Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب القضاء
وكذا أحد شريكي الدين وأجنبيّ بيده مال اليتيم وبعض الموقوف عليهم: أي لو
الوقف ثابتاً كما مر في بابه (أو) نائبه (شرعاً كوصي) نصبه (القاضي) خرج المسخر
كما سيجيء (أو حكماً بأن يكون ما يدعي على الغائب سبباً) لا محالة،
لم يكن في يده شيء. وفيه من متفرقات القضاء أنه ينتصب أحدهم عن الباقي بشروط
ثلاثة: كون العين كلها في يده، وأن لا تكون مقسومة، وأن يصدق الغائب أنها إرث عن
الميت اهـ. وقدمنا تمام الكلام على ذلك في كتاب الوقف، وأفاد الخير الرملي في حاشيته
على جامع الفصولين أن اشتراطهم كون العين في يد المدعى عليه يشمل ما لو كان المدعي
بعض الورثة على بعض فتسمع الدعوى بشراء الدار من المورث وهي واقعة الفتوى اهـ.
قوله: (وكذا أحد شريكي الدين) أي هو خصم عن الآخر في الإرث وفاقاً، وكذا في
غيره عندهما لا عند أبي حنيفة، وقوله قياس، وقولهما استحسان. ثم على قولهما الغائب
لو صدق إن شاء شاركه فيما قبض أو اتبع المطلوب بنصيبه. جامع الفصولين. ومقتضاه
أن الدين للمدعي وشريكه. وأما الدعوى بدين لواحد على اثنين، فذكر قبله ما حاصله:
أنه يقضي به عليهما عنده في رواية، وفي رواية وهي قول أبي يوسف: يقضي بنصفه على
الحاضر؛ ثم قال: يحتمل أن يكون اختلاف الروايات فيه بناء على اختلاف الروايات في
جواز الحكم على الغائب. قوله: (وأجنبي) أي من ليس وارثاً ولا وصياً، وقوله: ((بيده
مال اليتيم)) الذي في البحر: مال الميت، وصورتها ما في جامع الفصولين: وهب في مرض
موته جميع ماله أو أوصى به فمات، ثم ادعى رجل ديناً على الميت، قيل تسمع بينته على
من بيده المال؛ وقيل يجعل القاضي خصماً عنه: أي عند الميت ويسمع عليه بينته، فظهر
أن فيه اختلاف المشايخ.
مَطْلَبٌ فِيْمَنْ يَتْصِبُ خَضْماً عَنْ غَيرِهِ
قوله: (وبعض الموقوف عليهم) لما في القنية: وقف بين أخوين مات أحدهما وبقي
الوقف في يد الحي وأولاد الميت، فأقام الحي بينة على واحد من أولاد الأخ أن الوقف
بطن بعد بطن والباقي غيب والواقف واحد تقبل وينتصب خصماً عن الباقي؛ ثم قال:
وقف بين جماعة تصح الدعوى من واحد منهم أو وكيله، على واحد منهم أو وكيله، إذا
كان الوقف واحداً، وتمامه في البحر. قوله: (أي لو الوقف ثابتاً) أما إذا لم يكن ثابتاً وأراد
إثبات أنه وقف فلا، وقدمنا في الوقف تقرير هذه المسألة بأتم وجه، وذكرنا هناك مسائل
أخر ينتصب فيها البعض خصماً عن غيره. قوله: (خرج المسخر) هو من ينصبه القاضي
لسماع الدعوى على الغائب. قوله: (كما سيجيء) أي قريباً: أي مماثلاً لما يأتي من تقييده
بغير الضرورة. قوله: (أو حكماً) أي بأن يكون قيامه عنه حكماً لأمر لازم. فتح. قوله:
(سبباً لا محالة) أي لا تحول له عن السببية فاحترز بكونه سبباً عما يكون شرطاً، وسيذكره

١٠٢
كتاب القضاء
فلو شرى أمة ثم ادعى أن مولاها زوّجها من فلان الغائب وأراد ردها بعيب الزواج
لم يقبل لاحتمال أنه طلقها وزال العيب. ابن كمال (لما يدعي على الحاضر) مثاله:
(كما إذا) ادعى داراً في يد رجل و (برهن) المدعي (على ذي اليد أنه اشترى) الدار
(من فلان الغائب فحكم) الحاكم (على) ذي اليد (الحاضر كان) ذلك (حكماً على
الغائب) أيضاً، حتى لو حضر وأنكر لم يعتبر
المصنف، وبقوله: ((لا محالة)) عما يكون سبباً في حال دون حال، وعما لا يكون سبباً إلا
بالبقاء إلى وقت الدعوى، فما يكون سبباً في حال دون حال يقبل في حق الحاضر دون
الغائب، وبيانه في مسألتين الوكيل بنقل العبد إلى مولاه أو بنقل المرأة إلى زوجها، فإذا
برهن العبد أنه حرره أو المرأة أنه طلقها ثلاثاً يقبل في حق قصر يد الحاضر، لا في ثبوت
العتق أو الطلاق، فإن المدعي هنا على الغائب وهو العتق أو الطلاق ليس سبباً لا محالة لما
يدعي على الحاضر، وهو قصر يده بانعزاله عن الوكالة، لأنه قد يتحقق العتق والطلاق
بدون انعزال وكيل هناك وكالة أصلاً، وقد يتحقق موجباً للانعزال بأن كان بعد الوكالة،
فليس انعزال الوكيل حكماً أصلياً للطلاق والعتاق، فمن حيث إنه ليس سبباً لحق الحاضر
في الجملة لا يكون الحاضر خصماً عن العائب، ومن حيث إنه قد يكون سبباً قبلنا البيئة
في حق الحاضر بقصر يده وانعزاله؛ وأما ما لا يكون سبباً إلا بالبقاء إلى وقت الدعوى،
فلا يقبل مطلقاً، وبيانه في مسائل منها: ما لو برهن المشتري فاسداً على البيع من غائب
حين أراد البائع فسخ البيع للفساد لا يقبل في حق الحاضر في الفسخ ولا في حق الغائب في
البيع، لأن نفس البيع ليس سبباً لبطلان حق الفسخ لجواز أنه باع من الغائب ثم فسخ
البيع بينهما، وإن شهدوا ببقاء البيع وقت الدعوى لا يقبل، لأنه إذا لم يكن خصماً في
إثبات نفس البيع لم يكن خصماً في إثبات البقاء، لأن البقاء تبع للابتداء، وتمامه في الفتح
وغيره. قوله: (فلو شرى أمة) تفريع على قوله: ((لا محالة)) فكان الأولى ذكره عند قول
المصنف ((ولو كان ما يدعي على الغائب شرطاً بأن يقول بخلاف ما لو شرى أمة الخ))
وبخلاف ما لو كان ما يدعي على الغائب شرطاً الخ ليكون ذكر محترز القيود في محل
واحد. قوله: (لم يقبل) أي برهانه لا في حق الحاضر ولا في حق الغائب، لأن المدعي
شيئان: الرد بالعيب على الحاضر، والنكاح على الغائب. والثاني ليس سبباً للأول إلا
باعتبار البقاء لجواز أن يكون تزوجها ثم طلقها، وإن برهن على البقاء: أي إنها امرأته
للحال لا يقبل أيضاً، لأن البقاء تبع الابتداء: فتح. قوله: (مثاله) لا حاجة إليه لإغناء
الكاف عنه اهـ ح. قوله: (من فلان الغائب) زاد في الفتح: وهو يملكها: أي لأن مجرد
الشراء لا يثبت الملك للمشتري لاحتمال كونها لغير البائع وهو فضولي. قوله: (لأن

