Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كتاب النكاح
وقرض
واعلم أن المنكوحة إما أمّة أو حرة، فإذا أضاف الهبة إلى الأمة بأن قال لرجل
وهبت أمتي هذه منك: فإن كان الحال يدل على النكاح من إحضار شهود وتسمية المهر
معجلاً ومؤجلاً ونحو ذلك ينصرف إلى النكاح؛ وإن لم يكن الحال دليلاً على النكاح:
فإن نوى النكاح وصدقه الموهوب له فكذلك ينصرف إلى النكاح بقرينة النية، وإن لم
ينو ينصرف إلى ملك الرقبة، وإن أضيفت إلى الحرة فإنه ينعقد من غير هذه القرينة لأن
عدم قبول المحل للمعنى الحقيقي، وهو الملك للحرة، يوجب الحمل على المجاز
فهو القرينة، فإن قامت القرينة على عدمه لا ينعقد؛ فلو طلب من امرأة الزنى فقالت
وهبت نفسي منك فقال الرجل قبلت لا يكون نكاحاً، كقول أبي البنت وهبتها لك
لتخدمك فقال قبلت، إلا إذا أراد به النكاح، كذا في البحر ط. قوله: (وقرض الخ) قال
في النهر: وفي الصرف والقرض والصلح والرهن قولان، وينبغي ترجيح انعقاده
بالصرف عملاً بالكلية لما أنه يقيد ملك العين في الجملة (١) وبه يترجح ما في الصيرفية
من تصحيح انعقاده بالقرض، وإن رجح في الكشف وغيره عدمه، وجزم السرخسي
بانعقاده بالصلح والعطية ولم يحك الإتقاني غيره اهـ. وسيأتي الكلام على الرهن لكن
قوله ولم يحك الإتقاني غيره سبق قلم، فإن الذي ذكره الإتقاني في غاية البيان أنه لا
ينعقد بالصلح، وهكذا نقله عنه في البحر، وعزاه في الفتح إلى الأجناس ثم نقل كلام
السرخسي.
قلت: وينبغي التفصيل والتوفيق بأن يقال: إن جعلت المرأة بدل الصلح مثل أن
يقول أبو البنت لدائنه مثلاً صالحتك عن ألفك التي لك عليّ ببنتي هذه، وإن جعلت
مصالحاً عنها بأن قال: صالحتك عن بنتي بألف لا يصح، وعليه يحمل كلام غاية البيان
= مقام إظهار النية.
وأما المالكية والحنفية ومن معهم فقد استدلوا بقوله وَظافر: ((قد ملكتكها بما معك من القرآن))، ووجه الدلالة
من الحديث أن النبي # زوجه إياها بلفظ التمليك، فدل ذلك على انعقاد النكاح به، وإلا لما قال له
الرسول: «قد ملکتکھا)).
فإن قيل: إن هذا الحديث رواه سفيان بن عيينة عن أبي حازم عن سهل فقال فيه: ((وقد أنكحتكها)) ورواه
زائدة، وحماد بن زيد، وعبد العزيز ابن محمد الدراوردي كلهم عن أبي حازم عن سهل فقالوا فيه: ((وقد
زوجتكها فعلمها من القرآن»، وهو موطن واحد، ورجل واحد، وامرأة واحدة، فيكون من روى: ((قد
ملكتکها) روى الحديث بالمعنى لظن الترادف، فلا تكون روايته حجة يجاب عن هذا القول بأنه كان موطناً
واحداً، ورجلاً واحداً، وامرأة واحدة، فإنه لا مانع من صحة الروايات كلها، ويكون قصد النبي ◌َهر تعليمهم
بأن كل هذه الألفاظ ينعقد بها النكاح، ولذلك وجدنا الرواة رغم اتحاد القصة اختلفوا في اللفظ، فمنهم من
روی: «قد ملکتکها)، ومنهم من روی: «قد أنکحتکها))، ومنهم من روی: ((قد زوجتکھا)).
(١) في ط (قوله لما أنه يفيد ملك العين في الجملة) أي لأن ما يثبت به إنما هو ملك ما لا يتعين من النقد،
والمعقود عليه هنا متعين.

٨٢
كتاب النكاح
وسلم واستئجار وصلح وصرف، وكل ما تملك به الرقاب بشرط نية أو قرينة
بدليل أنه علله بقوله: لأن الصلح حطيطة وإسقاط للحق اهـ. ولا يخفى أن الإسقاط إنما
هو بالنسبة للمصالح عنه، والمقصود ملك المتعة من المرأة لا إسقاطه، فلذا لم يصح.
أما بدل الصلح فالمقصود ملكه أيضاً فيصح به ملك المتعة. هذا، ولم أر من تعرض
للخلاف في العطية مثل قوله: هي لك عطية بكذا لأنه بمنزلة الهبة، وقد أفتى به في
الخيرية. وأما لفظ أعطيتك بنتي بكذا كما هو الشائع عند الأعراب والفلاحين فيصح به
العقد كما قدمناه عن الفتح عن شرح الطحاوي، ويقع كثيراً أنه يقول: جنتك خاطباً
بنتك لنفسي فيقول أبوها هي جارية في مطبخك، فينبغي أن يصح إذا قصد العقد دون
الوعد أخذاً مما قدمناه آنفاً عن البحر في وهبتها لك لتخدمك، ويؤيده ما في الذخيرة إذا
قال: جعلت ابنتي هذه لك بألف صح، لأنه أتى بمعنى النكاح، والعبرة في العقود
للمعاني دون الألفاظ اهـ. قوله: (وسلم واستئجار) هذا إذا جعلت المرأة رأس مال
السلم أو جعلت أجرة فينعقد إجماعاً، أما إن جعلت مسلماً فيها فقيل لا ينعقد، لأن
السلم في الحيوان لا يصح، وقيل ينعقد لأنه لو اتصل به القبض يفيد ملك الرقبة ملكاً
فاسداً، وليس كل ما يفسد الحقيقي يفسد مجازيه، ورجحه في الفتح، وهو مقتضى ما
في المتون، وإن لم تجعل أجرة كقوله أجرتك ابنتي بكذا فالصحيح أنه لا ينعقد لأنها لا
تغير ملك العين. أفاده في البحر. قوله: (وكل ما تملك به الرقاب) كالجعل والبيع
والشراء فإنه ينعقد بها كما مر. قوله: (بشرط نية أو قرينة الخ) هذا ما حققه في الفتح
رداً على ما قدمناه عن الزيلعي، حيث لم يجعل النية شرطاً عند ذكر المهر، وعلى
السرخسي حيث لم يجعلها شرطاً مطلقاً.
وحاصل الردّ أن المختار أنه لا بد من فهم الشهود المراد، فإن حكم السامع بأن
المتكلم أراد من اللفظ ما لم يوضع له لا بد له من قرينة على إرادته ذلك فإن لم تكن
فلا بد من إعلام الشهود بمراده، ولذا قال في الدراية في تصوير الانعقاد بلفظ الإجارة
عند من يجيزه أن يقول: أجرت ابنتي ونوى به النكاح وأعلم الشهود اهـ. بخلاف قوله
بعتك بنتي، فإن عدم قبول المحل للبيع يوجب الحمل على المجازي، فهو قرينة
يكتفي بها الشهود حتى لو كانت المعقود عليها أمة لا بد من قرينة زائدة تدل على
النكاح من إحضار الشهود وذكر المهر مؤجلاً أو معجلاً؛ وإلا فإن نوى وصدقه
الموهوب له صح، وإن لم ينو انصرف إلى ملك الرقبة كما في البدائع. والظاهر أنه لا
بد مع النية من إعلام الشهود، وقد رجع شمس الأئمة إلى التحقيق حيث قال: ولأن
كلامنا فيما إذا صرحا به ولم يبق احتمال اهـ. هذا حاصل ما في الفتح، وملخصه أنه لا
بد في كنايات النكاح من النية مع قرينة أو تصديق القابل للموجب وفهم الشهود المراد

