وإن
كان الراكب مباشراً، لأن السبب هنا يعمل في الإتلاف فلا يلغى، فكان التلف مضافاً
إليهما، بخلاف الحفر ا هـ ملخصاً.
وبه علم أن الصحيح ما جزم به القهستاني، وقد أخره في الهداية فأشعر بترجيحه
كعادته، وقدمه في المواهب والملتقى وعبرا عن مقابله بقيل. فتنبه. قوله: (كما مر) أي في
باب ما يحدثه الرجل في الطريق. قوله: (كما هنا) أي في السائق وقد علمت أنه کالناخس

٢٧٦
كتاب الديات / باب جناية البهيمة والجناية عليها
يعمل بانفراده فيشتركان كما يأتي في مسألة نخس الدابة بإذن راكبها، فليحفظ
(وضمن عاقلة كل فارس) أو راجل (دية الآخر إن اصطدما وماتا منه) فوقعا على
القفا (لو) كانا (حرين) ليسا من العجم ولا عامدين ولا وقعا على وجوههما (ولو)
كانا (عبدين) أو وقعا على الوجه. ابن كمال (يهدر دمهما) في العمد والخطأ
شرنبلالية وغيرها، ولو كان من العجم فالدية في مالهم كما مر مراراً، ولو كانا
عامدین فعلى كل نصف الدية، ولو وقع أحدهما على وجهه هدر دمه فقط، ولو
أحدهما حراً والآخر عبداً فعلى عاقلة الحر قيمة العبد في الخطأ ونصفها في العمد
يعمل بانفراده إتلافاً، وأن الذي لا يعمل كحفر البئر. قوله: (بإذن راكبها) فلو بدونه
ضمن الناخس فقط كما سيأتي. قوله: (أو راجل) أشار إلى أن التقييد بالفارس اتفاقي،
وإنما لم يذكر المصنف الراجل لأنه ليس من هذا الباب لعدم تعلقه بالبهيمة. أفاده
سعدي. قوله: (إن اصطدما) أي تضاربا بالجسد ا هـ. در منتقى. وهذا ليس على إطلاقه،
بل محمول على ما إذا تقابلا، لما في الاختيار: سار رجل على دابة فجاء راكب من خلفه
فصدمه فعطب المؤخر لا ضمان على المقدم، وإن عطب المقدم فالضمان على المؤخر، وكذا
في سفينتين اهـ. ط عن أبي السعود. قوله: (يهدر دمهما) لأن جناية كل من العبدين
تعلقت برقبته دفعاً وفداء، وقد فاتت لا إلى خلف من غير فعل يصير به المولى مختاراً
للفداء. منح. وأما إذا وقع الحران على وجوههما فلأنُ موت كل بقوة نفسه. قوله: (وإن
كانا عامدين) أي الحران أو العبدان كما يعلم من الهداية، وفيه مخالفة لما قدمه عن
الشرنبلالية. فتأمل. قوله: (فعلى كل نصف الدية) الذي في الزيلعي يجب على عاقلة كل
نصف الدية. قال الشلبي في حاشيته: لأن العمد هنا بمنزلة الخطأ لأنه شبه عمد، إذ هو
تعمد الاصطدام ولم يقصد القتل، ولذا وجب على العاقلة اهـ ط: وإنما نصفت الدية في
العمد لا في الخطأ لأن في الخطأ فعل كل منهما مباح وهو المشي في الطريق، فلا يعتبر في
حق الضمان بالنسبة إلى نفسه، كالواقع في بئر في الطريق فإنه لولا مشيه ما وقع، ويعتبر
بالنسبة إلى غيره لتقيده بشرط السلامة، أما في العمد فليس بمباح، فيضاف إليه ما وقع في
حق نفسه فصار مالكاً بفعله وفعل غيره، فيهدر ما كان بفعله، ويجب ما كان بفعل غيره.