١٠٣
كتاب القضاء
لأن الشراء من المالك سبب الملكية لا محالة، وله صور كثيرة ذكر منها في المجتبى
تسعاً وعشرين (ولو كان ما يدعي على الغائب شرطاً) لما يدعيه على الحاضر، كما
الشراء من المالك) هذا هو المدعي على الغائب. قوله: (سبب الملكية) أي والملكية هنا هي
المدعي على الحاضر.
مَطْلَبٌ: المَسَائِلُ الَّتِي يَكُونُ الْقَضَاءُ فِيهَا
عَلَى الْحَاضِرِ قَضَاء عَلَى الْغَائِبِ
قوله: (تسعاً وعشرين) قال في المنح وفي المجتبى بعد أن علم بعلامة شطب: كل
من ادعى عليه حق لا يثبت عليه إلا بالقضاء على الغائب، فالقضاء على الحاضر قضاء على
الغائب .
وتظهر ثمرته في مسائل: منها: أقام بينة أن له على فلان الغائب كذا، وأن هذا
كفيل عنه بأمره يقضي على الغائب والحاضر، لأنها كالمعاوضة، ولو لم يقل بأمره لا يقضي
على الغائب؛ ومنها: لو أقام بينة أنه كفيل بكل ماله على فلان وأن له على فلان ألفاً كانت
قبل الكفالة يقضي على الحاضر والغائب، ولا يحتاج إلى دعوى الكفالة بأمره، بخلاف
الأولى، لأن الكفالة المطلقة لا توجب المال على الكفيل ما لم توجبه على الأصيل، فصار
كأنه علق الكفالة بوجوب المال على الأصيل فانتصب عن الغائب خصماً، ومنها: أن
القاذف إذا قال: أنا عبد فلان فلا حد عليّ فأقام المقذوف بينة أن فلاناً أعتقه حد، وكان
قضاء على الغائب بالعتق؛ ومنها: لو قال له يا ابن الزانية فقال القاذف أمه أمة فلان فأقام
المقذوف بينة أنها بنت فلان القرشية يحكم بالنسب ويحد؛ ومنها: لو أقام بينة أن ابن عم
الميت فلان، وأن الميت فلان بن فلان يجتمعان إلى أب واحد وأنه وارثه فحسب قضى
بالميراث والنسب على الغائب؛ ومنها: لو أقام بينة أن أبوي الميت كانا مملوكين أعتقهما،
ثم ولد لهما هذا الولد ومات وأنه مولاه ووارثه قضى بالولاء وكان قضاء بالولاء على
الأبوين وحرية المولدين بعد عتقهما؛ ومنها: لو قال لدائن العبد المأذون ضمنت لدينك
عليه إن أعتقه مولاه فأقام بينة عليه أن مولاه أعتقه بعد الضمان والعبد والمولى غائبان
يقضي بالضمان، وكان قضاء بالعتق للغائب، وعلى الغائب، ومنها: لو قال المشهود عليه
الشاهد عبد فأقام المدعي أو الشاهد بينة أن مولاه أعتقه قبل الشهادة؛ ومنها: لو ادعى
شيئاً في يد رجل أنه اشتراه من فلان وأقام بينة يقضي له بالملك والشراء من فلان، ومنها:
ما لو قذف عبداً فأقام المقذوف بينة أن مولاه كان أعتقه وادعى كمال الحد؛ ومنها: ما لو
أقام العبد المشتري بينة أن البائع كان أعتقه أو رجل آخر أعتقه وهو يملكه؛ ومنها: ما لو
قال لرجل ما بايعت فلاناً فعليّ فأقام الرجل بينة على الضامن أنه باع فلاناً عبده بألف،

١٠٤
كتاب القضاء
إذا ادعى عبد على مولاه أنه علق عتقه بتطليق زوجة زيد وبرهن على التطليق بغيبة
زید (لا) یقبل
ومنها: ما لو أقام بينة على رجل أنك اشتريت هذه الدار من فلان وأنا شفيعها؛ ومنها:
ما لو قال لرجل علي ألف فاقضها فأقام المأمور بينة أنه قضاها يقضي بقبض الغائب
والرجوع على الآخر، ومنها: ما لو قال لغيره الذي في يدي لفلان فاشتراه لي وأنقد الثمن
فأقام المأمور بينة أنه فعل ذلك؛ ومنها: ما لو قال لرجل اضمن لهذا ماداينني فضمن
فأقام الضمين بينة أن فلاناً داينك كذا وإني قضيت عنك؛ ومنها: الكفيل بأمر أقام بينة
على الأصيل أنه أوفى الطالب؛ ومنها: ما لو أقام بينة على أن له على فلان ألفاً وأنه أحال
بما عليه؛ ومنها: ما لو أقام بينة على رجل أنه كان لفلان عليك ألف أحلته به عليّ
وأديتها إليه؛ ومنها: ما لو طالب البائع المشتري بالثمن فأقام هو بينة أنه أحاله بالثمن على
فلان؛ ومنها: ما لو قال لرجل إن جنى عليك فلان فأنا كفيل بنفسه فأقام بينة أنه جنى
عليه فلان؛ ومنها: ما لو أقام بينة على رجل في يده دار أنها له فأقام ذو اليد بينة أن فلاناً
وهبها له وسلم أو أودع أو باع؛ ومنها: ما لو أقام ذو اليد بينة أن المدعي باعها من فلان
وقبضها تبطل بينة المدعي ويلزم الشراء الغائب؛ ومنها: ما لو قال ذو اليد أودعنيه فلان
فطلب المدعي تحليفه به فنكل فقضى عليه نفذ على فلان؛ ومنها: ما لو قال وصل إلى من
زید و کیل فلان بأمره أو من غاصب منه وحلف المدعي ما یعلم دفع زید فقضى عليه نفذ
على فلان؛ ومنها: ما لو أقام بينة على عبد أن مولاه أعتقه وأنه قطع يده بعد ذلك أو
استدان منه أو اشترى منه أو باع منه؛ ومنها: ما قيل إنه لو قال لامرأته إن طلق فلان
امرأته فأنت طالق فأقامت بينة على الحاضر إن فلاناً طلق امرأته؛ ومنها: ما لو أقام
الحاضر على القاتل بينة أن الولي الغائب قد عفا فتقبل البينة في جميع هذه الصور، ويتضمن
القضاء على الحاضر القضاء على الغائب فيها اهـ ح. قوله: (لا يقبل) لأن الشرط ليس
بأصل بالنسبة إلى المشروط، بخلاف السبب، فإن قضى فقد قضى على الغائب ابتداء.
قهستاني ط .
قلت: والمتبادر من إطلاقهم أنه لا يقبل في حق الحاضر ولا في حق الغائب،
ويؤيده ما في البحر عن جامع الفصولين: علق طلاقها بتزوج عليها فبرهنت أنه تزوج
عليها فلانة الغائبة عن المجلس هل تسمع حال الغيبة؟ فيه روايتان، والأصح أنها لا تقبل
في حق الحاضرة والغائبة فلا طلاق ولا نكاح اهـ. لكن نقل عنه عقبه فرعاً آخر وهو:
ادعت عليه أنه كفل بمهرها عن زوجها لو طلقها ثلاثاً وأنه طلقها ثلاثاً، فأقر المدعى
عليه بالكفالة وأنكر العلم بوقوع الثلاث فبرهنت به، يحكم لها بالمهر على الحاضر لا
بالفرقة على الغائب اهـ. والظاهر أنه خلاف الأصح بقرينة والأصح أنها لا تقبل الخ.

١٠٥
كتاب القضاء
في الأصح (إذا كان فيه إبطال حق الغائب) فلو لم يكن كما إذا علق طلاق امرأته
بدخول زيد الدار يقبل لعدم ضرر الغائب. ومن حيل إثبات العتق على الغائب أن
يدعي المشهود عليه أن الشاهد عبد فلان فبرهن المدعي أن مالكه الغائب أعتقه
تقبل. ومن حيل الطلاق حيلة الكفالة بمهرها معلقة بطلاقها ودعوى كفالته بنفقة
قوله: (في الأصح) مقابله ما حكاه في الفتح عن بعض المتأخرين كفخر الإسلام
والأوزجندي أنهم أفتوا فيه بانتصاب الحاضر خصماً: أي فالشرط عندهم كالسبب،
ويقابله أيضاً ما ذكرناه آنفاً من قبولها في حق الحاضر لا الغائب. قوله: (يقبل لعدم
ضرر الغائب) وذكر في الفتح أنه ليس في هذا قضاء على الغائب بشيء إذ ليس فيه إبطال
حق له اهـ: أي لأن دخول الغائب الدار لا يترتب عليه حكم، لكن قال ط: لو كان
الغائب علق طلاق امرأته بدخوله الدار، فالظاهر أنه في حكم الأول للزوم الضرر اهـ.
قوله: (ومن حيل إثبات العتق الخ) هي من جملة الصور التسع والعشرين المارة. قوله:
(ومن حيل الطلاق الخ) الأولى إسقاطه لقول البحر، وأما حيل إثبات طلاق الغائب
فكلها على الضعيف من أن الشرط كالسبب؛ قال في جامع الفصولين: ومع هذا لو
حكم بالحرمة نفذ لاختلاف المشايخ اهـ.
قلت: يعني إذا كان الحاكم مجتهداً، أما المقلد فلا يصح حكمه بالضعيف كما
ذكرناه سابقاً نعم نقل في البحر بعد هذا عن الخلاصة الطريق في إثبات الرمضانية أن يعلق
وكالة بدخوله فيتنازعان في دخوله فيشهد الشهود فيقضي بالوكالة وبدخوله اهـ قال في
البحر وعليه فإثبات طلاق معلق بدخول شهر حيلة فيه، ولو كان الزوج غائباً لأن هذا
ليس من قبيل الشرط، لأنه لا بد أن يكون فعل الغائب، وكذا إثبات ملك أو وقف أو
نكاح، فيعلق وكالة بملك فلان ذلك الشيء أو بوقفيه كذا أو بكون فلانة زوجة فلان،
ويدعي الوكيل فيقول الخصم وكالتك معلقة بما لم يوجد، فيقول الوكيل بل هي منجزة
لتعلقها بكائن، وبرهن على الملك ونحوه ولا يعلق بفعل الغائب كأن نكح إن وقف إن
طلق إن ملك هذا ما ظهر لي اهـ ملخصاً.
قلت: وفيه نظر لأن المانع إثبات الضرر بالغائب قال في الفتح: الأصل أن ما كان
شرطاً لثبوت الحق للحاضر من غير إبطال حق للغائب قبلت البينة فيه إذ ليس فيه قضاء
على الغائب وما تضمن إبطالاً عليه لا تقبل اهـ فعلم أن المناط إبطال حق الغائب سواء كان
الشرط فعله أو لا فلا فرق بين كون الشرط إن نكح أو إن كانت منكوحته فتفريع هذه
المسائل على ما في الخلاصة غير ظاهر إذ ما فيها ليس فيه حكم على غائب أصلاً بخلاف
هذه المسائل، فإن فيها الحكم على الغائب ابتداء بما يتضرر به ولو ملكاً فإنه قد يلزمه منه

