Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ كتاب الجهاد/ باب المستأمن مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِيْمَا يَفْعَلُهُ التُّجَّارُ مِنْ دَفْعِ مَا يُسَمَّى سَوْكَرَة وتَضْمِينِ الحَرْبِيِّ مَا هَلَكَ فِي المَرْکبِ وبما قررناه يظهر جواب ما كثر السؤال عنه في زماننا: وهو أنه جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركباً من حربيّ يدفعون له أجرته، ويدفعون أيضاً مالاً معلوماً لرجل حربي مقيم في بلاده، يسمى ذلك المال: سوكرة، على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب بحرق أو غرق أو نهب أو غيره، فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم، وله وكيل عنه مستأمن في دارنا، يقيم في بلاد السواحل الإسلامية بإذن السلطان، يقبض من التجار مال السوكرة، وإذا هلك من مالهم في البحر شيء يؤدي ذلك المستأمن للتجار بدله تماماً، والذي يظهر لي: أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله، لأن هذا التزام ما لا يلزم. فإن قلت: إن المودع إذا أخذ أجرة على الوديعة يضمنها إذا هلكت. قلت: ليست مسألتنا من هذا القبيل، لأن المال ليس في يد صاحب السوكرة، بل في يد صاحب المركب، وإن كان صاحب السوكرة هو صاحب المركب يكون أجيراً مشتركاً قد أخذ أجرة على الحفظ، وعلى الحمل، وكل من المودع والأجير المشترك لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه، كالموت والغرق ونحو ذلك. فإن قلت: سيأتي قبيل ((باب كفالة الرجلين)) قال لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن، فسلك وأخذ ماله لم يضمن، ولو قال: إن كان مخوفاً وأخذ مالك فأنا ضامن: ضمن، وعلله الشارح هناك بأنه ضمن الغار صفة السلامة للمغرور نصاً اهـ: أي بخلاف الأولى، فإنه لم ينص على الضمان بقوله: ((فأنا ضامن))، وفي جامع الفصولين: الأصل أن المغرور إنما يرجع على الغار لو حصل الغرور في ضمن المعاوضة، أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور فيصار كقول الطحان لرب البرّ: اجعله في الدلو فجعله فيه، فذهب من النقب إلى الماء، وكان الطحان عالماً به يضمن، إذ غره في ضمن العقد وهو يقتضي السلامة اهـ. قلت: لا بد في مسألة التغرير من أن يكون الغار عالماً بالخطر كما يدل عليه مسألة الطحان المذكورة وأن يكون المغرور غير عالم، إذ لا شك أن ربّ البرّ لو كان عالماً بنقب الدلو يكون هو المضيع لما له باختياره، ولفظ المغرور ينبىء عن ذلك لغة لما في القاموس: غره غراً وغروراً فهو مغرور وغرير: خدعه وأطمعه بالباطل فاغتر هو اهـ. ولا يخفى أن صاحب السوكرة لا يقصد تغرير التجار، ولا يعلم بحصول الغرق هل يكون أم لا. وأما الخطر من اللصوص والقطاع فهو معلوم له وللتجار، لأنهم لا ٢٨٢ كتاب الجهاد/ باب المستأمن ويضمن المسلم قيمة خمره وخنزيره إذا أتلفه، وتجب الدية عليه إذا قتله خطأ، ويجب كفّ الأذى عنه (وتحرم غيبته كالمسلم) فتح. وفيه: لو مات المستأمن في دارنا وورثته ثمة وقف ماله لهم، ويأخذوه ببينة ولو من أهل الذمة فيكفيل، ولا يقبل كتاب ملكهم (وإذا أراد الرجوع إلى دار الحرب بعد الحول) ولو لتجارة أو قضاء حاجة كما يفيد الإطلاق، نهر (منع) لأن عقد الذمة لا ينقض، يعطون مال السوكرة إلا عند شدة الخوف طمعاً في أخذ بدل الهالك، فلم تكن مسألتنا من هذا القبيل أيضا؛ نعم: قد يكون للتاجر شريك حربي في بلاد الحرب، فيعقد شريكه هذا العقد مع صاحب السوكرة في بلادهم، ويأخذ منه بدل الهالك ویرسله إلى التاجر، فالظاهر أن هذا يحل للتاجر أخذه لأن العقد الفاسد جرى بين حربيين في بلاد الحرب، وقد وصل إليه مالهم برضاهم فلا مانع من أخذه، وقد يكون التاجر في بلادهم، فيعقد معهم هناك، ويقبض البدل في بلادنا أو بالعكس، ولا شك أنه في الأولى إن حصل بينهما خصام في بلادنا لا نقضي للتاجر بالبدل، وإن لم يحصل خصام ودفع له البدل وكيله المستأمن هنا يحل له أخذه، لأن العقد الذي صدر في بلادهم لا حكم له، فيكون قد أخذ مال حربي برضاه. وأما في صورة العكس، بأن كان العقد في بلادنا والقبض في بلادهم، فالظاهر أنه لا يحل أخذه، ولو برضا الحربي لابتنائه على العقد الفاسد الصادر في بلاد الإسلام، فيعتبر حكمه، هذا ما ظهر لي في تحرير هذه المسألة فاغتنمه فإنه لا تجده في غير هذا الكتاب. قوله: (وتحرم غيبته كالمسلم) لأنه بعقد الذمة وجب له مالنا، فإذا حرمت غيبة المسلم حرمت غيبته، بل قالوا: إن ظلم الذمي أشد. قوله: (ويأخذوه ببيئة) في بعض النسخ ((ويأخذونه)) وهو المناسب لعدم ما يقتضي حذف النون. قوله: (ولو من أهل الذمة الخ) قال في الفتح: فإن أقاموا بينة من أهل الذمة قبلت استحساناً، لأنهم لا يمكنهم إقامتها من المسلمين لأن أنسابهم في دار الحرب لا يعرفها المسلمون فصار كشهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال، فإذا قالوا لا نعلم له وارثاً غيرهم دفع إليهم المال، وأخذ منهم كفيلاً لما يظهر في المآل من ذلك قيل هو قولهما لا قول أبي حنيفة، كما في المسلمين، وقيل بل قوله جميعاً، ولا يقبل كتاب ملكهم ولو ثبت أنه كتابه اهـ: أي لأن شهادته وحده لا تقبل، فكتابه بالأولى. قوله: (بعد الحول) أي بعد المدة التي عينها له الإمام حولً أو أقل أو أكثر. قوله: (كما يفيده الإطلاق) كذا بحثه في البحر، وتبعه في النهر، وهذا ظاهر إن خيف عدم عوده، وإلا فلا كما يفيده التعليل الآتي. قوله: (لأن عقد الذمة لا ينقض) لكونه خلفاً عن الإسلام. بحر. وعبارة الزيلعي: لأن في عوده ضرراً بالمسلمين بعوده حرباً علينا، ٢٨٣ کتاب الجهاد/ باب المستأمن ومفاده منع الذميّ أيضاً (كما) يمنع (لو وضع عليه الخراج) بأن ألزم به وأخذ منه عند حلول وقته، لأن خراج الأرض كخراج الرأس (أو صار لها) أي المستأمنة وبتوالده في دار الحرب وقطع الجزية اهـ. ولا يخفى أن المفهوم منه أن المراد بالعود اللحاق بدارهم بلا رجوع. قوله: (ومفاده منع الذمي أيضاً) كذا في النهر؛ وهو مصرّح به في الفتح حيث قال: وتثبت أحكام الذمي في حقه من منع الخروج إلى دار الحرب الخ. قلت: والمراد الخروج على وجه اللحاق بهم، إذ لو خرج لتجارة مع أمن عوده عادة لا يمنع كالمسلم بقرينة التعليل المارّ، فتدبر. ثم رأيت في شرح السير الكبير أن الذمي لو أراد الدخول إليهم بأمان فإنه يمنع أن يدخل فرساً معه أو سلاحاً، لأن الظاهر من حاله أنه يبيعه منهم، بخلاف المسلم إلا أن يكون معروفاً بعدواتهم، ولا يمنع من الدخول بتجارة على البغال والحمير والسفن لأنه للحمل، لكن يستحلف أنه لم يرد بيع ذلك منهم. قوله: (كما يمنع) الأولى أن يقول كما يصير ذمياً، كما قال الإمام محمد رحمه الله تعالى في السير الكبير إذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان فاشترى أرض خراج، فوضع عليه الخراج فيها كان ذمياً اهـ. قال السرخسي: فيوضع عليه خراج رأسه، ولا يترك أن يخرج إلى