Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ كتاب البيوع / باب الصرف وأما الفلوس فإن رائجة فكثمن وإلا فكسلع (و) الثمن (من حكمه عدم اشتراط وجوده في ملك العاقد عند العقد وعدم بطلانه) أي العقد (بهلاكه) أي الثمن (ويصح الاستبدال به في غير الصرف والسلم) لا فيهما (وحكم المبيع خلافه) أي الثمن (في الكل) فيشترط وجود المبيع في ملكه وهكذا. ومن حكمهما وجوب التساوي عند المقابلة بالجنس في المقدرات كما تقرر. تذنيب: في بيع العينة (وأما الفلوس الرائجة)(١) يستفاد من البحر أنها قسم رابع، حيث قال: وثمن بالاصطلاح، وهو سلعة في الأصل كالفلوس: فإن كانت رائجة فهي ثمن، وإلا فسلعة اهـ ط. قوله: (ويصح الاستبدال به في غير الصرف والسلم) الأولى أن يقول: ويصح التصرف به قبل قبضه في غير الصرف والسلم، لأن الاستبدال يصح في بدل الصرف، لأنه لا يتعين بالتعيين، فلو تبايعا دراهم بدينار جاز أن يمسكا ما أشار إليه في العقد ويؤديا بدله قبل الافتراق بخلاف التصرف به ببيع ونحوه قبل قبضه كما مر في بابه، وأوضحنا ذلك في باب السلم فراجعه. قال في الشرنبلالية في باب التصرف في المبيع: قوله جاز التصرف في الثمن قبل قبضه، يستثنى منه بدل الصرف والسلم لأن للمقبوض من رأس المال السلم حكم عين المبيع والاستبدال بالمبيع قبل قبضه لا يجوز، وكذا في الصرف. ويصح التصرف في القرض قبل قبضه على الصحيح: والمراد بالتصرف نحو البيع والهبة والإجارة والوصية وسائر الديون كالثمن اهـ. قوله: (وهكذا) أي وتقول هكذا في عكس باقي الأحكام المذكورة في الثمن بأن تقول: ويبطل البيع بهلاكه ولا يصح الاستبدال به. قوله: (ومن حكمهما) أي حكم الثمن والمبيع. قوله: (كما تقرر) أي في باب الربا. قوله: (تذنيب) شبه هذه المسائل التي ذكرها في آخر كتاب البيوع بذنب الحيوان المتصل بعجزه، وجعل ذكرها في آخره بمنزلة تعليق الذنب في عجز الحيوان، وفيه استعارة لا تخفى. مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ العَيْنِةِ قوله: (في بيع العينة) اختلف المشايخ في تفسير العينة التي ورد النهي عنها. قال بعضهم: تفسيرها أن يأتي الرجل المحتاج إلى آخر ويستقرضه عشرة دراهم ولا يرغب المقرض في الإقراض طمعاً في فضل لا يناله بالقرض فيقول لا أقرضك ولكن أبيعك هذا الثوب إن شئت باثني عشر درهماً وقيمته في السوق عشرة ليبيعه في السوق بعشرة فيرضى (١) في ط (قوله وأما الفلوس الرائجة) هكذا بخطه، والذي في عدة من نسخ الشارح ((وأما الفلوس فإن رائجة)) فليحرر . ٥٤٢ كتاب البيوع / باب الصرف ويأتي متناً في الكفالة، وبيع التلجئة ويأتي متناً في الإقرار، وهو أن يظهر عقداً وهما لا يريدانه يلجأ إليه لخوف عدوّ، وهو ليس ببيع في الحقيقة بل كالهزل كما بسطته به المستقرض فيبيعه كذلك، فيحصل لرب الثوب درهمان وللمشتري قرض عشرة. وقال بعضهم: هي أن يدخلا بينهما ثالثاً فيبيع المقرض ثوبه من المستقرض باثني عشر درهماً ويسلمه إليه ثم يبيعه المستقرض من الثالث بعشرة ويسلمه إليه ثم يبيعه الثالث من صاحبه وهو المقرض بعشرة ويسلمه إليه ويأخذ منه العشرة ويدفعها للمستقرض فيحصل للمستقرض عشرة ولصاحب الثوب عليه اثنا عشر درهماً، كذا في المحيط. وعن أبي يوسف: العينة جائزة مأجور من عمل بها، كذا في مختار الفتاوى. هندية. وقال محمد: هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم اخترعه أكلة الربا. وقال عليه الصلاة والسلام: ((إذا تَّايَعْتُمْ بِالعَيْنُ وَأَتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ البَقَّرِ ذَلَلْتُمْ وَظَهَرَ عَلَيْكُمْ عَدوكُمْ)). قال في الفتح: ولا كراهة فيه إلا خلاف الأولى، لما فيه من الإعراض عن مبرة القرض اهـ ط. ملخصاً. قوله: (ويأتي متناً في الكفالة) وإنما نبه على ذكره هنا لأنه من أقسام البيوعات، ونبه على أن بيانه سيأتي في الكفالة. مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ التَّلْجِئَةِ قوله: (وبيع التلجئة) هي ما ألجىء إليه الإنسان بغير اختياره، وذلك أن يخاف الرجل السلطان فيقول لآخر أني أظهر أني بعت داري منك، وليس ببيع في الحقيقة وإنما هو تلجئة ويشهد على ذلك. مغرب. قوله: (بل كالهزل) أي في حق الأحكام والهزل كما في المنار: هو أن يراد بالشيء ما لم يوضع له ولا ما يصلح اللفظ له استعارة، وهو ضد الجد: وهو أن يراد ما وضع له أو ما صلح له، وأنه ينافي اختيار الحكم والرضا به، ولا ينافي الرضا بالمباشرة واختيار المباشرة فصار بمعنى خيار الشرط في البيع، وشرطه أن يكون صريحاً مشروطاً باللسان: أي بأن يقول إن أبيع هازلاً إلا أنه لا يشترط ذكره في العقد، بخلاف خيار الشرط اهـ. فالهزل أعم من التلجئة لأنه يجوز أن لا يكون مضطراً إليه وأن يكون سابقاً ومقارناً، والتلجئة إنما تكون عن اضطرار ولا تكون مقارنة، كذا قيل، والأظهر أنهما سواء في الاصطلاح كما قال فخر الإسلام: التلجئة هي الهزل، كذا في جامع الأسرار على المنار للكاكي. ثم اعلم أن التلجئة تكون في الإنشاء وفي الإخبار كالإقرار، وفي الاعتقاد كالردة. والأول قسمان: ما يحتمل الفسخ، وما لا كالطلاق والعتاق، وقد بسط ذلك كله في المنار، والغرض الآن بيان الإنشاء المحتمل للفسخ كالبيع وهو ثلاثة أقسام، لأنه إما أن يكون الهزل في أصل العقد، أو في قدر الثمن، أو جنسه. قال في المنار: فإن تواضعا على الهزل بأصل البيع واتفقا على البناء: أي بناء العقد على المواضعة يفسد البيع لعدم الرضا ٥٤٣ كتاب البيوع / باب الصرف في آخر شرحي على المنار ونقلت عن التلويح أن الأقسام ثمانية وسبعون، وعقد له قاضيخان فصلاً آخر الإكراه، ملخصه أنه بيع منعقد غير لازم كالبيع بالخيار؛ بالحكم كالبيع بشرط الخيار المؤبد: أي فلا يملك بالقبض وإن اتفقا على الإعراض: أي بأن قالا بعد البيع قد أعرضنا وقت البيع عن الهزل إلى الجد فالبيع صحيح والهزل باطل. وإن اتفقا على أنه لم يحضرهما شيء عند البيع من البناء والإعراض أو اختلفا في البناء على المواضعة والإعراض عنها فالعقد صحيح عنده في الحالين خلافاً لهما، فجعل صحة الإيجاب أولى لأنهما الأصل، وهما اعتبرا المواضعة إلا أن يوجد ما يناقضها: أي كما إذا اتفقا على البناء وإن كان ذلك: أي المواضعة في القدر: أي بأن اتفقا على الجد في العقد بألف لكنهما تواضعا على البيع بألفين على أن أحدهما هزل، فإن اتفقا على الإعراض عن المواضعة كان الثمن ألفين لبطلان الهزل بإعراضهما، وإن اتفقا على أنه لم يحضرهما شيء من البناء والمواضعة أو اختلفا فالهزل باطل والتسمية للألفين صحيحة عنده، وعندهما العمل بالمواضعة واجب، والألف الذي هزلا به باطل، لما مر أن الأصل عنده الجد، وعندهما المواضعة، وإن اتفقا على البناء على المواضعة فالثمن ألفان عنده، وإن كان ذلك الهزل في الجنس: أي جنس الثمن بأن تواضعا على مائة دينار وإنما الثمن مائة درهم أو بالعكس فالبيع جائز بالمسمى في العقد على كل حال بالاتفاق: أي سواء اتفقا على البناء أو على الإعراض، أو على عدم حضور شيء منهما، أو اختلفا