Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب النكاح / باب الرضاع
لتضمنها حق العبد (وهل يتوقف ثبوته دعوى المرأة؟ الظاهر لا) لتضمنها حرمة
الفرج وهي من حقوقه تعالى (كما في الشهادة بطلاقها).
ولو شهد عندها عدلان على الرضاع بينهما أو طلاقها ثلاثاً وهو يجحد ثم
ماتا أو غابا قبل الشهادة عند القاضي لا يسعها المقام معه ولا قتله. به يفتى، ولا
التزوج بآخر. وقيل لها التزوج ديانة. شرح وهبانية.
فروع: قضى القاضي بالتفريق برضاع بشهادة امرأتين لم ينفذ.
مص رجل ثدي زوجته لم تحرم.
تزوج صغيرتين فأرضعت كلَّ امرأة ولبنهما من رجل
يضر كون شهادتها على فعل نفسها لأنه لا تهمة في ذلك كشهادة القاسم والوزان والكيال
على ربّ الدين حيث كان حاضراً. بحر.
قلت: وما في شرح الوهبانية عن النتف من أنه لا تقبل شهادة المرضعة عند أبي
حنيفة وأصحابه؛ فالظاهر أن المراد إذا كانت وحدها احترازاً عن قول مالك، وإن أوهم
نظم الوهبانية خلاف ذلك، فتأمل. قوله: (لتضمنها) أي الشهادة حق العبد: أي إبطال
حقه وهو حل التمتع فلا بد من القضاء: أي إن لم توجد المتاركة لما في النهر:
الحاصل أن المذهب عندنا كما قال الزيلعي في اللعان أن النكاح لا يرفع بحرمة الرضاع
والمصاهرة، بل يفسد، حتى لو وطئها قبل التفريق لا يجب عليه الحدّ، اشتبه الأمر أو
لم يشتبه، نص عليه في الأصل. وفي الفاسد لا بد من تفريق القاضي أو المتاركة
بالقول في المدخول بها، وفي غيرها يكتفى بالمفارقة بالأبدان كما مراهـ. قوله:
(الظاهر لا) كذا استظهره في البحر مستنداً لمسألة الطلاق المذكورة، ومثلها الشهادة
بعتق الأمة ونحوها من المسائل الأربعة عشر التي تقبل الشهادة فيها حسبة بلا دعوى،
وهي مذكورة في قضاء الأشباه فتزاد هذه عليها. قوله: (ثم ماتا) أي الشاهدان. قوله:
(لا يسعها المقام معه) لأن هذه شهادة لو قامت عند القاضي يثبت الرضاع، فكذا إذا
أقامت عندها. خانية. قوله: (وقيل لها التزوج ديانة) أشار إلى ضعفه، لما في شرح
الوهبانية عن القنية عن العلاء الترجماني أنه لا يجوز في المذهب الصحيح اهـ. وجزم به
الشارح في آخر باب الرجعة، فافهم. قوله: (قضى القاضي) أي المجتهد أو المقلد
كمالكي. قوله: (لم ينفذ) لأنه من المسائل التي لا يسوغ فيها الاجتهاد، وهي نيف
وثلاثون مذكورة في قضاء الأشباه. قوله: (مصّ رجل) قيد به احترازاً عما إذا كان
الزوج صغيراً في مدة الرضاع فإنها تحرم عليه. قوله: (ولبنهما من رجل) أي واحد،

٤٢٢
كتاب النكاح / باب الرضاع
لم يضمنا وإن تعمدتا الفساد لعروضه بالأختية.
قبّل الابن زوجة أبيه وقال تعمدت الفساد: غرم المهر. ولو وطئها وقال
ذلك للزوم الحد فلم يلزم المهر.
وقيد به ليتصوّر التحريم بين الصغيرتين لأنهما صارتا أختين لأب رضاعاً، أما لو كان
لبن كل واحدة من رجل لم تحرم الصغيرتان، والمراد بالرجل غير الزوج، إذ لو كان
لبنهما من الزوج ففي الفتح أن الصواب وجوب الضمان على كل منهما، لأن كلَّ
أفسدت، لصيرورة كل صغيرة بنتاً له، خلافاً لمن حرّف المسألة وقال: ((لبنهما منه)) بدل
قوله: ((من رجل) اهـ. قوله: (لم يضمنا الخ) بخلاف ما مر فيما لو أرضعت الكبيرة
ضرتها متعمدة الفساد حيث ضمنت، لأن فعل الكبيرة هناك مستقل بالإفساد فيضاف
الإفساد إليها، أما هنا ففعل كل من الكبيرتين غير مستقل بها فلا يضاف إلى واحدة
منهما، لأن الفساد باعتبار الجمع بين الأختين منهما، بخلاف الحرمة هناك لأنه للجمع
بين الأم والبنت وهو يقوم بالكبيرة. فتح ملخصاً. قوله: (غرم المهر) أي يجب المهر
على الأب ويرجع به على الابن، والمسألة مذكورة في الهندية في المحرمات، وقيدها
بما إذا كانت الزوجة مكرهة وصدق الزوج أن التقبيل بشهوة لتقع الفرقة، وإلا فالقول
له اهـ. وأما لو كانت مطاوعة فلا مهر لها، لأن الفرقة جاءت من قبلها، ثم ينبغي كما
قاله الرحمتي أن يكون ذلك مقيداً بما قبل الدخول، وأن المراد بالمهر نصفه، أما بعد
الدخول فلا غرم، لأن المهر وجب بالدخول والأب قد استوفاه؛ كما قالوا في رجوع
شاهدي الطلاق: إن كان قبل الدخول غرما نصف المهر، وإن بعده فلا غرم أصلاً.
قوله: (وقال ذلك) أي تعمدت الفساد. قوله: (لا) أي لا يغرم ما لزم الأب من نصف
المهر. بزازية. وتعبيره بالنصف مؤيد لما قاله الرحمتي. قوله: (فلم يلزم المهر) لأنه لا
يجمع بين حد ومهر. بزازية، والله تعالى أعلم، وله الحمد على ما علم.
:

٤٢٣
كتاب الطلاق
كِتَابُ الْطَلَاقِ(١)
(وهو) لغة: رفع القيد، لكن جعلوه في المرأة طلاقاً وفي غيرها إطلاقاً،
كِتَاب الْطَّلَاقٍ(٢)
لما ذكر النكاح وأحكامه اللازمة والمتأخرة عنه شرع فيما به يرتفع، وقدم الرضاع
لأنه يوجب حرمة مؤبدة، بخلاف الطلاق تقديماً للأشد على الأخف. بحر. قوله:
(لكن جعلوه الخ) عبارة البحر قالوا: إنه استعمل في النكاح بالتطليق وفي غيره
(١) كان الطلاق معروفاً في الجاهلية فقد كانوا يستعملون لفظ الطلاق وغيره في حل العصمة غير أن ذلك لم
یکن موقوفاً عند حد، ولا مقیداً بعدد، بل كان أحدهم یطلق امرأته ما شاء ثم إذا راجعها كانت زوجته،
ولذلك كانوا يتخذونه خلافاً للمضارة فإذا أراد الرجل منهم مضارة زوجته طلقها حتى إذا شارفت انقضاء
العدة راجعها ثم يطلقها، فإذا شارفت راجعها، وهكذا فتصير بذلك كالمعلقة فلا هي زوجة تستمتع من
زوجها بما تستمتع النساء، ولا هي أيم أمرها بيدها، فلما جاء الدين الإسلامي الحنيف أقرهم على الطلاق
ولكنه رحمة بالمرأة حدده بثلاث، وجعل الرجعة إلى اثنين منها، قال الشافعي رضي الله عنه سمعت من أهل
العلم بالقرآن إن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بثلاث الطلاق، والظهار، والإيلاء فأقر الله الطلاق طلاقاً،
وحكم في الظهار والإيلاء بما جاء به القرآن وروى هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الرجل يطلق ما شاء
ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها كانت زوجته فغضب رجل من الأنصار على امرأته فقال لها: لا
أقربك ولا تخلصين، فقالت: وكيف؟ قال: أطلقك فإذا دنا أجلك، راجعتك ثم أطلقك، فإذا دنا أجلك
راجعتك، قال فشكت ذلك إلى رسول الله خير، فنزل قوله تعالى: ﴿الطلاق: مرتان﴾ وكان من الجاهليين
فريق يرى أن الطلاق لا يزيد على الثلاث وأن الثالثة تقطع الرجعة كما جاء به القرآن، ولذلك قال عروة:
نزل القرآن موافقاً لطلاق الأعشى في تقريره بالثلاث حين يقول لامرأته التي رغب به قومها عنها وهددوه
بالقتل أو يطلقها:
أيا جارتا بيني فإنك طالقه كذاك أمور الناس عاد وطارقه
فقالوا: ثانية فقال:
وبيني فإن البين خير من العصا وإن لا تراني فوق رأسي بارقه
فقالوا: ثالثة فقال:
وبيني حصان الفرج غير ذميمه وموموقة مذ كنت فينا وواقعه
فأمنوا بذلك من الرجعة، وأول من سن الطلاق للعرب هو سيدنا إسماعيل ابن سيدنا إبراهيم عليهما
السلام، هذا وبقرب مما كان عند العرب ما كان في شريعة سيدنا موسى عليه السلام فقد جاءت التوراة
بإباحة المرأة لزوجها بعد طلاقه لها ما لم تتزوج، فإذا تزوجت غيره حرمت عليه أبداً ولم يبق له سبيل إلى
ردها ثم جاءت شريعة سيدنا عيسى عليه السلام بالمنع من الطلاق بعد التزوج البتة، فلا سبيل للزوج فيها
إلى فراق زوجته ثم جاءت الشريعة الإسلامية بما هو أحسن من ذلك كله، وأوفق بمصالح عباده فله الحمد
على آلائه والشكر على نعمائه.
(٢) ثبتت مشروعية الطلاق بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فإنه قد ورد في مواضع كثيرة منه قال تعالى:
﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ الآيات وقال: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة
قروء﴾ وقال: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ وقال: ﴿وللمطلقات متاع﴾ إلى غير ذلك من الآيات،
وأما السنة فإن مشروعية الطلاق ثبتت بالتواتر عنه وهو، وإن كانت التفاصيل آحاداً فمن ذلك ما روي عن ابن
عمر رضي الله عنهما أنه قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها فيأمر لي بطلاقها، فذكرت ذلك
للنبي فقال: يا بن عمر طلق امرأتك، وفي رواية: ((أطع أباك)) وفي الصحيحين عنه أن النبي و إر قال : =

