Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره الجمعة) وكونه بعد الصلاة أفضل، إلا إذا أخره إليه تأخيراً فاحشاً فيكره، لأن من كان ظفره طويلاً كان رزقه ضيقاً وفي الحديث ((من قلم أظافيره يوم الجمعة أعاذه الله من البلايا إلى الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام)) درر. وعنه عليه الصلاة والسلام: ((من قلم أظفاره مخالفاً لم ترمد عينه أبداً) يعني كقول عليّ رضي الله عنه: [البسيط] قَلِّمُوا أَظْفَارَكُمْ بِسُنَّةٍ وَأُدَبْ منه ربما یتمکن من دفعه بأظافیره، وهو نظیر قص الشارب فإنه سنة، وتوفيره في دار الحرب للغازي مندوب ليكون أهيب في عين العدو اهـ ملخصاً ط قوله: (وكونه بعد الصلاة أفضل) أي لتناله بركة الصلاة، وهو مخالف لما نذكره قريباً في الحديث قوله: (إلا إذا أخره إليه) أي إلى يوم الجمعة بأن طال حداً وأراد تأخيره إليه فيكره قوله: (وفي الحديث الخ) قال الزرقاني: أخرج البيهقي من مسند أبي جعفر الباقر قال: كان رسول الله يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة، له شاهد موصول عن أبي هريرة لكن سنده ضعيف قال: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ يَقُصُّ شَارِبِهُ وَيُقَلِّم أَظْفَارَهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَرُوحَ إِلىَ الصَّلَاةِ) أخرجه البيهقي وقال عقبه: قال أحمد: في هذا الإسناد من يجهل. قال السيوطي: وبالجملة فأرجحها: أي الأقوال دليلاً ونقلاً يوم الجمعة والأخبار الواردة فيه ليست بواهية جداً مع أن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اهـ. مدني. وقال الجراحي: وروى الديلمي بسند واه عن أبي هريرة رفعه: ((مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ يَوْمَ السَّبْتِ خَرَجَ مِنْهُ الدَّاءُ وَدَخَلَ فيِهِ الشِّفَاءُ، وَمَنْ قَلَّمَهَا يَوْمَ الأَحَدِ خَرَجَ مِنْهُ الفَاقَةُ وَدَخَلَ فيه الغَنِى، وَمَنْ قَلَّمَهَا الاثْنَيْنْ خَرَجَ مِنْهُ الجُنُونُ وَدَخَلَتْ فِهِ الصَّحَّةَ، وَمَنْ قَلَّمَهَا يَوْمَ الُلَاءِ خَرَجَ مِنْهُ المَرَضُ وَدَخَلَ فيِهِ الشِّفَاءُ، وَمَنْ قَلْمَها يَوْمَ الأَرْبُعَاءِ خَرَجَ مِنْهُ الوَسْوَاسُ وَالخَوْفُ وَدَخَلَ فِهِ الأَمْنُ وَالشِّفَاءُ، وَمَنْ قَلَّمَهَا يَوْمَ الخَمِيسِ خَرَجَ مِنْهُ الجُذَامِ وَدَخَلَتْ فيِهِ العَافِيَّةُ، وَمَنْ قَلَّمَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ دَخَلَتْ فِهِ الرَّحْمةُ وَخَرَجَتْ مِنْهُ الذُّنُوبُ (١) قوله: (وعنه عليه الصلاة والسلام الخ) لم يثبت حديثاً بل وقع في كلام غير واحد كالشيخ عبد القادر قدّس الله سره في غنيته وکابن قدامة في مغنيه. وقال السخاوي: لم أجده، لکن کان الحافظ الدمياطي ينقل ذلك عن بعض مشايخه ونص أحمد على استحبابه اهـ. جراحي. ونقل بعضهم أن من المجرب أن من قص كذلك لم يصبه رمد قوله: (يعني الخ) تفسير لقوله مخالفاً قوله: (قلموا أظفاركم بالسنة والأدب) كذا في بعض النسخ وهو غير موزون، وفي بعضها ((بسنة وأدب)) منكراً، فيكون من مجزوء بحر الرجز بكسر الباء الموحدة في آخر البيتين، ويكون قد دخل البيت الأول الخرم بنقص حرف من أوله. قاله (١) ابن الجوزي في الموضوعات ٥٣/٣ وانظر التذكرة ١٦٠، واللآلىء ١٤٤/٢ وتنزيه الشريعة (٢٦٩) ومجمع الزوائد ١٧١/٢. - ٥٨٢ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره يَمِينُها خَوَابِسُ يَشَارُهَا أَوْ خَسَبْ وبيانه وتمامه في مفتاح السعادة وفي شرح الغزاوية راوي «أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بمسبحته اليمنى إلى الخنصر، ثم بخنصر اليسرى إلى الإبهام، وختم بإيهام اليمنى)) وذكر له الغزالي في الإحياء وجهاً وجيهاً ولم يثبت في أصابع الرجل نقل، والأولى تقلیمها کتخليلها. قلت: وفي المواهب اللدنية قال الحافظ ابن حجر: إنه يستحب كيفما احتاج إليه، ولم يثبت في کیفیته شيء ولا في تعیین یوم له عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما يعزى من النظم في ذلك للإمام عليّ ثم لابن حجر قال شيخنا: إنه باطل (و) ح. وهو مما لا يجوز فيه (١) قوله: (يمينها خوابس الخ) رمز لكل أصبع بحرف قال السخاوي: وكذب القائل: [السريع] أَبْدَأُ بِيُمْنَاكَ وَبِالخِتْصَرِ فِي قَصِّ أَظْفَارِكَ وَأُسْتَبْصِرٍ وَثَنَّ بِالوُسْطَى وَثَلِّثْ كَمَا قَدْ قِيلَ بِاْلإِبْهَامِ وَالِبِنْصَرِ فِي البَدِ وَالرِّجْلِ وَلَا تَمْتِ وَالإِصْبَعِ الوُسْطَى وَبِالخِنْصَرِ فَإِنْهَا خَاتِمَةُ الْأَيْسَرِ مِنْ رَمَدِ العَین فَلاَ تَزْدَرِ وَلْتَخْتِمِ الكَفَّ بِسَبَّابَةٍ وَفِي البَدِ المُسْرَى بِإِبْهامِهَا وَبَعْدَ سَبَّابَتِهَا بِنْصَرٌ فَذَاكَ أَمْنٌ خُذْ بهِ یَا فَتَى هَذَا حَدِيثٌ قَدْ رُوِي مُسْنَداً عَنِ الإِمَامِ المُرْتَضَى حَيْدَرِ اهـ قوله: (والأولى تقليمها كتخليلها) يعني يبدأ بخنصر رجله اليمين ويختم بخنصر اليسرى. قال في الهداية عن الغرائب: وينبغي الابتداء باليد اليمنى والانتهاء بها فيبدأ بسبابتها ويختم بإبهامها، وفي الرجل بخنصر اليمنى ويختم بخنصر اليسرى اهـ. ونقله القهستاني عن المسعودية قوله: (قلت الخ) وكذا قال السيوطي قد أنكر الإمام ابن دقيق العيد جميع هذه الأبيات وقال: لا تعتبر هيئة مخصوصة، وهذا لا أصل له في الشريعة ولا پجوز اعتقاد استحبابه، لأن الاستحباب حكم شرعي لا بد له من دليل وليس استسهال ذلك بصواب اهـ قوله: (وما يعزى من النظم) وهو قوله: [البسيط] تَبْدُوِ وَفيما يَلِهِ تَذْهَبُ البرگَهْ فِي قَصِّ ◌ُفْرِكَ یَوْمَ السَّبْتِ آكلة وَإِنْ يَكُنْ فِيِ الثُّلَا فَأَحْذَرِ الهَلَكَهْ وَغَالِمٌ فَاضِلٌ يَبْدًا پِتلْوِهِما وَفِيِ الخَمِيسِ الغَنِى يَأْتٍ لِمَنْ سَلَكَهْ وَيُورِثُ السُّوقُ فِي الأَخْلاَقِ رَابِعُهَا وَالعِلْمُ وَالرِّزْقُ زِيدا في عرُوبَيْهَا عَنِ النَّبِيِّ رُوِينَا فَأَقْتَفُوا نُسُكَةُ اهـ (١) (قوله مما لا يجوز فيه) أي ولا يسمى خرماً لاختصاصه بأول الوتر المجموع. ٠٠ ٥٨٣ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره يستحب (حلق عانته وتنظيف بدنه بالاغتسال في كل أسبوع مرة) والأفضل يوم الجمعة، وجاز في کل خمسة عشره، وکره تركه وراء الأربعين. مجتبى، وفيه حلق الشارب بدعة، وقيل سنة، ولابأس بنتف الشيب وأخذ أطراف اللحية، والسنة فيها القبضة. وفيه: قطعت شعر رأسها أثمت ولعنت. زاد في البزازية: وإن بإذن الزوج لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولذا يحرم على الرجل قطع لحيته، قوله: (ويستحب حلق عائته) قال في الهندية: ويبتدىء من تحت السرة، ولو عالج بالنورة يجوز. كذا في الغرائب. وفي الأشباه: والسنة في عانة المرأة النتف قوله: (وتنظيف بدنه) بنحو إزالة الشعر من إبطيه ويجوز فيه الحلق والنتف أولى. وفي المجتبى عن بعضهم: وكلاهما حسن، ولا يحلق شعر حلقه. وعن أبي يوسف: لا بأس به ط. وفي المضمرات: ولا بأس بأخذ الحاجبين وشعر وجهه ما لم يشبه المخنث. تاترخانية قوله: (وكره تركه) أي تحريماً لقول المجتبى: ولا عذر فيما وراء الأربعين ويستحق الوعيد اهـ. وفي أبي السعود عن شرح المشارق لابن ملك: روى مسلم عن أنس بن مالك: «وُقِّتَ لَنَا فِي تَقْلِم الأَْفَارِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الإِبِطِ أَنْ لَا نَتْرَكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً))(١) وهو مِنَ المقدرات التي ليس للرأي فيها مدخل فيكون كالمرفوع اهـ قوله: (وقيل سنة) مشى عليه في الملتقى، وعبارة المجتبى بعد ما رمز للطحاوي: حلقه سنة، ونسبه إلى أبي حنيفة وصاحبيه، والقص منه حتى يوازي الحرف الأعلى من الشفة العليا سنة بالإجماع اهـ قوله: (ولا بأس بنتف الشيب) قيده في البزازية بأن لا يكون على وجه التزين. تنبيه: نتف الفنبكين بدعة وهما جانبا العنفقة: وهي شعر الشفة السفلى. كذا في الغرائب. ولا ينتف أنفه لأن ذلك يورث الأكلة، وفي حلق شعر الصدر والظهر ترك الأدب. كذا في القنية اهـ ط قوله: (والسنة فيها القبضة) وهو أن يقبض الرجل لحيته، فما زاد منها على قبضة قطعه. كذا ذكره محمد في كتاب الآثار عن الإمام. قال: وبه نأخذ محيط اهـ ط. فائدة: روى الطبراني عن ابن عباس رفعه ((مِنْ سَعَادَةِ المَرْءِ خِفَّةُ لِحْيَتِهِ)) واشتهر أن طول اللحية دليل على خفة العقل، وأنشد بعضهم: [السريع] مَا أَحَدِّ طَالَتْ لَهُ لِخْبَةٌ فَزَادَتِ اللِّحْيَةُ فِي هَيْئَتِهْ إِلَّ وَمَا يَنْقُصُ مِنْ عَقْلِهِ أَكْثَرُ مِمَّا زَادَ فِي لِحْيَتِهْ لطيفة نقل عن هشام بن الكلبي قال: حفظت ما لم يحفظه أحد ونسيت ما لم ينسه أحد، حفظت القرآن في ثلاثة أيام، وأردت أن أقطع من لحيتي ما زاد عن القبضة فنسيت فقطعت من أعلاها قوله: (لا طاعة لمخلوق الخ) رواه أحمد والحاكم عن عمران بن حصين (١) أخرجه مسلم ٢٢٢/١ (٢٢٥٨/٥١). ٥٨٤ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره والمعنى المؤثر التشبه بالرجال اهـ. قلت: وأما حلق رأسه ففي الرهبانية: وقد قيل: [الطويل] حَلْقُ الرَّأْسِ في كُلِّ جمعَةٍ يُحِبْ وَبَعْضٌ بِالجَوَازِ يُكَبِر (رجل تعلم علم الصلاة أو نحوه ليعلم الناس وآخر ليعمل به فالأول أفضل) لأنه متعدّ، وروي ((مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء ليلة)). وله الخروج لطلب اهـ جراحي قوله: (والمعنى المؤثر) أي لا العلة المؤثرة في إثمها التشبه بالرجال فإنه لا يجوز كالتشبه بالنساء، حتى قال في المجتبى رامزاً: يكره غزل الرجل على هيئة غزل النساء قوله: (وأما حلق رأسه الخ) وفي الروضة للزندويستي أن السنة في شعر الرأس إما الفرق أو الحلق. وذكره الطحاوي: أن الحلق سنة، ونسب ذلك إلى العلماء الثلاثة. وفي الذخيرة: ولا بأس أن يحلق وسط رأسه ويرسل شعره من غير أن يفتله، وإن فتله فذلك مكروه، لأنه يصير مشبهاً ببعض الكفرة والمجوس في ديارنا يرسلون الشعر من غير فتل، ولكن لا يحلقون وسط الرأس بل يجزون الناصية. تأتر خانية. قال ط: ويكره القزع وهو أن يحلق البعض ويترك البعض قطعاً مقدار ثلاثة أصابع. كذا في الغرائب. وفيها: كان بعض السلف يترك سباليه وهما أطراف الشوارب قوله: (وروى الخ) وروى البيهقي عن ابن عمر ((ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين)). وفي البزازية: طلب العلم والفقه إذا صحت النية أفضل من جميع أعمال البر، وكذا الاشتغال بزيادة العلم إذا صحت النية لأنه أعم نفعاً، لكن بشرط أن لا يدخل النقصان في فرائضه، وصحة النية أن يقصد بها وجه الله تعالى لا طلب المال والجاه، ولو أراد الخروج من الجهل ومنفعة الخلق إحياء العلم فقيل تصح نيته أيضاً. تعلم بعض القرآن ووجد فراغاً فالأفضل الاشتغال بالفقه، لأن حفظ القرآن فرض كفاية، وتعلم ما لا بد منه من الفقه فرض عين، قال في الخزانة: وجميع الفقه لا بد منه. قال في المناقب: عمل محمد بن الحسن مائتي ألف مسألة في الحلال والحرام لا بد للناس من حفظها، وانظر ما قدمناه في مقدمة الكتاب قوله: (وله الخروج الخ) أي إن لم يخف على والديه الضيعة إن کانا موسرین، ولم تكن نفقتهما عليه. وفي الخانية: ولو أراد الخروج إلى الحج وكره ذلك قالوا: إن استغنى الأب عن خدمته فلا بأس، وإلا فلا يسعه الخروج، فإن احتاجا إلى النفقة ولا يقدر أن يخلف لهما نفقة كاملة أو أمكنه إلا أن الغالب على الطريق الخوف فلا يخرج، ولو الغالب السلامة يخرج، وفي بعض الروايات: لا يخرج إلى الجهاد إلا بإذنهما، ولو أذن أحدهما فقط لا ينبغي له الخروج، لأن مراعاة حقهما فرض عين والجهاد فرض كفاية، فإن لم يكن له أبواه وله جدان وجدتان فأذن له أبو الأب وأم الأم دون الآخرین لا بأس بالخروج لقيامهما مقام الأبوين، ولو أذن الأبوان لا يلتفت إلى غيرهما، هذا في سفر الجهاد. فلو في سفر ٥٨٥ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره العلم الشرعي بلا إذن والديه لو ملتحياً. وتمامه في الدرر (وإذا كان الرجل يصوم ويصلي ويضرّ الناس بيده ولسانه، فذكره بما فيه ليس بغيبة، حتى لو أخبر السلطان بذلك لیزجره لا إثم عليه) وقالوا: إن علم أن أباه يقدر على منعه أعلمه ولو بكتابة، وإلا لا كي لا تقع العداوة. وتمامه في الدرر (وكذا) لا إثم عليه (لو ذكر مساوىء أخيه على وجه الاهتمام لا يكون غيبة، إنما الغيبة أن يذكر على وجه الغضب يريد السبّ) ولو اغتاب أهل قرية فليس بغيبة لأنه لا يريد به كلهم بل بعضھم وهو مجهول. خانية فتباح غيبة مجهول تجارة أو حج لا بأس به بلا إذن الأبوين إن استغنيا عن خدمته إذ ليس فيه إبطال حقهما، إلا إذا كان الطريق منخوفاً كالبحر فلا تخرج إلا بإذنهما، وإن استغنيا عن خدمته، ولو خرج المتعلم وضيع عياله يراعى حق العيال اهـ قوله: (لو ملتحياً) أفاد أن المراد بالأمرد في كلام الدرر الآتي خلاف الملتحي، إذ لو كان معذوراً يخشى عليه الفتنة فإن بعض الفسقة يقدمه على الأمرد قوله: (وتمامه في الدرر) قال فيها: وإن كان أمرد فلأبيه أن يمنعه، ومرادهم بالعلم العلم الشرعي وما ينتفع به فيه دون علم الكلام وأمثاله، لما روي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: لأن يلقى الله عبد بأكبر الكبائر خير من أن يلقاه بعلم الكلام، فإذا كان حال الكلام المتداول بينهم في زمانهم هكذا، فما ظنك بالكلام المخلوط بهذيان الفلاسفة المغمور بين أباطيلهم المزخرفة اهـ قوله: (فذكره بما فيه ليس بغيبة) أي ليحذر الناس ولا يغتروا بصومه وصلاته، فقد أخرج الطبراني والبيهقي والترمذي ((أُتَرْعَوُونَ فِی الغَيْبَةِ عَنْ ذِكْرِ الفَاجِرِ اُذْكُرُوهُ پِمَا فِهِ محذَرْهُ النَّاسُ» قوله: (ولو بكتابة) أي إلى الأب ومثله السلطان، وله أن يعتمد عليها حيث كان الكاتب معروفاً بالعدالة كما في كفاية النهر بحثاً. وفيه: للقاضي تعزير المتهم وإن لم يثبت عليه، فما يكتب من المحاضر في حق إنسان يعمل به في حقوق الله تعالى اهـ. ومر في التعزير قوله: (وتمامه في الدرر) أي عن الخانية، ونص عبارة الخانية: وكذلك فيما بين الزوجين وبين السلطان والرعية والحشم إنما يجب الأمر بالمعروف إذا علم أنهم يمتنعون قوله: (لا إثم عليه) الأولى حذفه أو زيادة واو العطف قبل قوله ((لا يكون غيبة)) ليرتبط المتن مع الشرح قوله: (لا يكون غيبة) لأنه لو بلغه لا يكره لأنه مهتم به متحزن ومتحسر عليه، لكن بشرط أن يكون صادقاً في اهتمامه، وإلا كان مغتاباً منافقاً مرائياً مزكياً لنفسه، لأنه شتم أخاه المسلم وأظهر خلاف ما أخفى وأشعر الناس أنه يكره هذا الأمر لنفسه وغيره وأنه من أهل الصلاح، حيث لم يأت بصريح الغيبة وإنما أتى بها في معرض الاهتمام، فقد جمع أنواعاً من القبائح