١٠٦
كتاب القضاء
العدة معلقة بالطلاق، ومن أراد أن لا يزني فحيلته ما في دعوى البزازية.
ادعى عليها أن زوجها الغائب طلقها وانقضت عدتها وتزوجها فأقرت بزوجية
الغائب وأنكرت طلاقه فبرهن عليها بالطلاق يقضي عليها أنها زوجة الحاضر، ولا
يحتاج إلى إعادة البينة إذا حضر الغائب (ولو قضى على غائب بلا نائب ينفذ) في أظهر
ضرر واضع اليد المدعي أنه ملكه وغير ذلك فتدبر. قوله: (ومن أراد أن لا يزني الخ) إن
كانت هذه الحيلة صدقاً فلا وجه لتسميتها حيلة، ولا لقوله ومن أراد أن لا يزني وصنيعه
يوهم أن ذلك سائغ كذباً وليس كذلك، بل مثله من أكبر الكبائر ط فالصواب إسقاط
هذه العبارة والاقتصار على عبارة البزازية كما فعل في البحر على أن في صحة هذا الفرع
كلاماً نذكره عقبه. قوله: (فبرهن عليها بالطلاق) أي وبأنه تزوجها بعد العدة كما هو
ظاهر. قوله: (يقضي عليها أنها زوجة الحاضر) أي ويقضي على الغائب بالطلاق كما يدل
عليه ما بعده.
قلت: لكن تقدم أن القضاء على الغائب إنما يصح إذا كان سبباً لما يقضي على
الحاضر لا محالة، ولا شك أن طلاق الغائب ليس كذلك، لأن التزوّج قد يكون بدون
طلاق كما لو لم تكن زوجة أحد، وانظر ما قدمناه عند قوله: ((سبباً لا محالة)) يظهر لك
حقيقة الأمر. قوله: (ولا يحتاج الخ) قال الخير الرملي: وفي جامع الفصولين خلافه.
قوله: (ولو قضى على غائب الخ) أي قضى من يرى جوازه كشافعي لإجماع الحنفية على
أنه لا يقضي على غائب كما ذكره الصدر الشهيد في شرح أدب القضاء، كذا حققه في
البحر.
والحاصل: أنه لا خلاف عندنا في عدم جواز القضاء على الغائب، وإنما الخلاف في
أنه لو قضى به من يرى جوازه هل ينفذ بدون تنفيذ أو لا بد من إمضاء قاض آخر؟
ورأيت نحو هذا منقولًا عن إجابة السائل عن بعض رسائل العلامة قاسم، وبه ظهر أن
قول المصنف فيما مر ((ولا يقضي على غائب)) بيان لحكم المذهب عندنا، وقوله هنا ((ولو
قضى الخ)) حكاية للخلاف في النفاذ وعدمه.
قلت: بقي ما لو قضى الحنفي بذلك، ولا يخفى أنه يأتي فيه الكلام المارّ فيما لو
قضى في مجتهد فيه بخلاف رأيه، وما فيه من التفصيل واختلاف التصحيح فعلى قول من
رجح الجواز لا يبقى فرق بين الحنفي وغيره، وعلى هذا يحمل ما صرح به في القنية من أنه
لا يشترط في نفاذ القضاء على الغائب أن يكون من شافعي، وبه اندفع ما أورده الرملي
والمقدسي على صاحب البحر حيث خصه بمن يرى جوازه كما ذكرنا، واندفع أيضاً ما
يتوهم من المنافاة بين ما ذكره الصدر الشهيد وما في القنية. وهذا ما ظهر لي فتدبره. لكن

١٠٧
كتاب القضاء
الروايتين عن أصحابنا. ذكره منلا خسرو في باب خيار العيب (وقيل لا) ينفذ،
ورجحه غير واحد. وفي المنية والبزازية ومجمع الفتاوى: وعليه الفتوى، ورجح في
الفتح توقفه على إمضاء قاض آخر؛ وفي البحر والمعتمد أن القضاء على المسخر لا
استظهر في البحر بعد ذلك تخصيص الخلاف في النفاذ وعدمه بالحكم للمفقود لا مطلق
الغائب، واستدل بعبارة في الخانية، ونازعه الرملي بأنها لا تدل على مدعاه بل الظاهر من
كلامهم التعميم اهـ. وقال في جامع الفصولين: قد اضطربت أراؤهم وبيانهم في مسائل
الحكم للغائب، وعليه ولم يصف ولم ينقل عنهم أصل قويّ ظاهر يبني عليه الفروع بلا
اضطراب ولا إشكال، فالظاهر عندي أن يتأمل في الوقائع ويحتاط ويلاحظ الحرج
والضرورات فيفتي بحسبها جوازاً أو فساداً، مثلاً لو طلق امرأته عند العدل فغاب عن
البلد ولا يعرف مكانه أو يعرف ولكن يعجز عن إحضاره، أو عن أن تسافر إليه هي أو
وكيلها لبعده أو لمانع آخر. وكذا المديون لو غاب وله نقد في البلد أو نحو ذلك، ففي
مثل هذا لو برهن على الغائب وغلب على ظن القاضي أنه حق لا تزوير ولا حيلة فيه،
فنيبغي أن يحكم عليه وله، وكذا للمفتي أن يفتي بجوازه دفعاً للحرج والضرورات
وصيانه للحقوق عن الضياع، مع أنه مجتهد فيه ذهب إليه الأئمة الثلاثة، وفیه روایتان عن
أصحابنا، وينبغي أن ينصب عن الغائب وكيل يعرف أنه يراعي جانب الغائب ولايفرط
في حقه اهـ. وأقره في نور العين.
قلت: ويؤيده ما يأتي قريباً في المسخر، وكذا ما في الفتح من باب المفقود: لا يجوز
القضاء على الغائب إلا إذا رأى القاضي مصلحة في الحكم له وعليه فحكم فإنه ينفذ لأنه
مجتهد فيه اهـ.
قلت: وظاهره ولو كان القاضي حنفياً ولو في زماننا، ولا ينافي ما مر لأن تجويز هذا
للمصلحة والضرورة. قوله: (وقيل لا ينفذ) أي بل يتوقف على إمضاء قاض آخر كما في
البحر. قوله: (ورجح في الفتح الخ) ليس قولاً ثالثاً، بل هو القول الثاني كما علمت،
وهذا مبني على أن نفس القضاء مجتهد فيه كقضاء محدود في قذف بعد توبته، والأول مبني
على أن المجتهد فيه سبب القضاء، وهو أن هذه البينة هل تكون حجة للقضاء بلا خصم
حاضر أم لا؟ فإذا قضى بها نفذ كما لو قضى بشهادة المحدود في قذف بعد توبته.
مَطْلَبٌ فِي الْقَضَاءِ عَلَى المُسَخَّرِ
قوله: (والمعتمد الخ) مقابله قول جواهر زاده بجوازه، لأنه أفتى بجواز القضاء على
الغائب، وهو عين القضاء على الغائب. بحر. وفيه أيضاً: وتفسير المسخر أن ينصب
القاضي وكيلاً عن الغائب ليسمع الخصومة عليه، وشرطه عند القائل به أن يكون الغائب