٤٢٤
كتاب الطلاق
فلذا كان أنت مطلقة بالسكون كناية. وشرعاً(١): (رفع قيد النكاح
بالإطلاق، حتى كان الأول صريحاً والثاني كناية، فلم يتوقف على النية في طلقتك
وأنت مطلقة بالتشديد، ويتوقف عليها في أطلقتك ومطلقة بالتخفيف اهـ. قال في
البدائع: وهذا الاستعمال في العرف وإن كان المعنى في اللفظين لا يختلف في اللغة،
ومثل هذا جائز كما يقال حَصان وحِصان، فإنه بفتح الحاء يستعمل في المرأة،
وبكسرها في الفرس اهـ. والظاهر أنه أراد بالعرف عرف اللغة، لأنه صرح في محل آخر
أن الطلاق في اللغة والشرع عبارة عن رفع قيد النكاح، وصرح أيضاً بما يدل على أن
الطلاق في اللغة صريح وكناية، فافهم. قوله: (وشرعاً رفع قيد النكاح) اعترضهم في
البحر بأمور:
= (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)) إلى غير ذلك من الأحاديث الثابتة بصحيح الإسناد، وسيأتي كثير منها
في تضاعيف هذه الرسالة، إن شاء الله تعالى، فهذه الأحاديث وإن كانت آحاداً في نفسها لكن المعنى
المشترك بينها وهو مشروعية الطلاق متواتر، فيكون الطلاق قد ثبت بكل واحد منها على حدة، لأن الفروع
ثبتت بخبر الواحد لقيام الإجماع على وجوب العمل بالظاهر وثبت بالجميع تواتراً وأما ثبوته بالإجماع
فلانعقاده على مشروعيته، والمعنى في شرع الطلاق هو تمكين الرجل من تدارك الخطأ الذي كثيراً ما يقع
فيه عند تخير زوجة له تشاركه في الحياة، وتعينه على تحمل أعبائها، وتكون معه عاملاً من عوامل بقاء النوع
الإنساني، نعم إنه يكفي لمعرفة جمال المرأة ما أباحه الشارع للخاطب من رؤية وجهها وكفيها لكن من
المتعذر أو المتعسر معرفة أخلاقها إلا بطول العشرة ودوام الخبرة؛ لأن النساء يلبسن من التصنع أثواباً لا
ينظر ما وراءها إلا ملاصق، وليست مسألة أخلاق المرأة من الأمور الهيئة لدى الرجل فيمكنه أن يتغاضى
عنها أو يتسامح فيها بل هو لا تسكن نفسه إليها حتى تكون مثالاً عالياً في الأخلاق الفاضلة، ذلك لما
لأخلاقها من التأثير في نظام أسرة الرجل بل وفي حياته المادية والأدبية على أنه لا يكفي من تحقيق الألفة
بين الزوجين وفرة جمال المرأة وصلاح أخلاقها، فإن لاختلاف المنازع والأمزجة والبيئات أثراً كبيراً في
اختلاف النفوس وامتزاج الأرواح، ولذلك قال#: ((الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر
اختلف)) لذلك كله شرع الله الطلاق حتى إذا تباينت أخلاقهما وتنافرت أرواحهما فلم يسكن إليها ولم تسكن
إليه، وعرضت بينهما البغضاء الموجبة لعدم إقامة حدود الله تعالى فارقها ولم يرغم على معاشرتها، هذا
ولما كان الطلاق أبغض الحلال إلى الله تعالى بنص الحديث الصحيح، وإنما شرعه تكميلاً للنكاح، ودرءاً
لما قد ينشأ عنه من مفسدة حتى يتمحض بذلك مصلحة خالصة لما كان كذلك لم يجعله الشارع لازماً
للزوج من أول الأمر بل جعله عدداً وأباح له الرجعة بعد الطلقة الأولى والثانية؛ لأن النفس كذوبة ربما
تظهر عدم الحاجة إلى المرأة أو الحاجة إلى تركها، فإذا وقع حصل الندم، وضاق الصدر، وعيل الصبر
فشرعه سبحانه وتعالى ثلاثاً ليجرب نفسه في المرة الأولى، فإن كان الواقع صدقها استمر حتى تنقضي
العدة وإلا أمكنه التدارك بالرجعة ثم إذا عادت النفس لمثل الأول وغلبته حتى عاد إلى طلاقها نظر أيضاً فيما
يحدث له فما يوقع الثالثة إلا وقد جرب وقع الطلاق في نفسه ثم حرمها عليه بعد انتهاء العدة، وقبل بزوج
آخر ليتأدب بما فيه غيظه، وهو الزوج الثاني لما جبل عليه من الغيرة والحمية.
(١) الطلاق لغة مصدر طلقت المرأة: بانت من زوجها، وأصل الطلاق في اللغة: التخلية، يقال: طلقت الناقة:
إذا سرحت حيث شاءت وحبس فلان في السجن طلقاً بغير قيد، وفرس طلق إحدى القوائم: إذا كانت
إحدى قوائمها غير محجلة، والإطلاق: الإرسال.
=
انظر الصحاح ١٥١٨/٤، المغرب ٢٥/٢، لسان العرب ٢٢٥/١٠، والمصباح المنير ٥٧٣/٢.

٤٢٥
كتاب الطلاق
الأول: أنهم قالوا: ركنه اللفظ المخصوص الدالّ على رفع القيد فينبغي تعريفه
به، لأن حقيقة الشيء ركنه، فعلى هذا هو لفظ دالٌ على رفع قيد النكاح.
الثاني: أن القيد صيرورتها ممنوعة عن الخروج والبروز كما في البدائع، فكان هذا
التعريف مناسباً للمعنى اللغوي لا الشرعي.
الثالث: أنه كان ينبغي تعريفه بأنه رفع عقد النكاح بلفظ مخصوص ولو مآلاً اهـ.
أقول: والجواب عن الأول أن الطلاق اسم بمعنى المصدر الذي هو التطليق
كالسلام والسراح بمعنى التسليم والتسريح، أو مصدر طلقت بضم اللام أو فتحها طلاقاً
كالفساد، كذا في الفتح، وتقدم أنه لغة: رفع الوثاق مطلقاً: أي حسياً كوثاق البعير
والأسير، ومعنوياً كما هنا، وأن المعنى الشرعي مستعمل في اللغة أيضاً، فقد ثبت أن
حقيقة الطلاق الشرعي هو الحدث الذي هو مدلول المصدر لا نفس اللفظ، لكن لما
كان أمراً معنوياً لا يتحقق إلا بلفظه المستعمل فيه قيل إن ركنه اللفظ، فليس اللفظ
حقيقته بل دالّ عليه، فلذا قال المصنف تبعاً للفتح: إنه رفع قيد النكاح بلفظ مخصوص.
وعن الثاني والثالث أن المراد بالقيد العقد، ولذا قال في الجوهرة: هو في الشرع عبارة
عن المعنى الموضوع لحل عقدة النكاح، فقد فسره بالمعنى المصدري كما قلنا أولاً
وعبر عن رفع القيد بحل العقدة: أي بفك رابطة النكاح استعارة، والمراد برفع العقد
رفع أحكامه، لأن العقود كلمات لا تبقى بعد التكلم بها كما حققه في التلويح في بحث
العلل وعن هذا قال في البدائع: وأما بيان ما يرفع حكم النكاح فالطلاق، وقال قبله:
للنكاح الصحيح أحكام بعضها أصلي وبعضها من التوابع: فالأول حلّ الوطء إلا
العارض. والثاني حل النظر وملك المتعة وملك الحبس وغير ذلك اهـ.
وأما ما أورد في البحر من أن من آثار العقد العدة في المدخول بها فلذا لم
يفسروه برفع العقد، ففيه أن العدة ليست من أحكام النكاح لأنه غير موضوع لها،
= اصطلاحاً:
عرفه الحنفية بأنه: إزالة النكاح الذي هو قيد معنى.
عرفه الشافعية بأنه: حل عقد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه، أو هو: تصرف مملوك للزوج يحدثه بلا سبب
فيقطع النكاح.
عرفه المالكية بأنه: إزالة القيد وإرسال العصمة، لأن الزوجة تزول عن الزوج.
عرفه الحنابلة بأنه: حل قيد النكاح أو بعضه.
انظر: الاختيار لتعليل المختار ص ٦٢، التبيين ١٨٨/٢، الدرر ٣٥٨/١، البدائع ١٧٦٥/٤، الخرشي
على مختصر سيدي خليل ١١/٣، الكافي ٢/ ٥٧١، كشاف القناع ٢٣٢/٥، والمغني ٣٦٣/٧، والإشراف
١٤٦/٢.

