Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ کتاب الجهاد/ باب المرتد عباب لا تكدر الدلاء، وسحاب تتقاصى عنه الأنواء، كانت دعوته تخرق السبع الطباق، وتفرق بركاته فتملأ الآفاق. وإني أصفه، وهو يقيناً فوق ما وصفته، وناطق بما كتبته، وغالب ظني أني ما أنصفته : وَمَا عَلَيَّ إِذَا مَا قُلْتُ مُعْتَقَدي دَعَ الَجِهُولَ يَظُنُّ الجَهْلَ عُدْوَانًا أَقَامَهُ حُجَّةً للهِ بُزْهَانَا وَاللَّهِ، وَاللَّهِ، وَاللَّهِ العَظِيمِ وَمَنْ إِنَّ الَّذِي قلتُ بعضٌ مِنْ مَتَّاقِبِهِ ما زدتُ، إلّا لَعَلِّي زِدْتُ نُقْصانا إلى أن قال: ومن خواص كتبه أنه من واظب على مطالعتها انشرح صدره لفك المعضلات وحل المشكلات، وقد أثنى عليه الشيخ العارف عبد الوهاب الشعراني سيما في كتابه [تنبيه الأغبياء على قطرة من بحر علوم الأولياء] فعليك به وبالله التوفيق (و) الكافر بسبب اعتقاد (السحر) لا توبة له (ولو امرأة) في (عباب) كغراب معظم السيل وكثرته وموجه. والدلاء جمع دلو: أي لا يتغير بأخذ الدلاء منه، لأنها لا تصل إلى أسفله لكثرته. قوله: (تتقاصى عنه الأنواء) التقاصي بالقاف والصاد المهملة: التباعد. والأنواء جمع نوء وهو النجم. واستناءه: طلب نوءه: أي عطاءه. قاموس: أي أنه سحاب تتباعد عن مطره وفيضه النجوم التي يكون المطر وقت طلوعها، أو تتباعد عنه عطايا الناس: أي لا تشبهه. قوله: (الآفاق) جمع أفق بضم وبضمتين الناحية وما ظهر من نواحي الفلك. قاموس. قوله: (وهو يقيناً) مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره أيقنه، جملة معترضة بين المبتدأ والخبر ط. قوله: (وناطق بما كتبته) المراد أنه مقرّ به وأن الأول طابق الفعل ط. والجملة عطف على ((أصفه)). قوله: (ما أنصفته) يقال أنصفته إنصافاً: عاملته بالعدل والقسط. مصباح. قوله: (وما عليّ) ((ما)) استفهامية أو نافية: أي وما عليّ شيء. قوله: (يظن الجهل) أي يظن الجهل في غيره فهو مفعول أول، أو يظن الظن الجهل فهو مفعول مطلق، وقوله: ((عدواناً) أي ظلماً مفعول لأجله أو حال، وهذا أولى مما قيل: إن الجهل بمعنى المجهول مفعول أول، و «عدواناً) مفعول ثان: أي ذا عدوان، فافهم. قوله: (برهاناً) هو الحجة. قاموس. فهو حال مؤكدة ط. قوله: (من مناقبه) جمع منقبة وهي المفخرة. قاموس ط. قوله: (إلا لعلي) أي لكن أخاف وأشفق أني زدت من جهة النقصان والتقصير في حقه، فنقصاناً تمییز لا مفعول ((زدت)) لئلا يرد عليه ما قيل في زاد النقص أنه لا مناسبة بين الزيادة والنقص حتى يتسلط أحدهما على الآخر. مَطْلَبٌ فِي السَّاحِرِ وَالزُّنْدِيقِ قوله: (والكافر بسبب اعتقاد السحر) في الفتح: السحر حرام بلا خلاف بين أهل ٣٨٢ كتاب الجهاد/ باب المرتد العلم، واعتقاد إباحته كفر. وعن أصحابنا ومالك وأحمد: يكفر الساحر بتعلمه وفعله، سواء اعتقد الحرمة أو لا ويقتل، وفيه حديث مرفوع ((حدّ الساحر ضربة بالسيف)) يعني القتل. وعند الشافعي: لا يقتل ولا يكفر إلا إذا اعتقد إباحته. وأما الكاهن، فقيل هو الساحر، وقيل هو العراف الذي يحدث ويتخرص، وقيل من له من الجن من يأتيه بالأخبار. وقال أصحابنا: إن اعتقد أن الشياطين يفعلون له ما يشاء كفر، لا إن اعتقد أنه تخييل. وعند الشافعي: إن اعتقد ما يوجب الكفر مثل التقرب إلى الكواكب وأنها تفعل ما يلتمسه: كفر. وعند أحمد حكمه كالساحر، في رواية يقتل، وفي رواية إن لم يتب، ويجب أن لا يعدل عن مذهب الشافعي في كفر الساحر والعرّاف وعدمه. وأما قتله فيجب ولا يستتاب إذا عرفت مزاولته لعمل السحر لسعيه بالفساد في الأرض، لا بمجرد علمه إذا لم يكن في اعتقاده ما يوجب كفره اهـ. وحاصله أنه اختار أنه لا يكفر إلا إذا اعتقد مكفراً، وبه جزم في النهر، وتبعه الشارح، وأنه يقتل مطلقاً إن عرف تعاطيه له، ويؤيده ما في الخانية: اتخذ لعبة ليفرق بين المرء وزوجه. قالوا: هو مرتدّ ويقتل إن كان يعتقد لها أثراً ويعتقد التفريق من اللعبة لأنه کافر اهـ. وفي [نور العين] عن المختارات: ساحر يسحر ويدعي الخلق من نفسه يكفر ويقتل لردته. وساحر يسحر وهو جاحد لا يستتاب منه ويقتل إذا ثبت سحره دفعاً للضرر . عن الناس. وساحر يسحر تجربة ولا يعتقد به لا يكفر. قال أبو حنيفة: الساحر إذا أقرّ بسحره أو ثبت بالبينة يقتل ولا يستتاب منه، والمسلم والذمي والحر والعبد فيه سواء. وقيل يقتل الساحر المسلم لا الكتابي، والمراد من الساحر غير المشعوذ ولا صاحب الطلسم ولا الذي يعتقد الإسلام. والسحر في نفسه، حق: أمر كائن إلا أنه لا يصلح إلا للشر والضرر بالخلق، والوسيلة إلى الشرّ شر فيصير مذموماً اهـ. والفرق بين الثلاثة: أن الأوّل مصرح بما هو كفر. والثاني لا يدري كيف يقول كما وقع التعبير به في الخانية لأنه جاحد، ويعلم منه أن الأول لا يستتاب: أي لا يمهل طلباً للتوبة لأنها لا تقبل منه في دفع القتل عنه بعد أخذه كما يأتي دفعاً للضرر عن الناس كقطاع الطريق والخناق وإن كانوا مسلمين. وبه علم أن الثالث وإن كان لا يكفر لكنه يقتل أيضاً للاشتراك في الضرر، وأن تقييد الشارح بكونه كافراً بسبب اعتقاد السحر غير قيد، بل يقتل ولو كان كافراً أصلياً أو لم يكفر باعتقاده؛ نعم لما كان كلام المصنف في المسلم الذي ارتد قيد بذلك. وعلم به وبما نقلناه عن الخانية أنه لا يكفر بمجرد عمل السحر ما لم يكن فيه اعتقاد أو عمل فهو مكفر، ولذا نقل في [تبيين ٣٨٣ كتاب الجهاد/ باب المرتد الأصح لسعيها في الأرض بالفساد. ذكره الزيلعي، ثم قال (و) كذا الكافر بسبب (الزندقة) المحارم] عن الإمام أبي منصور: أن القول بأنه كفر على الإطلاق خطأ ويجب البحث عن حقيقته، فإن كان في ذلك ردّ ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر، وإلا فلا اهـ. والظاهر أن ما نقله في الفتح عن أصحابنا مبني على أن السحر لا يكون إلا إذا تضمن كفراً. ويأتي تحقيقه، وقدمنا في خطبة الكتاب تعداد أنواع السحر، وتمام بيان ذلك في رسالتنا المسماة [سلّ الحسام الهندي لنصرة مولانا خالد النقشبندي]. قوله: (لسعيها الخ) أي لا بسبب اعتقادها الذي هو ردّة، لأن المرتدة لا تقتل عندنا، ومقابل لأصح ما في المنتقى أنها لا تقتل بل تحبس وتضرب كالمرتدة، كما في الزيلعي. مَطْلَبْ فِي الْفَرْقِ بَيْنْ الزَّنْدِيقِ وَالْمُنَافِقِ وَالذَّهْرِيِّ وَالْمُلْحِدِ قوله: (وكذا الكافر بسبب الزندقة) قال العلامة ابن كمال باشا في رسالته: الزنديق في لسان العرب يطلق على من ينفي الباري تعالى، وعلى من يثبت الشريك، وعلى من ينكر حكمته. والفرق بينه وبين المرتد العموم الوجهي لأنه قد لا يكون مرتداً، كما لو كان زنديقاً أصلياً غير منتقل عن دين الإسلام، والمرتد قد لا يكون زنديقاً، كما لو تنصر أو تهوّد، وقد يكون مسلماً فيتزندق. وأما في اصطلاح الشرع فالفرق أظهر، لاعتبارهم فيه إبطال الكفر