نسأل الله تعالى العصمة قوله: (فليس بغيبة) قال في المختار: ولا غيبة إلا لمعلومين قوله: (لأنه لا يريد به كلهم) مفهومه أنه لو أراد ذلك كان غيبة. تأمل قوله: (فتباح غيبة مجهول الخ) اعلم أن الغيبة ٥٨٦ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره ومتظاهر بقبيح ولمصاهرة ولسوء اعتقاد تحذيراً منه ولشكوى ظلامته للحاكم. شرح حرام بنص الكتاب العزيز، وشبه المغتاب بآكل لحم أخيه ميتاً إذا هو أقبح من الأجنبي ومن الحي، فكما يحرم لحمه يحرم عرضه. قال صلى الله عليه وسلم ((كُلُّ المُسْلِمُ علَى المُسْلِمُ حَرَامٌ، دَمُّهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)) رواه مسلم وغيره، فلا تحل إلا عند الضرورة بقدرها كهذه المواضع. وفي تنبيه الغافلين للفقيه أبي الليث: الغيبة على أربعة أوجه: في وجه: هي کفر بأن قيل له لا تغتب فيقول ليس هذا غيبة لأني صادق فيه، فقد استحل ما حرم بالأدلة القطعية، وهو كفر. وفي وجه: هي نفاق بأن یغتاب من لا یسمیه عند من يعرفه، فهو مغتاب ويرى من نفسه أنه متورع فهذا هو النفاق. وفي وجه: هي معصية، وهو أن يغاب معيناً ويعلم أنها معصية فعليه التوبة. وفي وجه: هي مباح، وهو أن يغتاب معلناً بفسقه أو صاحب بدعة، وإن اغتاب الفاسق ليحذره الناس يثاب عليه لأنه من النهي عن المنكر اهـ. أقول: والإباحة لا تنافي الوجوب في بعض المواضع الآتية قوله: (ومتظاهر بقبيح) وهو الذي لا يستتر عنه ولا يؤثر عنده إذا قيل عنه إنه يفعل كذا اهـ. ابن الشحنة. قال في تبيين المحارم: فيجوز ذكره بما يجاهر به لا غيره. قال صلى الله عليه وسلم ((من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له)) وأما إذا كان مستتراً فلا تجوز غيبته اهـ. قلت: وما اشتهر بين العوامّ من أنه لا غيبة لتارك الصلاة إن أريد به ذکره بذلك وكان متجاهراً فهو صحيح، وإلا فلا قوله: (ولمصاهرة) الأولى التعبير بالمشورة: أي في نكاح وسفر وشركة ومجاورة وإيداع أمانة ونحوها فله أن يذكر ما يعرفه على قصد النصح قوله: (ولسوء اعتقاد تحذيراً منه) أي بأن كان صاحب بدعة يخفيها ويلقيها لمن ظفر به، أما لو تجاهر بها فهو داخل في المتجاهر. تأمل. والأولى التعبير بالتحذير، ليشمل التحذير من سوء الاعتقاد، ولما مر متناً ممن يصلي ويصوم ويضر الناس قوله: (ولشكوى ظلامته للحاكم) فيقول ظلمني فلان بکذا لينصفه منه. تتمة: يزاد على هذه الخمسة ستة أخرى مر منها في المتن ثنتان: الأولى: الاستعانة بمن له قدرة على زجره، الثانية: ذكره على وجه الاهتمام. الثالثة: الاستفتاء قال في تبیین المحارم بأن يقول للمفتي ظلمني فلان كذا وكذا وما طريق الخلاص، والأسلم أن يقول ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو ابنه أو أحد من الناس كذا وكذا ولكن التصريح مباح بهذا القدر اهـ. لأن المفتي قد يدرك مع تعيينه ما لا يدرك مع إبهامه کما قاله ابن حجر، وقد جاء في الحديث المتفق عليه أن هند امرأة أبي سفيان رضي الله تعالى عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح ولیس یعطیني ما یکفيني وولدي إلا ما أخذت ! ٥٨٧ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره وهبانية (وكما تكون الغيبة باللسان) صريحاً (تكون) أيضاً بالفعل وبالتعريض وبالكتابة وبالحركة وبالرمز و(بغمز العين والإشارة باليد) وكل ما يفهم منه المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام، ومن ذلك ما قالت عائشة رضي الله عنها ((دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي: أي قصيرة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((اغتبتيها)). ومن ذلك المحاكاة، كأن يمشي متعارجاً أو كما يمشي فهو غيبة، بل أقبح لأنه أعظم في التصوير والتفهيم. ومن الغيبة أن يقول: بعض من مرّ بنا اليوم أو بعض من رأيناه إذا كان المخاطب يفهم شخصاً معيناً لأن المحذور تفهيمه دون ما به التفهيم، وأما إذا لم يفهم عينه جاز. وتمامه في شرح الوهبانية. وفيها: الغيبة أن تصف أخاك حال کونه غائباً بوصف یکرهه إذا سمعه. منه وهو لا يعلم، قال: ((خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ (١))) الرابعة: بيان العيب لمن أراد أن يشتري عبداً وهو سارق أو زان فيذكره للمشتري، وكذا لو رأى المشتري يعطي البائع دراهم مغشوشة فيقول احترز منه بكذا. الخامسة: قصد التعريف كأن يكون معروفاً بلقبه كالأعرج والأعمش والأحول. السادسة: جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين فهو جائز بل واجب صوناً للشريعة، فالمجموع إحدى عشرة جمعتها بقولي: [الطويل] بِمَا يَكْرَهُ الإِنْسَانُ نجِرُمُ ذِكْرُهُ سِوَى عَشْرَةٍ حَلَّتْ أَتَتْ تِلْوَ وَاحِدٍ بِفِسْقٍ وَمَجْهُولاً وَغِشَّا لِقَاصِدِ تَظَلَّم وشر وَأَجْرَحْ وَبَيْنٌ مُجَاهِراً كَذَاكَ أَهْتَمِمْ حَذِّرْ فجور مُعَانِدِ وَعَرِّفْ كَذَا أُسْتَفْتِ اسْتَعْنِ عِنْدَ زَاجٍِ قوله: (بالفعل) كالحركة والرمز والغمز ونحوه مما يأتي قوله: (وبالتعريض) كقوله عند ذكر شخص الحمد لله الذي عافانا من كذا، وهذا مقابل لقوله صريحاً قوله: (وبالكتابة) لأن القلم أحد اللسانين، وعبر في الشرعة بالكناية بالنون والمثناة التحتية قوله: (وبالحر کة) کان یذکر إنسان عنده بخیر فیحرك رأسه مثلاً إشارة إلی أنکم لا تدرون ما انطوى عليه من السوء. تأمل قوله: (وبالرمز) قال في القاموس: الرمز ويضم ويحرك: الإشارة إو الإيماء بالشفتين أو العينين أو الحاجبين أو الفم أو اللسان أو اليد قوله: (أي قصيرة) تفسير لأومأت ط قوله: (اغتبتيها) بياء الإشباع ط قوله: (الغيبة أن تصف أخاك) أي المسلم ولو ميتاً، وكذا الذمي لأن له ما لنا وعليه ما علينا، وقدم المصنف في فصل المستأمن أنه بعد مكثه عندنا سنة ووضع الجزية عليه كفّ الأذى عنه، وتحرم غيبته كالمسلم، وظاهره أنه لا غيبة للحربي قوله: (حال كونه غائباً) هذا القيد مأخوذ من مفهومها اللغوي ولم یذکر في الحدیث الآتي، والظاهر أنه لو ذکر في وجهه، فهو سبّ (١) أخرجه البخاري ٥٠٧/٩ (٥٣٦٤) ومسلم ١٣٣٨/٣ (١٧١٤/٧). ٥٨٨ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام («أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قیل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته)) وإذا لم تبلغه يكفيه الندم، وإلا شرط بيان كل ما اغتابه به . وشتم، وهو حرام أيضاً، لأنه أبلغ في الإيذاء من حال الغيبة سيما قبل بلوغها المغتاب، وهو أحد تفسيرين لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] فقيل هو ذكر ما في الرجل من العيب في غيبته وقيل في وجهه قوله: (عن أبي هريرة) رواه مسلم في صحیحة وجماعة قوله: (بما یکره) سواء كان نقصاً في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو قوله أو دينه حتى في ثوبه أو داره أو دابته كما في تبيين المحارم. قال ط: وانظر ما لو ذكر من الصغير غير العاقل ما يكره لو كان عاقلاً ولم يكن له من يتأذى بذلك من الأقارب اهـ. وجزم ابن حجر بحرمة غيبة الصبيّ والمجنون قوله: (فقد بهته) أي قلت فيه بهتاناً: أي كذباً عظيماً، والبهتان: هو الباطل الذي يتحير من بطلانه وشدة ذكره. كذا في شرح الشرعة. وفيه أن المستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه، فإن خاف فبقلبه، وإن كان قادراً