٤٢٦
كتاب الطلاق
في الحال) بالبائن (أو المآل) بالرجعي (بلفظ مخصوص) هو ما اشتمل على
الطلاق، فخرج الفسوخ كخيار عتق وبلوغ وردة، فإنه فسخ لا طلاق،
وكونها من آثاره لا ينافي وجودها بعد رفع أحكامه كما أن نفس الطلاق من آثار عقد
النكاح، ولا يصح أن يكون من أحكامه، بيان ذلك أن العقود علل لأحكامها كما
صرحوا به. وقالوا أيضاً: إن الخارج المتعلق بالحكم إن كان مؤثراً فيه فهو العلة، وإن
كان مفضياً إليه بلا تأثير فهو السبب؛ وإن لم يكن مؤثراً فيه ولا مفضياً إليه: فإن توقف
عليه وجود الحكم فهو الشرط، وإلا فإن دل عليه فهو العلامة، وتمامه في كتب
الأصول. ولا شبهة أن عقد النكاح علة لحل الوطء ونحوه لا لرفع الحل، بل رفع
الحل علته الطلاق لأنه وضع له؛ نعم النكاح شرطه كما أن الطلاق شرط لوجوب العدة
الواجبة لأجله، فقد صرحوا في باب العدة أن شرطها رفع النكاح أو شبهته، فالنكاح
شرط لانعقاد الطلاق شرطاً للعدة فصح كونها من آثاره بهذا الاعتبار، فافهم. قوله: (في
الحال البائن) متعلقان برفع. قوله: (أو المآل) أي بعد انقضاء العدة أو انضمام طلقتين
إلى الأولى، وعليه فلو ماتت في العدة أو بعد ما راجعها ينبغي أن يتبين عدم وقوع
الطلقة الأولى؛ حتى لو حلف أنه لم يوقع عليها طلاقاً قط لا يحنث. بحر وفيه أن
المراجعة تقتضي وقوع الطلاق، فقد صرح الزيلعي وغيره بأن المراجعة بدون وقوع
الطلاق محال. مقدسي. فالصواب في تعريفه الشامل لنوعيه ما في القهستاني، من أنه
إزالة النكاح أو نقصان حله بلفظ مخصوص.
قلت: ولذا قال في البدائع: أمر الطلاق الرجعي فالحكم الأصلي له نقصان
العدد، فأما زوال الملك وحل الوطء فليس بحكم أصلي له لازم حتى لا يثبت للحال
بل بعد انقضاء العدة، وهذا عندنا. وعند الشافعي زوال حل الوطء من أحكامه الأصلية
له حتى لا يحل له وطؤها قبل المراجعة. قوله: (هو ما اشتمل على الطلاق) أي على
مادة ((ط ل ق)) صريحاً، مثل أنت طالق، أو كناية كمطلقة بالتخفيف وکانت ((ط ل ق))
وغيرهما كقول القاضي فرقت بينهما عند إباء الزوج الإسلام، والعنة واللعان وسائر
الكنايات المفيدة للرجعة والبينونة ولفظ الخلع فتح، لكن قوله وغيرهما: أي غير
الصريح والكناية يفيد أن قول القاضي فرقت، والكنايات ولفظ الخلع مما اشتمل على
مادة ((ط ل ق)) وليس كذلك، فالمناسب عطفه على ما اشتمل، والضمير عائد على ((ما))
وثناه نظراً للمعنى لأنه واقع على الصريح والكناية. قوله: (فخرج الفسوخ الخ) قال في
الفتح: فخرج تفريق القاضي في إبائها، وردة أحد الزوجين، وتباين الدار حقيقة
وحكماً، وخيار البلوغ، والعتق، وعدم الكفاءة، ونقصان المهر فإنها ليست طلاقاً أهـ.
وقد مر نظماً في باب الولي، ما هو طلاق وما هو فسخ وما يشترط فيه قضاء القاضي

٤٢٧
كتاب الطلاق
وبهذا علم أن عبارة الكنز والملتقى منقوضة طرداً وعكساً. بحر (وإيقاعه مباح)
عند العامة لإطلاق الآيات أكمل (وقيل) قائله الكمال (الأصح حظره) أي منعه
(إلا لحاجة) كريبة وكبر، والمذهب الأول كما في البحر وقولهم الأصل فيه
وما لا يشترط، فراجعه. قوله: (وبهذا) أي بزيادة قوله: ((أو المآل)) وقوله: ((بلفظ
مخصوص)). قوله: (عبارة الكنز والملتقى) هي رفع القيد الثابت شرعاً بالنكاح. قوله:
(منقوضة طرداً وعكساً) أي أنها غير مانعة لدخول الفسوخ فيها وغير جامعة لخروج
الرجعي. قوله: (كريبة) هي الظن والشك: أي ظن الفاحشة. قوله: (والمذهب الأول)
لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَطَلْقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ [الطلاق ١] ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ
النِّسَاءَ﴾ [البقرة ٢٣٦] ولأنه * طلق حفصة لا لريبة ولا كبر، وكذا فعله الصحابة،
والحسن بن عليّ رضي الله عنهما استكثر النكاح والطلاق. وأما ما رواه أبو داود أنه الخير
قال: ((أَبْغَضُ الحَلَالِ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ الطلاقُ(١)) فالمراد بالحلال ما ليس فعله بلازم
الشامل للمباح والمندوب والواجب والمكروه كما قاله الشمني. بحر ملخصاً.
قلت: لكن حاصل الجواب أن كونه مبغوضاً لا ينافي كونه حلالاً، فإن الحلال
بهذا المعنى يشمل المكروه وهو مبغوض، بخلاف ما إذا أريد بالحلال ما لا يترجح تركه
على فعله؛ وأنت خبير أن هذا: الجواب مؤيد للقول الثاني، ويأتي بعده تأييده أيضاً،
فافهم. قوله: (وقولهم الخ) جواب عن قوله في الفتح إن قولهم بإباحته وإبطالهم قول من
قال لا يباح إلا لكبر أو ريبة بأنه * طلق حفصة ولم يقترن بواحد منهما مناف لقولهم الأصل
فيه الحظر، لما فيه من كفران نعمة النكاح والإباحة للحاجة إلى الخلاص، ولحديث
(أَبْغَضُ الحَلَالِ إِلَى الله تَعَالَى الطَّلاَقُ)) وأجاب في البحر بأن هذا الأصل لا يدل على أنه
محظور شرعاً، وإنما يفيد أن الأصل فيه الحظر وترك ذلك بالشرع فصار الحل هو
المشروع؛ فهو نظير قولهم: الأصل في النكاح الحظر، وإنما أبيح للحاجة إلى التوالد
والتناسل، فهل يفهم منه أنه محظور؟ فالحق إباحته لغير حاجة طلباً للخلاص منها للأدلة
المارة اهـ.
أقول: لا يخفى ما بين الأصلين من الفرق، فإن الحظر الذي هو الأصل في
النكاح قد زال بالكلية؛ فلم يبق فيه حظر أصلاً إلا لعارض خارجي بخلاف الطلاق،
فقد صرح في الهداية بأنه مشروع في ذاته من حيث إنه إزالة الرقّ، وأن هذا لا ينافي
الحظر لمعنى في غيره؛ وهو ما فيه من قطع النكاح الذي تعلقت به المصالح الدينية
والدنيوية اهـ. فهذا صريح في أنه مشروع ومحظور من جهتين، وأنه لا منافاة في
(١) أخرجه أبو داود ٦٣١/٢ (٢١٧٨) وابن ماجه ٦٥٠/١ (٢٠١٨) والحاكم ١٩٦/٢ وصححه ووافقه الذهبي.

