Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب الهبة
فأفاد أن غير المأكول لا يباح لهما إلا لحاجة. وضعوا هدايا الختان بين يدي الصبي
فما يصلح له كثياب الصبيان فالهدية له، وإلا فإن المهدي من أقرباء الأب أو
معارفه فللأب أو من معارف الأم فللأم، قال هذا الصبيّ أو لا. ولو قال أهديت
للأب أو للأم فالقول له، وكذا زفاف البنت. خلاصة. وفيها: اتخذ لولده أو
لتلميذه ثياباً ثم أراد دفعها لغيره ليس له ذلك ما لم يبين وقت الاتخاذ أنها عارية.
وفي المبتغى: ثياب البدن يملكها بلبسها، بخلاف نحو ملحفة ووسادة. وفي الخانية:
لا بأس بتفضيل بعض الأولاد في المحبة لأنها عمل القلب، وكذا في العطايا إن لم
يقصد به الإضرار، وإن قصده فسوى بينهم يعطي البنت كالإبن عند الثاني،
قلت: وبه يحصل التوفيق ويظهر ذلك بالقرائن، وعليه فلا فرق بين المأكول وغيره،
بل غيره أظهر فتأمل. قوله: (فأفاد) أصله لصاحب البحر وتبعه في المنح. قوله: (إلا
لحاجة) قال في التاترخانية: وإذا احتاج الأب إلى مال ولده: فإن كانا في المصر واحتاج
لفقره أكل بغير شيء، وإن كانا في المفازة واحتاج إليه لانعدام الطعام معه فله الأكل
بالقيمة اهـ. قوله: (فالقول له) لأنه هو المملك. قوله: (وكذا زفاف البنت) أي على هذا
التفصيل بأن كان من أقرباء الزوج أو المرأة، أو قال المهدي: أهديت للزوج أو المرأة كما
في التاترخانية. وفي الفتاوى الخيرية: سئل فيما يرسله الشخص إلى غيره في الأعراس
ونحوها هل يكون حكمه حكم القرض فيلزمه الوفاء به أم لا؟ أجاب: إن كان العرف
بأنهم يدفعونه على وجه البدل يلزم الوفاء به مثلياً فبمثله، وإن قيمياً فبقيمته، وإن كان
العرف خلاف ذلك بأن كانوا يدفعونه على وجه الهبة ولا ينظرون في ذلك إلى إعطاء البدل
فحكمه حكم الهبة في سائر أحكامه فلا رجوع فيه بعد الهلاك أو الاستهلاك، والأصل فيه
أن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً اهـ.
قلت: والعرف في بلادنا مشترك، نعم في بعض القرى يعدونه فرضاً حتى إنهم في
كل وليمة يحضرون الخطيب يكتب لهم ما يهدي، فإذا جعل المهدي وليمة يراجع المهدي
الدفتر فيهدي الأول إلى الثاني مثل ما أهدى إليه. قوله: (لولده) أي الصغير، وأما الكبير
فلا بد من التسليم كما في جامع الفتاوى، وأما التلميذ فلو كبيراً فكذلك، ويملك
الرجوع عن هبته لو أجنبياً مع الكراهة، ويمكن حمل قوله: ليس له الرجوع عليه.
سائحاني. قوله: (أو لتلميذه) مسألة التلميذ مفروضة بعد دفع الثياب إليه. قال في
الخانية: اتخذ شيئاً لتلميذه فأبق التلميذ بعد ما دفع إليه إن بين وقت الاتخاذ أنه إعارة
يمكنه الدفع إليه(١) فافهم. قوله: (وإن قصده) بسكون الصاد ورفع الدال. وعبارة المنح:
(١) في ط قوله (يمكنه الدفع إليه) لعل صوابه إلى غيره))

٥٠٢
كتاب الهبة
وعليه الفتوى. ولو وهب في صحته كل المال للولد جاز وأثم. وفيها: لا يجوز أن
يهب شيئاً من مال طفله ولو بعوض لأنها تبرّع ابتداء. وفيها: ويبيع القاضي ما
وهب للصغير حتى لا يرجع الواهب في هبته (ولو قبض زوج الصغيرة) أما البالغة
فالقبض لها (بعد الزفاف ما وهب لها صح) قبضه ولو بحضرة الأب في الصحيح
لنيابته عنه، فصح قبض الأب كقبضها مميزة (وقبله) أي الزفاف (لا) يصح لعدم
الولاية (وهب اثنان داراً لواحد صح) لعدم الشيوع (وبقلبه) لكبيرين (لا) عنده
للشيوع فيما يحتمل القسمة، أما ما لا يحتمله كالبيت فيصح اتفاقاً قيدنا بكبيرين،
وإن قصد به الإضرار، وهكذا رأيته في الخانية. قوله: (وعليه الفتوى) أي على قول أبي
يوسف: من أن التنصيف بين الذكر والأنثى أفضل من التثليث الذي هو قول محمد.
رملي. قوله: (ولو بعوض) وأجازها محمد بعوض مساو كما يذكر آخر الباب الآتي،
وعبارة المجمع: وأجازها محمد بشرط عوض مساو اهـ. وسيأتي قبيل المتفرقات. سئل أبو
مطيع عن رجل قال لآخر ادخل كرمي وخذ من العنب، كم يأخذ؟ قال: يأخذ عنقوداً
واحداً. وفي العتابية: هو المختار. وقال أبو الليث: مقدار ما يشبع إنسان. تاتر خانية.
وفيها عن التتمة: سئل عمر النسفي عمن أمر أولاده أن يقتسموا أرضه التي في ناحية كذا
بينهم، وأراد به التمليك فاقتسموها وتراضوا على ذلك، هل يثبت لهم الملك أم يحتاج إلى
أن يقول لهم الأب ملكتكم هذه الأراضي، أو يقول لكل واحد منهم ملكتك هذا
النصيب المفرز؟ فقال: لا. وسئل عنها الحسن فقال: لا يثبت لهم الملك إلا بالقسمة. وفي
تجنيس الناصري: ولو وهب داراً لابنه الصغير ثم اشترى بها أخرى فالثانية لابنه الصغير
خلافاً لزفر، ولو دفع إلى ابنه مالًا فتصرف فيه الابن يكون للابن إذا دلت دلالة على
التمليك اهـ.
وسئل الفقيه عن امرأة وهبت مهرها الذي لها على الزوج لابن صغير له وقبل الأب؟
قال: أنا في هذه المسألة واقف فيحتمل الجواز كمن كان له عبد عند رجل وديعة فأبق العبد
ووهبه مولاه من ابن المودع فإنه يجوز. سئل مرة أخرى عن هذه المسألة فقال: لا يجوز،
وقال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ. وفي العتابية: وهو المختار. تاترخانية. قوله: (داراً)
المراد بها ما يقسم. قوله: (وبقلبه) وهو هبة واحد من اثنين. قال في الهامش: دفع لرجل
ثوبين وقال أيهما شئت فلك والآخر لابنك فلان، إن يكن قبل أن يتفرّقا جاز، وإلا لا.
له على آخر ألف نقد وألف غلة فقال وهبت منك أحد المالين جاز، والبيان إليه
وإلى ورثته بعد موته. بزازية. قوله: (الكبيرين) أي غير فقيرين، وإلا كانت صدقة
فتصح كما يأتي. قوله: (يحتمل القسمة) انظر القهستاني. قوله: (بكبيرين) هذه عبارة
البحر وقد تبعه المصنف، وظاهرها أنهما لو كانا صغيرين في عياله جاز عندهما. وفي