والاعتراف بنبوّة نبينا وَّر، على ما في شرح المقاصد، لكن القيد الثاني في الزنديق الإسلامي بخلاف غيره. والفرق بين الزنديق والمنافق والدهري والملحد مع الاشتراك في إبطان الكفر: أن المنافق غير معترف بنبوة نبينا ◌َّ ر. والدهري كذلك مع إنكاره إسناد الحوادث إلى الصانع المختار سبحانه وتعالى. والملحد: وهو من مال عن الشرع القويم إلى جهة من جهات الكفر، من ألحد في الدين: حاد وعدل لا يشترط فيه الاعتراف بنبوة نبينا و# ولا بوجود الصانع تعالى، وبهذا فارق الدهري أيضاً، ولا إضمار الكفر، وبه فارق المنافق، ولا سبق الإسلام وبه فارق المرتد، فالملحد أوسع فرق الكفر حدّاً: أي هو أعم من الكل اهـ. ملخصاً. قلت: لكن الزنديق باعتبار أنه بهذا يكون مسلماً وقد يكون كافراً من الأصل. لا يشترط فيه الاعتراف بالنبوّة، وسيأتي عن الفتح تفسيره بمن لا يتدين بدين. ثم بين حكم الزنديق فقال: اعلم أنه لا يخلو، إما أن يكون معروفاً داعياً إلى الضلال أو لا. والثاني ما ذكره صاحب الهداية في التجنيس من أنه على ثلاثة أوجه: إما أن يكون زنديقاً من الأصل على الشرك، أو يكون مسلماً فيتزندق، أو يكون ذمياً فيتزندق؛ فالأول يترك على شركه إن كان من العجم: أي بخلاف مشرك العرب فإنه لا ٣٨٤ كتاب الجهاد/ باب المرتد لا توبة له وجعله في الفتح ظاهر المذهب، لكن في حظر الخانية الفتوى على أنه (إذا أخذ) الساحر أو الزنديق المعروف الداعي (قبل توبته) ثم تاب لم تقبل توبته ويقتل، ولو أخذ بعدها قبلت. وأفاد في السراج أن الخناق لا توبة له. وفي الشمني: الكاهن قيل كالساحر. وفي حاشية البيضاوي لمنلا خسرو: يترك. والثاني يقتل إن لم يسلم لأنه مرتد. وفي الثالث(١) يترك على حاله لأن الكفر ملة واحدة اهـ. والأول: أي المعروف الداعي لا يخلو من أن يتوب بالاختيار ويرجع عما فيه قبل أن يؤخذ أو لا. والثاني يقتل دون الأول اهـ. وتمامه هناك. قوله: (لا توبة له) تصريح بوجه الشبه، والمراد بعدم التوبة أنها لا تقبل منه في نفي القتل عنه كما مر في السابّ، ولذا نقل البيري عن الشمني بعد نقله اختلاف الرواية في القبول وعدمه أن الخلاف في حق الدنيا، أما فيما بينه وبين الله تعالى فتقبل توبته بلا خلاف فهو. ونحوه في رسالة ابن كمال. قوله: (لكن في حظر الخانية الخ) استدراك على الفتح حيث لم يذكر هذا التفصيل. ونقل في النهر عن الدراية رواية في القبول وعدمه، ثم قال: وينبغي أن يكون هذا التفصيل محمل الروايتين اهـ. قوله: (المعروف) أي بالزندقة الداعي: أي الذي يدعو الناس إلى زندقته اهح. فإن قلت: كيف يكون معروفاً داعياً إلى الضلال، وقد اعتبر في مفهومه الشرعي أن يبطن الكفر؟. قلت: لا بعد فيه، فإن الزنديق يموّه كفره ويروّج عقيدته الفاسدة، ويخرجها في الصورة الصحيحة، وهذا معنى إيطال الكفر، فلا ينافي إظهاره الدعوى إلى الضلال وكونه معروفاً بالإضلال اهـ. ابن كمال. قوله: (إن الخناق لا توبة له) أفاد بصيغة المبالغة أن من خنق مرة لا يقتل. قال المصنف قبيل الجهاد: ومن تكرّر الخنق منه في المصر قتل به، وإلا لا اهـ ط. قلت: ذكر الخناق هنا استطرادي، لأن الكلام في الكافر الذي لا تقبل توبته، والخناق غير كافر. وإنما لا تقبل توبته لسعيه في الأرض بالفساد، ودفع ضرره عن العباد، ومثله قطاع الطرق. مَطْلَبٌ فِي الْكَامِنَ وَالعَرَّافِ قوله: (الكاهن قيل كالساحر) في الحديث ((مَنْ أَتَى كَاهِناً أَوْ عَرَّافاً فَصَدَّقَهُ بِمَا (١) في ط (قوله وفي الثالث) كذا بالأصل المقابل على خط المؤلف، والمناسب حذف (في)) كالأول والثاني قبله. ٣٨٥ كتاب الجهاد/ باب المرتد الداعي إلى الإلحاد والإباحي كالزنديق: وفي الفتح: والمنافق الذي يبطن الكفر يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحمَّدٍ (١)) أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الحاكم عن أبي هريرة. والكاهن كما في مختصر النهاية للسيوطي. من يتعاطى الخبر عن الكائنات في المستقبل ويدعي معرفة الأسرار. والعراف: المنجم. وقال الخطابي: هو الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق والضالة ونحوهما اهـ. والحاصل أن الكاهن من يدعي معرفة الغيب بأسباب وهي مختلفة، فلذا انقسم إلى أنواع متعددة كالعراف، والرمال، والمنجم: وهو الذي يخبر عن المستقبل بطلوع النجم وغروبه، والذي يضرب الحصى والذي يدعي أن له صاحباً من الجن يخبره عما سيكون، والكل مذموم شرعاً، محكوم عليهم وعلى مصدقهم بالكفر. وفي البزازية: يكفر بادعاء علم الغيب وبإتيان الكاهن وتصديقه. وفي التاتر خانية: يكفر بقوله أنا أعلم المسروقات أو أنا أخبر عن إخبار الجن إياي اهـ. قلت: فعلى هذا أرباب التقاويم من أنواع الكاهن لادعائهم العلم بالحوادث الكائنة. وأما ما وقع لبعض الخواص كالأنبياء والأولياء بالوحي والإلهام فهو بإعلام من الله تعالى فليس مما نحن فيه اهـ. ملخصاً من حاشية نوح من كتاب الصوم. مَطْلَبٌ فِي دَعْوَى عِلْمٍ أَلَغَيْبِ قلت: وحاصله أن دعوى علم الغيب معارضة لنص القرآن فيكفر بها، إلا إذا أسند ذلك صريحاً أو دلالة إلى سبب من الله تعالى كوحي أو إلهام، وكذا لو أسنده إلى أمارة عادية بجعل الله تعالى. قال صاحب الهداية في كتابه (مختارات النوازل]: وأما علم النجوم فهو في نفسه حسن غير مذموم، إذ هو قسمان: حسابي وإنه حق وقد نطق به الكتاب، قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] أي سيرهما بحسبان. واستدلالي بسير النجوم وحركة الأفلاك على الحوادث بقضاء الله تعالى وقدره، وهو جائز كاستدلال الطبيب بالنبض على الصحة والمرض، ولو لم يعتقد بقضاء الله تعالى أو ادعى علم الغيب بنفسه يكفر اهـ. وتمام تحقيق هذا المقام يطلب من رسالتنا: [سلي الحسام الهندي]. قوله: (الداعي إلى الإلحاد) قدمنا عن ابن كمال بيانه. قوله: (والإباحي) أي الذي يعتقد إباحة المحرمات وهو معتقد الزنادقة. ففي فتاوى قارئ الهداية: الزنديق هو الذي يقول ببقاء الدهر ويعتقد أن الأموال والحرم مشتركة اهـ. وفي رسالة ابن كمال عن الإمام الغزالي في كتاب [التفرقة بين الإسلام والزندقة] ومن جنس ذلك ما يدعيه بعض من يدعي التصوّف أنه بلغ حالة بينه وبين الله تعالى أسقطت عنه (١) أخرجه أحمد ٤٠٨/٢ وأبو داود ٢٢٥/٤ (٣٩٠٤) والترمذي ١/ ٢٤٢ (١٣٥) وابن ماجه ٢٠٩/١ (٦٣٩). ٣٨٦ كتاب الجهاد/ باب المرتد ويظهر الإسلام كالزنديق الذي لا يتدين بدين، وكذا من علم أنه ينكر في الباطن بعض الضروريات كحرمة الخمر ويظهر اعتقاد حرمته، وتمامه فيه. وفيه: يكفر الصلاة وحلّ له شرب المسكر والمعاصي وأكل مال السلطان، فهذا مما لا أشك في وجوب قتله، إذ ضرره في الدين أعظم؛ ويفتح به باب من الإباحة لا ينسد؛ وضرر هذا فوق ضرر من يقول بالإباحة مطلقاً، فإنه يمتنع عن الإصغاء إليه لظهور كفره. أما هذا