Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ كتاب البيوع وفي معين المفتي للمصنف معزياً للولوالجية: عمارة في أرض بيعت، فإن بناء أو أشجاراً جاز، وإن كراباً أو كري أنهار أو نحوه مما لم يكن ذلك بمال ينظر إلى ما يعود نفعه إلى الوقف فقط كما ذكرنا؛ نعم جرت العادة أن صاحب الخلو حين يستأجر الدكان بالأجرة اليسيرة يدفع للناظر دراهم تسمى خدمة، هي في الحقيقة تكملة أجرة المثل أو دونها؛ وكذا إذا مات صاحب الخلو أو نزل عن خلوه لغيره يأخذ الناظر من الوارث أو المنزول له دراهم تسمى تصديقاً، فهذه تحسب من الأجرة أيضاً، ويجب على الناظر صرفها إلى جهة الوقف كما قدمناه في كتاب الوقف في مسألة العوائد العرفية، والله سبحانه وتعالى أعلم. تنبيه: ذكر السيد محمد أبو السعود في حاشيته على الأشباه: أن الخلو يصدق بالعين المتصل اتصال قرار وبغيره، وكذا الجدك المتعارف فى الحوانيت المملوكة ونحوها كالقهاوي، تارة يتعلق بماله حق القرار كالبناء بالحانوت، وتارة يتعلق بما هو أعم من ذلك. والذي يظهر أنه كالخلو في الحكم بجامع وجود العرف في كل منهما، والمراد بالمتصل اتصال قرار ما وضع لا ليفصل كالبناء، ولا فرق في صدق كل من الخلو والجدك به، وبالمتصل لا على وجه القرار كالخشب الذي يركب بالحانوت لوضع عدة الحلاق مثلاً، فإن الاتصال وجد لكن لا على وجه القرار، وكذا يصدقان بمجرد المنفعة المقابلة للدراهم، لكن ينفرد الجدك بالعين الغير المتصلة أصلاً كالبكارج والفناجين بالنسبة للقهوة والمقشة والفوط بالنسبة للحمام والشونة بالنسبة للفرن، وبهذا الاعتبار يكون الجدك أعم. بقي لو كان الخلو بناء أو غراساً بالأرض المحتكرة أو المملوكة يجري فيه حق الشفعة، لأنه لما اتصل بالأرض اتصال قرار التحق بالعقار اهـ. قلت: ما ذكره من جريان الشفعة فيه سهو ظاهر لمخالفته المنصوص عليه في كتب المذهب، كما سيأتي في بابها إن شاء الله تعالى، فافهم. هذا غاية ما تحرّر لي في مسألة الخلو فاغتنمه فإنه مفرد. وقد أوضحنا الفرق في باب مشد المسكة من تنقيح . الفتاوى الحامدية بين المشد والخلو والجدك والقيمة والمرصد المتعارفة في زماننا إيضاحاً لا يوجد في غير ذلك الكتاب، والحمد لله الملك الوهاب. قوله: (وفي معين المفتي الخ) أفاد به أن الخلو إذا لم يكن عيناً قائمة لا يصح بيعه. قوله: (جاز) ترك قيداً ذكره في معين المفتي وهو قوله: إذا لم يشترط تركها (١) اهـ. ومثله في الخانية: أي لأنه شرط مفسد للبيع. قوله: (وإن كراباً أو كرى أنهار) في المغرب: کرب الأرض (١) في ط (قوله إذا لم يشترط تركها) أي تترك العمارة المباعة في الأرض، وهو استحقاق البقاء في الأرض، وقوله: ((لأنه شرط مفسد)) أي أنه أمر زائد ليس من مقتضيات العقد وفيه نفع للمشتري. ٤٢ كتاب البيوع ولا بمعنی مال لم يجز اهـ. قلت: ومفاده أن بيع المسكة(١) لا يجوز، وكذا رهنها، ولذا جعلوه الآن كرباً: قلبها للحرث من باب طلب، وكريت النهر. كرياً: حفرته. قوله: (ولا بمعنى مال) لعل المراد به التراب المسمى كبساً وهو ما تكبس به الأرض: أي تطم وتسوّى، فتأمل: وفي ط: وهو كالسكنى في الأرض الموقوفة بطريق الخلو وكالجدك على ما سلف. مَطْلَبٌ فِي بَيَانِ مَشَدٌ الْمُسْكَةِ قوله: (ومفاده أن بيع المسكة لا يجوز) لأنها عبارة عن كراب(٢) الأرض وكري أنهارها، سمیت مسکة لأن صاحبها صار له مسکة بها، بحيث لا تنزع من يده بسببها، وتسمى أيضاً مشد مسكة، لأن المشد من الشدة بمعنى القوة: أي قوة التمسك، ولها أحكام مبنية على أوامر سلطانية أفتى بها علماء الدولة العثمانية ذكرت كثيراً منها في بابها من تنقيح الفتاوى الحامدية. منها: أنها لا تورث، وإنما توجه للابن القادر عليها دون البنت، وعند عدم الابن تعطى للبنت فإن لم توجد فللأخ لأب، فإن لم يوجد فللأخت الساكنة في القرية، فإن لم توجد فللأم. وذكر الشارح في خراج الدر المنتقى: أنها تنتقل للابن ولا تعطى البنت حصة، وإن لم يترك ابناً بل بنتاً لا يعطيها ويعطيها صاحب التيمار لمن أراد. وفي سنة ثمانية وخمسين وتسعمائة في مثل هذه الأراضي التي تحيا وتفلح بعمل وكلفة دراهم فعلى تقدير أن تعطى للغير بالطابو، فالبنات لما كان يلزم حرمانهن من المال الذي صرفه أبوهن ورد الأمر السلطاني بالإعطاء لهن، لكن تنافس الأخت البنت في ذلك، فيؤتى بجماعة ليس لهن غرض، فأيّ مقدار قدروا به الطابو تعطيه البنات ويأخذن الأرض اهـ. ونقل في الحامدية أنه إذا وقع التفويض بلا إذن صاحب الأرض: يعني التيماري الذي وجه السلطان له أخذ خراجها لا تزول الأرض عن يد المفوض حقيقة، فكانت في يد المفوض إليه عارية، وإذا كانت الأرض وقفاً فتفويضاً متوقف على إذن الناظر لا على إجازة التيمار، ولا تؤجر ممن لا مسكة له مع وجوده بدون وجه شرعي، وإذا زرع أجنبيّ فيها بلا إذن صاحب المسكة يؤمر بقلع الزرع ويسقط حق صاحبها منها بتركها ثلاث سنوات اختياراً اهـ. فافهم. قوله: (ولذا جعلوه) أي جعلوا بيعها، والمراد به الخروج عنها: يعني أن المسكة لما لم تكن مالاً (١) في ط (قول الشارح ومفاده أن بيع المسكة الخ) النسخة التي كتب عليها ط ((السكة)) بدون ميم، ففسرها بحق المرور وقال: كما إذا كان لشخص دار في محلة غير نافذة له حق المرور فيها ففتح له باباً من الشارع العام وباع حق استطراقه من غير النافذة لصاحب دار ليس له حق الاستطراق فيها، وقدمنا أن في بيع حق المرور روایتن. (٢) في ط (قوله لأنها عبارة عن كراب الخ) فيه أنها عبارة عن التمسك الحاصل بسبب المكري والكراب، لا نفس الكراب والكري، وإلا لكان عدم جواز بيعها صريح كلام الولوالجية. ٤٣ كتاب البيوع فراغاً كالوظائف فليحرر اهـ. وسنذكره في بيع الوفاء (وينعقد) أيضاً (بلفظ واحد كما في بيع) القاضي والوصيّ و (الأب من طفله وشرائه منه) متقوماً لا يمكن بيعها، فإذا أراد صاحبها النزول عنها لغيره بعوض جعلوا ذلك بطريق الفراغ كالنزول عن الوظائف، وقدمنا عن المفتي أبي السعود أنه أفتى بجوازه، وكأن الشارح لم يطلع على ذلك فأمر بتحريره، والله سبحانه أعلم. قوله: (وسنذكره في بيع الوفاء) أي قبيل كتاب الكفالة، والذي ذكره هناك هو النزول عن الوظائف ومسألة الخلو ولم يتعرض هناك للمسكة. مَطْلَبُ فِي أَنْعِقَادِ الْبَيْعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَانِيَين قوله: (وينعقد أيضاً) أي كما ينعقد بإيجاب وقبول منهما أو بتعاط من الجانبين ط. قوله: (بلفظ واحد) ظاهره أنه لا يكون بالتعاطي هنا. قوله: (كما في بيع القاضي) أي بيعه مال اليتيم من يتيم آخر (١) أو شرائه له كذلك، أما عقده لنفسه فلا يجوز، لأن فعله قضاء وقضاؤه لنفسه باطل. أفاده في البحر جامعاً بذلك بين ما في البدائع من الجواز وما في الخزانة من عدمه ط. قوله: (والوصي) أي إذا اشترى لليتيم من مال نفسه أو لنفسه منه بشرطه المعروف، وقيده في نظم الزندويستي بما إذا لم يكن نصبه القاضي اهـ. فتح: أي لأن وصي القاضي وكيل محض والوصي لا يملك البيع(٢) أو الشراء لنفسه خلاصة، وأراد بالشرط