٥٠٣
كتاب الهبة
لأنه لو وهب لكبير وصغير في عيال الكبير أولا بنية صغير وكبير لم يجز اتفاقاً،
وقيدنا بالهبة لجواز الرهن والإِجارة من اثنين اتفاقاً (وإذا تصدق بعشرة) دراهم (أو
وهبها لفقيرين صح) لأن الهبة للفقير صدقة، والصدقة يراد بها وجه الله تعالى
وهو واحد فلا شيوع (لا لغنيين) لأن الصدقة على الغنيّ هبة فلا تصح للشيوع:
أي لا تملك حتى لو قسمها وسلمها صح.
فروع: وهب لرجلين درهماً: إن صحيحاً صح، وإن مغشوشاً لا لأنه مما
البزازية ما يدل عليه فراجعه. وأقول: كان الأولى عدم هذا القيد لأنه لا فرق بين
الكبيرين والصغيرين والكبير والصغير عند أبي حنيفة، ويقول أطلق ذلك، فأفاد أنه لا
فرق بين أن يكونا كبيرين أو صغيرين أو أحدهما كبيراً والآخر صغيراً، وفي الأوليين
خلافهما. رملي. قوله: (في عيال الكبير) صوابه: في عيال الواهب، كما يدل عليه كلام
البحر وغيره. قوله: (أو لابنيه الخ) عبارة الخانية: وهب داره لابنين له أحدهما صغير
في عياله كانت الهبة فاسدة عند الكل، بخلاف ما لو وهب من كبيرين وسلم إليهما
جملة، فإن الهبة جائزة لأنه لم يوجد الشيوع وقت العقد، ولا وقت القبض، وأما إذا
كان أحدهما صغيراً فكما وهب يصير قابضاً حصة الصغير فيتمكن الشيوع وقت القبض
اهـ فليتأمل. ثم ظهر أن هذا التفصيل مبني على قولهما، أما عنده فلا فرق بين الكبيرين
وغيرهما في الفساد. قوله: (لم يجز) والحيلة أن يسلم الدار إلى الكبير ويهبها منهما.
بزازية. وأفاد أنها للصغيرين تصح لعدم المرجح لسبق قبض أحدهما، وحيث اتحد
وليهما فلا شيوع في قبضه. ويؤيده قول الخانية: داري هذه لولديّ الأصاغر يكون
باطلاً لأنها هبة، فإذا لم يبين الأولاد كان باطلاً اهـ. فأفاد أنه لو بين صح. ورأيت في
الأنقروي عن البزازية أن الحيلة في صحة الهبة لصغير مع كبير أن يسلم الدار للكبير
ويهبها منهما، ولا يرد ما مر عن الخزانة. ولو تصدق بدار على ولدين له صغيرين لم
يجز، لأنه مخالف لما في المتون والشروح. سائحاني: أي من أن الهبة لمن له ولاية تتم
بالعقد. قوله: (اتفاقاً) لتفرق القبض. قوله: (صدقة) انظر ما نكتبه بعد الباب عند قول
المتن ((والصدقة كالهبة)) وفي المضمرات: ولو قال وهبت منكما هذه الدار والموهوب لهما
فقيران صحت الهبة بالإجماع. تاترخانية. لكن قال بعده: وفي الأصل: هبة الدار من
رجلين لا تجوز، وكذا الصدقة، فيحتمل أن قوله: وكذا الصدقة: أي على غنيين،
والأظهر أن في المسألة روايتين اهـ. قال في البحر: وصحح في الهداية ما ذكره في
الفرق. قوله: (لا لغنيين) هذا قوله، وقالا يجوز، وفي الأصل أن الهبة لا تجوز، وكذا
الصدقة عنده ففي الصدقة عنه روايتان. خانية. قوله: (لا تملك) تقدم أن المفتى به أن
الفاسدة تملك بالقبض، فهو مبني على ما قدمنا ترجيحه. تأمل. قوله: (لو قسمها الخ)

٥٠٤
كتاب الهبة/ باب الرجوع في الهبة
يقسم لكونه في حكم العروض.
معه درهمان فقال لرجل وهبت لك أحدهما أو نصفهما: إن استويا لم يجز،
وإن اختلفا جاز لأنه مشاع لا يقسم، ولذا لو وهب ثلثهما جاز مطلقاً.
تجوز هبة حائط بين داره ودار جاره لجار وهبة البيت في الدار، فهذا يدل على
كون سقف الواهب على الحائط، واختلاط البيت بحيطان الدار لا يمنع صحة الهبة.
مجتبى.
بَابُ الرَّجُوعِ فِي الْهِبَةِ
(صح الرجوع فيها بعد القبض) أما قبله فلم تتم الهبة (مع انتفاع مانعه) الآتي
(وإن كره) الرجوع (تحريماً) وقيل تنزيهاً. نهاية (ولو مع إسقاط حقه من الرجوع)
فلا يسقط بإسقاطه. خانية. وفي الجواهر لا يصح الإبراء عن الرجوع، ولو صالحه
من حق الرجوع على شيء صح وكان عوضاً عن الهبة، لكن سيجيء اشتراطه في
العقد (ويمنع الرجوع فيها) حروف (دمع خزقه)
قاله: في البحر. قوله: (إن استويا) أي وزناً وجودة. خانية. قوله: (جاز) مخالف لما في
الخانية، فإنه ذكر التفصيل فيما إذا قال نصفهما، ثم قال: وإن قال أحدهما لك هبة لم
يجز كانا سواء أو مختلفين. قوله: (ثلثهما جاز) هذا يفيد أن المراد بقوله سابقاً أو
نصفهما واحد منهما لا نصف كل، وإلا فلا فرق بينه وبين الثلث في الشياع، بخلاف
حمله على أن المراد أحدهما فإنه مجهول فلا يصح. قوله: (مطلقاً) استويا أو اختلفا.
منح. قوله: (تجوز هبة حائط الخ) وفي الذخيرة: هبة البناء دون الأرض جائزة. وفي
الفتاوى عن محمد فيمن وهب لرجل غلة وهي قائمة لا يكون قابضاً لها حتى يقطعها
ويسلمها إليه. وفي الشراء إذا خلي بينه وبينها صار قابضاً لها. متفرقات التاترخانية.
وقدمنا نحوه عن حاشية الفصولين للرملي.
بَابُ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَّةِ
في الهامش: ولو قال الواهب أسقطت حقي في الرجوع لا يبطل حقه فيه. بزازية.
قوله: (لكن سيجيء) أي عن المجتبى، والضمير في اشتراطه للعوض. قال الرملي: وقد
يقال: ما في الجواهر لم يدخل في كلام المجتبى، إذ ما في الجواهر صلح عن حق الرجوع
نصاً وقد صح الصح فلزم سقوطه ضمناً، بخلاف ما لو أسقطه قصداً، فكم من شيء
يثبت ضمناً ولا يثبت قصداً، وليس بحق مجرد حتى يقال بمنع الاعتياض عنه كما هو
ظاهر. وما في المجتبى مسأله أخرى فتأمله. قوله: (اشتراطه) أي العوض، لكن سيجيء
البحث في هذا الاشتراط. قوله: (ويمنع الرجوع الخ) هو كقول بعضهم: [الرجز]

٥٠٥
كتاب الهبة/باب الرجوع في الهبة
يعني الموانع السبعة الآتية (فالدال الزيادة) في نفس العين الموجبة لزيادة القيمة
(المتصلة) وإن زالت قبل الرجوع كأن شبّ ثم شاخ، لكن في الخانية ما يخالفه
واعتمده القهستاني فليتنبه له، لأن الساقط لا يعود (كبناء وغرس) إن عدا زيادة في
كل الأرض وإلا رجع، ولو عدا في قطعة منها امتنع فيها فقط. زيلعي (وسمن)
وجمال وخياطة وصبغ وقصر ثوب وكبر صغير وسماع أصم وإيصار أعمى وإسلام
عبد ومداواته وعفو جناية وتعليم قرآن أو كتابة أو قراءة ونقط مصحف بإعرابه،
وحمل تمر من بغداد إلى بلغ مثلاً ونحوها.
وَيَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِي فَضْلِ الهِبَهْ يا صاحِبِي ◌ُروفُ دَمْعٍ خَزِفَهْ
قال الرملي: قد نظم ذلك والدي العلامة شيخ الإسلام محيي الدين فقال: [الكامل]
مَنَعَ الرّجُوعَ مِنَ المَواهبِ سَبْعَةٌ فَزِيادَةٌ مَوْصُولَةٌ مَوْتٌ عِوَضْ
وَخَرُوجَها عَنْ مِلْكِ مَوْهُوبٍ لَهُ زَوْجِيَّةٌ قُرْبٌ هَلَاكٌ قَدْ عَرَضْ
قوله: (يعني الموانع) لا يقال بقي من الموانع الفقر لما سيأتي أنه لا رجوع في الهبة
للفقير لأنها صدقة. شرنبلالية. قوله: (فالدال الزيادة) قيد بها لأن النقصان كالحبل وقطع
الثوب بفعل الموهوب له أو لا غير مانع. بحر. وفي الحيل كلام يأتي. قوله: (في نفس
العين) خرج الزيادة من حيث السعر فله الرجوع. بحر. قوله: (القيمة) خرج الزيادة في
العين فقط كطول الغلام وفداء الموهوب له لو جنى الموهوب خطأ. بحر وتمامه فيه.
قوله: (كأن شبّ ثم شاخ) فيه أنه من قبيل زوال المانع كما قاله الإسبيجابي ولهذا سموها
موانع. وعبارة القهستاني: مانع الزيادة إذا ارتفع، كما إذا بني ثم هدم عاد حق الرجوع
كما في المحيط وغيره، ومن الظن أنه ينافيه ما في النهاية أنه حين زاد لا يعود حق الرجوع
بعده، لأنه قال ذلك فيما إذا زاد وانتقص جميعاً كما صرح به نفسه اهـ.
قلت: في التاترخانية: ولو كانت الزيادة بناء فإنه يعود حق الرجوع والمانع من
الرجوع الزيادة في العين. كذا ذكر شمس الأئمة السرخسي. قوله: (لأن الساقط) تعليل
لما يفهم من قوله: ((فليتنبه له)) فإنه بمنزلة قوله: وفيه نظر ح. قوله: (وإلا رجع) أي إن لم
يعدا زيادة رجع. قال في الخانية: وهب داراً فبنى الموهوب له في بيت الضياقة التي تسمى
بالقارسية ((كاسناه)) تنوراً للخبز كان للواهب أن يرجع، لأن مثل هذا يعدّ نقصاناً لا زيادة
أهـ. قوله: (ولو عدا الخ) مفهوم قوله: ((في كل الأرض)) وقوله: ((في قطعة منها)) بأن
كانت عظيمة. قوله: (ومداواته) أي لو كان مريضاً من قبل، فلو مرض عنده فداواه لا
يمنع الرجوع. بحر. قوله: (وحمل تمر) قال الزيلعي: ولو نقله من مكان إلى مكان حتى
ازدادت قيمته واحتاج فيه إلى مؤنة النقل: ذكر في المنتقى أن عندهما ينقطع الرجوع. وعند