٨٣
کتاب النكاح
وفهم الشهود المقصود (لا) يصح (بلفظ إجارة) براء أو بزاي (وإعارة ووصية)
ورهن ووديعة ونحوها مما لا يفيد الملك، لكن تثبت به الشبهة فلا يحدّ، ولها
الأقل من المسمى ومهر المثل، وكذا تثبت بكل لفظ لا ينعقد به النكاح فليحفظ.
(وألفاظ مصحفة كتجوّزت)
أو إعلامهم به. قوله: (بلفظ إجارة) أي في الأصح كآجرتك نفسي بكذا، بخلاف لفظ
الاستئجار بأن جعلت المرأة بدلاً مثل استأجرت دارك بنفسي أو ببنتي عند قصد النكاح
كما مر بيانه، وعبر هناك بالاستئجار وهنا بالإجارة إشارة للفرق المذکور فلا تكرار،
فافهم. قوله: (ووصية) أي غير مقيدة بالحال كما مر. قوله: (ورهن) فيه اختلاف
المشايخ كما في البناية، ورجح في الولوالجية ما هنا من عدم الصحة، ولعل ابن الهمام
لم يعتبر القول الآخر لعدم ظهور وجهه، فعدّ الرهن من قسم ما لا خلاف في عدم
الصحة به لأنه لا يفيد الملك أصلاً. قوله: (ونحوها) كإباحة وإحلال وتمتع وإقالة
وخلع كما قدمناه عن الفتح، لكن ذكر في النهر أنه ينبغي أن يقيد الأخير بما إذا لم
تجعل بدل الخلع، فإن جعلت كما إذا قال أجنبي اخلع زوجتك بنتي هذه فقبل صح
أخذاً من مسألة الإجارة. قوله: (لكن تثبت به) أي بنحو المذكورات. قوله: (وكذا
تثبت بكل لفظ لا ينعقد به النكاح) هذا ساقط من بعض النسخ وهو الأحسن، ولذا
قال ح: إنه مكرّر مع قوله ((لكن تثبت به الشبهة)) مع أن قوله ((بكل لفظ لا ينعقد به
النكاح)) شامل للفظ لا دخل له أصلاً كقوله لها أنت صديقتي فقلت نعم فإنه يصدق عليه
أنه لفظ لا ينعقد به النكاح، ومع ذلك لا تثبت به الشبهة، بخلاف العبارة الأولى فإنها
وقعت بياناً لنحو المذكورات في المتن فتختص بكل لفظ يفيد الملك ولا ينعقد به
النكاح اهـ.
مَطْلَبُ: هَلْ يَنْعَقِدُ النُّكَاحُ بِالأَلْفَاظِ المُصَحَّفَةِ نَحْوُ تَجَوَّزْتُ؟
قوله: (وألفاظ مصحفة) من التصحيف، وهو تغيير اللفظ حتى يتغير المعنى
المقصود من الوضع كما في الصحاح، وفي المغرب: التصحيف أن يُقرأ الشيء على
خلاف ما أراده كاتبه أو على غير ما اصطلحوا عليه. قوله: (كتجوزت) أي بتقديم
الجيم على الزاي. قال في المغرب: جاز المكان وأجازه وجاوزه وتجاوزه: إذا سار فيه
وخلفه، وحقيقته قطع جوزه: أي وسطه، ومنه جاز البيع أو النكاح إذا نفذه، وأجازه
القاضي إذا نفذه وحكم به، ومنه المجيز الوكيل والوصي لتنفيذه ما أمر به، وجوز
الحكم رآه جائزاً، وتجويز الضراب الدراهم أن جعلها رائجة جائزة، وأجازه بجائزة سنّة
إذا أعطاه عطية، ومنها جوائز الوفود للتحف واللطف، وتجاوز عن المسيء وتجوز عنه
أغضى عنه وعفا، وتجوّز في الصلاة ترخص فيها وتساهل، ومنه تجوز في أخذ

٨٤
کتاب النكاح
لصدوره، لا عن قصد صحيح، بل عن تحريف وتصحيف، فلم تكن حقيقة ولا
مجازاً لعدم العلاقة بل غلطاً، فلا اعتبار به أصلاً. تلويح؛ نعم لو اتفق قوم على
النطق بهذه الغلطة وصدرت عن قضّد كان ذلك وضعاً جديداً فيصح، به أفتى أبو
الدراهم اه ملخصاً. قوله: (لصدورہ لا عن قصد صحیح) أشار به إلى الفرق بينه وبين
انعقاده بلفظ أعجميّ بأن اللغة الأعجمية تصدر عمن تكلم بها عن قصد صحيح، بخلاف
لفظ التجويز فإنه يصدر لا عن قصد صحيح، بل عن تحريف وتصحيف، فلا يكون حقيقة
ولا مجازاً. منح ملخصاً. والتحريف التغيير وهو المراد بالتصحيف كما مر. قوله:
(تلويح) ليس مراده عزو المسألة إلى التلويح، بل عزو مضمون التعليل لأنها غير مذكورة
فيه ولا في غيره من الكتب المتقدمة، وإنما ذكرها المصنف في متنه. وذكر في شرحه
المنح أنه كثر الاستفتاء عنها في عامة الأمصار، وأنه كتب فيها رسالة حاصلها اعتماد
عدم الانعقاد بهذا اللفظ لأنه لم يوضع لتمليك العين للحال، وليس لفظ نكاح ولا
تزويج، وليس بينه وبين ألفاظ النكاح علاقة مصححة للمجازية عنها كما استعير لفظ
الهبة والبيع للنكاح؛ ومن ثم صرحوا بأنه لا ينعقد بلفظ الإحلال والإجارة والوصية لعدم
صحة الاستعارة، ولا يصح قياس ذلك على اللغة الأعجمية لعدم القصد الصحيح كما
مر؛ ثم استشهد لذلك بما ذكره المحقق السعد التفتازاني في بحث الحقيقة والمجاز من
التلويح، وهو أن اللفظ المستعمل استعمالاً صحيحاً جارياً على القانون إما حقيقة أو
مجازاً؛ لأنه إن استعمل فيما وضع له فحقيقة؛ وإن استعمل في غيره: فإن كان لعلاقة بينه
وبين الموضوع له فمجاز، وإلا فمرتجل، وهو أيضاً من قسم الحقيقة، لأن الاستعمال
الصحيح في الغير بلا علاقة وضع جديد، فيكون اللفظ مستعملاً فيما وضع له فيكون
حقيقة، وقيدنا الاستعمال بالصحيح احترازاً عن الغلط مثل استعمال لفظ الأرض في
السماء من غير قصد إلى وضع جديد اهـ. قوله: (نعم الخ) هذا ذكره المصنف أيضاً
حيث قال عقب عبارة التلويح المذكورة: نعم لو اتفق قوم على النطق بهذه الغلطة بحيث
إنهم يطلبون بها الدلالة على حل الاستمتاع وتصدر عن قصد واختيار منهم، فللقول
بانعقاد النكاح بها وجه ظاهر، لأنه والحالة هذه يكون وضعاً جديداً منهم، وبانعقاده بين
قوم اتفقت كلمتهم على هذه الغلطة أفتى شيخ الإسلام أبو السعود مفتي الديار الرومية،
وأما صدورها لا عن قصد إلى وضع جديد كما يقع من بعض الجهلة الأغمار فلا اعتبار
به، فقد قال في التلويح: إن استعمال اللفظ في الموضوع له أو لغيره طلب دلالته عليه
وإرادته منه، فمجرد الذكر لا يكون استعمالاً صحيحاً فلا يكون وضعاً جديداً اهـ.
وحاصل كلام المصنف: أنه إن اتفقوا على استعمال التجويز في النكاح بوضع
جديد قصداً يكون حقيقة عرفية مثل الحقائق المرتجلة. ومثل الألفاظ الأعجمية

٨٥
كتاب النكاح
السعود. وأما الطلاق فيقع بها قضاء كما في أوائل الأشباه (ولا بتعاط)
الموضوعة للنكاح، فيصح به العقد لوجود طلب الدلالة على المعنى المراد وإرادته من
اللفظ قصداً، وإلا فذكر هذا اللفظ بدون ما ذكر لا يكون حقيقة لعدم الوضع ولا مجازاً
لعدم العلاقة، فلا يصح به العقد لكونه غلطاً كما أفتى به المصنف تبعاً لشيخه العلامة
ابن نجيم ومعاصريه، لكن أفتى بخلافه العلامة الخير الرملي في الفتاوى الخيرية،
ونازع المصنف فيما استشهد به، وكذا نازعه في حاشيته عن المنح، بأنه لا دخل لبحث
الحقيقة والمجاز المرتب على عدم العلاقة، وقد أقرّ المصنف بأنه تصحيف فكيف يتجه
ذكر نفي العلاقة؟ بل نسلم کونه تصحیفاً بإبدال حرف فلو صدر من عارف لا ينعقد به،
وهو محل فتوى الشيخ زين بن نجيم ومعاصريه فيقع الدليل في محله ح. والمسألة لم
توجد فيها نقل بخصوصها عن المشايخ، فصارت حادثة الفتوى.
وقد صرح الشافعية بأنه لا يضرّ من عاميّ إبدال الزاي جيماً وعكسه مع تشديدهم
في النكاح بحيث لم يجوزوه إلا بلفظ الإنكاح والتزويج والإفتاء بحسب الإنهاء. فإذا سئل
المفتي هل ينعقد بلفظ التجويز؟ يجيب بلا لعدم التعرض لذكر التصحيف، والأصل
عدمه؛ وإذا سئل في عامّي قدم الجيم على الزاي بلا قصد استعارة لعدم علمه بها بل قصد
حل الاستمتاع باللفظ الوارد شرعاً فوقع له ما ذكر ينبغي فيه موافقة الشافعية، وبالأولى
فيما إذا اتفقت كلمتهم على هذه الغلطة كما قطع به أبو السعود، وقد صرحوا بعدم اعتبار
الغلط والتصحيف في مواضع، فأوقعوا الطلاق بالألفاظ المصحفة مع اشتراك الطلاق
والنكاح في أن جدهما جدّ وهزلهما جدّ، وخطر الفروج، وأفتوا بالوقوع في عليّ الطلاق
وأنه تعليق يقع به الطلاق عند وقوع الشرط لأنه صار بمنزلة إن فعلت فأنت كذا، ومثله
الطلاق يلزمني لا أفعل كذا مع كونه غلطاً ظاهراً لغة وشرعاً لعدم وجود ركنه وعدم محلية
الرجل للطلاق، وقول أبي السعود: إنه أي هذا الطلاق ليس بصريح ولا كناية نظراً لمجرد
اللفظ لا إلى الاستعمال الفاشي لعدم وجوده في بلاده، فإذا لم نعتبر هذا الغلط الفاحش
لزمنا أن لا نعتبره فيما نحن فيه مع فشوّ استعماله وكثرة دورانه في ألسنة أهل القرى
والأمصار، بحيث لو لقن أحدهم التزويج لعسر عليه النطق به، فلا شك أنهم لا يلمحون
استعارة لنردّ ملمحهم بعدم العلاقة، بل هو تصحيف عليها فشا في لسانهم.
وقد استحسن بعض المشايخ عدم فساد الصلاة بإبدال بعض الحروف وإن لم
يتقارب المخرج لأن فيه بلوى العامة، فكيف فيما نحن فيه اهـ ملخصاً. قوله: (وأما
الطلاق فيقع بها الخ) أي بالألفاظ المصحفة كتلاق وتلاك وطلاك وطلاغ وتلاغ. قال في
البحر: فيقع قضاء ولا يصدق إلا إذا أشهد على ذلك قبل التكلم بأن قال امرأتي تطلب
مني الطلاق وأنا لا أطلق فأقول هذا، ولا فرق بين العالم والجاهل، وعليه الفتوى اهـ.