داره لأن خراج الأرض لا يجب إلا على من هو من أهل دار الإسلام فكان ذمياً. وفي الهداية: وإذا لزمه خراج الأرض، فبعد ذلك تلزمه الجزية لسنة مستقبلة، لأنه يصير ذمياً بلزوم الخراج فتعتبر المدة من وقت وجوبه. قوله: (بأن ألزم به وأخذ منه) الظاهر أن المراد بالأخذ استحقاق الأخذ منه، وهو معنى الوضع عليه في عبارة الإمام محمد، فليس المراد به الأخذ بالفعل، بل هو تأكيد لرد ما قيل إنه يصير ذمياً بمجرد الشراء، وهو خلاف ظاهر الرواية، لأنه قد يشتريها للتجارة. قال في الفتح: والمراد بوضعه إلزامه به وأخذه منه عند حلول وقته، وهو بمباشرة السبب، وهو زراعتها أو تعطيلها مع التمكن منها إذا كانت في ملكه أو زراعتها بالإجارة وهي في ملك غيره إذا كان خراج مقاسمة، فإنه يؤخذ منه لا من المالك فيصير به ذمياً، بخلاف ما إذا كان على المالك اهـ: أي بأن كان خراجاً موظفاً: أي دراهم معلومة، فإنه على مالك الأرض، فلا يصير به المتسأجر ذمياً لأنه لا يؤخذ منه، أما خراج المقاسمة: وهو ما يكون جزءاً من الخارج كنصفه أو ثلثه فإنه يؤخذ من المستأجر، لكن هذا على قولهما، أما على قوله فإن الخراج مطلقاً على المالك، وكذا الخلاف في العشر، وقد صرح بذلك السرخسي، وهو الموافق لما تقدم في باب العشر، وقدمنا ترجيح قول الإمام هناك، ففي إطلاق الفتح نظر: لإيهامه أن ذلك متفق عليه عندنا ولم ينبه على ذلك في البحر والنهر، فتدبر. قوله: (كخراج الرأس) أي في أنه إذا التزمه صار ملتزماً المقام في دارنا. بحر. قوله: (أو صار لها الخ) أي تصير ذمية بذلك، وظاهره أن ٢٨٤ كتاب الجهاد/ باب المستأمن الكتابية (زوج مسلم أو ذمي) لتبعيتها له وإن لم يدخل بها (لا عكسه) لإمكان طلاقها، ولو نكحها هنا فطالبته بمهرها فلها منعه من الرجوع. تاترخانية. فلو لم يف حتى مضى حول ينبغي صيرورته ذمياً على ما مر عن الدرر، ومنه علم حكم الدين الحادث في دارنا (فإن رجع) المستأمن (إليهم) ولو لغير داره (حل دمه) لبطلان أمانه (فإن ترك وديعة عند معصوم) مسلم أو ذمي (أو ديناً) عليهما (فأسر أو ظهر) بالبناء للمجهول بمعنى غلب (عليهم فأخذوه أو قتلوه سقط دينه) وسلمه ما غصب منه وأجرة عين أجرها لسبق يده (وصار ماله) كوديعته وما عند شريكه النكاح حادث بعد دخولها دارنا، وليس بشرط، فإنهما لو دخلا دارنا ثم صار الزوج مسلماً أو ذمياً، فهو كذلك كما أفاده في البحر، وقيد بالكتابية، لأنها لو كانت مجوسية وأسلم زوجها يعرض القاضي عليها الإسلام، فإن أسلمت، وإلا فرّق بينهما، ولها أن ترجع بعد انقضاء عدتها، كما في شرح السير. قوله: (لتبعيتها له) المراد بالتبعية كونها التزمت المقام معه كما في البحر، وهذا شامل للزوج المسلم والذمي، فافهم. قوله: (وإن لم يدخل بها) فالشرط مجرد عقده عليها كما أشار إليه الزيلعي. بحر. قوله: (لا عكسه) أي لا يصير المستأمن ذمياً إذا نكح ذمية، لأنه يمكنه طلاقها فيرجع إلى بلده، فلم يكن ملتزماً المقام، وكذا لو دخلا بأمان فأسلمت. بحر. وما في الهداية في آخر كتاب الطلاق من أنه يصير ذمياً بالتزوّج في دارنا غلط من الكاتب مخالف للنسخة الأصلية. أفاده في النهر. قوله: (على ما مر عن الدرر) أي من أنه لا يشترط قول الإمام: إن أقمت سنة وضعنا عليك الجزية. قوله: (ومنه الخ) أي من حكم المهر علم حكم غيره من الدين فإن للدائن منعه من الرجوع أيضاً، فإذا منعه ومضى حول: صار ذمياً. قوله: (فإن رجع المستأمن) ظاهره أنه لا فرق بين كونه قبل الحكم بكونه ذمياً أو بعده، لأن الذمي إذا لحق بدار الحرب صار حربياً كما سيأتي. بحر. قوله: (فأسر) أي من غير ظهور على دراهم بأن وجده مسلم فأسره. قوله: (بمعنى غلب) الأولى تأخيره عن قوله: ((عليهم)) لقول المغرب: ظهر عليه غلب. قوله: (فأخذوه) احتراز عما لو هرب كما يأتي. قوله: (سقط دينه) لأن إثبات اليد عليه بواسطة المطالبة، وقد سقطت، ويد من عليه أسبق إليه من يد العامة فيختص به فيسقط، ولا طريق لجعله فيئاً لأنه الذي يؤخذ قهراً، ولا يتصوّر ذلك في الدين. نهر، وهذا معنى قوله الآتي: ((لسبق يده)) فهو علة للكل. قوله: (وسلمه) أي لو أسلم إلى مسلم دراهم على شيء. قوله: (وما غصب منه) ذكره في البحر بحثاً، وبنى عليه في النهر السلم والأجرة. قوله: (وصار ماله) أفاد أن الدين ليس ماله لأنه ملك المديون، وللمالك حق المطالبة به ليستوفي مثله لا عينه. قوله: (كوديعته) أي عند مسلم أو ذمي. ملتقى. قال ط: وكذا ٢٨٥ كتاب الجهاد/ باب المستأمن ومضاربه وما في بيته في دارنا (فيئاً). واختلف في الرهن، ورجح في النهر أنه للمرتهن بدينه. وفي السراج: لو بعث من يأخذ الوديعة والقرض وجب التسليم إليه. انتهى. وعليه فيوفي منه دينه هنا ولو صارت وديعته فيئاً (وإن قتل أو مات فقط) بلا غلبة عليه (فديته وقرضه ووديعته لورثته) لأن نفسه لم تصر مغنومة، فكذا ماله، كما لو ظهر عليه فهرب، فماله له (حربي هنا له ثمة عرس وأولاد ووديعة مع معصوم وغيره فأسلم) هنا أو غيره بالأولى. وفي البحر: وإنما صارت وديعته غنيمة لأنها في يده تقديراً، لأن يد المودع كيده فيصير فيئاً تبعاً لنفسه، وإذا صار ماله غنيمة لا خمس فيه وإنما يصرف كما يصرف الخراج، والجزية لأنه مأخوذ بقوة المسلمين بلا قتال، بخلاف الغنيمة. قوله: (واختلف في الرهن) فعند أبي يوسف: للمرتهن بدينه، وعند محمد: يباع ويستوفي دينه والزيادة في للمسلمين، وينبغي ترجيحه لأن ما زاد على قدر الدين في حكم الوديعة. بحر. ورده في النهر بأن تقديم قول أبي يوسف يؤذن بترجيحه، وهذا لأن الوديعة إنما كانت فيئاً لما مر أنها في يده حكماً، ولا كذلك الرهن اهـ. وأجاب الحموي: بأنه على تسليم أن التقديم يفيد الترجيح دائماً فيفيد أرجحية الأول فيما إذا كان الرهن قدر الدين، أما الزيادة فقد صرحوا في كتاب الرهن بأنها أمانة غير مضمونة، وكذا قال ح: الحق ما في البحر، وذكر نحو ذلك. قوله: (وجب التسليم إليه) لأن ماله لا يصيره فيئاً إلا بأسره أو بقتله ولم يوجد أحدهما ط. قوله: (وعليه) أي على ما ذكر من وجوب التسليم، ووجه البناء أن طلب غريمه كطلبه بوكيله، أو رسوله، وهذه المسألة ذكرها في البحر بحثاً فقال: ولم أر حكم ما إذا كان على المستأمن دين لمسلم أو ذميّ أدانه له في دارنا ثم رجع، ولا يخفى أنه باق لبقاء المطالبة، وينبغي أن يوفي من ماله المتروك، ولو صارت وديعته فيئاً اهـ. ولا يخفى أن فيما ذكره الشارح تبعاً للنهر من بناء المسألة على ما قبلها تقوية للبحث، وقد علمت وجهه. وقال في النهر: فإن كانت الوديعة من غير جنس الدين: باعها القاضي ووفى منها، وقد أفتيت بذلك اهـ. قوله: (فماله له) وكذا دينه، ويلزم من ذلك أنه لو أرسل من يأخذه وجب تسليمه، كما لا يخفى. قوله: (له ثمة) أي في دار الحرب عرس بالكسر: أي زوجة. قوله: (وأولاد) أي ولو صغاراً، لأن الصغير إنما يتبع أباه في الإسلام عند اتحاد الدار. بحر: أي ولو حكماً لما في شرح التحرير، وكذا يتبعه