٤٢٨
كتاب الطلاق
الحظر معناه أن الشارع ترك هذا الأصل فأباحه، بل يستحب لو مؤذية أو تاركة
صلاة. غاية. ومفاده أن لا إثم بمعاشرة من لا تصلي، ويجب
اجتماعهما لاختلاف الحيثية كالصلاة في الأرض المغصوبة، فكون الأصل فيه الحظر
لم يزل بالكلية بل هو باق إلى الآن؛ بخلاف الحظر في النكاح فإنه من حيث كونه
انتفاعاً بجزء الآدمي المحترم واطلاعاً على العورات قد زال للحاجة إلى التوالد وبقاء
العالم.
وأما الطلاق فإن الأصل فيه الحظر، بمعنى أنه محظور إلا لعارض يبيحه، وهو
معنى قولهم: ((الأصل فيه الحظر)) والإباحة للحاجة إلى الخلاص، فإذا كان بلا سبب
أصلاً لم يكن فيه حاجة إلى الخلاص، بل يكون حمقاً وسفاهة رأي ومجرد كفران النعمة
وإخلاص الإيذاء بها وبأهلها وأولادها، ولهذا قالوا: إن سببه الحاجة إلى الخلاص عند
تباين الأخلاق وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى، فليست الحاجة
مختصة بالكبر والريبة كما قيل، بل هي أعم كما اختاره في الفتح، فحيث تجرد عن
الحاجة المبيحة له شرعاً يبقى على أصله من الحظر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ
فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء ٣٤] أي لا تطلبوا الفراق، وعليه حديث ((أَبْغَضُ
الحَلَالِ إِلَى الله الطَّلَاقُ)) قال في الفتح: ويحمل لفظ المباح على ما أبيح في بعض
الأوقات: أعني أوقات تحقق الحاجة المبيحة اهـ. وإذا وجدت الحاجة المذكورة أبيح،
وعليها يحمل ما وقع منه وَل﴿ ومن أصحابه وغيرهم من الأئمة صوناً لهم عن العبث
والإيذاء بلا سبب، فقوله في البحر: إن الحق إباحته لغير حاجة طلباً للخلاص منها، إن
أراد بالخلاص منها الخلاص بلا سبب كما هو المتبادر منه فهو ممنوع لمخالفته لقولهم:
إن إباحته للحاجة إلى الخلاص، فلم يبيحوه إلا عند الحاجة إليه لا عند مجرد إرادة
الخلاص؛ وإن أراد الخلاص عند الحاجة إليه فهو المطلوب. وقوله في البحر أيضاً:
إن ما صححه في الفتح اختيار للقول الضعيف وليس المذهب عن علمائنا، فيه نظر،
لأن الضعيف هو عدم إباحته إلا لكبر أو ريبة. والذي صححه في الفتح عدم التقييد
بذلك كما هو مقتضى إطلاقهم الحاجة.
وبما قررناه أيضاً زال التنافي بين قولهم بإباحته، وقولهم إن الأصل فيه الحظر
لاختلاف الحيثية، وظهر أيضاً أنه لا مخالفة بين ما ادعاه أنه المذهب وما صححه في
الفتح، فاغتنم هذا التحرير فإنه من فتح القدير. قوله: (بل يستحب) إضراب انتقالي ط.
قوله: (لو مؤذية) أطلقه فشمل المؤذية له أو لغيره بقولها أو بفعلها ط. قوله: (أو تاركة
صلاة) الظاهر أن ترك الفرائض غير الصلاة كالصلاة. وعن ابن مسعود: لأن ألقى الله
تعالى وصداقها بذمتي خير من أن أعاشر امرأة لا تصلي ط. قوله: (ومفاده) أي مفاد

٤٢٩
كتاب الطلاق
لو فات الإمساك بالمعروف، ويحرم لو بدعياً.
ومن محاسنه التخلص به من المكاره، وبه يعلم أن طلاق الدور بنحو: إن
طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً واقع إجماعاً، كما حرره المصنف معزياً لجواهر
الفتاوى، حتى لو حكم بصحة الدور حاكم لا ينفذ أصلاً.
استحباب طلاقها، وهذا قاله في البحر. وقال ولهذا قالوا في الفتاوى: له أن يضربها
على ترك الصلاة، ولم يقولوا عليه مع أن في ضربها على تركها روايتين ذكرهما
قاضيخان اهـ. قوله: (لو فات الإمساك بالمعروف) كما لو كان خصياً أو مجبوباً أو عنيناً
أو شكازاً أو مسحراً. والشكاز: بفتح الشين المعجمة وتشديد الكاف وبالزاي هو الذي
تنتشر آلته للمرأة قبل أن يخالطها، ثم لا تنتشر آلته بعده لجماعها. والمسحر بفتح الحاء
المشددة وهو المسحور، ويسمى المربوط في زماننا. ح عن شرح الوهبانية. قوله: (لو
بدعياً) يأتي بيانه. قوله: (ومن محاسنه التخلص به من المكاره) أي الدينية والدنيوية.
بحر: أي كأن عجز عن إقامة حقوق الزوج، أو كان لا يشتهيها.
قال في الفتح: ومنها: أي من محاسنه جعله بید الرجال دون النساء لاختصاصهن
بنقصان العقل وغلبة الهوى ونقصان الدين. ومنها: شرعه ثلاثاً، لأن النفس كذوبة ربما
تظهر عدم الحاجة إليها ثم يحصل الندم فشرع ثلاثاً ليجرب نفسه أولاً وثانياً اهـ ملخصاً.
مَطْلَبُ: طَلَاقُ النُّورِ
قوله: (وبه) أي بكون التخلص المذكور من محاسنه، إذ لو لم يقع طلاق الدور
لفاتت هذه الحكمة اهـ ح.
وسمي بالدور لأنه دار الأمر بين متنافيين، لأنه يلزم من وقوع المنجز وقوع
الثلاث المعلقة قبله، ويلزم من وقوع الثلاث قبله عدم وقوعه، فليس المراد الدور
المصطلح عليه في علم الكلام، وهو توقف كل من الشيئين على الآخر، فيلزم توقف
الشيء على نفسه وتأخره، إما بمرتبة أو مرتبتين ط. قوله: (واقع) أي إذا طلقها واحدة
يقع ثلاث: الواحدة المنجزة وثنتان من المعلقة، ولو طلقها ثنتين وقعتا وواحدة من
المعلقة، أو طلقها ثلاثاً يقعن فينزل الطلاق المعلق لا يصادف أهلية فيلغو؛ ولو قال:
إن طلقتك فأنت طالق قبله ثم طلقها واحدة وقع ثنتان: المنجزة والمعلقة، وقس على
ذلك، كذا في فتح القدير. قوله: (حتى لو حكم الخ) تفريع على قوله: ((واقع إجماعاً)
ثم هذا ذكره المصنف أيضاً عن جواهر الفتاوى، فإنه قال: ولو حكم حاكم بصحة
الدور وبقاء النكاح وعدم وقوع الطلاق لا ينفذ حكمه، ويجب على حاكم آخر تفريقهما،
لأن مثل هذا لا يعد خلافاً لأنه قول مجهول باطل فاسد ظاهر البطلان، ونقل قبله عن

٤٣٠
كتاب الطلاق
جواهر الفتاوى أن هذا القول لأبي العباس بن سريج من أصحاب الشافعي، وأنه أنكر
عليه جميع أئمة المسلمين، وأنه نقول مخترع، فإن الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة
السلف من أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما أجمعت على أن طلاق المكلف واقع اهـ.
قلت: لكن يشكل على دعوى الإجماع أن كثيراً من أئمة الشافعية قالوا بصحة
الدور، كالمزني(١) وابن الحداد والقفال(٢) والقاضي أبي الطيب والبيضاوي، وكذا
الغزالي والسیکي، لکنهما رجعاعنه.
وقد عزا في فتح القدير القول ببطلان الدور إلى بعض المتأخرين من مشايخنا
والقول بصحته، وأنها لا تطلق إلى أكثرهم، وانتصر له صاحب البحر، لكن رأيت مؤلفاً
حافلاً للعلامة ابن حجر المكي، في بطلانه، وأنه قول أكثر الشافعية، وأن القرافي من
المالكية نقل عن شيخه العزّ بن عبد السلام الشافعي الملقب بسلطان العلماء أنه لا
يصح، بل يجوم تقليد القائل بصحته وينقض قضاء القاضي به لمخالفته لقواعد الشرع،
وقال: إنه شنع على القائل به جماعة من الحنفية والمالكية والحنابلة، وأنه نقل بعض
الأئمة عن أبي حنيفة وأصحابه الاتفاق على فساد الدور، وإنما وقع عنهم في وقوع
الثلاث أو المنجز وحده، وأن شارح الإرشاد قال: إن المعتمد في الفتوى. وقوع
المنجز، وعليه العمل في الديار المصرية والشامية، وعزاه الرافعي إلى أبي حنيفة، وأنه
بالغ السروجي من الحنفية فقال: إنه يشبه مذاهب النصارى أنه لا يمكن الزوج إيقاع
طلاق على زوجته مدة عمره اهـ ملخصاً. وذكر في فتح القدير أيضاً أن القول بصحة
الدور مخالف لحكم اللغة ولحكم العقل ولحكم الشرع، وقرره بما لا مزيد عليه فارجع
إليه.
تنبيه: قد بان لك أن المعتمد عنه الشافعية وقوع المنجز فقط بناء على إيطال
الكلام كله وهو جملة التعليق، وقد مرّ عن الفتح الجزم بوقوع الثلاث عندنا بناء على
(١) إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق أبو إبراهيم المزني المصري، ولد سنة ١٧٥، أخذ عن
الشافعي، وكان يقول: أنا خلق من أخلاق الشافعي، صنف في مذهب الشافعي: المبسوط، والمختصر،
والمنثور، وغير ذلك، قال الشافعي: لو ناظر الشيطان لغلبه انظر: ط ت: ٢٦٤هـ. ابن قاضي شهبة ١/
٥٨، وفيات الأعيان ١٩٦/٢، والأنساب ٠/٥٢٧ب.
(٢) أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل، الشاشي، القفال التكبير، أحد أعلام الشافعية وأئمة المسلمين، ولد
سنة ٢٩١، سمع من أبي بكر بن خزيمة ومحمد بن جرير وأبي القاسم البغوي وغيرهم، قال الحليمي: كان
شيخنا القفال أعلم من لقيته من علماء عصره، وقال الشيرازي: وهو أول من صنف في الجدل الحسن من
الفقهاء، ومن تصانيفه: دلائل النبوة وأدب القضاء وغيرها. مات سنة ٣٦٥. انظر: ط. ابن قاضي شهبة ١/
١٤٨، ط. الشيرازي ٩١، ط. السبكي ١٧٦/٢.