٨٦
كتاب النكاح
احتراماً للفروج (وشرط سماع كل من العاقدين لفظ الآخر) ليتحقق رضاهما (و)
ثم إنه لا فرق يظهر بين النكاح والطلاق وقد استدل الخير الرملي على ذلك بما
قدمناه من قول قاضيخان: إنه ينبغي أن يكون النكاح كالطلاق والعتاق في أنه لا يشترط
العلم بمعناه، لأن العلم بمضمون اللفظ إنما يعتبر لأجل القصد فلا يشترط فيما يستوي
فيه الجد والهزل اهـ. قال: فإذا علمنا أن الطلاق واقع مع التصحيف فينبغي أن يكون
النكاح نافذاً معه أيضاً اهـ.
قلت: وأما الجواب بأن وقوع الطلاق للاحتياط في الفروج فهو مشترك الإلزام،
على أنه لا احتياط في التفريق بعد تحقق الزوجية بمجرد التلفظ بلفظ مصحف أو مهمل
لا معنى له، بل الاحتياط من بقاء الزوجية حتى يتحقق المزيل، فلو لا أنهم اعتبروا
القصد بهذا اللفظ المصحف بدون وضع جديد ولا علاقة لم يوقعوا به الطلاق، لأن
الغلط الخارج عن الحقيقة والمجاز لا معنى له، فعلم أنهم اعتبروا المعنى الحقيقي
المراد ولم يعتبروا تحريف اللفظ، بل قولهم يقع بها قضاء يفيد أنه يقضى عليه بالوقوع،
وإن قال: لم أرد بها الطلاق حملاً على أنها من أقسام الصريح ولذا قيد تصديقه بالإشهاد
فبالأولى إذا قال العامي جوّزت بتقديم الجيم أو زوزت بالزاي بدل الجيم قاصداً به
معنى النكاح يصح، ويدل عليه أيضاً ما قدمناه عن الذخيرة من أنه إذا قال: جعلت بنتي
هذه لك بألف صح لأنه أتى بمعنى النكاح، والعبرة في العقود للمعاني دون الألفاظ،
فهذا التعليل يدل على أن كل ما أفاد معنى النكاح يعطى حكمه، لكن إذا كان بلفظ
نكاح أو تزويج أو ما وضع لتمليك العين للحال، ولا شك أن لفظ جوّزت أو زوزت لا
يفهم منه العاقدان والشهود إلا أنه عبارة عن التزويج، ولا يقصد منه إلا ذلك المعنى
بحسب العرف، وقد صرحوا بأنه يحمل كلام كل عاقد وحالف وواقف على عرفه؛ وإذا
وقع الطلاق بالألفاظ المصحفة ولو من عالم كما مر وإن لم تكن متعارفة كما هو ظاهر
إطلاقهم فيها يصح النكاح من العوام بالمصحفة المتعارفة بالأولى، والله تعالى أعلم.
تنبيه: علم مما قررناه جواز العقد بلفظ أزوجت بالهمزة في أوله خلافاً لما ذكره
السيد محمد أبو السعود في حاشية مسكين عن شيخه من عدم الجواز، معللاً بأنه لم يجده
في كتب اللغة فكان تحريفاً وغلطاً. قوله: (احتراماً للفروج) أي لخطر أمرها وشدة
حرمتها، فلا يصح العقد عليها إلا بلفظ صريح أو كناية. قوله: (سماع كل) أي ولو
حكماً كالكتاب إلى غائبه لأن قراءته قائمة مقام الخطاب كما مر. وفي الفتح ينعقد
النكاح من الأخرس إذا كانت له إشارة معلومة. قوله: (ليتحقق رضاهما) أي ليصدر
منهما ما من شأنه أن يدل على الرضا، إذ حقيقة الرضا غير مشروطة في النكاح لصحته
مع الإكراه والهزل. رحمتي.
وذكر السيد أبو السعود أن الرضا شرط من جانبها لا من جانب الرجل، واستدل

٨٧
كتاب النكاح
شرط (حضور) شاهدین(١)
لذلك بما صرح به القهستاني في المهر من فساد العقد إذا كان الإكراه من جهتها.
وأقول: فيه نظر، فإنه ذكر في النقابة أن في النكاح الفاسد لا يجب شيء إن لم يطأها،
وإن وطئها وجب مهر المثل، فقال القهستاني عند قوله في النكاح الفاسد: أي الباطل
كالنكاح المحارم المؤبدة أو المؤقتة أو بإكراه من جهتها الخ، فقوله من جهتها معناه:
أنها إذا أكرهت الزوج على التزوج بها لا يجب لها عليه شيء، لأن الإكراه جاء من
جهتها فكان في حكم الباطل لا باطلاً حقيقة، وليس معناه أن أحداً أكرهها على
التزوج، ونظير هذه المسألة ما قالوه في كتاب الإكراه من أنه لو أكره على طلاق زوجته
قبل الدخول بها لزمه نصف المهر، ويرجع به على المكره إن كان المكره له أجنبياً؛
فلو كانت الزوجة هي التي أكرهته على الطلاق لم يجب لها شيء، نص عليه القهستاني
هناك أيضاً. وأما ما ذكر من أن نكاح المكره صحيح إن كان هو الرجل، وإن كان هو
المرأة فهو فاسد فلم أر من ذكره، وإن أوهم كلام القهستاني السابق ذلك، بل عبارتهم
مطلقة في أن نكاح المكره صحيح كطلاقه وعتقه مما يصح مع الهزل، ولفظ المكره
شامل للرجل والمرأة، فمن ادعى التخصيص فعليه إثباته بالنقل الصريح؛ نعم فرّقوا بأن
الرجل والمرأة في الإكراه على الزنا في إحدى الروايتين، ثم رأيت في إكراه الكافي
للحاكم الشهيد ما هو صريح في الجواز فإنه قال: ولو أكرهت على أن تزوجته بألف
ومهر مثلها عشرة آلاف زوجها أولياؤها مكرهين فالنكاح جائز ويقول القاضي للزوج:
إن شئت أتمم لها مهر مثلها وهي امرأتك إن كان كفؤاً لها، وإلا فرق بينهما ولا شيء
لها الخ، فافهم. قوله: (وشرط حضور شاهدين) أي يشهدان على العقد، أما الشهادة
(١) اختلف أهل العلم في اشتراط الشهادة في النكاح وعدم اشتراطها،
فذهب عبد الله بن مهدي، ويزيد بن هارون، والعنبري، وعثمان البتي، وابن أبي ليلى، وأهل الظاهر إلى
القول بأن الشهادة ليست شرطاً في النكاح، وهو رواية عن أحمد.
وذهب الجمهور إلى القول بأن الشهادة شرط في النكاح.
استدل من لم يشترط الشهادة في النكاح بالأثر والمعقول.
أما الأثر فما روي عن ابن المنذر قال: أعتق النبي صلهر صفية بنت حيي فتزوجها بغير شهود .. ووجه الدلالة
من هذا الأثر أن ابن المنذر أخبر أن النبي # تزوج صفية من غير شهود، ولو كانت الشهادة شرطاً في
النكاح لما تركها النبي 13.
وأما المعقول: فقد قالوا فيه: إن النكاح عقد من العقود فلم تكن الشهادة شرطاً فيه كالبيع، وتناقش هذه
الأدلة بما يأتي:
أما الأثر فيقال لهم فيه: أنه لا يدل على عدم اشتراط الشهادة في النكاح؛ لأنه يحمل على الخصوصية، ومما
يؤيد أن ذلك من الخصوصيات ما ورد عنه من الأحاديث القاضية باشتراط الشهادة في النكاح.
ويقال لهم في المعقول فرق بين البيع والنكاح، فإن البيع لا يتعلق به إلا حق المتعاقدين بخلاف النكاح،
فإنه يتعلق به حق غير المتعاقدين، وهو الولد لذلك اشترطت فيه الشهادة حتى لا يجحده أبوه فيضيع نسبه، =