٥٠٦
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
وفي البزازية: والحبل إن زاد خيراً منع الرجوع، وإن نقص لا، ولو اختلفا في
الزيادة ففي المتولدة ككبر، القول للواهب، وفي نحو بناء وخياطة وصيغ للموهوب
له. خانية وحاوي. ومثله في المحيط لكنه استثنى ما لو كان لا يبني في مثل تلك
المدة (لا) تمنع الزيادة (المنفصلة كولد وأرش وعقر) وثمرة فيرجع في الأصل لا
الزيادة، لكن لا يرجع بالأم حتى يستغني الولد عنها، كذا نقله القهستاني، لكن
نقل البرجندي وغيره أنه قول أبي يوسف، فليتنبه له.
ولو حبلت ولم تلد هل للواهب الرجوع؟ قال في السراج: لا، وقال
الزيلعي: نعم.
أبي يوسف لا، لأن الزيادة لم تحصل في العين فصار كزيادة السعر. ولهما أن الرجوع
يتضمن إبطال حق الموهوب له في الكراء ومؤنة النقل، بخلاف نفقة البعد، لأنها ببدل
وهو المنفعة والمؤنة بلا بدل اهـ.
قلت: ورأيت في شرح السير الكبير للسرخسي أنه لو كانت الهبة في دار الحرب
فأخرجها الموهوب له إلى موضع يقدر فيه على حملها لم يكن للواهب الرجوع، لأنه حدث
فيها زيادة بصنع الموهوب له، فإنها كانت مشرفة على الهلاك في مضيعة وقد أحياها
بالإخراج من ذلك الموضع اهـ. لكنه ذكر ذلك في صورة ما إذا ألقى شيئاً وقال حين
ألقاها من أخذه فهو له. ذكره في التاسع والتسعين اهـ. قوله: (وفي البزازية) أقول: ما في
البزازية جزم به في الخلاصة. قوله: (وإن نقص لا) قال في الهداية: والجواري في هذا
تختلف، فمنهن من إذا حبلت اضفرّ لونها ودقّ ساقها، فيكون ذلك نقصاً فيها لا يمنع
الواهب من الرجوع اهـ. وينبغي حمل هذا على ما إذا كان الحبل من غير الموهوب له، فلو
منه لا رجوع، لأنها ثبت لها بالحمل منه وصف لا يمكن زواله، وهو أنها تأهلت لكونها
أم ولده كما إذا ولدت منه بالفعل كما ذكره بعض المتأخرين تفقهاً، وقد ذكروا أن
الموهوب له إذا دبر العبد الموهوب انقطع الرجوع ط. قوله: (كولد) بنكاح أو سفاح.
بزازية. قوله: (قول أبي يوسف) أقول: وظاهر الخانية اعتماد خلافه حيث قال: ولو
ولدت الهبة ولداً كان للواهب أن يرجع في الأم في الحال. وقال أبو يوسف: لا يرجع
حتى يستغني الولد عنها، ثم يرجع في الأم دون الولد اهـ. وكتبنا في أول العتق عند
قوله: ((والولد تبع الأم الخ)) مسألة الحبل فراجعها. قوله: (ولو حبلت) تقدم قريباً أن
الحبل إن زاد خيراً منع، وإن نقص لا فليكن التوفيق. سائحاني. قوله: (ولم تلد) مفهومه
أنها لو ولدت ثبت الرجوع كما لو زال البناء. تأمل. قوله: (وقال الزيلعي الخ) والتوفيق
ما مر عن البزازية وعن الهندية. قوله: (نعم) لأنه نقصان، وقدم في باب خيار العيب

٥٠٧
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
وفي الجوهرة: مريض مديون بمستغرق وهب أمة فمات وقد وطئت يردها
مع عقرها هو المختار (والميم موت أحد العاقدين) بعد التسليم، فلو قبله بطل، ولو
اختلفا والعين في يد الوارث
عن النهر أن الحبل عيب في بنات آدم لا في البهائم اهـ. قوله: (مريض مديون الخ).
فروع: وهب في مرضه ولم يسلم حتى مات بطلت الهبة، لأنه وإن كان وصية حتى
اعتبر فيه الثلث فهو هبة حقيقة فيحتاج إلى القبض.
وهب المريض عبداً لا مال له غيره ثم مات وقد باعه الموهوب له لا ينقض البيع
ويضمن ثلثيه، وإن أعتقه الموهوب له والواهب مدیون ولا مال له غيره قبل موته جاز،
وبعد موت الواهب لا لأن الإعتاق في المرض وصية، وهي لا تعمل حال قيام الدين،
وإن أعتقه الواهب قبل موته ومات لا سعاية على العبد لجواز الإعتاق ولعدم الملك يوم
الموت. بزازية. ورأيت في مجموعة منلا علي الصغيرة بخطه عن جواهر الفتاوى: كان أبو
حنيفة حاجاً فوقعت مسألة الدور بالكوفة، فتكلم كل فريق بنوع، فذكروا له ذلك حين
استقبلوه، فقال من غير فكر ولا روية: أسقطوا السهم الدائرة تصح المسألة، مثاله:
مريض وهب عبداً له من مريض وسلمه إليه ثم وهبه من الواهب الأول وسلمه إليه ثم
ماتا جمیعاً ولا مال لهما غيره، فإنه وقع فيه الدور حتى رجع إليه شيء منه زاد في ماله،
وإذا زاد في ماله زاد في ثلثه، وإذا زاد في ثلثه زاد فيما يرجع إليه، وإذا زاد فيما يرجع إليه
زاد في ثلثه، ثم لا يزال كذلك فاحتيج إلى تصحيح الحساب، وطريقه أن تطلب حساباً له
ثلث وأقله تسعة ثم تقول: صحت الهبة في ثلاثة منها ويرجع من الثلاثة سهم إلى الواهب
الأول، فهذا السهم هو سهم الدور فأسقطه من الأصل بقي ثمانية، ومنها تصح. وهذا
معنى قول أبي حنيفة: أسقطوا السهم الدائر. وتصح الهبة في ثلاثة من ثمانية، والهبة
الثانية في سهم فيحصل للواهب الأول ستة ضعف ما صححناه في هبته، وصححنا الهبة
الثانية في ثلث ما أعطينا فثبت أن تصحیحه بإسقاط سهم الدور، وقیل دع الدور يدور في
الهواء اهـ ملخصاً. وفيه حكاية عن محمد فلتراجع. قوله: (وقد وطئت) أي من الموهوب
له أو غير ط. قوله: (والميم الخ) لينظر ما لو حكم بلحاقه مرتداً، أما إذا مات الموهوب
له فلأن الملك قد انتقل إلى الورثة. وأما إذا مات الواهب فلأن النص لم يوجب حق
الرجوع إلا للواهب، والوارث ليس بواهب. درر.
قلت: مفاد التعليل أنه لو حكم بلحاقه مرتداً فالحكم كذلك، وليراجع صريح
النقل، والله أعلم. قوله: (بطل) يعني عقد الهبة، والأولى بطلت: أي لانتقال الملك
للوارث قبل تمام الهبة. سائحاني. قوله: (ولو اختلفا) أي الشخصان لا بقيد الواهب
والموهوب له، وإن كان التركيب يوهمه بأن قال وارث الواهب ما قبضته في حياته وإنما