١٠٨
كتاب القضاء
يجوز إلا لضرورة وهي في خمس مسائل:
اشتری بالخیار فتواری اختفی المکفول له.
حلف ليوفینه اليوم فتغيب الدائن.
جعل أمرها بيدها إن لم تصل نفقتها فتغيب.
الخامسة: إذا توارى الخصم فالمتأخرون أن القاضي ينصب وكيلًا في الكل،
وهو قول الثاني. خانية.
في ولاية القاضي. قوله: (وهي في خمس) لم يذكر الرابعة في البحر بل زادها الشارح.
قوله: (اشترى بالخيار) أي وأراد الرد في المدة فاختفى البائع فطلب المشتري من القاضي
أن ينصب خصماً عن البائع ليرده عليه، وهذا أحد قولين عزاهما في جامع الفصولين إلى
الخانية، لكنه قدم هذا، وعادة قاضيخان تقديم الأشهر. قوله: (اختفى المكفول له)
صورته: كفل بنفسه على أنه إن لم يواف به غداً فدينه على الكفيل، فغاب الطالب في الغد
فلم يجده الكفيل فرفع الأمر إلى القاضي فنصب وكيلاً عن الطالب وسلم إليه المكفول عنه
يبرأ، وهو خلاف ظاهر الرواية إنما هو في بعض الروايات عن أبي يوسف قال أبو
الليث: لو فعل به قاض علم أن الخصم تغيب لذلك فهو حسن. جامع الفصولين.
قلت: ما قاله أبو الليث توفيق بين الروايتين، لكن ما نذكره من التصحيح في
المسألة التالية لهذه ينبغي إجراؤه في رواية أبي يوسف، إذ لا فرق يظهر بين المسألتين.
تأمل. قوله: (حلف ليوفينه اليوم الخ) بأن علق المديون العتق أو الطلاق على عدم قضائه
اليوم ثم غاب الطالب وخاف الحالف الحنث فإن القاضي ينصب وكيلاً عن الغائب ويدفع
الدين إليه ولا يحنث الحالف وعليه الفتوى. بحر عن الخانية. وفي حاشية مسكين عن
الشيخ شرف الدين الغزي أنه لا حاجة إلى نصب الوكيل لقبض الدين، فإنه إذا دفع إلى
القاضي برّ في يمينه على المختار المفتى به كما في كثير من كتب المذهب المعتمدة، ولو لم
يكن ثمة قاض حنث على المفتى به اهـ. قوله: (فتغيبت) أي لإيقاع الطلاق عليه فإنه
ينصب من يقبض لها ط. قوله: (خانية) لم أر هذه العبارة في الخانية في هذا المحل.
مَطْلَبٌ فِي الْخَصْمِ إِذَا اخْتَفَى فِي بَيْتِهِ
قوله: (الخامسة الخ) ذكر في شرح أدب القاضي: لو قال رجل للقاضي لي على
فلان حق وقد توارى عني في منزله، فالقاضي يكتب إلى الوالي في إحضاره، فإن لم يظفر
به وسأل الطالب الختم على بابه فإن أتى بشاهدين أنه في منزله وقالا رأيناه منذ ثلاثة أيام
أو أقل ختم عليه لا إن زاد على ثلاث، والصحيح أنه مفوّض إلى رأي الحاكم، فإذا ختم
وطلب المدعي أن ينصب له وكيلاً بعث القاضي إلى داره رسولاً مع شاهدين ينادي
بحضرتهما ثلاثة أيام في كل يوم ثلاث مرات يا فلان بن فلان إن القاضي يقول لك

١٠٩
كتاب القضاء
قلت: ونقل شراح الوهبانية عن شرح أدب القاضي أنه قول الكل، وأن
القاضي يختم بيته مدة يراها ثم ينصب الوكيل (ولاية بيع التركة المستغرقة بالدين
للقاضي لا للورثة) لعدم ملکھم
احضر مع خصمك فلان مجلس الحكم وإلا نصبت لك وكيلاً وقبلت بينته عليك، فإن لم
يخرج نصب له وكيلاً وسمع شهود المدعي وحكم عليه بمحضر وكيله اهـ ملخصاً.
قوله: (أنه قول الكل) أي النصب عن الخصم المتوارى، وهو الذي تعطيه عبارة
الكمال. قوله: (وأن القاضي الخ) الذي في شرح الأدب هو ما ذكرناه من تفويض المدة
إلى القاضي في رؤية الشاهدين للمختفي لا في مدة الختم، والذي في شرح الوهبانية مثل
ما ذكرناه أيضاً.
مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ التَّكَِ المُسْتَغْرِقَةِ بِالذِّیْنِ
قوله: (ولاية بيع التركة المستغرقة بالدين للقاضي لا للورثة) هذا مقيد بما إذا لم
تتفق الورثة على أداء الدين كله من ما لهم، لما في الثامن والعشرين من جامع الفصولين:
لو أرادت الورثة أداء دينه لتبقى تركته لهم فاتفقوا عليه، وتحملوا قضاء دينه وإنفاذ وصاياه
من مالهم فلهم ذلك، ولو اختلفوا فللوصيّ بيعها لدينه ووصاياه ولا يلتفت إلى قولهم؛
ثم قال: وجاز لأحد الورثة استخلاص العين من التركة بأداء قيمته إلى الغرماء لا إلى
الوارث الآخر اهـ. وقوله: بأداء قيمت الخ، قال الرملي في حاشيته: عليه هذا إذا لم يكن
الدين زائداً، لأنه ذكر قبله أن الدين لو كان زائداً على التركة فلهم استخلاصها بأداء دينه
كله لا بقدر تركته كقن جنى يفديه مولاه بأرشه. قوله: (لا للورثة) أي إلا برضا الغرماء،
حتى لو باع الوارث: أي بدون رضا الغرماء لا ينفذ؛ وكذلك المولى إذا حجر على العبد
المأذون وعليه دين محيط ليس للمولى أن يبيع العبد وما في يده وإنما يبيعه القاضي، كذا
هذا. منح عن العمادية. ثم ذكر عن القنية قولين ثانيهما: أن القاضي إنما يبيع التركة
المستغرقة لقضاء الدين إذا امتنع الورثة عن بيعها ولم يحك ترجيحاً، لكن اقتصاره في المتن
على القول الأول تبعاً للدرر يفيد ترجيحه، وحكى القولين في التاتر خانية والبزازية أيضاً.
ورأيت بخط شيخ مشايخنا منلا علي التركماني ما نصه: أقول فلذا القضاة الآن
يأذنون لبعض ورثة الميت المستغرقة تركته بالدين ببيعها لوفاء دينه توفيقاً بين القولين
وعملاً بهما.
تنبيه: لم يذكر بيع الوصي، وفي جامع الفصولين: يصح بيع الوصيّ تركة
مستغرقة لو بقيمتها، وليس للغرماء إبطاله. قوله: (لعدم ملكهم) قال في جامع
الفصولين: ولو استغرقها دين لا يملكها بإرث إلا إذا أبرأ الميت غريمه أو أداه وارثه
بشرط التبرع وقت الأداء، أما لو أداه من مال نفسه مطلقاً بلا شرط تبرع أو رجوع

١١٠
كتاب القضاء
حيث كان الدين لغيرهم (يقرض القاضي مال الوقف والغائب) واللقطة (واليتيم)
يجب له دين على الميت فتصير التركة مشغولة بدينه فلا يملكها، حتى لو ترك ابناً وقناً
ودينه مستغرق فأداه وارثه ثم أذن للقن في التجارة أو كاتبه لم يصح إذا لم يملكه اهـ.
وتمام الكلام على ذلك في المنح.
مَطْلَبٌ: دَفَعَ الوَرَثَةُ كرماً مِنَ التَّكَةِ إِلى أَحَدھمْ
ليقضي دین مورثهم فقضاه يصح
تنبيه: قيد بالتركة المستغرقة لأن غيرها ملك للورثة، وفي جامع الفصولين: عليه
دين غير مستغرق فللحاضر من ورثته بيع حصته لحصته من الدين لا بيع حصة غيره
للدين لأنها ملك الوارث الآخر إذ الدين لم يستغرق، فلو دفعت الورثة إلى أحدهم كرماً
من التركة ليقضي دين مورثهم وهو غير مستغرق فقضاه صح لأنه بيع منهم لحصتهم منه
بقدر الدين لأنهم لو دفعوه إلى أجنبي لأداء الدين يكون بيعاً كذا هذا. قوله: (حيث كان
الدين لغيرهم) قال في جامع الفصولين: استغراق التركة بدين الوارث لا يمنع إرثه إذا
كان هو وارثه لا غير اهـ. ومفاده أنه لو كان الدين لبعض الورثة فهو كدين الأجنبي
بالنسبة إلى باقي الورثة.
تنبيه: ذكر الخير الرملي في حاشية الفصولين أن قوله هنا لا يمنع إرثه، لا ينافي ما
مر آنفاً من أن الوارث لو أدى دين الغريم بلا شرط تبرع لا يملكها، لأنه يثبت له
الرجوع بأداء الدين بعد أن لم يكن له ملك فلا يملك القن إلا بتمليك القاضي، بخلاف
الاستغراق بدينه ابتداء إذ لا مانع يمنعه من الملك اهـ.
مَطْلَبٌ؛ لِلْقَاضِي إِقْرَاضُ مَالِ أَلْيَتِيمِ وَنَحْوِهِ
قوله: (يقرض القاضي الخ) أي يستحب له ذلك، لأنه لكثرة أشغاله لا يمكنه أن
يباشر الحفظ بنفسه، والدفع بالقرض أنظر لليتيم لكونه مضموناً والوديعة أمانة، وينبغي
له أن يتفقد أحوال المستقرضين حتى لو اختل أحدهم أخذ منه المال. وتمامه في البحر.
وليس للقاضي أن يستقرض ذلك لنفسه ط عن الهندية. قوله: (مال الوقف) ذكره في
البحر عن جامع الفصولين، لكن فيه أيضاً عن العدة: يسع للمتولي إقراض ما فضل من
غلة الوقف لو أحرز اهـ. ومقتضاه أنه لا يختص بالقاضي، مع أنه صرح في البحر عن
الخزانة أن المتولي يضمن إلا أن يقال: إنه حيث لم يكن الإقراض أحرز. قوله: (والغائب)
زاد في البحر: وله بيع منقوله إذا خاف التلف إذا لم يعلم بمكان الغائب، أما إذا علم فلا
لأنه يمكنه بعثه إليه إذا خاف التلف اهـ. وانظر هل يقيد إقراضه ماله بما إذا لم يعلم
مكانه. قوله: (واللقطة) الظاهر قراءته بالنصب عطفاً على مال، ويجوز جره عطفاً على
المضاف إليه، وهو أولى لئلا يقع منصوباً بين مجرورين، لكن الإضافة فيه بيانية وفيما قبله