٨٨
کتاب النكاح
= وفي ذلك من الضرر ما لا يخفى.
وأما الجمهور: فقد استدلوا بالسنة والمعقول.
أما السنة : - فأولاً: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي وير قال: ((البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن
بغير بينة» رواه الترمذي.
ووجه الدلالة منه أن النبي 18 أطلق على النساء اللاتي تنكحن من غير بينة بغايا، فدل ذلك على اشتراط
الشهادة في النكاح، وإلا لما سماهن بغايا.
وثانيا: بما روي عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي # قال: ((ولانكاح إلا بولي وشاهدي
عدل))، ووجه الدلالة من الحديث أن الظاهر أن النفي يتوجه إلى نفس الفعل، ونجد أن الفعل يوجد من
غير شهود، فتعين توجه النفي في الحديث إلى الصحة، وذلك يستلزم أن يكون الإشهاد شرطاً في صحة
النكاح، لأنه قد استلزم عدمه عدم الصحة، وما كان كذلك فهو شرط.
وثالثاً: بما أخرجه في الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق أبي يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي،
عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله له: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وشاهدي
عدل فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له)، ووجه الدلالة
من الحديث أن النبي # أخبر بأن نكاح المرأة بدون إذن وليها وشاهدي عدل باطل، فدل ذلك على
اشتراط الشهادة في النكاح.
وأما المعقول فقد قالوا فيه: إن النكاح يتعلق به حق غير المتعاقدين وهو الولد، فاشترطت فيه الشهادة لئلا
يجحده أبوه فيضيع نسبه.
وقد نوقشت الأحاديث التي تمسك بها الجمهور بما يأتي:
أما حديث ابن عباس فقد قيل لهم فيه: إن الترمذي ذكر أنه لم يرفعه غير عبد الأعلى، وأنه قد وقفه مرة،
وأن الوقف أصح، ويجاب عن هذه المناقشة. بأن هذا لا يقدح في الحديث؛ لأن عبد الأعلى ثقة فيقبل
رفعه وزيادته، وقد یرفع الراوي الحدیث وقد یقفه.
وأما حديث عمران بن حصين فقد قيل لهم فيه: إن في إسناده عبد الله بن محرز، وهو متروك، ويجاب عن
هذه المناقشة. بأن هذا الحديث رواه الشافعي رضي الله عنه من وجه آخر عن الحسن مرسلاً، وقال هذا
وإن كان منقطعاً فإن أكثر أهل العلم يقولون به.
وأما حديث عائشة فقد نوقش بأن الدارقطني أعلن بأن الثوري ويحيى بن سعيد وغيرهما رووه، ولم يذكروا
فيه الشاهدین.
ويجاب عن هذه المناقشة. بأن البيهقي نقل عن أبي علي الحافظ النيسابوري أنه قال: أبو يوسف الرقي هذا
من حفاظ أهل الجزيرة ومتقنيهم ثم ساق الحديث من طرق أخرى.
اختلف الجمهور بعد اتفاقهم على أن الشهادة لا بد منها في النكاح، هل هي شرط في صحته أو في
تمامه؟!
فذهب المالكية إلى القول بأن الشهادة شرط في تمام النكاح وليست شرطاً في صحته فينعقد النكاح عندهم
صحيحاً بدون شهادة، ولكن لا يتم إلا بالشهادة، وقالوا: تندب الشهادة عند العقد للخروج من الخلاف.
وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن عمر، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن الزبير، والحسن بن علي، ومن
المحدثين عبد الرحمن بن مهدي ویزید بن هارون.
وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى القول بأن الشهادة شرط في صحة النكاح، وأن العقد لو خلا عنها يكون
فاسداً، وقد حكاه في البحر عن علي، وعمر، وابن عباس والمغيرة استدل المالكية ومن معهم بالأثر والمعقول.
أما الأثر: فما رواه البخاري قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد عن أنس قال: أقام
النبي * بين خيبر والمدينة ثلاثاً بنينا عليه بصفية بنت حيي، ودعوت المسلمين إلى وليمة، فما كان فيها من
خبز ولا لحم أمر بالإنطاع فألقى فيها من التمر والأقط والسمن فكانت وليمته، فقال المسلمون : =

٨٩
كتاب النكاح
على التوكيل بالنكاح فليست بشرط لصحته كما قدمناه عن البحر، وإنما فائدتها الإثبات
عند جحود التوكيل. وفي البحر قيدنا الإشهاد بأنه خاص بالنكاح لقول الإسبيجابي: وأما
سائر العقود فتنفذ بغير شهود، ولكن الإشهاد عليه مستحب للآية اهـ. وفي الواقعات أنه
واجب في المداينات، وأما الكتابة ففي عتق المحيط يستحب أن يكتب للعتق كتاباً ويشهد
عليه صيانة عن التجاحد كما في المداينة، بخلاف سائر التجارات للحرج؛ لأنها مما يكثر
وقوعها اهـ. وينبغي أن یکون النكاح کالعتق؛ لأنه لا حرج فيه اهـ.
مَطْلَبُ: الخَصَّافُ تَبِيرٌ فِي أَلَعِلْمِ مجوزُ أَاقْتِدَاءُ بهِ
تنبيه: أشار بقوله فيما مر ((ولا المنكوحة مجهولة)) إلى ما ذكره في البحر هنا
بقوله: ولا بد من تمييز المنكوحة عند الشاهدين لتنتفي الجهالة، فإن كانت حاضرة
منتقبة كفى الإشارة إليها، والاحتياط كشف وجهها، فإن لم يروا شخصها وسمعوا
كلامها من البيت: إن كانت وحدها فيه جاز، ولو معها أخرى فلا لعدم زوال الجهالة،
وكذا إذا وكلت بالتزويج فهو على هذا اهـ: أي إن رأوها أو كانت وحدها في البيت
يجوز أن يشهدوا عليها بالتوكيل إذا جحدته، وإلا فلا لاحتمال أن الموكل المرأة
الأخرى، وليس معناه أنه لا يصح التوكيل بدون ذلك وأنه يصير العقد عقد فضولي
= ((إحدى أمهات المؤمنين أو مما ملكت يمينه، فقالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم
يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأ لها خلفه، وسدل الحجاب بينها وبين الناس)، ووجه الدلالة
من هذا الأثر: أن أصحاب النبي # استدلوا على أنها من أمهات المؤمنين بالحجاب، ولو كان أشهد على
نكاحها لعلموا ذلك بالإشهاد، وهذا يدل على أن صحة العقد لا تتوقف على الإشهاد.
وأما المعقول. فقد قالوا: إن النكاح عقد على منفعة فلم تكن مقارنة الشهادة شرطاً في صحته كالإجارة.
وتناقش أدلة المالكية بما يأتي:
فيقال لهم: إن القصة التي رويت عن أنس لا تدل على أن الشهادة ليست شرطاً في صحة العقد؛ لأن ذلك
يحمل على الخصوصية، وأيضاً فإن هذا لا يفيدكم في قولكم: إن الشهادة شرط في تمام النكاح، فإنه لم
يذكر أن النبي و أشهد بعد العقد.
ويقال لهم في المعقول فرق بين النكاح والإجارة، فإن الإجارة لا يتعلق بها إلا حق المتعاقدين بخلاف
النكاح فإنه يتعلق به حق غير المتعاقدين كما بينا فيما تقدم، ولذلك قلنا باشتراط الشهادة في صحته.
وأما الحنفية والشافعية ومن معهم فقد استدلوا بحديث: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)» . ووجه الدلالة
من الحديث - أن النفي في قوله: ((لا نكاح)) يتوجه إلى الصحة، وذلك يستلزم أن يكون الإشهاد شرطاً في
صحة العقد، وأن العقد لو خلا عنه يكون فاسداً كما يفسد لو خلا عن الولي.
ويناقش هذا الحديث من قبل المالكية بأن فيه عبد الله بن محرز وهو متروك وعلى تسليم صحته فإن معناه لا
نكاح يثبت في الحكم عند المنازعة إلا بشاهدين، وإذا ثبت أن الإشهاد ليس شرطاً في صحة العقد فهو
شرط في تمامه، ويجاب عن هذه المناقشة. بأننا لا نسلم أن المعنى لا نكاح يثبت في الحكم عند المنازعة
بل معناه لا نكاح يصح إلا بشاهدين؛ لأن نفي الصحة أقرب إلى نفي الوجود وإذا ثبت أن النكاح لا يصح
إلا بشاهدين كانت الشهادة شرطاً في صحته.

٩٠
کتاب النكاح
(حرّين)
فيصح بالإجارة بعده قولًا أو فعلاً لما علمته آنفاً، فافهم. ثم قال في البحر: وإن كانت
غائبة ولم يسمعوا كلامها بأن عقد لها وكيلها: فإن كان الشهود يعرفونها كفى ذكر اسمها
إذا علموا أنه أرادها، وإن لم يعرفوها لا بد من ذكر اسمها واسم أبيها وجدها. وجوّز
الخصاف النكاح مطلقاً، حتى لو وكلته فقال بحضرتهما زوجت نفسي من موكلتي أو من
امرأة جعلت أمرها بيدي فإنه يصح عنده. قال قاضيخان: والخصاف كان كبيراً في
العلم يجوز الاقتداء به، وذكر الحاكم الشهيد في المنتقى كما قال الخصاف اهـ.
قلت: في التاترخانية عن المضمرات أن الأول هو الصحيح، وعليه الفتوى،
وكذا قال في البحر في فصل الوكيل والفضولي أن المختار في المذهب خلاف ما قاله
الخصاف وإن كان الخصاف كبيراً اهـ. وما ذكروه في المرأة يجري مثله في الرجل. ففي
الخانية قال الإمام ابن الفضل: إن كان الزوج حاضراً مشاراً إليه جاز، ولو غائباً فلا ما
لم يذكر اسمه واسم أبيه وجده؛ قال: والاحتياط أن ينسب إلى المحلة أيضاً، قيل له
فإن كان الغائب معروفاً عند الشهود؟ قال: وإن كان معروفاً لا بد عن إضافة العقد إليه،
وقد ذكرنا عن غيره في الغائبة إذا ذكر اسمها لا غير وهي معروفة عند الشهود وعلم
الشهود أنه أراد تلك المرأة يجوز النكاح اهـ.
والحاصل أن الغائبة لا بد من ذكر اسمها واسم أبيها وجدها وإن كانت معروفة عند
الشهود على قول ابن الفضل، وعلى قول غيره: يكفي ذكر اسمها إن كانت معروفة
عندهم، وإلا فلا، وبه جزم صاحب الهداية في التجنيس وقال: لأن المقصود من
التسمية التعريف وقد حصل، وأقره في الفتح والبحر. وعلى قول الخصاف يكفي
مطلقاً، ولا يخفى أنه إذا كان الشهود كثيرين لا يلزم معرفة الكل، بل إذا ذكر اسمها
وعرفها اثنان منهم كفى، والظاهر أن المراد بالمعرفة أن يعرفها أن المعقود عليها هي
فلانة بنت فلان الفلاني لا معرفة شخصها، وأنّ ذكر الاسم غير شرط، بل المراد الاسم
أو ما يعينها مما يقوم مقامه لما في البحر: لو زوجه بنته ولم يسمها وله بنتان لم يصح
للجهالة، بخلاف ما إذا كانت له بنت واحدة إلا إذا سماها بغير اسمها ولم يشر إليها فإنه
لا يصح كما في التجنيس اهـ. وفيه عن الذخيرة: إذا كان للمزوّج ابنة واحدة وللقابل ابن
واحد فقال زوجت ابنتي من ابنك يجوز النكاح، وإن كان للقابل ابنان فإن سمى أحدهما
باسمه صح الخ. وفيه عن الخلاصة: إذا زوجها أخوها فقال زوجت أختي ولم يسمها
جاز إن كانت له أخت واحدة، وانظر ما قدمناه عند قوله ((ولا المنكوحة مجهولة)). قوله:
(حرين الخ) قال في البحر: وشرط في الشهود: الحرية، والعقل، والبلوغ، والإسلام،
فلا ينعقد بحضرة العبيد والمجانين والصبيان والكفار في نكاح المسلمين، لأنه لا ولاية
لهؤلاء، ولا فرق في العبد بين القنّ والمدبر والمكاتب، فلوعتق العبيد أو بلغ الصبيان

