Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
کتاب الجنايات
ما ذكرنا في الأصح كمن قتل ولا وليّ له للحاكم قتله والصلح لا العفو لأنه ضرر
للعامة (والوصي) كالأخ (يصالح) عن القتل (فقط) بقدر الدية، وله القود في
الأطراف إستحساناً لأنه يسلك بها مسلك الأموال (والصبيّ كالمعتوه) فيما ذكر
(وللكبار القود قبل كبر الصغار)
فيه إيطال حقه نظير ما قبله. قوله: (والصلح) ينبغي على قياس ما تقدم في الأب أن يتقيد
صلحه بقدر الدية أو أكثر ط: أي فلا يجوز الحط بالأولى. قوله: (والوصي كالأخ
يصالح) الوصي مبتدأ وجمل يصالح خبر وكالأخ حال والكاف فيه للتنظير، والصواب
إسقاطه، لكن قال الرحمتي: أي في كونه لا يملك القود لا في أن الأخ يصالح لأنه لا
ولاية له على التصرف في مال أخيه اهـ. وهو بعيد. قوله: (يصالح عن القتل فقط) أي
ليس له العفو لما مر، ولا القود لأنه ليس له ولاية على نفسه، وهذا من قبيله. ابن كمال.
وكان الأولى إسقاط قوله ((عن القتل)) فإن له الصلح عن الطرف أيضاً. نعم في صلحه عن
القتل اختلاف الرواية .
والحاصل كما في غاية البيان عن البزدوي: أن الروايات اتفقت في أن الأب له
استيفاء القصاص في النفس وما دونها، وأن له الصلح فيهما جميعاً لا العفو، وفي أن
الوصي لا يملك استيفاء النفس ويملك ما دونها، ويملك الصلح فيما دونها ولا يملك
العفو.
واختلفت الروايات في صلح الوصي في النفس على مال. ففي الجامع الصغير هنا
يصح، وفي كتاب الصلح لا يصح ا هـ ملخصاً. وذكر الرملي ترجيح الرواية الأولى. قوله:
(استحساناً) وفي القياس لا يملكه، لأن المقصود متحد وهو التشفي. هداية. قوله: (لأنه
يسلك بها مسلك الأموال) ولهذا جوّز أبو حنيفة القضاء بالنكول في الطرف. إتقاني. قوله:
(والصبيّ كالمعتوه) أي إذا قتل قريب الصبي فلأبيه ووصيه ما يكون لأبي المعتوه ووصيه،
فلأبيه القود والصلح لا العفو وللوصي الصلح فقط، وليس للأخ ونحوه شيء من ذلك،
إذ لا ولاية له عليه كما قررناه في المعتوه. وفي الهندية عن المحيط: أجمعوا على أن القصاص
إذا كان كله للصغير ليس للأخ الكبير ولاية الاستيفاء. ويأتي تمامه قريباً.
تتمة: أفتى الحانوتي بصحة صلح وصي الصغير على أقل من قدر الدية إذا كان
القاتل منكراً ولم يقدر الوصي على إثبات القتل قياساً على المال، لما في العمادية من أن
الوصي إذا صالح عن حق الميت أو عن حق الصغير على رجل: فإن كان مقراً بالمال أو
عليه بينة أو قضى عليه به لا يجوز الصلح على أقل من الحق، وإن لم يكن كذلك يجوز ا
هـ. قوله: (وللكبار القود الخ) أي إذا قتل رجل له ولي كبير وصغير كان للكبير أن يقتل

١٨٢
کتاب الجنايات
خلافاً لهما، والأصل أن كل ما لا يتجزأ إذا وجد سببه كاملًا ثبت لكل على
الكمال کولاية إنكاح وأمان (إلا إذا كان الكبير أجنبياً عن الصغير فلا يملك القود
قاتله عنده لأنه حق مشترك. وفي الأصل: إن كان الكبير أباً استوفى القود بالإجماع وإن
كان أجنبياً بأن قتل عبد مشترك بين أجنبيين صغير وكبير ليس له ذلك. وفي الكلام
إشارة إلى أنه لو كان الكل صغاراً ليس للأخ والعم أن يستوفيه كما في جامع الصغار،
فقيل ينتظر بلوغ أحدهم، وقيل يستوفي السلطان كما في الاختيار والقاضي كالسلطان،
وإلى أنه لو كان الكل كباراً ليس للبعض أن يقتص دون البعض ولا أن يوكل باستيفائه،
لأن في غيبة الموكل احتمال العفو، فالقصاص يستحقه من يستحق ماله على فرائض الله
تعالى، ويدخل فيه الزوج والزوجة كما في الخلاصة، وإلى أنه لا يشترط القاضي كما في
الخزانة، وإلى أنه لو كان القتل خطأ لم يكن للكبير إلا استيفاء حصة نفسه كما في
الجامع. قهستاني. وقوله لا يشترط القاضي: أي قضاؤه، فمن له القصاص له أن يقتص
سواء قضى به أو لا كما في البزازية. قوله: (خلافاً لهما) فعندهما: ليس لهم ذلك إلا
أن يكون الشريك الكبير أباً للصغير. نهاية. وقاساه على ما إذا كان مشتركاً بين كبيرين
وأحدهما غائب. قوله: (والأصل الخ) استدلال لقول الإمام، قال في الهداية: وله أنه
حق لا يتجزى لثبوته بسبب لا يتجزى وهو القرابة واحتمال العفو من الصغير منقطع:
أي في الحال، فيثبت لكل واحد كملاً كما في ولاية الإنكاح، بخلاف الكبيرين لأن
احتمال العفو من الغائب ثابت ا هـ.
واعترض سعدي كون السبب هو القرابة بأنه يثبت للزوج والزوجة ولا قرابة.
وأجاب الطوري بأنه على التغليب، أو بأن المراد بها الاتصال الموجب للإرث. قوله:
(وأمان) أي أمان المسلم الحربي. قوله: (إلا إذا كان الكبير أجنبياً عن الصغير) قال في
النهاية: بأن كان العبد مشتركاً بين صغير وأجنبي فقتل عمداً ليس للأجنبي أن يستوفي
القصاص قبل بلوغه بالإجماع، إلا أن يكون للصغير أب فيستوفيانه حينئذ ا هـ. ثم قال
ناقلاً عن المبسوط: لأن السبب الملك وهو غير متكامل لكل واحد منهما، فإن ملك
الرقبة يحتمل التجزي، بخلاف ما نحن فيه فإن السبب فيه القرابة وهو مما لا يحتمل
التجزي. وتمامه فيه.
مَبْحَثْ شَرِيفٌ
وظاهر هذا التصوير والتعليل، ومثله ما قدمناه آنفاً عن القهستاني عن الأصل أن
المراد بالأجنبي من كان شريكاً في الملك لا في القرابة، فلو قتل رجل وله ابن عمة كبير
وابن خالة صغير وهما أجنبيان فللكبير القصاص، لأن السبب القرابة للمقتول وهو مما لا
يتجزى؛ وكذا لو قتل عن زوجة وابن صغير من غيرها فللزوجة القصاص لأن مرادهم

١٨٣
كتاب الجنايات
(حتى يبلغ الصغير) إجماعاً. زيلعي فليحفظ.
(ولو قتل القاتل أجنبيّ وجب القصاص عليه في) القتل (العمد) لأنه محقون
الدم بالنظر لقاتله كما مر (والدية على عاقلته) أي للقاتل (في الخطأ، ولو قال وليّ
القتيل بعد القتل) أي بعد قتل الأجنبي (كنت أمرته بقتله ولا بينة له) على مقالته (لا
يصدق) ويقتل الأجنبي. درر. بخلاف من حفر بئراً في دار رجل فمات فيها
شخص فقال رب الدار كنت أمرته بالحفر صدق. مجتبى: يعني لأنه يملك استئنافه
للحال فيصدق، بخلاف الأول لفوات المحل بالقتل كما هو القاعدة، وظاهره أن
حق الوليّ يسقط رأساً كما لو مات القاتل حتف أنفه.
(ولو استوفاه بعض الأولياء لم يضمن شيئاً) وفي المجتبى والدرر:
بالقرابة ما يشمل الزوجية كما مر. وبه أفتى العلامة ابن الشلبي في فتاواه المشهورة فيمن
قتل امرأة عمداً ولها زوج وابن صغير من غيره فأجاب للزوج القصاص قبل بلوغ الولد،
لكن يخالفه ما في فتاوى العلامة الحانوتي حيث أفتى فيمن قتل عمداً وله بنت بالغة وابن
صغير وأربع زوجات بأنه ينتظر بلوغ الابن لكون بعض الزوجات أجنبيات عنه أخذاً من
عبارة الزيلعي ا هـ. فليتأمل في ذلك. قوله: (كما مر) أي أول الفصل. قوله: (ولو قال
الخ) أفاد أن ولي القصاص له استيفاؤه بنفسه وأمر غيره به كما صرح به في البزازية، لكن
ليس للغير استيفاؤه بغيبة الموكل كما قدمناه عن القهستاني. قوله: (أي بعد قتل الأجنبي)
مصدر مضاف إلى فاعله. قوله: (كنت أمرته) أي أمرت الأجنبي. قوله: (لا يصدق)
لأن فيه إسقاط حق غيره وهو ولي القاتل الأول. قوله: (يعني الخ) أفاده المصنف في
المنح، وبه علل في الظهيرية حيث قال: لأنه أخبر عما يملك. قوله: (كما هو القاعدة)
وهي أن من حكى أمراً إن ملك استئنافه للحال صدق وإلا فلا؛ كما لو أخبر وهي في
العدة أنه راجعها صدق، ولو بعدها فلا إن كذبته إلا ببرهان، وهنا يملك استئناف الإذن
بالحفر ولا يملك الإذن بالقتل لفوات محله وهو المقتول. قوله: (وظاهره الخ) أي ظاهر
قول المتن ((ولو قتل القاتل أجنبي وجب القصاص الخ)) أن وليّ المقتول الأول يسقط حقه
رأساً أي يسقط من الدية كما سقط من القصاص، مثل لو مات القاتل بلا قتل أحد.
ووجه الظهور أن المصنف لم يتعرض لشيء من ذلك وهو ظاهر، لما تقدم من أن
موجب العمد القود عيناً فلا يصير مالاً إلا بالتراضي ولم يوجد هنا، ثم رأيته في
التاترخانية حيث قال في هذه المسألة: وإذا قتل القاتل بحق أو بغير حق سقط عنه
القصاص بغير مال، وكذا إذا مات. قوله: (ولو استوفاه) الخ أي استوفى القصاص
الواجب لجماعة، وكان ينبغي ذكر هذه المسألة قبل قوله ((ولو قتل القاتل أجنبي)) فإنها من

