Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب المساقاة
وحفظ فعليهما، ولو شرط على العامل فسدت اتفاقاً. ملتقى. والأصل أن ما كان
من عمل قبل الإدراك كسقي فعلى العامل وبعده كحصاد عليهما كما بعد القسمة،
فليحفظ .
دفع كرمة معاملة بالنصف ثم زاد أحدهما على النصف، إن زاد رب الكرم لم
يجز لأنه هبة مشاع يقسم، وإن زاد العامل جاز لأنه إسقاط.
دفع الشجر لشريكه مساقاة لم يجز فلا أجر له
قوله: (ولو شرط على العامل فسدت اتفاقاً) عبارة الهداية: ولو شرط الجذاذ على العامل
فسدت اتفاقاً لأنه لا عرف فيه اهـ. وقدم الشارح آخر المزارعة عن الخلاصة أنه يضمن
العنب بترك الحفظ للعرف، فتنبه قوله: (والأصل الخ) لم يفد شيئاً زائداً على ما قبله، فإن
ما قبله أصل لذكره على وجه العموم. تأمل.
وذكر في التاترخانية عن الينابيع أن اشتراط ما لا تبقى منفعته بعد المدة على المساقي
كالتلقيح والتأبير والسقي جائز، وما تبقى منفعته بعدها كإلقاء السرقين ونصب العرائش
وغرس الأشجار ونحو ذلك مفسد قوله: (كما بعد القسمة) أي كالعمل الذي بعد قسمة
الخارج. قال في العناية: كالحمل إلى البيت والطحن وأشباههما وهما ليسا من أعمالها
فيكونان عليهما، لكن فيما هو قبل القسمة على الاشتراك، وفيما هو بعدها على كل
واحد منهما في نصيبه خاصة لتميز ملك كل واحد منهما عن ملك الآخر قوله: (ثم زاد
أحدهما الخ) ذكر في الهندية أصلاً حسناً فقال: الأصل ما مر مراراً أن كل موضعٍ
احتمل إنشاء العقد احتمل الزيادة، وإلا فلا، والحط جائز في الموضعين، فإذا دفع نخلاً
بالنصف معاملة فخرج الثمر: فإن لم يتناه عظمه جازت الزيادة منهما أيهما كان، ولو
تناهى عظم البسر جازت الزيادة من العامل لرب الأرض، ولا تجوز الزيادة من رب
الأرض للعامل شيئاً اهـ. فإن حمل ما ذكر هنا على ما إذا تناهى العظم حصل التوفيق،
أما قبل التناهي فهو بمنزلة إنشاء العقد، وإنشاؤه حينئذ من الطرفين جائز كما يشير إليه
أصل الهندية، فتدبر اهـ ط.
قلت: وذكر نحو هذا الأصل في التاترخانية، وذكر أن المزارعة والمعاملة سواء
قوله: (دفع الشجر لشريكه مساقاة لم يجز) أي إذا شرط له أكثر من قدر نصيبه. قال في
التاتر خانية: وإذا فسدت فالخارج بينهما نصفان على قدر نصيبهما في النخيل، ولو اشتراطا
أن يكون الخارج بينهما نصفين جاز اهـ. وفساد مساقاة الشريك مذكور في المنح وغيرها،
وبه أفتى في الخيرية والحامدية، فما يفعل في زماننا فاسد، فتنبه. وقيد بالمساقاة لأن
المزارعة بين الشريكين في أرض ويذر منهما تصح في أصح الروايتين. والفرق كما في
الذخيرة أن معنى الإجارة في المعاملة راجح على معنى الشركة، وفي المزارعة بالعكس.

٤٢٢
كتاب المساقاة
لأنه شريك فيقع العمل لنفسه، وفي الوهبانية: [الطويل]
وَمَا لِلْمُسَاقِيَ أَنْ يُسَاقِيَ غَيرِهُ وَإِنْ أَذِنَ المَوْلَى لَهُ لَيْسَ يُنْكَرُ
فرع: لو ساق أحد الشريكين على نصيبه أجنبياً بلا إذن الآخر هل يصح؟ قعند
الشافعية نعم. قال الرملي: والظاهر أن مذهبنا كذلك لأن المساقاة إجارة وهي تجوز في
المشاع عندهما، والمعوّل عليه في المساقاة والمزارعة مذهبهما، فتجوز المساقاة في المشاع، ولم
أر من صرح به. ثم رأيت المؤلف أجاب بأنها تصح عندهما كما تفقهت، ولله تعالى الحمد
والمنة اهـ.
أقول: فيه بحث، لأن معنى الإجارة وإن كان راجحاً في المساقاة كما قدمناه آنفاً،
لكن الإجارة فيها من جانب العامل لا الشجر، لأن استئجار الشجر لا يجوز كما مر،
فالعامل في الحقيقة أجير لرب الشجر بجزء من الخارج، ولا شيوع في العامل بل الشيوع
في الأجرة فلم يوجد هنا إجارة المشاع التي فيها الخلاف، فتدبر.
على أنه ذكر في التاترخانية في الفصل الخامس ما نصه: إذا دفع النخيل معاملة إلى
رجلين: يجوز عند أبي يوسف، ولا يجوز عند أبي حنيفة وزفر، ولو دفع نصف النخيل
معاملة لا يجوز اهـ. فإن كان المراد أن النخيل كله للدافع كما هو المتبادر فعدم الجواز فيه
يدل على عدم الجواز في المشترك بالأولى، بل يفيد عدم الجواز ولو بإذن الشريك كما لا
يخفى على المتأمل، وإن كان المراد أن النخيل مشترك ودفع أحدهما لأجنبي فالأمر أظهر،
فتعين ما قلناه وثبت أن مساقاة الشريك الأجنبي ولو بإذن الشريك الآخر لا تصح كمساقاة
أحد الشريكين للآخر، هذا ما ظهر لفهمي القاصر، والله أعلم قوله: (لأنه شريك الخ)
هذا يوضح لك ما أردناه على الحيلة التي نقلها عن صدر الشريعة قوله: (فيقع العمل
لنفسه) أي أصالة ولغيره تبعاً ط قوله: (وما للمساقي الخ) فلو ساقى بلا إذن فالخارج
للمالك كما أفتى به في الحامدية.
قال في الذخيرة: دفع إليه معاملة ولم يقل له اعمل برأيك فدفع إلى آخر فالخارج
لمالك النخيل وللعامل أجر مثله على العامل الأول بالغاً ما بلغ، ولا أجر للأول لأنه لا
يملك الدفع، إذ هو إيجاب الشركة في مال الغير، وعمل الثاني غير مضاف إليه لأن العقد
الأول لم يتناوله، ولو هلك الثمر في يد العامل الثاني بلا عمله وهو على رؤوس النخيل لا
يضمن وإن من عمل الأجير في أمر يخالف فيه أمر الأول يضمن لصاحب النخيل العامل
الثاني لا الأول، وإن هلك من عمله في أمر لم يخالف أمر الأول فلرب النخيل أن يضمن
أياً شاء، وللأخير إن ضمنه الرجوع على الأول اهـ. ومثله في التاترخانية والبزازية، وبه
أفتى العلامة قاسم، ونقله عن عدّة كتب، فتنبه لذلك فإنه خفي علی کثیرین.
بقي أنه لم يبين حكم المزارع، وذكر في الذخيرة وغيرها أنه على وجهين: الأول أن

٤٢٣
كتاب الذبائح
وفي معایاتها: [ الطويل]
وَأَيُّ شِيَاهِ دُونَ ذَبْحِ يحلُّهَا وَأَيُّ المَسَاقِي وَالمَزَارِعِ يُكْفَرُ
کِتابُ الذبائحِ
مناسبتها للمزارعة كونهما إتلافاً في الحال للانتفاع بالنبات واللحم في المآل.
الذبيحة: اسم ما يذبح كالذبح بالكسر، وأما بالفتح: فقطع الأوداج.
(حرم حيوان من شأنه الذبح) خرج السمك والجراد فيحلان بلا ذكاة، ودخل
المتردية والنطيحة وكل (ما لم بذك) ذكاء شرعياً اختيارياً كان أو اضطرارياً (وذكاة
يكون البذر من رب الأرض، فليس للمزارع دفعها مزارعة إلا بإذن ولو دلالة، لأن فيه
اشتراك غيره في مال رب الأرض بلا رضاه. والثاني أن يكون من المزارع فله الدفع ولو بلا
إذن لأنه يشرك غيره في ماله، وتفاصيل المسألة طويلة فلتراجع قوله: (وأي شياه الخ) هي
الشاة التي ندت خارج المصر ولا يقدر على أخذها يكفي فيها الجرح في أيّ مكان مع التسمية
كالصيد، والمراد بالكفر الستر، سمي الزارع كافراً لأنه يستر الحب، فكل مزارع ومساق إذا
بذر يكفر: أي يستر، شرنبلالي. وفي كون المساقي يستر نظر، فتدبر والله تعالى أعلم.
کِتابُ الذبائحِ
قوله: (مناسبتها للمزارعة الخ) كذا في شروح الهداية. قال في الحواشي السعدية:
كان ينبغي أن تبين المناسبة بين الذبائح والمساقاة لذكرها بعد المساقاة، ويقول في كل منهما
إصلاح مالا ينتفع به بالأكل في الحال للانتفاع في المآل اهـ.
أقول: قد يجاب بأنه لما كانت المساقاة متحدة مع المزارعة شروطاً وحكماً وخلافاً
كما مر، وذكرا في كثير من الكتب في ترجمة واحدة، ونقل القهستاني عن النتف أن المساقاة
من المزارعة تسامحوا في ذلك قوله: (إتلافاً في الحال) لأن فيهما إلقاء البذر في الأرض
واستهلاكه فيها وإزهاق روح الحيوان وتخريب بنيته، لكن هذا الإتلاف في الحقيقة إصلاح
فلا ینافي ما مر، فتدبر قوله: (الذبيحة اسم ما یذبح) فالإطلاق باعتبار ما يؤول قوله:
(كالذبح بالكسر) فهما بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قوله:
(وأما بالفتح) في بعض النسخ: وأما الفتح، والمراد المفتوح قوله: (فقّطع الأوداج) فيه
تغليب كما يأتي. قوله: (من شأنه الذبح) أي شرعاً لأن السمك والجراد يمكن ذبحهما
ط: أي إن كان لهما أوداج، وإلا فلا يمكن فيهما أصلاً. تأمل قوله: (ودخل) أي فيما
يحرم المتردية والنطيحة، وكذا المريضة والتي بقر الذئب بطنها على ما يأتي بيانه قوله:
(وكل ما لم يذك) هذا الدخول اقتضى خروج المتن عن كونه قيداً في التعريف اهـح قوله:
(ذكاء شرعياً) المعروف الذكاة بالهاء فليراجع اهـ ح.