فيهما اهـ موضحاً من شرح الشارح عليه. ومن حواشينا على شرحه المسماة بنسمات الأسحار على إفاضة الأنوار، وتمام بيان ذلك مبسوط فيها. قوله: (أن الأقسام ثمانية وسبعون) قال في التلويح: لأن المتعاقدين إما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا: فالاتفاق إما على إعراضهما، وإما على بنائهما، وإما على ذهولهما، وإما على بناء أحدهما وإعراض الآخر أو ذهوله، وإما على إعراض أحدهما وذهول الآخر، فصور الاتفاق ستة؛ وإن اختلفا فدعوى أحد المتعاقدين تكون، إما إعراضهما، وإما بناءهما، وإما ذهولهما، وإما بناؤه مع إعراض الآخر أو ذهوله، وإما إعراضه مع بناء الآخر أو ذهوله، وإما ذهوله مع بناء الآخر أو إعراضه تصير تسعة، وعلى كل تقدير من التقادير التسعة يكون اختلاف الخصم بأن يدعي إحدى الصور الثمانية الباقية فتصير أقسام الاختلاف اثنين وسبعين من ضرب التسعة في الثمانية اهـ وهي مع الستّ صور الاتفاق ثمانية وسبعون. قلت: وقد أوصلتها في حاشيتي على شرح المنار للشارح إلى سبعمائة وثمانين، ولم أر من أوصلها إلى ذلك فراجعها هناك وامنحني بدعاك. قوله: (ملخصه أنه بيع منعقد غير لازم) لم يصرح في الخانية بذلك، وإنما ذكر أن التلجئة على ثلاثة أوجه كما قدمناه. ثم قال في الأول: وهو ما إذا كانت في نفس العقد لو تصادقا على المواضعة فالبيع باطل، ٥٤٤ كتاب البيوع / باب الصرف وجعله الباقاني فاسداً؛ ولو ادعى أحدهما بيع التلجئة وأنكر الآخر فالقول لمدعي الجد بيمينه، ولو برهن أحدهما قبل، ولو برهنا فالتلجئة، ولو تبايعا في العلانية: إن اعترفا ببنائه على التلجئة فالبيع باطل لاتفاقهما أنهما هزلا به وإلا فلازم، ولو لم تحضرهما نية فباطل على الظاهر. منية. وعنه في رواية أنه جائز، ولو تصادقا أن البيع كان تلجئة ثم أجازاه صحت الإجازة، كما لو تبايعا هزلاً ثم جعلاه جداً يصير جداً، وإن أجاز أحدهما لا يصح. وفي بيع التلجئة إذا قبض المشتري العبد المشترى وأعتقه لا يجوز إعتاقه، وليس هذا كبيع المكره لأن بيع التلجئة هزل، وذكر في الأصل أن بيع الهازل باطل، أما بيع المكره ففاسد اهـ ملخصاً. ولعل الشارح فهم أنه منقعد غير لازم من قوله ثم أجازاه صحت الإجازة، لكن ينافيه التصريح بأنه باطل، فإن أريد بالباطل الفاسد نافاه التصريح بأنه إذا قبض العبد لا يصح إعتاقه: أي لأنه لا يملك بالقبض كما مر مع أن الفاسد يملك به. وقد يقال: إن صحة الإجازة مبنية على أنها تكون بيعاً جديداً فلا تنافي كونه باطلاً، وحينئذ فلا يصح قوله إنه بيع منعقد غير لازم، إلا أن يجاب بأن قوله باطل: بمعنى أنه قابل للبطلان عند عدم الإجازة، والأحسن ما أجبنا به في أول البيوع من أنه فاسد كما صرح به الأصوليون، لأن الباطل ما ليس منعقداً أصلاً وهذا منعقد بأصله، لأنه مبادلة مال بمال دون وصفه لعدم الرضا بحكمه كالبيع بشرط الخيار أبداً، ولذا لم يملك بالقبض، وليس كل فاسد يملك بالقبض؛ كما لو اشترى الأب شيئاً من ماله لطفله أو باعه له كذلك فاسداً لا يملكه بالقبض حتى يستعمله كما في المحيط، وقدمنا هناك تمام الكلام على ذلك، والله تعالى هو الموفق للصواب. قوله: (ولو ادعى أحدهما الخ) هذا أيضاً مذكور في الخانية سوى قوله: ((ولو لم تحضرهما نية الخ)). قوله: (فالقول لمدعي الجد) لأنه الأصل. قوله: (ولو برهن أحدهما قبل) الأظهر قول الخانية: ولو برهن مدعي التلجئة قبل، لأن مدعي الجد لا يحتاج إلى برهان کما علمت، لأن البرهان یثبت خلاف الظاهر. قوله: (فالتلجئة) أي لأنها خلاف الظاهر. قوله: (فالبيع باطل) أي فاسد كما علمت، فإن نقضه أحدهما انتقض لا إن أجازه: أي بل يتوقف على إجازتهما جميعاً لأنه كخيار الشرط لهما، وإن أجازاه جاز بقيد كونها في ثلاثة أيام عنده ومطلقاً عندهما، كذا في التحرير. قوله: (وإلا) بأن اتفقا بعد البيع على أنهما أعرضا وقته عن المواضعة. قوله: (ولو لم تحضرهما نية فباطل الخ) مثله في المؤيدية عن الغنية حيث قال: وإن تصادقا على أنهما لم تحضرهما نية عند العقد ففي ظاهر الجواب البيع باطل. وروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أن البيع صحيح اهـ. والأول قولهما كما مر عن المنار، ورجحه أيضاً المحقق ابن الهمام في التحرير، وأقره تلميذه ابن أمير حاج في شرحه، وجعل المحقق ٥٤٥ كتاب البيوع / باب الصرف قلت: ومفاده أنهما لو تواضعا على الوفاء قبل العقد ثم عقدا خالياً عن شرط الوفاء فالعقد جائز ولا عبرة للمواضعة، وبيع الوفاء ذكرته هنا تبعاً للدرر. صورته: أن يبيعه العين بألف على أنه إذا رد عليه الثمن رد عليه العين، وسماه الشافعية بالرهن المعاد، ويسمى بمصر بيع الأمانة، وبالشام بيع الإطاعة؛ مثله ما إذا اختلفا في الإعراض والبناء: أي بأن قال أحدهما بنينا العقد على المواضعة وقال الآخر على الجد فلا يصح أيضاً عندهما. ثم قال: ولو قال أحدهما أعرضت والآخر لم يحضرني شيء أو بنى أحدهما وقال الآخر لم يحضرني شيء فعلى أصله عدم الحضور كالإعراض: أي فيصح، وعلى أصلهما كالبناء: أي فلا يصح. قوله: (ومفاده الخ) أي مفاد قوله: ((وإلا فلازم)) لكن إنما يتم هذا المفاد إذا قصدا إخلاء العقد عن شرط الوفاء. أما لو لم تحضرهما نية فقد علمت أنه باطل، وهذا المفاد صرح به في جامع الفصولين حيث قال: لو شرطا التلجئة في البيع فسد البيع، ولو تواضعا قبل البيع ثم تبايعا بلا ذكر شرط فيه جاز البيع عند أبي حنيفة إلا إذا تصادقا أنهما تبايعا على تلك المواضعة. وكذا لو تواضعا الوفاء قبل البيع ثم عقدا بلا شرط الوفاء فالعقد جائز، ولا عبرة للمواضعة السابقة اهـ. وفي البزازية: وإن شرطا الوفاء ثم عقدا مطلقاً إن لم يقرأ بالبناء على الأول فالعقد جائز، ولا عبرة بالسابق كما في التلجئة عند الإمام، وقوله فالعقد جائز: أي بناء على قول أبي حنيفة المذكور، ولا يخفى أن الشارح مشى على خلافه، وعليه فالمناسب أن يقول: فالعقد غير جائز. قوله: (ذکرته هنا تبعاً للدرر) وذکره في البحر في باب خيار الشرط، وذكر فيه ثمانية أقوال، وعقد له في جامع الفصولين فصلاً مستقلاً هو الفصل الثامن عشر، وذكره في البزازية في الباب الرابع، في البيع الفاسد، وذكر فيه تسعة أقوال، وكتب عليه أكثر من نصف كراسة. مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ الوَقَاءِ ووجه تسميته بيع الوفاء أن فيه عهداً بالوفاء من المشتري بأن يرد المبيع على البائع حين رد الثمن، وبعض الفقهاء يسميه البيع الجائز، ولعله مبني على أنه بيع صحيح لحاجة التخلص من الربا حتى يسوغ للمشتري أكل ريعه، وبعضهم يسميه بيع المعاملة. ووجهه أن المعاملة ربح الدين وهذا يشتريه الدائن لينتفع به بمقابلة دينه. قوله: (وصورته الخ) كذا في العناية. وفي الكفاية عن المحيط: هو أن يقول البائع للمشتري بعت منك هذا العين بما لك عليّ من الدين على أني متى قضيته فهو لي اهـ. وفي حاشية الفصولين عن جواهر الفتاوى: هو أن يقول بعت منك على أن تبيعه مني متى جئت بالثمن فهذا البيع باطل وهو رهن، وحكمه حكم الرهن وهو الصحيح اهـ. فعلم أنه