المعروف الخيرية، وهي في الشراء من مال اليتيم لنفسه أن يكون ما يساوي عشرة بخمسة عشر، وفي البيع منه بالعكس وقيل يكتفي بدرهمين في العشرة، والأول المعتمد كما قدمناه قبيل البيوع. قوله: (والأب من طفله) ولا تشترط فيه الخيرية كما في البحر، وزاد فيمن يتولى العقد من الطرفين العبد إذا اشترى نفسه من مولاه بأمره والرسول من الجانبين، بخلاف الوكيل منهما اهـ. زاد في الدرر قوله: وكذا لو قال بعت منك هذا بدرهم فقبضه المشتري ولم يقل شيئاً ينعقد (١) في ط (قوله أي بيعه مال اليتيم من يتيم آخر الخ) أقول: ما نقل عن البدائع مخالف لما هو منقول عن الأئمة المعتبرين كالفقيه أبي جعفر الطحاوي أحد المجتهدين في المسائل والقاضي أبي جعفر الاستروشني وغيرها. ففي أحكام الصغار نقلاً عن القاضي أبي جعفر: القاضي إذا باع مال أحد اليتيمين من الآخر وكذا الأب والوصي لو فعل لا يجوز بالاتفاق، وذكر رشيد الدين في فتاواه: القاضي في بيع مال أحد الصغيرين من الآخر مثل الوصي بخلاف الأب، وفي الحاصل من شرح الطحاوي: لا يجوز من الوصي بيع مال أحد اليتيمين من الآخر، ويجوز ذلك من الأب إذا لم يفحش الغبن. إذا علمت ذلك ظهر لك أنه لا وجه لإلحاقه بالأب هنا، وكذلك الوصي فإنه وإن جاز بيعه وشراؤه منه بشرط الخيرية لكن لا تكفي عبارته عن عبارتين كما هو مصرح به في الخانية والبزازية وغيرها. كتبه خويدمة عبد الغني الغنيمي، هكذا وجد بهامش نسخة المؤلف. (٢) في ط (قوله والوصي لا يملك البيع الخ) لعل صوابه (والوكيل لا يملك الخ)). ٤٤ كتاب البيوع فإنه لوفور شفقته جعلت عبارته كعبارتين، وتمامه في الدرر (وإذا أوجب واحد قبل الآخر) بائعاً كان أو مشترياً (في المجلس) لأن خيار القبول مقيد به (كل المبيع بكل الثمن أو ترك) البيع اهـ. وقال في العزمية: والظاهر أن هذا من باب التعاطي اهـ. وفيه نظر لأن بيع التعاطي ليس فيه إيجاب، بل قبض بعد معرفة الثمن فقط كما قدمناه عن الفتح، وقدمنا عنه أن القبول يكون بالقول والفعل، وأن القبض قبول فحينئذ لم يوجد انفراد أحدهما بالعقد. قوله: (فإنه لوفور شفقته الخ) أي ووصى الأب نائب عنه فله حكمه، ولذا سكت عنه، وأما القاضي فكذلك. قوله: (وتمامه في الدرر) ذكر فيها بعد عبارة الشارح ما نصه: فلم يحتج إلى القبول، وکان أصيلاً في حق نفسه ونائباً عن طفله، حتى إذا بلغ كانت العهدة عليه دون أبيه؛ بخلاف ما إذا باع مال طفله من أجنبي، فبلغ كانت العهدة على أبيه، فإذا لزم عليه الثمن في صورة شرائه لا يبرأ عن الدين حتى ينصب القاضي وكيلاً يقبضه للصغير فيرده على أبيه فيكون أمانة عنده اهـ. قوله: (قبل الآخر) بكسر الباء من القبول المقابل للإيجاب، وقوله: أو ترك عطف عليه: أي يخير الآخر بين القبول والترك في المجلس، ما دام الموجب على إيجابه، فلو رجع عنه قبل القبول بطل كما يأتي، ولا بد أيضاً من كون القبول في المجلس، وكونه موافقاً للإيجاب كما نبه عليه وكونه في حياة الموجب. فلو مات قبله بطل، إلا في مسألة على ما فهمه في البحر ورده في النهر بأنه لا استثناء، فراجعه؛ وكونه قبل ردّ المخاطب الإيجاب وكونه قبل تغير المبيع، فلو قطعت يد الجارية بعد الإيجاب، وأخذ البائع أرشها لم يصح قبول المشتري، كما في الخانية. بحر. والظاهر أن التقييد بأخذ الأرش اتفاقي. نهر. قلت: ويؤيده قول التاترخانية: ودفع أرش اليد إلى البائع أو لم يدفع. قوله: (في المجلس) حتى لو تكلم البائع مع إنسان في حاجة فإنه يبطل. بحر. فالمراد بالمجلس ما لا يوجد فيه ما يدل على الإعراض، وأن لايشتغل بمفوّت له فيه، وأن لم يكن للإعراض. أفاده في النهر. فإن وجد بطل ولو اتحد المكان ط. قوله: (كل المبيع بكل الثمن) بيان لاشتراط موافقة القبول للإيجاب بأن يقبل المشتري ما أوجبه البائع بما أوجبه، فإن خالفه بأن قبل غير ما أوجبه أو بعضه أو بغير ما أوجبه أو ببعضه لم ينعقد إلا في الشفعة، كما قدمناه في شروط العقد، وإلا فيما إذا كان الإيجاب من المشتري فقبل البائع بأنقص من الثمن صح وكان خطأ أو كان من البائع فقبل المشتري بأزيد صح، وكان زيادة إن قبلها في المجلس لزمت. أفاده في البحر. وذكر أن هبة الثمن بعد الإيجاب قبل القبول تبطل الإيجاب، وقيل لا ويكون إبراء، وسكوت المشتري عن الثمن مفسد للبيع اهـ. ٤٥ كتاب البيوع لئلا يلزم(١) تفريق الصفقة (إلا إذا) أعاد الإيجاب والقبول أو رضي الآخر وكان الثمن منقسماً على المبيع بالأجزاء كمكيل وموزون مَطْلَبُ: مَا يُؤْجِبُ الْحَادَ الصَّفْقَةِ وَتَغْرِيقِهَا قوله: (لئلا يلزم تفريق الصفقة) هي ضرب اليد على اليد في البيع، ثم جعلت عبارة عن العقد نفسه. مغرب. قال في البحر: ولا بد من معرفة ما يوجب اتحادها وتفريقها. وحاصل ما ذكروه أن الموجب إذا اتحد وتعدد المخاطب لم يجز التفريق بقبول أحدهما بائعاً كان الموجب أو مشترياً، وعلى عكسه لم يجز القبول في حصة أحدهما، وإن اتحدا لم يصح قبول المخاطب في البعض فلم يصح تفريقها مطلقاً في الأحوال الثلاثة لاتحاد الصفقة في الكل، وكذا إذا اتحد العاقدان، وتعدد المبيع كأن يوجب في مثلين أو قيمي ومثلي لم يجز تفريقها بالقبول في أحدهما إلا أن يرضى الآخر بذلك بعد قبوله في البعض ويكون المبيع مما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء كعبد واحد أو مكيل أو موزون، فيكون القبول إيجاباً والرضا قبولاً وبطل الإيجاب الأول؛ فإن كان مما لا ينقسم إلا بالقيمة كثوبين وعبدين لا يجوز(٢)، فلو بين ثمن كل واحد فلا يخلو إما أن يكرّر لفظ البيع، فالاتفاق على أنه صفقتان، فإذا قبل في أحدهما يصح كقوله بعتك هذين العبدين هذا بألف وبعتك هذا بألف، وإما أن لا يكرره وفصل الثمن فظاهر الهداية التعدد، وبه قال بعضهم ومنعه الآخرون، وحملوا كلامه على ما إذا كرّر لفظ البيع. وقيل إن اشتراط تكراره للتعدد استحسان، وهو قول الإمام وعدمه قياس وهو قولهما، ورجحه في الفتح بقوله: والوجه الاكتفاء بمجرد تفريق الثمن، لأن الظاهر أن فائدته ليس إلا بقصده بأن يبيع منه أيهما شاء، وإلا فلو كان غرضه أن لا يبيعهما منه إلا جملة لم تكن فائدة لتعيين ثمن كل اهـ. واعلم أن تفصيل الثمن إنما يجعلهما عقدين على القول به إذا كان الثمن منقسماً عليهما باعتبار القيمة؛ أما إذا كان منقسماً عليهما باعتبار الأجزاء كالقفيزين من جنس واحد، فإن التفصيل لا يجعله في حكم عقدين للانقسام من غير تفصيل، فلم يعتبر التفصيل كما في شرح المجمع للمصنف وهو تقييد حسن اهـ. ما في البحر وتمام الكلام فيه. قوله: (إلا إذا أعاد الإيجاب والقبول) كأن قال اشتريت نصف هذا المکیل بكذا وقبل الآخر فيكون بيعاً مستأنفاً لوجود ركنيه وبطل الأول. قوله: (أو رضي الآخر) أي بدون إعادة الإيجاب، فيكون القبول إيجاباً والرضا قبولاً كما مر. قوله: (كمكيل وموزون) (١) في ط (قول الشارح لئلا يلزم الخ) هو تعليل لمحذوف تقديره. ولا يقبل في البعض. (٢) في ط (قوله وعبدين لا يجوز) أي إذا لم يبين ثمن ما قبل فيه بأن قال قبلت في أحدهما، أما إذا قال