١١١
كتاب القضاء
من مليء مؤتمن حيث لا وصي ولا من يقبله مضاربة ولا مستغلاً يشتريه، وله أخذ
المال من أب مبذر ووضعه عند عدل. قنية (ويكتب الصك) ندباً ليحفظه (لا)
يقرض (الأب) ولو قاضياً
وما بعده لامية. تأمل. ثم الظاهر أن المراد بإقراض القاضي اللقطة هنا ما إذا دفعها
الملتقط إليه، وإلا فالتصرف فيها من تصدق أو إمساك للملتقط. تأمل. قوله: (من مليء)
بالهمز في المصباح رجل مليء علي فعيل: غني مقتدر، ويجوز الإبدال والإدغام اهـ: أي
إبدال الهمزة ياء وإدغامها في الياء. قوله: (حيث لا وصي) هذا الشرط زاده في البحر
بحثاً بقوله: وينبغي أن يشترط لجواز إقراض القاضي عدم وصي لليتيم، فإن كان له
وصي ولو منصوب القاضي لم يجز، لأنه من التصرف في ماله وهو ممنوع منه مع وجود
وصيه كما في بيوع القنية اهـ. ورده محشيه الرملي: بأن إطلاق المتون على خلافه، وبأنه إذا
لم يجز منه والوصي ممنوع من الإقراض امتنع النظر لليتيم ولا قائل به. تأمل اهـ. لكنه
أفتى في وصايا الخيرية بأن للوصي إقراض مال اليتيم بأمر القاضي أخذاً مما في وقف البحر
عن القنية، من أن للمتولي إقراض مال المسجد بأمر القاضي. قال: والوصي مثل القيم
لقولهم الوصية والوقف أخوان، فلم يمتنع النظر لليتيم بهذه الجهة. نعم يردّ على البحر
أن الوصي إذا كان لا يملك الإقراض بدون إذن القاضي علم أن ذلك لم يدخل تحت
وصايته، بل بقي للقاضي فلم يكن ممنوعاً منه مع وجود الوصي، كما لو نصب وصياً
على يتيمة ليس لها ولي فللقاضي أن يزوجها بنفسه أو يأذن للوصي بتزويجها، وليس
للوصي ذلك بدون إذن إذ لا يدخل تحت وصايته، بخلاف بيع مال اليتيم ونحوه فليس
للقاضي فعله مع وجود الوصي، فلذا لم يذكر هذا القيد في المتون، فافهم. قوله: (ولا
من يقبله مضاربة الخ) في البحر عن جامع الفصولين: إنما يملك القاضي إقراضه إذا لم
يجد ما يشتريه له يكون غلة لليتيم لا لو وجده أو وجد يضارب لأنه أنفع اهـ: أي أنفع
من الإقراض، وما قيل إن مال المضاربة أمانة غير مضمون فيكون الإقراض أولى، فهو
مدفوع بأن المضاربة فيها ربح، بخلاف القرض. قوله: (ولو مستغلاً يشتريه) أي ما يكون
فيه لليتيم غلة كما علمت، وهو منصوب بالعطف على محل اسم ((لا)) الأولى وإلا كان
حقه الرفع أو البناء على الفتح كما لا يخفى. قوله: (ليحفظه) أي بالاستذكار للمال
وأسماء الشهود ونحو ذلك. قوله: (لا يقرض الأب) أي في أصح الروايتين. فتح. قال
في البحر: وفي خزانة الفتاوى: الصحيح أن الأب كالقاضي، فقد اختلف التصحيح
والمعتمد ما في المتون وشمل ما إذا أخذ مال ولده الصغير قرضاً لنفسه، وهو مروي عن
الإمام، وقيل له ذلك، ولم أر حكم الجد في جواز إقراضه على رواية جوازه للأب
والظاهر أنه كالأب لقولهم الجد أبو الأب كالأب إلا في مسائل، واختلفوا في إعارة الأب

١١٢
كتاب القضاء
لأنه لا يقضي لولده (و) لا (الوصي) ولا الملتقط، فإن أقرضوا ضمنوا لعجزهم عن
التحصيل، بخلاف القاضي، ويستثنى إقراضهم للضرورة کحرق ونهب فيجوز
اتفاقاً. بحر. ومتى جاز للملتقط التصدق فالإقراض أولى (ولو قضى بالجور فالغرم
مال ولده الصغير، وفي الصحيح لا اهـ. قوله: (لأنه لا يقضي لولده) لأنه ربما ينكر
المستقرض فيحتاج للبيئة والقضاء بها ط. قوله: (ولا الوصي) فلو فعل لا يعد خيانة فلا
يعزل به، وكذا ليس له أن يستقرض لنفسه على الأصح، فلو فعل ثم أنفق على اليتيم مدة
يكون متبرعاً إذا صار ضامناً، فلا يتخلص ما لم يرفع الأمر إلى الحاكم ويملك الإيداع،
والبيع نسيئة، وتمامه في البحر. وفيه عن الخزانة: إذا آجر الوصي أو الأب أو الجد أو
القاضي الصغير في عمل من الأعمال فالصحيح جوزاها وإن كانت بأقل من أجرة المثل
اهـ: أي لأن للوصي والأب والجد استعماله بلا عوض بطريق التهذيب والرياضة
فبالعوض أولى، كما في السابع والعشرين من جامع الفصولين، وتمام أبحاث هذه المسائل
فيه. قوله: (ومتى جاز الخ) تقييد لقوله: ((ولا الملتقط بما إذا كان قبل جواز التصدق بها))
وهذا ذكره الزيلعي في مسائل شتى آخر التكاب بقوله: إلا أن الملتقط إذا نشد اللقطة
ومضى مدة النشدات ينبغي أن يجوز له الإقراض من فقير، لأنه لو تصدق بها عليه في
هذه الحالة جاز فالقرض أولى اهـ فافهم.
مِطْلبٌ فِيْمَا لَوْ قَضَى القَاضِي بِالْجَوْرِ
قوله: (ولو قضى بالجور الخ) القضاء بخلاف الحق إما عن خطأ أو عمد، وكل
على وجهين: إما في حقه تعالى، أو حق العبد. فالخطأ في حق العبد إما أن يمكن فيه
التدارك والرد أو لا، فإن أمكن بأن قضى بمال أو صدقة أو طلاق أو إعتاق ثم ظهر أن
الشهود عبيد أو كفار أو محدودون في قذف يبطل القضاء ويرد العبد رقيقاً، والمرأة إلى
زوجها والمال إلى من أخذه منه، وإن لم يمكن الرد بأن قضى بالقصاص واقتص لا يقتل
المقضي له، ويصير صورة القضاء شبهة مانعة، بل تجب الدية في مال المقضي له؛ وهذا
كله إذا ظهر خطأ القاضي بالبيئة أو بإقرار المقضي له، فلو بإقرار القاضي لا يظهر في حق
المقضي له، حتى لا يبطل القضاء في حقه، وأما الخطأ في حقه تعالى بأن قضى بحدّ زنا أو
سرقة أو شرب واستوفى الحد ثم ظهر أن الشهود كما مر في الضمان في بيت المال، وإن
كان القضاء بالجور عن عمد وأقر به فالضمان في ماله في الوجوه كلها بالجناية والإتلاف،
ويعّزر القاضي ويعزل عن القضاء ط عن الهندية ملخصاً.
مَطْلَبٌ: إِذَا قَاسَ الْقَاضِي وَأَخْطَأَ فالخصومة لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ
مع القاضي والمدعي يوم القيامة
تنبيه: القاضي إذا قاس مسألة على مسألة وحكم ثم ظهر رواية بخلافه فالخصومة