٥٠٨
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
فالقول للوارث، وقد نظم المصنف ما يسقط بالموت فقال: [الطويل]
كَفَّارَةٌ دِيةٌ خَرَاجْ وَرَابِعُ ضَمَان لِعِثْقٍ هَكَذَا نَفَقَاتُ
كَذَا هِبَةٌ حَكْمُ الجَمِيعِ سُقُوطُهَا بِمَوْتٍ لِمَا أَنَّ الجَمِيعَ صِلَاتُ
(والعين العوض) بشرط أن يذكر لفظاً يعلم الواهب أنه عوض كل هبته (فإن
قال خذه عوض هبتك أو بدلها) أو في مقابلتها ونحو ذلك (فقبضه الواهب سقط.
الرجوع) ولو لم يذكر أنه عوض رجع كل بهبته (و) لذا (يشترط فيه شرائط الهبة)
قبضته بعد وفاته وقال الموهوب له بل قبضته في حياته والعبد في يد الوارث ط. قوله:
(فالقول للوارث) لأن القبض قد علم الساعة والميراث قد تقدم القبض. بحر. قوله:
(كفارة) سقوطها إذا لم يوص بها، وكذا الخراج. قوله: (ديه) بسكون الهاء، وخراج
بإسكان الجيم(١)، ولو قال هكذا لكان موزوناً. خراج ديات ثم كفارة كذا. قوله:
(ضمان) أي إذا أعتق نصيبه موسراً فضمنه شريكه. قوله: (نفقات) أي غير المستدانة بأمر
القاضي. قوله: (صلات) بكسر الصاد. قوله: (والعين العوض) وهب لرجل عبداً بشرط
أن يعوضه ثوباً إن تقايضا جاز، وإلا لا. خانية. قوله: (سقط الرجوع) أي رجوع
الواهب والمعوض كما في الأنقروي، وإليه يشير مفهوم الشارح. سائحاني. قال في
الهامش: المرأة إذا أرادت أن يتزوّجها الذي طلقها فقال المطلق لا أتزوجك حتى تهبيني ما
لك عليّ فوهبت مهرها الذي عليه على أن يتزوّجها ثم أبى أن يتزوّجها قالوا: مهرها
الذي عليه على حاله تزوّجها أو لم يتزوجها، لأنها جعلت المال على نفسها عوضاً عن
النكاح، وفي النكاح العوض لا يكون على المرأة. خانية. وأفتى في الخيرية بذلك اهـ.
قوله: (رجع كل) برفع ((كلّ)) منوناً عوضاً عن المضاف إليه، لأن التمليك المطلق يحتمل
الابتداء ويحتمل المجازاة، فلا يبطل حق الرجوع بالشك. مستصفى. قوله: (بهبته) هاهنا
كلام، وهو أن الأصل المعروف كالملفوظ كما صرح به في الكافي، وفي العرف يقصد
التعويض، ولا يذكر خذ بدل هبتك ونحوه استحياء، فينبغي أن لا يرجع، وإن لم يذكر
البدلية. وفي الخانية: بعث إلى امرأته هدايا وعوّضته المرأة وزفت إليه ثم فارقها فادعى
الزوج أن ما بعثه عارية وأراد أن يسترد وأرادت المرأة أن تسترد العوض فالقول للزوج في
متاعه لأنه أنكر التمليك، وللمرأة أن تسترد ما بعثه إذ تزعم أنه عوض للهبة، فإذا لم يكن
ذلك هبة لم يكن هذا عوضاً فلكل منهما استرداد متاعه. وقال أبو بكر الإسكاف: إن
صرحت حين بعثت أنه عوض فكذلك، وإن لم تصرح به ولكن نوت أن يكون عوضاً
(١) في ط (خراج بإسكان الجيم) فيه نظر، والمناسب عبارة ط ونصها: قال ح: هو من الطويل من الضرب الثالث
منه، والجزء الأول فيه الثلم والجزء الثاني مقبوض مع تسكين هاء ديه.

٥٠٩
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
كقبض وإفراز وعدم شيوع ولو العوض مجانساً أو يسيراً، وفي بعض نسخ المتن بدل
الهبة العقد، وهو تحريف (ولا يجوز للأب أن يعوّض عما وهب للصغير من ماله)
ولو وهب العبد التاجر ثم عوض فلكل منهما الرجوع. بحر (ولا يصح تعويض
مسلم من نصراني عن هبته خمراً أو خنزيراً) إذ لا يصح تمليكاً من المسلم. بحر
(ويشترط أن لا يكون العوض بعض الموهوب، فلو عوّضه البعض عن الباقي) لا
يصح (فله الرجوع في الباقي) ولو الموهوب شيئين فعوّضه أحدهما عن الآخر: إن
كانا في عقدين صح، وإلا لا، لأن اختلاف العقد كاختلاف العين والدراهم تتعين
في هبة ورجوع مجتبى (ودقيق الحنطة يصلح عوضاً عنها) لحدوثه بالطحن، وكذا لو
صبغ بعض الثياب أولتّ بعض السويق ثم عوّضه صح. خانية (ولو عوضه ولد
إحدى جاريتين موهوبتين وجد) ذلك الولد (بعد الهبة امتنع الرجوع وصح) العوض
(من أجنبي ويسقط حق الواهب في الرجوع إذا قبضه) كبدل الخلع (ولو) التعويض
بغير إذن (الموهوب له) ولا رجوع ولو بأمره إلا إذا قال عوض عني على أني ضامن
كان ذلك هبة منها وبطلت نيتها، ولا يخفى أنه على هذا ينبغي أن يكون في مسألتنا
اختلاف. يعقوبية. قوله: (أو يسيراً) أي أقل من الموهوب، لأن العوض ليس ببدل
حقيقة، وإلا لما جاز بالأقل للربا. قوله: (أن يعوض) وإن عوض فللواهب الرجوع
لبطلان التعويض. بزازية. قوله: (من ماله) أي من مال الصغير، ولو من مال الأب صح
لما سيأتي من صحة التعويض من الأجنبي. سائحاني. قوله: (وهب العبد) فوهب مبني
للمفعول: أي وهب له شخص شيئاً. قوله: (ثم عوض) أي عوض العبد عن هبته.
قوله: (الرجوع) لعدم ملك التاجر المأذون الهبة فلم يصح العوض. قوله: (بحر) لأن
العبد المأذون لا يملك أن يهب أولًا ولا آخراً في التعويض. سائحاني. ويحتمل أن وهب
مبني للفاعل وعوض مبني للمفعول. قوله: (من نصراني) من بمعنى اللام. قوله: (خمراً)
مفعول تعويض. قوله: (في هبة) يعني إذا وهبه دراهم تعينت، فلو أبدلها بغيرها كان
إعراضاً منه عنها، فلو أتى بغيرها ودفعه له فهو هبة مبتدأة وإذا قبضها الموهوب له وأبدلها
بجنسها أو بغير جنسها لارجوع عليه، ومثل الدراهم الدنانير ط. قوله: (ورجوع) أي
ليس له أن يرجع إلا إذا كانت دراهم الهبة قائمة بعينها، فلو أنفقها كان إهلاكاً يمنع
الرجوع ط. قوله: (بالطحن) أي فلا يقال إنه عين الموهوب أو بعضه. قوله: (ثم
عوضه) أي البعض: أي جعله عوضاً عن الهبة لحصول الزيادة فكأنه شيء آخر. قوله:
(امتنع الرجوع) لأنه ليس له الرجوع في الولد فصح العوض. قوله: (ولا رجوع) أي
للمعوض على الموهوب له ولو كان شريكه سواء كان بإذنه أو لا، لأن التعويض ليس

٥١٠
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
لعدم وجوب التعويض، بخلاف قضاء الدين (و) الأصل أن (كل ما يطالب به
الإنسان بالحبس والملازمة يكون الأمر بأدائه مثبتاً للرجوع من غير اشتراط الضمان،
وما لا فلا) إلا إذ اشرط الضمان. ظهيرية. وحينئذ (فلو أمر المديون رجلاً بقضاء
دينه رجع عليه) وإن لم يضمن لوجوبه عليه، لكن يخرج عن الأصل ما لو قال أنفق
على بناء داري أو قال الأسير اشترني فإنه يرجع فيهما بلا شرط رجوع كفالة.
خانية. مع أنه لا يطالب بهما لا بحبس ولا بملازمة، فتأمل (وإن استحق نصف
الهبة رجع بنصف العوض، وعكسه لا ما لم يرد ما بقي) لأنه يصلح عوضاً ابتداء
فكذا بقاء، لكنه يخير ليسلم العوض، ومراده العوض الغير المشروط أما المشروط
فمبادلة كما سيجيء فيوزع البدل على المبدل. نهاية (كما لو استحق كل العوض
حيث يرجع في كلها إن كانت قائمة لا إن كانت هالكة) كما لو استحق العوض
وقد ازدادت الهبة لم يرجع. خلاصة (وإن استحق جميع الهبة كان له أن يرجع في
جميع العوض إن كان قائماً وبمثله إن) العوض (هالكاً وهو مثلي وبقيمته إن قيمياً)
غاية (لو عوض النصف رجع بما لم يعوض) ولا يضرّ الشيوع لأنه طارىء.
تنبيه: نقل في المجتبى أنه يشترط في العوض أن يكون مشروطاً في عقد
الهبة، أما إذا عوضه بعده فلا ولم أر من صرّح به غيره،
بواجب عليه، فصار كما لو أمره أن يتبّع الإنسان إلا إذا قال على أني ضامن، بخلاف
المديون إذا أمر رجلاً بأن يقضي دينه حيث يرجع عليه وإن لم يضمن، لأن الدين واجب
عليه. منح. قوله: (لعدم) علة لقوله: ((ولا رجوع)). قوله: (والأصل الخ) تقدم قبل
كفالة الرجلين أصلان آخران. قوله: (لكن) استدراك على قوله: ((وما لا فلا)». قوله:
(رجع بنصف العوض) قال في الجوهرة: وهذا أي الرجوع فيما إذا لم يحتمل القسمة، وإن
فيما يحتملها إذا استحق بعض الهبة بطل في الباقي ويرجع بالعوض اهـ: أي لأن الموهوب
له تبين أنه لم يملك ذلك البعض المستحق فبطل العقد من الأصل لأنه هبة مشاع فيما
يحتمل القسمة. قوله: (وعكسه لا) أي إن استحق نصف العوض لا يرجع بنصف الهبة،
لأن النصف الباقي مقابل لكل الهبة، فإن الباقي يصلح للعوض ابتداء فكان إبقاء، إلا أنه
يتخير، لأنه ما أسقط حقه في الرجوع إلا ليسلم له كل العوض ولم يسلم له فله أن يرده.
قوله: (ليسلم) الأولى لأنه لم يسلم له العوض. قوله: (الغير المشروط) أي في العقد.
قوله: (ولو عوض النصف الخ) عوضه في بعض هبته بأن كانت ألفاً عوضه درهماً منه،
فهو فسخ في حق الدرهم ويرجع في الباقي، وكذا البيت في حق الدار. بزازية. قوله:
(ولا يضر الشيوع) أي الحاصل بالرجوع في النصف. قوله: (ولم أر من صرّح الخ) قائله
صاحب المنح. أقول: صرح به فى غاية البيان ونصه: قال أصحابنا: إن العوض الذي