فيزعم أن لم يرتكب إلا تخصيص عموم التكليف بمن ليس له مثل درجته في الدين، ويتداعى هذا إلى أن يدعي كل فاسق مثل حاله اهـ. ملخصاً. مَطْلَبُ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إِذَا ظَهَرَتْ بِذْعَتُهُمْ وفي ((نور العين)) عن التمهيد: أهل الأهواء إذا ظهرت بدعتهم بحيث توجب الكفر فإنه يباح قتلهم جميعاً إذا لم يرجعوا ولم يتوبوا، وإذا تابوا وأسلموا تقبل توبتهم جميعاً إلا الإباحية والغالية والشيعة من الروافض والقرامطة والزنادقة من الفلاسفة لا تقبل توبتهم بحال من الأحوال، ويقتل بعد التوبة وقبلها، لأنهم لم يعتقدوا بالصانع تعالى حتى يتوبوا ويرجعوا إليه. وقال بعضهم: إن تاب قبل الأخذ والإظهار تقبل توبته، وإلا فلا، وهو قياس قول أبي حنيفة، وهو حسن جدّاً: فأما في بدعة لا توجب الكفر فإنه يجب التعزير بأيّ وجه يمكن أن يمنع من ذلك، فإن لم يمكن بلا حبس وضرب يجوز حبسه وضربه، وكذا لو لم يمكن المنع بلا سيف إن كان رئيسهم ومقتداهم جاز قتله سياسة وامتناعاً. والمبتدع لو له دلالة ودعوة للناس إلى بدعته ويتوهم منه أن ينشر البدعة وإن لم يحكم بكفره جاز للسلطان قتله سياسة وزجراً، لأن فساده أعلى وأعم حيث يؤثر في الدين. والبدعة لو كانت كفراً يباح قتل أصحابها عاماً، ولو لم تكن كفراً يقتل معلمهم ورئيسهم زجراً وامتناعاً اهـ. قوله: (الذي لا يتدين بدين) يحتمل أن يكون المراد به الذي لا يستقر عى دين، أو الذي يكون اعتقاده خارجاً عن جميع الأديان. والثاني هو الظاهر من كلامه الذي سنذكره عنه، وقدمنا عن رسالة ابن كمال تفسيره شرعاً بمن يبطن الكفر وهذا أعم. قوله: (وتمامه فيه) أي في الفتح حيث قال: ويجب أن يكون حكم المنافق في عدم قبولنا توبته كالزنديق، لأن ذلك في الزنديق لعدم الاطمئنان إلى ما بظهر من التوبة إذا كان يخفي كفره الذي هو عدم اعتقاده ديناً، والمنافق مثله في الإخفاء. وعلى هذا فطريق العلم بحاله إما بأن يعثر بعض الناس عليه أو يسرّه إلی من أمن إلیه اهـ. مَطْلَبٌ: حُكْمُ الدّرُوزِ وَالتََّامِنَةِ وَالنَّصِيرِيَّةِ وَالإِسْمَاعِيلِيَّةِ تنبيه: يعلم مما هنا حكم الدروز والتيامنة، فإنهم في البلاد الشامية يظهرون الإسلام والصوم والصلاة مع أنهم يعتقدون تناسخ الأرواح، وحلّ الخمر والزنا، وأن ٣٨٧ كتاب الجهاد/ باب المرتد الساحر بتعلمه وفعله اعتقد تحريمه أو لا ويقتل انتهى؛ لكن في حظر الخانية: لو الألوهية تظهر في شخص بعد شخص، الحشر والصوم والصلاة والحج، ويقولون المسمى به غير المعنى المراد، ويتكلمون في جناب نبينا وَ هر كلمات فظيعة. وللعلامة المحقق عبد الرحمن العمادي فيهم فتوى مطولة، وذكر فيها أنهم ينتحلون عقائد النصيرية والإسماعيلية الذين يلقبون بالقرامطة، والباطنية الذين ذكرهم صاحب المواقف. ونقل عن علماء المذاهب الأربعة أنه لا يحل إقرارهم في ديار الإسلام بجزية ولا غيرها، ولا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم، وفيهم فتوى في الخيرية أيضاً فراجعها. مَطْلَبٌ: جملَةُ مَنْ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ والحاصل أنهم يصدق عليهم اسم الزنديق والمنافق والملحد. ولا يخفى أن إقرارهم بالشهادتين مع هذا الاعتقاد الخبيث لا يجعلهم في حكم المرتد لعدم التصديق، ولا يصح إسلام أحدهم ظاهراً إلا بشرط التبري عن جميع ما يخالف عن الإسلام، لأنهم يدعون الإسلام ويقرّون بالشهادتين وبعد الظفر بهم لا تقبل توبتهم أصلاً. وذكر في التاترخانية أنه سئل فقهاء سمرقند عن رجل يظهر الإسلام والإيمان ثم أقرّ بأني كنت أعتقد مع ذلك مذهب القرامطة وأدعو إليه والآن تبت ورجعت وهو يظهر الآن ما كان يظهره قبل من الإسلام والإيمان. قال أبو عبد الكريم بن محمد: قتل القرامطة واستئصالهم فرض. وأما هذا الرجل الواحد، فبعض مشايخنا قال: يتغفل ويقتل: أي تطلب غفلته في عرفان مذهبه. وقال بعضهم: يقتل بلا استغفال، لأن من ظهر منه ذلك ودعا الناس لا يصدق فيما يدعي بعد من التوبة، ولو قبل منه ذلك لهدموا الإسلام وأضلوا المسلمين من غير أن تمكن قتلهم، وأطال في ذلك، وتقل عدة فتاوى عن أئمتنا وغيرهم بنحو ذلك، لكن تقدم اعتماد قبول التوبة قبل الأخذ لا بعده. قوله: (لكن في حظر الخانية) أي في كتاب الحظر والإباحة منها والاستدراك على قول الفتح أولًا: أي أو لم يعتقد تحريمه، وقدمنا أنه في الفتح نقل ذلك عن أصحابنا، وأنه اختار أنه لا يكفر ما لم يعتقد ما يوجب الكفر لكنه يقتل؛ ولعل ما نقله عن الأصحاب مبني على أن السحر لا يتم إلا بما هو كفر، كما يفيده قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] وعلى هذا فغير المكفر لا يسمى سحراً، ويؤيد ما قدمناه عن المختارات من أن المراد بالساحر غير المشعوذ ولا صاحب الطلسم ولا من يعتقد الإسلام: أي بأن لم يفعل أو يعتقد ما ينافي الإسلام، ولذا قال هنا: ولا يعتقده، فقد علم أنه يسمى ساحراً ما لم يعتقد أو يفعل ما هو كفر، والله سبحانه أعلم. ٣٨٨ كتاب الجهاد/ باب المرتد استعمله للتجربة والامتحان ولا يعتقده: لا يكفر، وحينئذ فالمستثنى أحد عشر. (و) اعلم أن (كل مسلم ارتدّ فإنه يقتل إن لم يتب إلا) جماعة (المرأة والخنثى، ومن إسلامه تبعاً، والصبيّ إذا أسلم، والمكره على الإسلام، ومن ثبت مَطْلَبُ: جملَةُ مَنْ لَا يُقْتَلُ إِذَا آَرْتَدَّ قوله: (فالمستثنى أحد عشر) أي من قوله: ((وكل مسلم ارتد)) فتويته مقبولة إلا أحد عشر: من تكررت ردته، وسابّ النبيّ وَ ﴿، وسابّ أحد الشيخين، والساحر، والزنديق، والخناق؛ والكاهن، والملحد، والإباحي، والمنافق، ومنكر بعض الضروريات باطناً اهـح. قلت: لكن الساحر لا يلزم أن يكون مرتدّاً بأن يكون مسلماً أصليّاً فعلى ذلك فإنه يقتل ولو كافراً كما مر، والخناق غير كافر، وإنما يقتل لسعيه بالفساد كما قدمناه. وأما الزنديق الداعي والملحد وما بعده فيكفي فيه إظهاره للإسلام وإن كان كافراً أصلياً، فعلم أن المراد بيان جملة من لا تقبل توبته سواء كان مسلماً ارتد أو لم يرتد، أو كان كافراً أصليّاً؛ وعليه فكان المناسب ذكر قطاع الطريق، وكذا أهل الأهواء كما مر عن التمهيد، وكذا العواني كما مر في باب التعزير، وكذا كل من وجب عليه حدّ زنا أو سرقة أو قذف أو شرب. وأما ذكر سابّ النبي ◌َلّ أو أحد الشيخين فقد علمت ما فيه. قوله: (المرأة) يستثنى منها المرتدة بالسحر كما مر، وهو الأصح كما في البحر. قوله: (والخنثى) أي المشكل فإنه إذا ارتد لم يقتل ويحبس ويجبر على الإسلام. بحر عن التاتر خانية. قوله: (ومن إسلامه تبعاً) صوابه تبع اهـح. قال في البحر عن البدائع: صبيّ أبواه مسلمان حتى حكم بإسلامه تبعاً لأبويه فبلغ كافراً ولم يسمع منه إقرار باللسان بعد البلوغ لا يقتل لانعدام الردة منه، إذ هي اسم للتكذيب بعد سابقة التصديق، ولم يوجد