١١٣
كتاب القضاء
عليه في ماله إن متعمداً وأقرّ به) أي بالعمد (ولو خطأ ـ) الغرم (على المقضى له)
درر. وفي المنح معزياً للسراج. قال محمد: لو قال تعمدت الجور انعزل عن
القضاء، وفيه عن أبي یوسف: إذا غلب جوره ورشوته ردت قضاياه وشهادته.
فروع: القضاء مظهر لا مثبت، ويتخصص بزمان ومكان وخصومة، حتى لو
للمدعى عليه يوم القيامة مع القاضي والمدعي، أما مع المدعي فلأنه أثم بأخذ المال، وأما
مع القاضي فلأنه أثم بالاجتهاد لأن أحداً ليس من أهل الاجتهاد في زماننا، وبعض أذكياء
خوارزم قاس المفتي على القاضي، فأوردت أن القاضي صاحب مباشر للحكم، فكيف
يؤاخذ السبب مع المباشر فانقطع، وكان له أن يقول: إن القاضي في زماننا ملجأ إلى
الحكم بعد الفتوى، لأنه لو ترك يلام لأنه غير عالم حتى يقضي بعلمه. بزازية قبيل
الشهادات.
قلت: وفيه نظر، فإن هذا لا يسمى إلجاء حقيقة وإلا لزم أن تنقطع النسبة عن
المباشر إلى المتسبب، كما لو أكره رجل آخر بإتلاف عضو على أخذ مال إنسان، فإن
الضمان على المكره بالكسر لصيرورة المكره بالفتح كالآلة، ولا شك أن ما هنا ليس
كذلك، فلم تنقطع النسبة عن المباشر وهو القاضي وإن أثم المتسبب وهو المفتي، ولا
يقاس هذا على مسألة تضمين الساعي إلى ظالم مع أن الساعي متسبب لا مباشر، فإن تلك
مسألة استحسانية خارجة عن القياس زجراً عن السعاية، لكن قد يقال: إن هذا حكم
الضمان في الدنيا والكلام في الخصومة في الآخرة، ولا شك في أن كلّ من المباشر
والمتسبب ظالم آثم وللمظلوم الخصومة معهما وإن اختلف ظلمهما، فإن المباشر ظلمه
أشد، كمن أمسك رجلاً حتى قتله آخر. قوله: (انعزل عن القضاء) الظاهر أن هذا وما
بعده مبنيان على رواية انعزاله بالفسق، وتقدم أن المذهب أنه لاينعزل بل يستحق العزل.
قوله: (وفيه) لم يذكر ذلك في المنح فيعود الضمير إلى السراج. قوله: (وشهادته) أي إذا
أراد أن يشهد شهادة عند القاضي المولى لا يقبلها لفسقه بغلبة الجوز والرشوة، فافهم.
قوله: (القضاء مظهر لا مثبت) لأن الحق المحكوم به كان ثابتاً والقضاء أظهره، والمراد ما
كان ثابتاً ولو تقديراً كالقضاء بشهادة الزور كما مر بيانه في تعريف القضاء عن ابن
الغرس.
مَطْلَبٌ: الْقَضَاءُ بَقْبَلُ التَّقْبِيدَ وَالتَّعْلِيْقَ
قوله: ويتخصص بزمان ومكان وخصومة) عزاه في الأشباه إلى الخلاصة. وقال في
الفتح من أول كتاب القضاء: الولاية تقبل التقييد والتعليق بالشرط كقوله: إذا وصلت
إلى بلدة كذا فأنت قاضيها، وإذا وصلت إلى مكة فأنت أمير الموسم. والإضافة:
كجعلتك قاضياً في رأس الشهر، والاستثناء منها: كجعلتك قاضياً إلا في قضية فلان ولا

١١٤
كتاب القضاء
أمر السلطان بعد سماع الدعوى بعد خمسة عشر سنة فسمعها لم ينفذ.
قلت: فلا تسمع الآن بعدها إلا بأمر إلا في الوقف والإرث ووجود عذر
شرعي، وبه أفتى المفتي أبو السعود فليحفظ.
تنظر في قضية كذا، والدليل على جواز تعليق الإمارة وإضافتها قوله ◌َ لهول حين بعث
البعث إلى مؤتة وأمر عليهم زيد بن حارثة ((إِنْ قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَجَعْفَرُ أَمِيرُكُمْ، وَإِنْ
قُتِلَ جَعْفَرُ فَعَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ)) وهذه القصة مما اتفق عليها جميع أهل السير والمغازي
اهـ.
مَطْلَبٌ في عَدَمِ سَمَاعِ الدَّغْوَى بَعْدَ خمسَ عَشْرَةَ سَنَّةً
قوله: (بعد خمسة عشر سنة) المناسب خمس عشرة بتذكير الأول وتأنيث الثاني،
لكون المعدود مؤنثاً وهو سنة. وأجاب ط بأنه على تأويل السنة بالعام أو الحول. قوله:
(فلا تسمع الآن بعدها) أي لنهي السلطان عن سماعها بعدها، فقد قال السيد الحموي
حاشية الأشباه: أخبرني أستاذي شيخ الإسلام يحيى أفندي الشهير بالمنقاري أن السلاطين
الآن يأمرون قضاتهم في جميع ولاتهم أن لا يسمعوا دعوى بعد مضيّ خمس عشرة سنة
سوى الوقف والإرث اهـ. ونقل في الحامدية فتاوى من المذاهب الأربعة بعدم سماعها بعد
النهي المذكور.
مَطْلَبٌ: هَلْ يَبْقَى الَّهْيُ بَعْدَ مَوْتِ السُّلْطَانِ
لكن هل يبقى النهي بعد موت السلطان الذي نهى، بحيث لا يحتاج من بعده إلى
نهي جديد؟ أفتى في الخيرية بأنه لا بد من تجديد النهي، ولا يستمر النهي بعده، وبأنه إذا
اختلف الخصمان في أنه منهيّ أو غير منهي فالقول للقاضي ما لم يثبت المحكوم عليه
النهي، وأطال في ذلك وأطاب فراجعه. وأما ما ذكره السيد الحموي أيضاً من أنه قد علم
من عادتهم: يعني سلاطين آل عثمان نصرهم الرحمن، من أنه إذا تولى سلطان عرض عليه
قانون من قبله وأخذ أمره باتباعه فلا يفيد هنا، لأن معناه: أن يلتزم قانون أسلافه بأن
يأمر بما أمروا به وينهى عما نهوا عنه، ولا يلزم منه أنه إذا ولى قاضياً ولم ينهه عن سماع
هذه الدعوى أن يصير قاضيه منهياً بمجرد ذلك، وإنما يلزم منه أنه إذا ولاه ينهاه صريحاً
ليكون عاملاً بما التزمه من القانون، كما اشتهر أنه حين يوليه الآن يأمره في منشوره
بالحكم بأصح أقوال المذهب كعادة من قبله، وتمام الكلام على ذلك في كتابنا تنقيح
الحامدية فراجعه، وأطلنا الكلام عليه أيضاً في كتابنا تنبيه الولاة والحكام. قوله: (إلا في
الوقف والإرث ووجود عذر شرعي) استثناء الإرث موافق لما مر عن الحموي، ولما في
الحامدية عن فتاوى أحمد أفندي أحمد أفندي المهمنداري مفتي دمشق أنه كتب على ثلاثة

١١٥
كتاب القضاء
أسئلة أنه تسمع دعوى الإرث ولا يمنعها طول المدة ويخالفه ما في الخيرية حيث ذكر أن
المستثنى ثلاثة مال اليتيم والوقف والغائب، ومقتضاه أن الإرث غير مستثنى فلا تسمع
دعواه بعد هذه المدة، وقد نقل في الحامدية عن المهمنداري أيضاً أنه كتب على سؤال آخر
فيمن تركت دعواها الإرث بعد بلوغها خمس عشرة سنة بلا عذر، أن الدعوى لا تسمع
إلا بأمر سلطاني، ونقل أيضاً مثله فتوى تركية عن المولى أبي السعود، وتعريبها: إذا تركت
دعوى الإرث بلا عذر شرعي خمس عشرة سنة فهل لا تسمع؟ الجواب: لا تسمع اهـ. إذا
اعترف الخصم بالحق. ونقل مثله شيخ مشايخنا التركماني عن فتاوى علي أفندي مفتي
الروم، ونقل مثله أيضاً شيخ مشايخنا السائحاني عن فتاوى عبد الله أفندي مفتي الروم،
وهذا الذي رأينا عليه عمل من قبلنا، فالظاهر أنه ورد نهي جديد بعدم سماع دعوى
الإرث، والله سبحانه أعلم.
تنبيهات. الأول: قد استفيد من كلام الشارح أن عدم سماع الدعوى بعد هذه المدة
إنما هو للنهي عنه من السلطان، فيكون القاضي معزولاً عن سماعها لما علمت من أن
القضاء يتخصص فلذا قال: إلا بأمر: أي فإذا أمر بسماعها بعد هذه المدة تسمع، وسبب
النهي قطع الحيل والتزوير، فلا ينافي ما في الأشباه وغيرها من أن الحق لا يسقط بتقادم
الزمان اهـ. ولذا قال في الأشباه أيضاً: ويجب عليه سماعها اهـ: أي يجب على السلطان
الذي نهى قضاته عن سماع الدعوى بعد هذه المدة أن يسمعها بنفسه، أو يأمر بسماعها
كي لا يضيع حق المدعي، والظاهر أن هذا حيث لم يظهر من المدعي أمارة التزوير، وفي
بعض نسخ الأشباه: ويجب عليه عدم سماعها، وعليه، فالضمير يعود للقاضي المنهي عن
سماعها، لكن الأول هو المذكور في معين المفتي.
الثاني: أن النهي حيث كان للقاضي لا ينافي سماعها من المحكم، بل قال المصنف
في معين المفتي: إن القاضي لا يسمعها من حيث كونه قاضياً، فلو حكمه الخصمان في
تلك القضية التي مضى عليها المدة المذكورة فله أن يسمعها.
الثالث: عدم سماع القاضي لها إنما هو عند إنكار الخصم، فلو اعترف تسمع كما
علم مما قدمناه من فتوى المولى أبي السعود أفندي، إذ لا تزوير مع الإقرار.
الرابع: عدم سماعها حيث تحقق تركها هذه المدة، فلو ادعى في أثنائها لا يمنع بل
يسمع دعواه ثانياً ما لم يكن بين الدعوى الأولى والثانية هذه المدة. ورأيت بخط شيخ
مشايخنا التركماني في مجموعته أن شرطها: أي شرط الدعوى مجلس القاضي، فلا تصح
الدعوى في مجلس غيره كالشهادة. تنوير وبحر ودرر. قال: واستفيد منه جواب حادثة