وتمامه في الولوالجية. قوله: (فعلى عاقلة الحر قيمة العبد في الخطأ ونصفها ثم العمد) أي
ويأخذها ورثة الحر المقتول لأن كلَّ منهما صار قاتلاً لصاحبه، فعلى عاقلة الحر قيمة العبد
أو نصفها، ثم العبد الجاني قد تلف وأخلف هذا البدل، فيأخذه ورثة الحر المجني عليه
بجهة كونه مقتولًا لا قاتلاً، ويبطل حقهم فيما زاد عليه لعدم الخلف، ولا يرد ما إذا
قطعت المرأة يد رجل فتزوجها على اليد فإن عاقلتها يسقط عنهم الضمان، لأنهم كانوا
يتحملون عنها، فإذا تزوجها المقطوع لو لم يسقط الضمان عن العاقلة لكان الضمان عليهم

٢٧٧
كتاب الديات / باب جناية البهيمة والجناية عليها
(كما لو تجاذب رجلان حبلاً فانقطع الحبل فسقطا وماتا على القفا) هدر دمهما لموت
كل بقوة نفسه (فإن وقعا على الوجه وجب دية كل واحد منهما على عاقلة الآخر)
لموته بقوة صاحبه (فإن تعاكسا) بأن وقع أحدهما على القفا والآخر على الوجه (فدية
الواقع على الوجه على عاقلة الآخر) لموته بقوة صاحبه (وهدر) دم (من وقع على
القفا) لموته بقوة نفسه (ولو قطع إنسان الحبل بينهما فوقع كل منهما على القفا فمات
فديتهما على عاقلة القاطع) لتسببه بالقطع (وعلى سائق دابة وقع أداتها) أي آلاتها
كسرج ونحوه (على رجل فمات وقائد قطار) بالكسر قطار الإبل (وطىء بعير منه
رجلًا الدية، وإن كان معه سائق ضمنا) لاستوائهما في التسبب، لكن ضمان النفس
واجباً لها، فلا يصح أن يتحملوا عنها ضامنين لها، أما هنا فالعاقلة تحملوا عن الحر
باعتبار كونه قاتلاً ثم تأخذه الورثة بجهة كونه مقتولاً اهـ. من الكفاية مع غيرها.
واعترض الواني هذه المسألة بأن العاقلة لا تعقل عمداً ولا عبداً كما في الحديث.
وأقول: قد علمت أن العمد هنا بمنزلة الخطأ لأنه شبه عمد، وسيأتي أن الحديث
محمول على ما جناه العبد لا ما جنی، فتدبر. قوله: (کما لو تجاذب رجلان الخ) تشبيه في
الهدر المفهوم من قول المصنف ((يهدر دمهما)) وهذه المسألة في الحكم على عكس مسألة
المصادمة ط. قوله: (فإن وقعا على الوجه الخ) قيل لمحمد: إن وقعا على وجههما إذا قطع
الحبل، قال محمد: لا يكون هذا من قطع الحبل. إتقاني.
أقول: يحتمل أن يراد بذلك نفي التصور أو نفي الضمان. تأمل. قوله: (فديتهما
على عالة القاطع) كذا في الملتقى والاختيار والخانية، وفيها أيضاً في موضع آخر: لا
قصاص عليه ولا دية اهـ. ولعله رواية أخرى، أو المراد: لا دية في ماله. قوله: (وعلى
سائق دابة) خبر مبتدؤه قوله الآتي ((الدية)) وإنما وجبت عليه لأنه متعد في التسبب، لأن
الوقوع بتقصير منه، وهو ترك الشد والإحكام فيه فصار كأنه ألقاه بيده کما في الدرر ط.
فهو كوقوع ما حمله على عاتقه، بخلاف الرداء الملبوس إذا سقط وكان مما يلبسه الإنسان
عادة لأنه لا يمكن الاحتراز عنه إذ لا بد منه، كما مر في باب ما يحدثه الرجل في
الطريق. إتقاني. قوله: (وقائد قطار) إنما ضمن لأنه بيده يسير بسوقه، ويقف بإيقافه
فيضاف إليه ما حدث منه لتسببه، فيصير في الحكم كأنه قتله خطأ فتجب على عاقلته دیته.