٥١١
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
وفروع المذهب مطلقة كما مر فتدبر (والخاء خروج الهبة عن ملك الموهوب له) ولو
بهبة إلا إذا رجع الثاني فللأول الرجوع، سواء كان بقضاء أو رضا لما سيجيء أن
الرجوع فسخ، حتى لو عادت بسبب جديد بأن تصدق بها الثالث على الثاني أو
باعها منه لم يرجع الأول، ولو باع نصفه رجع في الباقي لعدم المانع، وقيد الخروج
بقوله (بالكلية) بأن يكون خروجاً عن ملکه من كل وجه، ثم فرّع عليه بقوله (فلو
ضحى الموهوب له بالشاة الموهوبة أو نذر التصدق بها وصارت لحماً لا يمنع
الرجوع) ومثله المتعة والقران والنذر. مجتبى. وفي المنهاج: وإن وهب له ثوباً فجعله
صدقة لله تعالى فله الرجوع خلافاً للثاني (كما لو ذبحها من غير تضحية) فله
الرجوع اتفاقاً.
فرع: عبد عليه دين أو جناية خطأ فوهبه مولاه لغريمه أو لوليّ الجناية سقط
يسقط به الرجوع ما شرط في العقد، فأما إذا عوضه بعد العقد لم يسقط الرجوع، لأنه
غير مستحق على الموهوب له، وإنما تبرّع به ليسقط عن نفسه الرجوع فيكون هبة مبتدأة،
وليس كذلك إذا شرط في العقد، لأنه يوجب أن يصير حكم العقد حكم البيع، ويتعلق
به الشفعة ويرد بالعيب، فدل أنه قد صار عوضاً عنها. وقالوا أيضاً: يجب أن يعتبر في
العوض الشرائط المعتبرة في الهبة من القبض وعدم الإشاعة لأنه هبة. كذا في شرح
الأقطع. وقال في التحفة: فأما العوض المتأخر عن العقد فهو لإسقاط الرجوع، ولا يصير
في معنى المعاوضة لا ابتداء ولا انتهاء، وإنما يكون الثاني عوضاً عن الأول بالإضافة إليه
نصاً كهذا عوض عن هبتك، فإن هذا عوض إذا وجد القبض ويكون هبة يصح، ويبطل
فيما تصح وتبطل به الهبة، وأما إذا لم يضف إلى الأول يكون هبة مبتدأة ويثبت حق
الرجوع في الهبتين جميعاً اهـ مع بعض اختصار. ومفاده: أنهما قولان أو روايتان: الأول
لزوم اشتراطه في العقد. والثاني لا بل لزوم الإضافة إلى الأول. وهذا الخلاف في سقوط
الرجوع، وأما كونه بيعاً انتهاء فلا نزاع في لزوم اشتراطه في العقد. تأمل. قوله: (وفروع
المذهب الخ) قلت: الظاهر أن الاشتراط بالنظر لما سبق من توزيع البدل على المبدل لا
مطلقاً، وحينئذ فما في المجتبى لا يخالف إطلاق فروع المذهب فتأمل. أبو السعود
المصري. قوله: (كما مر) من دقيق الحنطة وولد إحدى جاريتين. قوله: (سواء كان) أي
رجوع الثاني. قوله: (فسخ) فإذا عاد إلى الواهب الثاني ملكه عاد بما كان متعلقاً به.
قوله: (لم يرجع الأول) لأن حق الرجوع لم يكن ثابتاً في هذا الملك. درر عن المحيط.
قوله: (لا يمنع الرجوع) وجازت الأضحية كما في المنح عن المجتبى. قوله: (فجعله) أي
الموهوب له. قوله: (عبد عليه دين الخ) صبيّ له على مملوك وصية دين، فوهب الوصي

٥١٢
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
الدين والجناية، ثم لو رجع صح استحساناً، ولا يعود الدين والجناية عند محمد
ورواية عن الإمام، كما لا يعود النكاح لو وهبها لزوجها ثم رجع. خانية (والزاي
الزوجية وقت الهبة، فلو وهب لامرأة ثم نكحها رجع ولو وهب لامرأته لا) كعكسه.
فرع: لا تصح هبة المولى لأم ولده ولو في مرضه، ولا تنقلب وصیة إذ لا يد
للمحجور، أما لو أوصى لها بعد موته تصح لعتقها بموته فيسلم لها. كافي
(والقاف القرابة، فلو وهب لذي رحم محرم منه) نسباً (ولو ذمياً أو مستأمناً لا
يرجع) شمني (ولو وهب لمحرم بلا رحم كأخيه رضاعاً) ولو ابن عمه (ولمحرم
بالمصاهرة كأمهات النساء والربائب وأخيه وهو عبد لأجنبي أو لعبد أخيه رجع لو
عبده للصبي ثم أراد الوصي الرجوع، في ظاهر الرواية له ذلك، وعن محمد المنع.
بزازية. قوله: (استحساناً) قال في الخانية: وفي القياس لا يصح رجوعه في الهبة، وهو
رواية الحسن عن أبي حنيفة والمعلى عن أبي يوسف وهشام عن محمد، وعلى قول أبي
يوسف: إذا رجع في الهبة ويعود الدين والجناية، وأبو یوسف استفحش قول محمد وقال:
أرأيت لو كان على العبد دين لصغير فوهبه مولاه منه فقبل الوصي وقبض فسقط الدين،
فإن رجع بعد ذلك لو قلنا لا يعود الدين كان قبول الوصي الهبة تصرفاً مضرّاً على
الصغير ولا يملك ذلك، وأما مسألة النكاح ففيها روايتان عن أبي يوسف في رواية: إذا
رجع الواهب يعود النكاح اهـ. قوله: (كعكسه) أي لو وهبت لرجل ثم نكحها رجعت
ولو لزوجها. قوله: (لذي رحم محرم) خرج من كان ذا رحم وليس بمحرم، ومن كان
محرماً وليس بذي رحم. درر. فالأول كابن العم، فإذا كان أخاه من الرضاع أيضاً فهو
خارج أيضاً، واحترز عنه بقوله: ((نسباً) فإنه ليس بذي رحم محرم من النسب كما في
الشرنبلالية، والثاني كالأخ رضاعاً. قوله: (منه نسباً) الضمير في ((منه)) للرحم، فخرج
الرحم غير المحرم كابن العم، والمحرم غير الرحم كالأخ رضاعاً، والرحم المحرم الذي
محرميته لا من الرحم كابن عم هو أخ رضاعاً، وعلى هذا لا حاجة إلى قوله: نسباً. نعم
يحتاج إليه لو جعل الضمير للواهب ليخرج به الأخير. تدبر. قوله: (ولو ابن عمه) أي
ولو كان أخوه رضاعاً ابن عمه، وهذا خارج بقوله: ((منه)) أو بقوله: ((نسباً)) لأن محرميته
ليست من النسب بل من الرضاع. ولا يخفى أن وصله بما قبله غير ظاهر، لأن قوله:
المحرم بلا رحم لا يشمله لكونه رحماً، ويمكن أن يقال قوله: ((بلا رحم)) الباء فيه
للسببية: أي لمحرم بسبب غير الرحم كالباء في قوله بعده ((بالمصاهرة)). قوله: (ولمحرم)
عطف على المحرم فلا يمنع الرجوع. باقاني. قوله: (والربائب الخ) وأزواج البنين
والبنات. خانية. قوله: (رجع) لأن الملك لم يقع فيها للقريب من كل وجه بدليل أن
العبد أحق بما وهب له إذا احتاج إليه وهذا عنده، وقالا: يرجع في الأولى دون الثانية