قبلت في هذا بكذا ورضي البائع فيجوز. ٤٦ كتاب البيوع وإلا لا، وإن رضي الآخر لعدم جواز البيع بالحصة ابتداء كما حرره الواني أو (بين ثمن كل) كقوله بعتهما كل واحد بمائة وإن لم يكرّر لفظ بعت عند أبي يوسف ومحمد، وهو المختار كما في الشرنبلالية عن البرهان (وما لم يقبل بطل الإيجاب إن رجع الموجب) قبل القبول (أو قام أحدهما) أدخلت الكاف العبد الواحد كما سلف ذكره في عبارة البحر ط. ووجه الصحة أنه إذا كان الثمن منقسماً عليهما باعتبار الأجزاء تكون حصة كل بعض معلومة. قوله: (وإلا لا) أي وإن يكن الثمن (١) منقسماً عليهما كذلك بل كان منقسماً باعتبار القيمة، كما إذا كان المبيع عبدين أو ثوبين لا يصح القبول لأحدهما، وإن رضي الآخر لجهالة ما يخص أحدهما من الثمن. قوله: (لعدم جواز البيع بالحصة ابتداء) صورته: ما إذا قال: بعت منك هذا العبد بحصته من الألف الموزع على قيمته وقيمة ذلك العبد الآخر، فإنه باطل لجهالة الثمن وقت البيع، كذا في فصل قصر العام من التلويح. عزمية. وقوله ابتداء خرج به ما إذا عرض البيع بالحصة، بأن باعه الدار بتمامها(٢) فاستحق بعضها ورضي المشتري بالباقي فإنه يصح لعروض البيع بالحصة انتهاء، وقد علمت أن محل عدم الجواز فيما إذا لم يكرر الثمن ولفظ البيع أو يفصل الثمن فقط على ما ذهب إليه صاحب الهداية ط. قوله: (كما حرره الواني) لم يذكر الواني في هذا المحل تحريراً ط. قوله: (أو بين ثمن كل) أي فيما إذا كان المبيع مما ينقسم الثمن عليه بالقيمة كعبدين وثوبين. قوله: (وإن لم يكرر لفظ بعت) لأنه بمجرّد تفصيل الثمن تتعدد الصفقة على ما هو ظاهر الهداية كما مر. قوله: (وهو المختار) تقدم وجه ترجيحه عن الفتح. مَطْلَبْ: مَا يُبْطِلُ الْإِيَجَابَ سَبْعَةٌ قوله: (بطل الإيجاب إن رجع الموجب الخ) قال في البحر: والحاصل أن الإيجاب يبطل بما يدل على الإعراض وبرجوع أحدهما عنه وبموت أحدهما، ولذا قلنا: إن خيار القبول لا يورث وبتغير المبيع بقطع يد وتخلل عصير وزيادة بولادة وهلاكه، بخلاف ما إذا كان بعد قلع عينه بآفة سماوية أو بعد ما وهب للمبيع هبة، كما في المحيط، وقدمنا أنه يبطل بهبة الثمن قبل قبوله فأصل ما يبطله سبعة فليحفظ اهـ. قوله: (قبل القبول) وكذا معه، فلو خرج القبول ورجع الموجب معاً كان الرجوع أولى كما في الخانية. (١) في ط (قوله أي وإن يكن الثمن الخ) هكذا بخطه، ولعل صوابه ((وأن لا يكن الخ)) بدليل الإضراب بعده. (٢) في ط (قوله بأن باعه الدار بتمامها الخ) فيه أن الدار كالعبد الواحد مما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء، فهو وإن كان بيعاً بالحصة إلا أنها معلومة، فالظاهر أن يصور ببيع عبد ودار مثلاً استحق أحدهما ورضي المشتري بأخذ الآخر بحصته، إلا أن يقال: المراد بقوله استحق بعضها: أنه استحق بعض معين منها كبيت من مساكنها، لا أنه استحق جزء شائع منها كنصف وربع مثلاً حتى تكون مما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء. ٤٧ كتاب البيوع وإن لم يذهب (عن مجلسه) على الراجح. نهر وابن الكمال، فإنه کمجلس خيار المخيرة، وكذا سائر التمليكات. فتح (وإذا وجدا لزم البيع) بلا خيار إلا لعيب أو رؤية خلافاً للشافعي رضي الله عنه وحديثه محمول على تفرق الأقوال بحر. قوله: (وإن لم يذهب عن مجلسه على الراجح) وقيل لا يبطل ما دام في مكانه. بحر. ويبطل بالقيام وإن كان لمصلحة لا معرضاً كما في القنية. قال في النهر: واختلاف المجلس باعتراض ما يدل على الإعراض من الاشتغال بعمل آخر كأكل، إلا إذا كان لقمة وشرب، إلا إذا كان الإناء في يده ونوم، إلا أن يكونا جالسين وصلاة، إلا إتمام الفريضة، أو شفع نفلاً، وكلام ولو لحاجة، ومشى مطلقاً (١) في ظاهر الرواية، حتى لو تبايعا وهما يمشيان أو يسيران ولو على دابة واحدة لم يصح. واختار غير واحد كالطحاوي أنه إن أجاب على فور كلامه متصلاً جاز، وصححه في المحيط. وقال في الخلاصة: لو قبل بعد ما مشى خطوة أو خطوتين جاز. وفي مجمع التفاريق: وبه نأخذ. وفي المجتبى: المجلس المتحد أن لا يشتغل أحد المتعاقدين بغير ما عقد له المجلس، أو ما هو دليل الإعراض، والسفينة كالبيت فلا ينقطع المجلس بجريانها لأنهما لا يملكان إيقافها اهـ. ملخصاً ط. وفي الجوهرة: لو كان قائماً فقعد لم يبطل. بحر. وكذا لو ناما جالسين لا لو مضطجعين أو أحدهما. فتح. تأمل. قوله: (فإنه كمجلس خيار المخيرة) أي التي ملكها زوجها طلاقها بقوله لها اختاري نفسك. وفي البحر عن الحاوي القدسي ويبطل مجلس البيع بما يبطل به خيار المخيرة اهـ. وهذا أولى لأن خيارها يقتصر على مجلسها خاصة لا على مجلس الزوج، بخلاف البيع فإنه يقتصر على مجلسهما كما في البحر عن غاية البيان. قوله: (وكذا سائر التمليكات فتح) لم يذكر في الفتح إلا خيار المخيرة ط. وفي البحر: قيد بالبيع لأن الخلع والعتق على مال لا يبطل الإيجاب فيه بقيام الزوج والمولى لكونه يميناً، ويبطل بقيام المرأة والعبد لكونه معاوضة في حقهما كما في النهاية اهـ. قوله: (خلافاً للشافعي) وبقوله قال أحمد، ويقولنا قال مالك كما في الفتح. قوله: (وحديثه) أي الخيار أو الشافعي، وقد روى بروايات متعددة كما في الفتح: منها ما في البخاري من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ((المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونُ البَيْعُ خِيَارً(٢)» ط. قوله: (محمول على تفرق الأقوال) هو أن يقول الآخر بعد الإيجاب لا أشتري أو يرجع الموجب قبل القبول، وإسناد التفرق إلى الناس مراداً به تفرق أقوالهم كثير في الشرع والعرف، قال الله تعالى - وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البيئة . وقال وَّه: ((أَفْقَتْ بَنو (١) في ط (قوله ومشى مطلقاً الخ) أي سواء أجابه على فور كلامه أولا، كما يدل عليه ما نقله عن الخلاصة. (٢) أخرجه البخاري ٣٢٦/٤ (٢١٠٧) (٢١١١) ومسلم ١١٦٣/٣ (١٥٣١/٤٣). ٤٨ كتاب البيوع إذ الأحوال ثلاثة قبل قولهما وبعده وبعد أحدهما، وإطلاق المتبايعين في الأول مجاز الأول، وفي الثاني مجاز الكون، وفي الثالث حقيقة فيحمل عليه (وشرط لصحته معرفة قدر) مبيع وثمن إِسْرَائِيلَ على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة (١))) فتح. قوله: (إذ الأحوال ثلاثة الخ) لأن حقيقة المتبايعين المشتغلان بأمر البيع، لا من تم البيع بينهما وانقضى، لأنه مجاز، والمتشاغلان: يعني المتساومين يصدق عند إيجاب أحدهما قبل قبول الآخر أنهما متبايعان، فيكون ذلك هو المراد، وهذا هو خيار القبول، وهذا حمل إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى. لا يقال: هذا أيضاً مجاز، لأن الثابت قبل قبول الآخر بائع واحد لا متبايعان. لأنا نقول: هذا من المواضع التي تصدق الحقيقة فيها بجزء من معنى اللفظ، ولأنا نفهم من قول القائل زيد وعمرو هناك يتبايعان على وجه التبادر، إلا أنهما (٢) مشتغلان بأمر البيع متراضيان فيه، فليكن هو المعنى الحقيقي، والحمل على الحقيقي متعين، فيكون الحديث