قال الفقيه أبو الليث في شرح الجامع لو قاد أعمى فوطىء الأعمى إنساناً فقتله
ينبغي أن لا يضمن القائد لأن الأعمى من أهل الضمان، ففعله ينسب إليه، وفعل
العجماء جبار لا عبرة له في حكم نفسه فينسب إلى القائد. إتقاني ملخصاً. قوله: (قطار
الإبل) قال في المغرب: القطار الإبل تقطر على نسق واحد، والجمع قطر اهـ: أي
ككتب. قوله: (الدية) أي إذا كان المتلف غير مال وكان الموجب كأرش الموضحة فما

٢٧٨
كتاب الديات / باب جناية البهيمة والجناية عليها
على العاقلة وضمان المال في ماله، هذا لو السائق من جانب من الإبل، فلو توسطها
وأخذ بزمام واحد ضمن ما خلفه وضمنا ما قدامه وراكب وسطها يضمنه فقط ما لم
يأخذ بزمام ما خلفه (فإن قتل بعير ربط على قطار سائر بلا علم قائده رجلاً) مفعول
قتل (ضمن عاقلة القائد الدية رجعوا بها على عاقلة الرابط) لأن دية لا خسران كما
توهمه صدر الشريعة، فلو ربط والقطار واقف ضمنها عاقلة القائد بلا رجوع لقوده
بلا إذن.
(ومن أرسل بهيمة) أو كلباً ملتقى (وكان خلفها سائقاً لها فأصابت في فورها
فوقها كما مر مراراً. مكي اهـ ط. قوله: (هذا لو السائق من جانب من الإبل) أي في
الوسط يمشي في جانب من القطار لا يتقدم ولا يتأخر ولا يأخذ بزمام بعير. معراج.
وقال الإتقاني: وهذا: أي وجوب الضمان على السائق والقائد جميعاً فيما إذا كان
السائق يسوق الإبل غير آخذ بزمام بعير، أما إذا أخذ الزمام فالضمان عليه فيما هلك
خلفه، لا على القائد المتقدم، لأنه لما انقطع الزمام عن القطار لم يكن القائد المقدم قائداً لما
خلف السائق، وأما فيما هلك قدام السائق فيضمنه السائق والقائد جميعاً لاشتراكهما في
سبب وجوب الضمان، لأن كل واحد منهما مقرّب إلى الجناية، هذا بسوقه وذاك بقوده.
قوله: (وراكب وسطها يضمنه) أي لو كان رجل راكباً على بعير وسط القطار، ولا يسوق
شيئاً منها يضمن ما ركبه: أي ما أصابه بعيره بالإيطاء لأنه جعل فيه مباشراً، أما ما
أصابه بغير الإيطاء فهو عليه وعلى قائد. أفاده الزيلعي.
قلت: وهو مبني على ما صححه سابقاً، وقد علمت ما فيه. وجعل في النهاية
والكفاية الضمان عليهما بلا تفصيل، وهو مؤيد لما قدمناه من الكلام على التصحيح.