٩١
كتاب النكاح
أو حرّ وحرتين(١) (مكلفين سامعين قولهما معاً)
بعد التحمل ثم شهدوا: إن كان معهم غيرهم وقت العقد فمن ينعقد بحضورهم جازت
شهادتهم لأنهم أهل للتحمل، وقد انعقد العقد بغيرهم، وإلا فلا كما في الخلاصة
وغيرها. قوله: (أو حر وحرتين) كذا في الكنز، وقد نسيه المصنف فذكره الشارح لدفع
إيهام اختصاص الذكورة في شهادة النكاح كما نبه عليه الخير الرملي. قوله: (سامعين
قولهما معاً) فلا ينعقد بحضرة النائمين والأصمين وهو قول العامة، وتصحيح الزيلعي
الانعقاد بحضرة النائمين دون الأصمين ضعيف. رواه في الفتح والبحر. وأجاب في النهر
بحمل النائمين على الوسنانين السامعين. واعترض بأنه حينئذ يكون محل وفاق لا خلاف.
ثم قال في النهر: وينبغي أن لا يختلف في انعقاده بالأصمين إذا كان كل من الزوج
والزوجة أخرس، لأن نكاحه كما قالوا ينعقد بالإشارة حيث كانت معلومة اهـ.
قال في الفتح: ومن اشتراط السماع ما قدمناه في التزوج بالكتاب من أنه لا بد
من سماع الشهود ما في الكتاب المشتمل على الخطبة بأن تقرأه المرأة عليهم أو
سماعهم العبارة عنه بأن تقول إن فلاناً كتب إليّ يخطبني ثم تشهدهم أنها زوجته
نفسها اهـ. لكن إذا كان الكتاب بلفظ الأمر بأن كتب زوّجي نفسك مني لا يشترط سماع
الشاهدين، لما فيه بناء على أن صيغة الأمر توكيل لأنه لا يشترط الإشهاد على التوكيل،
أما القول بأنه إيجاب فيشترط كما في البحر وقدمنا بيانه فيما مر؛ وخرج بقوله ((معاً» ما
لو سمعا متفرقين بأن حضر أحدهما العقد ثم غاب وأعيد بحضرة الآخر، أو سمع
أحدهما فقط العقد فأعيد فسمعه الآخر دون الأول، أو سمع أحدهما الإيجاب والآخر
(١) اتفق الفقهاء على القول بأن شهادة النساء مع الرجال تقبل في الأموال، وذلك لقوله تعالى: ﴿فإن لم یکونا
رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ كما اتفقوا على أن شهادة النساء منفردات لا تقبل إلا فيما
لا يمكن أن يطلع عليه الرجال مثل عيوب الفرج.
واختلفوا في النكاح بشهادة رجل وامرأتين هل يصح أو لا يصح.
فذهب الحنفية وجماعة إلى القول بصحة النكاح بشهادة رجل وامرأتين، واستدلوا على ذلك بالمعقول
- فقالوا: إن النكاح عقد معاوضة فوجب أن يصح بشهادتهن مع الرجال كالبيع، ويرد هذا الدليل بالفرق بين
النكاح والبيع، فإن البيع المقصود من المال وقد ثبت بالنص قبول شهادتهن في الأموال. بخلاف النكاح
فإنه ليس بمال ولا المقصود من المال؛ ولأنه يحتاط فيه أكثر من البيع.
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى القول بأن النكاح لا يصح ولا ينعقد بشهادة رجل وامرأتين؛ لأن
الذكورية عندهم شرط في الشهادة في النكاح، وهو قول النخعي والأوزاعي.
وقد استدل المالكية ومن معهم بما يأتي:
أولاً: ما روي عن الزهري أنه قال: مضت السنة عن رسول الله # أنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود ولا
في النكاح والطلاق، وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله {8﴾.
ثانيا قالوا: إن النكاح ليس بمال ولا المقصود منه المال، ويحضره الرجال في غالب الأحوال، فلا يثبت
بشهادتهن کالحدود.

٩٢
كتاب النكاح
على الأصح (فاهمين) أنه نكاح على المذهب. بحر (مسلمين لنكاح مسلمة ولو
فاسقین
القبول ثم أعيد فسمع كل وحده ما لم يسمعه أولاً، لأن في هذه الصورة وجد عقدان
لم يحضر كل واحد منهما شاهدان كما في شرح النقاية. قوله: (على الأصح) راجع
لقوله ((سامعين)) وقوله ((معاً)) مقابل الأول القول بالاكتفاء بمجرد حضورهما، ومقابل
الثاني ما عن أبي يوسف من أنه إن اتحد المجلس جاز استحساناً كما في الفتح. قوله:
(فاهمين الخ) قال في البحر: جزم في التبيين بأنه لو عقدا بحضرة هنديين لم يفهما
كلامهما لم يجز، وصححه في الجوهرة. وقال في الظهيرية: والظاهر أنه يشترط فهم أنه
نكاح، واختاره في الخانية فكان هو المذهب، لكن في الخلاصة: لو يحسنان العربية
فعقدا بها والشهود لا يعرفونها اختلف المشايخ فيه، والأصح أنه ينعقد اهـ. لقد اختلف
التصحيح في اشتراط الفهم اهـ. وحمل في النهر ما في الخلاصة على القول باشتراط
الحضور بلا سماع ولا فهم: أي وهو خلاف الأصح كما مر. ووفق الرحمتي بحمل
القول بالاشتراط على اشتراط فهم أنه عقد نكاح والقول بعدمه على عدم اشتراط فهم
معاني الألفاظ بعد فهم أن المراد عقد النكاح. قوله: (لنكاح مسلمة) قيد لقوله
((مسلمين)) احترازاً عن نكاح ذمية، فإنه لو تزوجها مسلم عند ذميين صح كما يأتي لكنه
يوهم أن ما قبله من الشروط يشترط في أنكحة الكفار أيضاً مع أنها تصح بغير شهود إذا
كانوا يدينون ذلك كما سيأتي في بابه، ولدفع ذلك قال في الهداية: ولا ينعقد نكاح
المسلمين إلا بحضور شاهدين حرين الخ. وقد يجاب بأن الكلام في نكاح المسلمين
بدليل أنه سيعقد النكاح الكافر باباً على حدة. ولما كان تزوج المسلم ذمية لا يشترط
فيه إسلام الشاهدين احترز عنه، بقوله ((النكاح مسلمة)). قوله: (ولو فاسقين الخ) (١)
(١) يرى بعض الفقهاء ممن يشترطون في صحة النكاح الإشهاد أن النكاح يصح إذا شهد على العقد شهود غير
عدول، وإلى هذا ذهب الحنفية فقد قالوا: يصح النكاح بشهادة الفاسقين، وهو رواية عن أحمد.
وذهب الشافعية والمالكية إلى القول بأن النكاح لا يصح بشهادة الفاسقين وهو رواية عن أحمد.
استدل الحنفية ومن وافقهم بالمعقول فقالوا: إن الفاسق من أهل الولاية فيكون من أهل الشهادة، أما كونه
من أهل الولاية فلأنه يزوج نفسه وعبده وأمته وابنته ويقر بما يتعلق بنفسه من القتل، وإذا ثبت أنه من أهل
الولاية ثبت كونه من أهل الشهادة؛ لأن الشهادة من باب الولاية.
ويرد هذا الدليل بأننا لا نسلم أن كل من كان من أهل الولاية يكون من أهل الشهادة؛ لأن ذلك في الولاية
التامة، والفاسق ولايته قاصرة فلا يكون أهلاً للشهادة؛ إذ الشهادة متعدية إلى غيره فلا يكون أهلًا لها،
وأيضاً فهو معقول في مقابلة النص فلا ينهض الاحتجاج به.
وأما الشافعية والمالكية ومن وافقهم فقد استدلوا بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فقول الله تبارك
وتعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ووجه الدلالة من الآية. أن الله تعالى أمر بإشهاد العدل، والفاسق
غير عدل، فلا تقبل شهادته في النكاح وغيره.
=