٥١٣
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
كانا) أي العبد ومولاه (ذا رحم محرم من الواهب فلا رجوع فيها اتفاقاً على الأصح)
لأن الهبة لأيهما وقعت تمنع الرجوع. بحر.
فرع: وهب لأخيه وأجنبي ما لا يقسم فقبضاه له الرجوع في حظ الأجنبي
لعدم المانع. درر (والهاء هلاك العين الموهوبة ولو ادعاه) أي الهلاك (صدق بلا
حلف) لأنه ينكر الرد (فإن قال الواهب هي هذه) العين (حلف) المنكر (أنها ليست
هذه) خلاصة (كما يحلف) الواهب (أن الموهوب له ليس بأخيه إذا ادعى) الأخ
(ذلك) لأنه يدعي مسبب النسب لا النسب. خانية (ولا يصح الرجوع إلا
بتراضيهما أو بحكم الحاكم) للاختلاف فيه فيضمن بمنعه بعد القضاء لا قبله (وإذا
رجع بأحدهما) بقضاء أو رضا (كان فسخاً) لعقد الهبة (من الأصل وإعادة لملكه)
القديم لا هبة للواهب (ـ) لمهذا (لا يشترط فيه قبض الواهب وصح) الرجوع (في
الشائع) ولو كان هبة لما صح فيه (وللواهب رده على بائعه مطلقاً) بقضاء أو رضا
(بخلاف الرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء) لأن حق المشتري في وصف السلامة
لا في الفسخ فافترقا، ثم مرادهم بالفسخ من الأصل أن لا يترتب على العقد أثر في
كما في البحر. قوله: (ذا رحم محرم) صورته: أن يكون لرجل أختان لكل واحدة منهما
ولد وأحد الولدين مملوك للآخر، أو يكون له أخ من أبيه وأخ من أمه وأحدهما مملوك
للآخر. قوله: (هلاك العين) وكذا إذا استهلكت كما هو ظاهر، صرح به أصحاب
الفتاوى. رملي. قلت: وفي البزازية: ولو استهلك البعض له أن يرجع بالباقي. قوله:
(مسبب النسب) بضم الميم وفتح السين وتشديد الباء وهو المال: أي ادعى بسبب النسب
مالاً لازماً وكان المقصود إثباته دون النسب. منح. قوله: (ولا يصح الخ) قال
قاضيخان: وهب ثوباً لرجل ثم اختلسه منه فاستهلكه ضمن الواهب قيمة الثوب
للموهوب له، لأن الرجوع في الهبة لا يكون إلا بقضاء أو رضا. سائحاني. قوله: (أو
بحكم الحاكم الخ) الواهب إذا رجع في هبته في مرض الموهوب له بغير قضاء يعتبر ذلك
من جميع مال الموهوب له أو من الثلث: فيه روايتان، ذكر ابن سماعة في القياس: يعتبر
من جميع ماله. خانية. قوله: (بمنعه) أي وقد طلبه لأنه تعدي، فلو أعتقه قبل القضاء
نفذ، ولو منعه فهلك لم يضمن لقيام ملكه فيه، وكذا إذا هلك بعد القضاء لأنه أول
القبض غير مضمون وهذا دوام عليه. بحر. قوله: (وإعادة) بنصبه معطوف على
((فسخاً). قوله: (لا هبة) أي كما قاله زفر رحمه الله. قوله: (في الشائع) بأن رجع لبعض
ما وهب. قوله: (على بائعه) أي بحكم خيار العيب: يعني ولم يعلم بالعيب قبل الهبة.
أبو السعود. قوله: (مطلقاً) حال من رجوع الواهب. قوله: (وصف السلامة) ولهذا لو

٥١٤
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
المستقبل لا بطلان أثره أصلاً، وإلا لعاد المنفصل إلى ملك الواهب برجوعه.
فصولين (اتفقا) الواهب والموهوب له (على) الرجوع في (موضع لا يصح) رجوعه
من المواضع السبعة السابقة (كالهبة لقرابته جاز) هذا الإنفاق منهما. جوهرة. وفي
المجتبى: لا تجوز الإقالة في الهبة والصدقة في المحارم إلا بالقبض لأنها هبة، ثم
قال: وكل شيء يفسخه الحاكم إذا اختصما إليه فهذا حكمه، ولو وهب الدين
لطفل المديون لم يجز لأنه غير مقبوض، وفي الدرر قضى ببطلان الرجوع لمانع ثم
زال المانع عاد الرجوع (تلفت) العين (الموهوبة واستحقها مستحق وضمن) المستحق
(الموهوب له لم يرجع على الواهب بما ضمن) لأنها عقد تبرّع فلا يستحق فيه
السلامة (والإعارة كالهبة) هنا لأن قبض المستعير كان لنفسه، ولا غرور لعدم
العقد، وتمامه في العمادية (وإذا وقعت الهبة بشرط العوض المعين فهي هبة ابتداء
فيشترط التقابض في العوضين ويبطل) العوض (بالشيوع) فيما يقسم
زال العيب امتنع الرد. قوله: (لعاد المنفصل) أي الزوائد المنفصلة المتولدة من الموهوب.
كذا في الهامش. قوله: (لا يصح رجوعه) صفة للموضع. كذا في الهامش. قوله: (لأنها
هبة) أي الإقالة هبة: أي مستقلة. وعبارة البزازية: استقال المتصدق عليه بالصدقة فأقاله
لم يجز حتى يقبض لأنه هية مستقلة، وكذا إذا كانت الهبة لذي رحم محرم، وكل شيء لا
يفسخه الحاكم إذا اختصما إليه فهذا حكمه، وتمامه فيها فراجعها في نسخة صحيحة.
قوله: (وكل شيء يفسخه) قيل الظاهر أنه سقط منه لفظة ((لا)) والأصل لا يفسخه كما
هو الواقع في الخانية اهـ. وبه يظهر المعنى ويكون المراد منه تعميم المحارم وغيرهم مما لا
رجوع في هبتهم. قوله: (ولو وهب الخ) سيجيء في الورقة الثانية أن المعتمد الصحة.
سائحاني. قوله: (عاد الرجوع) مبني على ما قدمه عن الخانية واعتمده القهستاني، لكن في
كلامه هناك إشارة إلى اعتماد خلافه.
قلت: ولا يخفى ما في إطلاق الدرر، فإن المانع قد يكون خروج الهبة من ملكه ثم
تعود بسبب جديد، وقد يكون للزوجية ثم تزول، وفي ذلك لا يعود الرجوع كما صرحوا
به. نعم صرحوا به فيما إذا بنى في الدار ثم هدم البناء وفيما إذا وهبها لآخر ثم رجع،
ولعل المراد زوال المانع العارض، فالزوجية وإن زالت لكنها مانع من الأصل، والعود
بسبب جديد بمنزلة تجدد ملك حادث من جهة غير الواهب فصارت بمنزلة عين أخرى
غير الموهوبة، بخلاف ما إذا عادت إليه بما هو فسخ، هذا ما ظهر لي فتدبره. قوله:
(وضمن) بتشديد الميم والمستحق فاعله والموهوب مفعوله. قوله: (التقابض) أي في
المجلس وبعده بالإذن. سائحاني. قوله: (في العوضين) فإن لم يوجد التقابض فلكل واحد

٥١٥
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
(بيع انتهاء فترد بالعيب وخيار الرؤية وتؤخذ بالشفعة) هذا إذا قال وهبتك على أن
تعوضني كذا، أما لو قال وهبتك بكذا فهو بيع ابتداء وانتهاء، وقيد العوض بكونه
معيناً، لأنه لو كان مجهولاً بطل اشتراطه فيكون هبة ابتداء وانتهاء.
فرع: وهب الواقف أرضاً شرط استبداله بلا شرط عوض لم يجز، وإن شرط
كان كبيع. ذكره الناصحي. وفي المجمع: وأجاز محمد هبة مال طفله بشرط عوض
مساو ومنعاه
قلت: فيحتاج على قولهما إلى الفرق بين الوقف ومال الصغير انتهى، والله
أعلم.
فَضْلٌ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ
(وهب أمة إلا حملها وعلى أن يردها عليه أو يعتقها أو يستولدها أو) وهب
(داراً على أن يرد عليه شيئاً منها) ولو معيناً كثلث الدار أو ربعها (أو على أن يعوض
في الهبة والصدقة شيئاً عنها صحت) الهبة (وبطل الاستثناء) في الصورة الأولى (و)
بطل (الشرط) في الصورة الباقية لأنه بعض
منهما أن يرجع، وكذا لو قبض أحدهما فقط فلكل الرجوع، القابض وغيره سواء. غاية
البيان. قوله: (بيع انتهاء) أي إذا اتصل القبض بالعوضين. غاية البيان. إلا أنه لاتحالف
لو اختلفا في قدر العوض لما في المقدسي عن الذخيرة اتفاقاً على أن الهبة بعوض. واختلفا
في قدره ولم يقبض والهبة قائمة، خير الواهب بين تصديق الموهوب له والرجوع في الهبة
أو بقيمتها لو هالكة، ولو اختلفا في أصل العوض فالقول للموهوب له في إنكاره،
وللواهب الرجوع لو قائماً، ولو مستهلكاً فلا شيء له، ولو أراد الرجوع فقال أنا أخوك
أو عوضتك أو إنما تصدقت بها فالقول للواهب استحساناً اهـ ملخصاً. قوله: (بلا شرط)
متعلق بوهب. قوله: (إلى الفرق) قال شيخ والدي: وقد يفرق بينهما بأن الواقف لما
شرط الاستبدال وهو يحصل بكل عقد يفيد المعاوضة كان هذا العقد داخلاً في شرطه،
بخلاف هبة الأب مال ابنه الصغير. كذا قاله الرملي في حاشيته على المنح. مدني.
فَضْلٌ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ
قوله: (إلا حملها) اعلم أن استثناء الحمل ينقسم ثلاثة أقسام: في قسم يجوز
التصرف ويبطل الاستثناء كالهبة والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد. وفي قسم لا يجوز
أصل التصرف كالبيع والإجارة والرهن، لأن هذه العقود تبطل بالشروط، وكذا باستثناء
الحمل. وفي قسم يجوز التصرف والاستثناء جميعاً كالوصية، لأن أفراد الحمل بالوصية
جائز فكذا استثناؤه. يعقوبية. قوله: (شيئاً عنها) أي شيئاً مجهولا ح. قوله: (لأنه بعض)