منه التصديق بعد البلوغ، حتى لو أقر بالإسلام ثم ارتد: يقتل، ولكنه في الأولى يحبس لأنه كان له حكم الإسلام قبل البلوغ تبعاً، والحكم في أكسابه كالحكم في أكساب المرتد لأنه مرتد حكماً اهـ. قوله: (والصبيّ إذا أسلم) أي استقلالاً بنفسه لا تبعاً لأبويه، وإلا فهو المسألة المارة، وأطلق عدم قتله فشمل ما بعد البلوغ. ففي البحر: لو بلغ مرتدّاً لا يقتل استحساناً لقيام الشبهة باختلاف العلماء في صحة إسلامه، وسيأتي الكلام في إسلامه وردته. وبقي مسألة أخرى ذكرها في البحر والفتح عن المبسوط، وهي ما لو ارتدّ الصبيّ في صغره. فعلم أن الأولى فيما إذا ارتد حال البلوغ: أي قبل أن يقر بالإسلام. قوله: (والمكره على الإسلام) لأن الحكم بإسلامه من حيث الظاهر، لأن قيام السيف على رأسه ظاهر في عدم الاعتقاد فيصير شبهة في إسقاط القتل. فتح، وفيه بعد نقله هذه المسائل عن المبسوط، قال: وفي كل ذلك يجبر على الإسلام، ولو ٣٨٩ كتاب الجهاد/ باب المرتد إسلامه بشهادة رجلين ثم رجعا) زاد في الأشباه: ومن ثبت إسلامه بشهادة رجل وامرأتين. انتهى. ولو شهد نصرانيان على نصراني: أنه أسلم وهو ينكر لم تقبل شهادتهما، وقيل تقبل؛ ولو على نصرانية قبلت اتفاقاً، وتمامه في آخر كراهية الدرر. ويلحق بالصبيّ من ولدته المرتدة بيننا إذا بلغ مرتداً، والسكران إذا أسلم، وكذا اللقيط لأن إسلامه حكمي لا حقيقي، وقيد في الخانية وغيرها المكره بالحربي. أما الذمي المستأمن فلا يصح إسلامه. انتهى، لكن حمله المصنف في كتاب الإكراه على جواب القياس. وفي الاستحسان يصح، فليحفظ، وحينئذ فالمستثنى أربعة عشر. قتله قاتل قبل أن يسلم لا يلزمه شيء. قوله: (ثم رجعا) لأن الرجوع شبهة الكذب في الشهادة. قوله: (ومن ثبت إسلامه بشهادة رجل وامرأتين) هذا على رواية النوادر كما ستراه. ح. قوله: (وقيل تقبل) يوهم أن المسألة الأولى اتفاقية وليس كذلك، ويمكن إرجاعه للمسألتين في. قوله: (ولو على نصرانية قبلت اتفاقاً) لأن المرتدة لا تقتل، بخلاف المرتد ولكنها تجبر على الإسلام، وهذا كله قول الإمام. وفي النوادر: تقبل شهادة رجل وامرأتين على الإسلام وشهادة نصرانيين على نصراني أنه أسلم، وهذا هو الذي في آخر كراهية الدرر كما في ح. واعتمد قاضيخان قول الإمام بعدم القتل بشهادة النساء وإن كان يجبر على الإسلام، لأن أيّ نفس كانت لا تقتل بشهادة النساء. ط عن نوح أفندي. قوله: (من ولدته المرتدة بيننا) لأنه يجبر على الإسلام كأمه، لكنه لا يقتل، كمن كان إسلامه تبعاً لأبويه ولم يصف الإسلام فبلغ كافراً كما مر، وقوله: ((بيننا)» أي المسلمين غير قيد لما سيأتي من أن الزوجين لو ارتدّا معاً فولدت ولداً يجبر بالضرب على الإسلام وإن حبلت به ثمة. قوله: (والسكران إذا أسلم) يعني فإن إسلامه يصح، فإن ارتد لا يقتل كالصبيّ، العاقل إذا ارتد. بحر عن التاتر خانية. قلت: أي إن ارتد بعد صحوه لا يقتل لأن في إسلامه شبهة. قوله: (لأن إسلامه حكمي) أي بتبعية الدار كما سيأتي في بابه. قوله: (وفي الاستحسان يصح) وهو المعمول به. رملي. وهو الصواب. ط، عن بعض العلماء. قلت: ووجهه أن الحربي إنما يقاتل على الإسلام أصالة فلا يتأتى فيه قياس واستحسان، بخلاف الذمي فإنه بعد التزام الذمة لا يقاتل عليه، فالقياس أن لا يصح إسلامه بالإكراه: كما لا تصح ردة المسلم به. وفي الاستحسان يصح، لكن لو ارتد لا يقتل وتقدم وجهه. قوله: (فالمستثنى أربعة عشر) لأن المكره تحته ثلاثة: الحربي والذمي ٣٩٠ كتاب الجهاد/ باب المرتد (شهدوا على مسلم بالردة وهو منكر لا يتعرّض له) لا لتكذيب الشهود العدول بل (لأن إنكاره توبة ورجوع) يعني فيمتنع القتل فقط. وتثبت بقية أحكام المرتد كحبط عمل وبطلان وقف وبينونة زوجة لو فيما تقبل توبته، وإلا قتل كالردة بسبه عليه الصلاة والسلام كما مر. أشباه. زاد في البحر: وقد رأيت من يغلط في هذا المحل وأقرّه المصنف، وحينئذ فالمستثنى أربعة عشر. وفي شرح الوهبانية للشرنبلالي: ما يكون كفراً اتفاقاً: يبطل العمل والنكاح وأولاده أولاد زنا، وما فيه خلاف يؤمر بالاستغفار والمستأمن، وشهادة نصرانيين على نصراني أو نصرانية صورتان، والباقي ظاهر. قوله: (لأن إنكاره توبة ورجوع) ظاهره ولو بدون إقرار بالشهادتين، وهو ظاهر قول المتون أول الباب وإسلامه أن يتبرأ عن الأديان حيث لم يذكر والإقرار بالشهادتين. ويحتمل أن يكون المراد الإنكار مع الإقرار بهما، ويؤيده ما في كافي الحاكم، وإذا رفعت المرتدة إلى الإمام فقالت: ما ارتددت وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كان هذا توبة منها اهـ. تأمل. ثم رأيت في البيري على الأشباه قال: کون مجرد الإنكار توبة غير مراد بل ذلك مقيد بثلاثة قيود. قال في الذخيرة عن بشر بن الوليد: إذا جحد المرتد الردة وأقرّ بالتوحيد وبمعرفة رسول الله 9 وبدين الإسلام فهذا منه توبة اهـ. قوله: (كحبط عمل) يأتي الكلام عليه. قوله: (وبطلان وقف) أي الذي وقفه حال إسلامه، سواء كان على قربة ابتداء أو على ذريته ثم على المساكين لأنه قربة ولا بقاء لها مع وجود الردة، وإذا عاد مسلماً لا يعود وقفه إلا بتجديد منه، وإذا مات أو قتل أو لحق كان الوقف ميراثاً بين ورثته. بحر عن الخصاف. قوله: (وبينونة زوجة) وتكون فسخاً عندهما. وقال محمد: فرقة بطلاق ولو هي المرتدة فبغير طلاق إجماعاً، ثم إذا تاب وأسلم ترتفع تلك البينونة. بيري عن شرح الطحاوي. وأقره السيد أبو السعود في حاشية الأشباه. قلت: والظاهر أن قوله ترفع أصله ((لا ترتفع)) فسقطت لفظة ((لا)) النافية من قلم الناسخ، وإلا فهو مخالف لفروعهم الكثيرة المقررة في باب نكاح الكافر وغيره، المصرحة بلزوم تجديد النكاح، ومنها ما يأتي قريباً؛ وصرح في البحر عن العناية أن البينونة لا تتوقف على إسلامه كبطلان وقفه فإنه لا يعود صحيحاً بإسلامه. تأمل. قوله: (لو فيما تقبل توبته) شرط في قوله السابق: ((فيمتنع القتل)» ط. قوله: (كما مر) قدمنا ما فيه. قوله: (وقد رأيت من يغلط في هذا المحل) أي حيث فهم أن الشهادة لا تقبل أصلاً حتى في بقية الأحكام المذكورة. قوله: (فالمستثنى أربعة عشر) صوابه خمسة عشر، لأن هذا زائد على ما تقدم. والوجه فيه أنه لم يتب حقيقة وإنما حكماً بجعل إنكاره توبة فهو داخل في المسلم الذي ارتد ولم يتب ط. قوله: (وأولاده أولاد زنا) ٣٩١ كتاب الجهاد/ باب المرتد والتوبة وتجديد النكاح (ولا يترك) المرتدّ (على ردته بإعطاء الجزية، ولا بأمان مؤقت، ولا بأمان مؤبد، ولا يجوز استرقاقه بعد اللحاق) بدار الحرب، بخلاف المرتدة. خانية (والكفر) كله (ملة واحدة) خلافاً للشافعي. (فلو تنصر يهودي أو عكسه ترك على حاله) ولم يجبر على العود (ويزول ملك المرتد عن ماله زوالاً موقوفاً، فإن أسلم عاد ملكه، وإن مات أو قتل على ردته) أو حكم بلحاقه (ورث كسب إسلامه