٩٣
كتاب النكاح
أو محدودين في قذف أو أعميين أو ابني الزوجين أو ابني أحدهما وإن لم يثبت
النكاح بهما) بالابنين (إن ادعى القريب، كما صح نكاح مسلم ذمية عند ذميين)
ولو مخالفین لدینها
اعلم أن النكاح له حكمان: حكم الانعقاد، وحكم الإظهار؛ فالأول ما ذكره، والثاني
إنما يكون عند التجاحد، فلا يقبل في الإظهار إلا شهادة من تقبل شهادته في سائر
الأحكام كما في شرح الطحاوي، فلنا انعقد بحضور الفاسقين والأعميين والمحدودين
في قذف وإن لم يتوبا، وابني العاقدين وإن لم يقبل أداؤهم عند القاضي كانعقاده
بحضرة العدوين. بحر.
مَطْلَبٌ فِي عَطْفِ الخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ
قوله: (أو محدودين في قذف) أي وقد تابا. قال في النهر: وهذا القيد لا بد منه
وإلا لزم التكراراهـ. واعترض بأن المقصود من إطلاق المصنف الإشارة إلى خلاف
الشافعي في الفاسق المعلن والمحدود قبل التوبة أما المستور والمحدود التائب فلا
خلاف له فيهما، كما في شرح المجمع والحقائق؛ وأيضاً فالمحدود أخص مطلقاً من
الفاسق، وذكر الأخص بعد الأعم واقع في أفصح الكلام. على أنهم صرحوا بأنه إذا
قوبل الخاص بالعام يراد به ما عدا الخاص، لكن في المغني أن عطف الخاص على
العام مما تفرّدت به الواو وحتى، لكن الفقهاء يتسامحون في عطفه بأو.
قلت: وصرح بعضهم بجوازه بثم وبأو كما في حديث ((ومن كانت هجرته إلى
دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها)). قوله: (أو أعميين) كذا في الهداية والكنز والوقاية
والمختار والإصلاح والجوهرة وشرح النقاية والفتح والخلاصة، وهو مخالف لقوله في
الخانية: ولا تقبل شهادة الأعمى عندنا لأنه لا يقدر على التمييز بين المدعي والمدعى
= وأما السنة فما روي أن النبي ﴿ قال: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)» مع غيره من الأحاديث القاضية
باشتراط العدالة في الشهود.
وأما المعقول. فأولًا. قالوا: إن الشهادة خبر يرجح فيه جانب الصدق على جانب الكذب، والرجحان إنما
يثبت بالعدالة.
وثانيا: قالوا: إن الشهادة شرطت لإظهار خطر النكاح تكرمة له وتعظيماً، والفاسق من أهل الإهانة فلا
تكرمة ولا تعظيم للعقد بإحضاره.
وعليه فالراجح مذهب المالكية والشافعية ومن وافقهم، وهو فساد النكاح بشهادة الفاسقين، للأحاديث
الواردة في الشهادة، فإنها اشترطت العدالة، وهي وإن كانت ضعيفة إلا أنها قد تقوت بكثرتها.
هذا كله في النكاح بشهادة ظاهر الفسق، أما النكاح بشهادة مستوري الحال فقد اتفق الحنفية والشافعية
والحنابلة على صحته، وهذا من باب التخفيف على الناس؛ لأن النكاح يكون في المدن والقرى، وفي
البادية وفي الناس من لا يعرف حقيقة العدالة، فاعتبار ذلك يشق على الناس، ولذلك اكتفي بظاهر الحلال
وكون الشاهد مستوراً لم يظهر فسقه خصوصاً في هذا الزمن الذي قلت فيه العدالة.

٩٤
کتاب النكاح
(وإن لم يثبت) النكاح (بهما مع إنكاره) والأصل عندنا أن كل من ملك قبول
النكاح بولاية نفسه انعقد بحضرته.
(أمر) الأب (رجلًا أن يزوّج صغيرته فزوّجها عند رجل أو امرأتين و) الحال
أن (الأب حاضر صح) لأن يجعل عاقداً حكماً
عليه والإشارة إليهما، فلا يكون كلامه شهادة ولا ينعقد النكاح بحضرته اهـ. والمختار
ما عليه الأکثرون. نوح. قوله: (وإن لم يثبت النكاح بهما) أي بالابنين: أي بشهادتهما،
فقوله ((بالابنين)) بدل من الضمير المجرور، وفي نسخة لهما ((أي للزوجين)) وقد أشار
إلى ما قدمناه من الفرق بين حكم الانعقاد، وحكم الإظهار: أي ينعقد النكاح
بشهادتهما، وإن لم يثبت بها عند التجاحد، وليس هذا خاصاً بالابنين كما قدمناه. قوله:
(إن ادعى القريب) أي لو كانا ابنيه وحده أو ابنيها وحدها فادعى أحدهما النكاح وجحده
الآخر لا تقبل شهادة ابني المدعي له بل تقبل عليه، ولو كانا ابنيهما لا تقبل شهادتهما
للمدعي ولا عليه لأنها لا تخلو عن شهادتهما لأصلهما، وكذا لو كان أحدهما ابنها
والآخر ابنه لا تقبل أصلاً كما في البحر. قوله: (كما صح الخ) لأن الشهادة إنما
شرطت في النكاح لما فيه من إثبات ملك المتعة له عليها تعظيماً لجزء الآدمي لا لثبوت
ملك المهر لها عليه، لأن وجوب المال لا تشترط فيه الشهادة كالبيع وغيره، وللذمي
شهادة على مثله لولايته عليه، وهذا عندهما. وقال محمد وزفر: لا يصح وتمامه في
الفتح وغيره، وأراد بالذمية الكتابية كما في القهستاني. قال ح: فخرج غير الكتابية كما
سيأتي في فصل المحرمات ودخل الحربية الكتابية وإن كره نكاحها في دار الحرب كما
ذكره الشارح في محرمات شرح الملتقى اهـ. قوله: (ولو مخالفین لدینھا) كما لو كانا
نصرانيين وهي يهودية، وشمل إطلاقه الذميين غير الكتابيين كمجوسيين، والظاهر أنه
احترز بهما عن الحربيين لقول الزيلعي: وللذمي شهادة على مثله، فأفاد أن شهادة
الحربي على الذمي لا تقبل والمستأمن حربي. أفاده السيد أبو السعود. قوله: (مع
إنكاره) أي إنكار المسلم العقد على الذمية، أما عند إنكارها فمقبول عندهما مطلقاً.
وقال محمد: إن قالا كان معنا مسلمان وقت العقد قُبِل وإلا لا، وعلى هذا الخلاف لو
أسلما وأديا. نهر. قوله: (والأصل عندنا الخ) عبارة النهر. قال الإسبيجابي: والأصل
أن كل من صلح أن يكون ولياً فيه بولاية نفسه صلح أن يكون شاهداً فيه، وقولنا بولاية
نفسه لإخراج المكاتب فإنه وإن ملك تزويج أمته لكن لا بولاية نفسه بل بما استفاده من
المولى اهـ. وهذا يقتضي عدم انعقاده بالمحجور عليه ولم أره اهـ. قوله: (أمر الأب
رجلًا) أي وكله والضمير البارز في صغيرته للأب والمستتر في زوجها للرجل المأمور،
وکونه رجلاً مثال، فلو کان امرأة صح، لکن اشترط أن یکون معها رجلاً أو رجل
وامرأة، كما أفاده في البحر. قوله: (لأنه يجعل عاقداً حكماً) لأن الوكيل في النكاح

٩٥
كتاب النكاح
(وإلا لا؛ ولو زوّج بنته البالغة) العاقلة (بمحضر شاهد واحد جاز إن) كانت ابنته
(حاضرة) لأنها تجعل عاقدة (وإلا لا) الأصل أن الآمر متى حضر جعل مباشراً، ثم
إنما تقبل شهادة المأمور إذا لم يذكر أنه عقده لئلا يشهد على فعل نفسه؛
سفير ومعبر ينقل عبارة الموكل، فإذا كان الموكل حاضراً كان مباشراً لأن العبارة تنتقل
إليه وهو في المجلس، وليس المباشر سوى هذا، بخلاف ما إذا كان غائباً، لأن
المباشر مأخوذ في مفهومه الحضور، فظهر أن إنزال الحاضر مباشراً جبري، فاندفع ما
أورده في النهاية من أنه تكلف غير محتاج إليه فإن الأب يصلح شاهداً، فلا حاجة إلى
اعتباره مباشراً إلا في مسألة البنت البالغة. فتح ملخصاً. وتمامه في البحر. قوله: (وإلا
لا) أي وإن لم يكن حاضراً لا يصح لأن انتقال العبارة إليه حال عدم الحضور لا يصير
به مباشراً. قوله: (ولو زوّج بنته البالغة العاقلة) كونها بنته غير قيد، فإنها لو وكلت رجلاً
غيره فكذلك كما في الهندية، وقيد بالبالغة لأنها لو كانت صغيرة لا يكون الوليّ شاهداً
لأن العقد لا يمكن نقله إليها. بحر، وبالعاقلة لأن المجنونة كالصغيرة. أفاده ط. قوله:
(لأنها تجعل عاقدة) لانتقال عبارة الوكيل إليها، وهي في المجلس فكانت مباشرة
ضرورة، ولأنه لا يمكن جعلها شاهدة على نفسها. قوله: (وإلا لا) أي لم تكن حاضرة
لا يكون العقد نافذاً بل موقوفاً على إجازتها كما في الحموي، لأنه لا يكون أدنى حالاً
من الفضولي، وعقد الفضولي ليس بباطل. ط عن أبي السعود. قوله: (جعل مباشراً)
لأنه إذا كان في المجلس تنتقل العبارة إليه كما قدمناه. قوله: (ثم إنما تقبل شهادة
المأمور) يعني عند التجاحد وإرادة الإظهار، أما من حيث الانعقاد الذي الكلام فيه فهي
مقبولة مطلقاً كما لا يخفى، وأشار إلى أنه يجوز له أن يشهد إذا تولى العقد ومات الزوج
وأنكرت ورثته كما حكي عن الصفار(١). قال: وينبغي أن يذكر العقد لا غير فيقول هذه
منكوحته، وكذلك قالوا في الأخوين إذا زوّجا أختهما ثم أراد أن يشهدا على النكاح
ينبغي أن يقولا هذه منكوحته. بحر عن الذخيرة. قوله: (لئلا يشهد على فعل نفسه) يرد
عليه شهادة نحو القباني والقاسم، لأنه يقبل مع بيانه أنه فعله. شرنبلالية.
أقول: لا يخفى أن العقد إنما لزم بفعل العاقد فشهادته على فعل نفسه شهادة على
أنه هو الذي ألزم موجبات العقد فتلغو، بخلاف القباني والقاسم فإن فعلهما غير ملزم.
أما القباني فظاهر، وأما القاسم فلما في شهادات البزازية من أن وجه القبول أن الملك
لا يثبت بالقسمة بل بالتراضي أو باستعمال القرعة ثم التراضي عليه اهـ، فافهم. قوله:
(١) أبو القاسم الصفار البلخي، في طبقة الكرخي، نقل عنه أبو جعفر الهندواني، تفقه عليه جماعة منهم:
أحمد بن الحسين المروزي، مات سنة ٣٣٩.
انظر الجواهر ٢٠٠/١ (١٤١)، أعلام الأخيار (١٥٨)، الطبقات السنية (٢٤٤) الفوائد البهية (٢٦).