لنفي توهم أنهما إذا اتفقا على الثمن وتراضيا عليه ثم أوجب أحدهما البيع يلزم الآخر من غير أن يقبل ذلك أصلاً للاتفاق والتراضي السابق على أن السمع والقياس معضدان للمذهب. أما السمع فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهذا عقد قبل التخيير، وقوله. تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وبعد الإيجاب والقبول تصدق تجارة عن تراض من غير توقف على التخيير، فقد أباح الله تعالى أكل المشتري قبل التخيير، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أمر بالترفق بالشهادة حتى لايقع التجاحد، والبيع يصدق قبل الخيار بعد الإيجاب والقبول، فلو ثبت الخيار وعدم اللزوم قبله كان إبطالاً لهذه النصوص. وأما القياس فعلى النكاح والخلع والعتق والكتابة كل منها عقد معاوضة يتم بلا خيار المجلس بمجرد اللفظ الدال على الرضا فكذا البيع، وتمامه في المنح والفتح ط. قوله: (مجاز الأول) أي باعتبار ما تؤول إليه عاقبته ط عن المنح مثل - إني أراني أعصر خمراً .. قوله: (مجاز الكون) أي باعتبار ما كان عليه من قبل، مثل: ﴿وَآتُّوا اَلْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]. قوله: (وشرط لصحته معرفة قدر مبيع وثمن) ككر حنطة وخمسة دراهم أو أكرار حنطة، فخرج ما لو كان قدر المبيع مجهولًا: أي جهالة فاحشة، فإنه لا يصح، وقيدنا بالفاحشة لما قالوه لو باعه جميع ما في هذه القرية أو هذه الدار (١) ابن أبي عاصم ١/ ٣٢ والطبراني في الكبير ٧٠/١٨. وبلفظ إحدى وسبعين أبو داود (٤٠٥٩٦) وابن ماجه (٣٩٩٢) وأحمد ٣٣٢/٢ بلفظه. (٢) في ط (قوله إلا أنهما الخ) لعلى الصواب إسقاط ((إلا)) أو زيادة ((لا)) قبل قوله ((تفهم)). ٤٩ كتاب البيوع (ووصف ثمن) والمشتري لا يعلم ما فيها لا يصح لفحش الجهالة، أما لو باعه جميع ما في هذا البيت أو الصندوق أو الجوالق فإنه يصح، لأن الجهالة يسيرة. قال في القنية: إلا إذا كان لا يحتاج معه إلى التسليم والتسلم، فإنه يصح بدون معرفة قدر المبيع، كمن أقرّ أن في يده متاع فلان غصباً أو وديعة ثم اشتراه جاز وإن لم يعرف مقداره اهـ. ومعرفة الحدود تغني عن معرفة المقدار. ففي البزازية: باعه أرضاً وذكر حدودها لأذرعها طولًا وعرضاً جاز، وكذا إن لم یذکر الحدود، ولم يعرفه المشتري إذا لم یقع بينهما تجاحد، وفيها جهل البائع معرفة المبيع لا يمنع وجهل المشتري يمنع اهـ. وعلى هذا تفرع ما في القنية: لك في يدي أرض خربة لا تساوي شيئاً في موضع كذا فبعها مني بستة دراهم فقال بعتها، ولم يعرفها البائع وهي تساوي أكثر من ذلك جاز، ولم يكن ذلك بيع المجهول(١) لأنه لما قال لك في يدي أرض صار كأنه قال أرض كذا. وفي المجمع: لو باعه نصيبه من دار فعلم العاقدين شرط: أي عند الإمام، ويجيزه: أي أبو يوسف مطلقاً، وشرط: أي محمد علم المشتري وحده. وفي الخانية: اشترى كذا كذا قربة من ماء الفرات. قال أبو يوسف: إن كانت القربة بعينها جاز لمكان التعامل، وكذا الرواية والجرة، وهذا استحسان. وفي القياس: لا يجوز إذا كان لا يعرف قدرها، وهو قول الإمام. وخرج أيضاً ما لو كان الثمن مجهولاً كالبيع بقيمته أو برأس ماله، أو بما اشتراه أو بمثل ما اشتراه فلان، فإن علم المشتري بالقدر في المجلس جاز، ومنه أيضاً ما لو باعه بمثل ما يبيع الناس إلا أن يكون شيئاً لا يتفاوت. نهر. قوله: (ووصف ثمن) لأنه إذا كان مجهول الوصف تتحقق المنازعة، فالمشتري يريد دفع الأدون والبائع يطلب الأرفع فلا يحصل مقصود شرعية العقد. نهر. تنبيه: ظاهر كلامه كالكنز يعطى أن معرفة وصف المبيع غير شرط، وقد نفى اشتراطه في البدائع في المبيع والثمن، وظاهر الفتح إثباته فيهما، ووفق في البحر بحمل ما في البدائع على المشار إليه أو إلى مكانه وما في الفتح على غيره، لكن حقق في النهر أن ما فهمه من الفتح وهم فاحش، لأن كلام الفتح في الثمن فقط. قلت: وظاهره الاتفاق على اشتراط معرفة القدر في المبيع والثمن، وإنما الخلاف في اشتراط الوصف فيهما. وللعلامة الشرنبلالي رسالة سماها. (نفيس المتجر بشراء الدرر) حقق فيها أن المبيع المسمى جنسه، لا حاجة فيه إلى بيان قدره ولا وصفه ولو غير مشار إليه أو إلى مكانه، لأن الجهالة المانعة من الصحة تنتفي (١) في ط (جاز ولم يكن ذلك بيع مجهول) قال الخير الرملي: لم يذكر خيار الغبن للبائع، ولا شك أن له ذلك على ما عليه الفتوى قلت: وبه صرح في الحاوي منه. ٥٠ كتاب البيوع بثبوت خيار الرؤية، لأنه إذا لم يوافقه يرده فلم تكن الجهالة مفضية إلى المنازعة، واستدل على ذلك بفروع صححوا فيها البيع بدون بيان قدر ولا وصف: منها ما قدمناه من صحة (١) بيع جميع ما في هذا البيت أو الصندوق، وشراء ما في يده من غصب أو وديعة، وبيع الأرض مقتصراً على ذكر حدودها وشراء الأرض الخربة المارة عن القنية. ومنها: ما قالوا لو قال بعتك عبيدي وليس له إلا عبد واحد صح، بخلاف بعتك عبداً بدون إضافة، فإنه لا يصح في الأصح. ومنها: لو قال بعتك كرّاً من الحنطة، فإن لم يكن كل الكر في ملكه بطل، ولو بعضه في ملكه بطل في المعدوم وفسد في الموجود، ولو كله في ملكه لكن في موضعين أو من نوعين مختلفين، لا يجوز ولو من نوع واحد في موضع واحد جاز وإن لم يضف البيع إلى تلك الحنطة؛ وكذا لو قال بعتك ما في كمي فعامتهم على الجواز وبعضهم على عدمه، وأول قول الكنز ولا بد من معرفة قدر ووصف ثمن، بأن لفظ قدر غير منون مضافاً لما بعده من الثمن، مثل قول العرب: بعتك بنصف وربع درهم. قلت: ما ذكره من الاكتفاء بذكر الجنس عن ذكر القدر والوصف يلزم عليه صحة البيع في نحو: بعتك حنطة بدرهم ولا قائل به، ومثله بعتك عبداً أو داراً، وما قاله من انتفاء الجهالة بثبوت خيار الرؤية مدفوع بأن خيار الرؤية قد يسقط برؤية بعض المبيع، فتبقى الجهالة المفضية إلى المنازعة، وكذا قد يبطل خيار الرؤية قبلها، بنحو بيع، أو رهن لما اشتراه كما سيأتي بيانه في بابها، ولذا قال المصنف هناك: صح البيع والشراء لما لم يرياه، والإشارة إليه أو إلى مكانه شرط الجواز اهـ. فأفاد أن انتفاء الجهالة بهذه الإشارة شرط جواز أصل البيع، ليثبت بعده خيار الرؤية؛ نعم صحح بعضهم الجواز بدون الإشارة المذكورة، لكنه محمول على ما إذا حصل انتفاء الجهالة بدونها، ولذا قال في النهاية هناك: صح شراء ما لم يره: يعني شيئاً مسمى موصوفاً أو مشاراً إليه أو إلى مكانه وليس فيه غيره بذلك الاسم اهـ. وقال في العناية؛ قال صاحب الأسرار: لأن كلامنا في عين هي بحالة لو كانت الرؤية حاصلة لكان البيع جائزاً اهـ. وفي حاوي (١) في ط (قوله منها ما قدمناه من صحة الخ) فيه أن الجهالة في بيع ما في البيت أو الصندوق ليسيرة لا تفضي إلى المنازعة، والمقصود إثبات جهالة فاحشة، وقوله: وشراء ما في يده من غصب أو وديعة هذا أيضاً لا يصلح دليلاً للمدعى، لأن الجهالة فيه لم تعتبر لعدم الحاجة إلى التسليم والتسلم، والمدعى وجود جهالة فيما يحتاج فيه إلى التسليم والتسلم، على أن الجهالة المقضية إلى المنازعة إنما هي جهالة