وارثه المسلم) كذا في فصول العمادي، لكن ذكر في [نور العين] ويجدد بينهما النكاح إن رضيت زوجته بالعود إليه وإلا فلا تجبر، والمولود بينهما قبل تجديد النكاح بالوطء بعد الردة يثبت نسبه منه، لکن یکون زنا اهـ. قلت: ولعل ثبوت النسب لشبهة الخلاف فإنها عند الشافعي لا تبين منه. تأمل. قوله: (والتوبة) أي تجديد الإسلام. قوله: (وتجديد النكاح) أي احتياطاً كما في الفصول العمادية. وزاد فيها قسماً ثالثاً فقال: وما كان خطأ من الألفاظ ولا يوجب الكفر فقائله يقرّ على حاله، ولا يؤمر بتجديد النكاح، ولكن يؤمر بالاستغفار والرجوع عن ذلك. وقوله احتياطاً: أي يأمره المفتي بالتجديد ليكون وطؤه حلالً باتفاق، وظاهره أنه لا يحكم القاضي بالفرقة بينهما، وتقدم أن المراد بالاختلاف ولو رواية ضعيفة ولو في غير المذهب. قوله: (بخلاف المرتدة) أي فإنها تسترق بعد اللحاق بدار الحرب وتجبر على الإسلام بالضرب والحبس ولا تقتل، كما صرح به في البدائع؛ ولا يكون استرقاقها مسقطاً عنها الجبر على الإسلام كما لو ارتدت الأمة ابتداء فإنها تجبر على الإسلام. بحر. قوله: (ويزول ملك المرتد الخ) أي خلافاً لهما. وفي البدائع: لا خلاف أنه إذا أسلم فأمواله باقية على ملكه، وأنه إذا مات أو قتل أو لحق: تزول عن ملكه، وإنما الخلاف في زوالها بهذه الثلاثة مقصوراً على الحال عندهما ومستنداً إلى وقت وجود الردة عنده وتظهر الثمرة في تصرفاته، فعندهما نافذة قبل الإسلام، وعنده موقوفة الوقوف أملاكه اهـ. قيد بالملك لأنه لا توقف في إحباط طاعته وفرقة زوجته وتجديد الإيمان، فإن الارتداد فيها عمل عمله، كذا في العناية. وتقدم أن من عباداته التي بطلب وقفه وأنه لا يعود بإسلامه، وكذا لا توقف في بطلان إيجاره واستئجاره ووصيته وإيصائه وتو کیله وو کالته، وتمامه في البحر. قلت: ويستثنى من فرقة الزوجة ما لو ارتدا معاً، فإنه يبقى النكاح كما صرح به في العناية. وفي البحر: وأفاد أن الكلام في الحر، ولذا قال في الخانية: وتصرف المكاتب في ردته نافذ في قولهم. زاد في النهر عن السراج: وكسبه حال الردة لمولاه. قوله: (فإن أسلم الخ) جملة مفسرة لما قبلها ط. قوله: (ورث كسب إسلامه وارثه المسلم) أشار إلى ٣٩٢ كتاب الجهاد/ باب المرتد ولو زوجته بشرط العدة. زيلعي (بعد قضاء دين إسلامه، وكسب ردته فيء بعد قضاء دين ردته) وقالا: ميراث أيضاً ككسب المرتدة أن المعتبر وجود الوارث عند الموت أو القتل أو الحكم باللحاق، وهو رواية محمد عن الإمام، وهو الأصح، وروى عنه اعتبار وقت الردة، وروى اعتبارهما معاً؛ فعلى الأصح لو كان له ولد كافر أو عبد يوم الردة فعتق أو أسلم بعدها قبل أحد الثلاثة ورثه، وكذا لو ولد من علوق حادث بعدها إذا كان مسلماً تبعاً لأمه بأن علق من أمة مسلمة، وتمامه في البحر، لكن قوله أو الحكم باللحاق خلاف الأصح، فإن الأصح وهو ظاهر الرواية اعتبار وجود الوارث عند اللحاق، وروی عند الحکم به کما في شرح السیر الکبیر. قوله: (ولو زوجته) لأنه بالردة كأنه مرض مرض الموت لاختياره سبب المرض بإصراره على الكفر مختاراً حتى قتل. نهر. قوله: (بشرط العدة) قال في النهر هذا يقتضي أن غير المدخول بها لا ترث لصيرورتها بالردة أجنبية، وليست الردة موتاً حقيقياً، بدليل أن المدخول إنما تعتد بعد موته بالحيض لا بالأشهر، فلا تنتهض سبباً للإرث، والإرث وإن استند إلى الردة لكن يتقرّر عند الموت. هذا حاصل ما في الفتح اهـ. قوله: (بعد قضاء دين إسلامه الخ) هذا: أعني قضاء دين إسلامه من كسب الإسلام، ودين الردة من كسبها، رواه زفر عن الإمام. وروى أبو يوسف عنه أنه من كسب الردة، إلا أن لا يفي فيقضي الباقي من كسب الإسلام. وروى الحسن عنه أنه من كسب الإسلام، إلا أن لا يفي فيقتضي الباقي من كسب الردة. قال في البدائع والولوالجية: وهو الصحيح، لأن دين الميت إنما يقضي من ماله وهو كسب إسلامه؛ فأما كسب الردة فلجماعة المسلمين، فلا يقتضي منه الدين إلا لضرورة فإذا لم يف تحققت. نهر. فما في المتن تبعاً للكنز ضعيف كما في البحر. قلت: لكن الحكم عليه بالضعف غير مسلّم، فإنه جرى عليه أصحاب المتون كالمختار والوقاية والمواهب والملتقى، وهي موضوعة لنقل المذهب كما صرحوا به. تنبيه: في القهستاني: هذا إذا كان له كسبان، وإلا قضى مما كان بلا خلاف، وهذا أيضاً إذا ثبت الدين بغير الإقرار وإلا ففي كسب الردة. قوله: (وكسب ردته فيء) أي للمسلمين فيوضع في بيت المال. قهستاني. والمراد ما اكتسبه قبل اللحاق. أما ما اكتسبه في دار الحرب فهو لابنه الذي ارتدّ ولحق معه إذا مات مرتدّاً لأنه اكتسبه وهو من أهل الحرب وهم يتوارثون فيما بينهم، فلو لحق معه ابن مسلم ورث كسب إسلامه فقط، وتمامه في شرح السير. قوله: (وقالا ميراث أيضاً) لأن زوال ملكه عندهما مقصور على الحال كما مر. قوله: (ككسب المرتدة) فإنه لورثتها، ويرثها زوجها المسلم إن ارتدت وهي مريضة لقصدها إبطال حقه، وإن كانت صحيحة لا يرثها، لأنها لا تقتل، فلم يتعلق حقه بمالها بالردة، بخلاف المرتد. ٣٩٣ کتاب الجهاد/ باب المرتد (وإن حكم) القاضي (بلحاقه عتق مدبره) من ثلث ماله (وأم ولده) من كل ماله (وحل دينه) وقسم ماله ويؤدي مكاتبه إلى الورثة، والولاء للمرتد لأنه المعتق. بدائع. وينبغي أن لا يصح القضاء به إلا في ضمن دعوى حق العبد. نهر والحاصل أن زوجة المرتد ترث منه مطلقاً وزوج المرتدة لا يرثها، إلا إذا ارتدت وهي مريضة. بحر. وسيأتي أيضاً. قوله: (وإن حكم بلحاقه) كان الأولى للمصنف أن يذكر الحكم باللحاق أولاً كما عبر الشارح ويقول: وعتق مدبره الخ، عطفاً على ورث لئلا يوهم اختصاص العتق بالحكم باللحاق وإن كان يفهم منه أن الموت والقتل مثله فإنه تطويل بلا فائدة، كما أفاده ح. قوله: (من ثلث ماله) الظاهر أن المراد به كسب الإسلام ح. وبه جزم ط بناء على ما مر من الصحيح. قوله: (وحل دينه) لأنه باللحاق صار من أهل الحرب وهم أموات في حق أحكام الإسلام فصار كالموت، إلا أنه لا يستقرّ لحاقه إلا بالقضاء لاحتمال العود. وإذا تكرر موته تثبت الأحكام المتعلقة به كما ذكر. نهر. قوله: (ويؤدي مكاتبه) أي يؤدي بدل كتابته. قوله: (والولاء للمرتد) أي لورثته ابتداء فيرثه العصبة بنفسه، بخلاف ما إذا كان للورثة فإنه يدخل فيه الإناث ط. قوله: (وينبغي الخ) اعلم أن بعضهم لا يشترط القضاء باللحاق، بل يكتفي بالقضاء بحكم من أحكامه، وعامتهم على أنه يشترط القضاء به سابقاً على القضاء بالأحكام. أفاده في المجتبى ونحوه في الفتح. وظاهره أن القضاء باللحاق قصداً صحيح، وينبغي أن لا يصح إلا في ضمن دعوى حق للعبد، لأن اللحاق كالموت، ويوم الموت لا يدخل تحت القضاء، فينبغي أن لا يدخل اللحاق تحت القضاء قصداً. بحر. قال في النهر: وأقول ليس معنى الحكم بلحاقه سابقاً على هذه الأمور: أن يقول ابتداء