١٨٤
کتاب الجنايات
دم بين اثنين فعفا أحدهما وقتله الآخر: إن علم أن عفو بعضهم يسقط حقه يقاد،
وإلا فلا والدية في ماله، بخلاف ممسك رجل ليقتل عمداً فقتل وليّ القتيل الممسك
فعليه القود لأنه مما لا یشکل على الناس.
(جرح إنساناً ومات) المجروح (فأقام أولياء المقتول بينة أنه مات بسبب الجرح
وأقام الضارب بينة أنه برىء) من الجرح (ومات بعد مدة فبينة ولي المقتول أولى) كذا
في معين الحكام معزياً للحاوي.
(أقام أولياء المقتول البينة على أنه جرحه زيد وقتله وأقام زيد البينة على أن
المقتول قال إن زيداً لم يجرحني ولم يقتلني فبينة زيد أولى) كذا في المشتمل معزياً
متعلقات ما قبلها، وقد ذكرها الشراح تأييداً لأصل الإمام أن القصاص يثبت لكل على
الكمال فقالوا: والدليل عليه لو استوفى أحدهم لا يضمن للباقين شيئاً ولا للقاتل، ولو لم
يكن جميع القصاص واجباً له لكان ضامناً باستيفاء الكل. قوله: (دم اثنين) أي وجب
لهما على آخر. وعبارة الدرر من هنا إلى قوله وإلا فلا. وأما عبارة المجتبى فنصها: ولو
كان الدم بين اثنين فعفا أحدهما وقتله الآخر، فإن لم يعلم بعفو شريكه يقتل قياساً لا
استحساناً وإن علم بعفوه، فإن لم يعلم بحرمته وقال ظننت أنه يحل لي قتله لا يقتل والدية
في ماله، وإن علم بالحرمة يقتل سواء قضى القاضي بسقوط القصاص في نصيب الساكت
أو لم يقض؛ وهذا كمن أمسك رجلاً حتى قتله الآخر عمداً فقتل ولي القتيل الممسك فعليه
القصاص قضى القاضي بسقوط القصاص عن الممسك أو لم يقض اهـ. قوله: (بخلاف)
مرتبط بقوله ((وإلا فلا)) والممسك بالنصب مفعول قتل، وفي تعبيره نوع خفاء ومؤداه ما
قدمناه. قوله: (مما لا يشكل على الناس) أي لا يخفى عليهم أن الممسك لا يحل قتله،
بخلاف ما عفا عنه أحد أولياء القتيل فإنه يخفى أنه يسقط حق الباقي أو لا، بل في الدر
على المحيط أنه مجتهد فيه؛ فعند البعض لا يسقط القصاص بعفو أحدهما فصار ظنه شبهة.
قوله: (فبينة ولي المقتول أولى) هذا موافق لما ذكره صاحب القنية في باب البينتين
المتضادتين. وعلله بعضهم بأنه بينة الأولياء مثبتة وبينة الضارب نافية، لكنه مخالف لما
ذكره صاحب الخلاصة في آخر كتاب الدعوى بقوله: رجل ادعى على آخر أنه ضرب بطن
أمته وماتت بضربه فقال المدعى عليه في الدفع إنها خرجت بعد الضرب إلى السوق لا
يصح الدفع؛ ولو أقام البينة أنها صحت بعد الضرب تصح؛ ولو أقاما البينة هذا على
الصحة والآخر على الموت بالضرب فبينة الصحة أولى. كذا في البزازية ومشتمل الأحكام.
وبه أفتى الفاضل أبو السعود ا هـ. كذا في تعارض البينة للشيخ غانم البغدادي وما ذكره
المصنف هنا مشى عليه أيضاً في كتاب الشهادات قبيل باب الاختلاف في الشهادة تبعاً
للبحر، فتأمل. قوله: (فبينة زيد أولى) لأنها قامت على قول صاحب الحق لا على النفي

١٨٥
کتاب الجنايات
لمجمع الفتاوى.
(قال المجروح لم يجرحني فلان ثم مات) المجروح (ليس لورثته الدعوى على
الجارح بهذا السبب) مطلقاً، وقيل إن الجرح معروفاً عند القاضي أو الناس قبلت.
قنية.
وفي الدرر عن المسعودية: لو عفا المجروح أو الأولياء بعد الجرح قبل الموت
جاز العفو استحساناً. وفي الوهبانية: جريح قال قتلني فلان ومات فبرهن وارثه
على آخر أنه قتله لم تسمع لأنه حق المورّث وقد أكذبهم، ولو قال: جرحني فلان
ومات فبرهن ابنه على ابن آخر أنه جرحه خطأ قبلت لقيامها على حرمانه الإرث.
(سقاه سماً حتى مات: إن دفعه إلیه حتی أکله ولم يعلم به فمات لا قصاص
ولا دية لكنه يحبس ويعزّر، ولو أوجره) السم (إيجاراً تجب الدية) على عاقلته (وإن
ط. قوله: (ليس لورثته الدعوى) لأن الوارث يدعي الحق للميت أولاً ثم ينتقل إليه
بالإرث، والمورث لو كان حياً لا تقبل دعواه لأنه متناقض، فكذا لا تصح دعوى من
يدعي له. ولوالجية. وقيد ذلك في كتاب القول لمن بقوله قال صاحب المحيط: هذا إذا
كان الجارح أجنبياً، فإن كان وارثاً لا يصح اهـ.
أقول: الظاهر أن ما نقله عن المحيط فيما إذا كانت الجراحة خطأ لأنه يكون في
المعنى إبراء لوارثه عن المال، وقيد ط كلام المصنف بقوله مقيد بالقتل العمد، وأما إذا كان
خطأ والمسألة بحالها فإنها تقبل البينة ويسقط من الدية ثلثها، ويعد قوله ((لم يجرحني))
إسقاطاً للمال فلا ينفذ إلا من الثلث اهـ. ولم يعزه لأحد. قوله: (وفي الدرر عن
المسعودية الخ) تكرار مع ما تقدم قبيل قوله ((لا قود بقتل مسلم مسلماً) اهـ ح. قوله:
(على آخر) أي على رجل آخر أجنبي عن المورث بقرينة ما بعده. قوله: (وقد أكذبهم) أي
أكذب الشهود كما في حاشية الأشباه عن مجموع النوازل. قوله: (فبرهن ابنه على ابن
آخر) عبارة الأشباه: فبرهن ابنه أن فلاناً آخر جرحه، والصواب ما هنا ولذا قال البيري:
إن ما في الأشباه خلاف المنقول، فتنبه. قوله: (لقيامها على حرمانه الإرث) بيان للفرق
بين ما إذا أقيمت البينة على أجنبي فلا تقبل كما تقدم وبين ما إذا أقيمت على ابن
المجروح. قال في الظهيرية: ووجهه أن البينة قامت على حرمان الولد الإرث، فلما أجزنا
ذلك في الميراث جعلنا الدية على عاقلته اهـ. قوله: (ولم يعلم به) وكذا إذا علم بالأولى
ط. قوله: (لا قصاص ولا دية) ویرث منه هندیة ط. قوله: (حتی أکله) أي باختياره،
والأولى حتى شربه. قوله: (ولو أوجره الخ) أي صبه في حلقه على كره، وكذا لو ناوله
وأكرهه على شربه حتى شرب فلا قصاص وعلى عاقلته الدية. تاترخانية. ثم قال: وفي