٤٣١
كتاب الطلاق
(وأقسامه ثلاثة: حسن، وأحسن، وبدعي يأثم به) وألفاظه: صريح،
وملحق به، وكناية (ومحله المنكوحة) وأهله زوج عاقل بالغ مستيقظ، وركنه لفظ
مخصوص خال عن الاستثناء
إيطال لفظ قبله فقط، لأن الدور إنما حصل به، ونقل ابن حجر عن مغني الحنابلة
حكاية القولين عندهم، وقدمنا ما يفيد أن الخلاف ثابت عندنا أيضاً، والله أعلم. قوله:
(وأقسامه ثلاثة الخ) يأتي بيانها قريباً. قوله: (صريح) هو ما لا يستعمل إلا في حلّ عقدة
النكاح، سواء كان الواقع به رجعياً أو بائناً كما سيأتي بيانه في الباب الآتي. قوله:
(وملحق به) أي من حيث عدم احتياجه إلى النية كلفظ التحريم أو من حيث وقوع
الرجعي به وإن احتاج إلى نية: كاعتدي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة. أفاده
الرحمتي. قوله: (وکنایة) هي ما لم يوضع للطلاق واحتمله وغيره كما سيأتي في بابه.
قوله: (ومحله المنكوحة) أي ولو معتدة عن طلاق رجعي أو بائن غير ثلاث في حرّة
وثنتين في أمة أو عن نسخ بتفريق لإباء أحدهما عن الإسلام أو بارتداد أحدهما، ونظم
ذلك المقدسي بقوله:
بِعِدَّةٍ عَنِ الطَّلَقِ يُلْحَقُ أَوْ رِدَّةٍ أَوْ بِالإِبَاءِ يُفْرَقُ
بخلاف عدة الفسخ بحرمة مؤبدة كتقبيل ابن الزوج، أو غير مؤبدة كالفسخ بخيار
عتق وبلوغ وعدم كفاءة ونقضان مهر وسبي أحدهما ومهاجرته، فلا يقع الطلاق فيها كما
حرره في البحر عن الفتح، وكذا سيأتي آخر الباب: لو حررت زوجها حين ملكته
فطلقها في العدة لا يقع، ويأتي تمام الكلام عليه آخر الكنايات. قوله: (وأهله زوج
عاقل الخ) احترز بالزوج عن سيد العبد ووالد الصغير، وبالعاقل ولو حكماً عن
المجنون والمعتوه والمدهوش والمبرسم والمغمى عليه، بخلاف السكوان مضطراً أو
مكرهاً، وبالبالغ عن الصبيّ ولو مراهقاً، وبالمستيقظ عن النائم. وأفاد أنه لا يشترط
كونه مسلماً صحيحاً طائعاً جاداً عامداً فيقع طلاق العبد والسكران بسبب محظور،
والكافر والمريض والمكره والهازل والمخطئ كما سيأتي. قوله: (وركنه لفظ
مخصوص) هو ما جعل دلالة على معنى الطلاق من صريح أو كناية فخرج الفسوخ على
ما مر، وأراد اللفظ ولو حكماً ليدخل الكتابة المستبينة وإشارة الأخرس وإشارة إلى
العدد بالأصابع في قوله أنت طالق هكذا كما سيأتي، وبه ظهر أن من تشاجر مع زوجته
فأعطاها ثلاثة أحجار ينوي الطلاق ولم يذكر لفظاً صريحاً ولا كناية لا يقع عليه كما أفتى
به الخير الرملي وغيره، وكذا ما يفعله بعض سكان البوادي من أمرها بحلق شعرها لا
يقع به طلاق وإن نواه. قوله: (خال عن الاستثناء) أما إذا صاحبه استثناء بشروطه فلا
يتحقق طلاق كقوله: إن شاء الله تعالى، أو: إلا أن يشاء الله تعالى. زاد في البحر: وأن

٤٣٢
كتاب الطلاق
(طلقة) رجعية (فقط في طهر لا وطء فيه) وتركها حتى تمضي عدتها (أحسن)
بالنسبة إلى البعض الآخر (وطلقة لغير موطوءة ولو في حيض ولموطوءة تفريق
لا يكون الطلاق انتهاء غاية، فإنه لو قال أنت طالق من واحدة إلى ثلاث لم تقع الثالثة
عند الإمام ط. قوله: (طلقة) التاء للوحدة، وقيد بها لأن الزائد عليها بكلمة واحدة
بدعي ومتفرقاً ليس بأحسن. بحر. قوله: (رجعية) فالواحدة البائنة بدعية في ظاهر
الرواية، وفي رواية: الزيادات لاتكره. بحر عن الفتح. ثم ذكر عن المحيط أن الخلع
في حالة الحيض لا يكره بالإجماع لأنه لا يمكن تحصيل العوض إلا به اهـ. وسيذكره
الشارح، ويأتي تمامه. قوله: (في طهر) هذا صادق بأوله وآخره، قيل والثاني أولى
احترازاً من تطويل العدة عليها، وقيل الأول. قال في الهداية: وهو الأظهر من كلام
محمد. نهر، واحترز به عن الحيض فإنه فيه بدعي كما يأتي. قوله: (لا وطء فيه) جملة
في محل جرّ صفة لطهر، ولم يقل منه ليدخل في كلامه ما لو وطئت بشبهة فإن طلاقها
فيه حينئذ بدعي نصّ عليه الإسبيجابي، لكن يرد عليه الزنى، فإن الطلاق في طهر وقع
فيه سني؛ حتى لو قال لها أنت طالق للسنة وهي طاهرة ولكن وطئها غيره، فإن كان
زنى وقع، وإن بشبهة فلا، كذا في المحيط، وكأن الفرق أن وطء الزنى لم يترتب عليه
أحكام النكاح فكان هدراً، بخلاف الوطء بشبهة، وبهذا عرف أن كلام المصنف أولى
من قول غيره لم يجامعها فيه، لكن لا بد أن يقول: ولا في حيض قبله ولا طلاق
فيهما، ولم يظهر حملها، ولم تكن آيسة ولا صغيرة كما في البدائع؛ لأنه لو طلقها في
طهر وطئها في حيض قبله كان بدعياً، وكذا لو كان قد طلقها فيه وفي هذا الطهر، لأن
الجمع بين تطلیقتین في طهر واحد مکروه عندنا؛ ولو طلقها بعد ظهور حملها أو كانت
ممن لا تحيض في طهر وطئها فيه لا يكون بدعياً لعدم العلة: أعني تطويل العدة عليهما.
نهر. قوله: (وتركها حتى تمضي عدتها) معناه الترك من غير طلاق آخر لا الترك مطلقاً،
لأنه إذا راجعها لا يخرج الطلاق عن كونه أحسن. بحر. قوله: (أحسن) أي من القسم
الثاني لأنه متفق عليه، بخلاف الثاني، فإن مالكاً قال بكراهته لاندفاع الحاجة بواحدة.
بحر عن المعراج. قوله: (بالنسبة إلى البعض الآخر) أي لا أنه في نفسه حسن، فاندفع
به ما قيل كيف يكون حسناً مع أنه أبغض الحلال، وهذا أحد قسمي المسنون، ومعنى
المسنون هنا ما ثبت على وجه لا يستوجب عتاباً لا أنه المستعقب للثواب، لأن الطلاق
ليس عبادة في نفسه ليثبت له ثواب، فالمراد هنا المباح؛ نعم لو وقعت له داعية أن
يطلقها بدعياً فمنع نفسه إلى وقت السني يثاب على كفّ نفسه عن المعصية لا عن نفس
الطلاق ككف نفسه عن الزنى مثلاً بعد تهيؤ أسبابه ووجود الداعية، فإنه يثاب لا على
عدم الزنى لأن الصحيح أن المكلف به الكفّ لا العدم كما عرف في الأصول. بحر

٤٣٣
كتاب الطلاق
الثلاث في ثلاثة أطهار لا وطء فيها ولا في حيض قبلها ولا طلاق فيه فيمن
تحيض، و) في ثلاثة (أشهر في) حق (غيرها) حسن وسني، فعلم أن الأول سني
وفتح. قوله: (وطلقة) مبتدأ و ((لغير موطوءة)) أي مدخول بها متعلق بمحذوف صفة له،
وكذا الجار في قوله و((لو في حيض)) وقوله: ((ولموطوءة)) متعلق بـ(تفريق)) أو حال منه
على رأي، و ((تفريق)) معطوف بهذه الواو على المبتدإ قبله، وقوله: ((وفي ثلاثة أطهار))
متعلق بـ((تفريق)) أيضاً، وقوله: ((فيمن تحيض)) حال من ((ثلاث)) المضاف إليه تفريق
لكونه مفعوله في المعنى، وقوله: ((وفي ثلاثة أشهر)) عطف على ((في ثلاثة أطهار))
وقوله: ((حسن)) خبر المبتدأ و((ما)) عطف عليه.
وحاصله أن السنة في الطلاق من وجهين: العدد والوقت؛ فالعدد وهو أن لا يزيد
على الواحدة بكلمة واحدة لا فرق فيه بين المدخولة وغيرها، لكنه في المدخولة خاص
بما إذا كان في طهر لا وطء فيه ولا في حيض قبله كما مر وإلا فهو بدعي، وفي غيرها
لا فرق بين كونه في طهر أو في حيض، لأن الوقت: أعني الطهر الخالي عن الجماع
خاص بالمدخولة، فلزم في المدخولة مراعاة الوقت والعدد، بأن يطلقها واحدة في
الطهر المذكور فقط وهو السني الأحسن، أو ثلاثاً مفرقة في ثلاثة أطهار أو أشهر وهو
السني الحسن. وذكر في البحر عن المعراج أن الخلوة كالوطء هنا، وتقدم التصريح
بذلك في أحكام الخلوة من كتاب النكاح. قوله: (في ثلاثة أطهار) أي إن كانت حرّة،
وإلا ففي طهرين. برجندي، والخلاف المتقدم في أول الطهر، وآخره يجري هنا كما نبه
عليه في البحر. قوله: (ولا طلاق فيه) أي في الحيض، لأنه بمنزلة ما لو أوقع
التطليقتين في هذا الطهر وهو مكروه، وإنما لم يقل ولا طلاق فيه ولا في الطهر لأن
الموضوع تفريق الثلاث في ثلاثة أطهار ط. قوله: (وفي ثلاثة أشهر) أي هلالية إن
طلقها في أول الشهر وهو الليلة التي رئي فيها الهلال، وإلا اعتبر كل شهر ثلاثين يوماً
في تفريق الطلاق اتفاقاً، وكذا في حقّ انقضاء العدة عنده. وعندهما شهر بالأيام وشهران
بالأهلة. قال في الفتح: قيل الفتوى على قولهما لأنه أسهل، وليس بشيء اهـ. قوله:
(في حق غيرها) أي في حق من بلغت بالسن ولم تر دماً أو كانت حاملاً أو صغيرة لم
تبلغ تسع سنين على المختار، أو آيسة بلغت خمساً وخمسين سنة على الراجح، أما ممتدة
الطهر فمن ذوات الأقراء لأنها شابة رأت الدم فلا يطلقها للسنة إلا واحدة ما لم تدخل
في حدّ الإیاس، إذ الحیض مرجوّ في حقها صرح به غير واحد. نهر.
قال في البحر: فعلى هذا لو كان قد جامعها في الطهر وامتدّ لا يمكن تطليقها
للسنة حتى تحيض ثم تطهر وهي كثيرة الوقوع في الشابة التي لا تحيض زمان
الرضاع اهـ.