٥١٦
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
أو مجهول، والهبة لا تبطل بالشروط، ولا تنس ما مر من اشتراط معلومية
العوض.
(أعتق حمل أمة ثم وهبها صح، ولو دبره ثم وهبها لم يصح) لبقاء الحمل على
ملكه فكان مشغولاً به، بخلاف الأول (كما لا يصح) تعليق الإبراء عن الدين
بشرط محض كقوله لمديونه إذ جاء غد أو إن متّ بفتح التاء فأنت بريء من الدين
أو إن مت من مرضك هذا أو إن مت من مرضي هذا فأنت في حلّ من مهري فهو
باطل، لأنه مخاطرة وتعليق (إلا بشرط كائن) ليكون تنجيزاً كقوله لمديونه إن كان لي
وقد مر متناً أنه يشترط أن لا يكون العوض بعض الموهوب. قوله: (أو مجهول) الأول:
راجع إلى صورة هبة الدار، والثاني: إلى قوله: ((أو على أن يعوض)) ولا يشمل الثلاث
التي بعد الأولى، فالأولى تعليل الهداية بأن هذه الشروط تخالف مقتضى العقد، فكانت
فاسدة والهبة لا تبطل بها، إلا أن يقال قوله: والهبة لا تبطل بالشروط من تتمة التعليل.
قوله: (ولا تنس الخ) نبه عليه إشارة إلى دفع ما قاله الزيلعي تبعاً للنهاية من أن قوله: ((أو
على أن يعوض الخ)) فيه إشكال، لأنه إن أراد به الهبة بشرط العوض، فهي والشرط
جائزان فلا يستقيم قوله: ((بطل الشرط)) وإن أراد به أن يعوضه عنها شيئاً من العين
الموهوبة فهو تكرار محض، لأنه ذكره بقوله: ((على أن يرد عليه شيئاً منها)) وحاصل الدفع
أن المراد الأول، وإنما بطل الشرط لجهالة العوض. كذا أفاده في البحر. ثم رأيت صدر
الشريعة صرح به فقال: مرادهم ما إذا كان العوض مجهولاً، وإنما يصح العوض إذا كان
معلوماً. قوله: (بشرط محض الخ).
فروع: وهبت مهرها لزوجها على أن يجعل أمر كل امرأة يتزوّجها عليها بيدها ولم
يقبل الزوج، قيل لا يبرأ، والمختار أن الهبة تصح بلا قبول المديون، وإن قبل إن جعل
أمرها بيدها فالإبراء ماض، وإن لم يجعل فكذلك عند البعض، والمختار أنه يعود، وكذا
لو أبرأته على أن لا يضربها ولا يحجرها أو يهب لها كذا فإن لم يكن هذا شرطاً في الهبة لا
يعود المهر.
منعها من المسير إلى أبويها حتى تهب مهرها، فالهبة باطلة لأنها كالمكرهة. وذكر
شمس الإسلام خوفها بضرب حتى تهب مهرها فإكراه إن كان قادراً على الضرب، وذكر
بكر سقوط المهر.
لا يقبل التعليق بالشرط، ألا ترى أنها لو قالت لزوجها إن فعلت كذا فأنت بريء
من المهر لا يصح.
قال لمديونه: إن لم أقتض ما لي عليك حتى تموت فأنت في حلّ فهو باطل، لأنه
تعليق والبراءة لاتحتمله. بزازية. قوله: (لأنه مخاطرة) لاحتمال موت الدائن قبل الغد أو

٥١٧
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
عليك دين أبرأتك عنه صح، وكذا إن مت بضم التاء فأنت بريء منه أو في حل
جاز وكان وصية. خانية (جاز العمرى) للمعمر له ولورثته بعده لبطلان الشرط (لا)
تجوز (الرقبى) لأنها تعليق بالخطر، وإذا لم تصح تكون عارية. شمني. لحديث أحمد
وغيره ((من أعمر عمرى فهي لمعمره في حياته وموته، لا ترقبوا فمن أرقب شيئاً فهو
سبيل الميراث)).
(بعث إلى امرأته متاعاً) هدايا إليها (وبعثت له أيضاً) هدايا عوضاً للهبة
صرحت بالعوض أو لا (ثم افترقا بعد الزفاف وادعى) الزوج (أنه عارية) لا هبة
وحلف (فأراد الاسترداد وأرادت) هي (الاسترداد) أيضاً (يسترد كل) منهما (ما
قبل موت المديون ونحو ذلك، لأن المعنى إذا متّ قبلي وإن جاء الغد والدين عليك
فيحتمل أن يموت الدائن قبل الغد أو قبل موت المديون، فكان مخاطرة. كذا قرره
شيخنا .
وأقول: الظاهر أن المراد أنه مخاطرة في مثل إن متّ من مرضك هذا، وتعليق في
مثل إن جاء الغد والإبراء لا يحتملهما، وأن المراد بالشرط الكائن الموجود حالة الإبراء.
وأما قوله إن متّ بضم التاء فإنما صح وإن كان تعليقاً لأنه وصية، وهي تحتمل التعليق
فافهم. وتقدمت المسألة في متفرقات البيوع فيما يبطل بالشرط، ولا يصح تعليقه به.
قوله: (جاز العمرى) بالضم من الإعمار كما في الصحاح. قال في الهامش: العمرى هي
أن يجعل داره له عمره فإذا مات ترد عليه اهـ. قوله: (لا تجوز الرقبى) هي أن تقول إن
متّ قبلك فهي لك لحديث أحمد وأبي داود والنسائي مرفوعاً ((من أعمر عمرى الخ)) كذا
في الهامش في کافی الحاکم الشھید باب الرقبی.
رجل حضرته الوفاة فقال داري هذه حبيس، لم تكن حبيساً وهي ميراث، وكذا إن
قال داري هذه حبيس على عقبي من بعدي، والرقبى هو الحبيس وليس بشيء.
رجل قال لرجلين عبدي هذا لأطولكما حياة، أو قال عبدي هذا حبيس على
أطولكما حياة فهذا باطل وهو الرقبى، وكذا لو قال لرجل داري لك حبيس، وهذا قول
أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: أما أنا فأرى أنه إذا قال لك حبيس فهي له إذا
قبضها، وقوله: حبيس باطل، وكذلك إذا قال هي لك رقبى اهـ. وفيه أيضاً فإذا قال
داري هذه لك عمرى تسكنها وسلمها إليه فهي هبة، وهي بمنزلة قوله: طعامي هذا لك
تأكله وهذا الثوب لك تلبسه، وإن قال وهبت لك هذا العبد حياتك وحياته فقبضه فهي
هبة جائزة، وقوله: حياتك باطل، وكذا لو قال أعمرتك داري هذه حياتك أو قال
أعطيتكها حياتك فإذا مت فهي لي وإذا مت أنا فهي لوارثي، وكذا لو قال هو هبة لك
ولعقبك من بعدك، وإن قال أسكنتك داري هذه حياتك ولعقبك من بعدك فهي عارية،

٥١٨
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
أعطى) إذ لا هبة فلا عوض، ولو استهلك أحدهما ما بعثه الآخر ضمنه، لأن من
استهلك العارية ضمنها. خانية (هبة الدين ممن عليه الدين وإبراؤه عنه يتم من غير
قبول) إذ لم يوجب انفساخ عقد صرف أو سلم، لكن يرتد بالرد في المجلس وغيره
لما فيه من معنى الإسقاط، وقيل يتقيد بالمجلس. كذا في العناية. لكن في الصيرفية:
لو لم يقبل ولم يرد حتى افترقا ثم بعد أيام رد لا يرتد في الصحيح، لكن في
المجتبى: الأصح أن الهبة تمليك والإبراء إسقاط (تمليك الدين ممن ليس عليه الدين
باطل إلا) في ثلاث: حوالة، وصية، و (إذا سلطه) أي سلط المملك غير المديون
(على قبضه) أي الدين (فيصح) حينئذ، ومنه ما لو وهبت من ابنها
وإنَ قال هي لك ولعقبك من بعدك فهي هبة له، وذكر العقب لغو اهـ. قوله: (فلا
عوض) لأنها إنما قصدت التعويض عن هبة، فلما ادعى العارية ورجع لم يوجد
التعويض فلها الرجوع. قوله: (من غير قبول) لما فيه من معنى الإسقاط ح. قوله: (عقد
صرف أو سلم) لأنه لا يتوقف على القبول في السلم والصرف لكونه موجباً للفسخ فيهما
لا لكونه هبة. منح. قوله: (لكن يرتد الخ) استدراك على قوله: ((يتم من غير قبول))
بمعنى أنه وإن تم من غير قبول لما فيه من معنى الإسقاط لكنه يرتد بالرد لما فيه من معنى
التمليك ح.
قال في الأشباه: الإبراء يرتد بالرد إلا في مسائل: الأولى: إذا أبرأ المحتال المحال
عليه فرده لا يرتد. وكذا إذا قال المديون أبرئني فأبرأه، وكذا إذا أبرأ الطالب الكفيل.
وقيل يرتد. الرابعة: إذا قبله ثم رده لم يرتد اهـ. قوله: (الإسقاط) تعليل للتعميم: يعني
وإنما صح الرد في غير المجلس لما فيه من معنى الإسقاط، إذ التمليك المحض يتقيد رده
بالمجلس، وليس تعليلاً لقوله: يرتد بالرد لما علمت أن علته ما فيه من معنى التمليك فتنبه
ح. قوله: (لكن في الصيرفية) استدراك على تضعيف صاحب العناية القول الثاني. قوله :
(لكن في المجتبى) استدراك على جعلهم كلَّ من الهبة والإبراء إسقاطاً من وجه تمليكاً من
وجه، وأنت خبير بأن هذا الاستدراك مخالف للمشهور ح. قوله: (تمليك) أي فيحتاج إلى
القبول. قال في الهامش: فمن قال بالتمليك يحتاج إلى الجواب. منح. قوله: (إسقاط)
ومن قال للإسقاط لا يحتاج إليه منح. كذا في الهامش. قوله: (على قبضه) أي وقبضه.
قال في جامع الفصولين: هبة الدين ممن ليس عليه لم تجز إلا إذا وهبه وأذن له بقبضه جاز
صك لم يجز، إلا إذا سلطه على قبضه فيصير كأنه وهبه حين قبضه ولا يصح إلا بقبضه
اهـ. فتنبه لذلك. رملي. قال السائحاني: وحينئذ يصير وكيلاً في القبض عن الآمر، ثم
أصيلاً في القبض لنفسه. ومقتضاه صحة عزله عن التسليط قبل القبض، وإذا قبض بدل
الدراهم دنانير صح، لأنه صار الحق للموهوب له فملك الاستبدال، وإذا نوى في ذلك