١٨٦
کتاب الجنايات
دفعه له في شربة فشربه ومات) منه (فكالأول) لأنه شرب منه باختياره، إلا أن
الدفع خدعة فلا يلزم إلا التعزير والاستغفار. خانية (وإن قتله بمرّ) بفتح الميم: ما
يعمل في الطين (يقتص إن أصابه حدّ الحديد) أو ظهره وجرحه إجماعاً كما نقله
المصنف عن المجتبى (وإلا) يصبه حده بل قتله بظهره ولم يجرحه (لا) يقتص في رواية
الطحاوي، وظاهر الرواية أنه يقتص بلا جرح في حديد ونحاس وذهب ونحوها،
وعزاه في الدرر لقاضيخان، لكن نقل المصنف عن الخلاصة أن الأصح اعتبار الجرح
عند الإمام لوجوب القود، وعليه جرى ابن الكمال.
وفي المجتبى: ضرب بسيف في غمده فخرق السيف الغمد وقتله فلا قود عند
أبي حنيفة
الذخيرة ذكر المسألة في الأصل مطلقاً بلا خلاف ولم يفصل. ولا يشكل على قول أبي
حنيفة لأن القتل حصل بما لا يجرح فكان خطأ العمد على مذهبه. وأما على قولهما،
فمنهم من قال: عندهما على التفصيل إن كان ما أوجر من السم مقداراً يقتل مثله غالباً
فهو عمد وإلا فخطأ العمد، ومنهم من قال: إنه على قولهم جميعاً خطأ العمد مطلقاً أهـ
ملخصاً. وذكر السائحاني أن شيخه أبا السعود ذكر في باب قطع الطريق أنه لو قتل بالسم
قيل يجب القصاص لأنه يعمل عمل النار والسكين، ورجحه السمرقندي ا هـ: أي إذا
أوجره أو أكرهه على شربه كما لا يخفى. قوله: (فلا يلزم إلا التعزير والاستغفار) أي
لارتكابه معصية بتسببه لقتل النفس.
تنبيه: أقر أنه أهلك فلاناً بالدعاء أو بالسهام الباطنة أو بقراءة الأنفال لا يلزمه
شيء لأنه كذب محض، لأنه يؤدي إلى ادعاء علم الغيب المنفي بقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ
فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥] ولم يوجد نص بإهلاكه بهذه
الأشياء، وبالإقرار كاذباً لا يلزمه شيء، كما لو أقر ببنوة رجل هو أكبر من المقر سناً.
ولو أقر أنه أهلك فلاناً بقراءة أسماء الله تعالى القهرية اختلف المشايخ فيه لوقوعها،
والأصح أنه لا يلزمه شيء لأن الشرع لم يجعله من آلة القتل وسببه ا هـ. بيري عن حاوي
القنية. ولم يذكر ما إذا أقر أنه قتله بالإصابة بالعين، فتأمل. قوله: (ما يعمل به في الطين)
قال العيني: المر بفتح الميم وتشديد الراء: وهو خشبة طويلة في رأسها حديدة عريضة من
فوقها خشبة عريضة يضع الرجل عليها ويحفر بها الأرض. قوله: (بل قتله بظهره الخ)
وإن أصابه بالعود فهي مسألة القتل بالمثقل، وقد مرت أول الكتاب. معراج: أي يكون
شبه عمد وتقدم الكلام فيه. قوله: (أن الأصح اعتبار الجرح الخ) صرح بذلك في الهداية
أيضاً، ولم يتعقبه الشراح فكان النقل عنها أولى لأنها أقوى. قوله: (فلا قود عند أبي
حنيفة) لأنه لم يقصد ضربه بآلة جارحة. ولوالجية.

١٨٧
کتاب الجنايات
(كالخنق والتغريق) خلافاً لهما والشافعي.
ولو أدخله بيتاً فمات فيه جوعاً لم يضمن شيئاً، وقالا: تجب الدية. ولو دفنه
حیاً فمات، عن محمد: يقاد به. مجتبى.
أقول: وهذا موافق لما تقدم من تعريف العمد بأن يتعمد ضربه بآلة تفرّق الأجزاء.
ويؤخذ منه أنه لو قصد ضربه بالسيف في هذه الصورة يلزمه القود لحصول الجرح بآلة
القتل مع قصد الضرب. وأما ما قدمناه عن المجتبى أول الكتاب من أنه لا يشترط في
العمد قصد القتل فمعناه أنه بعد قصد ضربه بالمحدد لا يشترط قصد القتل، فالشرط هو
قصد الضرب دون القتل، ثم لا يلزم من وجود القتل بالمحدد کونه عمداً لأنه قد يكون
خطأ فلذا شرط قصد الضرب به، وهنا إذا لم يقصد ضربه بالسيف لم يكن عمداً وإن
حصل القتل به. قوله: (كالخنق) متصل بقوله ((وإلا لا)) والخنق بكسر النون. قال
الفارابي: ولا يقال بالسكون وهو مصدر خنقه: إذا عصر حلقه؛ والخناق فاعله، والخناق
بالكسر والتخفيف: ما يخنق به من حبل أو وتراهـ. مغرب. قوله: (خلافاً لهما)
فعندهما فيه القود. في الولوالجية: هذا إذا دام على الخنق حتى مات أما إذا تركه قبل
الموت، ينظر: إن دام على الخنق بمقدار ما يموت منه الإنسان غالباً يجب القصاص عندهما
وإلا فلا إجماعاً اهـ. وكذا في التغريق يشترط أن يكون الماء عظيماً بحيث لا تمكنه النجاة
ليكون عندهما عمداً موجباً للقصاص، فلو قليلاً لا يقتل غالباً، أو عظيماً تمكن النجاة منه
بالسباحة بأن كان غير مشدود وهو يحسن السباحة فهو شبه عمد. أفاده في التاتر خانية
وغيرها. قوله: (ولو أدخله بيتاً) كذا أطلقه في التاتر خانية عن المحيط. وفيها عن
الظهيرية: ولو قيده وحبسه في بيت الخ. والظاهر أن المعتبر عدم القدرة على الخروج سواء
قيده أو لا. قوله: (وقالا تجب الدية) في التاترخانية عن المحيط: والكبرى تجب عليه
الدية. وفيها عن الخانية والظهيرية: تجب على عاقلته، فالظاهر أن الأول على حذف
مضاف. تأمل. وفي الظهيرية: والفتوى على قول أبي حنيفة أنه لا شيء عليه. وقال ط
أول الكتاب: وفي شرح الحموي عن خزانة المفتين: ولو طرحه في بئر أو من ظهر جبل أو
سطح لم يقتل به، ولو طين على إنسان بيتاً حتى مات جوعاً أو عطشاً لم يضمن، وقالا:
عليه الدية لأنه سبب يؤدي إلى التلف فيجب الضمان، وهو المختار في زماننا لمنع الظلمة
من الظلم ا هـ. قوله: (عن محمد يقاد) بناء على أنه يجب عنده في شبه العمد القود كما
نقله في المعراج أو على أن هذا عمد. ففي التاترخانية يقاد فيه لأنه قتله عمداً، وهذا قول
محمد، والفتوى أنه على عاقلته الدیة ا هـ.
والفرق بينه وبين ما إذا حبسه حتى مات جوعاً حيث كان الفتوى على أنه لا شيء

١٨٨
کتاب الجنابات
بخلاف قتله بموالاة ضرب السوط كما سيجيء.
وفيه: لو اعتاد الخنق قتل سياسة ولا تقبل توبته لو بعد مسكه كالساحر.
وفيه (قمط رجلاً وطرحه قدام أسد أو سبع فقتله فلا قود فيه ولا دية ويعزر
ويضرب ويحبس إلى أن يموت) زاد في البزازية: وعن الإمام عليه الدية، ولو قمط ..
صبياً وألقاه في الشمس أو البرد حتى مات فعلى عاقلته الدية.
وفي الخانية: قمط رجلًا وألقاه في البحر فرسب وغرق كما ألقاه
عليه كما مر، هو أن الجوع والعطش من لوازم الإنسان، أما هنا فقد مات غماً وذلك
ليس من لوازمه فيضاف للفاعل كما أفاده في الظهيرية (بخلاف قتله الخ) فإنه لا قود فيه.
قال الإتقاني: إذا والى الضربات بالسوط الصغير والعصا الصغيرة لا يجب به القصاص.
وقال الشافعي: يجب إذا والى على وجه لا تحتمله النفس عادة ١ هـ. ونقل قبله أنه شبه مد
عن أبي حنيفة، وعندهما عمد. قوله: (كما سيجيء) لم أره. قوله: (لو اعتاد الخنق الخ)
في الخانية: ولو خنق رجلاً لا يقتل إلا إذا كان خناقاً معروفاً خنق غير واحد فيقتل سياسة
اهـ. وعبارة الشارح قبيل كتاب الجهاد: وإلا بأن خنق مرة لا يقتل ذكره بعد قول
المصنف هناك، ومن تكرر الخنق منه في المصر قتل به، ومفاده أن التكرار يحصل بمرتين،
ثم هذا غير خاص بالخنق لما قدمه في شبه العمد أنه لا قود فيه إلا أن يتكرر منه فللإمام
قتله سياسة. قوله: (لو بعد مسكه) أي بعد ما وقع في يد الإمام، وإن تاب قبله قبلت.
مجتبى. قوله: (فلا قود فيه ولا دية) وكذا لو أدخله في بيت وأدخل معه سبعاً وأغلق عليه
الباب فقتله السبع، وكذا لو نهشته حية أو لسعته عقرب، وإن فعل ذلك بصبيّ فعليه
الدية. تاترخانية. ونقل ط مثله عن الهندية. وقوله فعليه الدية: أي على عاقلته على
حذف مضاف بدليل ما يأتي إذ لا يصدق عليه قتل العمد على قول الإمام. تأمل. وانظر
ما الفرق بين الصبيّ والرجل، وسيذكر المصنف قبيل باب القسامة: لو غصب صبياً حراً
فمات بصاعقة أو نهش حية فديته على عاقلة الغاصب، وعلله الشارح هناك بأنه متسبب،
وذكر أنه لو نقل الحرّ الكبير مقيداً ولم يمكنه التحرّز عنه ضمن الخ، ومقتضاه عدم الفرق
بين الكبير والصغير، وهذا موافق للرواية التي ذكرها هنا عن البزازية. وسيأتي تمام الكلام
على ذلك هناك إن شاء الله تعالى. قوله: (ولو قمط صبياً الخ) ذكره في التاترخانية، وذكر
قبله: ولو أن رجلاً قمط صبياً أو رجلاً ثم وضعه في الشمس فعليه الدية ا هـ: أي على
عاقلته كما قدمنا. تأملٍ. ولينظر ما الفرق بين الشمس وبين السبع فإنه لا حكم لفعل كل
منهما، وفي كلّ هو متسبب بالقتل، والظاهر أنه مفرّع على تلك الرواية. قوله: (فرسب)
قال في المغرب: رسب في الماء رسوباً: سفل من باب طلب. قوله: (وغرق الخ) أي
وعلم موته منه. قال في التاترخانية: ولو أنه حين طرح رسب في الماء ولا يدري مات أو