المشتري قدر المبيع، وليست موجودة هنا حيث كان المبيع في يده. وقوله: وبيع الأراضي مقتصراً على ذكر حدودها فيه أيضاً أن القدر إنما يعتبر في المقدرات الشرعية والعقارات لم يعتبر فيها الشرع سوى التحديد وقد وجد، وبالجملة إذا تأملت جميع ما ساقه خرج جميعه عن الصلاحية للاستدلال به على مدعاه. ٥١ كتاب البيوع كمصري أو دمشقي (غير مشار) إليه (لا) يشترط ذلك في (مشار إليه) لنفي الجهالة بالإشارة ما لم يكن ربوياً قوبل بجنسه أو سلماً اتفاقاً أو رأس مال سلم لو مكیلاً أو موزوناً خلافاً لهما كما سيجيء. الزاهدي: باع حنطة قدراً معلوماً، ولم يعينها لا بالإشارة، ولا بالوصف لا يصح اهـ. هذا، والذي يظهر من كلامهم تفريعاً وتعليلاً أن المراد بمعرفة القدر والوصف ما ينفي الجهالة الفاحشة، وذلك بما يخصص المبيع عن أنظاره، وذلك بالإشارة إليه لو حاضراً في مجلس العقد، وإلا فبيان مقداره مع بيان وصفه لو من المقدرات، كبعتك كرّ حنظة بلدية مثلاً بشرط كونه في ملكه، أو ببيان مكانه الخاص كبعتك ما في هذا البيت، أو ما في کمي أو بإضافته إلى البائع کبعتك عبدي، ولا عبد له غيره، أو ببيان حدود أرض، ففي كل ذلك تنتفي الجهالة الفاحشة عن المبيع، وتبقى الجهالة اليسيرة التي لا تنافي صحة البيع، لارتفاعها بثبوت خيار الرؤية، فإن خيار الرؤية إنما يثبت بعد صحة البيع لرفع تلك الجهالة اليسيرة لا لرفع الفاحشة المنافية لصحته، فاغتنم تحقيق هذا المقام بما يرفع الظنون والأوهام، ويندفع به التناقض واللوم عن عبارات القوم. قوله: (كمصري أو دمشقي) ونظيره إذا كان الثمن من غير النقود كالحنطة لا بد من بيان قدرها ووصفها ككر حنطة بحيرية أو صعيدية، كما أفاده الكمال وحققه في النهر. قوله: (غير مشار إليه) أي إلى ما ذكر من المبيع والثمن. قال في البحر: لأن التسليم والتسلم واجب بالعقد، وهذه الجهالة مفضية إلى المنازعة فيمتنع التسليم والتسلم، وكل جهالة هذه صفتها تمنع الجواز اهـ. قوله: (لا يشترط ذلك في مشار إليه) قال في البحر: وقوله غير مشار إليه قيد فيهما، لأن المشار إليه مبيعاً كان أو ثمناً لا يحتاج إلى معرفة قدره ووصفه، فلو قال: بعتك هذه الصبرة من الحنطة أو هذه الكورجة من الأرز والشاشات وهي مجهولة العدد، بهذه الدراهم التي في يدك وهي مرئية له فقبل، جاز ولزم، لأن الباقي جهالة الوصف: يعني القدر، وهو لا يضرّ إذ لا يمنع من التسليم والتسلم اهـ. قوله: (ما لم يكن) أي المشار إليه ربوياً قوبل بجنسه: أي وبيع مجازفة مثل بعتك هذه الصبرة من الحنطة بهذه الصبرة. قال في البحر: فإنه لا يصح لاحتمال الربا، واحتماله مانع كحقيقته. قوله: (أو سلماً) أراد به المسلم فيه بقرينة ما بعده، لكنه لا حاجة لذكره، لأن المسلم فيه مؤجل غير حاضر، فلا يصح أن يكون مشاراً إليه والكلام فيه. قوله: (لو مكيلاً أو موزوناً) فلا تكفي الإشارة إليه كما في مذروع وحيوان خلافاً لهما، لأنه ربما لا يقدر على تحصيل المسلم فيه، فيحتاج إلى ردّ رأس المال، وقد ينفق بعضه ثم يجد باقيه معيباً فيرده ولا يستبدله ربّ السلم في مجلس الرد فيفسخ العقد في المردود، ويبقى في غيره، فتلزم جهالة المسلم فيه فيما بقي فوجب بيانه كما ٥٢ كتاب البيوع فرع: لو كان الثمن في صرّة ولم يعرف ما فيها من خارج خير ويسمى خيار الكمية لا خيار الرؤية لعدم ثبوته في النقود. فتح (وصح بثمن حالّ) وهو الأصل (ومؤجل إلى معلوم) لئلا يفضي إلى النزاع، سيجيء في باب السلم. قوله: (خير) أي البائع، والذي في الفتح والبحر عدم التخيير. وعبارة الفتح: ولو قال اشتريتها بهذه الصرة من الدراهم، فوجد البائع ما فيها بخلاف نقد البلد، فله أن يرجع بنقد البلد، لأن مطلق الدراهم في البيع ينصرف إلى نقد البلد، وإن وجدها نقد البلد جاز ولا خيار للبائع، بخلاف ما لو قال اشتريت بما في هذه الخابية، ثم رأى الدراهم التي كانت فيها كان له الخيار وإن كانت نقد البلد لأن الصرة يعرف مقدار ما فيها من خارجها. وفي الخانية: لا يعرف ذلك من الخارج فكان له الخيار، ويسمى هذا الخيار خيار الكمية لا خيار الرؤية لأن خيار الرؤية لا يثبت في النقود اهـ ط. قوله: (وصح بثمن حال) بتشديد اللام، قال في المصباح: حل الدين يحل بالكسر حلولاً اهـ. قيد بالثمن لأن تأجيل المبيع المعين لا يجوز ويفسده. بحر. مَطْلَبٌ فِي الْفَرْقِ بَين الأَثْمَانِ وَالمَبِيْعَاتِ واعلم أن كلّ من النقدين ثمن أبداً، والعين الغير المثلى مبيع أبداً، وكل من المكيل والموزون الغير النقد والعددي المتقارب إن قوبل بكل من النقدين كان مبيعاً، أو قوبل بعين؛ فإن كان ذلك المكيل والموزون المتقارب متعيناً كان مبيعاً أيضاً، وإن كان غير متعين فإن دخل عليه حرف الباء مثل اشتريت هذا العبد بكرّ حنطة كان ثمناً، وإن استعمل استعمال المبيع وكان سلماً مثل اشتريت منك كرّ حنطة بهذا العبد، فلا بد من رعاية شرائط السلم. غرر الأذكار شرح درر البحار. وسيأتي له زيادة بيان في آخر الصرف. قوله: (وهو الأصل) لأن الحلول مقتضى العقد وموجبه، والأجل لا يثبت إلا بالشرط. بحر عن السراج. قوله: (لئلا يفضي إلى النزاع) تعليل لاشتراط كون الأجل معلوماً، لأن علمه لا يفضي إلى النزاع، وأما مفهوم الشرط المذكور وهو أنه لا يصح إذا كان الأجل مجهولاً فعلته كونه يفضي إلى النزاع، فافهم. وسيذكر المصنف في البيع الفاسد بيان الأجل المفسد وغيره. مَطْلَبٌ فِي التَّأُجِيْلِ إِلَى أَجَلٍ مُهُولٍ تنبيه: من جهالة الأجل ما إذا باعه بألف على أن يؤدي إليه الثمن في بلد آخر، ولو قال إلى شهر على أن يؤدي الثمن في بلد آخر جاز بألف إلى شهر، ويبطل الشرط لأن تعيين مكان الإيفاء فيما لا حمل له ولا مؤنة غير صحيح، فلو له حمل ومؤنة يصح. ومنها اشتراط أن يعطيه الثمن(١) على التفاريق أو كل أسبوع البعض، فإن لم يشرط في البيع بل (١) في ط (قوله ومنها اشتراط أن يعطيه الثمن الخ) أي أتى بهذه الألفاظ المبهمة: أي لفظ التفاريق ولفظ البعض. ٥٣ كتاب البيوع ولو باع مؤجلاً صرف لشهر، به يفتى. ولو اختلفا في الأجل فالقول لنا فيه إلا في السلم، به يفتى. ولو في قدره فلمدعي الأقل والبينة فيهما للمشتري. ولو في مضيه فالقول والبينة للمشتري، ويبطل الأجل بموت المديون لا الدائن. فروع: باع بحالّ ثم أجله أجلاً معلوماً أو مجهولا كنيروز وحصاد صار مؤجلاً. منية. ذكر بعده لم يفسد، وكان له أخذ الكل جملة، وتمامه في البحر. وقوله لم يفسد: أي البيع فيه كلام يأتي قريباً. قوله: (ولو باع مؤجلاً) أي بلا بيان مدة بأن قال بعتك بدرهم مؤجل. قوله: (صرف لشهر) كأنه لأنه المعهود في الشرع في السلم واليمين في ليقضين دينه آجلاً. بحر. قوله: (به يفتى) وعند البعض لثلاثة أيام. بحر عن شرح المجمع. قلت: ويشكل على القولين أن شرط صحة التأجيل أن يعرفه العاقدان، ولذا لم يصح البيع بثمن مؤجل إلى النيروز والمهرجان وصوم النصارى إذا لم يدره العاقدان كما سيأتي في البيع الفاسد، وكذا لو عرفه أحدهما دون الآخر، فتأمل. قوله: (فالقول لنا فيه) وهو