حكمت بلحاقه، بل إذا ادعى مدبر مثلاً على وارثه أنه لحق بدار الحرب مرتداً، وأنه عتق بسببه وثبت ذلك عند القاضي حكم أولًا بلحاقه ثم يعتق ذلك المدبر كما يعرف ذلك من كلامهم اهـ. ونحوه في شرح المقدسي. والحاصل: أن ما في المجتبى من الخلاف معناه أنه لو حكم القاضي بعتق المدبر يكفي عند البعض لثبوت اللحاق ضمناً، وأما عند العامة فلا بد من حكمه أولاً باللحاق لأنه السبب، وفي كونه في حكم الموت خلاف الشافعي، فلشبهة الخلاف لا بد من الحكم به أولًا ثم بالعتق، وليس المراد أنه يحكم باللحاق قبل دعوى المدبر مثلاً حتى يرد ما قاله في البحر، فقول الشارح: ((إلا في ضمن دعوى حق العبد)) معناه أن يسبق دعوى حق العبد، فيحكم به أولاً ثم بما ادعاه العبد لأنه الذي في النهر، وليس المراد أنه يكتفي عن الحكم به بالحكم بما ادعاه ليثبت الحكم باللحاق في ضمن ٣٩٤ كتاب الجهاد/ باب المرتد (و) اعلم أن تصرفات المرتد على أربعة أقسام، فـ (ينفذ منه) اتفاقاً ما لا يعتمد تمام ولاية، وهي خمس: (الاستيلاد، والطلاق، وقبول الهبة، وتسليم الشفعة، والحجر على عبده) المأذون. (ويبطل منه) اتفاقاً ما يعتمد الملة وهي خمس: (النكاح، والذبيحة، والصيد، والشهادة، الحكم الأول، فافهم. قوله: (واعلم الخ) بيان لتصرفه حال ردته بعد بيان حكم أملاكه قبل ردّته. بحر. قوله: (على أربعة أقسام) نافذ اتفاقاً، باطل اتفاقاً، موقوف اتفاقاً، موقوف عنده نافذ عندهما ط. قوله: (ما لا يعتمد تمام ولاية) قال الزيلعي: لأنها لا تستدعي الولاية ولا تعتمد حقيقة الملك حتى صحت هذه التصرفات من العبد مع قصور ولايته اهـ ط. قوله: (الاستیلاد) صورته: إذا جاءت بولد، فادعاه، ثبت نسبه منه. ويرث ذلك الولد مع ورثته، وتصير أم ولد له، بحر. ط. قوله: (والطلاق) أي ما دامت في العدة، لأن الحرمة بالردة غير متأبدة لارتفاعها بالإسلام فيقع طلاقه عليها في العدة، بخلاف حرمة المحرمية فإنها لا غاية لها فلا يفيد لحقق الطلاق فائدة. فتح. من باب نكاح الكافر. وقدمنا هناك عن الخانية أن طلاقه إنما يقع قبل لحوقه، فلو لحق بدار الحرب فطلق امرأته لا يقع إلا إذا عاد مسلماً وهي في العدة، فطلقها. وأورد أنه كيف يتصور طلاقه وقد بانت بردته. وأجيب بأنه لا يلزم من وقوع البينونة امتناع الطلاق، وقد سلف أن المبانة يلحقها الصريح في العدة. بحر: أي ولو كان الواقع بذلك الصريح بائناً كالطلاق الثلاث أو على مال، وكذا لو قال أنت طالق بائن، وأما قولهم إن البائن لا يلحق البائن فذاك إذا أمكن جعله إخباراً عن الأول؛ حتى لو قال أبنتك بأخرى يقع كما تقدم في الكنايات، فافهم. قوله: (وتسليم الشفعة والحجر) قال في البحر: ولا يمكن توقف التسليم لأن الشفعة بطلت به مطلقاً. وأما الحجر فيصح بحق الملك، فبحقيقة الملك الموقوف أولى اهـ. قلت: ومفهومه أن له قبل إسلامه الأخذ بالشفعة. والذي في شرح السير أن ذلك قول محمد. وفي قول أبي حنيفة: لا شفعة له حتى يسلم، فلو لم يسلم ولم يطلب بطلت شفعته لتركه الطلب بعد التمكن بأن يسلم. قوله: (ما يعتمد الملة) أي ما يكون الاعتماد في صحته على كون فاعله معتقداً ملة من الملل ط: أي والمرتد لا ملة له أصلاً، لأنه لا يقرّ على ما انتقل إليه، وليس المراد ملة سماوية لئلا يرد النكاح، فإن نكاح المجوسي والوثني صحيح ولا ملة لهما سماوية، بل المراد الأعم. قوله: (النكاح) أي ولو لمرتدة مثله. قوله: (والذبيحة) الأولى والذبح لأنه من التصرفات. قوله: (والصيد) أي بالكلب والبازي ومثله الرمي. بحر. قوله: (والشهادة) أي أداوها، لا تحملها ط. وذكر في الأشباه عن شهادات الولوالجية أنه يبطل ما رواه لغيره من ٣٩٥ كتاب الجهاد/ باب المرتد والإرث، ويتوقف منه) اتفاقاً ما يعتمد المساواة، وهو (المفاوضة) أو ولاية متعدية (و) هو (التصرف على ولده الصغير. و) يتوقف منه عند الإمام وينفذ عندهما كل ما كان مبادلة مال بمال أو عقد تبرّع كـ (المبايعة) والصرف والسلم (والعتق والتدبير والكتابة والهبة) والرهن (والإجارة)) والصلح عن إقرار وقبض الدين، لأنه مبادلة حكمية (والوصية) وبقي أمانه وعقله ولا شك في بطلانهما. وأما إيداعه واستيداعه والتقاطه ولقطته فينبغي عدم جوازها. نهر (إن أسلم نفذ، الحديث، فلا يجوز للسامع منه أن يرويه عنه بعد ودته اهـ. ولكن كلامنا فيما فعله في ردته وهذا قبلها. قوله: (الإرث) فلا يرث أحداً ولا يرثه أحد مما اكتسبه في ردّته، بخلاف كسب إسلامه فإنه يرثه ورثته كما مر لاستناده إلى ما قبلها فهو إرث مسلم من مثله والكلام في إرث المرتد، فافهم. قوله: (ما يعتمد المساواة) أي بين المتعاقدين في الدين. قوله: (وهو المفاوضة) فإذا فاوض مسلماً توقفت اتفاقاً، فإن أسلم نفذت، وإن هلك بطلت، وتصير عناناً من الأصل عندهما، وتبطل عنده. بحر عن الخانية. قوله: (أو ولاية متعدية) أي إلى غيره. قوله: (ويتوقف منه عند الإمام) بناء على زوال الملك كما سلف. نهر. قوله: (وينفذ عندهما) إلا أنه عند أبي يوسف تصح كما تصح من الصحيح، لأن الظاهر عوده إلى الإسلام. وعند محمد: كما تصح من المريض لأنها تقضي إلى القتل ظاهراً. ط عن البحر. قوله: (والصرف والسلم) من عطف الخاص لأنهما من عقود المبايعة ط. قوله: (والهبة) هي من قبيل المبادلة إن كانت بعوض كما في النهر، ومن قبيل التبرّع إن لم تكن ح. قوله: (والرهن) لأنه مضمون عند الهلاك بالدين فهو معاوضة مآلاً. قوله: (والصلح عن إقرار) أي فيكون مبادلة. وأما إذا كان عن إنكار أو سكوت فالمذكور في كتاب الصلح أنه معاوضة في حق المدعي، وفداء يمين وقطع نزاع في حق الآخر. ومقتضاه أنه إن كان المرتد مدعياً فهو داخل في عقود المبادلة، وإن كان المدّعى عليه يدخل في عقد التبرع. أفاده ط. لكن في كونه تبرعاً نظر، لأنه لم يدفع المال مجاناً، بل مفاداة ليمينه، فهو خارج عن مبادلة المال بالمال وعن عقد التبرع. تأمل. قوله: (لأنه مبادلة حكمية) وجهه ما قالوا إن الدين يقضي بمثله وتقع المقاصة، فقابض الدين أخذ بدل ما تحقق في ذمة المدين: ط. قوله: (والوصية) أي التي في حال ردته، أما التي في حال إسلامه فالمذكور في ظاهر الرواية من المبسوط وغيره أنها تبطل قربة كانت أو غير قربة من غير ذكر خلاف، وتمامه في الشرنبلالية عن الفتح. قوله: (وبقي الخ) لما فرغ من ذكر المنقول في الأقسام الأربعة ذكر أشياء لم يصرحوا بها، فافهم. قوله: (ولا شك في بطلانهما) أما الأمان فلأنه لا يصح من الذمي، فمن المرتد أولى. وأما العقل فلأن المرتدّ لا ينصر ولا ينصر والعقل بالنصرة ح. قوله: (فينبغي عدم جوازها) عبارة النهر: فلا ينبغي التردد في جوازها ٣٩٦ كتاب الجهاد/ باب المرتد وإن هلك) بموت أو قتل (أو لحق بدار الحرب وحكم) بلحاقه (بطل) ذلك كله (فإن جاء مسلماً قبله) قبل الحكم (فكأنه لم يرتد) وكما لو عاد بعد الموت