١٨٩٠
کتاب الجنايات
فعلى عاقلته الدية عند أبي حنيفة، ولو سبح ساعة ثم غرق فلا دية لأنه غرق
بعجزه، وفي الأولى غرق بطرحه في الماء.
(قطع عنقه وبقي من الحلقوم قليل وفيه الروح فقتله آخر فلا قود فيه) عليه لأنه في
حکم الميت.
(ولو قتله وهو في) حالة (النزع قتل به) إلا إذا كان يعلم أنه لا يعيش منه. كذا في
الخانية .
وفي البزازية: شقّ بطنه بحديدة وقطع آخر عنقه، وإن توهم بقاءه حياً بعد الشق
قتل قاطع العنق، وإلا قتل الشاق وعزّر القاطع.
(ومن جرح رجلاً عمداً فصار ذا فراش ومات يقتص) إلا إذا وجد ما يقطعه
كحز الرقبة والبرء منه، وقدمنا أنه لو عفا المجروح أو الأولياء قبل موته صح
خرج ولم ير له أثر لا شيء عليه ما لم يعلم أنه قد مات. قوله: (فعلى عاقلته الدية) أي
مغلظة. تاترخانية. قوله: (ولو سبح ساعة الخ) وكذا لو كان جيد السباحة. تاترخانية.
قوله: (لأنه في حكم الميت) فلو مات ابنه وهو على تلك الحالة ورثه ابنه ولم يرث هو من
ابنه. ذخيرة ط. قوله: (إلا إذا كان يعلم الخ) تبع فيه المصنف في المنح، وصوابه أن
يقول: وإن كان يعلم القاتل أنه لا يعيش به فإنه الذي رأيته في الخانية والخلاصة
والتاترخانية والبزازية. قوله: (شقّ بطنه الخ) في التاتر خانية: شقّ بطنه وأخرج أمعاءه ثم
ضرب رجل عنقه بالسيف عمداً فالقاتل هو الثاني، وإن كان خطأ تجب الدية، وعلى
الشاقّ ثلث الدية، وإن نفذت إلى جانب آخر فثلثاها، هذا إذا كان مما يعيش بعد الشق
يوماً أو بعض يوم، وإن كان بحال لا يتوهم معه وجود الحياة ولم يبق معه إلا اضطراب
الموت، فالقاتل هو الأول فيقتص بالعمد وتجب الدية بالخطإ هـ ملخصاً. ولعل الفرق
بينه وبين من هو في النزاع أن النزاع غير متحقق، فإن المريض قد يصل إلى حالة شبه
النزاع، بل قد يظن أنه قد مات ويفعل به كالموتى ثم يعيش بعده طويلاً، بخلاف من شقّ
بطنه وأخرج أمعاؤه فإنه يتحقق موته، لكن إذا كان فيه من الحياة ما يعيش معها يوماً فإنها
حياة معتبرة شرعاً كما مر في الذبائح فلذا كان القاتل هو الثاني، وأما لو كان يضطرب
اضطراب الموت من الشق فالحياة فيه غير معتبرة أصلاً فهو ميت حكماً فلذا كان القاتل
هو الأول، هذا ما ظهر لي، فتأمل. قوله: (إلا إذا وجد ما يقطعه الخ) قال في المنح: لأن
الجرح سبب ظاهر لموته فيحال الموت عليه ما لم يوجد ما يقطعه كحزّ الرقبة والبرء منه ا
هـ. والحزّ بالمهملة فالمعجمة: القطع، والضمير في منه للجرح. قوله: (وقدمنا الخ) أي في

١٩٠
کتاب الجنايات
استحساناً (وإن مات) شخص (بفعل نفسه وزيد وأسد وحية ضمن زيد ثلث الدية
في ماله إن) كان القتل (عمداً وإلا فعلى عاقلته) لأن فعل الأسد والحية جنس واحد
لأنه هدر في الدارين، وفعل زيد معتبر في الدارين، وفعل نفسه هدر في الدنيا لا
العقبى حتى يأثم بالإجماع، فصارت ثلاثة أجناس. ومفاده أن يعتبر في المقتول
التكليف ليصير فعله جنساً آخر غير جنس فعل الأسد والحية. وأن لا يزيد على
الثلث لو تعدد قاتله لأن فعل کل جنس واحد. ابن كمال.
(ويجب قتل من شهر سيفاً على المسلمين) يعني في الحال
هذا الفصل، وأشار به إلى قاطع آخر. قوله: (ضمن زيد ثلث الدية في ماله) لأن العاقلة
لا تتحمل العمد وإنما لم يقتص لما مر، ويأتي من أنه لا قصاص على شريك من قصاص
بقتله لعدم تجزيه. قوله: (فصارت ثلاثة أجناس) فكأن النفس تلفت بثلاثة أفعال،
فالتالف بفعل كل واحد ثلثه فيجب عليه ثلث الدية. هداية. قوله: (ومفاده) أي مفاد
التعليل. قوله: (ليكون فعله الخ) إذ لو كان غير مكلف لهدر في الدارين كفعل الأسد
فيكون على زيد نصف الدية. قوله: (وأن لا يزيد على الثلث لو تعدد قاتله) بأن كان مع
زيد غيره فيشترك هو وغيره في الثلث.
وأقول: ذكر في متفرقات التاترخانية: لو جرحه رجل جراحة وجرحه آخر جراحة
ثم انضم إليه ما هو هدر فعلى كل واحد منهما ثلث الدية وثلثها هدرا هـ. ومثله في
الجوهرة قبيل جناية المملوك. وفي تكملة الطوري: ولو قطع رجل يده وجرحه آخر
وجرح هو أيضاً نفسه وافترسه سبع ضمن القاطع ربع الدية والجارح ربعها لأن النفس
تلفت بجنايات أربعة ثنتان منها معتبرتان ا هـ. ومثله يأتي متناً آخر باب ما يحدثه في
الطريق: لو استأجر أربعة لحفر بئر فوقعت فمات أحدهم سقط الربع ووجب على كل
واحد الربع فظهر أن المنقول خلاف ما ذكره، فتنبه.
أقول: ويؤخذ من ذلك جواب حادثة الفتوى في زماننا فيمن جرح صبياً بسكين
في بطنه فظهر بعض أمعائه فجيء له بمن يخيط الجرح ويرد الأمعاء فلم يمكنه ذلك إلا
بتوسيع الجرح فأذن له أبو الصبي بذلك ففعل ثم مات تلك الليلة، فينبغي أن يجب
نصف الدية على الجارح في ماله لأن الفعل الآخر مأذون به فكان هدراً كما سيأتي.
قوله: (ويجب قتل من شهر سيفاً) شهر سيفه كمنع وشهره: انتضاه فرفعه على الناس.
قاموس. قوله: (على المسلمين) تنازعه كل من يجب وشهر. وعبارة الجامع الصغير:
شهر على المسلمين سيفاً، قال: حق على المسلمين أن يقتلوه ولا شيء عليهم اهـ. وذكر
أبو السعود عن الشيخ عبد الحي بحثاً أن أهل الذمة كالمسلمين. قوله: (يعني في الحال)