١١٦
كتاب القضاء
الفتوى، وهي أن زيداً ترك دعواه على عمرو مدة خمس عشرة سنة ولم يدع عند القاضي
بل طالبه بحقه مراراً في غير مجلس القاضي، فمقتضى ما مر لا تسمع لعدم شرط
الدعوى، فليكن على ذكر منك، فإنه تكرر السؤال عنها، وصريح فتوى شيخ الإسلام
علي أفندي: أنه إذا ادعى عند القاضي مراراً ولم يفصل القاضي الدعوى ومضت المدة
المزبورة تسمع، لأنه صدق عليه أنه لم يتركها عند القاضي اهـ ما في المجموعة، وبه أفتى
في الحامدية. ثم لا يخفى أن ترك الدعوى إنما يتحقق بعد ثبوت حق طلبها، فلو مات
زوج المرأة أو طلقها بعد عشرين سنة مثلاً من وقت النكاح فلها طلب مؤخر المهر، لأن
حق طلبه إنما ثبت لها بعد الموت أو الطلاق لا من وقت النكاح، ومثله ما يأتي فيما لو
أخر الدعوى هذه المدة لإعسار المديون ثم ثبت يساره بعدها، وبه يعلم جواب حادثة
الفتوى سئلت عنها حين كتابتي لهذا المحل في رجل له كدك دكان وقف مشتمل على
منجور وغيره وضعه من ماله في الدكان بإذن ناظر الوقف من نحو أربعين سنة وتصرف
فيه هو وورثته من بعده في هذه المدة ثم أنكره الناظر الآن وأنكر وضعه بالإذن وأراد
الورثة إثباته وإثبات الإذن بوضعه، والذي ظهر لي في الجواب سماع البينة في ذلك، لأنه
حيث كان في يدهم ويد مورثهم هذه المدة معارض لم يكن ذلك تركاً للدعوى ونظير ذلك
ما لو ادعى زيد على عمرو بدار في يده فقال له عمرو كنت اشتريتها منك من عشرين سنة
وهي في ملكي إلى الآن وكذبه زيد في الشراء، فتسمع بينة عمرو على الشراء المذكور بعد
هذه المدة، لأن الدعوى توجهت عليه الآن وقبلها كان واضع اليد بلا معارض فلم يكن
مطالباً بإثبات ملكيتها فلم يكن تاركاً للدعوى، ومثله فيما يظهر أن مستأجر دار الوقف
يعمرها بإذن الناظر، وينفق عليها مبلغاً من الدراهم يصير ديناً له على الوقف، ويسمى في
زماننا مرصداً، ولا يطالب به ما دام في الدار، فإذا خرج منها فله الدعوى على الناظر
بمرصده المذكور وإن طالت مدته حيث جرت العادة بأنه لا يطالب به قبل خروجه، ولا
سيما إذا كان في كل سنة يقتطع بعضه من أجرة الدار، فليتأمل.
الخامس: استثناء الشارح العذر الشرعي أعم مما في الخيرية من الاقتصار على استثناء
الوقف ومال اليتيم والغائب، لأن العذر يشمل ما لو كان المدعى عليه حاكماً ظالماً كما
يأتي، وما لو كان ثابت الإعسار في هذه المدة ثم أيسر بعدها فتسمع كما ذكره في
الحامدية .
السادس: استثناء مال اليتيم مقيد بما إذا لم يتركها بعد بلوغه هذه المدة وبما إذا لم
يكن له وليّ كما يأتي. وفي الحامدية: لو كان أحد الورثة قاصراً والباقي بالغين تسمع
الدعوى بالنظر إلى القاصر بقدر ما يخصه دون البالغين.

١١٧
كتاب القضاء
أمر السلطان إنما ينفذ إذا وافق الشرع، وإلا فلا. أشباه من القاعدة الخامسة
مَطْلَبُ: إِذَا تَرَكَ الدَّعْوَى ثَلَاثاً وَثَلَائِيْنْ سَنَّةً لَا تُسْمَعُ
السابع: استثنوا الغائب والوقف ولم يبينوا له مدة فتسمع من الغائب ولو بعد
خمسين سنة، ويؤيده قوله في الخيرية: من المقرر أن الترك لا يتأتى من الغائب له أو عليه
لعدم تأتي الجواب منه بالغيبة والعلة خشية التزوير، ولا يتأتى بالغيبة الدعوى عليه، فلا
فرق فيه بين غيبة المدعي والمدعى عليه اهـ. وكذا الظاهر في باقي الأعذار أنه لا مدة لها،
لأن بقاء العذر وإن طالت مدته يؤكد عدم التزوير؛ بخلاف الوقف، فإنه لو طالت مدة
دعواه بلا عذر ثلاثاً وثلاثين سنة لا تسمع كما أفتى به في الحامدية أخذاً مما ذكره في البحر
في كتاب الدعوى عن ابن الغرس عن المبسوط: إذا ترك الدعوى ثلاثاً وثلاثين سنة ولم
يكن مانع من الدعوى ثم ادعى لا تسمع دعواه، لأن ترك الدعوى مع التمكن يدل على
عدم الحق ظاهراً اهـ. وفي جامع الفتوى عن فتاوى العتابي: قال المتأخرون من أهل
الفتوى: لا تسمع الدعوى بعد ست وثلاثين سنة، إلا أن يكون المدعي غائباً أو صبياً أو
مجنوناً وليس لهما ولي، أو المدعى عليه أميراً جائراً اهـ. ونقل ط عن الخلاصة: لا تسمع
بعد ثلاثين سنة اهـ. ثم لا يخفى أن هذا ليس مبنياً على المنع السلطاني بل هو منع من
الفقهاء، فلا تسمع الدعوى بعده وإن أمر السلطان بسماعها.
مَطْلَبُ: بَاعَ عَقَاراً وَأَحَدُ أَقَارِبِهِ حَاضِرٌ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ
الثامن: سماع الدعوى قبل مضي المدة المحدودة مقيد بما إذا لم يمنع منه مانع آخر
يدل على عدم الحق ظاهراً لما سيأتي في مسائل آخر الكتاب من أنه لو باع عقاراً أو غيره
وامرأته أو أحد أقاربه حاضر يعلم به ثم ادعى ابنه مثلاً أنه ملكه لا تسمع دعواه، وجعل
سكوته كالإفصاح قطعاً للتزوير والحيل، بخلاف الأجنبي فإن سكوته ولو جاراً لا يكون
رضا، إلا إذا سكت الجار وقت البيع والتسليم وتصرف المشتري فيه زرعاً وبناء فلا تسمع
دعواه على ما عليه الفتوى قطعاً للأطماع الفاسدة اهـ. وأطال في تحقيقه في الخيرية من
كتاب الدعوى، فقد جعلوا مجرد سكوت القريب أو الزوجة عن البيع مانعاً من دعواه بلا
تقييد باطلاعه على تصرف المشتري كما أطلقه في الكنز والملتقى، وأما دعوى الأجنبي ولو
جاراً فلا بد في منعها من السكوت بعد الاطلاع على تصرف المشتري، ولم يقيدوه بمدة،
وقد أجاب المصنف في فتاواه فيمن له بيت يسكنه مدة تزيد على ثلاث سنين ويتصرف فيه
هدماً وعمارة مع اطلاع جاره على ذلك بأنه لا تسمع دعوى الجار عليه البيت أو بعضه
على ما عليه الفتوى وسيأتي تمام الكلام على ذلك آخر الكتاب في مسائل شتى قبيل
الفرائض إن شاء الله تعالى، فانظره هناك فإنه مهم.
مَطْلَبُ: طَاعَةُ الإِمَامِ وَأَجِبَةٌ
قوله: (أمر السلطان إنما ينفذ) أي يتبع ولاً تجوز تخالفته، وسيأتي قبيل الشهادات