لا فرق بين قوله على أن ترده عليّ أو على أن تبيعه مني. قوله: (بيع الأمانة) وجهه أنه أمانة عند المشتري بناء على أنه رهن: أي كالأمانة. قوله: (بيع الإطاعة) ٥٤٦ كتاب البيوع / باب الصرف قيل هو رهن فتضمن زوائده، وقيل بيع يفيد الانتفاع به. وفي إقالة شرح المجمع عن النهاية: وعليه الفتوى، وقيل إن بلفظ البيع لم يكن رهناً. ثم إن ذكرا الفسخ كذا في عامة النسخ، وفي بعضها بيع الطاعة، وهو المشهور الآن في بلادنا. وفي المصباح: أطاعه إطاعة: أي انقاد له، وأطاعه طوعاً من باب قال لغة، وانطاع له: انقاد. قالوا: ولا تكون الطاعة إلا عن أمر كما أن الجواب لا يكون إلا عن قول، يقال أمره فأطاع اهـ. ووجهه حينئذ أن الدائن يأمر المدين ببيع داره مثلاً بالدين فيطيعه فصار معناه بيع الانقياد. قوله: (قيل هو رهن) قدمنا آنفاً عن جواهر الفتاوى أنه الصحيح. قال في الخيرية: والذي عليه الأكثر أنه رهن لا يفترق عن الرهن في حكم من الأحكام. قال السيد الإمام: قلت للإمام الحسن الماتريدي: قد فشا هذا البيع بين الناس. وفيه مفسدة عظيمة، وفتواك أنه رهن وأنا أيضاً على ذلك، فالصواب أن نجمع الأئمة ونتفق على هذا ونظهره بين الناس، فقال المعتبر اليوم فتوانا وقد ظهر ذلك بين الناس، فمن خالفنا فلیبرز نفسه ولیقم دلیله اهـ. قلت: وبه صدر في جامع الفضولين فقال رامزاً لفتاوى النسفي: البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالاً للربا وسموه بيع الوفاء هو رهن في الحقيقة لا يملكه ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمره وأتلف من شجره ويسقط الدين بهلاكه لو بقي ولا یضمن الزیادة وللبائع استرداده إذا قضی دینه لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام اهـ. ثم نقل ما مر عن السيد الإمام. وفي جامع الفصولين: ولو بيع كرم بجنب هذا الكرم فالشفعة للبائع لا للمشتري، لأن بیع المعاملة وبيع التلجئة حکمهما حكم الرهن، وللراهن حق الشفعة وإن كان في ید المرتهن اهـ. قوله: (وقيل بيع يفيد الانتفاع به) هذا محتمل لأحد قولين، الأول أنه بيع صحيح مفيد لبعض أحكامه من حل الانتفاع به إلا أنه لا يملك بيعه. قال الزيلعي في الإكراه: وعليه الفتوى. الثاني القول الجامع لبعض المحققين أنه فاسد في حق بعض الأحكام حتى ملك كل منهما الفسخ صحيح في حق بعض الأحكام: كحل الإنزال ومنافع المبيع ورهن في حق البعض حتى لم يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه وسقط الذين بهلاكه، فهو مركب من العقود الثلاثة كالزرافة فيها صفة البعير والبقر والنمر جوز لحاجة الناس إليه بشرط سلامه البدلين لصاحبهما. قال في البحر: وينبغي أن لا يعدل في الإفتاء عن القول الجامع. وفي النهر: والعمل في ديارنا على ما رجحه الزيلعي. قوله: (لم يكن رهناً) لأن كلَّ منهما عقد مستقل شرعاً لكل منهما أحكام مستقلة اهـ درر ط. قوله: (ثم إن ذكرا الفسخ فيه) أي شرطاه فيه، وبه عبر في الدرر ط. وكذا في البزازية. قوله: ٥٤٧ كتاب البيوع / باب الصرف فيه أو قبله أو زعماه غير لازم كان بيعاً فاسداً، ولو بعده على وجه الميعاد جاز ولزم الوفاء به، لأن المواعيد قد تكون لازمة لحاجة الناس، وهو الصحيح كما في الكافي والخانية، وأقره خسرو هنا والمصنف في باب الإكراه وابن الملك في باب الإقالة بزيادة. وفي الظهيرية: لو ذكر الشرط بعد العقد (أو قبله) الذي في الدرر بدل هذا: أو تلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء اهـ ط. ومثله في البزازية. قوله: (جاز) مقتضاه أنه بيع صحيح بقرينة مقابلته لقوله كان بيعاً فاسداً، والظاهر أنه مبني على قولهما بأن ذكر الشرط الفاسد بعد العقد لا يفسد العقد فلا ينافي ما بعده عن الظهيرية. قوله: (ولزم الوفاء به) ظاهره أنه لا يلزم الورثة بعد موته، كما أفتى به ابن الشلبي معللاً بانقطاع حكم الشرط بموته لأنه بيع فيه إقالة وشرطها بقاء المتعاقدين، ولأنه بمنزلة خيار الشرط وهو لا يورث اهـ. قلت: وهذا ظاهر على هذا القول بأنه بيع صحيح لا يفسده الشرط اللاحق فلا ینافي ما يأتي عن الشرنبلالية. هذا، وفي الخيرية فيما لو أطلق البيع ولم يذكر الوفاء إلا أنه عهد إلى البائع أنه إن أوفى مثل الثمن يفسخ البيع معه. أجاب: هذه المسألة اختلف فيها مشايخنا على أقوال. ونص في الحاوي الزاهدي أن الفتوى في ذلك أن البيع إذا أطلق ولم يذكر فيه الوفاء إلا أن المشتري عهد إلی البائع أنه إن أوفی مثل ثمنه فإنه یفسخ معه البیع یکون باتاً حیث کان الثمن ثمن المثل أو بغبن يسير اهـ. وبه أفتى في الحامدية أيضاً. فلو كان بغين فاحش مع علم البائع به فهو رهن، وكذا لو وضع المشتري على أصل المال ربحاً. أما لو كان بمثل الثمن أو بغبن يسير بلا وضع ربح فبات، لأنا إنما نجعله رهناً بظاهر حاله أنه لا يقصد البات عالماً بالغبن أو مع وضع الربح. أفاده في البزازية وذكر أنه مختار أئمة خوارزم، وذكر في موضع آخر أنه لو آجره من البائع، قال صاحب الهداية: الإقدام على الإجارة بعد البيع دل على أنهما قصدا بالبيع الرهن لا البيع فلا يحل للمشتري الانتفاع به اهـ. واعترضه في نور العين بأن دلالة ذلك على قصد حقيقة البيع أظهر. قلت: وفيه نظر، فإن العادة الفاشية قاضية بقصد الوفاء كما في وضع الربح على الثمن، ولا سيما إذا كانت الإجارة من البائع مع الربح أو نقص الثمن. قوله: (لأن المواعيد قد تكون لازمة) قال في البزازية في أول كتاب الكفالة: إذا كفل معلقاً بأن قال إن لم يؤدّ فلان فأنا أدفعه إليك، ونحوه يكون كفالة لما علم أن المواعيد باكتساء صور التعليق تكون لازمة، فإن قوله أنا أحج لا يلزم به شيء ولو علق وقال: إن دخلت الدار فأنا أحج يلزم الحج. قوله: (بزيادة وفي الظهيرية الخ) يعني أن ابن ملك أقره أيضاً، وزاد عليه قوله وفي الظهيرية الخ: أي مقترناً بهذه الزيادة، فلفظ زيادة مصدر وما بعده جملة ٥٤٨ كتاب البيوع / باب الصرف يلتحق بالعقد عند أبي حنيفة، ولم يذكر أنه في مجلس العقد أو بعده وفي البزازية: ولو باعه لآخر باتاً توقف على إجازة مشتريه وفاء، ولو باعه المشتري فللبائع أو ورثته حق الاسترداد. وأفاد في الشرنبلالية أن ورثة كل من البائع والمشتري تقوم مقام مورثها نظراً لجانب الرهن فليحفظ، ولو استأجره بائعه لا يلزمه أجر لأنه أريد بها لفظها في محل نصب مفعول المصدر. قوله: (يلتحق بالعقد عند أبي حنيفة) أي فيصير بيع الوفاء كأنه شرط في العقد فيأتي فيه الخلاف أنه رهن أو بيع فاسد أو بيع صحيح في بعض الأحكام، وقدمنا في البيع الفاسد ترجيح قولهما بعدم التحاق الشرط المتأخر عن العقد به. قوله: (ولم يذكر أنه في مجلس العقد أو بعده) أي فيفهم أنه لا يشترط له المجلس. وفي جامع الفصولين: اختلف فيه المشايخ، والصحيح أنه لا يشترط اهـ. ومثله في البزازية. قوله: (ولو باعه) أي البائع، وقوله: ((توقف الخ)) أي على القول بأنه رهن، وهل يتوقف على بقية الأقوال المارة محل تردد. قوله: (فللبائع أو ورثته حق الاسترداد) أي على القول بأنه رهن، وكذا على القولين القائلين