١٩١
کتاب الجنابات
كما نص عليه ابن الكمال حيث غير عبارة الوقاية فقال: ويجب دفع من شهر سيفاً
على المسلمين ولو بقتله إن لم يمكن دفع ضرره إلا به. صرح به في الكفاية: أي لأنه
من باب دفع الصائل، صرح به الشمني وغيره، ويأتي ما يؤيده (ولا شيء بقتله)
بخلاف الحمل الصائل.
(وَلا) يقتل (من شهر سلاحاً على رجل ليلا أو نهاراً في مصر أو غيره أو شهر
عليه عصاً ليلًا في مصر أو نهاراً في غيره فقتله المشهور عليه) وإن شهر المجنون على
غيره سلاحاً فقتله المشهور عليه (عمداً تجب الدية) في ماله (ومثله الصبيّ والدابة)
أي في حال شهره السيف عليهم قاصداً ضربهم لا بعد انصرافه عنهم فإنه لا يجوز قتله
كما يأتي. قوله: (كما نص عليه ابن الكمال) أي على كونه حالاً، والأولى أن يقول كما
أشار إليه، لأنه لم ينص عليه وإنما أخذ بطريق الإشارة من قوله ((دفع)) فإن الدفع لا بطء
فيه ط. قوله: (وصرح به في الكفاية) ليس هذا في عبارة ابن الكمال. وعبارة الكفاية:
أي إنما يجب القتل لأن دفع الضرر واجب اهـ. وفي المعراج: معنى الوجوب وجوب
دفع الضرر لا أن يكون عين القتل واجباً. قوله: (ويأتي ما يؤيده) أي يؤيد أن المراد له
قتله إذا لم يمكن دفع ضرره إلا به وذلك في عبارة صدر الشريعة الآتية قريباً وعبارة المتن
بعدها. قوله: (ولا شيء بقتله) أي إذا كان مكلفاً كما يعلم من قوله الآتي ((وإن شهر
المجنون الخ)) ولما لم يكن عين القتل واجباً كان محتملاً أن يكون القتل موجباً للضمان
فصرح بعدمه. أفاده ابن الكمال. قوله: (ولا يقتل) معطوف على قوله ((لا شيء بقتله)).
قوله: (على رجل) أي قاصداً قتله بدلالة الحال لا مزاحاً ولعباً أفاده الزيلعي في الطلاق
وأفاد بهذه المسألة أن الواحد كالمسلمين. قوله: (ليلا أو نهاراً الخ) لأن السلاح لا يلبث
فيحتاج إلى دفعه بالقتل. هداية: أي ليس فيه مهلة للدفع بغير القتل. قوله: (أو شهر
عليه عصا الخ) لأن العصا الصغيرة وإن كانت تلبث ولكن في الليل لما يلحقه الغوث
فيضطر إلى دفعه بالقتل، وكذا في النهار في غير المصر في الطريق لا يلحقه الغوث،
قالوا: فإن كان عصا لا يلبث يحتمل أن يكون مثل السلاح عندهما. هداية. قوله:
(فقتله المشهور عليه) أي أو غيره دفعاً عنه. زيلعي. وفي الكفاية: ولو ترك المشهور عليه
قتله يأثم. قوله: (عمداً) أي بمحدد ونحوه، وكذا شبه العمد بالأولى. قوله: (تجب
الدية) أي لا القصاص لوجود المبيح وهو دفع الشر. وتمامه في الهداية. قوله: (ومثله
الصبيّ والدابة) أي مثل المجنون في وجوب الضمان، لكن الواجب في الصبيّ الدية
أيضاً. وفي الدابة القيمة. وذكر الرملي أنه لو كان المجنون أو الصبيّ عبداً فالواجب
القيمة كالدابة المملوكة. تأمل ١ هـ.

١٩٢
كتاب الجنايات
الصائلة. وقال الشافعي: لا ضمان في الكل لأنه لدفع الشر.
(ولو ضربه الشاهر فانصرف) وكفّ عنه على وجه لا يريد ضربه ثانياً (فقتله
الآخر) أي المشهور عليه أو غيره، كذا عممه ابن الكمال تبعاً للكافي والكفاية (قتل
القاتل) لأنه بالانصراف عادة عصمته.
قلت: فتحرر أنه ما دام شاهر السيف ضربه، وإلا لا، فليحفظ.
(ومن دخل عليه غيره ليلاً فأخرج السرقة) من بيته (فاتبعه) رب البيت (فقتله
فلا شيء عليه) لقوله عليه الصلاة والسلام: ((قاتل دون مالك)) وكذا لو قتله قبل
الأخذ إذا قصد أخذ ماله ولم يتمكن من دفعه إلا بالقتل. صدر الشريعة.
وفي الصغرى: قصد ماله: إن عشرة أو أكثر له قتله، وإن أقل قاتله ولم
يقتله، وهل يقبل قوله أنه كابره؟ إن ببينة نعم، وإلا فإن المقتول معروفاً بالسرقة
والشرّ لم يقتص استحساناً، والدية في ماله لورثة المقتول. بزازية. هذا (إذا لم يعلم
أقول: وفي النهاية ما نصه: وأجمعوا على أنه لو كان الصائل عبداً أو صيد الحرم لا
يضمن. كذا ذكره الإمام التمرتاشي اهـ. ومثله في المعراج. وذكر الفرق بينهما وبين
الدابة العلامة الإتقاني في غاية البيان عن شرح الطحاوي فراجعه. قوله: (أو غيره الخ) لا
حاجة إليه، وليس بمحل وهم حتى يقويه بالنقل، فتدبر ط. قوله: (عادت عصمته) فإذا
قتله بعد ذلك فقد قتل شخصاً معصوماً مظلوماً فيجب عليه القصاص. زيلعي. قوله:
(ما دام شاهراً السيف) أي مع قصد الضرب. قوله: (ليلاً) مفهومه أنه لو نهاراً ليس له
قتله لأنه يلحقه الغوث بالصراخ. قوله: (دون مالك) أي لأجل مالك. عناية وغيرها.
قوله: (وكذا لو قتله قبل الأخذ الخ) قال في الخانية: رأى رجلاً يسرق ماله فصاح به ولم
يهرب أو رأى رجلاً يثقب حائطه أو حائط غيره وهو معروف بالسرقة فصاح به ولم يهرب
حل له قتله ولا قصاص عليه ١ هـ. قوله: (وفي الصغرى الخ) يريد به تقييد ما أطلقه
المتون والشروح مع أنها لا تقيد بما في الفتاوى. قال الماتن في آخر قطع الطريق: ويجوز
أن يقاتل دون ماله وإن لم يبلغ نصاباً، ويقتل من يقاتله عليه.
وقال في المنح عن البحر: استقبله اللصوص ومعه مال لا يساوي عشرة حلّ له أن
يقاتلهم، لقوله عليه الصلاة والسلام ((قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ)) واسم المال يقع على القليل والكثير
١ هـ. سائحاني. قوله: (بزازية) ونصها قبیل کتاب الوصايا قتله صاحب الدار وبرهن على
أنه كابره قدمه هدر، وإن لم تكن له بينة إن لم يكن المقتول معروفاً بالشر والسرقة قتل
صاحب الدار قصاصاً، وإن متهماً به في القياس يقتص. وفي الاستحسان: تجب الدية في
ماله لورثة المقتول لأن دلالة الحال أورثت شبهة في القصاص لا المال اهـ. قوله: (مع

١٩٣
کتاب الجنايات
أنه لو صاح عليه طرح ماله، وإن علم) ذلك (فقتله مع ذلك وجب عليه القصاص)
لقتله بغير حق (كالمغصوب منه إذا قتل الغاصب) فإنه يجب القود لقدرته على دفعه
بالاستغاثة بالمسلمين والقاضي.
(مباح الدم التجأ إلى الحرم لم يقتل فيه) خلافاً للشافعي (ولم يخرج عنه للقتل
لكن يمنع عنه الطعام والشراب حتى يضطر فيخرج من الحرم فحينئذ يقتل خارجه)
وأما فيما دون النفس فيقتص منه في الحرم إجماعاً.
(ولو أنشأ القتل في الحرم قتل فيه) إجماعاً. سراجية. ولو قتل في البيت لا
يقتل فيه. ذكره المصنف في الحج.
(ولو قال اقتلني فقتله) بسيف (فلا قصاص وتجب الدية) في ماله في
الصحيح، لأن الإباحة لا تجري في النفس وسقط القود لشبهة الإذن، وكذا لو قال
اقتل أخي أو ابني أو أبي فتلزمه الدية استحساناً كما في البزازية عن الكفاية.
وفيها عن الواقعات: لو ابنه صغيراً يقتص. وفي الخانية: بعتك دمي بفلس
ذلك) لا حاجة إليه ط. قوله: (لقدرته على دفعه الخ) انظر ما إذا لم يقدر المسلمون
والقاضي كما هو مشاهد، في زماننا، والظاهر أنه يجوز له قتله لعموم الحديث ط. قوله:
(مباح الدم) بأن قتل أو زنى، ومثله ما لو شرب الخمر أو فعل غيره مما يوجب الحد كما
ذكره العلامة السندي في المنسك المتوسط، وصرح بأن المرتد كذلك، لكن قدمنا آخر
كتاب الحج عن المنتقى بالنون أنه يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم سلم وإلا قتل. ونقله
القاري في شرح المنسك عن النتف، وذكر أنه مخالف لإطلاقهم، إلا أن يقال: إباء المرتدّ
عن الإسلام جناية في الحرم وهو الظاهر. ثم ذكر عن البدائع أن الحربيّ لو التجأ إلى
الحرم لا يقتل فيه ولا يخرج عندهما. وقال أبو يوسف: يباح إخراجه منه. قوله: (فيخرج
من الحرم) أي يخرج هو بنفسه. قوله: (فيقتص منه) وكذا يحد. ففي الخانية عن أبي
حنيفة: لا تقطع يد السارق في الحرم خلافاً لهما، وإن فعل شيئاً من ذلك في الحرم يقام
عليه الحد فيه. قوله: (ولو قتل في البيت الخ) ومثله سائر المساجد لأن المسجد يصان عن
مثل ذلك ا هـ. رحمتي .. قوله: (بسيف) قيد به لقوله ((وتجب الدية في ماله)) فلو قتله بمثقل
فالدية على العاقلة ط. قوله: (في الصحيح) وبه جزم في عمدة المفتي، بل في مختصر
المحيط أنه بالاتفاق كما في شرح الوهبانية. قوله: (وسقوط القود) كالاستدراك على قوله
((لأن الإباحة لا تجري في النفس)) فإن المتبادر منه القصاص ط. قوله: (وكذا لو قال) أي
وكان هو الوارث. قوله: (لو ابنه صغيراً يقتص) أي قياساً، والظاهر أن الصغير غير قيد
ومثله الأخ.