على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر فلم يفعله لزمه. كذا في الإحياء اهـ. وقد ورد ((بِأَنَّ المُسْتَمع أَحَدُ المُغْتَابين)) وورد ((من ذبّ عن عرض أخيه بالغيبة كان حقاً على الله تعالى أن يعتقه من النار(١))) رواه أحمد بإسناد حسن وجماعة قوله: (وإذا لم تبلغه الخ) ليس هذا من الحديث بلا كلام مستأنف. قال بعض العلماء: إذا تاب المغتاب قبل وصولها تنفعه توبته بلا استحلال من صاحبه، فإن بلغت إليه بعد توبته قیل لا تبطل توبته، بل يغفر الله تعالى لهما جميعاً: للأول بالتوبة، وللثاني لما لحقه من المشقة. وقيل بل توبته معلقة، فإن مات الثاني قبل بلوغها إليه فتوبته صحیحة، وإن بلغته فلا بل لا بد من الاستحلال والاستغفار، ولو قال بهتاناً فلا بد أيضاً أن يرجع إلى من تكلم عندهم ویکذب نفسه. وتمامه في تبيين المحارم قوله: (وإلا شرط بيان كل ما اغتابه به) أي مع الاستغفار والتوبة، والمراد أن يبين له ذلك ويعتذر إليه ليسمح عنه بأن يبالغ في الثناء عليه والتودد إلیه، ويلازم ذلك حتی یطیب قلبه، وإن لم یطب قلبه كان اعتذاره وتودده حسنة يقابل بها سيئة الغيبة في الآخرة، وعليه أن يخلص في الاعتذار وإلا فهو ذنب آخر، ويحتمل أن يبقى لخصمه عليه مطالبة في الآخرة، لأنه لو علم أنه غير مخلص لما رضي به قال الإمام الغزالي وغيره. وقال أيضاً: فإن غاب أو مات فقد فات أمره. ولا يدرك إلا بكثرة الحسنات لتؤخذ عوضاً في القيامة، ويجب أن يفصل له إلا أن يكون التفضيل مضراً له كذكره عيوباً يخفيها فإنه يستحل منها مبهماً اهـ. (١) أخرجه ابن مبارك في الزهد (٢٤٠) وأحمد ٦/ ٤٦١ وابن أبي شيبة ٣٨٨/٨. ٥٨٩ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره (وصلة الرحم واجبة ولو) كانت (بسلام وتحية وهدية) ومعاونة ومجالسة ومكالمة وتلطف وإحسان ويزورهم غباً ليزيد حباً، بل يزور أقرباءه كل جمعة أو شهر ولا يرد حاجتهم لأنه من القطيعة، في الحديث ((إن الله يصل من وصل رحمه ويقطع من قطعها)) وفي الحديث ((صلة الرحم تزيد في العمر)) وقال مثلا علي القاري في شرح المشكاة: وهل يكفيه أن يقول اغتبتك فاجعلني في حل أم لا بد أن يبين ما اغتاب؟ قال بعض علمائنا في الغيبة إلا بعلمه بها: بل يستغفر الله له إن علم أن إعلامه يثير فتنة، ويدل عليه أن الإبراء عن الحقوق المجهولة جائز عندنا، والمستحب لصاحب الغيبة أن يبرئه عنها. وفي القنية: تصافح الخصمين لأجل العذر استحلال. قال في النووي. ورأيت في فتاوى الطحاوي أنه يكفي الندم والاستغفار في الغيبة، وإن بلغت المغتاب، ولا اعتبار بتحليل الورثة قوله: (وصلة الرحم واجبة) نقل القرطبي في تفسيره اتفاق الأمة على وجب صلتها وحرمة قطعها للأدلة القطعية من الكتاب والسنة على ذلك. قال في تبيين المحارم: واختلفوا في الرحم التي يجب صلتها. قال قوم: هي قرابة كل ذي رحم محرم. وقال آخرون: كل قريب محرماً كان أو غيره اهـ. والثاني ظاهر إطلاق المتن. قال النووي في شرح مسلم: وهو الصواب، واستدل علیه بالأحاديث، نعم تتفاوت درجاتها: ففي الوالدين أشد من المحارم، وفيهم أشد من بقيه الأرحام. وفي الأحاديث إشارة إلى ذلك كما بينه في تبيين المحارم قوله: (ولو كانت بسلام الخ) قال في تبيين المحارم: وإن كان غائباً یصلهم بالمكتوب إليهم، فإن قدر على المسیر إلیهم کان أفضل، وإن كان له والدان لا يكفي المكتوب إن أراد مجيئه، وكذا إن احتاجا إلی خدمته، والأخ الکبیر کالأب بعده، وكذا الجد وإن علا، والأخت الكبيرة والخالة كالأم في الصلة، وقيل العم مثل الأب، وما عدا هؤلاء تکفي صلتهم بالمكتوب أو الهدية اهـ. وتمامه فيه. ثم اعلم أنه المراد بصلة الرحم أن تصلهم إذا وصلوك لأن هذا مكافأة، بل أن تصلهم وإن قطعوك، فقد روى البخاري وغيره ((لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكافىءٍ، وَلَكِن الوَاصِل الَّذِيِ إِذَا قُطِعَتْ رَحْهُ وَصَلَهَا)) قوله: (ويزورهم غباً) الغبّ بالكسر: عاقبة الشيء، وفي الزيارة أن تكون في كل أسبوع، ومن الحمى ما تأخذه يوماً وتدع يوماً. قاموس. لكن في شرح الشرعة: هو أن تزور يوماً وتدع يوماً. ولما كان فيه نوع عسر عدل إلى ما هو أسهل من الغبّ فقال: بل يزور أقرباءه في كل جمعة أو شهر على ما ورد في بعض الروايات اهـ قوله: (تزيد في العمر) وكذا في الرزق، فقد أخرج الشيخان ((من أحبّ أي يبسط له في رزقه وينسأ)) بضم أوله وتشديد ثالثه المهمل وبالهمز: أي يؤخر له في أثره: أي أجله (فَلْيَصِلْ رَحِهُ)(١). (١) أخرجه البخاري ٤١٥/١٠ (٥٩٨٦) ومسلم ١٩٨٢/٤ (٢٥٥٧/٢١). ٥٩٠ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره وتمامه في الدرر (ويسْلم) المسلم (على أهل الذمة) لو له حاجة إليه وإلا كره هو الصحيح، كما كره للمسلم مصافحة الذمي، كذا في نسخ الشارح، وأكثر المتون بلفظ: ويسلم، فأولتها هكذا، ولكن بعض نسخ المتن: ولا يسلم وهو الأحسن الأسلم، فافهم. قال الفقيه أبو الليث في تنبيه الغافلين: اختلفوا في زيادة العمر: فقيل على ظاهره، وقيل لا لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨] الآية، بل المعنى يكتب ثوابه بعد موته، وقيل إن الأشياء قد تكتب في اللوح المحفوظ معلقة كإن وصل قلان رحمه فعمره كذا وإلا فكذا، ولعل الدعاء والصدقة وصلة الرحم من جملتها فلا يخالف الحديث الآية اهـ. زاد في شرح الشرعة عن شرح المشارق: أو يقال المراد البركة في رزقه ويقاء ذكره الجميل بعده وهو كالحياة، أو يقال صدر الحديث في معرض الحثّ على صلة الرحم بطريق المبالغة: يعني لو كان شيء يبسط به الرزق والأجل لكان صلة الرحم اهـ. والظاهر الثالث لما في التنبيه عن الضحاك بن مزاحم في تفسير قوله تعالى: ﴿يَمْحُو الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] قال: إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاثة أيام، فیزید الله تعالى في عمره إلى ثلاثين سنة؛ وإن الرجل يقطع الرحم وقد بقي من عمره ثلاثون سنة، فيرد أجله إلى ثلاثة أيام قوله: (وتمامه في الدرر) قال فيها: وتكون كل قبيلة وعشيرة يداً واحدة في التناصر والتظاهر على كل من سواهم في إظهار الحق اهـ. وتمامه أيضاً في الشرعة وتبيين المحارم قوله: (ويسلم المسلم على أهل الذمة الخ) انظر هل يجوز أن يأتي بلفظ الجمع لو كان الذمي واحداً، والظاهر أنه يأتي بلفظ المفرد أخذاً مما يأتي في الرد. تأمل. لكن في الشرعة: إذا سلم على أهل الذمة فليقل: السلام على من اتبع الهدى، وكذلك یکتب في الكتاب إليهم اهـ. وفي التاتر خانية قال محمد: إذا کتبت إلى يهودي أو نصراني في حاجة فاكتب: السلام على من اتبع الهدى اهـ قوله: (لو له حاجة إليه) أي إلى الذمي المفهوم من المقام. قال في التاترخانية: لأن النهي عن السلام لتوقيره ولا توقير إذا كان السلام لحاجة قوله: (هو الصحيح) مقابله أنه لا بأس به بلا تفصيل، وهو ما ذكره في الخانية عن بعض المشايخ قوله: (كما كره للمسلم مصافحة الذمي) أي بلا حاجة لما في القنية: لا بأس بمصافحة المسلم جاره النصراني إذا رجع بعد الغيبة ويتأذى بترك المصافحة أهـ. تأمل. وهل يشمته إذا عطس وحمد؟ قال الحموي: الظاهر لا اهـ. لكن سيأتي أنه يقول له: يهديك الله قوله: (وأكثر المتون) بالجر عطفاً على الشرح: أي ونسخ أكثر المتون: أي المتون المجردة عن الشرح وجمعها باعتبار أشخاصها، وإلا فالمراد متن التنوير لا غير قوله: (بلفظ ويسلم) وهو كذلك بخط المصنف متناً وشرحاً. رملي قوله: (فأولتها هكذا) أي بالتقييد بالحاجة ليكون المتن ماشياً على الصحيح قوله: (وهو الأحسن) لأن ٥٩١ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره وفي شرح البخاري للعيني في حديث ((أيّ الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)) قال: وهذا التعميم مخصوص بالمسلمین، فلا یسلم ابتداء علی کافر حدیث «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه)) رواه البخاري، وكذا يخص منه الفاسق بدليل آخر، وأما من شك فيه فالأصل فيه البقاء على العموم حتى يثبت الخصوص، ويمكن أن يقال: إن الحديث المذكور كان في ابتداء الإسلام لمصلحة التأليف ثم ورد النهي اهـ. فليحفظ. ولو سلم یهودي أو نصراني أو مجوسي على مسلم فلا بأس بالرد (و) لكن (لا يزيد على قوله وعليك) كما في الخانية (ولو سلم على الذمي تبجيلاً يكفر) لأن الحكم الأصلي المنع والجواز لحاجة عارض، وقوله ((الأسلم)) لعل وجهه أنه إذا لم يسلم مطلقاً لا يقع في محذور، بخلاف ما إذا سلم مطلقاً. تأمل قوله: (أيّ الإسلام خير) أي خصال الإسلام ط قوله: (تطعم) بتأويل أن يطعم، ويأتي فيه الأوجه التي ذكرها النحويون في: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه قوله: (وتقرأ) من القرآن لا من الإقراء ط قوله: (لحديث لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام) يوجد في كثير من النسخ زيادة «فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه)) ((رواه البخاري قوله: (وكذا يخص منه الفاسق) أي لو معلناً، وإلا فلا يكره كما سيذكره قوله: (وأما من شكّ فيه) أي هل هو مسلم أو غيره؟ وأما الشك بين كونه فاسقاً أو صالحاً فلا اعتبار له بل يظن بالمسلمين خيراً ط قوله: (على العموم) أي المأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: ((سَلَمْ عَلَىَ مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)) ط قوله: (إن الحديث) أي الأول المفيد عمومه شمول الذمي قوله: (المصلحة التأليف) أي تأليف قلوب الناس واستمالتهم باللسان والإحسان إلى الدخول في الإسلام قوله: (ثم ورد النهي) أي في الحديث الثاني لما أعزّ الله الإسلام قوله: (فلا بأس بالرد) المتبادر منه أن الأولى عدمه ط، لكن في التاترخانية: وإذا سلم أهل الذمة ينبغي أن يرد عليهم الجواب وبه نأخذ قوله: (ولكن لا يزيد على قوله وعليك) لأنه قد يقول: السلام عليكم: أي الموت. كما قال بعض اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: (وَعَلَيْكَ (١) فردّ دعاءه عليه. وفي التاترخانية قال محمد: يقول المسلم وعليك ينوي بذلك السلام لحديث، مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَرُدُّوا عَلَيْهِمْ)) قوله: (تبجيلا) قال في المنح: قيد به لأنه لو لم یکن کذلك بل کان لغرض (١) أخرجه البخاري ٤٢/١١ (٦٢٥٧) ومسلم ١٧٠٦/٤ (٢١٦٤/٨) وانظر حديث عائشة في البخاري (٦٢٥٨) ومسلم (٢١٦٣/٦). ٥٩٢ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره تبجيل الكافر كفر، ولو قال لمجوسي: يا أستاذ تبجيلاً كفر كما في الأشباه. وفيها: لو قال لذمي أطال الله بقاءك: إن نوى بقلبه لعله يسلم أو يؤدي الجزية ذليلاً فلا بأس به (ولا يجب ردّ سلام السائل) لأنه ليس للتحية، ولا من يسلم وقت الخطبة. خانية. وفيها: وإذا أتى دار إنسان يجب أن يستأذن قبل السلام، ثم إذا دخل يسلم أولًا ثم يتكلم، ولو في قضاء يسلم أولًا ثم يتكلم، ولو قال: السلام عليك يا زيد لم يسقط برد غيره، ولو قال: يا فلان أو أشار لمعين سقط من الأغراض الصحيحة فلا بأس به ولا كفر قوله: (إن نوى بقلبه) وأما إن لم ينو شيئاً يكره كما في المحيط، وذكر البيري أخذاً من نظائرها أنه لا يكره، وليس بعد النص إلا الرجوع إليه، والظاهر أن الذمي ليس بقيد ط قوله: (وإذا أتى دار إنسان الخ) وفي فصول العلامي: وإن دخل على أهله یسلم أولاً ثم يتكلم، وإن أتی دار غيره يستأذن للدخول ثلاثاً يقول في كل مرة: السلام عليكم يا أهل البيت أيدخل فلان؟ ويمكث بعد كل مرة مقدار ما يفرغ الآكل والمتوضىء والمصلي أربع ركعات، فإذا أذن له دخل، وإلا رجع سالماً عن الحقد والعداوة، ولا يجب الاستئذان على من أرسل إليه صاحب البيت، فإذا نودي، من البيت من على الباب لا يقول أنا فإنه ليس بجواب، بل يقول أيدخل فلان؟ فإن قيل لا رجع سالماً، وإذا دخل بالإذن يسلم أولاً ثم يتكلم إن شاء، وإن دخل بيتاً ليس فيه أحد يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإن الملائكة تردّ عليه السلام، فإن لقيه خارج الدار يسلم أولاً ثم يتكلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((السَّلَامُ قَبْلَ الكّلام)، فإن تكلم قبل السلام فلا يجيبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ تَكَلَّمَ قَبْلَ السَّلَام فَلَا تُجِيبُوهُ)) ويسلم على القوم حين يدخل عليهم وحين يفارقهم، فمن فعل ذلك شاركهم في كل خير عملوه بعده، وإن لقيهم وفارقهم في اليوم مراراً وحالت بينهم وبينه شجرة أو جدار جدد السلام لأن ذلك يوجب الرحمة، وینوي بالسلام تجدید عهد الإسلام أن لا ينال المؤمن بأذاه في عرضه وماله، فإذا سلم على المؤمن حرم عليه تناول عرضه وماله، وإن دخل مسجداً وبعض القوم في الصلاة وبعضهم لم يكونوا فيها يسلم، وإن لم يسلم لم یکن تاركاً للسنة اھ قوله: (ولو قال با فلان) أي بهذا اللفظ، ولکن نص عبارة الخانية: رجل كان جالساً في قوم فسلم عليه رجل فقال السلام عليك يا فلان فرد عليه السلام بعض القوم سقط السلام عمن سلم عليه، قيل: إن سمى رجلاً فقال السلام عليك يا زيد، فرد عليه عمرو لا يسقط رد السلام عن زيد، وإن لم يسم وقال السلام عليك، وأشار إلى رجل فرد غيره سقط السلام عن المشار إليه اهـ. وجزم في الخلاصة وغيرها بهذا التفصيل قوله: (سقط ) لأن قصده التسليم على الكل، ويجوز أن يشار للجماعة بخطاب الواحد. هندية. وفي تبيين المحارم: ولو سلم على جماعة ورد غيرهم لم ٥٩٣ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره وشرط في الرد، وجواب العطاس إسماعه، فلو أصمّ يريه تحريك شفتيه اهـ. قلت: وفي المبتغى: ويسقط عن الباقين بردّ صبي يعقل لأنه من أهل إقامة الفرض في الجملة بدليل حلّ ذبيحته، وقيل لا. وفي المجتبى: ويسقط بردّ العجوز، وفي ردّ الشابة والصبي والمجنون قولان، وظاهر التاجية ترجيح عدم السقوط، ويسلم على الواحد بلفظ الجماعة، وكذا الرد، ولا يزيد الراد على وبركاته، وردّ السلام وتشميت العاطس على الفور، يسقط الرد عنهم اهـ ط قوله: (وشرط في الرد الخ) أي كما لا يجب الرد إلا بإسماعه. تاترخانية قوله: (فلو أصم يريه تحريك شفتيه) قال في شرح الشرعة: واعلم أنهم قالوا إن السلام سنة وإسماعه مستحب، وجوابه: أي رده فرض كفاية، وإسماع رده واجب بحيث لو لم يسمعه لا يسقط هذا الفرض عن السامع، حتى قيل: لو كان المسلم أصمّ يجب على الراد أن يحرك شفتيه ویریہ بحیث لو لم یکن أصم لسمعه اه قوله: (بدلیل حل ذبيحته) أي مع أن التسمية فيها فرض، وقد أجزأت منه واختلف في التسليم على الصبيان: فقيل لا يسلم، وقيل التسليم أفضل. قال الفقيه: وبه نأخذ. تاترخانية: وأما السلام على المرأة وتشميتها فقد مر الكلام عليه في فصل النظر والمس قوله: (بلفظ الجماعة) لأن مع كل واحد حافظين كراماً كاتبين، فكل واحد كأنه ثلاثة. تاترخانية قوله: (ولا يزيد الراد على وبركاته) قال في التاترخانية: والأفضل للمسلم أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والمجيب كذلك يرد، ولا ينبغي أن يزاد على البركات شيء اهـ. ويأتي بواو العطف في وعليكم، وإن حذفها أجزأه، وإن قال المبتدىء: سلام عليكم أو السلام عليكم، فللمجيب أن يقول في الصورتين: سلام عليكم أو السلام عليكم، ولكن الألف واللام أولى اهـ قوله: (ورد السلام وتشميت العاطس على الفور) ظاهره أنه إذا أخره لغير عذر كره تحريماً، ولا يرتفع الإثم بالرد بل بالتوبة ط. وفي تبيين المحارم: تشميت العاطس فرض على الكفاية عند الأكثرين، وعند الشافعي سنة، وعند بعض الظاهرية فرض عين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله يجِبُ العُطَّاسَ وَيَكْرَهُ التََّاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشمِتَهُ)) رواه البخاري. التشميت بالشين المعجمة أو بالسين المهملة هو الدّعاء بالخير والبركة، وإنما يستحق العاطس التشميت إذا حمد الله تعالى، وأما إذا لم يحمد لا يستحق الدعاء لأن العطاس نعمة من الله تعالى، فمن لم يحمد بعد عطاسه لم يشكر نعمة الله تعالى، وكفران النعمة لا يستحق الدعاء، والمأمور به بعد العطاس أن يقول الحمد لله، أو يقول الحمد لله رب العالمين، وقيل الحمد لله على كل حال. واختلفوا فيماذا يقول المشمت: فقيل يقول يرحمك الله، وقيل الحمد لله تعالى، ٥٩٤ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره ويجب رد جواب كتاب التحية كرد السلام، ولو قال الراد لآخر: اقرأ فلاناً السلام ويقول للمشمت يهديك الله، وإن كان العاطس كافراً فحمد الله تعالى يقول المشمت يهدیك الله، وإذا تکرّر العطاس قالوا: یشمته ثلاثاً ثم یسکت. قال قاضیخان: فإن عطس أکثر من ثلاث يحمد الله تعالى في كل مرة، ومن کان بحضرته يشمته في كل مرة فحسن أيضاً اهـ. وينبغي أن يقول العاطس للمشمت: غفر الله لي ولكم، أو يقول يهديكم الله ويصلح بالكم، ولا يقول غير ذلك. وينبغي العاطس أن يرفع صوته بالتحميد حتى يسمع من عنده فيشمته، ولو شمته بعض الحاضرين أجزا عنهم، والأفضل أن يقول كل واحد منهم لظاهر الحديث. وقيل: إذا عطس رجل ولم يسمع منه تحميد يقول من حضره یرحمك الله إن کنت حمدت الله، وإذا عطس من وراء الجدار فحمد الله تعالی يجب علی کل من سمعه التشمیت اهـ. وفي فصول العلامي: وندب للسامع أن يسبق العاطس بالحمد لله لحديث: ((مَنْ سَبَقَ العَاطِسَ بِالْحَمْدِ لله أَمِنَ مِنَ الشَّوص واللَّوصَ والعِلُّوصَ(١)) اهـ. وهو بفتح أول الأولين وكسر أول الثالث المهملةوفتح لامه المشددة وسکون الواو وآخر الجميع صاد مهملة. وفي الأوسط للطبراني عن عليّ رفعه: ((مَنْ عَطَسَ عِنْدَهُ فَسَبَقَ بِالحَمْدِ لَمْ يَشْتَكِ خَاصِرَتُهُ)) وَأخرج ابن عساكر ((مَنْ سَبَقَ العَاطِسَ بِالحَمْدِ وَقَاهُ اللهِ وَجَعَ الخَاصِرَةِ، وَلَمْ يَرّ في فيه مَكْرُوهاً حَتَّى يُخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا(٢)» ونظم بعضهم الحديث الأول فقال: [البسيط] مَنْ يَبْتَدِى عَاطِساً بِالحَمْدِ يَأْمَنُ مِنْ شُوصِ وَلُوصِ وَعَلُّوصٍ كَذَا وَرَدَا عَنَيْثُ بِالشُّوصِ دَاءَ الرأْسِ ثُمَّ بِمَا يَلِهِ ذَا البَطْنِ وَالتِضِّرْسِ أَنَّبِعْ رَشَدَا وفي المغرب: الشوص: وجع الضرس، واللوص: وجع الأذن، والعلوص: اللوي وهي التخمة اهـ. قال في الشرعة: وينكس رأسه عند العطاس، ويخمر وجهه ويخفض من صوته، فإن التصرخ بالعطاس حمق. وفي الحديث ((العطسة عند الحديث شاهد عدل) ولا یقول العاطس أب أو أشهب فإنه اسم للشيطان اه قوله: (ويجب رد جواب كتاب التحية) لأن الكتاب من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر. مجتبى. والناس عنه غافلون ط . أقول: المتبادر من هذا أن المراد رد سلام الكتاب لا رد الكتاب، لكن في الجامع الصغير للسيوطي: رد جواب الكتاب حق کرد السلام. قال شارحه المناوي: أي إذا کتب لك رجل بالسلام في کتاب ووصل إليك وجب عليك الرد باللفظ أو بالمراسلة، وبه صرح جمع شافعية: وهو مذهب ابن عباس. وقال النووي: ولو أتاه شخص بسلام من (١) لا يصح انظر الفوائد المجموعة للشوكاني ٢٢٣ واللآلى المصنوعة ١٥٣/٢ والتذكرة ١٦٥. (٢) انظر كنز العمال (٢٥٥٤٥) وإتحاف السادة المتقين (٢٨٦/٦). ! ٥٩٥ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره يجب عليه ذلك، ويكره السلام على الفاسق لو معلناً، وإلا لا، كما يكره على عاجز عن الردّ حقیقة کآكل أو شرعاً كمصلّ وقارىء، ولو سلم لا يستحق الجواب اهـ. شخص: أي في ورقة وجب الرد فوراً، ويستحب أن يرد على المبلغ كما أخرجه النسائي، ویتأکد رد الکتاب فإن ترکه ربما أورث الضغائن، ولهذا أنشد: [الوافر] إِذَا كَتَبَ الخَلِلُ إِلَ الخَليلِ فَنَحَقٌّ وَاجِبٌ رَدُّ الجَوَابِ إِذَا الإِخْوَانُ فَاتُمُ الثَّلَقِي فَمَا صِلَةٍ بِأَحْسَن مِنْ كِتَابٍ قوله: (يجب عليه ذلك) لأنه من إيصال الأمانة لمستحقها، والظاهر أن هذا إذا رضي بتحملها. تأمل. ثم رأيت في شرح المناوي عن ابن حجر: التحقيق أن الرسول إن التزمه أشبه الأمانة وإلا فوديعة اهـ: أي فلا يجب عليه الذهاب لتبليغه كما في الوديعة. قال الشرنبلالي: وهكذا عليه تبليغ السلام إلى حضرة النبي ﴿ عن الذي أمره به، وقال أيضاً: ويستحب أن يرد على المبلغ أيضاً فيقول: وعليك وعليه السلام اهـ. ومثله في شرح تحفة الأقران للمصنف، وزاد وعن ابن عباس: يجب اهـ. لكن قال في التاترخانية: ذكر محمد حديثاً يدل على أن من بلغ إنساناً سلاماً عن غائب كان عليه أن يرد الجواب على المبلغ أولاً ثم على ذلك الغائب اهـ. وظاهره الوجوب. تأمل قوله: (لو معلناً) تخصيص لما قدمه عن العيني. وفي فصول العلامي: ولا يسلم على الشيخ المازح الكذاب واللاغي، ولا على من يسبّ الناس أو ينظر وجوه الأجنبيات، ولا على الفاسق المعلن، ولا على من يغني أو يطير الحمام ما لم تعرف توبتهم، ويسلم على قوم في معصية، وعلى من يلعب بالشطرنج ناوياً أن يشغلهم عما هم فيه عند أبي حنيفة، وكره عندهما تحقيراً لهم قولهم: (كآكل) ظاهره أن ذلك مخصوص بحال وضع اللقمة في الفم والمضغ، وأما قبل وبعد فلا يكره لعدم العجز، وبه صرح الشافعية. وفي وجيز الكردري: مرّ على قوم يأكلون: إن كان محتاجاً وعرف أنهم يدعونه سلم، وإلا فلا اهـ. وهذا يقضي بكراهة السلام على الآكل مطلقاً إلا فيما ذكره ط قوله: (ولو سلم لا يستحق الجواب) أقول: في البزازية: وإن سلم في حال التلاوة فالمختار أنه يجب الرد، بخلاف حال الخطبة والأذان وتكرار الفقه اهـ. وإن سلم فهو آثم. تاتر خانية. وفيها: والصحيح أنه لا يرد في هذه المواضع اهـ. فقد اختلف التصحيح في القارىء، وعند أبي يوسف: يرد بعد الفراغ أو عند تمام الآية. وفي الاختيار: وإذا جلس القاضي ناحية من المسجد للحكم لا يسلم على الخصوم، ولا يسلمون عليه، لأنه جلس للحكم والسلام تحية الزائرين، فينبغي أن يشتغل بما جلس لأجله، وإن سلموا لا يجب عليه الرد. وعلى هذا من جلس يفقه تلامذته ويقرئهم القرآن فدخل عليه داخل فسلم وسعه أن لا يرد لأنه إنما جلس للتعليم لا لرد السلام اهـ قوله: ٥٩٦ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره وقدمنا في باب ما يفسد الصلاة كراهته في نيف وعشرين موضعاً وأنه لا يجب رد سلام عليكم بجزم الميم، ولو دخل ولم ير أحداً يقول: السلام علينا (بجزم الميم) الأولى بسكون الميم. قال ط: وكأن عدم الوجوب لمخالفته السنة التي جاءت بالتركيب العربي، ومثله فيما يظهر الجمع بين أل والتنوين اهـ. وظاهر تقييده بجزم الميم أنه لو نوّن المجرد من أل كما هو تحية الملائكة لأهل الجنة يجب الرد، فیکون له صیغتان، وهو ظاهر ما قدمناه سابقاً عن التاتر خانية. ثم رأيت في الظهيرية: ولفظ السلام في المواضع كلها: السلام عليكم أو سلام عليكم بالتنوين، وبدون هذين كما يقول الجهال لا يكون سلاماً. قال في الشرنبلالي في رسالته في المصافحة: ولا يبتدىء بقوله عليك السلام، ولا بعليكم السلام لما في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن جابر بن سليم رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله# فقلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: ((لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ، فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ المَوْتَى))(١) قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ويؤخذ منه أنه لا يجب الرد على المبتدىء بهذه الصيغة، فإنه ما ذكر فيه أنه عليه الصلاة والسلام رد السلام عليه بل نهاه، وهو أحد احتمالات ثلاثة ذكرها النووي، فيترجح كونه ليس سلاماً، وإلا لرد عليه ثم علمه كما رد على المسيء صلاته ثم علمه، ولو زاد واواً فابتدأ بقوله: وعليكم السلام لا يستحق جواباً، لأن هذه الصيغة لا تصلح للابتداء فلم يكن سلاماً. قاله المتولي من أئمة الشافعية اهـ. قلت: وفي التاترخانية عن الفقيه أبي جعفر: أن بعض أصحاب أبي يوسف كان إذا مرّ بالسوق يقول: سلام الله عليكم، فقيل له في ذلك، فقال: التسليم تحية وإجابتها فرض، فإذا لم يجيبوني وجب الأمر بالمعروف فأما سلام الله عيلكم فدعاء فلا يلزمهم ولا يلزمني شيء، فاختاره لهذا اهـ. قلت: فهذا مع ما مر يفيد اختصاص وجوب الرد بما إذا ابتدأ بلفظ السلام عليكم أو سلام عليكم، وقدمنا أن للمجيب أن يقول في الصورتين سلام عليكم، أو السلام عليكم، ومفاده أن ما صلح للابتداء صلح للجواب، ولكن علمت ما هو الأفضل فيهما. تتمة: قال في التاترخانية: ويسلم الذي يأتيك من خلفك ويسلم الماشي على القاعد، والراكب على الماشي، والصغير على الكبير، وإذا التقيا فأفضلهما يسبقهما، فإن سلما معاً يرد كل واحد. وقال الحسن: يبتدىء الأقل بالأكثر اهـ. وفيها: السلام سنة، ويفترض على الراكب المارّ بالراجل في طريق عامّ أو في المفازة للأمانة اهـ. وفي البزازية: ويسلم الآتي من المصر على من يستقبله من القرى، وقيل: يسلم القروي على المصري اهـ. (١) أخرجه أبو داود ٣٨٧/٥ (٥٢٠٩) والترمذي ٧٢/٥) (٢٧٢٢) وقال حسن صحيح والنسائي في عمل اليوم واللیلة ص (٢٨ (٣١٨). ٥٩٧ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره وعلى عباد الله الصالحين. فرع: يكره إعطاء سائل المسجد إلا إذا لم يتخطّ رقاب الناس في المختار كما في الاختيار ومتن مواهب الرحمن، لأن علياً تصدّق بخاتمه في الصلاة فمدحه الله بقوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة ٥٥]. ((أَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ)) وفي تبيين المحارم قال النووي: هذا الأدب هو فيما إذا التقيا في طريق، أما إذا ورد على قعود فإن الوارد يبدأ بالسلام بكل حال، سواء كان صغيراً أو كبيراً أو قليلاً أو كثيراً. كذا في الطبراني اهـ. قال ط: والقواعد توافقه. واختلفوا في أيهما أفضل أجراً: قيل الراد، وقيل المسلم. محيط. وإن سلم ثانياً في مجلس واحد لا يجب رد الثاني. تاتر خانية. وفيها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله#: ((إِذَا أَتَيْتُمُ المَجْلِسَ فَسَلِّمُوا عَلَى القَوْمِ، وَإِذا رَجِعْتُمْ فَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ التَّسْلِيمَ عِنْد الرُّجُوعِ أَفْضَلُ مِنَ التّسْلِيمِ الأَوَّلِ)) قوله: (وعلى عباد الله الصالحين) فيكون مسلماً على الملائكة الذين معه، وصالحي الجنّ الحاضرين وغيرهم، وقالوا: إن الجن مكلفون بما كلفنا به، ومقتضاه أنه يجب عليهم الرد ولا يخرجون عنه إلا بالإسماع ولم أر حكمه. وقد يقال: إنهم أمروا بالاستتار عن أعين الإنس لعدم الأنس والمجانسة، ورده ظاهراً من قبيل الإعلان، فتدبر ط. أقول: لا نسلم أن هذه الصيغة مما يجب على سامعها الرد، إذ لا خطاب فيها، وليست من الصيغتين السابقتين، وإلا لوجب الرد أيضاً على من سمعها من الإنس، ويحتاج إلى نقل صريح والظاهر عدمه، فلا يجب على الجن بالأولى، بل هي لمجرد الدعاء كما هي في التشهد وكما في الصيغة التي اختارها بعض أصحاب أبي يوسف كما مر. تأمل قوله: (إلا إذا لم يتخط) أي ولم يمرّ بين يدي المصلين. قال في الاختيار: فإن كان يمرّ بين يدي المصلين ويتخطى رقاب الناس يكره، لأنه إعانة على أذى الناس، حتى قيل: هذا فلس لا يكفره سبعون فلساً اهـ. وقال ط: فالكراهة للتخطي الذي يلزمه غالباً الإيذاء، وإذا كانت هناك فرجة يمرّ منها لا تخطى فلا كراهة كما يؤخذ من مفهومه قوله: (في الصلاة) أي وهي كانت في المسجد فتم الدليل، أو أنه إذا كان ذلك جائزاً في الصلاة وهي أفضل الأعمال، فلأن تجوز في المسجد وهو دونها أولى ط قوله: (أحبّ الأسماء الخ) هذا لفظ حديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم عن ابن عمر مرفوعاً (١). قال المناوي: وعبد الله أفضل مطلقاً حتى من عبد الرحمن وأفضلها بعدهما محمد، ثم أحمد، ثم إبراهيم اهـ. وقال أيضاً في موضع آخر: ويلحق بهذين الاسمين: أي عبد الله (١) أخرجه مسلم ١٦٨٢/٣ (٢١٣٢/٢). ٥٩٨ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره وجاز التسمية بعليّ ورشيد من الأسماء المشتركة، ويراد في حقنا غير ما يراد في حق الله تعالى، لكن التسمية بغير ذلك في زماننا أولى لأن العوامّ يصغرونها عن النداء. كذا في السراجية. وفيها (ومن كان اسمه محمداً لا بأس بأن یکنی أبا القاسم) لأن قوله عليه الصلاة والسلام ((سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنُوا بِكُنْيَتِي(١)» قد نسخ، لأن علياً رضي الله عنه كنى ابنه محمد بن الحنفية أبا القاسم وعبد الرحمن ما كان مثلهما كعبد الرحيم وعبد الملك، وتفضيل التسمية بهما محمول على من أراد التسمي بالعبودية، لأنهم كانوا يسمون عبد شمس وعبد الدار، فلا ينافي أن اسم محمد وأحمد أحبّ إلى الله تعالى من جميع الأسماء، فإنه لم يختر لنبيه إلا ما هو أحبّ إليه، هذا هو الصواب، ولا يجوز حمله على الإطلاق اهـ. وورد ((مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّداً كَانَ هُوَ وَمَوْلُودُهُ في الجَنَّةِ)(٢) رواه ابن عساكر عن أمامة رفعه. قال السيوطي: هذا أمثل حديث ورد في هذا الباب وإسناده حسن اهـ (٣). وقال السخاوي: وأما قولهم: خير الأسماء ما عبد وما حمد (٤)، فما علمته قوله: (وجاز التسمية بعليّ الخ) الذي في التاتر خانية عن السراجية: التسمية باسم يوجد في كتاب الله تعالى كالعليّ والكبير والرشيد والبديع جائزة الخ، ومثله في المنح عنها، وظاهره الجواز ولو معرفاً بأل قوله: (لكن التسمية الخ) قال أبو الليث: لا