بأنه بيع يفيد الانتفاع به فإنه لا يملك بيعه كما قدمناه. قوله: (وأفاده في الشرنبلائية الخ) ذكره بحثاً، وقوله: (نظرا لجانب الرهن)) يفيد أنه لا يخالف ما قدمناه عن ابن الشلبي، فافهم. وهذا البحث مصرح به في البزازية حيث قال في القول الأول: إنه رهن حقيقة. باع كرمه وفاء من آخر وباعه المشتري بعد قبضه من آخر باتاً وسلمه وغاب فللبائع الأول استرداده من الثاني، لأن حق الحبس وإن كان للمرتهن لكن يد الثاني مبطلة فللمالك أخذ ملكه من المبطل، فإذا حضر المرتهن أعاد يده فيه حتى يأخذ دينه؛ وكذا إذا مات البائع والمشتري الأول والثاني فلورثة البائع الأولى الأخذ من ورثة المشتري الثاني، ولورثة المرتهن إعادة يدهم إلى قبض دينه اهـ. قوله: (لا يلزم الأجر الخ) أفتى به في الحامدية تبعاً للخيرية، فإنه قال في الخيرية ولا تصح الإجارة المذكورة ولا تجب فيها الأجرة على المفتى به سواء كانت بعد قبض المشتري الدار أم قبله. مَطْلَبٌ: بَاعَ دَارَهُ وَفَاءٌ ثُمَّ اسْتَأْجَرَ قال في النهاية: سئل القاضي الإمام الحسن الماتريدي عمن باع داره من آخر بثمن معلوم بيع الوفاء وتقابضا ثم استأجرها من المشتري مع شرائط صحة الإجارة وقبضها ومضت المدة هل يلزمه الأجر؟ فقال لا، لأنه عندنا رهن والراهن إذا استأجر الرهن من المرتهن لا يجب الأجر اهـ. وفي البزازية: فإن آجر المبيع وفاء من البائع، فمن جعله فاسداً قال: لا تصح الإجارة ولا يجب شيء، ومن جعله رهناً كذلك، ومن أجازه جوّز الإجارة من البائع وغيره وأوجب الأجرة، وإن آجره من البائع قبل القبض. أجاب صاحب الهداية أنه لا يصح، واستدل بما لو آجر عبداً اشتراه قبل قبضه أنه لا تجب الأجرة وهذا ٥٤٩ كتاب البيوع / باب الصرف رهن حكماً حتى لا يحل الانتفاع به . قلت: وفي فتاوى ابن الجلبي: إن صدرت الإجارة بعد قبض المشتري المبيع وفاء ولو للبناء وحده فهي صحيحة، والأجرة لازمة للبائع طول مدة التآجر انتهى، فتنبه . قلت: وعليه فلو مضت المدة وبقي في يده فأفتى علماء الروم بلزوم المثل ويسمونه بيع الاستغلال وفي الدرر: صح بيع الوفاء في العقار استحساناً. واختلف في المنقول. وفي الملتقط والمنية: اختلفا أن البيع باتاً أو وفاء، جدّ أو هزل القول المدعي الجد والبتات إلا بقرينة الهزل والوفاء. في البات فما ظنك بالجائز اهـ. فعلم به أن الإجارة قبل التقابض لا تصح على قول من الأقوال الثلاثة اهـ ما في الخيرية. وفيها أيضاً: وأما إذا آجره المشتري وفاء بإذن البائع فهو كإذن الراهن للمرتهن بذلك. وحكمه أن الأجرة للراهن وإن كان بغير إذنه يتصدق بها أو يردها على الراهن المذكور وهو أولى صرح به علماؤنا اهـ. قلت: وإذا آجره بإذنه يبطل الرهن كما ذكره في حاشيته على الفصولين. قوله: (ولو للبناء وحده) أي ولو كان البيع وفاء للبناء وحده كالقائم في الأرض المحتكرة. قوله: (فهي صحيحة) أي بناء على القول بجواز البيع كما علمت فإنه يملك الانتفاع به، وقد علمت ترجيح القول بأنه رهن وأنه لا تصح إجارته من البائع. قوله: (لازمة للبائع) اللام بمعنى على: أي على البائع، أو للتقوية لكون العامل اسم فاعل فهي زائدة. قوله: (وعليه) أي على القول بصحة الإجارة. قوله: (بلزوم أجر المثل) هذا مشكل، فإن من آجر ملكه مدة ثم انقضت وبقي المستأجر ساكناً لا يلزمه أجرة إلا إذا طالبه المالك بالأجرة، فإذا سكن بعد المطالبة يكون قبولًا للاستئجار كما ذكروه في محله، وهذا في الملك الحقيقي فما ظنك في المبيع وفاء مع كون المستأجر هو البائع. نعم قالوا بلزوم الأجرة في الوقف ومال اليتيم والمعد للاستغلال، ولعل ما ذكره مبني على أنه صار معداً للاستغلال بذلك الإيجار كما يشير إليه قوله: ((ويسمونه بيع الاستغلال)) وفيه نظر فليتأمل. وعلى كل فهذا مبني على خلاف الراجح كما علمت. قوله: (واختلف في المنقول) قال في البزازية بعد كلام: ولهذا لم يصح بيع الوفاء في المنقول، وصح في العقار باستحسان بعض المتأخرين. ثم قال في موضع آخر: وفي النوازل جوّز الوفاء في المنقول أيضاً اهـ. والظاهر أن الخلاف فيه على القول بجواز البيع كما يفيده قوله: ((وصح في العقار الخ)) أما على القول بأنه رهن فينبغي عدم الخلاف في صحته. قوله: (القول لمدعي الجد والبتات) لأنه الأصل في العقود. قوله: (إلا بقرينة) هي ما يأتي من نقصان الثمن ٥٥٠ كتاب البيوع / باب الصرف قلت: لكنه ذكر في الشهادات أن القول لمدعي الوفاء استحساناً كما سيجيء فليحفظ؛ ولو قال البائع بعتك بيعاً باتاً فالقول له، إلا أن يدل على الوفاء بنقصان الثمن كثيراً كثيراً. قوله: (أن القول لمدعي الوفاء) في جامع الفصولين برمز شيخ الإسلام برهان الدين: ادعى البائع وفاء والمشتري باتاً أو عكساً، فالقول لمدعي البات، وكنت أفتي في الابتداء أن القول لمدعي الوفاء، وله وجه حسن إلا أن أئمة بخارى هكذا أجابوا فوافقتهم اهـ. وفي حاشيته للرملي بعد كلام نقله عن الخانية وغيرها قال: فظهر به وبقوله كنت أفتي الخ أن المعتمد في المذهب أن القول لمدعي الباتّ منهما وأن البيئة بينة مدعي الوفاء منهما. مَطْلَبْ: قَاضِيخَان مِنْ أَهْلِ التَّصْحِيحِ وَآلترچِمِحِ وقد ذكر المسألة في جواهر الفتاوى وذكر فيها اختلافاً كثيراً واختلاف تصحيح، ولكن عليك بما في الخانية، فإن قاضيخان من أهل التصحيح والترجيح اهـ. وبهذا أفتى في الخيرية أيضاً. قلت: لكن قوله هنا ((استحساناً) يقتضي ترجيح مدعي الوفاء فينبغي تقييده بقام القرينة، ثم راجعت عبارة الملتقط فرأيته ذكر الاستحسان في مسألة الاختلاف في البينة، فإنه قال في الشهادات: وإن ادعى أحدهما بيعاً باتاً والآخر بيع الوفاء وأقاما البينة كانوا يفتون أن البات أولى، ثم أفتوا أن بيع الوفاء أولى وهذا استحسان اهـ. ولا يخفى أن كلام الشارح في الاختلاف في القول مع أنه في الملتقط قال في البيوع: ولو قال المشتري اشتريته باتاً وقال البائع بعته بيع الوفاء فالقول قول من يدعي البتات، وكان يفتي فيما مضى أن القول قول الآخر وهو القياس اهـ. فتحصل من عبارتي الملتقط أن الاستحسان في الاختلاف في البينة ترجيح بينة الوفاء، وفي الاختلاف في القول ترجيح قول مدعي البتات، وهذا الذي حرره الرملي فيما مر، فتدبر. وبه ظهر أن ما ذكره الشارح سبق قلم، فافهم. قوله: (ولو قال البائع الخ) هذه العبارة بعينها ذكرها في الملتقط عقب عبارته التي ذكرناها عنه في البيوع، وهي تفيد تقييد الاستحسان، وهو كون القول لمدعي البتات بما إذا لم تقم القرينة على خلافه، وهذا مؤيد لما بحثناه آنفاً ولكن في التعبير مساهلة فإنه كان ينبغي أن يقول: ولو قال المشتري اشتريت باتاً الخ، لأنه هو الذي يدعي البتات عند نقصان الثمن كثيراً بخلاف البائع. قوله: (إلا أن يدل على الوفاء بنقصان الثمن كثيراً) وهو ما لا يتغابن فيه الناس. جامع الفصولين. قلت: وينبغي أن يزاد هنا ما مر في الوعد بالوفاء بعد البيع من أنه لو وضع على المال ربحاً يكون ظاهراً في أنه رهن، وما قاله صاحب الهداية من أن الإقدام على الإجارة بعد ٥٥١ كتاب البيوع / باب