١٩٤
کتاب الجنايات
أو بألف فقتله يقتص. وفي اقتل أبي عليه دية لابنه. وفي اقطع يده فقطع يده
يقتص. وفي: شجّ ابني فشجه لا شيء عليه، فإن مات فعليه الدية (وقيل لا) تجب
الدية أيضاً، وصححه ركن الإسلام كما في العمادية، واستظهره الطرسوسي لكن
رده ابن وهبان.
(كما لو قال: اقتل عبدي أو اقطع بده ففعل فلا ضمان عليه) إجماعاً كقوله
اقطع يدي أو رجلي وإن سرى لنفسه ومات لأن الأطراف كالأموال فصح الأمر.
ولو قال اقطعه على أن تعطيني هذا الثوب أو هذه الدراهم فقطع يجب أرش اليد لا
القود وبطل الصلح. بزازية.
وعبارة البزازية: وفي الواقعات اقتل ابني وهو صغير فقتله يقتص. ولو قال اقطع
يده فقطعها عليه القصاص. ولو قال اقتل أخي فقتله وهو وارثه ففي رواية عن الثاني وهو
القياس يجب القصاص. وعن محمد عن الإمام: الدية، وسوّى في الكفاية بين الابن
والأخ. وقال في القياس: يجب القصاص في الكل. وفي الاستحسان: تجب الدية. وفي
الإيضاح ذكر قريباً منه اهـ. قوله: (فقتله يقتص) لأنه بيع باطل وهو ليس بإذن بالقتل
فليس كقوله اقتلني ط. قوله: (وفي اقطع يده يقتص) لأن ولاية الاستيفاء ليست له بل
للأب فلم يكن أمره مسقطاً للقصاص رحمتي. تأمل. قوله: (وفي شج ابني الخ) هذه
المسألة لم أرها في الخانية بل هي مذكورة في المجتبى. ونصه: ولو أمره أن يشجه فشجه فلا
شيء عليه، فإن مات منها كان عليه الدية اهـ. والضمير في شجه يحتمل عوده على الآمر
أو على الابن المذكور في المجتبى قبله. والثاني هو ما فهمه الشارح، لكن فيه أنه لا يظهر
الفرق بين القطع والشجة، فليتأمل. قوله: (وقيل لا الخ) مقابل قوله ((وتجب الدية في
ماله)) في الصحيح. قوله: (وإن سرى لنفسه ومات) عزا في التاتر خانية إلى شيخ الإسلام.
وفيها عن شرح الطحاوي: قال لآخر اقطع یدي: فإن کان بعلاج کما إذا وقعت في يده
أكلة فلا بأس به، وإن من غير علاج لا يحل، ولو قطع في الحالين فسرى إلى النفس لا
يضمن اهـ. قوله: (ولو قال اقطعه) أي الطرف المفهوم من الأطراف. قوله: (وبطل
الصلح) أي ما رضي به بدلاً عن الأرش.
تنبيه: قال في الفصل ٣٣ من جامع الفصولين: وقد وقعت في بخارى واقعة، وهي
رجل قال لآخر ارم السهم إليّ حتى آخذه فرمى إليه فأصاب عينه فذهب. قال ح: لم
يضمن كما لو قال له اجن علي فجنى، وهكذا أفتى بعض المشايخ به، وقاسوه على ما لو
قال اقطع يدي. وقال صاحب المحيط: الكلام في وجوب القود، ولا شك أنه تجب الدية
في ماله لأنه ذكر في الكتاب: لو تضاربا بالوكز فذهبت عين أحدهما يقاد لو أمكن لأنه
عمد، وإن قال كل منهما لآخر ده ده، وكذا لو بارزا على وجه الملاعبة أو التعليم
فأصابت الخشبة عينه فذهبت يقاد إن أمكن اهـ.

١٩٥
کتاب الجنايات
فروع: هبة القصاص لغير القاتل لا تجوز لأنه يجري فيه التمليك.
عفو الوليّ عن القاتل أفضل من الصلح، والصلح أفضل من القصاص،
وكذا عفو المجروح.
لا تصح توبة القاتل حتى يسلم نفسه للقود. وهبانية.
الإمام شرط استيفاء القصاص كالحدود عند الأصوليين. وفرق الفقهاء.
وقال العلامة الرملي في حاشيته عليه: أقول: في المسألة قولان. قال في مجمع
الفتاوى: ولو قال كل واحد لصاحبه ده ده ووكز كل منهما صاحبه وكسر سنه فلا شيء
عليه بمنزلة ما لو قال اقطع يدي فقطعها. كذا في الخانية اهـ. والذي ظهر في وجه ما في
الكتاب أنه ليس من لازم قوله ده ده إباحة عينه لاحتمال السلامة مع المضاربة بالوكزة
كاحتمالها مع رمي السهم فلم يكن قوله ارم السهم إلي قوله ده ده صريحاً في إتلاف
عضوه، بخلاف قوله اقطع يدي أو اجن عليّ فلم يصح قياس الواقعة عليه، والمصرح به
أن الأطراف كالأموال يصح الأمر فيها. تأمل اهـ. قوله: (لغير القاتل) وكذا للقاتل
لوجود العلة فيه. أفاده الحموي. وانظر هل يسقط القصاص في الصورتين؟ ط. والظاهر
أنه لا يتوقف في عدم السقوط، إذ لا معنى لعدم جوازه إلا ذلك. قوله: (عفو الولي عن
القاتل أفضل) ويبرأ القاتل في الدنيا عن الدية والقود لأنهما حق الوارث. بيري. قوله:
(لا تصح توبة القاتل حتى يسلم نفسه للقود) أي لا تكفيه التوبة وحدها.
قال في تبيين المحارم: واعلم أن توبة القاتل لا تكون بالاستغفار والندامة فقط بل
يتوقف على إرضاء أولياء المقتول، فإن كان القتل عمداً لا بد أن يمكنهم من القصاص
منه، فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا عفوا عنه مجاناً، فإن عفوا عنه كفته التوبة اهـ
ملخصاً. وقدمنا آنفاً أنه بالعفو عنه يبرأ في الدنيا، وهل يبرأ فيما بينه وبين الله تعالى؟ هو
بمنزلة الدين على رجل فمات الطالب وأبرأته الورثة يبرأ فيما بقي؛ أما في ظلمه المتقدم لا
يبرأ، فكذا القاتل لا يبرأ عن ظلمه ويبرأ عن القصاص والدية. تاتر خانية.
أقول: والظاهر أن الظلم المتقدم لا يسقط بالتوبة لتعلق حق المقتول به، وأما ظلمه
على نفسه بإقدامه على المعصية فيسقط بها. تأمل.
وفي الحامدية عن فتاوى الإمام النووي مسألة فيمن قتل مظلوماً فاقتص وارثه أو
عفا عن الدية أو مجاناً هل على القاتل بعد ذلك مطالبة في الآخرة؟ الجواب: ظواهر الشرع
تقتضي المطالبة في الآخرة. اهـ. وكذا قال في تبيين المحارم: ظاهر بعض الأحاديث يدل
على أنه لا يطالب. وقال في مختار الفتاوى: القصاص مخلص من حق الأولياء، وأما
المقتول فيخاصمه يوم القيامة، فإن بالقصاص ما حصل فائدة للمقتول وحقه باق عليه ا
هـ. وهو مؤيد لما استظهرته. قوله: (وفرق الفقهاء) أي بين القصاص والحدود فيشترط

١٩٦
کتاب الجنابات
أشباه. وفيها في قاعدة: الحدود تدرأ بالشبهات كالحدود القصاص إلا في سبع.
يجوز القضاء بعلمه في القصاص دون الحدود.
القصاص یورث والحد لا .
يصح عفو القصاص لا الحد.
التقادم لا يمنع الشهادة بالقتل، بخلاف الحد سوى حد القذف.
الإمام لاستيفاء الحدود دون القصاص. حموي. قال في الهندية: وإذا قتل الرجل عمداً وله
وليّ واحد فله أن يقتله قصاصاً، قضى القاضي به أو لم يقض اهـ ط. قوله: (يجوز
القضاء بعلمه في القصاص) مبني على أن القاضي يقضي بعلمه في غير الحدود. والفتوى
اليوم على عدم جواز القضاء بعلمه مطلقاً. حموي ا هـ ط. وسيذكره الشارح في أول
جنايات المملوك. قوله: (القصاص يورث) سيأتي بيانه في أول باب الشهادة في القتل.
قوله: (لا الحد) شمل حد القذف، وهو محمول على ما بعد المرافعة. أما قبلها فهو جائز.
وفي الحاوي: إذا ثبت الحد لم يجز الإسقاط، وإذا عفا المقذوف عن القاذف فعفوه باطل،
وله أن يطالب بالحد اهـ. إلا إذا قال لم يقذفني أو كذب شهودي فإنه يصح كما في البحر
عن الشامل، والمراد من بطلان العفو أنه إذا عاد وطلبه حد لأن العفو كان لغواً فكأنه لم
يخاصم إلى الآن، وليس المراد أن الإمام له أن يقيمه بعد ذهاب المقذوف وعفوه، أفاده أبو
السعود في حاشية الأشباه ط. قوله: (بخلاف الحد) فإن التقادم يمنعه والتقادم في الشرب
بذهاب الريح، وفي حد غيره بمضيّ شهر وقد مضى في الحدود ط. قوله: (لا الحد) فلا
تجوز الشفاعة فيه بعد الوصول للحاكم، أما قبل الوصول إليه والثبوت عنده فتجوز
الشفاعة عند الرافع له إلى الحاكم ليطلقه، لأن الحد لم يثبت كما في البحر. وفي البيري قال
الأكمل في حديث ((أَشْفَعُوا تُؤْجَرُوا)): ولا يتناول الحديث الحدود فتبقى الشفاعة لأرباب
الحوائج المباحة كدفع الظلم أو تخليص خطأ وأمثالهما، وكذا العفو عن ذنب ليس فيه حد
إذا لم يكن المذنب مصراً، فإن كان مصراً لا يجوز حتى يرتدع عن الذنب والإصرار ا هـ.
ومثله في حاشية الحموي عن شرح مسلم للإمام النووي. قوله: (السابعة الخ) قال في
الأشباه: تسمع الشهادة بدون الدعوى في الحد الخالص والوقف وعتق الأمة وحريتها
الأصلية، وفيما تمحض الله تعالى كرمضان، وفي الطلاق والإيلاء والظهار اهـ. قوله:
(سوى حد القذف) وكذا حد السرقة لما تقدم في محله أن طلب المسروق منه المال شرط
القطع، فلو أقرّ أنه سرق مال الغائب توقف على حضوره ومخاصمته.
تنبيه: زاد الحموي ثامنة، وهي اشتراط الإمام لاستيفاء الحدود دون القصاص. قال
أبو السعود: ويزاد تاسعة، وهي جواز الاعتياض في القصاص بخلاف حد القذف، حتى
لو دفع القاذف مالاً للمقذوف ليسقط حقه فإنه يرجع به اهـ. أقول: ويزاد عاشرة، وهي

١٩٧
کتاب الجنابات / باب القود فیما دون النفس
ويثبت بإشارة أخرس و کتابته، بخلاف الحد.
تجوز الشفاعة في القصاص لا الحد.
السابعة: لا بد في القصاص من الدعوى، بخلاف الحد سوى حد القذف اهـ.
وفي القنية: نظر في باب دار رجل ففقأ الرجل عينه لا يضمن إن لم يمكنه
تنحيته من غير فقئها، وإن أمكنه ضمن. وقال الشافعي: لا يضمن فيهما.
ولو أدخل رأسه فرماه بحجر ففقأها لا يضمن إجماعاً، إنما الخلاف فيمن
نظر من خارجها، والله تعالى أعلم.
بَابُ الْقَوّدِ فيمَا دُونَ النَّفْسِ
(وهو في كل ما يمكن فيه رعاية حفظ المماثلة) وحينئذ
صحة رجوعه عن الإقرار في الحد. قوله: (لا يضمن إجماعاً) لأنه شغل ملكه، كما لو
قصد أخذ ثيابه فدفعه حتى قتله لم يضمن. منح عن القنية.
وفي معراج الدراية: ومن نظر في بيت إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه فطعنه
صاحب الدار بخشبة أو رماه بحصاة ففقأ عينه يضمن عندنا. وعند الشافعي: لا يضمن،
لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال «لَوْ أَنَّ امْراً أَطَّلَعَ
عَلَيْكَ بِغَيِرِ إِذْنٍ فَحَذَقْتَهُ بِحَصَاةٍ وَفَقَأْتَ عَيْنَةُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ))(١) .
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: ((في العَينْ نِصْفُ الدِّيَةِ (٢) وهو عام، ولأن مجرد
النظر إليه لا يبيح الجناية عليه، كما لو نظر من الباب المفتوح وكما لو دخل بيته ونظر فيه
أو نال من امرأته ما دون الفرج لم يجز قلع عينه، لأن قوله عليه الصلاة والسلام: ((لَا يُحِلُّ
دَمُ امْرِىءٍ مُسلِمٍ)) الحديث يقتضي عدم سقوط عصمته، والمراد بما روى أبو هريرة المبالغة
في الزجر عن ذلك اهـ. ومثله في ط عن الشمني. وقوله وكما لو دخل بيته الخ مخالف لما
ذكره الشارح، إلا أن يحمل ما ذكره على ما إذا لم يمكن تنحيته بغير ذلك، وما هنا على ما
إذا أمكن، فليتأمل. والله تعالى أعلم.
بَابُ الْقَوّدِ فيمَا دُونَ النَّفْسِ
لما فرغ من بيان القصاص في النفس أتبعه بما هو بمنزلة التبع وهو القصاص في
الأطراف. عناية. ثم اعلم أنه لا يقاد جرح إلا بعد برئه خلافاً للشافعي كما سيأتي آخر
الشجاج. قوله: (رعاية حفظ المماثلة) الأولى الاقتصار على المتن، فإن الرعاية الحفظ ط.
(١) أخرجه البخاري (٦٨٨٨) ومسلم ١٦٩٩/٣ (٢١٥٨/٤٤) والنسائي ٦١/٨ والشافعي كما في البدائع
(١٤٤٤) والحميدي (١٠٧٨) والبيهقي ٣٣٨/٨.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٧٤/٨) والنسائي ٥٩/٨.

١٩٨
كتاب الجنايات / باب القود فيما دون النفس
(فيقاد قاطع اليد عمداً من المفصل) فلو القطع من نصف ساعد أو ساق أو من
قصبة أنف لم يقد لامتناع حفظ المماثلة وهي الأصل في جريان القصاص (وإن كانت
يده أكبر منها) لاتحاد المنفعة (وكذا) الحكم في (الرجل والمارن والأذن، و) كذا (عين
قوله: (فيقاد الخ) أي سواء حصل الضرب بسلاح أو غيره، لما قدمه أنه ليس فيما دون
النفس شبه عمد. قوله: (من المفصل) وزان مسجد: أحد مفاصل الأعضاء. مصباح.
قوله: (من نصف ساعد الخ) المراد به ما لا يكون من المفصل. قوله: (أو من قصبة أنف)
أتى بمن عطفاً على من الأولى لا على ساعد، لأنه لا قصاص بقطع القصبة كلها أو نصفها
لأنها عظم كما في الجوهرة. قوله: (لامتناع حفظ المماثلة) لأنه قد يكسر زيادة من عضو
الجاني أو يقع خلل فيه زائد ط. قوله: (وإن كانت يده أكبر منها) أي من المقطوعة، وهذا
بخلاف ما إذا شجه موضحة فأخذت الشجة ما بين قرني المشجوج ولا تأخذ ما بين قرني
الشاتجّ لكبر رأسه حيث اعتبر الكبر، وخير المشجوج بين الاقتصاص بمقدار شجته وبین
أخذ أرش الموضحة، لأن المعتبر في ذلك الشين، وبالاقتصاص بمقدارها يكون الشين في
الثانية أقل، وبأخذه ما بين قرني الشاج زيادة على حقه فانتفت المماثلة صور ومعنى؛ فإن
شاء استوفاها معنى وهو بمقدار شجته ويترك الصورة، وإن شاء أخذ أرشها. أما اليد
الكبيرة والصغيرة فمنفعتهما لا تختلف. عناية وغيرها. وقيد بالكبر لأنه لا تقطع
الصحيحة بالشلاء ولا اليمنى باليسرى وعكسه كما في الجوهرة. ويأتي تمامه. قوله:
(والمارن) هو ما لان من الأنف، واحترز به عن القصبة كما مر. قال ط: وإذا قطع بعضه
لا يجب. ذخيرة. وفي الأرنبة حكومة عدل على الصحيح. خزانة المفتين. وإن كان أنف
القاطع أصغر خير المقطوع أنفه الكبير إن شاء قطع وإن شاء أخذ الأرش. محيط. وكذا إذا
كان قاطع الأنف أخشم لا يجد الريح، أو أصرم الأنف أو بأنفه نقصان من شيء أصابه،
فإن المقطوع مخير بين القطع وبين أخذ دية أنفه. ظهيرية ا هــ قوله: (والأذن) أي كلها،
وكذا بعضها إن كان للقطع حدّ يعرف تمكن فيه المماثلة وإلا سقط القصاص. إتقاني. ولو
كانت أذن القاطع صغيرة، أو خرقاء أو مشقوقة والمقطوعة كبيرة أو سالمة خير المجني
عليه: إن شاء قطع، وإن شاء ضمن نصف الدية. وإن كانت المقطوعة ناقصة كان له
حكومة عدل. تاترخانية. قوله: (وكذا عين الخ) ولو كبيرة بصغيرة وعكسه، وكذا
يقتص من اليمنى باليسرى لا بالعكس، بل فيه الدية خلافاً للخانية. ولو ذهب بياضها ثم
أبصر فلا شيء عليه: أي إن عاد كما كان، فلو دونه فحكومة كما لو ابيضت مثلاً كما في
القهستاني عن الذخيرة. در منتقى.
أقول: قوله وكذا يقتص الخ في القهستاني خلافه. والذي في الخانية هو ما يذكره
عن المجتبى قريباً. وفي الجوهرة: أجمع المسلمون على أنه لا تؤخذ العين اليمنى باليسرى
١