إذا كان المتبوع في دار الحرب، والتابع في دار الإسلام اهـ: أي لأن المسلم في دار الحرب من أهل دارنا. ٢٨٦ کتاب الجهاد/ باب المستأمن صار ذمياً (ثم ظهرنا عليهم فكله فيء) لعدم يده وولايته؛ ولو سبى طفله إلينا فهو قنّ مسلم (وإن أسلم ثمة فجاء) هنا (فظهرنا عليهم فطفله حرّ مسلم) لاتحاد الدار مَطْلَبٌ مُهِمّ: الصَّبِيُّ يَتْبَعُ أَحَدَ أَبُوَيهِ فِي اْلإِسْلَامِ وإِنْ كَانَ يَعْقِلُ، مَا لَمْ يَبلُغُ: وَخِلَافُهُ خَطَأْ تنبيه: في شرح السير الكبير: لو دخل الصغير الذي يعبر عن نفسه دارنا لزيارة أبويه: فإن كانا ذميين فله الرجوع إلى دار الحرب، بخلاف ما إذا كانا مسلمين أو أحدهما، فإنه يصير مسلماً تبعاً للمسلم منهما، لأن الذي يعبر عن نفسه في حكم التبعية في الإسلام كالذي لا يعبر عن نفسه. قال: وبهذا تبين خطأ من يقول من أصحابنا: إن الذي لا يعبر(١) عن نفسه لا يصير مسلماً تبعاً لأبويه، فقد نص محمد هاهنا على أنه يصير مسلماً اهـ. والحاصل: أنه تنقطع تبعية الولد في الإسلام لأحد أبويه ببلوغه عاقلاً كما صرح به السرخسي قبل ذلك، ومقتضاه أنه لو بلغ مجنوناً تبقى التبعية، وبه ظهر ما في فتاوى العلامة ابن الشلبي من أن الصبيّ إذا عقل لا يصير مسلماً بإسلام أحد أبويه، فقد علمت أن هذا القول خطأ، وقد نبهنا على ذلك في باب نكاح الكافر، وفي باب الجنائز عند قوله: ((كصبيّ سبي مع أحد أبويه)). وبقي ما لو ادعى الابن البلوغ، وبرهن وادعى أبوه أنه قاصر وبرهن أيضاً يريد القاضي أهل الخبرة؛ وأما لو كانت الدعوى بعد مضي مدة تقدم بينة الأب إنه قاصر، ليجعل الابن مسلماً كما أفتى به الرحيمي، وأطال في تحقيقه في فتاواه، في أواخر كتاب الدعوى. قوله: (ثم ظهرنا عليهم) أي على دراهم. قوله: (فكله) أي كل ما ذكر من عرسه وما بعدها. قوله: (ولو سبي طفله الخ) قال في البحر: ولو سبي الصبيّ في هذه المسألة وصار في دار الإسلام، فهو مسلم تبعاً لأبيه، لأنهما اجتمعا في دار واحدة، بخلاف ما قبل إخراجه وهو فيء على كل حال اهـ. لكن في العزمية قوله: ولو سبي: أي مع أمه، فإنه لو سبي بدونها لا تظهر فائدة التبعية بالأب، فإنه يحكم بإسلامه بتبعية الدار على ما مر في كتاب الصلاة اهـ: أي في فصل الجنائز. قوله: (لاتحاد الدار) لأنه لما أسلم في دار الحرب تبعه طفله. درر. فالمراد بالدار دار الحرب، فافهم، وذلك لأن ما ثبت يكون باقياً ما لم يوجد مزيل، ومثله لو لم يسلم بل بعث إلى الإمام: ((إني ذمة لكم أقيم في دار الحرب، وأبعث بالخراج كل سنة)) جاز، ويكون الأب أحق به لما قلنا، لأن الذمي لا يملك بالقهر، وكذا لو أسلم الأب في دارنا أو صار ذمياً، ثم رجع حتى ظهرنا على دارهم تبعه طفله ولا سبيل (١) في ط (قوله لا يعبر) لفظة ((لا)) هنا زائدة كما لا يخفى. ٢٨٧ كتاب الجهاد/ باب المستأمن (ووديعته مع معصوم له) لأن يده كيده محترمة (وغيره فيء) ولو عيناً غصبها مسلم لعدم النيابة. فتح (وللإمام) حق (أخذ دية مسلم لا ولي له) أصلاً (و) دية (مستأمن أسلم هنا من عاقلة قاتله خطأ) لقتله نفساً معصومة (وفي العمد له القتل) قصاصاً (أو الدية) صلحاً (لا العفو) نظر الحق العامة (حربي أو مرتد، أو من وجب عليه قود التجأ بالحرم، لا يقتل، بل يجبس عند الغذاء ليخرج فيقتل) لأن عليه، وتمامه في شرح السير. قوله: (وغيره) أي غير ما ذكر من الطفل والوديعة مع معصوم وهو أولاده الكبار وعرسه وعقاره ووديعته مع حربي. درر قوله: (لعدم النيابة) أي نيابة الغاصب عنه قوله: وللإمام حق أخذ دية الخ) زاد لفظ: ((حق)) إشارة إلى ما في البحر من أن أخذه الدية ليس لنفسه، بل ليضعها في بيت المال، وهو المقصود من ذكرها هنا، وإلا فحكم القتل الخطإ معلوم، ولذا لم ينص على الكفارة لما سيأتي في الجنايات قوله: (ودية مستأمن أسلم هنا) أما إذا لم يكن مستأمناً أو لم يسلم لا شيء على قاتله كما في شرح مسكين، وتقدم قبيل هذا الفصل ما لو أسلم في دار الحرب فقتله مسلم قوله: (له القتل قصاصاً) لأن الدية وإن كانت أنفع للمسلمين من قتله لكن قد تعود عليهم من قتله منفعة أخرى، وهي أن ينزجر أمثاله عن قتل المسلمين. بحر قوله: (أو الدية صلحاً) أي برضا القاتل، لأن موجب العمد هو القود. بحر. وحاصله: أن للإمام أن يقتل أو يصالح على الدية إن رضى القاتل بالصلح، والظاهر أنه ليس له الصلح على أقل من الدية، كما يفيده التعليل الآتي إلا إذا لم يمكن إثبات القتل عليه كما في وصي اليتيم. تأمل. قال في الشرنبلالية وهل إذا طلب الإمام الدية ينقلب القصاص ما لا كما في الولي؟ فلينتظر اهـ. قلت: الظاهر: نعم، لقول الفتح: وإنما كان للسلطان ذلك: أي القتل أو الصلح لأنه هو وليّ المقتول. قال عليه الصلاة والسلام ((الْسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ)) اهـ قوله: (نظراً لحق العامة) فإن ولايته. عليهم نظرية، وليس من النظر إسقاط حقهم بلا عوض. فتح .. وفيه أيضاً أنه لو كان المقتول لقيطاً للإمام أن يقتل القاتل عندهما، خلافاً لأبي يوسف، وتمامه فيه قوله: (أو من وجب عليه قود) أي في النفس، أما فيما دونها فيقتص منه في الحرم إجماعاً، ذكره الشارح في الجنايات ط قوله: (التجأ بالحرم) أفاد أنه لم ينشىء القتل فيه: فلو أنشأه فيه قتل فيه إجماعاً ولو قتل في البيت لا يقتل فيه، ذكره الشارح في الجنايات، وفي شرح السير: لو كانوا جماعة دخلوا الحرم للقتال فلا بأس أن نقاتلهم لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيْهِ﴾ [البقرة: ١٩١] لأن حرمة الحرم لا تلزمنا تحمل أذاهم كالصيد إذا صال على إنسان في الحرم. جاز قتله دفعاً لأذاه ولو قاتلوا في غيره، ثم انهزموا ودخلوا فيه لا نتعرض لهم إلا إذا كانت لهم فئة في ٢٨٨ كتاب الجهاد/ باب المستأمن من دخله فهو آمن بالنص، وسيجيء في الجنايات (لا تصیر دار الإسلام دار حرب إلا) بأمور ثلاثة: (بإجراء أحكام أهل الشرك، وباتصالها بدار الحرب، وبأن لا يبقى فيها مسلم أو ذمي آمناً بالأمان الأول) على نفسه (ودار الحرب تصير دار الحرم، وصارت لهم منعة، لأن الملتجىء إلى فئة محارب، وجميع ما ذكر في أهل الحرب هو كذلك في الخوارج والبغاة اهـ. مَطْلَبٌ فِيمَا تَصَیر بِهِ دَارُ الإِسْلَامِ دَارَ حَرْبٍ، وَبالمَكْس قوله: (لا تصير دار الإسلام دار حرب الخ) أي بأن يغلب أهل الحرب على دار من دورنا أو ارتدّ أهل مصر وغلبوا وأجروا أحكام الكفر أو نقض أهل الذمة العهد وتغلبوا على دارهم، ففي كل من هذه الصور لا تصير دار حرب، إلا بهذه الشروط الثلاثة، وقالا: بشرط واحد لا غير، وهو إظهار حكم الكفر وهو القياس. هندية. ويتفرع على كونها صارت دار حرب: أن الحدود والقود لا يجري فيها، وأن الأسير المسلم يجوز له التعرض لما دون الفرج، وتنعكس الأحكام إذا صارت دار الحرب دار الإسلام، فتأمل ط .. وفي شرح درر البحار قال بعض المتأخرين: إذا تحققت تلك الأمور الثلاثة في مصر المسلمين، ثم حصل لأهله