أحبّ للعجم أن يسموا عبد الرحمن وعبد الرحيم، لأنهم لا يعرفون تفسيره، ويسمونه بالتصغير. تاترخانية. وهذا مشتهر في زماننا، حيث ينادون من اسمه عبد الرحيم وعبد الكريم أو عبد العزيز مثلاً فيقولون: رحيم وکریم وعزيز بتشديد ياء التصغير، ومن اسمه عبد القادر قويدر، وهذا مع قصده كفر. ففي المنية: من ألحق أداة التصغير في آخر اسم عبد العزيز أو نحوه مما أضيف إلى واحد من الأسماء الحسنى إن قال ذلك عمداً كفر، وإن لم يدر ما يقول ولا قصد له لم يحكم بكفره، ومن سمع منه ذلك يحقّ عليه أن يعلمه اهـ. وبعضهم يقول: رحمون لمن اسمه عبد الرحمن، وبعضهم كالتركمان يقول: حمور وحسو لمن اسمه محمد وحسن، وانظر هل يقال: الأولى لهم ترك التسمية بالأخيرين لذلك قوله: (ولا تكنوا) بفتح النون المشددة ماضي تكنی، وهو على حذف إحدى التاءين: أي لأن اليهود كانوا ينادون يا أبا القاسم، فإذا التفت ﴿ قالوا: لا نعنيك ط. لكن قوله ماضي تكنى صوابه مضارع تكنى كما لا يخفى قوله: (قد نسخ) لعل وجهه زوال علة النهي السابقة بوفاته عليه الصلاة والسلام. تأمل. (١) أخرجه البخاري ٣٣٩/٤ (٢١٢٠)، ومسلم ١٦٨٢/٣ (٢١٣١/١). (٢) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات ١٥٧/١ والسيوطي في اللآلىء ١/ ٥٥ والأسرار المرفوعة ٤٣٥ والتذكرة ٨٩. (٣) انظر الحاوي ٢ / ١١٤،١٠٠. (٤) انظر الأسرار المرفوعة ١٩٣ والدرر ٨١ وكشف الخفا ٩٥/١، ٤٦٨. ٥٩٩ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره (ويكره أن يدعو الرجل أباه وأن تدعو المرأة زوجها باسمه) اهـ بلفظه. تتمة: التسمية باسم لم يذكره الله تعالى في عبادة ولا ذكره رسوله لله پ﴾ ولا يستعمله المسلمون تكلموا فيه، والأولى أن لا يفعل. وروي: إذا ولد لأحدكم ولد فمات فلا يدفنه حتى يسميه إن كان ذكراً باسم الذكر، وإن كان أنثى فباسم أنثى، وإن لم يعرف فباسم يصلح لهما، ولو كنى ابنه الصغير بأبي بكر وغيره كرهه بعضهم، وعامتهم لا يكره، لأن الناس يريدون به التفاؤل. تاترخانية. وكان رسول الله 8* يغير الاسم القبيح إلى الحسن. جاءه رجل يسمى أصرم فسماه زرعة، وجاءه آخر اسمه المضطجع فسماه المنبعث، وكان لعمر رضي الله عنه بنت تسمى عاصية فسماها جميلة. ولا يسمى الغلام يساراً ولا رياحاً ولا نجاحاً ولا بأفلح ولا بركة، فليس من المرضيّ أن يقول الإنسان عندك بركة فتقول لا، وكذا سائر الأسماء، ولا يسميه حكيماً، ولا أبا الحكم، ولا أبا عيسى، ولا عبد فلان، ولا يسميه بما فيه تزكية نحو الرشيد والأمين. فصول العلامي: أي لأن الحكم من أسمائه تعالى فلا یلیق إضافة الأب إليه أو إلى عيسى. أقول: ويؤخذ من قوله ولا عبد فلان منع التسمية بعبد النبي، ونقل المناوي عن الدميري أنه قيل بالجواز بقصد التشريف النسبة، والأكثر على المنع خشية اعتقاد العبودية كما لا يجوز عبد الدار اهـ. ومن قوله ولا بما فيه تزكية المنع عن نحو محيي الدين وشمس الدين مع ما فيه من الكذب، وألف بعض المالكية في المنع منه مؤلفاً، وصرح به القرطبي في شرح الأسماء الحسنى، وأنشد بعضهم فقال: [الطويل] أَرَى الدِّينَ يَسْتَحْبِي مِنَ اللهِ أَنْ يُرَى وَهذَالَهُ فَخْرٌ وَذَاكَ نَصِير فَقَدْ كَثُرَتْ في الدِّينِ أَلْقَابُ عُصْبَةٍ هِمْ فِي مَرَاعِي المُنْكَرَاتِ حمیرُ وَأَعْلَمُ أَنَّ الذِّنْبَ فِيهِ كَبِيرُ وَإِّ أُجِلُّ الدِّينَ عَنْ عِزّوِهِمْ ونقل عن الإمام النووي أنه كان يكره من يلقبه بمحيي الدين ويقول: لا أجعل من دعاني به في حلّ، ومال إلى ذلك العارف بالله تعالى الشیخ سنان في كتابه تبیین المحارم، وأقام الطامة الكبرى على المتسمين بمثل ذلك، وأنه من التزكية المنهي عنها في القرآن، ومن الكذب قال: ونظيره ما يقال للمدرسين بالتركي: أفندي وسلطانم ونحوه، ثم قال: فإن قيل: هذه مجازات صارت کالأعلام فخرجت عن التزكية. فالجواب أن هذا یرده ما يشاهد من أنه إذا نودي باسمه العلم وجد على من ناداه به فعلم أن التزكية باقية، وقد كان الكبار من الصحابة وغيرهم ينادون بأعلامهم ولم ينقل كرامتهم لذلك، ولو كان فيه ترك تعظيم للعلم وأهله لنهوا عنه من ناداهم بها اهـ ملخصاً. وقد أطال بما ينبغي مراجعته قوله: (ويكره أن يدعو الخ) بل لا بد من لفظ يفيد التعظيم كيا سيدي ونحوه لمزيد حقهما على الولد والزوجة، وليس هذا من التزكية، لأنها راجعة إلى المدعو بأن ٦٠٠ كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره (و) فيها: يكره (الكلام في المسجد وخلف الجنازة وفي الخلاء وفي حالة الجماع) وزاد أبو الليث: في البستان وعند قراءة القرآن، وزاد في الملتقى تبعاً للمختار: وعند التذكير فما ظنك به عند الغناء الذي يسمونه وجداً. للعربية فضل على سائر الألسن وهو لسان أهل الجنة، من تعلمها أو علمها غيره فهو مأجور) وفي الحديث ((أَحِبُّوا العَرَبَ لِثَلاَثِ: لأَنِي عَرَبِيٌّ، وَالقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَلِسَانُ أَهْلِ الجَنَّةِ فِي الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ(١)). وفيها (تطيين القبور لا يكره في المختار) وقيل يكره. وقال البزدوي: لو يصف نفسه بما يفيدها لا إلى الداعي المطلوب منه التأدب مع من هو فوقه قوله: (وفيها) أي في السراجية قوله: (يكره الكلام في المسجد) ورد («أنه يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ. الخَطَبَ))(٢) وحمله في الظهيرية وغيرها على ما إذا جلس لأجله، وقد سبق في باب الاعتكاف، وهذا كله في المباح لا في غيره فإنه أعظم وزراً قوله: (وخلف الجنازة) أي مع رفع الصوت، وقدمنا الكلام عليه قبيل المسابقة قوله: (وفي الخلاء) لأنه يورث المقت من الله تعالى ط قوله: ((وفي حالة الجماع) لأن حاله مبني على الستر، وكان يأمر الله فيه بالأدب ط. وذكر في الشرعة: أن من السنة أن لا يكثر الكلام في حالة الوطء فإن منه خرس الولد قوله: (وعند التذكير) أي مع رفع الصوت. قال في التاترخانية: وليس المراد رفع الواعظ صوته عند الوعظ، وإنما المراد رفع بعض القوم صوته بالتهليل، والصلاة على النبي * عند ذكره قوله: (فما ظنك به) أي برفع الصوت عند الغناء، والمراد رفع الصوت به، وقدمنا الكلام على ذلك كله قوله: (أحبوا العرب) كذا في كثير من النسخ مسنداً إلى واو الجماعة، وهو الموافق لما في الجامع الصغير وغيره. وفي بعض النسخ: أحب بلا واو مسند للمتكلم، أو أمر للمفرد من أحب. قال الجراحي: وسنده فيه ضعف، وقد ورد في حب العرب أحاديث كثيرة يصير الحديث بمجموعها حسناً، وقد أفردها بالتأليف جماعة منهم الحافظ العراقي، ومنهم صديقنا الكامل السيد مصطفى البكري، فإنه ألف فيه رسالة نحو العشرين كراسة اهـ. والمراد الحتّ على حب العرب من حيث كونهم عرباً، وقد يعرض لهم ما يقتضي زيادة الحب بما فهم من الإيمان والفضائل، وقد يعرض ما يوجب البغض بما يعرض لهم من كفر ونفاق. وتمامه في شرح المناوي الكبير قوله: (ولسان أهل الجنة) الذي في الجامع الصغير: وكلام أهل الجنة (١) أخرجه الحاكم ٨٧/٤ وابن الجوزي في الموضوعات ٤٦/٢ والعقيلي في الضعفاء ٣٤٨/٣ والذهبي في الميزان (٥٧٣٧) والسيوطي في اللآلىء ٢٣٠/١، والشوكاني في الفوائد ٤١٣ وابن حجر في لسان الميزان ٤٨٦/٤ (٢) لا يصح أورده الغزالي في الإحياء ٣٦/١ وقال العراقي لم أقف له على أصل وقال السبكي لم أجد له أسناداً الطبقات ١٤٥/٤.