البائع، لأن الأصل الحلول كما مر. قوله: (إلا في السلم) فإن القول لمثبته لأن نافيه يدعي فساده بفقد شرط صحته، وهو التأجيل ومدعيه يدعي صحته بوجوده والقول لمدعي الصحة ط. قوله: (فلمدعي الأقل) لإنكاره الزيادة ح. قوله: (والبينة فيهما) أي في المسألتين للمشتري لأنه يثبت خلاف الظاهر والبينات للإثبات ح. قوله: (فالقول والبينة للمشتري) لأنهما لما اتفقا على الأجل فالأصل بقاؤه فكان القول للمشتري في عدم مضيه، ولأنه منكر توجه المطالبة وهذا ظاهر. وأما تقديم بينته على بينة البائع فعلله في البحر عن الجوهرة بأن البينة مقدمة على الدعوى اهـ. وهو مشکل، فإن شأن البينة إثبات خلاف الظاهر، وهو هنا دعوى البائع على أن بينة المشتري على عدم المضيّ شهادة على النفي، وقد يجاب عن الثاني بأنه إثبات في المعنى، لأن المعنی أن الأجل باق. تأمل. وحينئذ فوجه تقدیم بینته کونها أکثر إثباتاً، ویدل له ما سيأتي في السلم من أنهما لو اختلفا في مضيّ الأجل فالقول للمسلم إليه بيمينه، وإن برهنا فبينته أولى. وعلله في البحر بإثباتها زيادة الأجل. قال: فالقول قوله والبينة بينته. هذا، ولم يذكر الاختلاف في الثمن أو في المبيع، لأنه سيأتي في كتاب الدعوى في فصل دعوى الرجلين. قوله: (ويبطل الأجل بموت المديون) لأن فائدة التأجيل أن يتجر فيؤدي الثمن من نماء المال، فإذا مات من له الأجل تعين المتروك لقضاء الدين، فلا يفيد التأجيل. بحر عن شرح المجمع، وصرح قبله بأنه لو مات البائع لا يبطل الأجل. قوله: (أو مجهولًا) أي جهالة يسيرة بدليل التمثيل فيخرج ما لو أجله إلى أجل مجهول جهالة فاحشة كهبوب الريح. قوله: (صار مؤجلاً) كذا جزم به المصنف في باب البيع ٥٤ كتاب البيوع له ألف من ثمن مبيع فقال أعط كل شهر مائة فليس بتأجيل. بزازية. عليه ألف ثمن جعله ربه نجوماً إن أخل بنجم حل الباقي فالأمر كما شرط ملتقط، وهي كثيرة الوقوع. الفاسد كما سيأتي متناً، وذكره في الهداية أيضاً، وكذا في الزيلعي ومتن الملتقى والدرر وغيرها وعزاه في التاترخانية إلى الكافي. وفي الخانية: رجل باع شيئاً بيعاً جائزاً وأخرج الثمن إلى الحصاد أو الدياس، قال: يفسد البيع في قول أبي حنيفة؛ وعن محمد: أنه لا يفسد البيع ويصح التأخير، لأن التأخير بعد البيع تبرع، فيقبل التأجيل إلى الوقت المجهول؛ كما لو كفل بمال إلى الحصاد أو الدياس. وقال القاضي الإمام أبو علي النسفي: هذا يشكل بما إذا أقرض رجلاً، وشرط في القرض أن يكون مؤجلاً لا يصح التأجيل، ولو أقرض ثم أخر لا يصح أيضاً فكان الصحيح من الجواب ما قاله الشيخ الإمام: إنه يفسد البيع، سواء أجله إلى هذه الأوقات في البيع أو بعده اهـ. قلت: وهذا تصحيح لخلاف ما قدمناه عن الهداية وغيرها، وفيه بحث، فإن إلحاق البيع بالقرض غير ظاهر، بدليل أن القرض لا يصح تأجيله أصلاً، وإن كان الأجل معلوماً وتأجيل البيع إلى أجل معلوم صحيح اتفاقاً، على أنه ذكر في التاسع والثلاثين من جامع الفصولين: الشرط الفاسد لو ألحق بعد العقد، هل يلتحق بأصل العقد عند أبي حنيفة؟ قيل نعم، وقيل لا هو الصحيح اهـ. ثم قال بعده: استأجر أرضاً وشرط تعجيل الأجرة (١). إلى الحصاد أو الدياس يفسد العقد ولو لم يشرطه في العقد بل بعده لا يفسد كما في البيع فإن الرواية محفوظة أنه لو باع مطلقاً ثم أجل الثمن إلى حصاد ودیاس لا يفسد ويصح الأجل. تنبيه: على مما مر أن الآجال عن ضربين: معلومة، ومجهولة. والمجهولة على ضربین: متقاربة کالحصاد، ومتفاوتة کھبوب الريح، فالثمن العین یفسد بالتأجیل ولو معلوماً، والدين لا يجوز لمجهول، لكن لو جهالته متقاربة وأبطله المشتري قبل محله وقبل فسخه للفساد انقلب جائزاً لا لو بعد مضيه. أما لو متفاوتة وأبطله المشتري قبل التفرق انقلب جائزاً كما في البحر عن السراج. هذا، وذكر الشارح في البيع الفاسد عن العيني ما يوهم أن الأخير لا ينقلب جائزاً وليس كذلك، فافهم. ونقل الشارح هناك تبعاً للمصنف عن ابن كمال وابن ملك أن إبطاله قبل التفرق شرط في المجهول جهالة متقاربة كالحصاد وهو خطأ، كما سنبينه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: (فليس بتأجيل) لأن مجرد الأمر بذلك لا يستلزم التأجيل. تأمل. قوله: (إن أخل بنجم) حال من فاعل جعله بتقدير القول: أي جعله ربه نجوماً قائلاً إن أخلّ الخ اهح. (١) في ط (قوله تعجيل الأجرة) هكذا بخطه، ولعل صوابه ((تأجيل الأجرة)) بدليل قوله ((إلى الحصاد الخ)) وبدليل التنظير بالبيع في قوله ((كما في البيع الخ)). ٥٥ كتاب البيوع قلت: ومما يكثر وقوعه ما لو اشترى بقطع رائجة فكسدت بضرب جديدة يجب قيمتها يوم البيع من الذهب لا غير، إذ لا يمكن الحكام الحكم بمثلها لمنع السلطان منها، ولا يدفع قيمتها من الفضة الجديدة لأنها ما لم يغلب غشها مَطْلَبْ مُهِمّ فِي أَحْكَامِ النَّقُودِ إِذَا كَسَدَتِ أَوِ أَنْقَطَعَتْ أَوْ غَلَتْ أَوْ رَخُصَتْ قوله: (قلت ومما يكثر وقوعه الخ) اعلم أنه إذا اشترى بالدراهم التي غلب غشها أو بالفلوس ولم يسلمها للبائع ثم كسدت بطل البيع، والانقطاع عن أيدي الناس كالكساد، ويجب على المشتري ردّ المبيع لو قائماً ومثله أو قيمته لو هالكاً؛ وإن لم يكن مقبوضاً فلا حكم لهذا البيع أصلاً، وهذا عنده؛ وعندهما: لا يبطل البيع، لأن المتعذر التسليم بعد الكساد، وذلك لا يوجب الفساد لاحتمال الزوال بالرواج، لكن عند أبي يوسف: تجب قيمته يوم البيع؛ وعند محمد: يوم الكساد، وهو آخر ما تعامل الناس بها. وفي الذخيرة: الفتوى على قول أبي يوسف. وفي المحيط: والتتمة والحقائق: وبقول محمد يفتي رفقاً بالناس اهـ. والكساد: أن نترك المعاملة بها في جميع البلاد، فلو في بعضها لا يبطل، لكنه تتعيب إذا لم ترج في بلدهم، فيتخير البائع إن شاء أخذه وإن شاء أخذ قيمته. وحد الانقطاع أن لا يوجد في السوق، وإن وجد في يد الصيارفة والبيوت، هكذا في الهداية. والانقطاع كالكساد كما في كثير من الكتب، لكن قال في المضمرات: فإن انقطع ذلك فعليه من الذهب والفضة قيمته في آخر يوم انقطع، هو المختار اهـ. هذا، إذا كسدت وانقطعت. أما إذا غلت قيمتها أو انتقضت فالبيع على حاله ولا يتخير المشتري، ويطالب بالنقد بذلك العيار الذي كان وقت البيع، كذا في فتح القدير. وفي البزازية عن المنتقى: غلت الفلوس أو رخصت فعند الإمام الأول والثاني: أولاً ليس عليه غيرها. وقال الثاني ثانياً: عليه قيمتها من الدراهم يوم البيع والقبض، وعليه الفتوى. وهكذا في الذخيرة والخلاصة عن المنتقى، ونقله في البحر وأقره. فحيث صرح بأن الفتوى عليه في كثير من المعتبرات، فيجب أن يعول عليه إفتاء وقضاء، ولم أر من جعل الفتوى على قول الإمام. هذا خلاصة ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى في رسالته [بذل المجهود في مسألة تغير النقود] وفي الذخيرة عن المنتقى إذا غلت الفلوس قبل القبض أو رخصت. قال أبو يوسف، قولي وقول أبي حنيفة في ذلك سواء، وليس له غيرها؛ ثم رجع أبو يوسف وقال: عليه قيمتها من الدراهم، يوم وقع البيع