قوله: (فقط) أي لا يضمن ما قدامه لأنه غير سائق له، ولا ما خلفه لأنه غير قائد إلا إذا
أخذ بزمام ما خلفه. زيلعي. وهذا قول بعض المتأخرين، وأما غيره فاكتفى بكون زمام
ما خلفه مربوطاً ببعيره كما بسطه في النهاية وغيرها. قوله: (بلا علم قائده) متعلق بربط،
وقيد به ليبني عليه قوله ((ورجعوا بها الخ)) لأنه إذا علم لا رجوع لهم. كفاية. قوله:
(ضمن عاقلة القائد الدية) لأنه متسبب متعد بترك صون قطاره عن الربط، ورجعوا على
عاقلة الرابط لأنه أوقعهم فيه. قوله: (كما توهمه صدر الشريعة) حيث قال: ينبغي أن
يكون في مال الرابط، لأن الرابط أوقعهم في خسران المال، وهذا مما لا تتحمله العاقلة اهـ
ح. قوله: (والقطار واقف) محترز قوله ((سائر)). قوله: (لقوده بلا إذن) أي بلا إذن
الرابط، أما في الأولى فإنه لما ربطه والقطار سائر وجد من الرابط الإذن دلالة بقود
المربوط، فلذا رجعواً على عاقلته لأنه صار سبباً. كفاية. قوله: (ومن أرسل بهيمة الخ)
اعلم أولاً أن بين إرسال الكلب وغيره فرقاً، وهو أنه إذا أرسل الكلب ولم يكن سائقاً له

٢٧٩
کتاب الدیات / باب جناية البهيمة والجناية عليها
ضمن) لأنه الحامل لها، وإن لم يمش خلفاً فما دامت في دورها فسائق حكماً، وإن
تراخى انقطع السوق، فالمراد بالسوق المشي خلفها والمراد بالدابة الكلب. زيلعي
(وإن أرسل طيراً) ساقه أو لا أو دابة (أو كلباً ولم يكن سائقاً) له (أو انفلتت دابة)
بنفسها (فأصابت مالاً أو آدمياً نهاراً أو ليلاً لا ضمان) في الكل لقوله صلى الله عليه
وسلم: ((العجماء جبارا
لا يضمن وإن أصاب في فوره لأنه ليس بمتعدّ إذ لا يمكنه اتباعه، والمتسبب لا يضمن إلا
إذا تعدى، ولو أرسل دابة يضمن ما أصابت في فورها، سواء ساقها أو لا، لأنه متعدّ
بإرسالها في الطريق مع إمكان اتباعها. أفاده في النهاية. لكن في القهستاني: وعن أبي
يوسف أنه يضمن بكل حال، وبه أخذ عامة المشايخ، وعليه الفتوى اهـ.
فعلى قول أبي يوسف: لا فرق بين الدابة والكلب، وعلى الأول لا يضمن ما أصابه
الكلب في فوره، إلا إذا ساقه، وما أصابته الدابة في فورها يضمنه مطلقاً، وبه ظهر أن
كلام المصنف جار على القول الأول لأنه اشترط في الضمان السوق، ولا يشترط ذلك إلا
في الكلب، ولذا فسر الزيلعي وغيره البهيمة بالكلب، وتبعه الشارح أخيراً، لكن قوله ((أو
كلباً)) لا يناسبه خصوصاً مع قوله الآتي ((والمراد بالدابة الكلب)). قوله: (فسائق حكماً)
لأن سيرها مضاف إليه ما دامت تسير على سننها، ولو انعطفت يمنة أو يسرة انقطع حكم
الإرسال إلا إذا لم يكن طريق آخر سواه، وكذا إذا وقفت ثم سارت. وتمامه في الهداية.
وإن ردّها راد ضمن ما أصابت في فعلها ذلك لأنه سائق لها، ولا يرجع على سائقها إلا
إذا كان بأمره. إتقاني. قوله: (فالمراد بالسوق الخ) تفريع على قوله ((وكان خلفها سائقاً
لها» والمتبادر من عباراتهم أنه المشي خلفها، وإن لم يطردها، ونقل المكي عن ملا علي
تقييده بطرده إياها ط ملخصاً.
قلت: وفي غاية البيان عن الإسبيجابي: يريد به إذا أرسله وضربه أو زجره عند
ذلك حتى صار له سائقاً. قوله: (والمراد بالدابة) الأولى البهيمة لأنه المذكور في المتن
والزيلعي، وقد علمت وجه هذا التفسير وما فيه. قوله: (ساقه أو لا) لأن بدنه لا يحتمل
السوق فلم يعتبر، بخلاف البهيمة. قوله: (أو دابة أو كلباً ولم يكن سائقاً له) أطلقه
فشمل ما إذا أصاب الكلب شيئاً في فوره فلا يضمنه المرسل، بخلاف الدابة. نهاية.