الحقيقي. زيلعي (وإن) جاء مسلماً (بعده وماله مع وارثه أخذه) بقضاء أو رضا، ولو فيّ بيت المال لا، لأنه فيء. نهر (وإن هلك) ماله (أو أزاله) الوارث (عن ملكه لا) يأخذه ولو قائماً لصحة القضاء، وله ولاء مدبره وأم ولده، منه اهـ. فلفظة ((عدم)) من سبق القلم. قوله: (بطل ذلك كله) الإشارة ترجع إلى المتوقف اتفاقاً والمتوقف عند الإمام. ط. قوله: (فكأنه لم يرتد) فلا يعتق مدبره وأم ولده، ولا تحل ديونه، وله إبطال ما تصرف فيه الوارث لكونه فضولياً. بحر. وما مع وارثه يعود لملكه بلا قضاء ولا رضا من الوارث. در منتقى. قلت: وكذا يبطل ما تصرّف فيه بنفسه بعد اللحاق قبل الحكم به، كما لو أعتق عبده الذي في دار الإسلام أو باعه من مسلم في دار الحرب ثم رجع تائباً قبل الحكم بلحاقه فما له مردود عليه وجميع ما صنع فيه باطل، لأنه باللحاق زال ملكه، وإنما توقف على القضاء دخوله في ملك وارثه، فتصرفه بعد اللحاق صادف مالاً غير مملوك له فلا ينفذ، وإن عاد إلى ملكه بعد كالبائع بشرط خيار المشتري إذا تصرف في المبيع لا ينفذ، وإن عاد إلى ملكه بفسخ المشتري؛ نعم لو أقرّ بحرية العبد أو بأنه لفلان صح، لأنه ليس بإنشاء التصرف بل هو إقرار لازم، كما لو أقر بعبد الغير ثم ملكه اهـ. ملخصاً من ((شرح السير الكبير)». قوله: (وكما لو عاد بعد الموت الحقيقي) أي لو أحيا الله تعالى ميتاً حقيقة وأعاده إلى دار الدنيا كان له أخذ ما في يد ورثته بحر. إلا أنه ذكره بعد عود من حكم بلحاقه، وكذا ذكره الزيلعي، فكان على الشارح ذكره بعد قوله: ((وإن جاء بعده)) كما أفاده ح. قوله: (بقضاء أو رضا) لأن بقضاء القاضي بلحاقه صار المال ملكاً لورثته فلا يعود إلا بالقضاء؛ ألا ترى أن الوارث لو أعتق العبد بعد رجوع المرتد قبل القضاء برد المال عليه نفذ عتقه ولم يضمن للمرتد شيئاً، كما لو أعتقه قبل رجوع المرتد، وبهذا يستدل على أنه لا ينفذ عتق المرتد، لأن العتق يستدعي حقيقة الملك. شرح السير، ونقله في البحر عن التاترخانية، وبه جزم الزيلعي. قوله: (ولو في بيت المال لا) قال في النهر: وفي قوله: ((وإرثه)) إيماء إلى أنه لا حق له فيما وجده من كسب ردته، لأن أخذه ليس بطريق الخلافة عنه بل لأنه فيء؛ ألا ترى أن الحربي لا يسترد ماله بعد إسلامه، وهذا وإن لم نره مسطوراً إلا أن القواعد تؤيده اهـ. وأصل البحث لصاحب البحر. وظاهره أن ما وضع في بيت المال لعدم الوارث له أخذه، ففي كلام الشارح إيهام كما أفاده السيد أبو السعود. قوله: (أو أزاله الوارث عن ملكه) سواء كان بسبب يقبل الفسخ كبيع أو هبة، أو لا يقبله كعتق أو تدبير واستيلاد فإنه يمضي ولا عود له فيه ولا يضمنه اهـ. فتح. قوله: (وله ولاء مدبره وأم ولده) أفاد أنهم لا يعودون ٣٩٧ كتاب الجهاد/ باب المرتد ومكاتبه له إن لم يؤد، وإن عجز عاد رقيقاً له. بدائع (ويقضي ما ترك من عبادة في الإسلام) لأن ترك الصلاة والصيام معصية والمعصية تبقى بعد الردة (وما أدى منها فيه يبطل، ولا يقضى) من العبادات في الرق، لأن القضاء بعتقهم قد صح، والعتق بعد نفاذه لا يقبل البطلان. فتح. قوله: (ومكاتبه له) مبتدأ وخبر. قوله: (إن لم يؤدّ) أي إلى الورثة بدل الكتابة فيأخذها من المكاتب: وأما إن أداه إليهم فلا سبيل له عليه، لأنه عتق بأداء المال والعتق لا يحتمل الفسخ، ويؤخذ منهم المال لو قائماً، وإلا لا ضمان عليهم كسائر أمواله: بحر. مَطْلَبٌ: المَعْصِيَةُ تَبْقَى بَعْدَ الرِّدَّةِ قوله: (والمعصية تبقى بعد الردة) نقل ذلك مع التعليل قبله في الخانية عن شمس الأئمة الحلواني. قال القهستاني: وذكر التمرتاشي أنه يسقط عند العامة ما وقع حال الردة وقبلها من المعاصي، ولا يسقط عند كثير من المحققين اهـ. وتمامه فيه. قلت: والمراد أنه يسقط عند العامة بالتوبة والعود إلى الإسلام للحديث ((الإسْلامُ يجِبُّ مَا قَبْلُهُ(١))). وأما في حال الردة فيبقى ما فعله فيها أو قبلها إذا مات على ردته، لأنه بالردة ازداد فوقه ما هو أعظم منه فكيف تصلح ماحية له، بل الظاهر عود معاصيه التي تاب منها أيضاً، لأن التوبة طاعة وقد حبطت طاعاته وبدل له ما في التاتر خانية عن السراجية: ((من ارتدّ ثم أسلم ثم كفر ومات فإنه يؤاخذ بعقوبة الكفر الأول والثاني، وهو قول الفقيه أبي الليث)) اهـ. ثم لا يخفى أن هذا الحديث يؤيد قول العامة: ولا ينافيه وجوب قضاء ما تركه من صلاة أو صيام ومطالبته بحقوق العباد لأن قضاء ذلك كله ثابت في ذمته، وليس هو نفس المعصية وإنما المعصية إخراج العبادة عن وقتها وجنايته على العبد فإذا سقطت هذه المعصية لا يلزم سقوط الحق الثابت في ذمته، كما أجاب بعض المحققين بذلك عن القول بتكفير الحج المبرور الكبائر، والله سبحانه وتعالى أعلم. مَطْلَبٌ: لَوْ تَابَ المُزْتَدُّ، هَلْ تَعُودُ حَسَنَاتِهُ؟ قوله: (وما أدى منها فيه يبطل) في التاتر خانية معزياً إلى التتمة: قيل له: لو تاب تعود حسناته؟ قال: هذه المسألة مختلفة؛ فعند أبي عليّ وأبي هاشم وأصحابنا أنه يعود. وعند أبي القاسم الكعبي: لا، ونحن نقول: إنه لا يعود ما بطل من ثوابه، لكنه تعود طاعاته المتقدمة مؤثرة في الثواب بعد. اهـ. بحر. وفي شرح المقاصد للمحقق التفتازاني في بحث التوبة: ثم اختلفت المعتزلة في (١) أخرجه أحمد ١٩٩/٤ وابن سعد (١٩١/٢/٧) والبيهقي في الدلائل ٣٥١/٤ وكشف الحق ١/ ١٤٠. ٣٩٨ کتاب الجهاد/ باب المرتد (إلا الحج) لأنه بالردة صار كالكافر الأصلي، فإذا أسلم وهو غني فعليه الحج فقط . (مسلم أصاب مالًا أو شيئاً يجب به القصاص أو حد السرقة) يعني المال المسروق لا الحد. خانية. وأصله أنه يؤاخذ بحق العبد، وأما غيره ففيه التفصيل أنه إذا سقط استحقاق عقاب المعصية بالتوبة هل يعود استحقاق ثواب الطاعة الذي أبطلته تلك المعصية؟ فقال أبو عليّ وأبو هاشم: لا، لأن الطاعة تنعدم في الحال، وإنما يبقى استحقاق الثواب وقد سقط والساقط لا يعود. وقال الكعبي: نعم لأن الكبيرة لا تزيل الطاعة وإنما تمنع حكمها، وهو المدح والتعظيم فلا تزيل ثمرتها، فإذا صارت بالتوبة كأن لم تكن ظهرت ثمرة الطاعة كنور الشمس إذا زال الغيم. وقال بعضهم - وهو اختيار المتأخرين . : لا يعود ثوابه السابق لكن تعود طاعته السالفة مؤثرة في استحقاق ثمراته وهو المدح، والثواب في المستقبل بمنزلة شجرة احترقت بالنار أغصانها وثمارها ثم انطفأت النار، فإنه يعود أصل الشجرة وعروقها إلى خضرتها وثمرتها اهـ. وهذا يفيد أن الخلاف بين أبي علي وأبي هاشم، وبين الكعبي على عكس ما مر، وأن الخلاف في إحباط الكبائر للطاعات لأن هؤلاء الجماعة من المعتزلة. وعندهم أن الكبيرة تخرج صاحبها من الإيمان لكنها لا تدخله في الكفر، وإن كان يخلد في النار، ويلزم من إخراجه من الإيمان حبط طاعاته، فالكبيرة عندهم من هذه الجهة بمنزلة الردة عندنا، فيصح نقل الخلاف المذكور