الصرف إلا أن يدعي صاحبه تغير السعر. وفي الأشباه في أواخر قاعدة العادة محكمة عن المنية: لو دفع غزلًا إلى حائك لينسجه بالنصف جوّزه مشايخ بخارى للعرف ثم نقل في آخرها عن إجارة البزازية أن به أفتى مشايخ بلخ وخوارزم وأبو علي المنسفي أيضاً. قال: والفتوى على جواب الكتاب للطحان لأنه منصوص عليه، فيلزم إبطال النص. وفيها من البيع الفاسد. القول السادس في بيع الوفاء: إنه صحيح لحاجة الناس فراراً من الربا. وقالوا: ما ضاق على الناس أمر إلا اتسع حكمه. ثم قال: والحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص، ولكن أفتى كثير باعتباره، فأقول على اعتباره: ينبغي أن يفتى بأن ما يقع في بعض الأسواق من خلوّ الحوانيت لازم، ويصير الخلوّ في الحانوت حقاً له فلا يملك صاحب الحانوت إخراجه منها البيع دل على أنهما قصدا بالبيع الرهن لا البيع. قوله: (إلا أن يدعي) أي مع البرهان. قوله: (وفي الأشباه الخ) المقصود من هذه العبارة بيان حكم العرف العام والخاص، وأن العام معتبر ما لم يخالف نصاً، وبه يعلم حكم بيع الوفاء وبيع الخلوّ لابتنائهما على العرف. قوله: (بالنصف) أي نصف ما ينسجه أجرة على النسخ. قوله: (ثم نقل) أي صاحب الأشباه. قوله: (والفتوى على جواب الكتاب) أي المبسوط للإمام محمد وهو المسمى بالأصل لأنه مذكور في صدر عبارة الأشباه. أفاده ط. قوله: (الطحان) أي لمسألة قفيز الطحان، وهي كما في البزازية: أن يستأجر رجلاً ليحمل له طعاماً أو يطحنه بقفيز منه فالإجارة فاسدة، ويجب أجر المثل لا يتجاوز به المسمى. قوله: (لأنه منصوص) أي عدم الجواز منصوص عليه بالنهي عن قفيز الطحان ودفع الغزل إلى حائك في معناه. قال البيري: والحاصل أن المشايخ أرباب الاختيار اختلفوا في الإفتاء في ذلك. قال في العتابية: قال أبو الليث: النسخ بالثلث والربع لا يجوز عند علمائنا، لكن مشايخ بلخ استحسنوه وأجازوه لتعامل الناس. قال: وبه نأخذ. قال السيد الإمام الشهيد: لا نأخذ باستحسان مشايخ بلخ، وإنما نأخذ بقول أصحابنا المتقدمین، لأن التعامل في بلد لا يدل على الجواز ما لم يكن على الاستمرار من الصدر الأول فيكون ذلك دليلاً على تقرير النبي وَ* إياهم على ذلك فيكون شرعاً منه، فإذا لم يكن كذلك لا يكون فعلهم حجة إلا إذا كان كذلك من الناس كافة في البلدان كلها فيكون إجماعاً، والإجماع حجة؛ ألا ترى أنهم لو تعاملوا على بيع الخمر والربا لا يفتى بالحل اهـ. قوله: (وفيها) أي في البزازية وهو من كلام الأشباه. قوله: (فراراً من الربا) لأن صاحب المال لا يقرض إلا بنفع والمستقرض محتاج، فأجازوا ذلك لينتفع المقرض بالمبيع وتعارفه الناس، لكنه مخالف للنهي عن بيع وشرط، فلذا رجحوا كونه رهناً. قوله: (فأقول على اعتباره الخ) قدمنا الكلام على مسألة ٥٥٢ كتاب الكفالة ولا إجارتها لغيره ولو كانت وقفاً، وكذا أقول على اعتبار العرف الخاص قد تعارف الفقهاء النزول عن الوظائف بمال يعطى لصاحبها فينبغي الجواز، وأنه لو نزل له وقبض منه المبلغ ثم أراد الرجوع لا يملك ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم. قلت: وأيده في زواهر الجواهر بما في واقعات الضريري: رجل في يده دکان فغاب فرفع المتولي أمره للقاضي فأمره القاضي بفتحه وإجارته ففعل المتولي ذلك وحضر الغائب فهو أولى بدكانه، وإن كان له خلوّ فهو أولى بخلوه أيضاً، وله الخيار في ذلك: فإن شاء فسخ الإجارة وسكن في دكانه، وإن شاء أجازها ورجع بخلوه على المستأجر، ويؤمر المستأجر بأداء ذلك إن رضي به، وإلا يؤمر بالخروج من الدكان، والله أعلم اه بلفظه. كِتَابُ الْكَفَالهِ مناسبتها للبيع لكونها فيه غالباً، ولكونها بالأمر معاوضة انتهاء (هي) لغة: الضم، وحكى ابن القطاع كفلته وكفلت به وعنه وتثليث الفاء. وشرعاً: الخلو أول البيوع فراجعه. قوله: (وكذا أقول الخ) قدمنا أيضاً هناك الكلام على هذه المسألة، وذكرنا أيضاً عن الحموي أن ما نقله عن واقعات الضريري ليس فيه لفظ الخلو، وبسطنا الكلام هناك فراجعه فإنه تكفل بالمقصود، والحمد لله ذي الفضل والجود. كِتَابُ الْكَفَالَةِ قوله: (لكونها فيه غالباً) الأولى حذف اللام ط. والأولى أيضاً كونها عقبه غالباً. قال في الفتح: أوردها عقب البيوع لأنها غالباً يكون تحققها في الوجود عقب البيع، فإنه قد لا يطمئن البائع إلى المشتري فيحتاج إلى من يكفله بالثمن، أو لا يطمئن المشتري إلى البائع فيحتاج إلى من يكفله في المبيع وذلك في السلم، فلما كان تحققها في الوجود غالباً بعدها أوردها في التعليم بعدها. قوله: (ولكونها الخ) عبارة الفتح: ولها مناسبة خاصة بالصرف، وهي أنها تصير بالآخرة معاوضة عما ثبت في الذمة من الأثمان وذلك عند الرجوع على المكفول عنه، ثم لزم تقديم الصرف لكونه من أبواب البيع السابق على الكفالة. قوله: (هي لغة الضم) قال تعالى: ﴿وكفلها زكريا﴾ أي ضمها إلى نفسه. وقال عليه الصلاة والسلام ((أنا وكافل اليتيم كهاتين)) أي ضامّ اليتيم إلى نفسه. وفي المغرب: وتركيبه يدل على الضم والتضمين. قوله: (كفلته وكفلت به وعنه) أي يتعدى بنفسه وبالباء وبعن. وفي القهستاني: يتعدى إلى المفعول الثاني في الأصل بالباء، فالمكفول به الدين ثم يتعدى بعن للمديون وباللام للدائن. قوله: (وتثليث الفاء) مقتضاه أن ابن ٥٥٣ كتاب الكفالة (ضم ذمة) الكفيل (إلى ذمة) الأصيل (في المطالبة مطلقاً) بنفس أو بدين أو عين كمغصوب ونحوه كما سيجيء، لأن المطالبة تعم ذلك، ومن عرفها بالضم في الدين إنما أراد تعريف نوع منها القطاع حكاه وليس كذلك. وعبارة البحر: قال في المصباح: كفلت بالمال وبالنفس كفلاً من باب قتل وكفولاً أيضاً والاسم الكفالة. وحكى أبو زيد سماعاً من العرب من بابي تعب وقرب. وحكى ابن القطاع كفلته وكفلت به وعنه: إذا تحملت به اهـ ح. قوله: (ضم ذمة الكفيل) الذمة وصف شرعي به الأهلية لوجوب ماله وعليه، وفسرها فخر الإسلام بالنفس والرقبة التي لها عهد، والمراد بها العهد، فقولهم في ذمته: أي في نفسه باعتبار عهدها من باب إطلاق الحال وإرادة المحل، كذا في التحرير. نهر. قوله: (بنفس) متعلق بمطالبة ح. قوله: (أو بدين أو عين) زاد بعضهم رابعاً وهو الكفالة بتسليم المال، ویمکن دخوله في الدین. قلت: وكذا بتسليم عين غير مضمونة كالأمانة، وسيأتي تحقيق ذلك كله. قوله: (كمغصوب ونحوه) أي من كل ما يجب تسليمه بعينه، وإذا هلك ضمن مثله أو قيمته؛ كالمبيع فاسداً والمقبوض على سوم الشراء والمهر وبدل الخلع والصلح عن دم عمداً احترازاً عن المضمون بغيره كالمرهون وغير المضمون أصلاً كالأمانة فلا تصح الكفالة بأعيانها. قوله: (كما سيجيء) أي في كفالة المال ح. قوله: (لأن المطالبة تعم ذلك) أي المذكور من الأقسام الثلاثة، وهو تعليل لتفسير الإطلاق بها وتمهيد لقوله: ((وبه يستغني الخ)). قوله: (ومن عرفها بالضم في الدين الخ) اعلم أنه اختلف في تعريف الكفالة: فقيل إنها الضم في المطالبة كما مشى عليه المصنف وغيره من أصحاب المتون، وقیل الضم في الدین فیثبت بها دين آخر في ذمة الكفيل، ويكتفى باستيفاء أحدهما، ولم يرجح في المبسوط أحد القولين، لكن في الهداية وغيرها الأول أصح. ووجهه كما في العناية أنها كما تصح بالمال تصح بالنفس ولا دين، وكما تصح بالدين بالأعيان المضمونة، ويلزم أن يصير الدين الواحد دينين اهـ. وفيه نظر، إذ من عرفها بالضم في الدين إنما أراد تعريف نوع منها وهو الكفالة بالمال. وأما الكفالة بالنفس وبالأعيان فهي في المطالبة اتفاقاً، وهما ماهيتان لا يمكن جمعهما في تعريف واحد، وأفرد تعريف الكفالة بالمال لأنه محل الخلاف. نهر. وحاصله أن كون تعريفها بالضم في المطالبة أعم لشموله الأنواع الثلاثة لا يصلح توجيهاً لكونه أصح من تعريفها بالضم في الدين، لأن المراد به تعريف نوع منها وهو كفالة الدين. أما النوعان الآخران فمتفق على كون الكفالة بهما كفالة بالمطالبة، ولا يمكن الجمع بين الكفالة بالأول والكفالة بالآخرين في تعريف واحد، لأن الضم في الدين غير الضم في المطالبة. ثم لا يخفى أن تعريفها بالضم في الدين يقتضي ثبوت الدين في ذمة الکفیل كما ٥٥٤ كتاب الكفالة وهو الكفالة بالمال، لأنه محل الخلاف، صرح به أولًا، ويدل عليه أنه لو وهب الدين للكفيل صح ويرجع به على الأصيل، مع أن هبة الدين من غير من عليه الدين لا تصح، وما أورد عليه من لزوم صيرورة الدين الواحد دينين دفعه في المبسوط بأنه لا مانع لأنه لا يستوفى إلا من أحدهما، كالغاصب مع غاصب الغاصب فإن كلَّ ضامن للقيمة، وليس حق المالك إلا في قيمة واحدة لأنه لا يستوفى إلا من أحدهما، واختياره تضمين أحدهما يوجب براءة الآخر فكذا هنا، لكن هنا بالقبض لا بمجرد اختياره، لكن المختار الأول، وهو أنه الضم في مجرد المطالبة لا الدين، لأن اعتباره في ذمتين، وإن أمكن شرعاً لا يجب الحكم بوقوع كل ممكن إلا بموجب ولا موجب هنا، لأن التوثق يحصل بالمطالبة وهو لا يستلزم ثبوت اعتبار الدين في الذمة كالوكيل بالشراء يطالب بالثمن وهو في ذمة الموكل، كذا في الفتح. وكذا الوصيّ والوليّ والناظر يطالبون بما لزم دفعه ولا شيء في ذمتهم كما في البحر، وذكر أنهم لم يذكروا لهذا الاختلاف ثمرة، فإن الاتفاق على أن الدين لا يستوفى إلا من أحدهما وأن الكفيل مطالب وأن هبة الدين له صحيحة ويرجع به على الأصيل؛ ولو اشترى الطالب بالدين شيئاً من الكفيل صح مع أن الشراء بالدين من غير من عليه لا يصح. ويمكن أن تظهر فيما إذا حلف الكفيل أن لا دين عليه فيحنث على الضعيف لا على الأصح اهـ. قلت: يظهر لي الاتفاق على ثبوت الدين في ذمة الكفيل أيضاً بدليل الاتفاق على هذه المسائل المذكورة، ولأن اعتباره في ذمتين ممكن كما علمت، وما ذكر من هذه المسائل موجب لذلك الاعتبار، ولو كانت ضماً في المطالبة فقط بدون دين لزم أن لا يؤخذ المال من تركة الكفيل، لأن المطالبة تسقط عنه بموته كالكفيل بالنفس لما كان كفيلاً بالمطالبة فقط بطلت الكفالة بموته، مع أن المصرح به أن المال يحل بموت الكفيل وأنه يؤخذ من تركته، ولأن الكفيل يصح أن يكفله عند الطالب كفيل آخر بالمال المكفول به، فإذا أدى الآخر المال إلى الطالب لم يرجع به على الأصیل بل يرجع علی الکفیل الأول، فإن أدی إلیه رجع الأول على الأصيل لو الكفالة بالأمر، نص عليه في كافي الحاكم، ويشهد لذلك فروع أخر ستظهر في محالها. وعلى هذا فمعنى كون التعريف الأول أصح شموله أنواع الكفالة الثلاثة، بخلاف التعريف الثاني كما مر عن العناية. والجواب بأنه إنما أراد تعريف نوع منها لا يدفع الإيراد لأنه لم يعرف النوعين الآخرين فكان موهماً اختصاصها بذلك النوع فقط، هذا ما ظهر لي، فتدبره. قوله: (وهو الكفالة بالمال) أراد بالمال الدين، وإلا فهو يشمل العين مقابل الدين اهـ ح. قوله: (لأنه محل الخلاف) بيان لوجه اقتصاره على تعريف كفالة الدين فقط، ولا يخفى أن التعريف يذكر للتعليم والتفهيم في ابتداء الأبواب فلا بد من التنبيه على ما يوقع في الاشتباه، فكان عليه أن يذكر تعريف النوعين الآخرين كما قلنا ٥٥٥ كتاب الكفالة وبه يستغنى عما ذكره منلا خسرو. (وركنها: إيجاب وقبول) بالألفاظ الآتية ولم يجعل الثاني ركناً (وشرطها كون المكفول به) نفساً أو مالًا (مقدور التسليم) من الكفيل فلم تصح بحدّ وقود (وفي الدين كونه صحيحاً قائماً) لا ساقطاً بموته آنفاً. قوله: (وبه) أي بما ذكر من تعميم المطالبة. قوله: (يستغني عما ذكره منلاخسرو) أي صاحب الدرر. قال في النهر: وبه استغنى عما في نكاح الدرر من تعريفها بضم ذمة إلى ذمة في مطالبة النفس أو المال أو التسليم مدعياً أن قولهم والأول أصح لا صحة له فضلاً عن كونه أصح، لأنهم قسموها إلى كفالة في المال والنفس ثم إن تقسيمهم يشعر بانحصارها مع أنهم ذكروا في أثناء المسائل ما يدل على وجود قسم ثالث وهو الكفالة بالتسليم اهـ. وأنت قد علمت ما هو الواقع اهـ: أي من أن ما عرف به هو مرادهم لأن المطالبة تشمل الأنواع الثلاثة، فليس فيما قاله زيادة على ما أرادوه غير التصريح به، فافهم. قوله: (وركنها إيجاب وقبول) فلا تتم بالكفيل وحده ما لم يقبل المكفول له أو أجنبي عنه في المجلس. رملي. قوله: (ولم يجعل الثاني) أي أبو يوسف وقوله: ((الثاني)) أي القبول وهو بالنصف على أنه مفعول ((يجعل)) وقوله: ((ركناً) مفعوله الآخر: أي فجعلها تتم بالإيجاب وحده في المال والنفس. واختلف على قوله: فقيل تتوقف على إجازة الطالب، فلو مات قبلها لا يؤاخذ الكفيل؛ وقيل تنفذ وللطالب الرد كما في البحر وهو الأصح كما في المحيط: أي الأصح من قوليه. نهر. وفي الدرر والبزازية: وبقول الثاني يفتى. وفي أنفع الوسائل وغيره: الفتوى على قولهما، وسيأتي تمامه عند قوله: ((ولا تصح بلا قبول الطالب في مجلس العقد)). قوله: (نفساً أو مالاً) الأولى إسقاطه ليتأتى له التفريع بقوله ((فلم تصح بحد وقود)) فإنهما ليسا بنفس ولا مال إن أريد الضمان بهما. أما إذا أريد الضمان بنفس من هما عليه فإن الكفالة حينئذ تكون جائزة كما سيذكره المصنف. نعم یشترط کون النفس مقدورة التسليم، إذ لا شك أن کفالة الميت بالنفس لا تصح، لأنه لو كان حياً ثم مات بطلت كفالة النفس، وكذا لو كان غائباً لا يدرى مكانه فلا تصح كفالته بالنفس كما في جامع الفصولين. وعبارة البحر عن البدائع: وأما شرائط المكفول به: فالأول أن يكون مضموناً على الأصيل ديناً أو عيناً أو نفساً أو فعلً، ولكن يشترط في العين أن تكون مضمونة بنفسها. الثاني أن يكون مقدور التسليم من الكفيل، فلا تجوز بالحدود والقصاص. الثالث أن يكون الدين لازماً وهو خاص بالكفالة بالمال، فلا تجوز الكفالة ببدل الكتابة. قوله: (وفي الدين كونه صحيحاً) هو ما لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء كما سيأتي متناً، وسيذكر الشارح هناك استثناء الدين المشترك والنفقة وبدل السعاية، وأفاد أنه لا يشترط أن يكون معلوم القدر كما في البحر، وسيأتي أيضاً مع بيانه. قوله: (لا ساقطاً الخ) محترز قوله: ٥٥٦ كتاب الكفالة مفلساً، ولا ضعيفاً كبدل كتابة ونفقة زوجة قبل الحكم بها، فما ليس ديناً بالأولى. نهر. (وحكمها لزوم المطالبة على