ويوم وقع القبض اهـ. وقوله: يوم وقع البيع: أي في صورة البيع. وقوله: ويوم وقع القبض: أي في صورة القرض كما نبه عليه في النهر في باب الصرف. وحاصل ما مر: أنه على قول أبي يوسف المفتى به، لا فرق بين الكساد ٥٦ كتاب البيوع والانقطاع والرخص والغلاء في أنه تجب قيمتها يوم وقع البيع أو القرض لا مثلها. وفي دعوى البزازية، من النوع الخامس عشر، عن فوائد الإمام أبي حفص الكبير: استقرض منه دانق فلوس حال كونها عشرة بدانق فصارت ستة بدانق، أو رخص وصار عشرون بدانق یأخذ منه عدد ما أعطى ولا يزيد ولا ينقص اهـ. قلت: هذا مبني على قول الإمام، وهو قول أبي يوسف أولًا، وقد علمت أن المفتى به قوله ثانياً بوجوب قیمتها يوم القرض، وهو دانق: أي سدس درهم سواء صار الآن ستة فلوس بدانق أو عشرين بدانق. تأمل. ومثله ما سيذكره المصنف في فصل القرض من قوله: استقرض من الفلوس الرائجة والعدالى فكسدت فعليه مثلها كاسدة لا قيمتها اهـ. فهو على قول الإمام. وسيأتي في باب الصرف متناً وشرحاً اشترى شيئاً به: أي بغالب الغش، وهو نافق أو بفلوس نافقة، فكسد ذلك قبل التسليم للبائع بطل البيع كما لو انقطعت عن أيدي الناس، فإنه كالكساد وكذا حكم الدراهم، لو کسدت أو انقطعت بطل وصححاه بقيمة المبيع وبه يفتى رفقاً بالناس. بحر وحقائق اهـ. وقوله: بقيمة المبيع، صوابه: بقيمة الثمن الكاسد. وفي غاية البيان: قال أبو الحسن: لم تختلف الرواية عن أبي حنيفة في قرض الفلوس إذا كسدت أن عليه مثلها. قال بشر: قال أبو يوسف: عليه قيمتها من الذهب يوم وقع القرض في الدراهم التي ذكرت لك أصنافها: يعني البخارية والطبرية واليزيدية. وقال محمد: قيمتها في آخر نفاقها. قال القدوري: وإذا ثبت من قول أبي حنيفة في قرض الفلوس ما ذكرنا فالدراهم البخارية فلوس على صفة مخصوصة والطبرية واليزيدية، هي التي غلب الغش عليها فتجري مجرى الفلوس، فلذلك قاسها أبو يوسف على الفلوس اهـ. ما في غاية البيان. وما ذكره في القرض جاز في البيع أيضاً، كما قدمناه عن الذخيرية من قوله يوم وقع البيع الخ. ثم اعلم أن الذي فهم من كلامهم أن الخلاف المذكور، إنما هو في الفلوس والدراهم الغالبة الغش، ويدل عليه أنه في بعض العبارات اقتصر على ذكر الفلوس، وفي بعضها ذكر العدالي معها، وهي كما في البحر عن البناية بفتح العين المهملة والدال وكسر اللام: دراهم فيها غش. وفي بعضها تقييد الدراهم بغالبة الغش، وكذا تعليلهم قول الإمام ببطلان البيع، بأن الثمنية بطلت بالكساد لأن الدراهم التي غلب غشها إنما جعلت ثمناً بالاصطلاح، فإذا ترك الناس المعاملة بها بطل الاصطلاح فلم تبق ثمناً فبقي البيع بلا ثمن فبطل. ولم أر من صرح بحكم الدراهم الخالصة أو المغلوبة الغش، سوى ما أفاده الشارح هنا. وينبغي أنه لا خلاف في أنه لا يبطل البيع بكسادها، ويجب على المشتري مثلها في الكساد، والانقطاع والرخص والغلاء، أما عدم بطلان البيع، ٥٧ كتاب البيوع فجيدها ورديئها سواء إجماعاً. أما ما غلب غشه ففيه الخلاف، كما سيجيء في فصل القرض فتنبه، وبه أجاب سعدي أفندي وهذا إذا بيع بثمن دين فلو بعين فسد. فتح. و (بخلاف جنسه ولم يجمعهما قدر) لما فيه من ربا النساء كما فلأنها ثمن خلقة فترك المعاملة بها لا يبطل ثمنيتها فلا يتأتى تعليل البطلان المذكور، وهو بقاء البيع بلا ثمن. وأما وجوب مثلها وهو ما وقع عليه العقد كمائة ذهب مشخص، أو مائة ريال فرنجي فلبقاء ثمنيتها أيضاً وعدم بطلان تقومها، وتمام بيان ذلك في رسالتنا [تنبيه الرقود في أحكام النقود]. وأما ما ذكره الشارح من أنه تجب قيمتها من الذهب فغير ظاهر، لأن مثليتها لم تبطل، فكيف يعدل إلى القيمة؟ وقوله: ((إذا لم يمكن الخ)) فيه نظر لأن منع السلطان التعامل بها في المستقبل لا يستلزم منع الحاكم من الحكم على شخص بما وجب عليه منها في الماضي. وأما قوله: ولا يدفع قيمتها من الجديدة فظاهر، وبيانه أن كسادها عيب فيها عادة، لأن الفضة الخالصة إذا كانت مضروبة رائجة تقوم بأكثر من غيرها، فإذا كانت العشرة من الكاسدة تساوي تسعة من الرائجة مثلاً: فإن ألزمنا المشتري بقيمتها وهو تسعة من الجديدة يلزم الربا، وإن ألزمناه بعشرة نظراً إلى أن الجودة والرداءة في باب الربا غير معتبرة يلزم ضرر المشتري، حيث ألزمناه بأحسن مما التزم فلم يمكن إلزامه بقيمتها من الجديدة، ولا بمثلها منها، فتعين إلزامه بقيمتها من الذهب، لعدم إمكان إلزامه بمثلها من الكاسدة أيضاً لما علمت من منع الحكام منه لكن علمت ما فيه. هذا ما ظهر لي في هذا المقام، والله سبحانه وتعالى أعلم، وبقي ما لو وقع الشراء بالقروش كما هو عرف زماننا، ويأتي الكلام عليه قريباً، قوله: (أما ما غلب غشه الخ) أفاد أن كلامه السابق فيما كان خالياً عن الغش أو كان غشه مغلوباً، وأنه لا خلاف فيه على ما يفهم من كلامهم كما قررناه آنفاً. قوله: (كما سيجيء في فصل القرض) صوابه ((في باب الصرف)) كما علم مما قدمناه. قوله: (وهذا) أي ما ذكره في المتن من صحة البيع بثمن مؤجل إلى معلوم. قوله: (بثمن دين الخ) أراد بالدين ما يصح أن يثبت في الذمة سواء كان نقداً أو غيره، وبالعين ما قابله، فيدخل في الدين الثوب الموصوف بما يعرفه لقوله في الفتح وغيره: إن الثياب كما تثبت مبيعاً في الذمة بطريق السلم تثبت ديناً مؤجلاً في الذمة على أنها ثمن، وحينئذ يشترط الأجل، لا لأنها ثمن بل لتصير ملحقة بالسلم في كونها ديناً في الذمة، فلذا قلنا: إذا باع عبداً بثوب موصوف في الذمة إلى أجل جاز، ويكون بيعاً في حق العبد حتى لا يشترط قبضه في المجلس بخلاف ما لو أسلم الدراهم في الثوب، وإنما ظهرت أحكام المسلم فيه في الثوب حتى شرط فيه الأجل وامتنع بيعه قبل قبضه لإلحاقه بالمسلم فيه اهـ. فافهم. قوله: (وبخلاف جنسه) عطف على قوله: ((بثمن دين)) وفي ٥٨ كتاب البيوع سيجيء في بابه (و) الأجل (ابتداؤه من وقت التسليم) ولو فيه خيار، فمذ سقوط الخيار عنده. خانية (وللمشتري) بثمن مؤجل إلى سنة منكرة (أجل سنة ثانية) مذ تسلم (لمنع البائع السلعة) عن المشتري (سنة الأجل) المنكرة تحصيلاً لفائدة التأجيل، فلو معينة أو لم يمنع البائع من التسليم لا اتفاقاً لأن التقصير منه (و) الثمن المسمى قدره لا وصفه (ينصرف مطلقه إلى غالب نقد البلد) بلد العقد. بعض النسخ ((أو)) بدل الواو، والأولى أولى لأن الشرط كل منهما لا أحدهما كما أفاده ط. وقوله: ((ولم يجمعهما قدر) جملة حالية، والقدر: کیل أو وزن، وذلك کبیع ثوب بدراهم، واحترز عما لو کان بجنسه، وجمعهما قدر ککرّ برّ بمثله أو کان بجنسه ولم يجمعهما قدر کثوب هروي بمثله أو كان بخلاف جنسه وجمعهما قدر ککر برّ بكرّ شعير فإنه لا يصح التأجيل لما فيها من ربا النساء، فقول الشارح ((لما فيه من ربا النساء)) بالفتح: أي التأخير تعليل لمفهوم المتن، وهو عدم صحة التأجيل في الصور الثلاثة. أفاده ح. قلت: بقي شرط آخر، وهو أن لا يكون المبيع الكيلي أو الوزني مالكاً، فقد ذكر الخير الرملي أول البيوع عن جواهر الفتاوى له على آخر