٩٦
کتاب النكاح
ولو زوّج المولى عبده البالغ بحضرته وواحد لم يجز على الظاهر. ولو أذن له
فعقد بحضرة المولى ورجل صح، والفرق لا يخفى (ولو قال) رجل لآخر
(زوجتني ابنتك، فقال) الآخر (زوجت، أو) قال (نعم) مجيباً له (لم يكن نكاحاً ما
لم يقل) الموجب بعده (قبلت) لأن زوجتني استخبار وليس بعقد، بخلاف
زوجني لأنه توكيل (غلط وكيلها بالنكاح في اسم أبيها بغير حضورها لم يصح)
(ولو زوّج المولى عبده) أي وأمته كما في الفتح، وقوله ((بحضرته)) أي العبد، وقوله
(وواحد)) بالجر عطفاً على هذا الضمير، وقوله ((لم يجز على الظاهر) ذكره في النهر،
ونقله السيد أبو السعود عن الدراية فيما لو زوج أمه، ولا فرق بينهما وبين العبد. وذكر
في البحر أنه رجحه في الفتح بأن مباشرة السيد ليس فكاً للحجر عنهما في التزوج
مطلقاً، وإلا لصح في مسألة وكيله: أي فيما لو زوج وكيل السيد العبد بحضوره مع
آخر فإنه لا يصح قوله: (صح) وقيل: لا يصح لانتقاله إلى السيد لأن العبد وکیل عنه.
قال الفتح: الأصح الجواز بناء على منع كونهما: أي العبد والأمة وكيلين، لأن
الإذن فك الحجر عنهما، فيتصرفان بعده وبأهليتهما لا بطريق النيابة. قوله: (والفرق لا
يخفى) هو ما ذكرناه عن الفتح من أن مباشرة السيد العقد ليس فكاً للحجر عن العبد في
التزوج، فلا ينتقل العقد إليه، بل يبقى السيد هو العاقد ولا يصلح شاهداً، بخلاف إذنه
له به فإن العبد ممنوع عن النكاح لحقّ السيد لا لعدم أهليته، فبالإذن يصير أصيلاً لا نائباً
فلا ينتقل العقد إلى السيد ويصلح شاهداً فيصح بحضرته. قوله: (ما لم يقل الموجب
بعده) أي بعد قول الآخر. زوجت أو نعم، لأن قول الآخر ذلك يكون إيجاباً فيحتاج
إلى قول الأول قبلت، وسماه موجباً نظراً إلى الصورة. قوله: (لأن زوجتني استخبار)
المسألة من الخانية، وتقدم أنه لو صرح بالاستفهام فقال هل أعطيتنيها فقال أعطيتكها،
وكان المجلس للنكاح ينعقد فهذا أولى بالانعقاد، فإما أن يكون في المسألة روايتان أو
يحمل هذا على أن المجلس لعقد النكاح.
وقال في كافي الحاكم: وإذا قال رجل لامرأة أتزوجك بكذا أم كذا، فقالت: قد
فعلت، فهو بمنزلة قوله: قد تزوجتك، وليس يحتاج في هذا إلى أن يقول الزوج قد
قبلت، وكذلك إذا قال قد خطبتك إلى نفسي بألف درهم فقالت قد زوجتك نفسي، هذا
كله جائز إذا كان عليه شهود، لأن هذا كلام الناس وليس بقياس اهـ رحمتي. قوله: (لأنه
توكيل) أي فيكون كلام الثاني قائماً مقام الطرفين، وقيل إنه إيجاب ومر ما فيه ط.
قوله: (لم يصح) لأن الغائبة يشترط ذكر اسمها واسم أبيها وجدها، وتقدم أنه إذا عرفها
الشهود يكفي ذكر اسمها فقط، خلافاً لابن الفضل، وعند الخصاف يكفي مطلقاً.

٩٧
كتاب النكاح
للجهالة، وكذا لو غلط في اسم بنته إلا إذا كانت حاضرة وأشار إليها فيصح؛ ولو
له بنتان أراد تزويج الكبرى فغلط فسماها باسم الصغرى صح للصغرى. خانية
(ولو بعث) مريد النكاح (أقواماً للخطبة فزوجها الأب) أو الوليّ" (بحضرتهم
والظاهر أنه في مسألتنا لا يصح عند الكل، لأن ذكر الاسم وحده لا يصرفها عن المراد
إلى غيره؛ بخلاف ذكر الاسم منسوباً إلى أب آخر، فإن فاطمة بنت أحمد لا تصدق على
فاطمة بنت محمد. تأمل. وكذا يقال فيما لو غلط في اسمها. قوله: (إلا إذا كانت
حاضرة الخ)راجع إلى المسألتين: أي فإنها لو كانت مشاراً إليها وغلط في اسم أبيها أو
اسمها لا يضرّ، لأن تعريف الإشارة الحسية أقوى من التسمية، لما في التسمية من
الاشتراك لعارض فتلغو التسمية عندها، كما لو قال اقتديت بزيد هذا فإذا هو عمرو فإنه
يصح. قوله: (ولو له بنتان الخ) أي بأن كان اسم الكبرى مثلاً عائشة والصغرى فاطمة.
فقال زوجتك بنتي الكبرى فاطمة وقيل صح العقد عليها وإن كانت عائشة هي المرادة،
وهذا إذا لم يصفها بالكبرى، أما لو قال زوجتك بنتي الكبرى فاطمة ففي الولوالجية:
يجب أن لا ينعقد العقد على إحداهما لأنه ليس له ابنة كبرى بهذا الاسم اهـ. ونحوه في
الفتح عن الخانية، ولا تنفع النية هنا ولا معرفة الشهود بعد صرف اللفظ عن المراد كما
قلنا. ونظير هذا ما في البحر عن الظهيرية: لو قال أبو الصغيرة لأبي الصغير زوجت
ابنتي ولم يزد عليه شيئاً فقال أبو الصغير قبلت يقع النكاح للأب هو الصحيح، ويجب
أن يحتاط فيه فيقول قبلت لابني اهـ. وقال في الفتح بعد أن ذكر المسألة بالفارسية: يجوز
النكاح على الأب وإن جرى بينهما مقدمات النكاح للابن هو المختار، لأن الأب أضافه
إلى نفسه، بخلاف ما لو قال أبو الصغيرة زوجت بنتي من ابنك فقال أبو الابن قبلت
ولم يقل لابني يجوز النكاح للابن لإضافة المزوج النكاح إلى الابن بيقين وقول القابل
جواب له، والجواب يتقيد بالأول فصار كما لو قال قبلت لابني اهـ.
قلت: وبه يعلم بالأولى حكم ما يكثر وقوعه حيث يقول زوج ابنتك لابني،
فيقول له زوجتك، فيقول الأول قبلت فيقع العقد للأب والناس عنه غافلون، وقد
سئلت عنه فأجبت بذلك، وبأنه لا يمكن للأب تطليقها وعقده للابن ثانياً لحرمتها على
الابن مؤبداً؛ ومثله ما يقع كثيراً أيضاً حيث يقول زوجتني بنتك لابني، فيقول زوجتك،
فإن قال الأول قبلت انعقد النكاح لنفسه، وإلا لم ينعقد أصلاً لا له ولا لابنه كما أفتى به
في الخيرية، وبقي ما إذا قال زوج ابنتك من ابني فقال وهبتها لك أو زوجتها لك،
فيصح للابن، بخلاف ما مر عن الظهيرية لأنه ليس فيه إلا الخطبة، أما هنا فقوله زوج
ابنتك من ابني توكيل، حتى لم يحتج بعده إلى قبول فيصير قول الآخر وهبتها لك معناه
زوجتها لابنك لأجلك، ولا فرق في العرف بين زوّجتها لك ووهبتها لك، کذا حرره