الكفيل) بما هو على الأصيل نفساً أو مالاً (وأهلها (قائماً)) فلا تصح كفالة ميت مفلس بدين عليه كما سيذكره المصنف. قوله: (ولا ضعيفاً) محترز قوله: ((صحيحاً)). قوله: (كبدل كتابة) لأنه يسقط بالتعجيز. مَطْلَبٌ في كَفَالَةِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ قوله: (ونفقة زوجة الخ) عبارة النهر: وينبغي أن يكون من ذلك الكفالة بنفقة الزوجة قبل القضاء بها أو الرضا لما قدمناه من أنها لا تصير ديناً إلا بهما، وبدل الكتابة دين إلا أنه ضعيف، ولا تصح الكفالة به، فما ليس ديناً أولى اهـ. وبه يظهر ما في عبارة الشارح من الخفاء، فكان عليه أن يقول: ولا ضعيفاً كبدل كتابة فما ليس ديناً كنفقة زوجة قبل القضاء أو الرضا بالأولى. ولا يخفى أنها حيث لم تصر ديناً لا تكون من أمثلة الدين الساقط، فافهم. ثم ظاهر كلام النهر أنها لو صارت ديناً بالقضاء بها أو بالرضا تصير ديناً صحيحاً، مع أنه ليس كذلك لسقوطها بالموت أو الطلاق إلا إذا كانت مستدانة بأمر القاضي، لكن غير المستدانة مع كونها ديناً غير صحيح تصح الكفالة بها استحساناً، فهي مستثناة من هذا الشرط كما سينبه عليه الشارح عند قول المصنف ((إذا كان ديناً صحيحاً) بل ذكر بعده بأسطر عن الخانية: لو كفل لها رجل بالنفقة أبدا ما دامت الزوجية جاز، وكذا ذكر قبيل الباب الآتي جواز الكفالة بها إذا أراد زوجها السفر، وعليه الفتوى، مع أنها لم تصر ديناً أصلاً لأن النفقة لم تجب بعد، فيحمل ما ذكره هنا تبعاً للنهر على النفقة الماضية لأنها تسقط بالمضيّ قبل القضاء أو الرضا فلا تصح الكفالة بها، والفرق بين الماضية والمستقبلة أن الزوجة مقصرة بتركها بدون قضاء أو رضا إلى أن سقطت بالمضي، بخلاف المستقبلة، فتدبر. قوله: (وحكمها لزوم المطالبة على الكفيل) أي ثبوت حق المطالبة متى شاء الطالب، سواء تعذر عليه مطالبة الأصيل أو لا. فتح. وذكر في الكفاية أن اختيار الطالب تضمين أحدهما لا يوجب براءة الآخر ما لم توجد حقيقة الاستيفاء، فلذا يملك مطالبة كل منهما، بخلاف الغاصب وغاصب الغاصب اهـ. وقدمناه أيضاً. قوله: (بما هو على الأصيل) الأولى بما وقعت الكفالة به عن الأصيل، لأن الأصيل عليه تسليم نفسه أو تسليم المال، والكفيل بالنفس ليس عليه تسليم المال، ولأن الكفيل لو تعدد لا يلزمه إلا بقدر ما يخصه كنصف الدين لو كانا اثنين أو ثلثه لو ثلاثة ما لم يكفلوا على التعاقب فيطالب كل واحد بكل المال كما ذكره السرخسي. قوله: (نفساً أو مالًا) شمل المال الدين والعين، وينبغي أن يزيد أو فعلاً؛ كما لو كفل تسليم الأمانة أو تسليم الدين كما سيأتي بيانه، والمراد بالعين المضمونة بنفسها ٥٥٧ كتاب الكفالة من هو أهل للتبرّع) فلا تنفذ من صبيّ ولا مجنون إلا إذا استدان له وليه وأمره أن يكفل المال عنه فتصح ويكون إذناً في الأداء. محيط. ومفاده أن الصبي يطالب بهذا المال بموجب الكفالة ولولاها لطولب الولي. نهر، ولا من مريض إلا من الثلث، ولا من عبد ولو مأذوناً في التجارة، ويطالب بعد العتق إلا إن أذن له المولى، ولا من مكاتب ولو بإذن المولى كالمغصوب كما مر. قوله: (فلا تنفذ من صبيّ ولا مجنون) أي ولو الصبي تاجراً، وكذا لا تجوز له إلا إذا كان تاجراً، وأما الكفالة عنه فهي لازمة للكفيل يؤخذ بها، ولا يجبر الصبيّ على الحضور معه إلا إذا كانت بطلبه وهو تاجر أو بطلب أبيه مطلقاً، فإن تغيب فله أخذ الأب بإحضاره أو تخليصه، والوصي كالأب ولو كفل بنفس الصبي؛ على أنه إن لم يواف به فعليه ما ذاب عليه جازت كفالة النفس، وما قضى به على أبيه أو وصيه لزم الكفيل، ولا يرجع على الصبي إلا إذا أمره الأب أو الوصي بالضمان اه ملخصاً من كافي الحاكم. قوله: (إلا إذا استدان له وليه) أي من له ولاية عليه من أب أو وصي لنفقة أو غيرها مما لا بد له منه. قوله: (وأمره أن يكفل المال عنه) قيد بالمال احترازاً عن النفس لأن ضمان الدين قد لزمه: أي لزم الصبي من غير شرط فالشرط لا يزيده إلا تأكيداً فلم يكن متبرعاً، فأما ضمان النفس وهو تسليم نفس الأب أو الوصي فلم يكن عليه فكان متبرعاً به فلم يجز. بحر عن البدائع. قوله: (ويكون إذناً في الأداء) لأن الوصي ينوب عنه في الأداء، فإذا أمره بالضمان فقد أذن له في الأداء فيجب عليه الأداء. نهر عن المحيط. قوله: (ولولاها لطولب الولي) أي فقط. قوله: (ولا من مريض إلا من الثلث) لكن إذا کفل لوارث أو عن وارث لا تصح أصلاً، ولو كان عليه دين محيط بماله بطلت، ولو كفل ولا دين عليه ثم أقرّ بدين محيط لأجنبي ثم مات فالمقر له أولى بتركته من المكفول له؛ وإن لم يحط: فإن كانت الكفالة تخرج من ثلث ما بقي بعد الدين صحت كلها، وإلا فبقدر الثلث وإن أقر المريض أن الكفالة كانت في صحته لزمه الكل في ماله إن لم تكن لوارث أو عن وارث. وتمامه في الفصل التاسع عشر من التاترخانية. قوله: (ولا من عبد) أي لا تصح الكفالة منه بنفس أو مال كما في الكافي، وسواء كفل عن مولاه أو أجنبي كما في التاترخانية. قوله: (إلا إن أذن له المولى) أي بالكفالة عن مولاه أو عن أجنبي فتصح كفالته إذا لم يكن مديوناً، وكذا الأمة والمدبرة وأم الولد، وإن كان مديوناً لا يلزمه شيء ما لم يعتق تاترخانية، وسيأتي تمام الكلام عليه قبيل الحوالة. قوله: (ولا من مكاتب الخ) أي ويطالب بها بعد عتقه، وهذا لو كانت عن أجنبي كما في البحر. وقال أيضاً: وتصح كفالة المكاتب والمأذون عن مولاهما. ٥٥٨ كتاب الكفالة (والمدعي) وهو الدائن (مكفول له والمدعى عليه) وهو المديون (مكفول عنه) ويسمى الأصيل أيضاً (والنفس أو المال المكفول مكفول به ومن لزمته المطالبة كفيل) ودليلها الإجماع، وسنده قوله عليه الصلاة والسلام ((الزعيم غارم)) وتركها أحوط مكتوب في التوراة: الزعامة أولها ملامة، وأوسطها ندامة، وآخرها غرامة. مجتبى. قال في النهر: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا كانت بأمره، ثم رأيته كذلك في عقد الفرائد معزياً إلى المبسوط. قلت: وسيأتي أيضاً متناً قبيل الحوالة في العبد مع التقييد بكونه غير مديون مستغرق. قوله: (والمدعي) أي من يكون له حق الدعوى على غريمه إذ لا يلزم في إعطاء الكفيل الدعوى بالفعل. قوله: (مكفول له) ويسمى الطالب أيضاً. قوله: (مكفول عنه) هذا في كفالة المال دون كفالة النفس. ففي البحر عن التاتر خانية، ويقال للمكفول بنفسه مكفول به ولا يقال مكفول عنه اهـ .. لكن قال الخير الرملي: وجدنا بعضهم يقوله، ووجد في التاترخانية عن الذخيرة. قوله: (كفيل) ويسمى ضامناً وضميناً وحميلاً وزعيماً وصبيراً وقبيلاً وتمامه في حاشية البحر للرملي. قوله: (وسنده) أي سند الإجماع، إذ لا إجماع إلا عن مستند وإن لم يلزم علمنا به. قوله: (قوله عليه الصلاة والسلام ((الزَّعِيمُ غَارِمٌ(١)))) أي يلزمه الأداء عند المطالبة به، فهو بیان لحكم الكفالة، والحدیث کما في الفتح رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. وقد استدل في الفتح لشرعيتها بقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حميل بعير وأنا