وقدمنا وجه الفرق وأن المفتى به الضمان مطلقاً، وعليه فالصواب إسقاط الشارح قوله ((أو
دابة)). قوله: (أو انفلتت دابة) ولو في الطريق أو ملك غيره. إتقاني. قوله: (أو ليلاً)
وقال الشافعي: إن ذهبت ليلاً ضمن، لأن العادة حفظها فيه فهو مفرط. وتمامه في
المعراج. قوله: (العجماء جبار) أي فعلها إذا كانت منفلتة، وفي رواية الصحيحين والإمام
مالك وأحمد وأصحاب السنن: ((العجماء جرحها جبار)) ط. والعجماء غلب على البهيمة.

٢٨٠
كتاب الديات / باب جناية البهيمة والجناية عليها
أي المنفلتة هدر (كما لو جمحت) الدابة (به) أي بالراكب ولو سكران (ولم يقدر)
الراكب (على ردها) فإنه لا يضمن كالمنفلتة، لأنه حينئذ ليس بمسير لها فلا يضاف
سيرها إليه حتى لو أتلفت إنساناً فدمه هدر. عمادية.
(ومن ضرب دابة عليها راکب أو نخسها) بعود بلا إذن الراكب (فنفحت أو
ضربت بيدها) شخصاً (آخر) غیر الطاعن (أو نفرت فصدمته وقتلته ضمن هو) أي
الناخس (لا الراكب) وقال أبو يوسف: يضمنان نصفين كما لو كان موقفاً دابته على
الطريق
مغرب. قوله: (أي المنفلتة) تقييد للعجماء لا تفسير لها كما لا يخفى اهـح.
قال الزيلعي بعد نقله ذلك عن محمد: وهذا صحيح ظاهر لأن المسوقة والمركوبة
والمقودة في الطريق أو في ملك الغير أو المرسلة في الطريق فعلها معتبر على ما بينا. قوله:
(عمادية) لم يذكر فيها قوله ((حتى لو أتلفت إنساناً الخ)) وإنما ذكر المصنف أنه أفتى به
المولى أبو السعود العمادي مفتي الروم، لكنه لما كان مفهوماً من كلام الفصول العمادية
عزاه إليها هذا، وذكر الرملي أنهما لو اختلفا في عدم القدرة على ردها فالقول للخصم
والبينة على مدعي العجز؛ لأن إنكاره لأصل الضمان في ضمن الدعوى لا يفيد بعد تحقق
سببه. تأمل اهـ ملخصاً. قوله: (أو ضربت بيدها) أو كيفما أصابت اهـ. خلاصة.
فدخل ما إذا وطئت. قال في الهداية: ولو وثبت بنخسته على رجل أو أوطأته فقتلته كان
ذلك على الناخس دون الراكب والواقف في ملكه والذي يسير فيه سواء ا هـ: أي بخلاف
الواقف في الطريق لتعديه. كفاية. وسيأتي. قوله: (فصدمته) أي الآخر وقتلته وفي
التاتر خانية: هذا إذا كانت النفخة والضربة والوثب في فور النخس، وإلا فلا ضمان عليه.
قوله: (لا الراكب) لأنه غير متعد فترجح جانب الناخس في التغريم للتعدي. وتمامه في
الهداية. قوله: (وقال أبو يوسف) هو رواية عنه كما في القهستاني وغيره. قوله: (كما لو
كان موقفاً دابته على الطريق) أي فنخسها رجل فقتلت آخر يضمنان نصفين لأنه متعدّ
بالإيقاف. منح وغيرها.
قال الرملي: أقول: ظاهره ولو كان بغير إذنه، إذ هو موضوع مسألة المتن التي
الكلام عليها، والمصرح به في الخلاصة والبزازية خلافه.
قال في الخلاصة: وإن كان بإذنه فالضمان عليهما إلا في النفحة بالرجل والذنب
فإنها جبار، إلا إذا كان الراكب واقفاً في غير ملكه فأمر رجلاً فنخسها فنفحت رجلًاً
فالضمان عليهما، وإن كان بغير إذنه فالضمان كله على الناخس اهـ.
ونقل ط عن المنتقى بالنون: رجل واقف على دابته في الطريق، فأمر رجلاً فنخسها
فقتلت رجلاً والآمر فدية الأجنبي عليهما ودم الآمر هدر؛ ولو سارت عن موضعها ثم