٩٨
كتاب النكاح
صح) فيجعل المتكلم فقط خاطباً والباقي شهوداً، به يفتى. فتح.
فروع: قال زوجني ابنتك على أن أمرها بيدك، لم يكن له الأمر لأنه
تفويض قبل النكاح.
وكله بأن يزوجه فلانة بكذا فزاد الوكيل في المهر لم ينفذ، فلو لم يعلم
في الفتاوى الخيرية. والظاهر أنه لو قال: زوجتك لا يصح لأحد إلا إذا قال الآخر
قبلت فيصح له. وبقي أيضاً قولهم زوجتك بنتي لابنك فيقول قبلت، ويظهر لي أنه
ينعقد للأب لإسناذ التزويج، وقول أبي البنت لابنك معناه لأجل ابنك فلا يفيد، وكذا
لو قال الآخر قبلت لابني لا يفيد أيضاً؛ نعم لو قال أعطيتك بنتي لابنك فيقول قبلت
فالظاهر أنه ينعقد للابن، لأن قوله أعطيتك بنتي لابنك معناه في العرف أعطيتك بنتي
زوجة لابنك، وهذا المعنى وإن كان هو المراد عرفاً من قولهم زوجتك بنتي لابنك،
لكنه لا يساعده اللفظ كما علمت، والنية وحدها لا تنفع كما مر، والله سبحانه أعلم.
وأما ما في الخيرية فيمن خطب لابنه بنت أخيه فقال أبوها زوجتك بنتي فلانة لابنك
وقال الآخر تزوجت، أجاب لا ينعقد لأن التزوج غير التزويج اهـ. ففيه نظر. بل لم
ينعقد للابن لقول أبي البنت زوجتك بكاف الخطاب، ولا لأبيه لكونه عم البنت، حتى
لو كان أجنبياً عنها انعقد النكاح له، بل هو أولى بالانعقاد من المسألة المارة عن
الظهيرية لحصول الإضافة له في الإيجاب والقبول، بخلاف ما في الظهيرية، وكون
مصدر زوجتك التزويج، ومصدر تزوجت التزوج لا يظهر وجهاً إذ لا يلزم اتحاد المادة
في الإيجاب والقبول فضلاً عن اتحاد الصيغة، فلو قال زوجتك فقال قبلت أو رضيت
جاز، فتأمل. قوله: (صح الخ) في الفتح عن الفتاوى: قيل لا يصح وإن قبل عن
الزوج إنسان واحد لأنه نكاح بغير شهود، لأن القوم كلهم خاطبون من تكلم ومن لا،
لأن التعارف هكذا أن يتكلم واحد ويسكت الباقون والخاطب لا يصير شاهداً، وقيل
يصح وهو الصحيح، وعليه الفتوى لأنه ضرورة في جعل الكل خاطباً فيجعل المتكلم
فقط والباقي شهود اهـ. ونقل بعده في البحر عن الخلاصة أن المختار عدم الجواز اهـ.
ولا يخفى أن لفظ الفتوى آكد ألفاظ التصحيح، ووفق بعضهم بحمل ما في الخلاصة
على ما إذا قبلوا جميعاً.
وأقول: ينافيه قول الخلاصة: وقيل واحد من القوم، ومثله ما مر عن الفتح: وإن
قبل عن الزوج إنسان واحد، فافهم. قوله: (لم يكن له الأمر الخ) ذكر الشارح في آخر
باب الأمر باليد نكحها على أن أمرها بيدها صح اهـ. لكن ذكر في البحر هناك أن هذا
لو ابتدأت المرأة فقالت زوجت نفسي على أن أمري بيدي أطلق نفسي على أن أمري
بيدي أطلق نفسي كلما أريد، أو على أني طالق فقال قبلت وقع الطلاق وصار الأمر
٠

٩٩
كتاب النكاح
حتى دخل بقي الخيار بين إجازته وفسخه ولها الأقل من المسمى ومهر المثل
لأن الموقوف كالفاسد.
تزوج بشهادة الله ورسوله لم يجز، بل قيل يكفر، والله أعلم.
فَضْلٌ فِي المُحَرَّمَاتِ
أسباب التحريم أنواع: قرابة، مصاهرة،
بيدها، أما لو بدأ هو لا تطلق ولا يصير الأمر بيدها اهـ. قوله: (بقي الخيار) أي
للموكل. قوله: (ولها الأقل) أي إذا اختار الفسخ، فإن كان المسمى أقل من مهر مثلها
فهو لها لأنها رضيت به فكانت مسقطة ما زاد عنه إلى مهر المثل وإن كان مهر المثل
أقل فهو لها، لأن الزيادة عليه لم تلزم إلا بالتسمية في ضمن العقد، فإذا فسد العقد
فسد ما في ضمنه؛ ولما كان العقد هنا موقوفاً لا فاسداً أجاب بقوله: لأن الموقوف
كالفاسد. أفاده الرحمتي. وبه ظهر أن المراد بالمسمى ما سماه الوكيل لها لا ما سماه
الموكل للوكيل فإنه لا وجه له، فافهم. قوله: (قيل يكفر) لأنه اعتقد أن رسول الله الخير
عالم الغيب. قال في التاتر خانية: وفي الحجة ذكر في الملتقط أنه لا يكفر لأن الأشياء
تعرض على روح النبي ◌َ﴿، وأن الرسل يعرفون بعض الغيب، قال تعالى ﴿عَالِمِ الغَّيْبِ
فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَنْيِهِ أَحَداً إِلَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦] اهـ.
قلت: بل ذكروا في كتب العقائد أن جملة كرامات الأولياء الاطلاع على بعض
المغيبات، وردوا على المعتزلة المستدلين بهذه الآية على نفيها بأن المراد الإظهار بلا
واسطة، والمراد من الرسول الملك: أي لا يظهر على غيبه بلا واسطة إلا الملك، أما
النبيّ والأولياء فيظهرهم عليه بواسطة الملك أو غيره، وقد بسطنا الكلام على هذه
المسألة في رسالتنا المسماة [سلّ الحسام الهندي لنصرة سيدنا خالد النقشبندي] فراجعها
فإن فيها فوائد نفيسة، والله تعالى أعلم.
فَضْلٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ
شروع في بيان شرط النكاح أيضاً، فإن منه كون المرأة محللة لتصير محلّا له،
وأفرد بفصل على حدة لكثرة شعبه. بحر. قوله: (قرابة) كفروعه وهم بناته وبنات
أولاده وإن سفلن، وأصوله وهم أمهاته وأمهات وآبائه وإن علون، وفروع أبويه وإن
نزلن، فتحرم بنات الإخوة والأخوات وبنات أولاد الإخوة والأخوات وإن نزلن،
وفروع أجداده وجداته ببطن واحد، فلهذا تحرم العمات والخالات وتحل بنات العمات
والأعمام والخالات والأخوال. فتح. قوله: (مصاهرة) كفروع نسائه المدخول بهن وإن
نزلن، وأمهات الزوجات وجداتهن بعقد صحيح وإن علون وإن لم يدخل بالزوجات.
وتحرم موطوءات آبائه وأجداده وإن عَلَوا ولو بزنى، والمعقودات لهم عليهن بعقد

١٠٠
كتاب النكاح
رضاع، جمع، ملك، شرك، إدخال أمة على حرة، فهي سبعة ذكرها المصنف
بهذا الترتيب، وبقي التطليق ثلاثاً، وتعلق حق الغير بنكاح أو عدة، ذكرهما في
الرجعة.
(حرم) على المتزوّج ذكراً كان أو أنثى نكاح (أصله وفروعه)
صحيح، وموطوءات أبنائه وأبناء أولاده وإن سفلوا ولو بزنى، والمعقودات لهم عليهن
بعقد صحيح. فتح. وكذا المقبلات أو الملموسات بشهوة لأصوله أو فروعه، أو من
قبل أو لمس أصولهن أو فروعهن. قوله: (رضاع) فيحرم به ما يحرم من النسب، إلا ما
استثنى كما سيأتي في بابه، وهذه الثلاثة محرمة على التأبيد. قوله: (جمع) أي بين
المحارم كأختين ونحوهما أو بين الأجنبيات زيادة على أربع. قوله: (ملك) كنكاح
السيد أمته والسيدة عبدها. فتح. وعبر بدل الملك بالتنافي: أي لأن المالكية تنافي
المملوكية كما سيأتي بيانه، وشمل ملكه لبعضها أو ملكها لبعضه. قوله: (شرك) عبارة
الفتح عدم الدين السماوي: کالمجوسية والمشركة اهـ. وتشمل أيضاً المرتدة ونافية
الصانع تعالى. قوله: (إدخال أمة على حرة) أدخله الزيلعي في حرمة الجمع فقال:
وحرمة الجمع بين الحرة والأمة والحرة متقدمة وهو الأنسب. بحر: أي للضبط وتقلل
الأقسام، وكذا فعل في الفتح، لكن الأولى أن يقال: والحرة غير متأخرة ليشمل ما لو
تزوجهما في عقد واحد؛ ففي الزيلعي صح نكاح الحرة وبطل نكاح الأمة. قوله:
(وبقي الخ) زاد في شرحه على الملتقي اثنين آخرين أيضاً حيث قال: قلت: وبقي من
المحرمات الخثى المشكل لجواز ذكورته، والجنية وإنسان الماء لاختلاف الجنس اهـ.
قلت: وكأنه استغنی هنا عن ذکرهما بما قدمه أول النكاح، ويزاد خامس سيذكره
في بابه وهو حرمة اللعان، وقد نظمت السبعة مع الخمسة المزيدة بقولي: [الرجز]
أَنْوَاعُ تحريمِ النِّكَاحِ سَبْعُ قَرَابَةٌ مِلْكٌ رِضَاعُ جَعُ
وَأَمَةٌّ عَنْ حَرَّةٍ مُؤخَّرَه
كَذَاكَ شِرْكُ نَسبةِ المُصَاهَرَه
تَطْليقُهُ لَهَا ثَلَاثاً وَاللِّعَانْ
وزيدَ خَمسَةٌ أَتَتْكَ بِالبَيَانْ
تَعلقُ بَحَقُّ غَيْرٌ مِنْ نِكَاخْ أَوْ عِدَّةٌ خُنُوثَةٌ بِلَ اتِّضَاخْ
وَآخِرُ الكُلِّ اخْتِلَافُ الجِنْسِ كَالجِنٌ وَالمَائِي لِنَوْعِ الإِنْسِ
قوله: (حرم على المتزوّج) أي مريد التزوج، وقوله ((ذكراً كان أو أنثى)) بيان
لفائدة إرجاع الضمير إلى المتزوج الشامل لهما لا إلى الرجل، فإن ما يحرم على الرجل
يحرم على الأنثى إلا ما يختص بأحد الفريقين بدليله، فالمراد هنا أن الرجل كما يحرم
عليه تزوج أصله أو فرعه كذلك يحرم على المرأة تزوج أصلها أو فرعها، وكما يحرم