٤٢٤
كتاب الذبائح
الضرورة جرح) وطعن وإنهار دم (في أي موضع وقع من البدن، و) ذكاة (الاختيار
ذبح بين الحلق واللبة) بالفتح: المنحر من الصدر (وعروقه الحلقوم) كله وسطه أو
أعلاه أو أسفله، وهو مجری النفس
أقول: في القاموس: التذكية: الذبح كالذكاء والذكاة (قول وذكاة الضرورة) أي في
صيد غير مستأنس ونحوه مما يأتي متناً وشرحاً قوله: (وطعن وإنهار دم) كذا في المنح،
فالأول عطف خاص على عام، والثاني مسبب عنهما. قال ط: ولو اقتصر على الجرح كما
اقتصر غيره لكان أولى قوله: (بين الحلق واللبة) الحلق في الأصل الحلقوم كما في
القاموس: أي من العقدة إلى مبدإ الصدر، وكلام التحفة والكافي وغيرهما يدل على أن
الحلق يستعمل في العنق بعلاقة الجزئية، فالمعنى بين مبدإ الحلق: أي أصل العنق كما في
القهستاني، فكلام المصنف محتمل للروايتين الآتيتين قوله: (بالفتح) أي والتشديد قوله:
(وعروقه) أي الحلق لا الذبح. قهستاني قوله: (الحلقوم) هو الحلق زيد فيه الواو والميم
كما في المقاييس. قهستاني قوله: (وسطه أو أعلاه أو أسفله) العبارة للإمام محمد في الجامع
الصغير لكنها بالواو، وأتى الشارح بأو إشارة إلى أن الواو فيها بمعنى أو، إذ ليس الشرط
وقوع الذبح في الأعلى والأوسط والأسفل بل في واحد منها، فافهم. قال في الهداية وفي
الجامع الصغير: لا بأس بالذبح في الحلقِ كله وسطه وأعلاه وأسفله، والأصل فيه قوله
عليه الصلاة والسلام: ((الذَّكَاةُ مَا بَين اللَّبَّةِ وَاللَّخيَين(١)) ولأنه مجمع العروق فيحصل
بالفعل فيه إنهار الدم على أبلغ الوجوه، فكان حكم لكل سواء أهـ. وعبارة المبسوط:
الذبح ما بين اللبة واللحیین کالحديث.
قال في النهاية: وبينهما اختلاف من حيث الظاهر، لأن رواية المبسوط تقتضي الحل
فيما إذا وقع الذبح قبل العقدة لأنه بين اللبة واللحيين، ورواية الجامع تقتضي عدمه، لأنه
إذا وقع قبلها لم يكن الحلق محل الذبح فكانت رواية الجامع مقيدة لإطلاق رواية المبسوط.
وقد صرح في الذخيرة بأن الذبح إذا وقع أعلى من الحلقوم لا يحل، لأن المذبح هو
الحلقوم، لكن رواية الإمام الرستغفني(٢) تخالف هذه، حيث قال: هذا قول العامّ وليس
بمعتبر، فتحل سواء بقيت العقدة مما يلي الرأس أو الصدر، لأن المعتبر عندنا قطع أكثر
الأوداج وقد وجد، وكان شيخي يفتي بهذه الرواية ويقول: الرستغفني إمام معتمد في
القول والعمل، ولو أخذنا يوم القيامة للعمل بروايته نأخذه كما أخذنا اهـ ما في النهاية
ملخصاً. وذكر في العناية أن الحديث دليل ظاهر لهذه الرواية ورواية المبسوط تساعدها،
وما في الذخيرة مخالف لظاهر الحديث اهـ.
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٧٨/٩ وانظر نصب الراية ٤/ ١٨٥.
(٢). (الرستغفني) هو علي بن سعد أبو الحسن من رستغفن بضم الراء وسكون السين المهملتين وضم التاء ثالث
الحروف وسكون الغين المعجمة وبالنون بعد الفاء: إحدى قرى سمرقند، كذا في طبقات عبد القادر.

٤٢٥
كتاب الدبائح
على الصحيح (والمريء) هو مجرى الطعام والشراب (والودجان) مجرى الدم (وحل)
المذبوح (بقطع أي ثلاث منها) إذ للأكثر حكم الكل وهل يكفي قطع أكثر كل منها؟
أقول: بل رواية الجامع تساعد رواية الرستغفني أيضاً، ولا تخالف رواية المبسوط
بناء على ما مر عن القهستاني من إطلاق الحلق على العنق، وقد شنع الإتقاني في غاية البيان
على من خالف تلك الرواية غاية التشنيع وقال: ألا ترى قول محمد في الجامع أو أعلاه:
فإذا ذبح في الأعلى لا بد أن تبقى العقدة تحت، ولم يلتفت إلى العقدة في كلام الله تعالى ولا
كلام رسوله ول*، بل الذكاة بين اللبة واللحبين بالحديث، وقد حصلت لا سيما على قول
الإمام من الاكتفاء بثلاث من الأربع أياً كانت.
ويجوز ترك الحلقوم أصلاً، فبالأولى إذا قطع من أعلاه وبقيت العقدة أسفل اهـ.
ومثله في المنح عن البزازية، وبه جزم صاحب الدرر والملتقى والعيني وغيرهم، لكن جزم
في النقاية والمواهب والإصلاح بأنه لا بد أن تكون العقدة مما يلي الرأس، وإليه مال
الزيلعي وقال: ما قاله الرستغفني مشكل، فإنه لم يوجد فيه قطع الحلقوم ولا المريء،
وأصحابنا وإن اشترطوا قطع الأكثر فلا بد من قطع أحدهما عند الكل، وإذا لم يبق شيء
من العقدة مما يلي الرأس لم يحصل قطع واحد منهما فلا يؤكل بالإجماع الخ. ورده محشيه
الشلبي والحموي. وقال المقدسي: قوله لم يحصل قطع واحد منهما ممنوع بل خلاف
الواقع، لأن المراد بقطعهما فصلهما عن الرأس أو عن الاتصال باللبة اهـ. وقال الرملي:
لا يلزم منه عدم قطع المريء إذ يمكن أن يقطع الحرقد کزبرج وهو أصل اللسان وينزل
على المريء فيقطعه فيحصل قطع الثلاثة اهـ.
أقول: والتحرير للمقام أن يقال: إن كان بالذبح فوق العقدة حصل قطع ثلاثة من
العروق. فالحق ما قاله شراح الهداية تبعاً للرستغفني، وإلا فالحق خلافه، إذ لم يوجد
شرط الحل باتفاق أهل المذهب، ويظهر ذلك بالمشاهدة أو سؤال أهل الخبرة، فاغتنم هذا
المقال ودع عنك الجدال قوله: (على الصحيح) لأنه المذكور في أكثر كتب اللغة والطب.
وفي الهداية أنه مجرى العلف والماء، والمريء مجرى النفس. قال صدر الشريعة:
وهو سهو، لكن نقل مثله ابن الكمال عن الكشاف في تفسير سورة الأحزاب والقهستاني
عن المبسوطين. وقال في الطلبة: الحلقوم مجرى الطعام، والمريء مجرى الشراب. وفي
العيني أنه مجراهما قوله: (والمريء) بالهمز، قال في القاموس كأمير قوله: (والودجان) تثنية
ودج بفتحتين: عرقان عظيمان في جانبي قدام العنق بينهما الحلقوم والمريء. قهستاني
قوله: (إذ للأكثر حكم الكل) ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((أفر الأوداج بما شئت)) وهو
اسم جمع وأقله الثلاث، قال في العناية: والفري القطع للإصلاح، والإفراء للإفساد فكسر
الهمزة أنسب قوله: (وهل يكفي قطع أكثر كل منها) أي من الأربعة، وهذا قول محمد