١٩٩
کتاب الجنابات / باب القود فیما دون النفس
ضربت فزال ضوءها وهي قائمة) غير منخسفة (فيجعل على وجهه قطن رطب
وتقابل عينه بمرآة محماة، ولو قلعت لا) قصاص لتعذر المماثلة.
وفي المجتبى: فقأ اليمنى ويسرى الفاقىء ذاهبة اقتص منه وترك أعمى. وعن
الثاني: لا قود في فقء عين حولاء (و) كذا هو أيضاً (في كل شجة يراعى) ويتحقق
(فيها المماثلة) کموضحة.
(ولا قود في عظم إلا السن وإن تفاوتا) طولاً أو كبراً لما مر (فتقلع إن قلعت،
ولا اليسرى باليمنى اهـ. ويأتي تمامه قريباً فتنبه. قوله: (فزال ضوءها) قال بعضهم:
يعرف ذلك إذا أخبر رجلان من أهل العلم به. وقال ابن مقاتل بأن لا تدمع إذا قوبلت
مفتوحة للشمس. قوله: (فيجعل الخ) هذه الحادثة وقعت في زمن عثمان رضي الله تعالى
عنه، فشاور الصحابة فلم يجيبوه حتى جاء عليّ وقضى بالقصاص وبين هكذا ولم ينكر
عليه فاتفقوا عليه. معراج. قوله: (بمرآة) بكسر الميم ومد الهمزة: آلة الرؤية. ورأيت
بخط بعض العلماء أن المراد بها هنا: فولاذ صقيل يرى به الوجه لا المرآة المعروفة من
الزجاج. قوله: (وعن الثاني الخ) عبارة المجتبى: ولو فقأ عيناً حولاء والحول لا يضرّ
ببصره يقتص منه، وإلا ففيه حكومة عدل. عن أبي يوسف: لا قصاص في فقء العين
الحولاء مطلقاً اهـ. وظاهره ترجيح الأول، وعليه اقتصر في الخانية نقلاً عن أبي الحسن،
لكن قال قبله بورقة: ولا قصاص في عين الأحول، وظاهره الإطلاق، وعادته تقديم ما
هو الأشهر فلذا اقتصر عليه الشارح، وكذا ظاهر كلام الشرنبلالية الميل إليه، فافهم.
تنبيه: ضرب عين إنسان فابيضت بحيث لا يبصر بها لا قصاص فيه عند عامة
العلماء لتعذر المماثلة فقأ عين رجل وفي عين الفاقىء بياض ينقصها فللرجل أن يفقا
البيضاء أو أن يأخذ أرش عينه. جنى على عين فيها بياض يبصر بها وعين الجاني كذلك فلا
قصاص بينهما. وفي العين القائمة الذاهب نورها حكومة عدل، وكذا لو ضربها فابيض
بعض الناظر أو أصابها قرحة أو ريح أو سبل أو شيء مما يهيج بالعين فنقص من ذلك.
تاترخانية. قوله: (كموضحة) هي التي توضح العظم: أي تظهره، وكذا يجب القصاص
فيما دونها في ظاهر الرواية كما سيأتي في الشجاج. قوله: (إلا السن) استثناء متصل أو
منقطع، فإن الأطباء اختلفوا فقيل: إنه عصب يابس، لأنه يحدث وينمو بعد تمام الخلقة؛
وقيل عظم، وكأنه وقع عند صاحب الهداية أنه عظم حتى قال، والمراد منه غير السن،
وعليه فالاستثناء متصل. والفرق بينه وبين غيره إمكان المساواة بأن يبرد بالمبرد. معراج
وعناية. قوله: (لما مر) أي من اتحاد المنفعة وفيه إشارة إلى أنها أصلية سليمة. ففي
القهستاني: أل للعهد: أي سن أصلية فلا قصاص في السن الزائدة ا هـ: أي بل فيها
حكومة عدل كما في التاترخانية. وفيها أيضاً: وسن الجاني سوداء أو صفراء أوحمراء أو

٢٠٠
كتاب الجنايات / باب القود فيما دون النفس
وقيل تبرّد إلى) اللحم (موضع أصل السن) ويسقط ما سواه لتعذر المماثلة إذ ربما
تفسد لهاته، وبه أخذ صاحب الكافي. قال المصنف: وفي المجتبى: وبه يفتى (كما
تبرد) إلی أن یتساویا إن کسرت.
خضراء، إن شاء المجني عليه اقتص أو ضمنه أرش سنه خمسمائة، ولو المعيب سن المجني
عليه فله الأرش حكومة عدل ولا قصاص. قوله: (موضع أصل السن) بدل مما قبله ط.
قوله: (ويسقط ما سواء) أي ما كان داخلً في اللحم قوله: (إذ ربما تفسد لهاته) أي لو
قلع، والتعبير باللهاة وقع في النهاية، وتبعه الزيلعي والمصنف والشارح، والصواب لثاته
كما وقع في الكفاية. قال في المغرب: اللهاة: لحمة مشرفة على الحلق، وقوله من تسحر
بسويق لا بد أن يبقى بين أسنانه ولهاته شيء كأنه تصحيف لثاته وهي لحمات أصول
الأسنان اهـ. قوله: (وبه أخذ صاحب الكافي) أي بالقول بالبرد، وعليه مشى شراح
الهداية، وعزوه إلى الذخيرة والمبسوط، وتبعهم في الجوهرة والتبيين، ولم يتعرضوا للقول
بالقلع أصلاً، بل قالوا: لا تقلع وإنما تبرد، مع أنه في الهداية قال: ولو قلع من أصله
يقلع الثاني فيتماثلان، وكأن الشراح لم يرتضوا به لكن مشى عليه في مختصر الوقاية والملتقى
والاختيار والدرر وغيرها. ونقل الطوري عن المحيط أن في المسألة روايتين. ونقل بعضهم
عن المقدسي أنه قال: ينبغي اختيار البرد خصوصاً عند تعذر القلع، كما لو كانت أسنانه
غير مفلجة بحيث يخاف من قلع واحد أن يتبعه غيره أو أن تفسد اللثة اهـ.
قلت: يؤيده ما في شرح مسكين عن الخلاصة: النزع مشروع، والأخذ بالمبرد
احتياط اهـ. قوله: (قال المصنف الخ) لم أره في المنح ولا في المجتبى. قوله: (كما تبرد إلى
أن يتساويا إن كسرت) هذا إذا لم يسود الباقي، وإن اسودّ لا يجب القصاص، فإن طلب
المجني عليه استيفاء قدر المكسورة وترك ما اسود لا يكون له ذلك. وفي ظاهر الرواية: إذا
كسر السن لا قصاص فيه. خانية. وسيأتي في كتاب الديات. وفي البزازية قال القاضي
الإمام: وفي كسر بعض السن إنما يبرد بالمبرد إذا كسر عن عرض، أما لو عن طول ففيه
الحكومة اهـ. شرنبلالية. وفي التاتر خانية: إن كسر مستوياً يمكن استيفاء القصاص منه
اقتص، وإلا فعليه أرش ذلك، في كل سن خمس من الإبل أو البقراهـ. فعلم تقييده
أيضاً بما إذا أمكن فيه المساواة.
وفي الخانية: ضرب سن رجل فاسود فنزعها آخر فعلى الأول أرش تام خمسمائة،
وعلى الثاني حکومة عدل ا هـ. وفیھا: کسر ربع سن رجل وربع سن الكاسر(١) مثل سن
المكسور: ذكر ابن رستم أنه يكسر من الكاسر، ولا يعتبر فيه الصغر والكبر بل يكون على
قدر ما كسر، وكذا لو قطع أذن إنسان أو يده وأذن القاطع أو يده أطول اهـ.
(١) في ط (قوله وربع سن الكاسر) أقول: الظاهر أن لفظة ربع زائدة.