به زعيم﴾ وعادتهم تقديم ما ورد في الكتاب على ما في السنة والشارح لم يذكره أصلاً، ولعله لشهرته أو لما قيل إنه لا كفالة هنا لأنه مستأجر لمن جاء بالصواع بحمل بعير، والمستأجر يلزمه ضمان الأجرة، ولكن جوابه أن الكفيل كان رسولاً من الملك لا وكيلاً بالاستئجار والرسول سفير، فكأنه قال إن الملك يقول لمن جاء به حمل بعير، ثم قال الرسول وأنا بذلك الحمل زعيم: أي كفيل، وبحث فيه في النهر. قوله: (وتركها أحوط) أي إذا كان يخاف أن لا يملك نفسه من الندم على ما فعله من هذا المعروف، أو المراد أحوط في سلامة المال لا في الديانة، إذ هي بالنية الحسنة تكون طاعة يثاب عليها، فقد قال في الفتح: ومحاسن الكفالة جليلة: وهي تفريج كرب الطالب الخائف على ما له والمطلوب الخائف على نفسه، حيث كفيا مؤنة ما أهمهما، وذلك نعمة كبيرة عليهما، ولذا كانت من الأفعال العالية، وتمامه فيه. قوله: (مكتوب في التوراة الخ) رأيت في الملتقط: قيل مكتوب على باب من أبواب الروم وفيه زيادة على ما هنا، ومن لم يصدق فليجرب حتى يعرف البلاء من السلامة. قوله: (أولهما ملامة) سقط أولها من بعض النسخ، وهو موجود في البحر عن المجتبى، والمراد (١) أخرجه أحمد ٢٦٧/٥ وأبو داود ٨٢٤/٣ (٣٥٦٥) والترمذي ٥٦٥/٣ وابن ماجه ٨٠١/٢ (٢٣٩٨). ٥٥٩ كتاب الكفالة (وكفالة النفس تنعقد بكفلت بنفسه ونحوها مما يعبر به عن بدنه) كالطلاق، وقدمنا ثمة أنهم لو تعارفوا إطلاق اليد على الجملة وقع به الطلاق، فكذا في الكفالة. فتح (و) بجزء شائع ككفلت (بنصفه أو ربعه، و) تنعقد (بضمنته أو عليّ والله أعلم أنه يعقبها في أول الأمر الملامة لنفسه منه أو من الناس، ثم عند المطالبة بالمال يندم على إتلافه لماله، ثم بعد ذلك يغرم، المال أو يتعب نفسه بإحضار المكفول به لأن الغرم لزوم الضرر، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كان غَرَاماً﴾ [الفرقان ٦٥]. مَطْلَبٌ: يَصِحُ كَفَالَةُ الْكَفِيلِ قوله: (وكفالة النفس تنعقد الخ) عبارة الكنز: وتصح بالنفس وإن تعددت. قال في النهر: أي بأن أخذ منه كفيلاً ثم كفيلاً أو كان للكفيل كفيل، ويجوز عود الضمير إلى النفس بأن يكفل واحد نفوساً، والأول هو الظاهر اهـ. وقدمنا عن كافي الحاكم صحة كفالة الكفيل بالمال أيضاً. قوله: (بكفلت بنفسه) بفتح الفاء أفصح من کسرها، ويكون بمعنى عال فيتعدى بنفسه ومنه ﴿وكفلها زكريا﴾ وبمعنى ضمن والتزام فيتعدى بالحرف واستعمال كثيرمن الفقهاء له متعدياً بنفسه مؤول. رملي عن شرح الروض. قوله: (مما يعبر به عن بدنه) أي مما يعبر به من أعضائه عن جملة البدن كرأسه ووجهه ورقبته وعنقه وبدنه وروحه، وذكروا في الطلاق الفرج ولم يذكروه هنا قالوا: وينبغي صحة الكفالة إذا كانت امرأة، كذا في التاترخانية. نهر. وتمامه فيه. قوله: (وبجزء شائع الخ) لأن النفس الواحدة في حق الكفالة لا تتجزأ فذكر بعضها شائعاً كذكر كلها؛ ولو أضاف الكفيل الجزء إلى نفسه ككفل لك نصفي أو ثلثي فإنه لا يجوز، كذا في السراج، لكن لو قيل إن ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله لم يفترق الحال. نهر. قوله: (وتنعقد بضمنته الخ) أما ضمنته فلأنه تصريح بمقتضى الكفالة لأنه يصير ضامناً للتسليم، والعقد ينعقد بالتصريح بموجبه كالبيع ينعقد بالتمليك: وأما عليّ فلأنه صيغة التزام، ومن هنا أفتى قارىء الهداية بأنه لو قال التزمت بما على فلان كان كفالة، وإلى بمعناه هنا، وتمامه في النهر. ثم اعلم أن ألفاظ الكفالة كل ما ينبىء عن العهدة في العرف والعادة وفي جامع الفتاوى: هذا إليّ أو عليّ وأنا كفيل به أو قبيل أو زعيم كان كله كفالة بالنفس لا كفالة بالمال اهـ تاترخانية. وفي كافي الحاكم: وقوله ضمنت وكفلت وهو إليّ وهو عليّ سواء كله وهو كفيل بنفسه اهـ. ثم ذكر في باب الكفالة بالمال إذا قال إن مات فلان قبل أن يوفيك مالك فهو عليّ فهو جائز اهـ. فقد علم أن قوله أولاً هو إلى هو عليّ كفيل بنفسه إنما هو حيث كان الضمير للرجل المكفول به؛ أما لو كان الضمير للمال فهو كفالة مال، وكذا بقية الألفاظ. ٥٦٠ كتاب الكفالة أو إليّ) أو عندي (أو أنا به زعيم) أي كفيل (أو قبيل به) أي بفلان أو غريم، أو ففي التاترخانية أيضاً عن الخلاصة: لو قال لرب المال أنا ضامن ما عليه من المال فهذا ضمان صحیح ثم قال: ولو ادعى أنه غصبه عبداً ومات في يده فقال خله فأنا ضامن بقيمة العبد فهو ضامن يأخذه منه من ساعته ولا يحتاج إلى إثبات بالبينة اهـ. فقد ظهر لك أن ما مر أولًا عن التاترخانية من أن هذه الألفاظ كفالة نفس لا كفالة مال، ليس المراد أنها لا تكون كفالة مال أصلاً، بل المراد أنه إذا قال أنا به كفيل أو زعيم الخ: أي بالرجل كان كفالة نفس لأنها أدنى من كفالة المال ولم يصرح بالمال؛ بخلاف ما إذا توجهت هذه الألفاظ على المال فإنها تكون كفالة مال لأنها صريحة به فلا يراد بها الأدنى وهو كفالة النفس مع التصريح بالمال أو بضميره، وهذا معنى ما نقله الشلبي عن شرح القدوري للشيخ أبي نصر الأقطع من قوله: فإذا ثبت أن هذه الألفاظ يصح الضمان بها، فلا فرق بين ضمان النفس وضمان المال اهـ: أي إذا قال ضمنت زيداً أو أنا كفيل به أو هو عليّ أو إليّ يكون كفالة نفس كما أفتى به في الخيرية. وإذا قال: ضمنت لك ما عليه من المال أو أنا كفيل به الخ فهو كفالة مال قطعاً، وأما إذا لم يعلم المكفول به أنه كفالة نفس أو مال فلا تصح الكفالة أصلاً كما يأتي بيانه قريباً، وبه علم أنه لا تحرير فيما قاله الشلبي بعد ما مر عن شرح الأقطع من أنه ينبغي أن يقال: هذه الألفاظ إذا أطلقت تحمل على الكفالة بالنفس، وإذا كان هناك قرينة على الكفالة بالمال تتمحض حينئذ للكفالة به اهـ. فإنه إذا لم يعلم المكفول به بأن قال أنا ضامن ولم يصرح بنفس ولا مال لا تصح أصلاً كما يأتي، فقوله تحمل على الكفالة بالنفس مخالف للمنقول كما تعرفه. نعم لو قامت قرينة على أحدهما يمكن أن يقال يعمل بها، كما إذا قال قائل اضمن لي هذا الرجل فقال الآخر أنا ضامن فهو قرينة على كفالة النفس، وإن قال اضمن لي ما عليه من المال فقال أنا ضامن فهو قرينة على المال، لأن الجواب معاد في السؤال، فافهم واغنم تحرير هذه المسألة فإنك لا تجده في غير هذا الكتاب، ولله الحمد. مَطْلَبٌ: لَفْظٌ عِنْدِي يَكُون كَفَالَةٌ بِالنَّفْسِ، وَيَكُونُ كَفَالَةٌ بِالْمَالِ قوله: (أو عندي) في البحر عن التاترخانية: لك عندي هذا الرجل أو قال دعه إليّ كانت كفالة اهـ: يعني بالنفس. وقال في البحر أيضاً عند قوله: ولو قال إن لم أوافك به غداً الخ عن الخانية: إن لم أوافك به فعندي لك هذا المال لزمه، لأن عندي إذا استعمل في الدين يراد به الوجوب، وكذا لو قال إليّ هذا المال اهـ. فهذا صريح أيضاً بأن عندي يكون كفالة نفس وكفالة مال بحسب ما توجه إليه اللفظ، وبه أفتى في الخيرية والحامدية. وأما ما قاله في البحر عند قول الكنز: وبما لك عليه من أن عندي كعليّ في التعليق فقط ولا تفيد كفالة بالمال بل بالنفس، وما أفتى به من أنه: لو قال لا تطالب فلاناً ما لك