١١٨
كتاب القضاء
وفوائد شتى. فلو أمر قضاته بتحليف الشهود وجب على العلماء أن ينصحوه
ويقولوا له لا تكلف قضاتك إلى أمر يلزم منه سخطك أو سخط الخالق تعالى.
قضاء الباشا وكتابه إلى القاضي جائز إن لم يكن قاض مولى من السطان .
الحاكم كالقاضي إلا في أربع عشرة مسألة ذكرناها في شرح الكنز: يعني في
البحر.
وفي الفصل الأول من جامع الفصولين: القاضي بتأخير الحكم يأثم ويعزّر
ويعزل. وفي الأشباه: لا يجوز للقاضي تأخير الحكم بعد وجود شرائطه إلا في
ثلاث: لريبة ولرجاء صلح أقارب، وإذا استمهل المدعي.
عند قوله: ((أمرك قاض بقطع أو رجم الخ)) التعليل بوجوب طاعة ولي الأمر. وفي ط
عن الحموي أن صاحب البحر ذكر ناقلاً عن أئمتنا أن طاعة الإمام في غير معصية
واجبة، فلو أمر بصوم يوم وجب اهـ. وقدمنا أن السلطان لو حكم بين الخصمين ينفذ
في الأصح، وبه يفتى. قوله: (يلزم منه سخطك) أي إن عصوك وسخط الخالق: أي إن
أطاعوك اهـ ح عن الأشباه، وفي سخط ضم المهملة مع سكون الخاء المعجمة وفتحها،
ونقل عن الصيرفية جواز التحليف، وهو مقيد بما إذا رآه القاضي جائزاً: أي بأن كان
ذا رأي، أما إذا لم يكن له رأي فلا ط عن أبي السعود. والمراد بالرأي الاجتهاد. قوله:
(قضاء الباشا الخ) قدمنا الكلام عليه قبيل قول المصنف ((لا يقضي على غائب ولا له)).
قوله: (الحاكم كالقاضي) في بعض النسخ ((المحكم)) وهو الذي في البحر والأشباه.
قوله: (إلا في أربع عشرة مسألة) سيأتي في آخر باب التحكيم أنه في البحر عدها سبعة
عشر، ويأتي بيانه هناك مع زيادة عليها. قوله: (ذكرناها) من كلام الأشباه. قوله:
(ويعزل) أي يستحق العزل كما في الزيلعي. قوله: (لريبة) أي إذا كان له ريبة في
الشهود، ومنها: ثلاثة شهدوا عنده ثم قال أحدهم قبل القضاء أستغفر الله كذبت في
شهادتي فسمعه القاضي بلا تعيين شخصه، فسألهم فقالوا كلنا على شهادتنا فإنه لا يقضي
بشهادتهم ويخرجهم من عنده حتى ينظر في ذلك. بيري. قوله: (ولرجاء صلح أقارب)
وكذا الأجانب، لأن القضاء يورث الضغينة فيحترز عنه مهما أمكن ط عن الشيخ
صالح. وفي البيري عن خزانة الأكمل: إذا طمع القاضي في إرضاء الخصمين لا بأس
بردهم، ولا ينفذ القضاء بينهما لعلهما يصطلحان، ولا يردهما أكثر من مرتين وإن لم
يطمع أنفذ القضاء اهـ. قوله: (وإذا استمهل المدعي) أراد أن المدعي إذا استمهل من
القاضي حتى يحضر بينة فإنه يمهله، وكذا إذا أقام البينة ثم إن المدعى عليه استمهل من
القاضي حتى يأتي بالدفع فإنه يجيبه، ولا يعجل بالحكم اهـ. وهذا إذا أقام البينة ثم إن
المدعى عليه استمهل من القاضي حتى يأتي بالدفع فإنه يجيبه، بعد أن يسأله عن الدفع

٠ـ
كتاب القضاء
١١٩
لا يصح رجوعه عن قضائه إلا في ثلاث: لو بعلمه، أو ظهور خطؤه، أو
بخلاف مذهبه .
فعل القاضي حكم، فلو زوّج اليتيمة من نفسه أو ابنه لم يجز
وکان صحيحاً، فلو فاسداً لا يمهله ولا يلتفت إليه كما في قاضيخان. بيري.
قلت: وسيأتي قبيل باب دعوى الرجلين أنه لو قال المدعي عليه لي دفع يمهل إلى
المجلس الثاني. وزاد البيري عن الخلاصة مسألة أخرى: يؤخر فيها إذا لم يعتمد على فتوى
أهل مصره، فبعث الفتوى إلى مصر آخر لا يأثم بتأخير القضاء.
مَطْلَبُ: لَا يَصِحُ رُجُوعِ الْقَاضِي عَنْ قَضَائِهِ إِلَّ فِي ثَلَاثٍ
قوله: (لا يصح رجوعه عن قضائه) فلو قال رجعت عن قضائي أو وقعت في
تلبيس الشهود أو أبطلت حكمي لم يصح والقضاء ماض كما في الخانية. أشباه. قيد
بالرجوع لأنه لو أنكر القضاء وقال الشهود قضى فالقول له على المفتى به. ذكره ابن
الغرس. وقدمنا أول القضاء عن جامع الفصولين اعتماد خلافه في زماننا.
مَطْلَبٌ في حُكْمِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ
قوله: (ولو بعلمه) كما إذا اعترف عنده شخص لآخر بمبلغ وغابا عنه، ثم تداعی
عنده اثنان فحكم على أحدهما ظاناً أنه ذلك المعترف ثم تبين له أنه غيره له نقضه. وتمامه
في شرح الوهبانية. وهذا مبني على أن للقاضي العمل بعلمه، والفتوى على عدمه في زماننا
كما نقله في الأشباه عن جامع الفصولين، وقيد بزماننا لفساد القضاة فيه، وأصل المذهب
الجواز، وسيأتي تمامه في باب كتاب القاضي إلى القاضي. قوله: (أو ظهر خطؤه) بيانه عند
قوله: (ولو قضى بالجور)). قوله: (أو بخلاف مذهبه) تقدم بيانه عند قوله: ((قضى في
مجتهد فیه بخلاف رأیه».
مَطْلَبٌ: فِعْلُ القَاضِي حُكْمٌ
قوله: (فعل القاضي حكم الخ) كذا في الأشباه تفريعاً واستثناء، وذكر في البحر
أول كتاب القضاء: فعل القاضي على وجهين.
الأول: ما لا يكون موضعاً للحكم كما لو أذنته مكلفة بتزويجها فإنه وكيل عنها
ففعله ليس بحكم كما في القاسمية.
الثاني: ما يكون محلاً للحكم كتزويج صغيرة لا وليّ لها، وشرائه وبيعه مال اليتيم،
وقسمته العقار ونحو ذلك، فجزم في التجنيس بأنه حكم، وكذا تزويجه اليتيمة من ابنه
ورده في نكاح الفتح بأن الأوجه أنه ليس بحكم لانتفاء شرطه: أي من الدعوى

١٢٠
كتاب القضاء
الصحيحة، وبأن إلحاقه بالوكيل يكفي للمنع: يعني أن الوكيل بالنكاح لا يملك التزويج
من ابنه فالقاضي بمنزلته، فیغني ذلك عن كونه حكماً.
وعلى هذا فقولهم شراء القاضي مال اليتيم أو شيئاً من الغنيمة لنفسه لا يجوز لأنه
حكم لنفسه، خلاف الأوجه لأن إلحاقه بالوكيل للمنع مغن عن كونه حكماً، لأن شراء
الوكيل لنفسه باطل، لكن لما كثر في كلامهم كون فعله حكماً.
مَطْلَبٌ: الْقَضَاءُ الْقَوْلِيُّ يحتَاجُ لِلدَّغْوَى بِخِلَافِ الفِعْلِيِّ وَالضُّمْنِيِّ
فالأولى أن يقال تصحيحاً لكلامهم: إن الحكم القولي يحتاج إلى الدعوى والفعلي لا
كالقضاء الضمني لا يحتاح إليها وإنما يحتاجها القصدي، ويدخل الضمني تبعاً. وقال
محمد في الأصل: لو طلب الورثة القسمة للعقار وفيهم غائب أو صغير: قال الإمام: لا
أقسم ما لم يبرهنوا على الموت والمواريث، ولا أقضي على الغائب والصغير بقولهم لأن
قسمة القاضي قضاء منه. وقالا: يقسم اهـ. وهذا قاطع للشبهة فتعين الرجوع إلى الحق اهـ
ما في البحر ملخصاً.
وحاصله: أن ما في الأصل لا يمكن إلحاقه بالوكيل في المنع من القسمة، فتعين أن
العلة ما نص عليها من كون فعله حكماً، وتعين التوفيق بما ذكر من أن القضاء الفعلي لا
يحتاج إلى الدعوى كالضمني، بخلاف القولي القصدي. وبه اندفع ما مر عن الفتح من
قوله: لانتفاء شرطه، واندفع أيضاً قول ابن الغرس: إن الصواب أن الفعل لا يكون
حكماً. نعم قال في النهر: مما يدل على أنه ليس بحكم إثباتهم خيار البلوغ للصغير
والصغيرة بتزويج القاضي على الأصح، إذ لو كان تزويجه حكماً لزم نقضه اهـ.
قلت: وقد يقال: إن معنى كونه حكماً أنه إذا زوج اليتيمة ليس لغيره نقضه، كما
أفتى به ابن نجيم: أي لو رفع إلى حاكم آخر لا يراه ليس له نقضه بل عليه تنفيذه، لأن
الحكم يرفع الخلاف، ولا يلزم من هذا أنه ليس لها خيار البلوغ كما لو زوجها عصبة غير
الأب والجد وحكم به القاضي، فإن حكمه بصحة العقد لا ينافي ثبوت خيار البلوغ كما
لا يخفى، فكذا هنا بالأولى.
مَطْلَبٌ فِي الْقَضَاءِ الضُّمْنِيّ
تتمة: قال في الأشباه: القضاء الضمني لا يشترط له الدعوى والخصومة، فإذا شهدا
على خصم بحق وذكر اسمه واسم أبيه وجده وقضى بذلك الحق كان قضاء بنسبه ضمناً
وإن لم يكن في حادثة النسب اهـ. أي إذا كان المشهود عليه غير مشار إليه، فلو مشاراً إليه
لا يثبت نسبه كما أوضحه الحموي. ثم قال في الأشباه: وعلى هذا لو شهدا بأن فلانة