٤٢٦
كتاب الذبائح
خلاف، وصحح البزازي قطع كل حلقوم ومريء وأكثر ودج، وسيجيء أنه يكفي
من الحياة قدر ما يبقى في المذبوح (و) حل الذبح (بكل ما أفرى الأوداج) أراد
بالأوداج كل الأربعة تغليباً (وأنهر الدم) أي أساله (ولو) بنار أو (بليطة) أي قشر
قصب (أو مروة) هي حجر أبيض كالسكين يذبح بها (إلا سناً وظفراً قائمين، ولو كانا
منزوعين حل) عندنا (مع الكراهة) لما فيه من الضرر بالحيوان كذبحه بشفرة كليلة.
(وندب إحداد شفرته قبل الإضجاع، وكره بعده كالجر برجلها إلى المذبح
وذبحها من قفاها) إن بقيت حية حتى تقطع العروق وإلا لم تحل لموتها بلا ذكاة
والأول قول الإمام. وعند أبي يوسف يشترط قطع الأولين وأحد الودجين، وكان قوله
قول الإمام. وعن أبي يوسف رواية ثالثة، وهي اشتراط قطع الحلقوم مع آخرين. ذكره
الإتقاني وغيره قوله: (وصحح البزازي الخ) عبارته: أصح الأجوبة في الأكثر عنه: إذا
قطع الحلقوم والمريء والأكثر من كل ودجين يؤكل وما لا فلا اهـ. ويظهر من كلام غيره
أن الضمير في عنه راجع للإمام محمد، فتأمل قوله: (وسيجيء) أي قبيل قوله ذبح شاة.
وفي المنح عن الجوهرة والينابيع: إذا مرضت الشاة ولم يبق فيها من الحياة إلا مقدار ما
يعيش المذبوح، فعندهما لا تحل بالذكاة، والمختار أن كل شيء ذبح وهو حيّ أكل، وعليه
الفتوى لقوله تعالى: ﴿إِلَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] من غير تفصيل قوله: (بكل) متعلق
بقطع قوله: (أراد بالأوداج الخ) يشير إلى أنه ليس المراد خصوص الودجين والجمع لما فوق
الواحد، بل المراد الأربعة تغليباً: أي بكل آلة تقطعها، ولا يخفى أن وصف الآلة بذلك
لا يفيد اشتراط قطع الأربعة للحل حتى ينافي ما مر، فافهم قوله: (ولو بنار) قال في الدر
المنتقى: وهل تحل بالنار على المذبح؟ قولان، الأشبه لا كما في القهستاني عن الزاهدي.
قلت: لكن صرحوا في الجنايات بأن النار عمد وبها تحل الذبيحة، لكن في المنح عن
الكفاية: إن سال بها الدم تحل وإن تجمد لا اهـ. فليحفظ وليكن التوفيق اهـ قوله: (أو
بليطة) بكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف: هي قشر القصب اللازق والجمع ليط اهـ.
ط عن الحموي قوله: (أو مروة) صححها بعض شراح الوقاية بكسر الميم ولم نجده في
المعتبرات من اللغات، وقد أوردها صاحب الدستور في الميم المفتوحة كذا قاله أخي زاده.
منح قوله: (مع الكراهة) أي كراهة الذبح بها، وأما أكل الذبيح بها لا بأس به كما في
العناية والاختيار. شرنبلالية قوله: (بشفرة) بفتح الشين. ح عن جامع اللغة. وفي
القاموس أنها السكين العظيم، وما عرض من الحديد وحدّ وجمعه شفار قوله: (وندب الخ)
للأمر به في الحديث، ولأنها تعرف ما يراد بها كما جاء في الخبر ((أبهمت البهائم إلا عن
أربعة: خالقها، ورازقها، وحتفها، وسفادها)) شرنبلالية عن المبسوط قوله: (إن بقيت حية
الخ) قال الفقيه أبو بكر الأعمش: وهذا إنما يستقيم أن لو كانت تعيش قبل قطع العروق

٤٢٧
كتاب الذبائح
(والنخع) بفتح فسكون: بلوغ السكين النخاع، وهو عرق أبيض في جوف عظم
الرقبة .
(و) كره كل تعذيب بلا فائدة مثل (قطع الرأس والسلخ قبل أن تبرد) أي
تسكن عن الاضطراب وهو تفسير باللازم كما لا يخفى (و) كره (ترك التوجه إلى
القبلة) لمخالفته السنة.
(وشرط كون الذابح مسلماً حلالاً خارج الحرم إن كان صيداً) فصيد الحرم لا
تحله الذكاة في الحرم مطلقاً
بأكثر مما يعيش المذبوح حتى تحل بقطع العروق ليكون الموت مضافاً إليه، وإلا فلا تحل لأنه
يحصل الموت مضافاً إلى الفعل السابق. إتقاني. لكن رأيت بهامشه، قال الحاكم الشهيد:
هذا التفصيل يصح فيما إذا قطعه بدفعتين، فلو بدفعة فلا حاجة إليه كما قلنا في الديات:
لو شجه موضحتين بضربة ففيه أرش وبضربتين أرشان اهـ.
أقول: وهو الذي يظهر لمن تدبر، ولذا لم يذكر جمهور الشراح هذا التفصيل قوله:
(والنخع) بالنون والخاء المعجمة والعين المهملة قوله: (بلوغ السكين النخاع) المناسب إبلاغ
السكين اهـ ح. وقيل النخع: أن يمد رأسه حتى يظهر مذبحه، وقيل أن یکسر عنقه قبل
أن يسكن عن الاضطراب، فإن الكل مكروه لما فيه من تعذيب حيوان بلا فائدة. هداية.
وذكر الزمخشري أن الأخير هو البخع بالباء دون النون، وصوّبه المطرزي وغيره، إلا أن
الكواشي رده بأن البخاع بالباء لم يوجد في اللغة. وقال ابن الأثير: طالما بحثت عنه في
كتب اللغة والطب والتشريح فلم أجده، فمجرد منع الفاضل التفتازاني لذلك ليس بشيء.
قهستاني. والنخاع بالنون قال في العناية: بالفتح والكسر والضم لغة قوله: (وكره الخ)
هذا هو الأصل الجامع في إفادة معنى الكراهة. عناية قوله: (أي تسكن عن الاضطراب)
كذا فسره في الهداية قوله: (وهو تفسیر باللازم) لأنه يلزم من برودتها سکوتها بلا عكس
قوله: (لمخالفته السنة) أي المؤكدة لأنه توارثه الناس فيكره تركه بلا عذر. إتقاني قوله:
(إن كان صيداً) قيد لقوله حلالاً، وقوله خارج الحرم، واحترز به عن ذبح الشاة ونحوها
فتحل من محرم وغيره ولو في الحرم قوله: (فصيد الحرم لا تحله الذكاة في الحرم مطلقاً) أي
سواء كان المذكى حلالاً أو محرماً، كما أن المحرم لا يحل الصيد بذكاته في الحل أو الحرم،
وتقييده بقوله ((في الحرم)» بفيد أن الحلال لو أخرج إلى الحرم وذبحه فيه يحل. قال ط:
والظاهر خلافه اهـ.
أقول: يؤيده إطلاق الإتقاني حيث قال: وكذا صيد الحرم لا تحل ذبيحته أصلاً لا
للمحرم ولا للحلال، ويؤيده أيضاً قول الهداية: لأن الذكاة فعل مشروع، وهذا الصنيع

٤٢٨
كتاب الذبائح
(أو كتابياً ذمياً وحربياً)
محرم فلم يكن ذكاة قوله: (ذمياً أو حربياً) وكذا عربياً أو تغلبياً(١)، لأن الشرط قيام الملة.
هداية. وكذا الصابئة لأنهم يقرون بعيسى عليه السلام. قهستاني.
وفي البدائع: كتابهم الزبور ولعلهم فرق، وقدم الشارح في الجزية أن السامرة تدخل
في اليهود لأنهم يدينون بشريعة موسى عليه السلام، ويدخل في النصارى الإفرنج
(١) إذا ذبح الكتابي على اسم المسيح أو عزير وسمع ذلك منه فقد اختلف الفقهاء في حكم ذبيحته بالنسبة
للمسلم. فذهب ابن عمر وعلي والنخعي والشافعي وحماد وإسحاق وأبو حنيفة وصاحباه وأحمد في رواية إلى
القول بعدم حلها. وذهب عطاء ومجاهد ومكحول والحسن والشعبي وابن المسيب والأوزاعي والليث وأشهب
من المالكية، وأحمد في رواية إلى القول بالحل؛ وقد نقل في المدونة عن مالك القول بالكراهة من غير حرمة،
واستدل القائلون بالتحریم:
أولاً بقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ وقوله ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير
وما أهل لغير الله به﴾ دلت الآيتان على النهي عن الأكل مما ذبح على اسم غير الله، وذكر عليه اسم غير اسمه
تعالى، والنهي يفيد التحريم، وحرمت به الآية الثانية، والكتابي إذا ذبح وذكر اسم المسيح أو عزير على ذبيحته
تحقق في اللبيحة ما نهى فتكون حراماً. ونوقش: بأن الله تعالى أباح طعام أهل الكتاب مع علمه بما يقولون.
وما يسمون على ذبيحتهم من المسيح أو عزير. وأجيب. بأن إباحة طعامهم مشروطة بعدم الإهلال لغير الله
على ذبائحهم، أما إذا أهلوا فلا تحل؛ لأن الواجب العمل بمجموع الآيتين فكأنه سبحانه قال: ﴿وطعام الذين
أوتوا الكتاب حل لكم﴾ ما لم يهلوا به لغير الله فإنه قيل: إن الكتابي إذا أهل باسم الله أراد به معتقده من
التثليث أو الابنية، وإذا كانت إرادته ذلك في نفسه غير مانعة من حل ذبيحته ينبغي أن يكون الحكم كذلك
عند إظهار ما يضمره. أجيب: بأن الأحكام تجري على الظاهر؛ لأن التكليف به. وإذا كان الإهلال هو إظهار
القول، فإذا أظهر الكتابي غير اسمه تعالى لم تحل ذبيحته، وإذا أظهر اسم الله فغير جائر. حمله على اسم المسيح
لأن حكم الأسماء أن تكون محمولة على حقائقها، ولا تحمل على ما لا يقع الاسم عليه ولا يستحقه، ومع
ذلك لا يمتنع أن تكون العبارة علينا في اعتبار إظهار الاسم دون الضمير، ألا ترى أن من أظهر القول
بالتوحيد وتصديق الرسول عليه السلام كان حكمه حكم المسلمين مع جواز اعتقاده التشبيه المضاد للتوحيد؟!
وكذلك قوله عليه السلام: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم
وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله)) وقد أعلمه الله أن في القوم منافقين يعتقدون خلاف ما يظهرون، ومع
هذا لم يجرهم مجرى سائر المشركين، بل حكم لهم فيما يعاملون به من أحكام الدنيا بحكم سائر المسلمين تبعاً
لظاهر أمورهم دون باطنها واستدلوا ثانياً. بما روى عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة أن علياً قال: إذا
سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا)) ومعنى ذلك أن ما صيح عند ذبحه باسم غير اسم الله
تعالى يكون حراماً أكله، وحيث إن اليهود والنصارى يصيحون على ذبيحتهم باسم المسيح أو عزير فلا تحل
ذبائحهم حينذاك. واستدل القائلون بالحل: بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ وجه الدلالة
أن الآية مفیدة حل طعام أهل الكتاب، ومن طعامهم ذبائحهم، فتکون حلالاً من غیر اعتبار للتسمية عليها،
يؤيده قول عطاء كل من ذبيحة النصراني وإن قال باسم المسيح؛ لأن الله قد أباح لنا ذبائحهم، وقد علم ما
يقولون. ورد: بأنه لا حجة فيه؛ لأن سبحانه هو الذي أباح لنا ذبائحهم، وحرم علينا ما أهل لغير الله به،
فيجب أن يكون حكم الحل مراعى فيه حكم الآية الأخرى بمعنى أن ذبيحتهم تخل بشرط عدم الإهلال عليها
باسم غير اسمه تعالى، وإلا لكان الخنزير حلالاً أكله بعموم حل طعامهم، فلما حرم الخنزير حرم ما أهل به
لغير الله؛ لأن الآية المجرمة واحدة. هذا ومما تقدم يتبين لنا رجحان مذهب القائلين بتحريم ذبيحة الكتابي عند
إهلاله عليها باسم المسيح أو عزير أو نحوه . وتنوعت آراء الفقهاء في ذبيحة الكتابي إذا ذبحها لكنيسة هل =

1
٤٢٩
کتاب الذبائح
= تحل للمسلم أو لا؟! فذهب الشافعي وأحمد إلى القول بتحريمها عليه، وذهب جمهور الفقهاء الحنفية
والثوري والنخعي وحماد وإسحاق ومالك في رواية ابن القاسم، وأحمد في رواية إلى القول بالكراهة، وذهب
مالك في رواية أشهب ومكحول والليث بن سعد إلى القول بحلها له أما حجة القائلين بالتحريم. فهي أن
الذبح للكنيسة ونحوها فيه نوع عبادة منزل منزلة السجود لغير الله الذي هو خصوص به سبحانه، فكان الذبح
لها فعلًا محظوراً محرماً، فيحرم ما ترتب عليه وهو الأكل للمسلم. ونوقش: بأن الذبح للكنيسة محمول على
التبرك بها فلا يكون كالسجود لأنه عبادة لغير الله، والفرق بين التبرك والعبادة واضح. واستدل القائلون
بالحل :· بعموم قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ قالوا: لم تخصص الآية الحل بذبيحة
دون أخری، وحیث کان ما ذبحوا لکنائسهم من طعامهم؛ لأنهم يأكلونه کان حلالًا للمسلمين. وأجيب
عنه: بأن الآية مخصصة غير باقية على عمومها، وإلا لحل الخنزير وما أهل لغير الله به، وليس كذلك أو نقول
إن الآية محمولة على ما ذبحوه من غير تعظيم لغير الله. واستدل القائلون بالكرامة: بأن مثل هذه الذبيحة لها
جهتان جهة حل وجهة حرمة، فجهة الحرمة نظراً لكونها أهل عليها لغير الله فصارت فسقاً، وجهة الحل
لعموم الآية التي وردت بحل طعامهم، أو يحمل ما أهل لغير الله به على ما ذبحوه لآلهتهم مما لا يأكلون،
وحيث كانت كذلك وتردد فيها المعنيان ناسب هذا القول بالكراهة توسطاً بين الحالين. ورد: بأن الأطعمة مما
يحتاط فيها فيقدم فيها الحاظر على المبيح هذه أدلة الأقوال في المسألة نرى أن أولاها بالقبول هو القول
بالتحريم، لكن ينبغي أن يقيد بكون الذبح للكنيسة إنما يكون حراماً أكله إذا قصد به التعظيم والعبادة، فأما
إذا أريد به الثواب والبركة تحل الذبيحة مع الكراهة والله أعلم. وقد تنوعت آراء الفقهاء في حكم أكل المسلم
من ذبيحة الكتابي المحرمة عليه فذهب الجمهور من الفقهاء أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى القول بأنها تحل
للمسلم مطلقاً، وقال مجاهد والضحاك وأشهب وابن القاسم من المالكية: يحل للمسلم هو حلال للكتابي من
الذبيحة، وعليه تكون الشحوم محرمة على المسلم. استدل القائلون بعدم الحل: أولاً بقوله تعالى: ﴿وطعام
الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ وجه الدلالة أن الله تعالى إنما أباح للمسلمين ما كان طعاماً لأهل الكتاب، وما
هو نحرم عليهم في ذبائحهم ليس من طعامهم فلا يحل للمسلمين. ونوقش: بأن الآية حجة في الحل؛ لأن
معنى الطعام في الآية هو ما ذبحوه لا ما أكلوه؛ لأنهم يأكلون الخنزير والميتة والدم، ومع ذلك لا يحل لنا
شيء من ذلك، وعليه فمعنى الآية: ((أن انظروا إلى ما أحل لكم في شريعتكم، فإن أطعمكموه فكلوه، ولا
تنظروا إلى ما كان محرماً عليهم، فإن لحوم الإبل ونحوها كانت محرمة عليهم ثم نسخ ذلك في شريعتنا، فالآية
بيان لنا لا لهم، أي اعلموا أن ما كان محرماً عليهم مما هو حلال لكم قد أحل لكم أيضاً، ولذلك لو أطعمونا
خنزيراً ونحوه، وقالوا هو حلال في شريعتنا وقد أباح الله لكم طعامنا كذيناهم، وقلنا لهم: إن الطعام الذي
يحل لكم هو الذي يحل لنا لا غيره. واستدلوا ثانياً :. بأن الشحم ونحوه مما هو نحرم عليهم غير مباح
لذابحها، فلا يكون مباحاً لغيره؛ ولأنها ذكاة يعتقد مباشرها تحريم بعضها وتحليل بعضها، فوجب أن يستباح
منها ما يعتقد الذابح تحليله دون ما يعتقد تحريمه كالمسلم يعتقد استباحة اللحم دون الدم، وحيث كانت الذكاة
تفتقد إلى نية وقصد، ولا تصح نيتهم فيما هو محرم عليهم فلا يستباح بالذكاة عندهم فلا يحل لنا. ونوقش.
بأن ما ذكر منقوض بما ذبحه الغاصب، فإنه حرام على ذابحه لمكان غصبه حلال لغيره لكونه ذبيحة مسلم
استوفت شرائط الذبح فتحققت حرمته على الذابح وحله لغيره. ولأنه لو كان يجرم علينا إذا ذبحوه لأنفسهم
من أهل دينهم لحرم علينا إذا ذبحوه لنا؛ ولأنه لو كان يجرم علينا بسبب أنه ليس من طعامهم وإنما يحمل لنا
طعامهم، وكان الحلال لنا ما استحلوه من المحرمات علينا، وما عدوه لهم طعاماً؛ إذا هو من طعامهم الحلال
عندهم، وليس كذلك. واستدل الجمهور على القول بالحل: بالمنقول والمعقول: أما المنقول: فما رواه
الصحيحان عن عبد الله بن مغفل قال: أصبت جراباً من شحم يوم خيبر قال: فالتزمته، وقلت: لا أعطي
اليوم أحداً من هذا شيئاً. قال: فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مبتسماً واللفظ للمسلم. وجه
الدلالة: أن تبسمه عليه الصلاة والسلام كان لما رأى من شدة حرص ابن مغفل على أخذ الجراب، ومن ضنه
على غيره بشيء منه، فلو كان حراماً لنهاء الرسول عن استعماله وطرحه وعدم الانتفاع به، فترك الرسول =

٤٣٠
كتاب الذبائح
إلا إذا سمع منه عند الذبح ذكر المسيح (فنحل ذبيحتهما، ولو) الذابح (مجنوناً أو
امرأة أو صبياً يعقل التسمية والذبح) ويقدر
والأرمن. سائحاني. وفي الحامدية: وهل يشترط في اليهودي أن يكون إسرائيلياً وفي
النصراني أن لا يعتقد أن المسيح إله؟ مقتضى إطلاق الهداية وغيرها عدمه، وبه أفتى الجد
في الإسرائيلي، وشرط في المستصفى لحل مناكحتهم عدم اعتقاد النصراني ذلك. وفي
المبسوط: ويجب أن لا يأكلوا ذبائح أهل الكتاب إن اعتقدوا أن المسيح إله وأن عزيراً إله،
ولا يتزوجوا بنسائهم، لكن في مبسوط شمس الأئمة: وتحل ذبيحة النصارى مطلقاً سواء
قال ثالث ثلاثة أو لا، ومتضى الدلائل الجواز كما ذكره التمرتاشي في فتاواه، والأولى أن
لا يأكل ذبيحتهم ولا يتزوج منهم إلا للضرورة كما حققه الكمال ابن الهمام اهـ . .
وفي المعراج أن اشتراط ما ذكر في النصارى مخالف لعامة الروايات قوله: (إلا إذا
سمع منه عند الذبح ذكر المسيح) فلو سمع منه ذكر الله تعالى لكنه عنى به المسيح قالوا
يؤكل، إلا إذا نص فقال باسم الله الذي هو ثالث ثلاثة. هندية. وأفاد أنه يؤكل إذا جاء
به مذبوحاً. عناية. كما إذا ذبح بالحضور وذكر اسم الله تعالى وحده قوله: (ولو الذابح
مجنوناً) كذا في الهداية، والمراد به المعتوه كما في العناية عن النهاية لأن المجنون لا قصد له
ولا نية، لأن التسمية شرط بالنص وهي بالقصد وصحة القصد بما ذكرنا: يعني قوله إذا
كان يعقل التسمية والذبيحة ويضبط اهـ. ولذا قال في الجوهرة: لا تؤكل ذبيحة الصبي
الذي لا يعقل والمجنون والسكران الذي لا يعقل اهـ. شرنبلالية، لكن في التبيين: لو
سمى ولم تحضره النية صح اهـ. فيفيد أنه لا حاجة إلى التأويل كذا قيل، وفيه نظر لقول
الزيلعي بعده لأن ظاهر حاله يدل على أنه قصد التسمية على الذبيحة اهـ. فإن المجنون
المستغرق لا قصد له، فتدبر قوله: (يعقل التسمية الخ) زاد في الهداية: ويضبط، وهما قيد
لكل المعطوفات السابقة واللاحقة، إذ الاشتراك أصل في القيود، كما تقرر. قهستاني.
فالضمير فيه للذابح المذكور في قوله وشرط كون الذابح لا للصبي كما وهم.
واختلف في معناه، ففي العناية قيل: يعني يعقل لفظ التسمية، وقيل يعقل أن حل
الذبيحة بالتسمية ويقدر على الذبح ويضبط: أي يعلم شرائط الذبح من فرى الأوداج
والحلقوم اهـ.
= له دليل حله، ولا شك أن شحومهم محرمة عليهم، ومستخرجة من ذبيحتهم. وأما المعقول: فهو أن ذكاة
أهل الكتاب كذكاة المسلمين، والمسلم ذكاته تحلّ كل أجزاء الذبيحة فكذلك الكتابي، لأن تحريم ما هو محرم
عليهم كان في شريعتهم، وقد رفع بالإسلام واعتقادهم غير مؤثر؛ لأنه اعتقاد فاسد. انظر البدائع ٤٦/٥،
مغني ابن قدامة حـ ١١ ص ٥٦، كشاف القناع جـ ٤ ص ١٢٥، الأم للشافعي ٢/ ٢٠٥ المحلى ٤١١/٧
الخطاب جـ ٣ ص ٢٠٧ ص ٢١٢، تفسير روح المعاني جـ ٦ ص ٥٨، تفسير القرطبي ٧٦/٦.

٤٣١
کتاب الذبائح
(أو أقلف أو أخرس لا) تحل (ذبيحة) غير كتابي من (وثني ومجوسي(١) ومرتد)
ونقل أبو السعود عن مناهي الشرنبلالية أن الأول الذي ينبغي العمل به، لأن
التسمية شرط فيشترط حصوله لا تحصيله، فلا يتوقف الحل على علم الصبي أن الذبيحة
إنما تحل بالتسمية اهـ. وهكذا ظهر لي قبل أن أراه مسطوراً، ويؤيده ما في الحقائق
والبزازية: لو ترك التسمية ذاكراً لها غير عالم بشرطيتها فهو في معنى الناسي اهـ قوله: (أو
أقلف) هو الذي لم يختن وكذا الأغلف. وذكره احترازاً عما روي عن ابن عباس رضي
الله عنهما أنه كان يكره ذبيحته. إتقاني قوله: (أو أخرس) مسلماً أو كتابياً، لأن عجزه
عن التسمية لا يمنع صحة ذكاته كصلاته. إتقاني قوله: (لا تحل ذبيحة غير كتابي) وكذا
الدروز كما صرح به الحصني من الشافعية، حتى قال: لا تحل القريشة المعمولة من
ذبائحهم وقواعدنا توافقه، إذ ليس لهم كتاب منزل ولا يؤمنون بنبيّ مرسل. والكتابي من
يؤمن بنبيّ ويقرّ بکتاب. رملي.
أقول :. وفي بلاد الدروز كثير من النصارى، فإذا جيء بالقريشة أو الجبن من بلادهم
لا يحكم بعدم الحل ما لم يعلم أنها معمولة بأنفحة ذبيحة درزي، وإلا فقد تعمل بغير
أنفحة، وقد يذبح الذبيحة نصراني. تأمل. وسيأتي عن المصنف آخر كتاب الصيد أن
العلم يكون الذابح أهلاً للذكاة ليس بشرط، ويأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى قوله:
(١) أكثر أهل العلم على تحريم ذبيحة المجوسي على المسلم، وذهب أبو ثور وقتادة وابن حزم إلى القول بحلها.
أدلة القائلين بالحل: أولًا قوله صلى الله عليه وسلم: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) ((ووجه الدلالة)) أن المجوس
یعاملون معاملة أهل الكتاب، فتكون ذبائحهم مثلهم، وذبائح الکتابیین حلال فكذلك المجوس. ونوقش
الحديث: بأنه مروي بلفظ «سنوا بهم سنة أهل الكتاب غیر ناکجي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم) ومع هذه الزيادة
المفيدة للتحريم لا دلالة للحديث على الحل. واستدلوا ثانياً: بما روى قتادة عن سعيد بن المسيب. سئل عن
رجل مريض أمر مجوسياً أن يذبح ويسمي ففعل ذلك فقال سعيد بن المسيب: لا بأس بذلك. وفي رواية
أخرى عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا كان المسلم مريضاً وأمر مجوسياً أن يذبح أجزأه، وقد أساءونوقش:
بأن هذا قول مخالف للإجماع فلا عبرة به. قال إبراهيم الحربي خرق أبو ثور الإجماع، وقال: أحمد ها هنا قوم
لا يرون بذبائح المجوس بأساً ما أعجب هذا يعرّض بأبي ثور، وقال أحمد ولا أعلم أحداً قال بخلافة إلا أن
يكون صاحب بدعة. واستدلوا ثالثاً: بأن المجوس يقرون بالجزية كأهل الكتاب، فتكون ذبيحتهم حلالاً مثلهم
حیث لا فرق. ونوقش: بأن الجزية أخذت منهم بالنص حقناً لدمائهم وهي ضرورة، ولا ضرورة، في حل
ذبائحهم، على أن النص الوارد بأخذ الجزية منهم وارد بتحريم ذبائحهم. واحتج الجمهور : .
أولًا: بقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ مفهومه تحريم طعام غيرهم من الكفار، لأن
المجوسي لا كتاب له، فلا تحل أطعمته ولا ذبائحه.
وثانياً: بما رواه الإمام أحمد بإسناده عن قيس بن سكن الأسدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسل((إنكم نزلتم بناس من النبط، فإذا اشتريتم لحماً فإن كان يهودي أو نصراني فكلوا، وإن كانت ذبيحة
مجوسي فلا تأكلوا)). فهذا الحديث يدل على منازعة الإمام وعدم طاعته إذا عصى الله ورسوله. انظر مغني ابن
قدامة حـ ١١ ص ٤٨ المحلى لابن حزم حـ ٧ ص ٤٥٦، بدائع حـ ٥ ص ٤٥ الحطاب حـ ٣، ص ٢٠٧
الزيلعي حـ ٥ ص ٢٨٧.

٤٣٢
كتاب الذبائح
وجني وجبري لو أبوه سنياً ولو أبوه جبرياً حلت أشباه،
(وجنى) لما في الملتقط ((نَى رَسُولُ اللهِل ◌َ﴿ عَنْ ذَبَائِح الجِنِّ))(١) أشباه. والظاهر أن ذلك محله
ما لم يتصوّر بصورة الآدمي ويذبح، وإلا فتحل نظراً إلى ظاهر الصورة ويحرر اهط قوله:
(وجبري الخ) الظاهر أن صاحب الأشباه أخذه من القنية، ونص عبارتها بعد أن رقم لبعض
المشايخ: وعن أبي عليّ أنه تحل ذبيحة المجبرة إن كان آباؤهم مجبرة فإنهم كأهل الذمة، وإن
كان آباؤهم من أهل العدل لم تحل لأنهم بمنزلة المرتدين اهـ. ومراده بأبي عليّ الجبائي رئيس
أهل الاعتزال، وبالمجبرة أهل السنة والجماعة، فإنهم يسمون أهل السنة بذلك كما يفصح
عنه كلام البيهقي الجشمي منهم في تفسيره، والمراد بأهل العدل أنفسهم كما علم ذلك في
علم الكلام، فقد غير صاحب الأشباه المجبرة بالجبرية اهـ. منح.
أقول: وأيضاً غير أهل العدل بالسني، فإن المعتزلة لم يتسموا بأهل السنة بل بأهل
العدل لقولهم بوجوب الصلاح والأصلح على الله تعالى، وأنه تعالى لا يخلق الشرّ لزعمهم
الفاسد أن خلاف ذلك ظلم، تعالى الله عما لا يليق به علوّاً كبيراً، لكن تغييره المجبرة
بالجبرية لا ضرورة فيه، لما في تعريفات السيد الشريف: الجبر إسناد فعل العبد إلى الله
تعالى. والجبرية اثنتان: متوسطة تثبت للعبد كسباً في الفعل كالأشعرية، وخالصة لا تثبته
كالجهمية اهـ. فالجبرية يطلق عليهما، لكن الجبرية الخالصة يقولون إن العبد بمنزلة
الجمادات، وأن الله تعالى لا يعلم الشيء قبل وقوعه، وأن علمه حادث لا في محل، وأنه
سبحانه لا يتصف بما يوصف به غيره كالعلم والقدرة، وأن الجنة والنار يفنيان. ووافقوا
للمعتزلة في نفي الرؤية وخلق الكلام كما في المواقف.
والحاصل: أنه إن أريد بالجبري من هو من أهل السنة والجماعة وأن ذبيحته لا تحل
لو أبوه من أهل العدل كما في القنية، فهذا الفرع مخرج على عقائد المعتزلة الفاسدة، وعلى
تكفيرهم أهل السنة والجماعة لقولهم بإثبات صفات قديمة له تعالى، فإن المعتزلة قالوا:
إن النصارى کفرت بإثبات قدیمین فكيف بإثبات قدماء كثيرة؟ وردّ ذلك موضح في علم
الكلام وإن كان المراد به الجهمية، وأن ذبيحة الجهمي لا تحل لو أبوه سنياً لأنه مرتدّ، فهو
مبني على القول بتكفير أهل الأهواء. والراجح عند أكثر الفقهاء والمتكلمين خلافه، وأنهم
فساق عصاة ضلال ويصلي خلفهم وعليهم ويحكم بتوارثهم مع المسلمين منا. قال المحقق
ابن الهمام في شرح الهداية: نعم یقع في کلام أهل المذاهب تکفیر کثیر منھم، ولکن لیس
من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون بل من غيرهم، ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن
المجتهدین عدم تکفیرهم اهـ.
(١) موضوع أخرجه الطحاوي في معاني الآثار ٥٣/١ والهروي ٢٢١/٢ واللآلىء المصنوعة ٢٢٦/٢ وعلته عمر
ابن هارون متفق على تضعيفه بل كذاب كما قال فيه ابن معين.
1

٤٣٣
کتاب الذبائح
لأنه صار كمرتد. قنية. بخلاف يهودي أو مجوسي تنصر لأنه يقرّ على ما انتقل إليه
عندنا فیعتبر ذلك عند الذبح، حتى لو تمجس یهودي لا تحل ذکاته، والمتولد بين
مشرك وكتابي ككتابي لأنه أخف (وتارك تسمية عمداً)
فإذا علمت ذلك ظهر لك أن هذا الفرع إن كان مبنياً على عقائد المعتزلة فهو باطل
بلا شبهة وإن كان مبنياً على عقائدنا، وصاحب الأشباه قاسه على تفريع المعتزلة فإنهم
فرضوه فينا وهو فرضه في أمثالهم بقرينة قوله لو سنياً فهو مبني على خلاف الراجح، وما
كان ينبغي ذكره ولا التعويل عليه، وكيف ينبغي القول بعدم حل ذبيحته مع قولنا بحل
ذبيحة اليهودي والنصارى القائلين بالتثليث، وانتقاله عن مذهب أبيه السني إلى مذهب
الجبرية لم يخرجه عن دين الإسلام لأنه مصدّق بنبيّ مرسل وبكتاب منزل، ولم ينتقل إلا
بدليل من الكتاب العزيز وإن كان مخطئاً فيه، فكيف يكون أدنى حالاً من النصراني المثلث
بلا شبهة دليل أصلاً، بل هو مخالف في ذلك لرسوله وكتابه لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا
قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنْه لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٥] ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّ لِيَعْبُدُوا
اللَّهِ مْخِلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وغير ذلك، والحمد لله على التوفیق قوله: (لأنه صار
كمرتد) علة لعدم الحل قوله: (بخلاف يهودي الخ) مرتبط بقوله ((ومرتد)) وقوله ((لأنه يقرّ
الخ)) هو الفرق بينهما، فإن المسلم إذا انتقل إلى أيّ دين كان لا يقرّ عليه قوله: (فيعتبر
ذلك) أي ما انتقل إليه دون ما كان عليه، وهذه قاعدة كلية قوله: (لأنه أخف) لما مر في
النكاح أن الولد يتبع أخفّ الأبوين ضرراً. ولا شبهة أن من يؤمن بكتاب وإن نسخ
أخفّ من مشرك يعبد الأوثان، إذ لا شبهة له يلتجىء إليها في المحاجة، بخلاف الأول
فإنه كان له دين حق قبل نسخه قوله: (وتارك تسمية عمداً) بالجر عطفاً على ((وثني)) أي
ولا تحل ذبيحة من تعمد ترك التسمية مسلماً ألا كتابياً لنص القرآن ولانعقاد الإجماع ممن
قبل الشافعي على ذلك، وإنما الخلاف كان في الناسي(١) ولذا قالوا: لا يسمع فيه
الاجتهاد، ولو قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ، وقوله وَله: ((المُسْلِمُ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ
الله سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ) محمول على حالة النسيان دفعاً للتعارض بينه وبين قوله عليه الصلاة
والسلام حين سأله عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه عما إذا وجد مع كلبه كلباً آخر ((لا
(١) لا يخلو حال الكافر من أن يكون كتابياً أو وثنياً، فإن كان وثنياً فذبحه حرام اتفاقاً لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا
مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ فإن الوثني لا يذكر على ذبيحته إلا اسم الإله الذي يعبده من دون الله. وإن كان .
كتابياً فإن علم أنه سمى عليها اسم الله أو لم يعلم شيء فذبيحته حلال للمسلم، قال بذلك جمهور الفقهاء
حتی لقد نقل البعض إجماعاً على ذلك إلا أنا قد عثرنا على خلاف للشيعة، وإن کان خلافهم لا يعتد به لكن
نورد هنا استدلالهم على ما ذهبوا إليه من تحريم ذبيحة الكتابي نقل البهائي وهو من الإمامية صنف رسالة في
ذبيحة أهل الكتاب لهم أدلة على مذهبهم من الكتاب والآثار والإجماع. أما الكتاب. فقوله تعالى: ﴿ولا
تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ وجه الدلالة: أن أهل الكتاب لا يذكرون اسم الله على =

٤٣٤
كتاب الذبائح
خلافاً للشافعي (فإن تركها ناسياً حل)
تأكل، إنما سميت على كلبك ولم تسمّ على كلب غيرك)) علل الحرمة بترك التسمية، وتمام
المباحث في الهداية وشروحها، وعلى هذا الخلاف إذا ترك التسمية عند إرسال البازي
والكلب وعند الرمي. هداية قوله: (خلافاً للشافعي) يوجد بعده في بعض النسخ: وهو
مخالف للإجماع قبله كما بسطه الزيلعي قوله: (فإن تركها ناسياً حل) قدمتا عن الحقائق
والبزازية أن في معنى الناسي من تركها جهلاً بشرطيتها. واستشكل بما في البزازية
وغيرها: لو سمى وذبح بها واحدة ثم ذبح أخرى وظن أن الواحدة تكفي لها لا تحل.
أقول: يمكن أن يفرق بين غير العالم بالشرطية أصلاً وبين العالم بها بالجملة، فيعذر
= ذبائحهم، فتكون محرمة الأكل بنص الكتاب. وعلى فرض أن النصراني أو اليهودي يتلفظ باسم الله تعالى
عند الذبح فمقصوده الإله الذي يعبده، ويعظمه، ويدعي أنه أبو المسيح أو عزير، فوجود هذا اللفظ منه
كعدمه، وقالوا: إن تأويل ما لم يذكر اسم الله عليه بالميتة ظاهر البعد، وأبعد منه تأويله بما ذكر عليه اسم غير
الله. وأجيب عن هذا الدليل بوجهين: الوجه الأول: أن الموصول في قوله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله
عليه﴾ محمول على الميتة روى ذلك ابن عباس، ويدل عليه قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وإن الشياطين ليوحون
إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ فقد روي في تفسيرها أن الكفار كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنکم
تعبدون الله فما قتل الله أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم. ووجه التأييد أنهم أرادوا بما قتل الله ما مات حتف
أنفه، فينبغي حمل الموصول في صدر الآية على ذلك أيضاً ليتلاءم أجزاء الكلام ويخرج عن التناقض. الوجه
الثاني: تأويل الصلة بما ذكر اسم الله يدل له قوله تعالى: ﴿وإنه لفسق﴾ وقد وصف الله الفسق بما لم يذكر
اسم الله عليه حيث قال: ﴿قل لا أجد فيما أوصي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً
مسفرحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به﴾ فوصف سبحانه الفسق بما أهل لغير الله به في
هذه الآية قرينة ظاهرة على أن المراد به في تلك الآية هذا المعنى لا غير. قال الإمام الشافعي: فأول الآية وإن
كان عاماً بحسب الصيغة إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة علمنا أن المراد من ذلك العموم ومن
هذا الخصوص بل لقد حمل الشافعية قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ على الكراهة التنزيهية
جمعاً بين الأدلة. واستدل الشيعة ثانياً: بروايات رووها عن أئمة البيت منها ما روي عن جعفر الصادق أنه
قال عند جریان ذکر أهل الكتاب: لا تأكلوا ذبائحهم واستدلوا بإجماع جمهورهم على تحريم ذبائحهم، وقد
عدوا إجماعهم هو الإجماع المعتبر كما هو معروف في مذاهبهم. ورد: ذلك بأن تلك الروايات لا قيمة لها مع
كتاب الله وإجماعهم لا يعتد له. واستدل الجمهور على حل ذبيحتهم: أولًا قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا
الكتاب حل لكم﴾ وجه الدلالة أن الطعام فيها يشمل اللحم وغيره، كذا فسره أهل اللغة كالجوهري وغيره،
فتكون الآية مفيدة حل ذبيحة أهل الكتاب للمسلمين. فإن قيل إن الطعام معناه الحبوب والفواكه ونحوها مما
لا يحتاج إلى تذكية. فالجواب أن الإضافة إلى أهل الكتاب تمنع ذلك، لأن حبوب جميع الكفار وفواكههم
حلال، فلو حمل الطعام على الحبوب لخلا تخصيص أهل الكتاب بالذكر عن الفائدة، فكان الحمل على الذبائح
أولى؛ ولأن مطلق اسم الطعام يقع على الذبائح وعلى غيرها؛ لأنه اسم لما يتطعم به، والذبائح مما يتطعم بها
فيدخل تحت إطلاق اسم الطعام., واستدلوا ثانياً بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت إليه امرأة
يهودية طعاماً فأكل منه، ولو كانت ذبائحهم حراماً لما أقدم على الأكل ولأمرنا بعدم أكل ما ذبحوه. واستدلوا
ثالثاً: بأن الكتاب صاحب ملة توحيد دعوى ومن شرط الذابح ذلك، فتحقق في الكتابي شرط حل الذبيحة
فتحل هذه أدلة الفريقين يتبين لنا منها ضعف أدلة الشيعة وقوة أدلة الجمهور، فترجح لهذا مذهبهم، وهو حل
ذبیحتهم.