٤٣٤
كتاب الطلاق
بالأولى (وحل طلاقهن) أي الآيسة والصغيرة والحامل (عقب وطء) لأن الكراهة
فيمن تحيض لتوهم الحبل وهو مفقود هنا.
(والبدعي ثلاث متفرقة) أو ثنتان بمرة أو مرتين
قلت: وتقييد الصغيرة بالتي لم تبلغ تسعاً يفيد أن التي بلغتها؛ لا يفرق طلاقها
على الأشهر وليس كذلك وإنما تظهر فائدته في قوله بعده ((وحل طلاقهن عقب وطء))
كما تعرفه. قوله: (بالأولى) لأن الأول أحسن منه، وهذا الجواب لصاحب النهر عن
قول الفتح: لا وجه لتخصيص هذا باسم طلاق السنة، لأن الأول أيضاً كذلك،
فالمناسب تمييزه بالمفضول من طلاق السنة اهـ. قوله: (أي الآيسة والصغيرة والحامل)
أي المفهومات من قوله: ((في غيرها)) وكان الأولى للمصنف التصريح بهن هناك ليعود
الضمير في طلاقهن إلى مذكور صريحاً، ولئلا يرد عليه من بلغت بالسن وامتد طهرها أو
بلغت تسعاً كما يظهر مما بعده. قوله: (لأن الكراهة الخ) أي لأن كراهة الطلاق في طهر
جامع فيه ذوات الحيض لتوهم الحبل فيشتبه وجه العدة أنها بالحيض أو بالوضع.
قال في الفتح: وهذا الوجه يقتضي في التي لا تحيض لا لصغر ولكبر، بل اتفق امتداد
طهرها متصلاً بالصغر وفي التي لم تبلغ بعد وقد وصلت إلى سن البلوغ أن لا يجوز تعقيب
وطئها بطلاقها لتوهم الحبل في كل منهما اهـ. وقال قبله: وفي المحيط قال الحلواني: هذا
في صغيرة لا يرجى حبلها، أما فيمن يرجى فالأفضل له أن يفصل بين وطئها وطلاقها بشهر
كما قال زفر. ولا يخفى أن قول زفر ليس هو أفضلية الفصل بل لزومه اهـ.
وأجاب في البحر بأن التشبيه إنما هو بأصل الفاصل وهو الشهر لا في
الأفضلية اهـ. واحترز بقوله متصلاً بالصغر: أي بأن بلغت بالسن وامتد طهرها عمن امتد
طهرها بعد ما بلغت بالحيض فإنها لا تطلق للسنة إلا واحدة كما مر، لأنها شابة قد رأت
الدم وهو مرجوّ الوجود ساعة فساعة، فبقي فيها أحكام ذوات الأقراء، بخلاف من
بلغت ولم تر الدم أصلاً. قوله: (والبدعي) منسوب إلى البدعة، والمراد بها هنا
المحرمة لتصريحهم بعصيانه. بحر. قوله: (ثلاثة متفرقة) وكذا بكلمة واحدة بالأولى.
وعن الإمامية: لا يقع بلفظ الثلاث ولا في حالة الحيض لأنه بدعة محرمة. وعن ابن
عباس: يقع به واحدة، وبه قال ابن إسحاق وطاوس وعكرمة، لما في مسلم أن ابن
عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله عليه وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر
طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في، أمر كان لهم فيه أناة، فلو
أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. وذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة
المسلمين إلى أنه يقع ثلاث.
قال في الفتح بعد سوق الأحاديث الدالة عليه: وهذا يعارض ما تقدم، وأما

٤٣٥
كتاب الطلاق
في طهر واحد (لا رجعة فيه، أو واحدة في طهر وطئت فيه، أو) واحدة في
(حيض موطوءة) لو قال: والبدعي ما خالفهما لكان أوجز وأفود (وتجب رجعتها)
على الأصح (فيه) أي في الحيض
إمضاء عمر الثلاث علیهم مع عدم مخالفة الصحابة له وعلمه بأنها كانت واحدة فلا يمكن
إلا وقد اطلعوا في الزمان المتأخر على وجود ناسخ أو لعلمهم بانتهاء الحكم لذلك
لعلمهم بإناطته بمعان علموا انتفاءها في الزمن المتأخر.
وقول بعض الحنابلة: توفي رسول الله ﴿ عن مائة ألف عين رأته، فهل صح
لكم عنهم أو عن عشر عشر عشرهم القول بوقوع الثلاث باطل؟ أما أولاً فإجماعهم
ظاهر، لأنه لم ينقل عن أحد منهم أنه خالف عمر حين أمضى الثلاث، ولا يلزم في
نقل الحكم الإجماعي عن مائة ألف تسمية كل في مجلد كبير لحكم واحد على أنه إجماع
سكوتي. وأما ثانياً فالعبرة في نقل الإجماع نقل ما عن المجتهدين والمائة ألف لا يبلغ
عدة المجتهدين الفقهاء منهم أكثر من عشرين كالخلفاء والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن
جبل وأنس وأبي هريرة، والباقون يرجعون إليهم ويستفتون منهم. وقد ثبت النقل عن
أكثرهم صريحاً بإيقاع الثلاث ولم يظهر لهم مخالف . فماذا بعد الحق إلا الضلال . وعن
هذا قلنا: لو حكم حاکم بأنها واحدة لم ينفذ حکمه لأنه لا يسوغ الاجتهاد فيه، فهو
خلاف لا اختلاف، وغاية الأمر فيه أن يصير كبيع أمهات الأولاد أجمع على نفيه وكن
في الزمن الأول يبعن اهـ ملخصاً. ثم أطال في ذلك. قوله: (في طهر واحد) قيد
للثلاث والثنتين. قوله: (لا رجعة فيه) فلو تخلل بين الطلقتين رجعة لا يكره إن كانت
بالقول أو بنحو القبلة أو اللمس عن شهوة، لا بالجماع إجماعاً لأنه طهر فيه جماع، وهذا
على رواية الطحاوي الآتية. وظاهر الرواية أن الرجعة لا تكون فاصلة، وكذا لو تخلل
النكاح. أفاده في البحر. قوله: (وطئت فيه) أي ولم تكن حبلى ولا آيسة ولا صغيرة
لم تبلغ تسع سنين كما مر. قوله: (في حيض موطوءة) أي مدخول بها، ومثلها
المختلى بها كما مر. قوله: (لكان أوجز وأفود) أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأنه
يشمل ما ذكره ويشمل الطلاق البائن كما مر، وما لو طلقها في النفاس فإنه بدعي كما
في البحر، وما لو طلقها في طهر لم يجامعها فيه بل في حيض قبله، وما لو طلقها في
طهر طلقها في حيض قبله، فافهم. قوله: (وتجب رجعتها) أي الموطوءة المطلقة في
الحيض. قوله: (على الأصح) مقابله قول القدوري: إنها مستحبة، لأن المعصية وقعت
فتعذر ارتفاعها، ووجه الأصح قوله {وَ ل# لعمر في حديث ابن عمر في الصحيحين ((مر
ابنك فليراجعها (١))) حين طلقها في حالة الحيض، فإنه يشتمل على وجوبين: صريح
(١) أخرجه البخاري ٦٥٣/٨ (٤٩٠٨) ومسلم ١٠٩٣/٢ (١٤٧١/٥٥١).