حنطة غير السلم فباعها منه بثمن معلوم إلى شهر لا يجوز، لأنه بيع الكالى بالكالئء، وقد نهينا عنه، وإن باعها ممن عليه ونقد المشتري الثمن في المجلس جاز فيكون ديناً بعين اهـ. وذكر المسألة في المنح قبيل باب الربا، ومثله كل مكيل وموزون وكالبيع الصلح؛ ففي الثلاثين من جامع الفصولين: ولو غصب كرّ برّ فصالحه وهو قائم على دراهم مؤجلة جاز، وكذا الذهب والفضة وسائر الموزونات، ولو صالحه على كيل مؤجل لم يجز، إذ الجنس بانفراده يحرم النساء، ولو كان البّ هالكاً لم يجز الصلح على شي من هذا نسيئة، لأنه دين بدين، إلا إذا صالح على برّ مثله أو أقل منه مؤجلاً جاز، لأنه عين حقه، والحط جائز لا لو على أكثر للربا والصلح على بعض حقه في الكيلي والوزني حال قيامه لم يجزاهـ. وفي البزازية؛ الحيلة في جواز بيع الحنطة المستهلكة بالنسيئة، أن يبيعها بثوب ویقبض الثوب ثم یبیعه بدراهم إلى أجل اهـ. أقول: وتجري هذه الحيلة في الصلح أيضاً وهي واقعة الفتوى، ويكثر وقوعها اهـ. قوله: (فمذ سقوط الخيار عنده) أي عند أبي حنيفة، لأن ذلك وقت استقرار البيع. قوله: (مذ تسلم) متعلق بأجل. قوله: (لمنع) اللام للتعليل أو للتوقيت متعلقة بما تعلق به قوله: ((وللمشتري)). قوله: (تحصيلاً لفائدة التأجيل) وهي التصرف في المبيع وإيفاء الثمن من ربحه مثلاً. قوله: (فلو معینة) کسنة كذا، ومثله إلى رمضان مثلاً. قوله: (لأن التقصير منه) تعليل للثانية، أما الأولى فلكونه لما عين تعين حقه فيما عينه فلا يثبت في غيره. قوله: (والثمن المسمى قدره لا وصفه) لما كان قول المصنف: ٥٩ كتاب البيوع مجمع الفتاوى لأنه المتعارف (وإن اختلفت النقود مالية) كذهب شريفي وبندقي (فسد العقد مع الاستواء في رواجها (ينصرف مطلقه)) موهماً أن المراد بالمطلق، ما لم يذكر قدره ولا وصفه بقرينة قوله أولاً وشرط لحصته معرفة قدر ووصف ثمن، دفع ذلك بأن المراد المطلق عن تسمية الوصف فقط. مَطْلَبٌ: يُعْتَبُ الثَّمَنُ فِي مَكَانٍ أَلْعَقْدِ وَزَمَتِهِ قوله: (مجمع الفتاوى) فإنه قال معزياً إلى بيوع الخزانة: باع عيناً من رجل بأصفهان بكذا من الدنانير فلم ينقد الثمن حتى وجد المشتري ببخاری، يجب عليه الثمن بعيار أصفهان، فيعتبر مكان العقد اهـ. منح. قلت: وتظهر ثمرة ذلك إذا كانت مالية الدينار مختلفة في البلدين، وتوافق العاقدان على أخذ قيمة الدينار لفقده أو كساده في البلدة الأخرى، فليس للبائع أن يلزمه بأخذ قيمته التي في بخارى إذا كانت أكثر من قيمته التي في أصبهان، وكما يعتبر مكان العقد يعتبر زمنه أيضاً كما يفهم مما قدمناه في مسألة الكساد والرخص، فلا يعتبر زمن الإيفاء: لأن القيمة فيه مجهولة وقت العقد. وفي البحر عن شرح المجمع: لو باعه إلى أجل معين وشرط أن يعطيه المشتري أيّ نقد يروج يومئذ كان البيع فاسداً. قوله: (كذهب شريفي ويندقي) فإنهما اتفقا في الرواج لكن مالية أحدهما أكثر، فإذا باع بمائة ذهب مثلاً ولم يبين صفته فسد للتنازع، لأن البائع يطلب الأكثر مالية والمشتري يدفع الأقل. قوله: (مع الاستواء في رواجها) أما إذا اختلفت رواجاً مع اختلاف ماليتها أو بدونه فيصح، وينصرف إلى الأروج، وكذا يصح لو استوت مالية ورواجاً، لكن يخير المشتري بين أن يؤدي أيهما شاء. والحاصل: أن المسألة رباعية، وأن الفساد في صورة واحدة: وهي الاختلاف في المالية فقط، والصحة في الثلاث الباقية كما بسطه في البحر، ومثل في الهداية مسألة الاستواء في المالية والرواج بالثنائي والثلاثي، واعترضه الشراح بأن مالية الثلاثة أكثر من الاثنين. وأجاب في البحر بأن المراد بالثنائي ما قطعتان منه بدرهم، وبالثلاثي ما ثلاثة منه بدرهم. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي حُكْمِ الشِّرَاءِ بِالْقُرُوشِ فِي زَمَانِنَا قلت: وحاصله: أنه إذا اشتری بدرهم فله دفع درهم کامل أو دفع درهم مکسر قطعتين، أو ثلاثة حيث تساوي الكل في المالية والرواج، ومثله في زماننا الذهب يكون كاملاً ونصفين وأربعة أرباع، وكلها سواء في المالية والرواج؛ بل ذكر في القنية في باب المتعارف بين التجار كالمشروط برمز عت: باع شيئاً بعشرة دنانير واستقرت العادة ٦٠ كتاب البيوع في ذلك البلد أنهم يعطون كل خمسة أسداس مكان الدينار واشتهرت بينهم، فالعقد ينصرف إلى ما تعارفه الناس فيما بينهم في تلك التجارة، ثم رمز فك جرت العادة فيما بین أهل خوارزم، أنهم يشترون سلعة بدينار ثم ينقدون ثلثي دينار محمودية أو ثلثي دينار وطسوج نيسابورية قال: يجري على المواضعة ولا تبقى الزيادة ديناً عليهم اهـ. ومثله في البحر عن التاترخانية، ومنه يعلم حكم ما تعورف في زماننا من الشراء بالقروش، فإن القرش في الأصل قطعة مضروبة من الفضة تقوّم بأربعين قطعة من القطع المصرية المسماة في مصر نصفاً، ثم إن أنواع العملة المضروبة تقوّم بالقروش، فمنها ما يساوي عشرة قروش، ومنها أقل، ومنها أكثر؛ فإذا اشترى بمائة قرش فالعادة أنه يدفع ما أراد إما من القروش، أو مما يساويها من بقية أنواع العملة من ريال أو ذهب، ولا يفهم أحد أن الشراء وقع بنفس القطعة المسماة قرشاً، بل هي أو ما يساويها من أنواع العملة المتساوية في الرواج المختلفة في المالية، ولا يرد أن صورة الاختلاف في المالية مع التساوي في الرواج: هي صورة الفساد من الصور الأربع، لأنه هنا لم يحصل اختلاف مالية الثمن حيث قدر بالقروش، وإنما يحصل الاختلاف إذا لم يقدر بها، كما لو اشترى بمائة ذهب وكان الذهب أنواعاً كلها رائجة مع اختلاف ماليتها، فقد صار التقدير بالقروش في حكم ما إذا استوت في المالية والرواج، وقد مر أن المشتري يخير في دفع أيهما شاء. قال في البحر: فلو طلب البائع أحدهما للمشتري دفع غيره، لأن امتناع البائع من قبول ما دفعه المشتري ولا فضل تعنت اهـ. بقي هنا شيء وهو أنا قدمنا أنه على قول أبي يوسف المفتى به: لا فرق بين الكساد والانقطاع والرخص والغلاء في أنه تجب قيمتها يوم وقع البيع أو القرض إذا كانت فلوساً أو غالبة الغش، وإن كان فضة خالصة أو مغلوبة الغش تجب قيمتها من الذهب يوم البيع على ما قاله الشارح، أو مثلها على ما بحثناه، وهذا إذا اشترى بالريال أو الذهب، مما يراد نفسه، أما إذا اشترى بالقروش المراد بها ما يعم الكل كما قررناه، ثم رخص بعض أنواع العملة أو كلها واختلفت في الرخص، كما وقع مراراً في زماننا، ففيه اشتباه، فإنها إذا كانت غالبة الغش، وقلنا تجب قيمتها يوم البيع، فهنا لا يمكن ذلك لأنه ليس المراد بالقروش نوع معين(١) من العملة حتى نوجب قيمته، وإذا قلنا: إن الخيار للمشتري في تعيين نوع منها كما كان الخيار له قبل أن ترخص، فإنه كان خيراً في دفع أي نوع أراد، فإبقاء الخيار له بعد الرخص يؤدي إلى النزاع والضرر، فإن خياره قبل الرخص لا ضرر فيه على البائع، أما بعده ففيه ضرر، لأن المشتري ينظر إلى الأنفع له والأضرّ على البائع فيختاره، فإن ما كان يساوي (١) في ط (قوله نوع معين) هكذا بخطه، وصوابه ((نوعاً معيناً) بالنصب لأنه خبر ليس ا. هـ مصححه.