٤٣٥
كتاب الذبائح
خلافاً لمالك.
(وإن ذكر مع اسمه) تعالى (غيره، فإن وصل) بلا عطف (كره كقوله بسم الله
اللهم تقبل من فلان) أو مني، ومنه: بسم الله محمد رسول الله بالرفع لعدم العطف
ویکون مبتدئاً، لکن یکره للوصل صورة، ولو بالجر أو النصب حرم درر، قيل
هذا إذا عرف النحو. والأوجه أن لا يعتبر الإعراب، بل يحرم مطلقاً بالعطف لعدم
العرف زيلعي كما أفاده بقوله
الأول دون الثاني لوجود علمه بأصل الشرطية، على أن الشرط في التسمية الفور كما يأتي
ويذبح الأولى انقطع الفور في الثانية مع علمه بالشرطية. تأمل. لكن ذكر في البدائع أنه لم
يجعل ظنه الإجزاء عن الثانية عذراً کالنسيان لأنه من باب الجهل بحكم الشرع وذلك ليس
بعذر، بخلاف النسيان كمن ظن أن الأكل لا يفطر الصائم، فليتأمل قوله: (خلافاً لمالك)
کذا في أکثر کتبنا، إلا أن المذکور في مشاهیر کتب مذهبه أنه یسمي عند الإرسال وعند
الذبح، فإن تركها عامداً لا يؤكل على المشهور، وناسياً يؤكل. غرر الأفكار قوله: (بلا
عطف) أفاد أن المراد بالوصل هنا ترك العاطف بقرينة قوله وإن عطف على خلاف اصطلاح
البيانيين في الوصل والفصل قوله: (كقوله بسم الله اللهم تقبل من فلان) أقول: فلو عطف
هنا ينبغي أن لا يضرّ لما في غاية البيان: لو قال بسم الله صلى الله على محمد يحل، والأولى أن
لا يفعل، ولو قال مع الواو يحل أكله قوله: (ومنه) أي من الوصل بلا عطف قوله: (ولو
بالجر أو النصب حرم) نقله في غاية البيان عن الفتاوى والروضة لأنه يكون بدلاً مما قبله على
اللفظ أو المحل قوله: (قبل هذا) أي التحريم فيما لو وصل مع الجر أو النصب. قال في
النهاية: فيما لو وصل بلا عطف، إن بالرفع يحل وبالخفض لا، كذا في النوازل. وقال
بعضهم: هذا إذا كان يعرف النحو. وقال بعضهم: على قياس ما روي عن محمد أنه لا يرى
الخطأ في النحو معتبراً في الصلاة ونحوها: لا تحرم الذبيحة. كذا في الذخيرة.
وذکر الإمام التمرتاشي أن وصله بلا واو يحل في الأوجه کلها لأنه غير مذکور على
سبيل العطف فيكون مبتدئاً، لكن يكره لوجود الوصل صورة، وإن مع الواو: فإن خفضه
لا يحل لأنه يصير ذابحاً بهما، وإن رفعه يحل لأنه كلام مبتدأ، وإن نصبه اختلفوا فيه اهـ.
ومثله في الكفاية والمعراج، وجزم في البدائع بما قاله التمرتاشي قوله: (والأوجه الخ) عبارة
الزيلعي هكذا: والأوجه أن لا يعتبر الإعراب بل يحرم مطلقاً بالعطف لأن كلام الناس لا
يجري عليه اهـ. قال الشيخ الشلبي في حاشيته: هكذا هو في جميع ما وقفت عليه من النسخ
وهو غير ظاهر، لأن الكلام فيما إذا لم يكن هناك عطف، والظاهر أن يقال: بل لا يحرم
مطلقاً بدون العطف اهـ. وأبو السعود. وأيده ط بما مر آنفاً عن النهاية، وقدمنا أنه جزم
به في البدائع قوله: (كما أفاده بقوله وإن عطف الخ) فإن ظاهره الحرمة مع العطف في حالة

٤٣٦
كتاب الذبائح
(وإن عطف حرمت نحو باسم الله واسم فلان أو فلان) لأنه أهلّ به لغير الله، قال
عليه الصلاة والسلام ((موطنان لا أذكر فيهما: عند العطاس، وعند الذبح)) (فإن
فصل صورة ومعنى كالدعاء قبل الإضجاع، و) الدعاء (قبل التسمية أو بعد الذبح
لا بأس به) لعدم القران أصلاً.
الجر وغیرها حيث أطلق ولم يقل کقول الهداية ومحمد رسول الله بكسر الدال، وكون هذا
مفاد كلام الزيلعي يقتضي أنه حمل كلامه على ظاهره، ويؤيده أن ابن ملك قال في صورة
العطف: قيل ولو رفع يحل. لكن الأوجه إلى آخر ما قدمناه عن الزيلعي ولم يعزه لأحد.
نعم عبارة الزيلعي مفروضة في صورة عدم العطف على ما هو ظاهر فيترجح ادعاء ما مر
عن الشلبي، والله تعالى أعلم قوله: (وإن عطف حرمت) هو الصحيح. وقال ابن سلمة:
لا تصير ميتة لأنها لو صارت ميتة يصير الرجل كافراً. خانية.
قلت: تمنع الملازمة بأن الكفر أمر باطني والحكم به صعب فيفرق، كذا في شرح
المقدسي. شرنبلالية قوله: (أو فلان) في بعض النسخ ((أو وفلان)) بالواو بعد ((أو) وهي
أظهر، والمراد أنه لا فرق في العطف بين تكرار اسم مضاف إلى فلان وعدمه قوله: (لأنه
أهلّ به لغير الله) كذا في الهداية، لأن الإهلال لله تعالى لا يكون إلا بذكر اسمه مجرداً لا
شريك له قوله: (لا أذكر فيهما) يؤخذ من المقام أن هذا النهي للتحريم فإنه بذكره على
الذبيحة تحرم وتصير ميتة على ما تقدم من التفصيل، وهل الحكم كذلك عند العطاس أو
يكون ذكره* عنده خلاف الأولى. يحرر اهـ ط قوله: (فإن فصل) أي بين التسمية
وغيرها، وقوله (صورة ومعنى)) الذي يظهر لي أن الواو فيه بمعنى أو مانعة الخلو، فقوله
((قبل الإضجاع)) مثال للفصل صورة ومعنى وكذا قوله ((أو بعد الذبح)) وقوله ((وقبل
التسمية)) مثال للفصل معنى فقط، فإنه إذا أضجعها ثم دعا وأعقب الدعاء بالتسمية والذبح
لم يحصل الفصل صورة: أي حساً بل معنى: أي تقديراً لأن الواجب تجريد التسمية وقد
حصل، بخلاف ما إذا دعا بعد التسمية قبل الذبح نحو بسم الله اللهم تقبل مني أو اغفر لي
فإنه يكره، لأنه لم يجرّد التسمية كما نقله في الشرنبلالية عن الذخيرة وغيرها. تأمل قوله:
(لا بأس به) أي لا يكره، لما روي عن النبي * أنه قال بعد الذبح: ((اللهم تقبل هذا عن
أمة محمد ممن شهد لك بالوحدانية ولي بالبلاغ))(١) وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن
يذبح قال: ((اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ، إِنَّ صَلَاتٍ وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتٍ لله رَبِّ العَالَمِينَ،
لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ، بِسْمِ الله وَالله أَكْبُرُ، ثُمَّ ذَبَحَ))(٢) وهكذا
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢٨٧/٩.
(٢) البيهقي في السنن ٢٨٧/٩.

٤٣٧
كتاب الذبائح
(والشرط في التسمية هو الذكر الخالص عن شوب الدعاء) وغيره (فلا يحل
بقوله اللهم اغفر لي) لأنه دعاء وسؤال (بخلاف الحمد لله، أو سبحان الله مريداً به
التسمية) فإنه يحل.
(ولو عطس عند الذبح فقال الحمد لله لا يحل في الأصح) لعدم قصد التسمية
(بخلاف الخطبة) حیث یجزئه.
قلت: ينبغي حمله على ما إذا نوى، وإلا لا ليوفق بينه وبين ما مر في الجمعة،
فتأمل.
(والمستحب أن يقول بسم الله الله أكبر بلا واو، وكره بها) لأنه يقطع فور
روي عن عليّ كرم الله وجهه. زيلعي وغيره قوله: (والشرط في التسمية هو الذكر
الخالص) بأيّ اسم كان مقروناً بصفة كالله أكبر أو أجل أو أعظم، أو لا کالله أو الرحمن،
وبالتهليل والتسبيح جهل التسمية أو لا بالعربية أو لا ولو قادراً عليها، ويشترط كونها من
الذابح لا من غيره. هندية. وباقي شروطها يعلم مما يأتي، وينبغي أن يزاد في الشروط أن
لا يقصد معها تعظيم مخلوق، لما سيأتي أنه لو ذبح لقدوم أمير ونحوه يحرم ولو سمى.
تأمل قوله: (عن شوب) أي خلط قوله: (مريداً به التسمية) قيد به لما في غاية البيان: لو لم
يرد به التسمية لا يؤكل. قال شيخ الإسلام في شرحه: لأن هذه الألفاظ ليست بصريح في
باب التسمية إنما الصريح بسم الله فتكون كناية، والكناية إنما تقوم مقام الصريح بالنية كما
في کنایات الطلاق قوله: (لعدم قصد التسمية) یرید به أنه قصد به التحمید للعطاس، إذ لو
أراده للذبيحة حلت، وكذا لو لم تكن له نية. شرنبلالية.
أقول: وفي الأخير نظر لما علمت آنفاً أنه كناية، بخلاف قوله بسم الله فإنه يصح
ولو لم تحضره نية كما يأتي لأنه صريح، فتنبه قوله: (قلت ينبغي حمله على ما إذا نوى) أي
نوى به التحميد للخطبة، وفيه أنه حينئذ لا فرق بينهما لما علمت أنه في الذبح لا بد من
النية له أيضاً.
وفي الخانية ما نصه: ولو عطس فقال الحمد لله يريد التحميد على العطاس فذبح لا
يحل، بخلاف الخطيب إذا عطس على المنبر فقال الحمد لله فإنه تجوز به الجمعة في إحدى
الروايتين عن أبي حنيفة، لأن المأمور به في الجمعة ذكر الله تعالى مطلقاً، وهاهنا الشرط ذكر
اسم الله تعالى على الذبح اهـ. ومثله في النهاية والمعراج. فقوله في إحدى الروايتين يظهر منه
التوفيق بحمل ما مر في الجمعة على الرواية الأخرى وهي الأصح. وعبارة المصنف هناك:
فلو حمد الله تعالى لعطاسه لم ينب عنها على المذهب اهـ. فافهم قوله: (والمستحب أن يقول
بسم الله) بإظهار الهاء، فإن لم يظهرها إن قصد ذكر الله يحل، وإن لم يقصد وقصد ترك الهاء
لا يحل. إتقاني عن الخلاصة قوله: (لأنه يقطع فور التسمية) قال الإتقاني: وفيه نظر اهـ.