٤٣٦
كتاب الطلاق
رفعاً للمعصية (فإذا طهرت) طلقها (إن شاء) أو أمسكها، قيد بالطلاق لأن التخيير
والاختیار والخلع في الحيض
وهو الوجوب على عمر أن يأمر. وضمني، وهو ما يتعلق بابنه عند توجيه الصيغة إليه،
فإن عمر نائب فيه عن النبي ﴿ فهو كالمبلغ، وتعذر ارتفاع المعصية لا يصلح صارفاً
للصيغة عن الوجوب لجواز إيجاب رفع أثرها وهو العدة وتطويلها، إذ بقاء الشيء ما هو
أثره من وجه فلا تترك الحقيقة، وتمامه في الفتح. قوله: (رفعاً للمعصية) بالراء، وهي
أولى من نسخة الدال ط: أي لأن الدفع بالدال لما لم يقع والرفع بالراء للواقع
والمعصية هنا وقعت، والمراد رفع أثرها وهو العدة وتطويلها كما علمت، لأن رفع
الطلاق بعد وقوعه غير ممكن. قوله: (فإذا طهرت طلقها إن شاء) ظاهر عبارته أنه يطلقها
في الطهر الذي طلقها في حيضه وهو موافق لما ذكره الطحاوي، وهو رواية عن الإمام،
لأن أثر الطلاق انعدم بالمراجعة فكأنه لم يطلقها في هذه الحيضة فيسن تطليقها في
طهرها، لكن المذكور في الأصل وهو ظاهر الرواية كما في الكافي وظاهر المذهب،
وقول الكل كما في فتح القدير: إنه إذا راجعها في الحيض أمسك عن طلاقها حتى
تطهر ثم تحيض ثم تطهر فيطلقها ثانية. ولا يطلقها في الطهر الذي يطلقها في حيضه
لأنه بدعي، كذا في البحر والمنح وعبارة المصنف تحتمله اهـح. ويدل لظاهر الرواية
حديث الصحيحين ((مُزِ أَبِئْكَ فَلْيراجِعْهَا ثُمَّ ليُمْسِكْهَا حَتَّى تَظْهُرَ ثُمَّ تَحِيضُ فَتَطْهُرَ فَإِنْ بَدَا
لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكِ العِدَّةُ كَمَا أَمَرَ الله عَزَّ وَجَلَّ»
بحر .
قال في الفتح: ويظهر من لفظ الحديث تقييد الرجعة بذلك الحيض الذي أوقع
فيه، وهو المفهوم من كلام الأصحاب إذا تؤمل، فلو لم يفعل حتى طهرت تقرّرت
المعصية اهـ.
وقد يقال: هذا ظاهر على رواية الطحاوي، أما على المذهب فينبغي أن لا تقرأ
المعصية حتى يأتي الطهر الثاني. بحر.
قلت: وفيه نظر، فإنه حيث كان ذلك هو المفهوم من الحديث وكلام الأصحاب
يحمل المذهب عليه، فتأمل. قوله: (قيد بالطلاق) أي في قوله: ((أو في حيض موطوءة»
والمراد أيضاً بالطلاق الرجعي احترازاً عن البائن فإنه بدعي في ظاهر الرواية وإن كان في
الطهر كما مر. قوله: (لأن التخيير الخ) أي قوله لها اختاري نفسك وهي حائض، وكذا
لو اختارت نفسها. قال في الذخيرة عن المنتقى: ولا بأس بأن يخلعها في الحيض إذا رأى
منها ما يكره، ولا بأس بأن يخيرها في الحيض، ولا بأس بأن تختار نفسها في الحيض؛
ولو أدركت فاختارت نفسها فلا بأس للقاضي أن يفرق بينهما في الحيض اهـ.

٤٣٧
كتاب الطلاق
لا يكره. مجتبى. والنفاس كالحيض. جوهرة.
(قال لموطوءة وهي) حال كونها ممن تحيض (أنت طالق ثلاثاً) أو ثنتين (للسنة
وقع عند كل طهر طلقة) وتقع أولاها في طهر لا وطء فيه، فلو كانت غير موطوءة
أو لا تحیض تقع واحدة للحال، ثم كلما نكحها
وفي البدائع: وكذا إذا أعتقت فلا بأس بأن تختار نفسها وهي حائض، وكذا امرأة
العنين اهـ. وكذا الطلاق على مال لا يكره في الحيض كما صرح به في البحر عن
المعراج، والمراد بالخلع ما إذا كان خلعاً بمال، لما قدمناه عن المحيط من تعليل عدم
كراهته بأنه لا يمكن تحصيل العوض إلا به.
وفي الفتح: من فصل المشيئة عن الفوائد الظهيرية: لو قال لها طلقي نفسك من
ثلاث ما شئت فطلقت نفسها ثلاثاً على قولهما أو ثنتين على قوله لا يكره لأنها مضطرة،
فإنها لو فرقت خرج الأمر من يدها اهـ. قوله: (لا يكره) لأن علة الكراهة دفع الضرر
عنها بتطويل العدة، لأن الحيضة التي وقع فيها الطلاق لا تحسب من العدة وبالاختيار
والخلع قد رضيت بذلك. رحمتي.
وفيه أنه يلزم حل الطلاق مطلقاً في الحيض إذا رضيت به مع أن إطلاقهم الكراهة
ينافيه، فالأظهر تعليل الخلع والطلاق بعوض بما مر عن المحيط، وبأن التخيير ليس
طلاقاً بنفسه لأنها لا تطلق ما لم تختر نفسها فصارت كأنها أوقعت الطلاق على نفسها في
الحيض، والممنوع هو الرجل لا هي أو القاضي، هذا ما ظهر لي، فتأمل. قوله:
(والنفاس كالحيض) قال في البحر، ولما كان المنع منه الطلاق في الحيض لتطويل
العدة عليها كان النفاس مثله كما في الجوهرة. قوله: (قال لموطوءته) أي ولو حكماً
كالمختلى بها كما مر. قوله: (للسنة) اللام فيه للوقت وليست اللام بقيد، فمثلها في
السنة أو عليها أو معها، وكذا السنة ليست بقيد بل مثلها ما في معناه، كطلاق العدل
وطلاقاً عدلًا وطلاق العدة أو للعدة وطلاق الدين أو الإسلام أو أحسن الطلاق أو أجمله
أو طلاق الحق أو القرآن أو الكتاب، وتمامه في البحر. قوله: (وتقع أولاها) أي أولى
المذكورات من الثلاث أو الثنتين، فافهم. وقوله: ((في طهر لا وطء فيه)) أي ولا في
حيض قبله كما يفيده ما تقدم، فإن كان ذلك الطهر هو الذي طلقها فيه تقع فيه واحدة
للحال، ثم عند كل طهر أخرى؛ وإن كانت حائضاً أو جامعها فيه لم تطلق حتى تحيض
ثم تطهر كما في البحر. قوله: (فلو كانت غير موطوءة) محترز قوله: ((لموطوءتين)
وقوله: ((أو لا تحيض)) محترز قوله: ((وهي ممن تحيض) وشمل من لا تحيض الحامل خلافاً
لمحمد كما في البحر. قوله: (تقع واحدة للحال) أي في الصورتين، وأطلق في الحال
فشمل حالة الحيض. قوله: (ثم كلما نكحها) راجع الصورة الأولى: أي فإذا وقعت

٤٣٨
كتاب الطلاق
أو مضى شهر تقع.
(وإن نوى أن تقع الثلاث الساعة أو) أن تقع عند رأس (كل شهر واحدة
صحت نيته) لأنه محتمل كلامه.
(ويقع طلاق كل زوج بالغ عاقل) ولو تقديراً. بدائع، ليدخل السكران (ولو
عبداً أو مكرهاً) فإن طلاقه صحيح
عليها للحال بانت منه بلا عدة لأنه طلاق قبل الدخول فلا يقع غيرها، ما لم يتزوجها
فتقع أخرى بلا عدة، فإذا تزوجها أيضاً وقعت الثلاثة. وعلله في البحر بأن زوال الملك
بعد اليميين لا يبطلها اهـ. فتأمل. قوله: (أو مضى شهر) يرجع إلى الصورة الثانية.
قوله: (وإن نوى الخ) أفاد أن وقوع الثلاث على الأطهار مقيد بما إذا نواه أو أطلق. أما
إذا نوى غيره فإنه يصح. نهر. قوله: (لأنه محتمل كلامه) وهذا لأن اللام كما جاز أن
تكون للوقت جاز أن تكون للتعليل: أي لأجل السنة التي أوجبت وقوع الثلاث، وإذا
صحت نيته للحال فأولى أن تقع عند كل رأس شهر، قيد بذكر الثلاث؛ لأنه لو لم
يذكرها وقعت واحدة للحال إن كانت في طهر لم يجامعها فيه وإلا فحتى تطهر؛ ولو
نوى ثلاثاً مفرقة على الأطهار صح، ولو جملة فقولان، ورجح في الفتح القول بأنه لا
يصح، وتمامه في النهر، قوله: (ويقع طلاق كل زوج) هذه الكلية منقوضة بزوج
المبانة، إذ لا يقع طلاقه بائناً عليها في العدة. وأجيب بأنه ليس بزوج من كل وجه أو
أن امتناعه لعارض هو لزوم تحصيل الحاصل، ثم كلامه شامل لما إذا وكل به أو أجازه
من الفضولي. نهر. وسيأتي. قوله: (ليدخل السكران) أي فإنه في حكم العاقل زجراً
له، فلا منافاة بين قوله عاقل وقوله الآتي أو سكران.
مَطْلَبٌ فِي الإِكْرَاءِ عَلَى التَّوكِيلِ بِالطَّلَاقِ وَاَلْنِّكَاحِ وَأَلِتَاقِ
قوله: (فإن طلاقه صحيح) أي طلاق المكره (١)، وشمل ما إذا أكره على التوكيل
(١) لا يقع طلاق المكره على الطلاق أو على الحلف به كما لا ينفذ عتقه ولا سائر عقوده، وبه قال مالك وأحمد
وأكثر الفقهاء وقال أبو حنيفة: تصرف المكره أنه كان مما يلحقه الفسخ كالنكاح والبيع لم يصح منه، وإن
كان مما لا يلحقه كالطلاق والعتق صح منه كما يصح من المختار، واستدل بقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا
تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ حيث لم يفرق بين مكره ومختار فكان على عمومه، وبما روي عن
علي كرم الله وجهه عن النبي # أنه قال: ((كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والصبي)) فدخل طلاق
المكره في عموم الجواز، ويحديث: ((ثلاث جدهن وهزلهن جد الطلاق والنكاح والرجعة)) والمكره لا يخلو
من أن يكون جاداً أو هازلًا فيقع طلاق، وبما روي أن صفوان بن عمران كان نائماً مع امرأته في الفراش
فجلست على صدره ووضعت السكين وقالت: إن طلقتني وإلا قتلتك، فناشدها الله فأبت فطلقها ثم أتى
رسول الله # فذكر ذلك فقال لا إقالة في الطلاق أي لا رجوع فيه، فدل على وقوعه مع الإكراه، ودليلنا
ما روي عن النبي # أنه قال لا طلاق في إغلاق قال أبو عبيدة: الإغلاق الإكراه، وكذلك فسره =