الأمان، ونصب فيه قاض مسلم ينفذ أحكام المسلمين: عاد إلى دار الإسلام، فمن ظفر من الملاك الأقدمين بشيء من ماله بعينه فهو له بلا شيء، ومن ظفر به بعدما باعه مسلم أو كافر من مسلم أو ذمي أخذه بالثمن إن شاء، ومن ظفر به بعدما وهبه مسلم، أو كافر لمسلم أو ذمي وسلمه إليه أخذه بالقيمة إن شاء اهـ. قلت: حاصله أنه لما صار دار حرب صار في حكم ما استولوا عليه في دارهم. قوله: (بإجراء أحكام أهل الشرك) أي على الاشتهار وأن لا يحكم فيها بحكم أهل الإسلام. هندية. وظاهره أنه لو أجريت أحكام المسلمين، وأحكام أهل الشرك لا تكون دار حرب ط. قوله: (وباتصالها بدار الحرب) بأن لا يتخلل بينهما بلدة من بلاد الإسلام. هندية ط. وظاهره أن البحر ليس فاصلاً، بل قدمنا في باب استيلاء الكفار أن بحر الملح ملحق بدار الحرب، خلافاً لما في فتاوى قارىء الهداية. قلت: وبهذا ظهر أن ما في الشام من ((جبل تيم الله)) المسمى بجبل الدروز وبعض البلاد التابعة كلها دار إسلام، لأنها وإن كانت لها حكام دروز أو نصارى، ولهم قضاة على دينهم وبعضهم يعلنون بشتم الإسلام والمسلمين، لكنهم تحت حكم ولاة أمورنا، وبلاد الإسلام محيطة ببلادهم من كل جانب وإذا أراد ولي الأمر تنفيذ أحكامنا فيهم نفذها. قوله: (بالأمان الأول) أي الذي كان ثابتاً قبل استيلاء الكفار للمسلم بإسلامه وللذمي بعقد الذمة. هندية ط. ٢٨٩ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية الإسلام بإجراء أحكام أهل الإسلام فيها) كجمعة وعيد (وإن بقي فيها كافر أصلي وإن لم تتصل بدار الإسلام) درر. وهذا ثابت في نسخ المتن. ساقط من نسخ الشرح، فكأنه تركه لمجيء بعضه ووضوح باقيه. بَابُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَّةِ (أرض العرب) وهي من حد الشام والكوفة إلى أقصى اليمن تتمة: ذكر في أول جامع الفصولين: كل مصر فيه وآل مسلم من جهة الكفار يجوز منه إقامة الجمع والأعياد وأخذ الخراج وتقليد القضاء وتزويج الأيامي لاستيلاء المسلم عليهم، وأما طاعة الكفرة فهي موادعة ومخادعة، وأما في بلاد عليها ولاة كفار فيجوز للمسلمين إقامة الجمع والأعياد، ويصير القاضي قاضياً بتراضي المسلمين، ويجب عليهم طلب وآل مسلم اهـ. وقدمنا نحوه في باب الجمعة عن البزازية. قوله: (وهذا) أي قوله حربي أو مرتد إلى آخر الباب. وقوله: ((لمجيء بعضه)) أي المسألة الأولى فإنها ستجيء في الجنايات. وقوله: ((ووضوح باقيه)) أي مسألة الدار، وفي وضوحها نظر، والله سبحانه أعلم. بَابُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَّةِ شروع فيما على المستأمن في أرضه من الوظائف المالية إذا صار ذمياً بعد الفراغ عما به يصير ذمياً، وذكر العشر معه تتميماً لوظيفة الأرض، وقدمه لما فيه من معنى العبادة. نهر. وألحق به الجزية لأن المصرف واحد. قوله: (أرض العرب) في مختصر تقويم البلدان: ((جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة، ونجد، وحجاز، وعروض. ويمن. فأما تهامة فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأما نجد فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق، وأما الحجاز فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتصل بالشام، وفيه المدينة وعمان، وأما العروض فهو اليمامة إلى البحرين. وإنما سمي الحجاز حجازاً لأنه حجز بين نجد واليمامة. قال الواقدي: الحجاز من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى طريق الكوفة، وما وراء ذلك إلى أن يشارف البصرة، فهو نجد، ومن المدينة إلى طريق مكة إلى أن يبلغ هبط العرج حجاز أيضاً، وما وراء ذلك إلى مكة وجدة فهو تهامة، وما كان بين العراق وبين وجرة وغمرة الطائف فهو نجد، وما وراء وجرة إلى البحر فهو تهامة، وما بين تهامة ونجد فهو حجاز)) اهـ. قوله: (وهي من حد الشام) نظم بعضهم حدها طولا وعرضاً بقوله: الوافر جَزِيرَةُ هَذِهِ الأَعْرَابِ حُدَّتْ بِحَدِّ عِلْمُهُ لِلحَشْرِ بَاقِي فَأَمَّا الطُولُ عِنْدَ مُحقِّقِيهِ فَمِنْ عَدَنٍ إِلَى رَبْوِ العِرَاقِ ٢٩٠ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية (وما أسلم أهله) طوعاً (أو فتح عنوة وقسم بين جيشنا والبصرة) أيضاً بإجماع الصحابة (عشریة) لأنه ألیق بالمسلم، وكذا بستان مسلم أو کرمه کان داره. درر. ومر في باب العاشر بأتم من هذا، وحررناه في شرح الملتقى (وسواد) قرى (العراق وحده من العذيب) بضم ففتح: وَسَاحِلٍ جَدَّةٍ إِنْ سِرْتَ عَرْضاً إِلَى أَرْضِ الشَّامِ بِالأنْفَاقِ قوله: (وما أسلم أهله) أي والأرض التي أسلم أهلها، وذكر الضمير هنا وفيما سيأتي مراعاة للفظ ((ما)) نهر. قوله: (عنوة) بالفتح قال الفارابي: وهو من الأضدا يطلق على الطاعة والقهر وهو المراد هنا. نهر. قوله: (وقسم بين جيشنا) احترز به عما إذا قسم بين قوم كافرين غير أهله، فإنه خراجي كما في النتف، ولو قال: ((بيننا» لشمل ما إذا قسم بين المسلمين غير الغانمين، فإنه عشري لأن الخراج لا يوظف على المسلم ابتداء. ذكره القهستاني. در. منتقى. قوله: (والبصرة أيضاً) والقياس أن تكون خراجية عند أبي يوسف، لأنها بقرب أرض الخراج، لكنه ترك القياس بإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم. در. منتقى، وغيره. وحاصله: أنه سيأتي أن ما أحياه مسلم يعتبر قرية عند أبي يوسف. وعند محمد: يعتبر الماء، والمعتمد الأول، والبصرة أحياها المسلمون لأنها بنيت في أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهي في حيز أرض الخراج، فقياس قول أبي يوسف أن تكون خراجية. قوله: (لأنه أليق بالمسلم) أي لما فيه من معنى العبادة، وكذا هو أخف حيث يتعلق بنفس الخارج، وهذا علة لما أسلم أهله أو قسم بين جيشنا؛ وأما أرض العرب فلأنه لم ينقل عنه ويَله ولا عن أحد من الخلفاء أخذ خراج من أراضيهم، وكما لا رقّ عليهم لا خراج على أراضيهم. نهر، وتمامه في الفتح. قوله: (وحررناه في شرح الملتقى) نصه وفي دار جعلت بستاناً خراج إن كانت لذمي مطلقاً، خلافاً لهما أو لمسلم سقاها بمائة أي الخراج، وإن سقاها بماء العشر فعشر، ولو أن المسلم أو الذمي سقاها مرة بماء العشر ومرة بماء الخراج، فالمسلم أحق بالعشر والذمي بالخراج كما في المعراج. واستشكل الباقاني وجوب الخراج على المسلم ابتداء فيما إذا سقاها بماء الخراج، بل عليه العشر بكل حال. وفي الغاية عن السرخسي: وهو الأظهر. وأجاب في البحر بأن الممنوع وضع في الخراج عليه جبر، أما باختياره فيجوز كما هنا، وكما لو أحيا مواتاً بإذن الإمام وسقاها بماء الخراج فعليه الخراج اهـح. وسيأتي الكلام على ماء العشر والخراج. قوله: (وسواد قرى العراق) أي عراق العرب. درر. في القاموس: سواد البلد قراها، وإنما سمي به لخضرة أشجاره وكثرة زروعه والعراق بالكسر اسم البصرة، والكوفة وبغداد ونواحيها. در. منتقى. وعليه فقوله: ((قرى)) بدل ٢٩١ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية قرية من قرى الكوفة (إلى عقبة حلوان) بن عمران بضم فسكون قرية بين بغداد وهمذان (عرضاً ومن الغلث) بفتح فسكون فمثلثة: قرية شرقي دجلة موقوفة على العلوية، وما قيل ((من الثعلبة)) بفتح فسكون غلط. مصنف عن المغرب (إلى عبادان) بالتشديد: حصن صغير بشط البحر في المثل ((ليس وراء عبادان قرية)) مستصفى (طولًا) وبالأيام اثنان وعشرون يوماً ونصف وعرضه عشرة أيام. سراج (وما فتح عنوة و) لم يقسم بين جيشنا، إلا مكة سواء (أقر أهله عليه) أو نقل إليه من ((سواد)) أو تفسير على إسقاط ((أي)) التفسيرية، والاحتراز بعراق العرب عن عراق العجم، وهو من الغرب أدربيجان(١) ومن الجنوب شيء من العراق، وخورستان ومن الشرق مفازة خراسان وفارس، ومن الشمال بلاد الديلم وقرفين كما في تقويم البلدان. قوله: (قرية من قرى الكوفة) الذي في تقويم البلدان أنه ((ماء لبني تميم))، وهو أول ماء يلقي الإنسان بالبادية إذا سار من قادسية الكوفة يريد مكة اهـ. ولعله أراد بالقرية القادسية المذكورة، ويؤيده أنه في تقويم البلدان جعلها الحد، فإنه قال: وامتداد العراق طولاً وشمالاً وجنوباً من الحديثة على دجلة إلى عبدان، وامتداده عرضاً غرباً وشرقاً من القادسية إلى حلوان. قوله: (بضم فسكون) أي بضم الحاء وسكون اللام. قوله: (من الثعلبة) الذي رأيته في غيره: الثعلبية بياء النسبة. قوله: (غلط) لأنها من منازل البادية بعد العذيبة بكثير، كما نقل عن ذخيرة العقبى. قوله: (حصن صغير بشط البحر) أي بحر فارس وهو يدور بها فلا يبقى منها في البر إلا القليل، وهي عن البصرة مرحلة ونصف، كذا في تقويم البلدان. قوله: (وبالأيام الخ) قال في تقويم البلدان: والسائر من تكريت، وهي على النهاية الشمالية للعراق إلى عبدان، وهي على النهاية الجنوبية له على تقويس الحد الشرقي مسافة شهر، وكذلك من تكريت إلى عبدان إذا سار على تقويس الحد الغربي: أعني من تكريت إلى الأنبار إلى واسط إلى البصرة إلى عبادان، فيكون دور العراق مسافة شهرين، وطوله على الاستقامة من تكريت إلى عبدان نحو عشرين مرحلة، وعرض العراق من القادسية إلى حلوان نحو إحدى عشرة مرحلة اهـ. تأمل. وهذا تحديد العراق بتمامه، وأما تحديد سواده، ففي البحر عن البناية عن شرح الوجيز: طول سواد العراق مائة وستون فرسخاً وعرضه ثمانون فرسخاً ومساحته ستة وثلاثون ألف جريب اهـ. قوله: (إلا مكة) فإنها وإن فتحت عنوة، لكنها عشرية لأنها من جزيرة العرب كما مر. قوله: (سواء أقر أهله عليه الخ) أشار إلى أن قول المصنف: (١) في ط (قوله أذربيجان)) هكذا بخطه بالدال المهملة وذكرها في المصباح. في الألف مع الذال المعجمة وما يثلثهما، وذكر فيها ضبطين أولهما فتح همزة والراء وسكون الذال بينهما، وثانيهما ضم الهمزة والذال وإسكان الراء. ٢٩٢ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية كفار أخر (أو فتح صلحاً خراجية) لأنه أليق بالكافر (وأرض السواد مملوكة لأهلها يجوز بيعهم لها وتصرفهم فيها) هداية، وعند الأئمة الثلاثة: هي موقوفة على المسلمين فلم يجز بيعهم. فتح (ويجب الخراج في أرض الوقف) إلا المشتراة من بيت المال إذا وقفها مشتريها فلا عشر ولا خراج. شرنبلالية معزياً للبحر. وكذا لو (تبعاً للكنز)) وأقرّ أهله عليه ليس بشرط في كونها خراجية، بل الشرط عدم قسمتها، صرح بذلك في شرح الطحاوي كما في النهر، ولم يقيد كونها خراجية بأن تسقى بماء الخراج لأنه لا فرق بينه وبين ما إذا سقيت بماء العشر، كما إذا قسمت بين المسلمين، فإنها عشرية، وإن سقيت بماء الخراج، وإنما التفصيل في الفرق بين ما يسقى بماء العشر أو بماء الخراج في الأرض المحياة لمسلم، التي لم تقسم ولم يقر أهلها عليها، كما حققه في البحر تبعاً للفتح وغيره، ويأتي بتمامه. قوله: (لأنه أليق بالكافر) لأنه يشبه الجزية لما فيه من معنى العقوبة، ولأن فيه تغليظاً حيث يجب وإن لم يزرع، بخلاف العشر لتعلقه بعين الخارج لا بالأرض. مَطْلَبٌ فِي أَنَّ أَرْضَ العِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ عُنْوَةٌ خَرَاجِيَّةٌ مَلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا قوله: (وأرض السواد) أي سواد العراق: أي قراه، وكذا كل ما فتح عنوة وأقرّ أهله عليه أو صولحوا ووضع الخراج على أراضيهم: فهي مملوكة لأهلها. در. منتقى. قلت: وكذا أرض الشام ومصر فتحت عنوة على الصحيح، وأقرّ أهلها عليها بالخراج، فقد قال أبو يوسف في كتاب الخراج: وهذه الأرضون إذا قسمت فهي أرض عشر، وإن تركها الإمام في أيدي أهلها الذين قهروا عليها فهو حسن، فإن المسلمين افتتحوا أرض العراق والشام ومصر، ولم يقسموا شيئاً من ذلك، بل وضع عمر رضي الله عنه عليها الخراج، وليس فيها خمس. اهـ ملخصاً. فقد أفاد أنها مملوكة لأهلها . مَطْلَبٌ فِي جَوَازٍ بَيْعِ الأَرَاضِي المِصْرِيَّةِ وَالشَِّيَّةِ قوله: (ويجوز بيعهم لها وتصرفهم فيها) أي بالرهن والهبة، لأن الإمام إذا فتح أرضاً عنوة له أن يقرّ أهلها عليها، ويضع عليها الخراج وعلى رؤوسهم الجزية فتبقى الأرض مملوكة لأهلها، وقدمناه قبل باب قسمة الغنائم. فتح. قال في الدر المنتقى: وتورث عنهم إلى أن لا يبقى منهم أحد، فينتقل الملك لبيت المال الخ، ويأتي تمامه. قوله: (ويجب الخراج في أرض الوقف) أي الأرض الخراجية، كما يأتي تقييده في قوله: ((لو خراجية الخ)). والحاصل: أن الأرض تبقى وظيفتها بعد الوقف كما كانت قبله. مَطْلَبٌ: أَرَاضِي المَمْلَكَةِ وَالْخَوْزِ: لَا عُشْرِيَّةٌ وَلَا خَرَاجِيَّةٌ قوله: (فلا عشر ولا خراج) لم يذكر في البحر العشر، وإنما قال بعدما حقق: إن ٢٩٣ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية لم يوقفها كما ذكرته في شرح الملتقى (والصبي والمجنون لو) كانت الأرض (خراجية والعشر لو عشرية) درر. ومر في الزكاة، وقالوا: أراضي الشام ومصر الخراج ارتفع عن أراضي مصر، لعودها إلى بيت المال بموت ملاكها، قال: فإذا اشتراها إنسان من الإمام بشرطه شراء صحيحاً ملكها، ولا خراج عليها، فلا يجب عليها الخراج، لأن الإمام قد أخذ البدل للمسلمين، فإذا وقفها سالمة من المؤن، فلا يجب الخراج فيها، وتمامه فيما كتبناه في: ((التحفة المرضية في الأراضي المصرية)) اهـ. نعم ذكر العشر في تلك الرسالة فقال: إنه يجب أيضاً لأنه لم ير فيه نقلًا. قلت: ولا يخفى ما فيه لأنهم قد صرحوا بأن فرضية العشر ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول، وبأنه زكاة الثمار والزروع، وبأنه يجب في الأرض الغير الخراجية، وأنه يجب فيما ليس بعشري ولا خراجي كالمفاوز والجبال، وبأن سبب وجوبه الأرض النامية بالخارج حقيقة، بأن يجب في أرض الصبيّ والمجنون والمكاتب، لأنه مؤنة الأرض، وبأن الملك غير شرط فيه، بل الشرط ملك الخارج؛ فيجب في الأراضي الموقوفة لعموم قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمما أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقوله ◌َّه: ((مَا سَقَتِ السَّمَاءُ فَفِيهِ العُشْرُ، وَمَا سُقِي بَغَرَبِ أَوْ دَالِيَةٍ فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ)) ولأن العشر يجب في الخارج لا في الأرض، فكان ملك الأرض وعدمه سواء، كما في البدائع ولا شك أن هذه الأرض المشتراة وجد فيها سبب الوجوب وهو الأرض النامية وشرطه وهو ملك الخارج، ودليله وهو ما ذكرنا. وقول المتن: يجب العشر في مسقى سماء وسيح الخ، فالقول بعدم الوجوب في خصوص هذه الأرض يحتاج إلى دليل خاص ونقل صريح، ولا يلزم من سقوط الخراج المتعلق بالأرض سقوط العشر المتعلق بالخارج، على أنه قد ينازع في سقوط الخراج، حيث كانت من أرض الخراج أو سقيت بمائه، بدليل أن الغازي الذي اختط له الإمام داراً لا شيء عليه فيها، فإذا جعلها بستاناً وسقاها بماء العشر فعليه العشر، أو بماء الخراج فعليه الخراج كما يأتي، مع أن الواقع الآن في كثير من القرى أو المزارع الموقوفة أنه يؤخذ منها للميري النصف أو الربع أو العشر، وقد نبهنا على ذلك في باب العشر من كتاب الزكاة. قوله: (لو كانت الأرض خراجية) شرط لقوله: ((ويجب الخراج)) وقوله: ((والعشر)) عطف على ((الخراج)). قوله: (وقالوا الخ) هو مصرح به في الهداية وغيرها. والحاصل: الاتفاق على أنها خراجية، وإنما اختلف العلماء في أنها فتحت عنوة أو صلحاً، ولا يؤثر في كونها خراجية لأنها تكون خراجية إذا لم يسلم أهلها، سواء فتحت عنوة ومنّ على أهلها بها، أو صلحاً ووضع عليهم الجزية، كما مر آنفاً. ٢٩٤ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية خراجية. وفي الفتح: المأخوذ الآن من أراضي مصر أجرة لا خراج؛ مَطْلَبُ: لَا شَيْءَ عَلَى زُرَّعِ الْأَرَاضِي السُّلْطَانِيَّةِ مِنْ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجِ سِوَى الْأَجْرَةِ قوله: (المأخوذ الآن من أراضي مصر أجرة لا خراج) وكذا أراضي الشام كما يأتي عن [فضل الله الرومي] وقال في الدر المنتقى: فيؤجرها الإمام، ويأخذ جميع الأجرة لبيت المال، كدار صارت لبيت المال، واختار السلطان استغلالها، وإن اختار بيعها فله ذلك، إما مطلقاً أو لحاجة، فثبت أن بيع الأراضي المصرية وكذا الشامية صحيح مطلقاً، إما من مالكها (١) أو من السلطان، فإن كان من مالكها. انتقلت بخراجها، وإن من السلطان فإن لعجز مالكها عن زراعتها فكذلك، وإن لموت مالكها فقدمنا أنها صارت لبيت المال، وإن الخراج سقط عنها، فإذا باعها الإمام لا يجب على المشتري خراج، سواء وقفها أو أبقاها. قلت: وهذا نوع ثالث: يعني لا عشرية ولا خراجية من الأراضي تسمى أرض المملكة، وأراضي الحوز، وهو من مات أربابه بلا وارث وآل لبيت المال، أو فتح عنوة وأبقى للمسلمين إلى يوم القيامة، وحكمه على ما في التاتر خانية أنه يجوز للإمام دفعه للزراع بأحد طريقتين: إما بإقامتهم مقام الملاك في الزراعة وإعطاء الخراج، وإما بإجارتها لهم بقدر الخراج، فيكون المأخوذ في حق الإمام خراجاً؛ ثم إن كان دراهم فهو خراج موظف، وإن كان بعض الخارج فخراج مقاسمة، وأما في حق الإكراه فأجرة لا غير. لا عشر ولا خراج، فلما دل الدليل على عدم لزوم المؤنتين العشر والخراج في أراضي المملكة، والحوز كان المأخوذ منها أجرة لا غير اهـ. ما في الدر المنتقى ملخصاً. مَطْلَبُ: لَا شَيْءَ عَلَى الفَلَّاحِ لَوْ عَطَّلَهَا، وَلَوْ تَرَكَهَا لَا يجِبُرُ عَلَيْهَا قلت: فعلى هذا لا شيء على زراعها من عشر أو خراج، إلا على قولهما بأن العشر على المستأجر، كما مر في بابه، على أنك علمت أن المأخوذ ليس أجرة من كل وجه، بل هو في حق الإمام خراج ولا يجتمع عشر مع خراج. تأمل. ثم رأيت في الخيرية: الزارع في الأرض الوقف عامل بالحصة وهو المستأجر وليس عليه خراج. قال في الإسعاف: وإذ دفع المتولي الأرض مزارعة فالخراج أو العشر من حصة أهل الوقف، لأنها إجارة معنى، وبمثله نقول: إذا كانت الأرض لبيت المال وتدفع مزارعة للمزارعين، فالمأخوذ منهم بدل إجارة لا خراج، كما صرح به الكمال وغيره، ومما هو مصرح به أن خراج المقاسمة لا يلزم بالتعطيل، فلا شيء على الفلاح لو عطلها وهو (١) في ط (قوله إما من مالكها) أي الذي تملكها يوم الفتح أو ممن ورثه أو من شراء منه أو من وارثه. ٢٩٥ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية ألا ترى أنها ليست مملوكة للزراع، كأنه لموت المالكين شيئاً فشيئاً بلا وارث، غير مستأجر لها، ولا جبر عليه بسببها، وبه علم أن بعض المزارعين إذا ترك الزراعة وسكن مصراً فلا شيء عليه، فما تفعله الظلمة من الإضرار به: حرام، صرح به في البحر والنهر اهـ ملخصاً. لكن إذا كان المأخوذ من المزارعين كالربع أو الثلث، من الغلة بدل إجارة كما مر، يلزم أن يكون استئجار الأرض ببعض الخارج منها، وهو فاسد لجهالته، فما وجه الجواز هنا؟ قال في الدر المنتقى: والجواب ما قلنا: إنه جعل في حق الإمام خراجاً وفي حق الأكرة أجرة لضرورة عدم صحة الخراج حقيقة وحكماً لما مراهـ: أي لعدم من يجب عليه بسبب موت أهلها، وصيرورتها لبيت المال. قلت: لكن يمكن جعلها مزارعة كما مر في كلام الخيرية: وهي في معنى الإجارة، لا إجارة حقيقة، ولهذا قال في الفتح: إن المأخوذ بدل إجارة. مَطْلَبٌ: الْقَوْلُ لِذِي الْيَدِ إِنَّ الأَرْض مِلْكُهُ وإِنْ كَانَتْ خَرَاجِيَّةً ثم اعلم أن أراضي بيت المال المسماة بأراضي المملكة وأراضي الحوز إذا كانت في أيدي زراعها لا تنزع من أيديهم ما داموا يؤدون ما عليها، ولا تورث عنهم إذا ماتوا، ولا يصح بيعهم لها، ولكن جرى الرسم في الدولة العثمانية أن من مات عن ابن انتقلت لابنه مجاناً، وإلا فلبيت المال، ولو له بنت أو أخ لأب له أخذها بالإجارة الفاسدة، وإن عطلها متصرف ثلاث سنين أو أكثر بحسب تفاوت الأرض: تنزع منه وتدفع لآخر، ولا يصح فراغ أحدهم عنها لآخر بلا إذن السلطان أو نائبه، كما في شرح الملتقى، وتمام الكلام على ذلك قد بسطناه في تنقيح الفتاوى الحامدية. قوله: (ألا ترى أنها ليست مملوكة للزراع الخ) هذا من كلام الفتح، وأقرّه في البحر. قلت: لكن عدم ملك الزارع في الأراضي الشامية غير معلوم لنا، إلا في نحو القرى والمزارع الموقوفة أو المعلوم كونها لبيت المال، أما غيرها فنراهم يتوارثونها ويبيعونها جيلاً بعد جيل. وفي شفعة الفتاوى الخيرية: سئل في أخوة لهم أراض مغروسة، ولرجل أرض مغروسة مجاورة لها، وطريق الكل واحد، باع الرجل أرضه هل لهم أخذها بالشفعة ولا يمنع من ذلك كونها خراجية؟ أجاب: نعم، لهم الأخذ بالشفعة، وكونها خراجية لا يمنع ذلك، إذ الخراج لا ينافي الملك. ففي التاتر خانية وكثير من كتب المذهب: وأرض الخراج مملوكة، وكذلك أرض العشر يجوز بيعها وإيقافها، وتكون ميراثاً كسائر أملاكه، فتثبت فيها الشفعة. وأما الأراضي التي حازها السلطان لبيت المال ويدفعها للناس مزارعة لا تباع فلا شفعة فيها، فإذا ادعى واضع اليد الذي تلقاها شراء أو إرثاً أو غيرهما من أسباب الملك أنها ملكه، وأنه يؤدي خراجها، فالقول له أو على من يخاصمه في الملك البرهان إن صحت دعواه عليه شرعاً، ٢٩٦ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية واستوفيت شروط الدعوى؛ وإنما ذكرت ذلك لكثرة وقوعه في بلدنا حرصاً على نفع هذه الأمة بإفادة هذا الحكم الشرعي الذي يحتاج إليه كل حين، والله تعالى أعلم اهـ. ما في الخيرية. ولا يخفى أنه كلام حسن جار على القواعد الفقهية، وقد قالوا: إن وضع اليد والتصرف من أقوى ما يستدل به على الملك، ولذا تصح الشهادة بأنه ملكه، وفي رسالة الخراج لأبي يوسف: وأيما قوم من أهل الخراج أو الحرب بادوا فلم يبق منهم أحد، وبقيت أرضهم معطلة، ولا يعرف أنها في يد أحد، ولا أن أحداً يدعي فيها دعوى، وأخذها رجل فحرثها وغرس فيها وأدّى عنها الخراج أو العشر فهي له، وهذه الموات التي وصفت لك، وليس للإمام أن يخرج شيئاً من يد أحد إلا بحق ثابت معروف اهـ. وقدمنا عنه أيضاً أن أرض العراق والشام ومصر عنوية خراجية تركت لأهلها الذين قهروا عليها. وفي شرح السير الكبير للسرخسي: فإن صالحوهم على أراضيهم، مثل أرض الشام مدائن وقرى، فلا ينبغي للمسلمين أن يأخذوا شيئاً من دورهم وأراضيهم، ولا أن ينزلوا عليهم منازلهم، لأنهم أهل عهد وصلح اهـ. فإذا كانت مملوكة لأهلها فمن أين يقال إنها صارت لبيت المال باحتمال أن أهلها كلهم ماتوا بلا وارث؟ فإن هذا الاحتمال لا ينفي الملك الذي كان ثابتاً، وقد سمعت التصريح في المتن تبعاً للهداية، بأن أرض سواد العراق مملوكة لأهلها يجوز بيعهم لها، وتصرفهم فيها، وكذلك أرض مصر والشام كما سمعته، وهذا على مذهبنا ظاهر، وكذا عند من يقول: إنها وقف على المسلمين، فقد قال الإمام السبكي: إن الواقع في هذه البلاد الشامية والمصرية أنها في أيدي المسلمين، فلا شك أنها لهم إما وقفاً وهو الأظهر من جهة عمر رضي الله عنه، وإما ملكاً وإن لم يعرف من انتقل منه إلى بيت المال، فإن من بيده شيء لم يعرف من انتقل إليه منه يبقى في يده، ولا يكلف بينة. ثم قال: ومن وجدنا في يده أو ملكه مكاناً منها، فيحتمل أنه أحيى، أو وصل إليه وصولاً صحيحاً اهـ. مَطْلَبٌ: لَيْسَ لِلإِمَامَ أَنْ يخرِجَ شَيْئاً مِنْ يَدِ أَحَدٍ إِلَّ بِحَقِّ ثَابِتٍ مَعْرُوفٍ قال المحقق ابن حجر المكي في فتاواه الفقهية بعد نقله كلام السبكي: فهذا صريح في أنا نحكم لذوي الأملاك والأوقاف ببقاء أيديهم على ما هي عليه، ولا يضرنا كون أصل الأراضي ملكاً لبيت المال، أو وقفاً على المسلمين، لأن كل أرض نظرنا إليها بخصوصها، لم يتحقق فيها أنها من ذلك الوقف ولا الملك، لاحتمال أنها كانت مواتاً وأحييت، وعلى فرض تحقق أنها من بيت المال، فإن استمرار اليد عليها ٢٩٧ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية والتصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم أو النظار فيما تحت أيديهم الأزمان المتطاولة قرائن ظاهرة أو قطعية على اليد المفيدة، لعدم التعرض لمن هي تحت يده وعدم انتزاعها منه. قال السبكي: ولو جوزنا الحكم برفع الموجود المحقق: أي وهو اليد بغير بينة، بل بمجرد أصل مستصحب، لزم تسليط الظلمة على ما في أيدي الناس. ثم قال ابن حجر بعد كلام طويل: إذا تقرر ذلك بان لك واتضح اتضاحاً لا يبقى معه ريبة: أن الأراضي التي في أيدي الناس بمصر والشام المجهول انتقالها إليهم تقرّ في يد أربابها، ولا يتعرض لهم فيها بشيء أصلاً، لأن الأئمة إذا قالوا في الكنائس المبنية للكفر إنها تبقى، ولا يتعرض لها عملاً بذلك الاحتمال الضعيف: أي كونها كانت في برية، فاتصلت بها عمارة المصر، فأولى أن يقولوا ببقاء تلك الأراضي بيد من هي تحت أيديهم، باحتمال أنها كانت مواتاً فأحييت، أو أنها انتقلت إليهم بوجه صحيح. اهـ. مَطْلَبٌ فِيمَا وَقَعَ مِنَ المَلَكِ الظَّاهِرَ بِيْبرِسَ مِنْ إِرَادَتِهِ انْتِزَاعَ العَقَّارَاتِ مِنْ مُلََّكِهَا لِيَيْتِ المَالِ وقد أطال رحمه الله تعالى في ذلك إطالة حسنة رداً على من أراد انتزاع أوقاف مصر وإقليمها، وإدخالها في بيت المال، بناء على أنها فتحت عنوة، وصارت لبيت المال، فلا يصح وقفها. قال: وسبقه إلى ذلك الملك الظاهر بيبرس، فإنه أراد مطالبة ذوي العقارات بمستندات تشهد لهم بالملك، وإلا انتزعها من أيديهم متعللاً بما تعلل به ذلك الظالم، فقام عليه الشيخ الإسلام الإمام النووي رحمه الله تعالى، وأعلمه بأن ذلك غاية الجهل والعناد، وأنه لا يحل عند أحد من علماء المسلمين، بل من في يده شيء فهو ملكه، لا يحل لأحد الاعتراض عليه، ولا يكلف إثباته ببينة، ولا زال النووي رحمه الله تعالى يشنع على السلطان ويعظه إلى أن كفّ عن ذلك، فهذا الحبر الذي اتفقت علماء المذاهب على قبول نقله والاعتراف بتحقيقه وفضله نقل إجماع العلماء على عدم المطالبة بمستند عملاً باليد الظاهر فيها أنها وضعت بحق اهـ. قلت: فإذا كان مذهب هؤلاء الأعلام أن الأراضي المصرية والشامية أصلها وقف على المسلمين أو لبيت المال ومع ذلك لم يجيزوا مطالبة أحد يدعي شيئاً أنه ملكه بمستند يشهد له بناء على احتمال انتقاله إليه بوجه صحيح، فكيف يصح على مذهبنا بأنها مملوكة لأهلها أقروا عليها بالخراج، كما قدمناه؟ أنه يقال: إنها صارت لبيت المال، وليست مملوكة للزراع، لاحتمال موت المالكين لها شيئاً فشيئاً بلا وارث، فإن ذلك يؤدي إلى إبطال أوقافها وإبطال المواريث فيها، وتعدي الظلمة على أرباب الأيدي الثابتة المحققة في المدد المتطاولة بلا معارض ولا منازع، ووضع العشر أو الخراج ٢٩٨ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية فصارت لبيت المال وعلى هذا فلا يصح بيع الإمام، ولا شراؤه من وكيل بيت المال لشيء منها، لأنه كوكيل اليتيم فلا يجوز إلا لضرورة والعياذ بالله تعالى. زاد عليها لا ينافي ملكيتها كما مر، وهو صريح قول المصنف وغيره هنا: إن أرض سواد العراق خراجية وإنها مملوكة لأهلها، واحتمال موت أهلها بلا وارث لا يصلح حجة في إبطال اليد المثبتة للملك، فإنه مجرد احتمال لم ينشأ عن دليل، ومثله لا يعارض المحقق الثابت، فإن الأصل بقاء الملكية، واليد أقوى دليل عليها، فلا تزول إلا بحجة ثابتة، وإلا لزم أن يقال مثل ذلك في كل مملوك بظاهر اليد، مع أنه لا يقول به أحد. وقد سمعت نقل الإمام النووي الإجماع على عدم التعرض، مع أن مذهبه أن تلك الأراضي في الأصل غير مملوكة لأهلها بل هي وقف، أو ملك لبيت المال، فعلى مذهبنا بالأولى، واحتمال كون أهلها ماتوا بلا وارث بعد الإمام النووي أبعد البعد، وهذا ابن حجر المكي بعد النووي بمئات من السنين وقد سمعت كلامه. والحاصل في الأراضي الشامية والمصرية ونحوها: أن ما علم منها كونه لبيت المال بوجه شرعي فحكمه ما ذكره الشارح عن الفتح، وما لم يعلم فهو ملك لأربابه والمأخوذ منه خراج لا أجرة، لأنه خراجي في أصل الوضع، فاغتنم هذا التحرير، فإنه