٤٣٨
كتاب الذبائح
التسمية كما عزاه الزيلعي للحلواني وقال قبله: والمتداول المنقول عن النبي و0#
بالواو.
(ولو سمى ولم تحضره النية صح، بخلاف ما لو قصد بها التبرك في ابتداء
الفعل) أو نوى بها أمراً آخر فإنه لا يصح فلا تحل (كما لو قال الله أكبر وأراد به
متابعة المؤذن فإنه لا يصير شارعاً في الصلاة) بزازية. وفيها (تشترط) التسمية من
الذابح (حال الذبح) أو الرمي لصيد أو الإرسال أو حال وضع الحديد لحمار
الوحش إذا لم يقعد عن طلبه
ووجهه يظهر مما يأتي قريباً فيما يقطع الفور، والظاهر أن المراد كمال الفورية، وإلا لزم أن
تكون الذبيحة ميتة، وأن يكون الفصل حراماً لا مكروهاً، لكن فيه أنه لو اقتصر على قوله
الله أكبر قاصداً به التسمية يكفي. تأمل قوله: (وقال قبله الخ) ونصه: وما تداولته الألسن
عند الذبح وهو بسم الله والله أكبر منقول عن النبي {$، وعن عليّ وابن عباس مثله. قال
ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] اهـ. ونقل
في الذخيرة عن البقال أنه المستحب. وفي الجوهرة: وإن قال بسم الله الرحمن الرحيم فهو
حسن قوله: (ولو سمى) أي قال بسم الله كما عبر في الخانية، لما مر أن الكناية لا بد فيها
من النية قوله: (صح) عند العامة وهو الصحيح. خانية قوله: (كما لو قال الخ) مرتبط
بقوله ((بخلاف الخ)) قوله: (من الذابح) أراد بالذابح محلل الحيوان ليشمل الرامي والمرسل
وواضع الحديد اهـح. واحترز به عما لو سمى له غيره فلا تحل كما قدمناه وشمل ما إذا
كان الذابح اثنين، فلو سمى أحدهما وترك الثاني عمداً حرم أكله كما في التاترخانية،
وسيذكره لغزاً مع جوابه نظماً في آخر الأضحية قوله: (حال الذبح الخ) قال في الهداية: ثم
التسمية في ذكاة الاختيار تشترط عند الذيح، وهي على المذبوح، وفي الصيد تشترط عند
الإرسال والرمي، وهي على الآلة حتى أضجع شاة وسمى وذبح غيرها بتلك التسمية لا
يجوز، ولو رمى إلى صيد وسمى وأصاب غيره حل، وكذا في الإرسال، ولو أضجع شاة
وسمى ثم رمى بالشفرة وذبح بأخرى أكل، وإن سمى على سهم ثم رمى بغيره صيداً لا
يؤكل اهـ قوله: (إذا لم يقعد عن طلبه) قيد في المسائل الثلاث اهـ ح.
فإن قلت: ذكروا أنه إذا وضع منجلاً ليصيد به حمار الوحش ثم وجد الحمار ميتاً لا
يحل. قلت: قال البزازي: والتوفيق أنه محمول على ما إذا قعد عن طلبه، وإلا فلا فائدة
للتسمية عند الوضع اهـ. منح.
أقول: يخالفه ما ذكره الزيلعي في مسائل شتی قبیل الفرائض من أنه لا یؤکل ولو
وجده ميتاً من ساعته، لأن الشرط أن يجرحه إنسان أو يذبحه وبدون ذلك هو كالنطيحة أو
المتردية، وبه جزم الشارح هناك إلا أن يقال: إن كلام الزيلعي مخالف لكلام الكنز وغيره

٤٣٩
كتاب الذبائح
كما سيجيء.
(والمعتبر الذبح عقب التسمية قبل تبدل المجلس) حتى لو أضجح شاتين
إحداهما فوق الأخرى فذبحهما ذبحة واحدة بتسمية واحدة حلا، بخلاف ما لو
ذبحهما على التعاقب، لأن الفعل يتعدد فتتعدد التسمية. ذكره الزيلعي في الصيد.
ولو سمی الذابح ثم اشتغل بأكل أو شرب ثم ذبح إن طال وقطع الفور حرم، وإلا
لا، وحد الطول ما يستكثره الناظر، وإذا حدّ الشفرة ينقطع الفور. بزازية.
(وحب) بالحاء (نحر الإبل) في سفل العنق (وكره ذبحها، والحكم في غنم
حيث قال: فجاء في اليوم الثاني فوجده مجروحاً ميتاً لم يؤكل، فهذا يؤيد توفيق البزازي،
وإن قال الزيلعي: إن تقييده باليوم الثاني وقع اتفاقاً، ولعل مراد الزيلعي لا يحل إذا قدر
على الذكاة الاختيارية، وإلا فجرح الإنسان مباشرة ليس شرطاً في الذكاة الاضطرارية
فليتأمل قوله: (كما سيجيء) أي في مسائل شتى آخر الكتاب وعلمت مخالفته لما هنا قوله:
(قبل تبدل المجلس) أي حقيقة أو حكماً كالفاصل الطويل كما يأتي، فافهم. قال الزيلعي:
حتى إذا سمى واشتغل بعمل آخر من كلام قليل أو شرب ماء أو أكل لقمة أو تحديد شفرة
ثم ذبح يحل، وإن كان كثيراً لا يحل لأن إيقاع الذبح متصلاً بالتسمية بحيث لا يتخلل
بينهما شيء لا يمكن إلا بحرج عظيم فأقيم المجلس مقام الاتصال، والعمل القليل لا
يقطعه والكثير يقطع اهـ. قوله: (لأن الفعل يتعدد) فيتبدل به المجلس حكماً قوله: (وإذا
حدّ الشفرة ينقطع الفور) مخالف لما قدمناه آنفاً عن الزيلعي. ويمكن أن يقيد بما إذا كثر
يدل عليه سياق كلام الزيلعي، وقوله في الجوهرة: أو شحذ السكين قليلاً أجزأه، لكن قال
في التاترخانية: وفي أضاحي الزعفراني: إذا حدد الشفرة تنقطع التسمية من غير فصل بين
ما إذا قلّ أو كثر اهـ. فليتأمل. وفي القاموس: شحذ السكين كمنع أحدها كأشحذها.
وفيه أيضاً: حد السكين وأحدّها حددها ومسحها بحجر أو مبرد قوله: (وحب) مبني
للمجهول بناء على أن حب متعدّ وهي لغة اهـ ح. وعبر به تبعاً لقول الهداية: والمستحب.
وقد قال في الكنز: وسن، ولعله مراد صاحب الهداية لا المستحب الاصطلاحي، يؤيده
قوله: أما الاستحباب فلموافقة السنة المتوارثة اهـ. فلا مخالفة. شرنبلالية.
قلت: ويؤيده أيضاً تصريحه بكراهة تركه قوله: (نحر الإبل) النحر: قطع العروق
في أسفل العنق عند الصدر، والذبح: قطعها في أعلاه تحت اللحيين. زيلعي.
واعلم أن النعام والإوز كالإبل ينحز، والضابط كل ماله عنق طويل. أبو السعود
عن شرح الكنز للإبياري. وفي المضمرات: السنة أن ينحر البعير قائماً، وتذبح الشاة أو
البقرة مضجعة. قهستاني قوله: (وكره الخ) ينبغي أن تكون كراهة تنزيه. أبو السعود عن

٤٤٠
كتاب الذبائح
وبقر عكسه) فندب ذبحها (وكره نحرها لترك السنة) ومنعه مالك (ولا بد من ذبح
صيد مستأنس) لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار
(وکفی جرح نعم) کبقر وغنم (توحش) فیجرح کصید (أو تعذر ذبحه) کان تردى
في بتر أو ندّ أو صال، حتى لو قتله المصول علیه مریداً ذکاته حل.
وفي النهاية: بقرة تعسرت ولادتها فأدخل ربها يده وذبح الولد حل، وإن
جرحه في غير محل الذبح، إن لم يقدر على ذبحه حل وإن قدر لا.
قلت: ونقل المصنف أن من التعذر ما لو أدرك صيده حياً أو أشرف ثوره
على الهلاك وضاق الوقت على الذبح أو لم يجد آلة الذبح فجرحه حل في رواية.
وفي منظومة النسفي قوله: [الرجز]
الديري قوله: (ومنعه مالك) المشهور من مذهبه أنه إن كان للضرورة فلا بأس بأكله، وإلا
كره أكله. أبو السعود عن الديري قوله: (وكفى جرح نعم الخ) النعم بفتحتين وقد
يسكن. قهستاني. قال في الهداية: أطلق فيما توحش من النعم. وعن محمد أن الشاة إذا
ندت في الصحراء فذكاتها العقر، وإن ندت في المصر لا تحل بالعقر لأنها لا تدفع عن
نفسها فيمكن أخذها في المصر فلا عجز، والمصر وغيره سواء في البقر والبعير لأنهما
يدفعان عن أنفسهما فلا يقدر على أخذهما وإن ندا في المصر اهـ. وبهذا التفصيل جزم في
الجوهرة والدرر، وهو مقتضى التعليل في ذكاة الاضطرار قوله: (توحش) أي صار وحشياً
ومتنفراً ولم يمكن ذبحه. قهستاني قوله: (فيجرح كصيد) فإن أصاب قرنه أو ظلفه: إن
أدمى حل، وإلا فلا. إتقاني قوله: (أو تعذر ذبحه) أعم مما قبله. وفي الشرنبلالية عن منية
المفتي: بعير أو ثور ند في المصر، إن علم صاحبه أنه لا يقدر على أخذه إلا أن يجتمع
جماعة كثيرة فله أن يرميه اهـ. فلم يشترط التعذر بل التعسر اهـ قوله: (كأن تردّى في بئر)
أي سقط وعلم موته بالجرح أو أشكل، لأن الظاهر أن الموت منه، وإن علم أنه لم يمت
من الجرح لم يؤكل، وكذا الدجاجة إذا تعلقت على شجرة وخيف فوتها فذكاتها الجرح.
زيلعي قوله: (أو ند) أي نفر قوله: (مريداً ذكاته) أي بأن سمى عند جرحه، أما إذا لم
يردها ولم يسم بل أراد ضربه لدفعه عن نفسه فلا شبهة في عدم حله، فافهم قوله: (حل)
أي إذا كان لا يقدر على أخذه وضمن قیمته. إتقاني قوله: (وفي النهاية الخ) هذا یفید أن
قولهم إنما تعتبر حياة الولد بعد خروج أكثره مخصوص بالآدمي، لأنه لو لم يعتبر الولد في
بطن أمه حياً لم تعتبر ذكاته وليحرر اهـ. رحمتي قوله: (وذبح الولد) أي بعد العلم بحياته.
تأمل قوله: (حل في رواية) الأولى أن يقول في قول لأنه نقله المصنف عن القنية معزواً إلى
بعض المشايخ. وقال البعض الآخر: لا يحل أكله إلا إذا قطع العروق. أفاده ط قوله:
(وفي منظومة النسفي) خبر مقدم ولفظة قوله مبتدأ مؤخر: أي قول النسفي وما بعده