٤٣٩
كتاب الطلاق
لا إقراره بالطلاق، وقد نظم في النهر ما يصح مع الإكراه فقال: [الطويل]
بالطلاق فوكل فطلق الوكيل فإنه يقع. بحر. قال محشيه الخير الرملي: ومثله العتاق كما
صرحوا به. وأما التوكيل بالنكاح فلم أر من صرح به. والظاهر أنه لا يخالفهما في
ذلك، لتصريحهم بأن الثلاث تصح مع الإكراه استحساناً.
وقد ذكر الزيلعي في مسألة الطلاق أن الوقوع استحسان، والقياس أن لا تصح
الوكالة، لأن الوكالة تبطل بالهزل، فكذا مع الإكراه كالبيع وأمثاله.
وجه الاستحسان أن الإكراه لا يمنع انعقاد البيع ولكن يوجب فساده، فكذا
التوكيل ينعقد مع الإكراه والشروط الفاسدة لا تؤثر في الوكالة لكونها من الإسقاطات؛
فإذا لم تبطل فقد نفذ تصرف الوكيل اهـ. فانظر إلا علة الاستحسان في الطلاق تجدها في
النكاح فيكون حكمهما واحد تأمل اهـ كلام الرملي. قلت: وسيأتي تمام الكلام على
ذلك في كتاب الإكراه إن شاء الله تعالى. قوله: (لا إقراره بالطلاق) قيد بالطلاق لأن
الكلام فيه، وإلا فإقرار المكره بغيره لا يصح أيضاً؛ كما لو أقرّ بعتق أو نكاح أو رجعة
= الشافعي رضي الله عنه ووجهه أن المكره كأنه أغلق عليه اختياره أو كأن المكره أغلق عليه باباً لا يخرج
منه إلا بالطلاق، وفي سنن أبي داود والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي وَهر قال: إن الله
وضع عن أمتي وقال البيهقي: تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه والمعنى أن الله تعالى
تجاوز للأمة عن الأحكام المتعلقة بالأفعال التي وقعت في أحد هذه الثلاثة فلا يؤاخذهم بها، وقال الشافعي
رضي الله عنه: قال الله تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ وللكفر أحكام فلما وضعها الله عنه
سقطت أحكام الإكراه عن القول كله؛ لأن الأعظم إذا سقط سقط عن الناس ما هو أصغر منه، ولإجماع
الصحابة رضي الله عنهم، على عدم وقوع طلاقه حيث قال به خمسة منهم لم يظهر لهم مخالف، وهم عمر
روى ابن المنذر أن رجلاً كان يدلي حبلاً يشتار عسلً أي يجتنيه فأدركته امرأته، فحلفت لتقطعن الحبل أو
ليطلقها ثلاثاً، فذكرها الله والإسلام فحلفت ليفعلن أو لتفعل فطلقها ثلاثاً، فلما خرج أتى إلى عمر فذكر له
الذي كان من أمر امرأته إليه، والذي كان منه إليها فقال له: ارجع إلى امرأتك، فإنه ليس بطلاق وعلي
روي عنه أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئاً، وقال ابن عباس ليس على المكره والمضطهد طلاق. وكان
ابن عمر وابن الزبير يريان مثل ذلك، وأيضاً فإنا لو أوقفنا طلاقه لكان في ذلك إغراء للقوي على الطمع
فيمن هي تحت الضعيف إذا رغب فيها حيث يسهل عليه اختطافه إلى مكان سحيق لا يغاث فيه ثم يكرهه
على طلاقها، فسد الشارع الحكم عليه الباب كما سده على القاتل بحرمانه من الإرث.
وأما الجواب عن استدلالهم بالآية فإنه تعالى قال: ﴿فإن طلقها﴾ والمكره عندنا غير مطلق، ولو صح
دخوله في عمومها لكان مخصصاً بما تقدم من السنة، وعن قوله #: ((كل الطلاق جائز)) الكره محمول
على حال الاختيار؛ لأن فيه استثناء الصبي والمجنون لعدم قصدهما دليلاً على إلحاق المكره بهما،
والجواب عن قوله: ((ثلاث جدهن)) الحديث هو أنا نقول بموجبه فالجد والهزل في وقوع الطلاق سواء
لكن المكره ليس بجاد ولا هازل، فخرج عنهما كالمجنون إذ الجاد قاصد للفظ مريد للطلاق، والهازل
قاصد للفظ غير مريد للفراق، والمكره غير قاصد للفظ ولا مريد للفراق، أما الجواب عن قوله: ((لا إقالة))
فمن وجهين أحدهما أنه يحتمل أن الرجل أقر بالطلاق وادعى الإكراه، فألزمه إقراره والثاني أنه يجوز أن يكون
النبى # رأى من جلده وضعف زوجته ما لا يكون به مكرهاً، فألزمه الطلاق.

٤٤٠
كتاب الطلاق
-----
طلاق وَإِيْلَءُ ظِهَارٌ وَرَجْعَةِ نِكَاحٌ مَعَ اسْتِيلَادِ عفوٍ عَنِ العَمْدِ
أو فيء، أو عفو عن دم عمد، أو بعبده أنه ابنه، أو جاريته أنها أم ولده كما نص عليه
الحاكم في الكافي.
هذا، وفي البحر أن المراد الإكراه على التلفظ بالطلاق، فلو أكره على أن يكتب
طلاق امرأته فكتب لا تطلق، لأن الكتابة أقيمت مقام العبارة باعتبار الحاجة ولا حاجة
هنا، كذا في الخانية. ولو أقرّ بالطلاق كاذباً أو هازلاً وقع قضاء لا ديانة اهـ. ويأتي
تمامه.
مَطْلَبْ فِي الْمَسَائِلِ التٍَّ تَصِحُ مَعَ الإِكْرَاءِ
قوله: (طلاق) أطلقه فشمل البائن بقسميه والرجعي، وهو مع ما عطف عليه مبتدأ
والخبر محذوف تقديره: تصح مع الإكراه، دل عليه قوله آخراً: فهذه تصح مع الإكراه.
ثم إن كان الزوج قد وطئ فلا رجوع له على المكره، وإلا فله الرجوع بنصف
المسمى، كذا ذكره المصنف في الإكراه ط. قوله: (وإيلاء) فإن تركت أربعة أشهر بانت
منه، فإن لم يكن دخل بها وجب نصف المهر ولم يرجع به على الذي أكرهه. كافي.
قوله: (نكاح) يشمل ما إذا أكره الزوج أو الزوجة على عقد النكاح كما هو مقتضى
إطلاقهم، خلافاً لما قيل من أن العقد لا يصح إذا أكرهت هي عليه، كما أوضحناه في
النكاح قبيل قوله: ((وشرط حضور شاهدين)) فافهم. قوله: (مع استيلاد) بكسر الدال من
غير تنوين لضرورة النظم ح.
وصورته: أن يكرهه على استيلاد أمته، فإذا وطئها وأتت بولد ثبت منه. ولا يجوز
له نفيه ط. وفيه أن هذا إكراه على فعل حسي وهو الوطء ترتب عليه حكم آخر وهو
صيرورتها أم ولد، وأمثلته كثيرة؛ كما لو أكره على دخول دار علق عتق عبده على
دخولها فإنه يعتق ولا يضمن له المكره شيئاً، وأكره على شراء عبد علق على ملكه له
فإنه يعتق وعليه قيمته للبائع ولا يرجع على المكره بشيء كما في كافي الحاكم من
الإكراه. قال: وكذا لو أكرهه على شراء ذي رحم محرم منه، أو أمة قد ولدت منه، أو
أمة قد جعلها مدبرة إذا ملكها اهـ. وصوره الرحمتي بأن يكره على أن يقر بأنها أم ولده،
وفيه ما علمته مما نقلناه قبله عن الكافي أيضاً، والله أعلم. قوله: (عفو عن العمد) أي
لو وجب له على رجل قصاص في نفس أو فيما دونها فأكره بوعيد تلف أو حبس حتى
عفا فالعفو جائز، ولا ضمان له على الجاني ولا على المكره لأنه لم يتلف له مالاً،
وكذلك الشهود إذا رجعوا فلا ضمان عليهم، ولو وجب له على رجل حق من مال أو
كفالة بنفس أو غير ذلك فأكره بوعيد بقتل أو حبس حتى أبرأه من ذلك كانت البراءة
باطلة، كذا في الكافي، وبه علم أنه احترز بالعمد عن الخطإ لأن موجبه المال فلا
١