صريح الحق الذي يعض عليه بالنواجذ، وإنما أطلت في ذلك لأني لم أر من تعرّض لذلك هنا، بل تبعوا المحقق الكمال في ذلك والحق أحق أن يتبع، ولعل مراد المحقق ومن تبعه الأراضي التي علم كونها لبيت المال، والله تعالى أعلم. مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ السُّلْطَانِ وَشِرَائِهِ أَرَاضِي بَيْتَ المَالِ قوله: (وعلى هذا) أي على كونها صارت لبيت المال. قوله: (من وكيل بيت المال) متعلق بـ ((شراؤه))، وهو من نصبه الإمام قيماً على بيت المال، وأما البيع فيصح بيعه بنفسه، بخلاف الشراء، فإن وصيّ اليتيم لا يصح شراؤه مال اليتيم، فلذا قيد الشراء بكونه من الوكيل. وفي الخانية والخلاصة: فإن أراد السلطان أن يأخذها لنفسه يبيعها من غيره، ثم يشتري من المشتري اهـ. وفي التجنيس: إذا أراد السلطان أن يشتريها لنفسه أمر غيره أن يبيعها من غيره ثم يشتريها لنفسه من المشتري، لأن هذا أبعد من التهمة اهـ. قوله: (لأنه كوكيل اليتيم) أي كوصيه وسماه وكيلاً مشاكلة. قوله: (فلا يجوز إلا لضرورة) أي بأن احتاج بيت المال لكن نازعه صاحب البحر في رسالته بإطلاق ما مر آنفاً عن الخانية والخلاصة، فإنه يدل على جواز البيع للإمام مطلقاً، وبما في الزيلعي من أن للإمام ولاية عامة، وله أن يتصرف في مصالح المسلمين والاعتياض عن المشترك العام جائز من الإمام، ولهذا لو باع شيئاً من بيت المال صح بيعه، فقوله: (شيئا) نكرة في سياق الشرط يعم العقار وغيره لحاجة وغيرها. قوله: (زاد في البحر) ٢٩٩ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية في البحر: أو رغب في العقار بضعف قيمته على قول المتأخرين المفتى به. قلت: وسيجيء في باب الوصيّ جواز بيع عقار الصبيّ في سبع مسائل، وأفتى مفتي دمشق (فضل الله الرومي] بأن غالب أراضينا سلطانية لانقراض ملاكها، فآلت لبيت المال فتكون في يد زراعها كالعارية اهـ . وفي النهر عن الواقعات: لو أراد السلطان شراءها لنفسه يأمر غيره ببيعها ثم يشتريها منه لنفسه. انتهى، وإذا لم يعرف الحال في الشراء من بيت المال فالأصل الصحة، وبه عرف صحة وقف المشتراة من بيت المال، وأن شروط الواقفين صحيحة وأنه لا أي زاد على قوله: ((إلا لضرورة)) قوله: ((أو رغب في العقار الخ)) وعبر عن هذه الزيادة في ((التحفة المرضية)) بقوله: ((أو مصلحة)) فافهم. قلت: وسنذكر آخر الباب أن للإمام أن يقطع من بيت المال الأرض لمن يستحق، وأن هذا تمليك رقبتها كما سنحققه، وعلى هذا فيمكن شراؤها من المستحق. قوله: (على قول المتأخرين) أي في وصيّ اليتيم أنه ليس له بيع العقار إلا في المسائل السبع الآتية، وهو المفتى به. وعند المتقدمين: له البيع مطلقاً، واختاره الإسيبجابي وصاحب المجمع وكثير، كما في ((التحفة المرضية)). قوله: (في سبع مسائل) ونصه: وجاز بيعه عقار صغير من أجنبي لا من نفسه بضعف قيمته أو لنفقة الصغير، أو دين الميت أو وصية مرسلة لا إنفاذ لها إلا منه، أو تكون غلته لا تزيد على مؤنته، أو خوف خرابه أو نقصانه، أو كونه في يد متغلب اهـح. قوله: (فضل الله الرومي) في بعض النسخ ((الرضي)) ولعله تحريف. قوله: (بأن غالب أراضينا) الظاهر أن المراد الأراضي الشامية، ويحتمل أن يكون المراد الأراضي الرومية، ويؤيده الأول ما قدمناه عن الدر المنتقى من قوله: وكذا الشامية حيث جعلها مثل المصرية، وكان هذا مأخوذ من كلام الفتح المار وقد علمت ما فيه. قوله: (كالعارية) وجه الشبه بينهما عدم تصرف من هي في يده تصرف الملاك من البيع ونحوه اهـح. فلا ينافي ما مر عن التاترخانية من أنها تكون في أيديهم بالأجرة بقدر الخراج، وسيذكر الشارح أن من أقطعه السلطان أرضاً فله إجارتها. قوله: (ثم يشتريها منه) يعني من المشتري كما قدمنا التصريح به في عبارة التجنيس، وظاهر هذا أنه لا تشترط الضرورة في صحة البيع والشراء كما مر. قوله: (وإذا لم يعرف الحال في الشراء الخ) أي لم يعرف أنه شراء صحيح، وجد فيه المسوّغ الشرعي، بناء على ما مر عن الفتح من أنه لا يجوز إلا الضرورة. قوله: (فالأصل الصحة) حملاً لحال المسلم على الكمال. قوله: (وبه عرف الخ) هذا كله أيضاً من كلام النهر، وأصله لصاحب البحر. ٣٠٠ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية مَطْلَبٌ فِي وَقْفِ الأَرَاضِي الَّتِي لِبَيْتِ المَالِ وَمُرَاعَاةِ شُرُوطِ الوَاقِفِ حاصله أن من اشترى أرضاً مما صار لبيت المال فقد ملكها، وإن لم يعرف حال الشراء حملاً له على الصحة ولا خراج عليها بناء على ما مر، من أنها لما مات ملاكها بلا ورثة عادت لبيت المال وسقط خراجها لعدم من يجب عليه، فإذا باعها الإمام لم يجب على المشتري خراجها لقبض الإمام ثمنها، وهو بدل عينها. وتقدم أيضاً أنه لا عشر عليها أيضاً، وقدمنا ما في ذلك، وحيث ملكها بالشراء صح وقفه لها، وتراعى شروط وقفه. قال في: ((التحفة المرضية)): سواء كان سلطاناً أو أميراً أو غيرهما. وما ذكره الجلال السيوطي من أنه لا يراعى شروطه إن كان سلطاناً أو أميراً، وأنه يستحق ريعه من يستحق في بيت المال، من غير مباشرة للوظائف، فمحمول على ما إذا وصلت إلى الواقف بإقطاع السلطان إياه من بيت المال، كما لا يخفى اهـ. وحاصله أن ما ذكره السيوطي لا يخالف ما قلنا، لأنه محمول على ما إذا لم يعرف شراء الواقف لها من بيت المال، بل وصلت إليه بإقطاع السلطان لها: أي بأن جعل له خراجها مع بقاء عينها لبيت المال، فلم يصح وقفه لها، ولا تلزم شروطه، بخلاف ما إذا ملكها ثم وقفها كما قلنا. مَطْلَبٌ: أَوْقَافُ المُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ لَا يُرَاعَى شَرْطُهَا قلت: لكن بقي ما إذا لم يعرف شراؤه لها ولا عدمه، والظاهر أنه لا يحكم بصحة وقفها، لأنه لا يلزم من وقفه لها أنه ملكها، ولهذا قال السيد الحموي في حاشية الأشباه قبيل قاعدة: ((إذا اجتمع الحلال والحرام)) ما نصه: ((وقد أفتى علامة الوجود المولى أبو السعود مفتي السلطنة السليمانية بأن أوقاف الملوك والأمراء لا يراعى شرطها، لأنها من بيت المال أو ترجع إليه، وإذا كان كذلك يجوز الإحداث إذا كان المقرر في الوظيفة أو المرتب من مصاريف بيت المال)) اهـ. ولا يخفى أن المولى أبا السعود أدرى بحال أوقاف الملوك. ومثله ما سيذكره الشارح في الوقف عن ((المحبية)» عن ((المبسوط)) من: ((أن السلطان يجوز له مخالفة الشرط إذا كان غالب جهات الوقف قرى ومزارع، لأن أصلها لبيت المال)) اهـ: يعني إذا كانت لبيت المال، ولم يعلم ملك الواقف لها، فيكون ذلك إرصاداً لا وقفاً حقيقة: أي أن ذلك السلطان الذي وقفه أخرجه من بيت المال، وعينه لمستحقيه من العلماء والطلبة، ونحوهم عوناً لهم على وصولهم إلى بعض حقهم من بيت المال. مَطْلَبٌ: عَلَى مَا وَقَعَ لِلسُّلْطَانِ بَرْقُوقَ مِنْ إِرَادَتِهِ نَقْضَ أَوْقَافِ بَيْتِ الْمَالِ ولذا لما أراد السلطان نظام ((المملكة برقوق)» في عام نيف وثمانين وسبعمائة: أن