إلى الردة. تأمل. قوله: (إلا الحج) لأن سببه البيت المكرم وهو باق، بخلاف غيره من العبادات التي أداها لخروج سببها: ولهذا قالوا: إذا صلى الظهر مثلاً ثم ارتد ثم تاب في الوقت يعيد الظهر لبقاء السبب وهو الوقت، ولذا اعترض اقتصاره على ذكر الحج وتسميته قضاء، بل هو إعادة لعدم خروج السبب. قوله: (لأنه بالردة الخ) علة لقوله: ((ولا يقضي)) ولقوله: ((إلا الحج)، ط. قوله: (أصاب مالاً) أي أخذ، وقوله: ((أو شيئاً) أي فعل شيئاً الخ. ط . قوله: (يعني المال المسروق لا الحد) الأولى ذكره عند قول المصنف ((يؤاخذ به)) وليس ذلك في عبارة الخانية ولا هو محل إيهام، لأن قوله: ((أوحد)) مرفوع عطفاً على فاعل ((يجب)) لا منصوب عطفاً على مفعول ((أصاب)) حتى يحتاج للتأويل. قوله: (وأصله) أي القاعدة فيما ذكر. ط. قوله: (أنه يؤاخذ بحق العبد) أي لا يسقط عنه بالردة، إلا إذا كان ممن لا يقتل بها كالمرأة ونحوها إذا لحقت بدار الحرب فسبيت فصارت أمة يسقط عنها جميع حقوق العباد، إلا القصاص في النفس فإنه لا يسقط. بيري عن شرح الطحاوي. قوله: (ففيه التفصيل) وهو أنه يقضي ما ترك من عبادة في الإسلام كما مر. ٣٩٩ كتاب الجهاد/ باب المرتد (أو الدية ثم ارتد أو أصابه وهو مرتد في دار الإسلام ثم لحق) وحاربنا زماناً (ثم جاء مسلماً يؤاخذ به كله، ولو أصابه بعدما لحق مرتداً فأسلم لا) يؤاخذ بشيء من ذلك، لأن الحربي لا يؤاخذ بعد الإسلام بما كان أصابه حال كونه محارباً لنا. (أخبرت بارتداد زوجها فلها التزوج بآخر بعد العدة) استحساناً (كما في الإخبار) من ثقة (بموته أو تطليقه) ثلاثاً، وكذا لو لم يكن ثقة فأتاها بكتاب طلاقها وأكبر رأيها أنه حق لا بأس بأن تعتدّ وتتزوّج مبسوط. (والمرتدة) ولو صغيرة أو خنثى. بحر (تحبس) أبداً، ولا تجالس ولا تؤاكل وأما الحدود. ففي شرح السير: لو أصاب المسلم مالاً أو ما يجب به القصاص أو حد القذف ثم ارتدّ أو أصابه وهو مرتد ثم لحق ثم تاب فهو مأخوذ به لا لو أصابه بعد اللحاق ثم أسلم. وما أصابه المسلم من حدود الله تعالى في زنا أو سرقة أو قطع طريق ثم ارتدّ أو أصابه بعد الردة ثم لحق ثم أسلم فهو موضوع عنه إلا أنه يضمن المال المسروق، والدم في قطع الطريق بالقصاص أو الدية لو خطأ على العاقلة لو قبل الردة، وفي ماله لو بعدها. وما أصابه من حد الشرب ثم ارتد ثم أسلم قبل اللحاق لا يؤاخذ به، وكذا لو أصابه وهو مرتد محبوس في يد الإمام ثم أسلم، لأن الحدود زواجر عن أسبابها فلا بد من اعتقاد المرتكب حرمة السبب، ويؤخذ بما سواه من حدوده تعالى لاعتقاده حرمة السبب وتمكن الإمام من إقامته لكونه في يده، فإن لم يكن في يده حين أصابه ثم أسلم قبل اللحاق لا يؤخذ به أيضاً اهـ. ملخصاً. قوله: (أو الدية) أي على عاقلته إن أصاب ذلك قبل الردة، وفي ماله إن أصابه بعدها كما مر. قوله: (وحاربنا زماناً) تأكيد لقوله ((ثم لحق)) وكذا بدون ذلك بالأولى. قوله: (أخبرت بارتداد زوجها) أي من رجلين أو رجل وامرأتين على رواية السير. وعلى رواية كتاب الاستحسان: يكفي خبر الواحد العدل، لأن حل التزوج وحرمته أمر ديني، كما لو أخبر بموته. والفرق على الرواية الأولى أن ردة الرجل يتعلق بها استحقاق القتل كما في شرح السير الكبير السرخسي. ونقل المصنف عنه أن الأصح رواية الاستحسان، ومثله في الشرنبلالية معللاً بأن المقصود الإخبار بوقوع الفرقة لا إثبات الردة. قوله: (أو تطليقه ثلاثاً) ينبغي أن يكون البائن مثله، وظاهره أنها في الرجعي لا يجوز لها التزوج ولعله لاحتمال المراجعة وليحرر ط. قوله: (فأتاها بكتاب) ظاهره أن غير الثقة لو لم يأتها بكتاب لا يحل لها وإن كان أكبر رأيها صدقه. تأمل. قوله: (لا بأس بأن تعتد) أي من حين الطلاق أو الموت لا من حين الإخبار فيما يظهر. تأمل. ثم لا يخفى أنه إذا ظهرت حياته أو أنكر الطلاق أو الردة ولم تقم عليه بينة شرعية ينفسخ النكاح الثاني وتعود إليه. قوله: (تحبس) لم يذكر ضربها في ظاهر الرواية. وعن الإمام أنها تضرب في كل ٤٠٠ كتاب الجهاد/ باب المرتد حقائق (حتى تسلم ولا تقتل) خلافاً للشافعي (وإن قتلها أحد لا يضمن) شيئاً ولو أمة في الأصح، وتحبس عند مولاها لخدمته سوى الوطء، سواء طلب ذلك أم لا في الأصح، ويتولى ضربها جمعاً بين الحقين. وليس للمرتدة التزوج بغير زوجها به يفتى. وعن الإمام: تسترقّ ولو في دار الإسلام. ولو أفتى به حسماً لقصدها السيىء لا بأس به، وتكون قنة للزوج بالاستيلاء. مجتبى. وفي الفتح أنها فيء للمسلمين، فيشتريها من الإمام أو يهبها له يوم ثلاثة أسواط. وعن الحسن تسعة وثلاثين إلى أن تموت أو تسلم، وهذا قتل معنى لأن موالاة الضرب تفضي إليه، كذا في الفتح. واختار بعضهم أنها تضرب خمسة وسبعين سوطاً، وهذا ميل إلى قول الثاني في نهاية التعزير. وقال في الحاوي القدسي: وهو المأخوذ به في كل تعزير بالضرب. نهر. وجزم الزيلعي بأنها تضرب في كل ثلاثة أيام. وظاهر الفتح تضعيف ما مر، والظاهر اختصاص الضرب والحبس بغير الصغيرة تأمل، وسنذكر ما يؤيده. قوله: (ولا تقتل) يستثنى الساحرة كما تقدم، وكذا من أعلنت بشتم النبي وَ له كما مر في الجزية. قوله: (خلافاً للشافعي) أي وباقي الأئمة، والأدلة مذكورة في الفتح. قوله: (لا يضمن شيئاً) لكنه يؤدّب على ذلك لارتكابه ما لا يحل. بحر. قوله: (وليس للمرتدة التزوج بغير زوجها) في كافي الحاكم: وإن لحقت بدار الحرب كان لزوجها أن يتزوج أختها قبل أن تنقضي عدتها، فإن سبيت أو عادت مسلمة لم يضرّ ذلك نكاح الأخت وكانت فيئاً إن سبيت وتجبر على الإسلام، وإن عادت مسلمة كان لها أن تتزوج من ساعتها اهـ. وظاهره أن لها التزوج بمن شاءت؛ لكن قال في الفتح: وقد أفتى الدبوسي والصفار وبعض أهل سمرقند بعدم وقوع الفرقة بالردّة ردّاً عليها، وغيرهم مشوا على الظاهر ولكن حكموا بجبرها على تجديد النكاح مع الزوج ويضرب خمسة وسبعين سوطاً، واختاره قاضيخان للفتوى اهـ. قوله: (وعن الإمام) أي في رواية النوادر كما في الفتح. قوله: (ولو أفتى به الخ) في الفتح: قيل ولو أفتى بهذه لا بأس به فيمن كانت ذات زوج حسماً لقصدها السيىء بالردة من إثبات الفرقة. قوله: (وتكون قنة للزوج بالاستيلاء) قال في الفتح: قيل وفي البلاد التي استولى عليها التتر وأجروا أحكامهم فيها ونفوا المسلمين كما وقع في خوارزم وغيرها إذا استولى عليها الزوج بعد الرّة ملكها لأنها صارت دار حرب في الظاهر من غير حاجة إلى أن يشتريها من الإمام اهـ. قوله: (وفي الفتح الخ) هذا ذكره في الفتح قبل الذي نقلناه عنه آنفاً. وحاصله أنها إذا ارتدّت في دار الإسلام صارت فيئاً للمسلمين فتسترق على رواية النوادر بأن يشتريها من الإمام أو يهبها له. أما لو ارتدّت فيما استولى عليه الكفار وصار دار حرب فله أن يستولي عليها بنفسه بلا شراء ولا هبة، كمن دخل دار الحرب