٥١٩
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
ما على أبيه فالمعتمد الصحة للتسليط، ويتفرع على هذا الأصل لو قضى دين غيره
على أن يكون له لم يجز ولو كان وكيلاً بالبيع. فصولين (و) ليس منه ما (إذا أقرّ
الدائن أن الدين لفلان وأن اسمه) في كتاب الدين (عارية) حيث (صح) إقراره لكونه
إخباراً لا تمليكاً فللمقرّ له قبضه. بزازية. وتمامه في الأشباه من أحكام الدين، وكذا
لو قال الدين الذي لي على فلان لفلان. بزازية وغيرها.
قلت: وهو مشكل لأنه مع الإضافة إلى نفسه یکون تملیكاً، وتملیك الدين
ممن ليس عليه باطل فتأمله. وفي الأشباه في قاعدة تصرف الإمام معزياً لصلح
البزازية اصطلحا أن يكتب اسم أحدهما في الديوان فالعطاء لمن كتب اسمه الخ
(والصدقة كالهبة) بجامع التبرع، وحينئذ (لا تصح غير مقبوضة ولا في مشاع يقسم
التصدق بالزكاة أجزأه كما في الأشباه اهـ. قوله: (ما على أبيه) أي وأمرته بالقبض. بزازية
مدني. قوله: (للتسليط) أي إذا سلطته على القبض كما يشير إليه قوله: ((ومنه)) وفي
الخانية: وهبت المهر لابنها الصغير الذي من هذا الزوج الصحيح أنه لا تصح الهبة إلا إذا
سلطت ولدها على القبض فيجوز ويصير ملكاً للولد إذا قبض اهـ. فقول الشارح
((للتسليط)) أي التسليط صريحاً لا حكماً كما فهمه السائحاني وغيره، لكن لينظر فيما إذا
كان الابن لا يعقل فإن القبض يكون لأبيه، فهل يشترط أن يفرز الأب قدر المهر ويقبضه
لابنه أو يكفي قبوله كما في هبة الدين ممن عليه. قوله: (بالبيع) فلو دفع للموكل عن دين
المشتري على أن يكون ما على المشتري للوكيل لا يجوز. قوله: (وليس منه) أي من تمليك
الدين ممن ليس عليه. قوله: (فتأمله) يمكن الجواب بأن المراد الدين الذي لي على فلان
بحسب الظاهر هو لفلان في نفس الأمر، فلا إشكال فتدبر ح.
أقول: ويمكن أن يكون مبنياً على الخلاف، فإنه قال في القنية راقماً لعلي السعدي:
إقرار الأب لولده الصغير بعين من ماله تمليك إن أضافه إلى نفسه في الإقرار، وإن أطلق
فإقرار كما في سدس داري وسدس هذه الدار، ثم رقم لنجم الأئمة البخاري إقرار في
الحالتين لا تمليك اهـ. قال في إقرار المنح: فيفيد أن في المسألة خلافاً، ولكن الأصل
المذكور هو المشهور، وعليه فروع في الخانية وغيرها. وقد يجاب بأن الإضافة في قوله:
((الدين الذي لي)) إضافة نسبة لا مالك، كما أجاب به الشارح في الإقرار عن قولهم جميع
ما في بيتي لفلان فإنه إقرار، وكذا قالوا من ألفاظ الإقرار جميع ما يعرف بي أو جميع ما
ينسب إليّ، والله تعالى أعلم. وقد مرت المسألة قبيل إقرار المريض وأجبنا عنه بأحسن مما
هنا فراجعه. قوله: (غير مقبوضة) فإن قلت: قدم أن الصدقة لفقيرين جائزة فيما يحتمل
القسمة بقوله: وصح تصدق عشرة الفقيرين. قلت: المراد هنا من المشاع أن يهب بعضه
لواحد فقط فحينئذ هو مشاع يحتمل القسمة، بخلاف الفقيرين فإنه لا شيوع كما تقدم.

٥٢٠
كتاب الهبة / باب الرجوع في الهبة
ولا رجوع فيها) ولو على غني، لأن المقصود فيها الثواب لا العوض، ولو اختلفا
فقال الواهب هبة والآخر صدقة فالقول للواهب. خانية.
فروع: كتب قصة إلى السلطان يسأله تمليك أرض محدودة فأمر السلطان
بالتوقيع فكتب كاتبه جعلتها ملكاً له هل يحتاج إلى القبول في المجلس؟ القياس نعم،
لكن لما تعذر الوصول إليه أقيم السؤال بالقصة مقام حضوره.
أعطت زوجها مالًا بسؤاله ليتوسع فظفر به بعض غرمائه: إن كانت وهبته أو
أقرضته ليس لها أن تسترد من الغريم، وإن أعطته ليتصرف فيه على ملكها فلها
ذلك لا له.
دفع لابنه مالاً ليتصرف فيه ففعل وكثر ذلك فمات الأب: إن أعطاه هبة
فالكل له، وإلا فميراث. وتمامه في جواهر الفتاوى.
بحر. قوله: (ولو على غني) اختاره في الهداية مقتصراً عليه، لأنه قد يقصد بالصدقة على
الغني الثواب لكثرة عياله. بحر. وهذا مخالف لما مر قبيل باب الرجوع من أن الصدقة
على الغنيّ هبة، ولعلهما قولان. تأمل. قوله: (فأمر السلطان) هذا إنما يتم في أرض
موات أو ملك السلطان، أما إذا أقطعه من غير ذلك فللإمام أن يخرجه متى شاء كما
سلف ذلك في العشر والخراج ط. قوله: (أو أقرضته) وسيأتي ما لو تصرف في ما لها
وادعى أنه بإذنها. قوله: (وإلا فميراث) بأن دفع إليه ليعمل للأب.
فروع: دفع دراهم إلى رجل وقال أنفقها ففعل فهو قرض، ولو دفع إليه ثوباً وقال
ألبسه نفسك فهو هبة، والفرق مع أنه تمليك فيهما أن التمليك قد يكون بعوض، وهو
أدنى من تمليك المنفعة، وقد أمكن في الأول لأن قرض الدراهم يجوز، بخلاف الثانية.
ولوالجية. وفيها: قال أحد الشريكين للآخر وهبتك حصتي من الربح والمال قائم
لاتصح، لأنها هبة مشاع فيما يحتمل القسمة، ولو كان استهلكه الشريك صحت.
رجل اشترى حلياً ودفعه إلى امرأته واستعملته ثم ماتت، ثم اختلف الزوج وورثتها
أنها هبة أو عارية، فالقول قول الزوج مع اليمين أنه دفع ذلك إليها عارية، لأنه منكر
للهبة. منح. وانظر ما كتبناه أول كتاب الهبة عن خزانة الفتاوى: قال الرملي: وهذا
صريح في در كلام أكثر العوام أن تمتع المرأة يوجب التمليك ولا شك في فساده اهـ.
وسبقه إلى هذا صاحب البحر كما ذكرناه عنه في باب التحالف، وكتبنا هناك عن البدائع:
أن المرأة إن أقرت أن هذا المتاع اشتراه لي سقط قولها، لأنها أقرت بالملك لزوجها ثم
ادعت الانتقال إليها فلا يثبت إلا بالبينة اهـ. وظاهره شمول ثياب البدن، ولعله في غير
الكسوة الواجبة وهو الزائد عليها. تأمل وراجع. ويدل عليه ما مر أول الهبة من قوله: