Indexed OCR Text
Pages 1-20
ر الْخََّ الدرّ المختَار شَرِح تَوير الأَبْصَار لِخَاتِمَةِ المحقّقِينُ محمّد أمين الشهير بابن عابدين مَعَ تَكْمِلَة ابن عَابْدِين لحل المؤلف دَرَاسَة وتحقيق وتعليق الشيخ علي محمّدموض الشيخ عادل أحمد عبد الموجود قَدَّم له وَقَّظه الأستاذ الدكتور محمد بكرإسماعيل لكلية الدراسات من جامعة الأزهر الجُزء الرّابع يحتوي على الكتب التالية تتمة كتاب الحج- النكاح - الطلاق دَارُ عَالمِ الكتب للطباعة والنشر وَالتوزيع الّهَيَاضُ. ١ حِقُوق الطَّبْعْ مَحِفُوظَةْ طبْعَة خاصَّة ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣م حار عالم الكتبراج دَارُ عَالمِ الكِت للطباعة وَالنشْرَ وَالتوزيع العُليا - غربْ مؤسَسَة التحلية ت : ٤٦٥١٦٨٩ - ٤٦٣١٧٢٢ ص.ب: ٦٤٦٠ - الهاض: ١١٤٤٢ تليفاكس : ٤٦٣١٣٣٦ المملكة العَربيّة السّعوديّة طبقت هذه الطّبعَة بموافقة خَاصّة مِْ دار الكتب العلمية. رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت - هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١) صندوق بريد : ٩٤٢٤-١١ بيروت - لبنان ٣ باب الإحصار ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)). (حديث شريف) بسم الله الرحمن الرحيم باب الإخضارِ هو لغة: المنع. وشرعاً: منع عن ركن (إذا أحصر بعدوّ أو مرض) أو موت محرم باب الإخضار لما كان التحلل بالإحضار نوع الجناية بدليل أن ما يلزمه ليس له أن يأكل منه ذكره عقب الجنايات، وأخّره أن مبناه على الاضطرار وتلك على الاختيار. نهر. قوله: (للغنة المنع) أي بخوف أو مرض أو عجز أما لو منعه عدوّ بحبس في سجن أو مدينة فهو حصر كما في الكشاف وغيره. وفي المغرب أن هذا هو المشهور، وتمامه في شرح ابن كمال. قوله: (وشرعاً منع عن ركنين) هما الوقوف والطواف في الحج، لكن سيأتي أن العمرة يتحقق فيها الإحصار، ولها ركن واحد وهو الوقوف(١). وفي بعض النسخ ((عن ركن)) بالإفراد، والمراد به الماهية: أي عما هو ركن النسك متعدداً أو متحداً. تأمل. قوله: (بعدو) أي آدمي أو سبع: قوله: (أو مرض) أي يزداد بالذهاب. قوله: (أو موت محرم) أراد به من لا تحرم خلوته بالمرأة فيشمل زوجها، وكموتهما عدمهما ابتداء؛ فلو أحرمت وليس لها محرم ولا زوج فهي محصرة كما في اللباب والبحر، ثم هذا إذا كان بينها وبين مكة مسيرة سفر وبلدها أقل منه أو أكثر، لكن (١) في ط (لعله الطواف). والحاصل أن الحصر هو المنع في منكان عن الخروج. والإحصار المنع عن الوصول إلى المطلوب عرض أو عدو فلا يرد إجماع المفسرين على أن قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم﴾ نزلت في المنع من العدو، لأن الإحصار أعم من الخصر لشموله منع العدو وغيره، بخلاف الحصر، ولهذا نقل بعض الشراح للهداية عن تفسير القتبي: الإحصار: هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو عدو، يقال: أحصر الرجل إحصاراً فهو محصر فإن خبس في سجن أو دار قيل: حصر فهو محصور. ٤ باب الإحصار أو هلاك نفقة حلّ له التحلل فحينئذ (بعث المفرد دماً) أو قيمته، فإن لم يجد بقي محرماً حتى يجد يمكنها المقام في موضعها، وإلا فلا إحصار فيما يظهر. قوله: (أو هلاك نفقة) فإن سرقت نفقته، إن قدر على المشي فليس بمحصر، وإلا فمحصر، وإن قدر عليه للحال إلا أنه يخاف العجز في بعض الطريق جاز له التحلل. لباب. وظاهر كلامهم هذا أن المراد بالنفقة ما يشمل الراحلة. تأمل. تتمة: زاد في اللباب: مما يكون به محصراً أمور أخر. منها: العدة، فلو أهلت بالحج فطلقها زوجها ولزمتها العدة صارت محصرة ولو مقيمة أو مسافرة معها حرم. ومنها: لو ضل عن الطريق، لكن إن وجد من يبعث الهدي معه فذلك الرجل يهديه إلى الطريق وإلا فلا يمكنه التحلل لعجزه عن تبليغ الهدي محله. قال في الفتح: فهو کالمحصر الذي لم يقدر على الهدي. ومنها: منع الزوج زوجته إذا أحرمت بنفل بلا إذنه، أو المولى مملوكه عبداً كان أو أمة، فلو بإذنه أو أحرمت بفرض فغير محصرة لو لها محرم، أو خرج الزوج معها، وليس له منعها وتحليلها، وهذا لو إحرامها بالفرض في أشهر الحج أو قبلها في وقت خروج أهل بلدها أو قبله بأيام يسيرة، وإلا فله منعها. وأما المملوك فيكره لمولاه منعه بعد الإحرام بإذنه وهو محصر، وليس لزوج الأمة منعها بعد إذن المولى. V واعلم أن كل من منع عن المضي في موجب الإحرام لحق العبد فإنه يتحلل بغير الهدي، فإذا أحرمت المرأة أو العبد بلا إذن الزوج أو المولى فلهما أن يحللاهما في الحال كما سيأتي بيانه آخر الحج، ولا يتوقف على ذبح، وعلى المرأة أن تبعث الهدي أو ثمنه إلى الحرام، وعليها إن كان إحرامها بحج حج وعمرة، وإن بعمرة فعمرة؛ بخلاف ما لو مات زوجها أو محرمها في الطريق فلا تتحلل إلا بالهدي، ولعل الفرق أن إحصارها حقيقي والأولى حكمي؛ وعلى العبد هدي الإحصار بعد العتق وحجة وعمرة اهـ. ملخصاً من اللباب وشرحه. قوله: (حل له التحلل) أفاد أنه رخصة في حقه حتى لا يمتد إحرامه فيشق عليه، وأن له أن يبقى محرماً كما يأتي. قوله: (بعث المفرد) أي بالحج أو العمرة إلى الحرم. قهستاني. قوله: (دماً) سيأتي بيانه في باب الهدي، فلو بعث دمين تحلل بأولهما، لأن الثاني تطوّع كما في الينابيع. قهستاني. قوله: (أو قيمته) أي يشتري بها شاة هناك وتذبح عنه. هداية. وفيه إيماء إلى أنه لا يجوز التصدق بتلك القيمة. شرح اللباب. قوله: (فإن لم يجد بقي محرماً) فلا يتحلل عندنا إلا بالدم نهاية، ولا يقوم الصوم والإطعام مقامه. بحر. ولا يفيد اشتراط الإحلال عند الإحرام ٠ ٥ باب الإحصار أو يتحلل بطواف، وعن الثاني أنه يقوم الدم بالطعام ويتصدق به، فإن لم يجد صام عن كل نصف صاع يوماً (والقارن دمين) فلو بعث واحداً لم يتحلل عنه (وعين يوم الذبح) ليعلم متى يتحلل ويذبحه (في الحرم ولو قبل يوم النحر) خلافاً لهما (ولو لم يفعل ورجع إلى أهله بغير تحلل وصبر) محرماً (حتى زال الخوف جاز، فإن أدرك الحج فيها) ونعمت (وإلا تحلل بالعمرة) لأن التحلل بالذبح إنما هو للضرورة حتى لا يمتد إحرامه فيشق عليه. زيلعي شيئاً. لباب. قال شارحه: هذا هو المسطور في كتب المذهب. ونقل الكرماني والسروجي عن محمد أنه إن اشترط الإحلال عند الإحرام إذا أحصر جاز له التحلل بغير هدي. قوله: (أو يتحلل بطواف) أي ويسعى ويحلق. بحر عن الخانية. وهذا إن قدر على الوصول إلى مكة، فإن عجز عنه وعن الهدي يبقى محرماً أبداً. قال في الفتح: هذا هو المذهب المعروف. قوله: (وعن الثاني) رده في الفتح بأنه مخالف للنص. قوله: (والقارن دمين) فيه إشارة إلى أنه لا يتحلل إلا بذبح الثاني، وأنه لا يشترط تعيين أحدهما للحج والآخر للعمرة. قهستاني. وكالقارن من جمع بين حجتين أو عمرتين فأحصر قبل السير إلى مكة، فلو بعده يلزمه دم واحد. لباب. لأنه يصير رافضاً لأحدهما. بحر. قوله: (فلو بعث واحداً الخ) عبارة الهداية: فإن بعث بهدي واحد ليتحلل عن الحج ويبقى في إحرام العمرة لم يتحلل عن واحد منهما، لأن التحلل منهما شرع في حالة واحدة اهـ. زاد في اللباب: ولو بعث ثمن هديين فلم يوجد بذلك القدر بمكة إلا هدي واحد فذبح لم يتحلل عن الإحرامين ولا عن أحدهما. قوله: (وعين يوم الذبح) لا بد أيضاً من تعيين وقته من ذلك اليوم إذا أراد التحلل فيه لئلا يقع قبل الذبح، فإذا عين وقت الزوال مثلًا يتحلل بعده، وإلا احتمل أن يكون الذبح وقت العصر والتحلل قبله. قوله: (خلافاً لهما) حيث قالا: إنه لا يجوز الذبح للمحصر بالحج إلا في يوم النحر، ويجوز للمحصر بالعمرة متى شاء. هداية. فعلى قولهما لا حاجة إلى المواعدة في الحج لتعين يوم النحر وقتاله، إلا إذا كان بعد أيام النحر فيحتاج إليها عند الكل كما في المحصر بالعمرة. أفاده في شرح اللباب. قال في البحر: وفيه نظر، لأنه الوقت عندهما بأيام النحر لا باليوم الأول فيحتاج إلى المواعدة لتعيين اليوم الأول أو الثاني أو الثالث. وقد يقال: يمكنه الصبر إلى مضيّ الثلاثة، فلا يحتاج إليها اهـ. قوله: (الخوف) المراد به المانع خوفاً أو غيره. قوله: (وإلا) بأن فاته الحج بفوت الوقوف ط. وهذا لو محصراً بالحج؛ فلو بالعمرة زال إحصاره بقدرته عليها. قوله: (لأن التحلل) علة لقوله ((جاز)). قوله: (فيشقّ) بالنصب في جواب النفي ط. وهو من باب نصر، فالشين مضمومة. ٦ باب الإحصار (وبذبحه يحل) ولو (بلا حلق وتقصير) هذا فائدة التعيين، فلو ظن ذبحه ففعل كالحلال فظهر أنه لم يذبح أو ذبح في حل لزمه جزاء ما جنى (و) يجب (عليه إن حلّ من حجه) ولو نفلاً (حجة) بالشروع (وعمرة) قوله: (ويذبحه يحل) في اللباب: ولا يخرج من الإحرام بمجرد الذبح حتى يتحلل بفعل اهـ: أي من محظورات الإحرام ولو بغير حلق. قاري. قلت: وهذا مخالف لكلام المصنف وغيره مع أنه لا تظهر له ثمرة. تأمل. وأفاد أنه لو سرق بعد ذبحه لا شيء عليه، وإن لم يسرق تصدق به ويضمن الوكيل قيمة ما أكل منه لو غنياً ويتصدق بها على الفقراء لما في اللباب. قوله: (ولو بلا حلق وتقصير) لكن لو فعله كان حسناً، وهذا عندهما. وعن الثاني روايتان: وفي رواية يجب أحدهما، وإن لم يفعل فعليه دم. وفي رواية: ينبغي أن يفعل وإلا فلا شيء عليه وهو ظاهر الرواية. كذا في الحقائق عن مبسوط خواهر زاده وجامع المحبوبي، فلا خلاف على ظاهر الرواية. وفي السراج: وهذا الخلاف إذا أحصر في الحل، أما في الحرم فالحلق واجب اهـ. قال في الشرنبلالية: كذا جزم به في الجوهرة والكافي، وحكاه البرجندي عن المصفى بقيل فقال: وقيل إنما لا يجب الحلق على قولهما إذا كان الإحصار في غير الحرم، أما فيه فعليه الحلق. قوله: (هذا) أي ما أفاده قوله ((وبذبحه يحل)) من أنه لا يحل قبل الذبح. قوله: (ففعل كالحلال) أي كما يفعل الحلال من حلق وطيب ونحو ذلك. قوله: (أو ذبح في حل) محترز قول المصنف في الحرم ط. قوله: (لزمه جزاء ما جنی) ويتعدد بتعدد الجنايات ط . قلت: ولم أر من صرح بذلك؛ نعم هو ظاهر كلامهم، ولينظر الفرق بينه وبين ما مر من أن المحرم لو نوى الرفض ففعل كالحلال على ظن خروجه من الإحرام بذلك لزمه دم واحد لجميع ما ارتكب لاستناد الكل إلى قصد واحد، وعللوا ذلك بأن التأويل الفاسد معتبر في دفع الضمانات الدنيوية كالباغي إذا أتلف مال العادل أو قتله، ولا يخفى استناد الكل هنا إلى قصد واحد أيضاً، ولذا قال بعض محشي الزيلعي: ينبغي عدم التعدد هنا أيضاً. قوله: (ويجب) أي يلزم، فيشمل الفرض القطعي، كما لو أحصر عن حجة الفرض، والواجب الاصطلاحي كما لو أحصر عن النفل. أفاده ط. قوله: (ولو نفلاً) أفاد شمول وجوب القضاء للفرض والنفل والمظنون والمفسد والحج عن الغير والحرّ والعبد، إلا أن وجوب أداء القضاء على العبد يتأخر إلى ما بعد العتق. لباب. والمظنون: هو ما لو أحرم على ظن أن عليه الحج ثم ظهر عدمه فأحصر. وصرح البزدوي وصاحب الكشف أنه لا قضاء عليه، لكن صرح السروجي في الغاية بأن الأصح وجوبه كما لو أفسده بلا إحصار. أفاده القاري. قوله: (بالشروع) أي بسبب ٧ باب الإحصار للتحلل إن لم يحج من عامه (وعلى المعتمر عمرة) وعلي (القارن حجة وعمرتان) إحداهما للتحلل (فإن بعث ثم زال الإحصار وقدر على) إدراك (الهدي والحج) معاً (توجه) وجوباً (وإلا) يقدر عليهما (لا يلزمه) التوجه وهي رباعية شروعه فيها. وفيه أن هذا إنما يظهر في النفل، أما الفرض فهو واجب القضاء بالأمر لا بالشروع. تأمل. قوله: (للتحلل) لأنه في معنى فائت الحج يتحلل بأفعال العمرة، فإذا لم يأت بها قضاها. نهر. والحاصل أن المحرم بالحج يلزمه الحج ابتداء، وعند العجز تلزمه العمرة، فإذا لم يأت بهما يلزمه قضاؤهما كما لو أحرم بهما كما في جامع قاضيخان. قوله: (إن لم يحج من عامه) أما لو حج منه لم يجب معها عمرة لأنه لا يكون كفائت الحج. فتح. وأيضاً إنما تجب عمرة مع الحج إذا حل بالذبح. أما إذا حل بأفعال العمرة فلا عمرة عليه في القضاء. شرح اللباب. تنبيه: إذا قضى الحج والعمرة إن شاء قضاهما بقران أو إفراد. واعلم أن نية القضاء إنما تلزم إذا تحولت السنة اتفاقاً لو إحصاره بحج نفل، فلو يحجة الإسلام فلا، لأنها قد بقيت عليه حين لم يؤدها فينويها من قابل. فتح. قوله: (وعلى المعتمر عمرة) أي على المعتمر إذا أحصر قضاء عمرة، وهذا فرع تحقق الإحصار عنها. ومن فروع المسألة ما لو أهلّ بنسك مبهم، فإن أحصر قبل التعيين كان عليه أن يبعث بهدي واحد ويقضي عمرة استحساناً، وفي القياس: حجة وعمرة وتمامه في النهر. قوله: (وعلى القارن حجة وعمرتان) ويتخير في القضاء بين الإفراد والقران كما صرحوا به، وحققه في البحر، فيفرد كلَّ من الثلاثة أو يجمع بين حجة وعمرة ثم يأتي بعمرة كما في شرح اللباب. قوله: (إحداهما للتحلل) يشير إلى أن لزوم العمرتين فيما إذا لم يحج من عام الإحصار، إذ لو حجّ من عامه بأن زال الإحصار بعد الذبح وقدر على تجديد الإحرام والأداء ففعل كان عليه عمرة القران فقط كما في الفتح، لأنه لا يكون كفائت الحج، فلا تلزمه عمرة التحلل كما مر في المفرد. قلت: ومثله لو حل بأفعال العمرة كما يفهم مما مر. قوله: (توجه وجوباً) أي ليؤدي الحج لقدرته على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل. نهر. ويفعل بهديه ما شاء: أي من بيع أو هبة أو صدقة ونحو ذلك. شرح اللباب. قوله: (وإلا يقدر عليهما) أي على مجموعهما، بأن لم يقدر على واحد منهما أو قدر على الهدي فقط أو الحج فقط. قوله: (لا يلزمه التوجه) أما إذا لم يقدر عليهما أو قدر على الهدي فقط فظاهر، لكنه لو توجه ليتحلل بأفعال العمرة، جاز له، لأنه هو الأصل في التحلل، وفيه سقوط العمرة عنه. وأما إذا قدر على الحج دون الهدي، فجواز التحلل قول الإمام، وهو الاستحسان، لأنه لو لم يتحلل ٨ باب الإخصار (ولا إحصار بعد ما وقف بعرفة) للأمن من الفوات والممنوع لو (بمكة عن الركنين محصر) على الأصح لضاع ماله مجاناً، وحرمة المال كحرمة النفس، إلا أن الأفضل أن يتوجه، وتمامه في النهر. تنبيه: لا يتصور في حق المعتمر فقط عدم إدراك العمرة لأن وقتها جميع العمر، فلها من الأربع صورتان فقط: أن يدرك الهدي والعمرة، أو يدرك العمرة فقط وقد علم حكمهما. أفاده الرحمتي، ونحوه في اللباب. فرع: لو بعث الهدي ثم زال إحصاره وحدث إحصار آخر، فإن علم أنه يدرك الهدي ونوى به إحصاره الثاني جاز وحل به، وإن لم ينو لم يجز؛ ولو بعث هدياً لجزاء صيد ثم أحصر ونوى أن يكون الإحصاره جاز، وعليه إقامة غيره مقامه. لباب. قوله: (ولا إحصار بعد ما وقف بعرفة) فلو وقف بعرفة ثم عرض له مانع لا يتحلل بالهدي بل يبقى محرماً في حق كل شيء إن لم يحلق: أي بعد دخول وقته وإن حلق فهو محرم في حق النساء لا غير إلى أن يطوف للزيارة، فإن منع حتى مضت أيام النحر فعليه أربعة دماء لترك الوقوف بمزدلفة والرمي، وتأخير الطواف، وتأخير الحلق كما في اللباب والزيلعي وغيرهما. مَطْلَبْ: كَافِي الحَاكِمِ هُوَ جَعُ كَلَامٍ مُحُمَّدٍ فِي كُتُبِهِ السِّنَِّ كُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ونقله في البحر عن كافي الحاكم الذي هو جمع كلام محمد في كتبه الستة التي هي ظاهر الرواية. ثم استشكله في البحر بأن واجب الحج إذا ترك لعذر لا شيء فيه، حتى لو ترك الوقوف بمزدلفة خوف الزحام لا شيء عليه، كالحائض تترك طواف الصدر. ولا شك أن الإحصار عذر. ثم أجاب بحمل ما هنا على الإحصار بالعدوّ لا مطلقاً، فإنه إذا كان بالمرض فهو سماوي يكون عذراً في ترك الواجبات، بخلاف ما كان من قبل العبد فإنه لا يسقط حقّ الله تعالى كما في التيمم اهـ. ونقله في النهر، وبه جزم المقدسي في شرح نظم الكنز، وذکر مثله في جنایات شرح اللباب. قلت: ولا ترد مسألة ترك الوقوف لخوف الزحام، لما مر في التيمم أن الخوف إن لم ينشأ بسبب وعيد العبد فهو سماوي. قوله: (للأمن من الفوات) فيه أن المعتمر كذلك، لأن العمرة لا تتوقف مع تحقق الإحصار فيها. وأجيب بأن المعتمر يلزمه ضرر بامتداد الإحرام فوق ما التزمه، ولا يمكنه أن يتحلل بالحلق في يوم النحر فله الفسخ؛ أما الحاجّ فيمكنه ذلك فلا حاجة إلى التحلل بالهدي من غير عذر. أفاده الزيلعي، لكن قيل ليس له أن يحلق في مكانه في الحل بل يؤخره إلى ما بعد طواف الزيارة، وقيل له ذلك. وفي غاية البيان عن العتابي أنه الأظهر. قوله: (على الأصح) مقابله ما روي عن ٩ باب الحج عن الغير (والقادر على أحدهما لا) أما على الوقوف فلتمام حجه به، وأما على الطواف فلتحلله به كما مر. بَابُ اَلْحَجْ عَنِ الْغَيْرِ الإمام من أنه لا إحصار في مكة اليوم لأنها دار إسلام. قوله: (والقادر على أحدهما الخ) تصريح بمفهوم قوله ((والممنوع بمكة عن الركنين محصر)) وذكره بعد قوله ((ولا إحصار بعد ما وقف بعرفة)) من قبيل ذكر الأعم بعد الأخص فليس بتكرار محض. قوله: (فلتمام حجه به) قالوا: المأمور بالحج إذا مات بعد الوقوف بعرفة قبل طواف الزيارة يكون مجزئاً. بحر. وقدمنا الكلام فيه أول كتاب الحج. قوله: (وأما على الطواف) سماه أحد ركني الحج باعتبار الصورة، وإلا كالطواف الركن هو ما يقع بعد الوقوف ولا وقوف هنا. أفاده ط. قوله: (فلتحلله به) لأن فائت الحج يتحلل به والدم بدل عنه في التحلل، فلا حاجة إلى الهدي. زيلعي. وفي شرح اللباب أنه يكون في معنى فائت الحج فيتحلل عن إحرامه بعد فوات الوقوف بأفعال العمرة، ولا دم عليه ولا عمرة في القضاء اهـ. فالاقتصار على ذكر الطواف لأنه ركن العمرة، وإلا فلا يحصل التحلل بمجرد الطواف، بل لا بد من السعي والحلق، وإليه أشار بقوله كما مر: أي في قول المصنف ((وإلا تحلل بالعمرة)) وكذا مر قبل باب القران في قوله ((ومن لم يقف فيها فات حجه فطاف وسعى وتحلل وقضى من قابل)) وتقدم الكلام عليه هناك. تنبيه: أسقط المصنف من هنا باب الفوات المذكور في الكنز وغيره اكتفاء بما ذكره قبل باب القران، وقد علم أن الأسباب الموجبة لقضاء الحج أربعة: الفوات؛ والإحصار عن الوقوف، والفرق بينهما في كيفية التحلل. والثالث الإفساد بالجماع وإن لزمه المضي في فاسده. والرابع الرفض، وفروعه مذكورة في الباب السابق، والله تعالى أعلم. بَابُ الحَجِّ عَنِ الغَيْرِ اعترض في الفتح بأن إدخال أل على الغير واقع على وجه الصحة بل هو ملزوم الإضافة اهـ. لكن قال بعض أئمة النحاة: منع قوم دخول الألف واللام على: غير، وكل، وبعض، وقالوا: هذه كما لا تتعرف بالإضافة لا تتعرف بالألف واللام. مَطْلَبٌ فِي دُخُولِ ((أَلْ)) عَلَى ((غَير)) وعندي أنها تدخل عليها، فيقال فعل الغير كذا، والكل خير من البعض، وهذا لأن الألف واللام هنا ليست للتعريف ولكنها المعاقبة للإضافة، لأنه قد نص أن ((غير)) تتعرف بالإضافة في بعض المواضع . ثم إن الغير قد يحمل على الضدّ، والكل على الجملة، والبعض على الجزء، ١٠ باب الحج عن الغير الأصل أن کل من أتى بعبادة ما فيصلح دخول الألف واللام عليه أيضاً من هذا الوجه: يعني أنها تتعرف على طريقة حمل النظير على النظير، فإن الغير نظير الضد، والكل نظير الجملة، والبعض نظير الجزء وحمل النظير على النظير سائغ شائع في لسان العرب كحمل الضد على الضد، كما لا يخفى على من تتبع كلامهم، وقد نص العلامة الزمخشري على وقوع هذين الحملين وشيوعهما في لسانهم في الكشاف. أفاده ابن كمال. مَظْلَبٌ: فِي إِهْدَاءِ ثَوَابِ الأَعْمَالِ لِلْغَيرِ قوله: (بعبادة ما) أي سواء كانت صلاة أو صوماً أو صدقة أو قراءة أو ذكراً أو طوافاً أو حجاً أو عمرة، أو غير ذلك من زيارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والشهداء والأولياء والصالحين، وتكفين الموتى، وجميع أنواع البر كما في الهندية ط. وقدمنا في الزكاة عن التاترخانية عن المحيط: الأفضل لمن يتصدق نفلاً أن ينوي لجميع المؤمنين والمؤمنات لأنها تصل إليهم ولا ينقص من أجره شيء اهـ. وفي البحر بحثاً أن إطلاقهم شامل للفريضة، لكن لا يعود الفرض في ذمته، لأن عدم الثواب لا يستلزم عدم السقوط عن ذمته اهـ. على أن الثواب لا ينعدم كما علمت، وسنذكر فيما لو أهل بحج عن أبويه أنه قيل إنه يجزيه عن حج الفرض، وهذا يؤيد ما بحثه في البحر؛ ويؤيده أيضاً قوله في جامع الفتاوى: وقيل لا يجوز في الفرائض. وبحث أيضاً أن الظاهر أنه لا فرق بين أن ينوي به عند الفعل للغير أو يفعله لنفسه ثم يجعل ثوابه لغيره لإطلاق كلامهم اهـ. قلت: وإذا قلنا بشموله للفريضة أفاد ذلك، لأن الفرض ينويه عن نفسه، فإذا صح جعل ثوابه لغيره دل على أنه لا يلزم في وصول الثواب أن ينوي الغير عند الفعل، وقدمنا في آخر الجنائز قبيل باب الشهيد عن ابن القيم الحنبلي أنه اختلف عندهم في أنه هل يشترط نية الغير عند الفعل؟ فقيل: لا، لكن الثواب له فله التبرّع به لمن أراد، وقيل نعم، وهو الأولى لأنه إذا وقع له لم يقبل انتقاله عنه، وقدمنا عنه أيضاً أنه لا يشترط في الوصول أن يهديه بلفظه، كما لو أعطى فقيراً بنية الزكاة لأن السنة لم تشترط ذلك في حديث الحج عن الغير ونحوه؛ نعم لو فعله لنفسه ثم نوى جعل ثوابه لغيره لم يكف، كما لو نوى أن يهب أو يعتق أو يتصدق وأنه يصح إهداء نصف الثواب أو ربعه. ويوضحه أنه لو أهدى الكل إلى أربعة يحصل لكل ربعه، وتمامه هناك. مَطْلَبٌ فِيمَنْ أَخَذَ فِي عِبَادَتِهِ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا تنبيه: قال في البحر: ولم أر حكم من أخذ شيئاً من الدنيا ليجعل شيئاً من عبادته للمعطي، وينبغي أن لا يصح ذلك اهـ أي لأنه إن كان أخذه على عبادة سابقة يكون ١١ ١ باب الحج عن الغير له جعل ثوابها لغيره وإن نواها عند الفعل لنفسه لظاهر الأدلة. وأما قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ أي إلا إذا وهبه له كما حققه الكمال، ذلك بيعاً لها، وذلك باطل قطعاً؛ وإن كان أخذه ليعمل يكون إجارة على الطاعة وهي باطلة أيضاً كما نص عليه في المتون والشروح والفتاوى، إلا فيما استثناه المتأخرون من جواز الاستئجار على التعليم والأذان والإمامة، وعللوه بالضرورة وخوف ضياع الدين في زماننا لانقطاع ما كان يعطى من بيت المال. وبه علم أنه لا يجوز الاستئجار على الحج عن الميت لعدم الضرورة كما يأتي بيانه في هذا الباب، ولا على التلاوة والذكر لعدم الضرورة أيضاً، وتمام الكلام على ذلك في رسالتنا [شفاء العليل وبل الغليل] في بطلان الوصية بالختمات والتهاليل، فافهم. قوله: (له جعل ثوابها لغيره) أي خلافاً للمعتزلة في كل العبادات، ولمالك والشافعي في العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة فلا يقولان بوصولها، بخلاف غيرها كالصدقة والحج، وليس الخلاف في أن له ذلك أو لا، كما هو ظاهر اللفظ، بل في أنه ينجعل بالجعل أو لا، بل يلغو جعله. أفاده في الفتح: أي الخلاف وفي وصول الثواب وعدمه. قوله: (لغيره) أي من الأحياء والأموات. بحر عن البدائع. قلت: وشمل إطلاق الغير النبي و ﴿، ولم أر من صرّح بذلك من أئمتنا، وفيه نزاع طويل لغيرهم. والذي رجحه الإمام السبكي وعامة المتأخرين منهم: الجواز كما بسطناه آخر الجنائز، فراجعه. قوله: (وإن نواها الخ) قدمنا الكلام عليه قريباً. قوله: (لظاهر الأدلة) علة لقوله ((له جعل ثوابها لغيره)) وهو من إضافة الصفة للموصوف: أي للأدلة الظاهرة: أي الواضحة الجلية، فالظهور بالمعنى اللغوي لا الأصولي، لأن الأدلة فيه متواترة قطعية الدلالة على المراد، لا تحتمل التأويل كما تعرفه. قوله: (أي إلا إذا وهبه) جواب قوله ((وأما)) وأسقط الفاء من جوابها، وهو لا يسقط إلا في ضرورة الشعر كقوله: ((فأما القتال لا قتال لديكم)) كما في المغني، وأجاب عن قوله تعالى: ﴿فأما الذين اسودّت وجوههم أكفرتم﴾ بأن الأصل فيقال لهم أكفرتم، فحذف القول استغناء عنه بالمقول فتبعته الفاء في الحذف. قال: وربّ شيء يصح تبعاً ولا يصح استقلالاً، كالحاجّ عن غيره يصلي عنه ركعتي الطواف؛ ولو صلى أحد عن غيره ابتداء لا يصح على الصحيح اهـ. وكذلك الجواب هنا محذوف مع الفاء استغناء عنه بأي المفسرة له. والتقدير: وأما قوله تعالى فمؤول: أي إلا إذا وهبه، على أن الدماميني اختار جواز حذف الفاء في سعة الكلام واستشهد له بالأحاديث والآثار. قوله: (كما حققه الكمال) حيث قال ما حاصله: إن الآية وإن كانت ظاهرة فيما قاله المعتزلة، لكن يحتمل أنها منسوخة أو مقيدة؛ وقد ثبت ما يوجب المصير إلى ذلك، وهو ما صح ١٢ باب الحج عن الغير أو اللام بمعنى ((على)) كما في ((ولهم اللعنة)) عنه وَ﴾ ((أنه ضحى بكبشين أملحين: أحدهما عنه، والآخر عن أمته)) فقد روي هذا عن عدة من الصحابة وانتشر مخرجوه؛ فلا يبعد أن يكون مشهوراً يجوز تقييد الكتاب به بما لم يجعله صاحبه لغيره. وروى الدار قطني ((أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ فَقَال: كَانَ لِي أَبَوانِ أَبَرُّهُمَا حَالَ حَيَاتِهِمَا، فَكَيْفَ لِي بِبرِّهِما بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ فَقَالَ بَّهِ: إِنَّ مِنَ البِّ بَعْدَ المَوْتِ أَنْ تُصَلِّيَ لَهُمَا مَعَ صَلَاتِكَ وَأَنْ تَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ)) وروي أيضاً عن عليّ عنه بَ ﴿ه قال ((مَنْ مَرَّ عَلَى المَقَابِرِ وَقَرَّأْ قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهَا لِلأَمْواتِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بِعَدَدِ الأَمْواتِ» وعن أنس قال ((يَا رَسُولَ اللهِ إِنّا نَتَصَدَّقُ عَنْ مَوْتَانا وَنَحُجُّ عَنْهُمْ وَنَذْعُو لَهُمْ، فَهَلْ يَصِلُ ذَلِكَ لَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنه لَيَصِلُ إِلَيْهِمْ، وَإِنَّهِمْ لَيَفْرَحُونَ بِهِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالطَّبَقِ إِذَا أُهْدِيَ لَهُ» رواه أبو حفص العكبري. وعنه أنه بَلفي قال ((اقرؤوا على موتاكم يس)) رواه أبو داود، فهذا كله ونحوه مما تركناه خوف الإطالة يبلغ القدر المشترك بينه وهو النفع بعمل الغير مبلغ التواتر، وكذا ما في الكتاب العزيز من الأمر بالدعاء للوالدين، ومن الأخبار باستغفار الملائكة للمؤمنين قطعي في حصول النفع، فيخالف ظاهر الآية التي استدلوا بها، إذ ظاهرها أن لا ينفع استغفار أحد لأحد بوجه من الوجوه لأنه ليس من سعيه، فقطعنا بانتفاء إرادة ظاهرها فقيدناها بما لا يهبه العامل، وهذا أولى من النسخ، لأنه أسهل إذا لم يبطل بعد الإرادة، ولأنها من قبيل الإخبار ولا نسخ في الخبر اهـ. قوله: (أو اللام بمعنى على) جواب آخر، ورده الكمال بأنه يعيد من ظاهر الآية من سياقها فإنها وعظ للذي تولى وأعطى قليلاً وأكدى اهـ. وأيضاً فإنها تتكرّر مع قوله تعالى: ﴿أن لا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وأجيب بأجوبة أخرى ذكرها الزيلعي وغيره. منها: النسخ بآية: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان﴾ وعلمت ما فيه. ومنها: أنها خاصة بقوم موسى وإبراهيم عليهما السلام، لأنها حكاية عما في صحفهما. ومنها: أن المراد بالإنسان: الكافر. ومنها: أنه ليس من طريق العدل، وله من طريق الفضل. ومنها: أنه ليس له إلا سعيه، لكن قد يكون سعيه بمباشرة أسبابه بتكثير الإخوان وتحصيل الإيمان. وأما قوله عليه الصلاة والسلام ((إِذَا مَاتَ أَبَّنُ آدَمَ انَقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّ مِنْ ثَلَاثٍ)) فلا يدل على انقطاع عمل غيره، والكلام فيه. زيلعي. وأما قوله عليه الصلاة والسلام ((لَا ١٣ باب الحج عن الغير ولقد أفصح الزاهدي عن اعتزاله هنا، والله الموفق (العبادة المالية) كزكاة وكفارة (تقبل النيابة) عن المكلف (مطلقاً) عند القدرة والعجز ولو النائب ذمياً، لأن العبرة لنية الموكل ولو عند دفع الوكيل يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ» فهو في حق الخروج عن العهدة لا في حق الثواب كما في البحر. قوله: (ولقد أفصح الزاهدي الخ) حيث قال في المجتبى بعد ذكره عبارة الهداية، قلت: ومذهب أهل العدل والتوحيد أنه ليس له ذلك الخ، فعدل عن الهداية وسمى أهل عقيدته بأهل العدل والتوحيد، لقولهم بوجوب الأصلح على الله تعالى، وأنه لو لم يفعل ذلك لكان جوراً منه تعالى ولقولهم بنفي الصفات، وأنه لو كان له صفات قديمة لتعدد القدماء والقديم واحد، وبيان إبطال عقيدتهم الزائغة في كتب الكلام، وقد نقل كلامه في معراج الدراية وتكفل برده؛ وكذلك الشيخ مصطفى الرحمتي في حاشيته فقد أطال وأطاب، وأوضح الخطأ من الصواب. قوله: (والله الموفق) لا يخفى على ذوي الأفهام ما فيه من حسن الإيهام. مَظْلَبٌ فِي الفَرْقِ بَيْنُ العِبَادَةِ والقُرْبَةِ والطَّامَةِ قوله: (العبادة) قال الإمام اللامشي: العبادة عبارة عن الخضوع والتذلل. وحدّها فعل لا يراد به إلا تعظيم الله تعالى بأمره. والقربة: ما يتقرّب به إلى الله تعالى فقط، أو مع الإحسان للناس كبناء الرباط والمسجد. والطاعة: ما يجوز لغير الله تعالى، وهي. موافقة الأمر. قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] اهـ ملخصاً من ط عن أبي السعود. قوله: (كزكاة) أي زكاة مال أو نفس كصدقة الفطر أو أرض كالعشر، ودخل في الكاف النفقات، وأشار إلى أن المراد بالمالية ما كان عبادة محضة، أو عبادة فيها معنى المؤنة، أو مؤنة فيها معنى العبادة كما عرف في الأصول. قوله: (وكفارة) أي بأنواعها من إعتاق وإطعام وكسوة. بحر. قوله: (تقبل النيابة) الأصل فيه أن المقصود من التكاليف الابتلاء والمشقة، وهي في البدنية باتعاب النفس والجوارح بالأفعال المخصوصة، وبفعل نائبه لا تتحقق المشقة على نفسه، فلم تجز النيابة مطلقاً إلا عند العجز ولا القدرة، وفي المالية بتنقيص المال المحبوب للنفس بإيصاله إلى الفقير، وهو موجود بفعل النائب. والقياس أن لا تجزئ النيابة في الحج لتضمنه المشقتين البدنية والمالية، والأولی لا یکتفی فیها بالنائب، لكنه تعالی رخص في إسقاطه بتحمل المشقة المالية عند العجز المستمر إلى الموت رحمة وفضلاً، بأن تدفع نفقة الحج إلى من يحج عنه. بحر. قوله: (لأن العبرة الخ) علة للتعميم وبيان لوجه إنابة الذمي في العبادة المالية المشروط لها النية بأن الشرط نية الأصل دون النائب. قوله: (ولو عند دفع الوكيل) دخل في التعميم ما لو نوى الموكل وقت الدفع ١٤ باب الحج عن الغير (والبدنية) كصلاة وصوم (لا) تقبلها (مطلقاً، والمركبة منهما) كحج الفرض (تقبل النيابة عند العجز فقط) لكن (بشرط دوام العجز إلى الموت) لأنه فرض العمر إلى الوكيل أو وقت دفع الوكيل إلى الفقراء أو فيما بينهما كما في البحر. ويقي ما لو عزلها ونوى بها الزكاة قبل الدفع إلى الوكيل. وعبارة الشارح تشملها، والظاهر الجواز كما قالوا فيما دفعها في هذه الحالة إلى الفقير بنفسه لوجود النية وقت الدفع حكماً. وعليه يمكن دخولها أيضاً في قول البحر وقت الدفع إلى الوكيل. وبقي أيضاً ما لو نوى بعد دفع الوكيل إلى الفقير وهي في يد الفقير، والظاهر الجواز، كما قالوا فيما لو دفعها إلى الفقير بنفسه، فافهم. قوله: (وصوم) معنى كونه بدنياً أن فيه ترك أعمال البدن. نهر عن الحواشي السعدية، والأولى أن يقال: إن الصوم إمساك عن المفطرات: أي متع النفس عن تناولها، والمنع من أعمال البدن. قوله: (والمركبة منهما) قال في غاية السروجي وفي المبسوط: جعل المال في الحج شرط الوجوب، فلم يكن الحج مركباً من البدن والمال. قلت: وهو أقرب إلى الصواب، ولهذا لا يشترط المال في حق المكي إذا قدر على المشي إلى عرفات وفي قاضيخان: الحج عبادة بدنية كالصوم والصلاة اهـ. وكون الحج يشترط له الاستطاعة وهي ملك الزاد والراحلة لا يستلزم أن الحج مركب من المال، لأن الشرط غير المشروط، والشيء لا يتركب من شرطه؛ كما أن صحة الصلاة يشترط لها ستر العورة والمال للطهارة وهما بالمال، ولم يقل أحد بأنها مركبة من المال اهـ. كذا ذكره بعض المحشين، وقدمنا جوابه في أول الحج. قوله: (كحج الفرض) أطلقه فشمل الحجة المنذورة كما في البحر، وقيد به نظر الشرط دوام العجز إلى الموت، لأن الحج النفل يقبل النيابة من غیر اشتراط عجز فضلاً عن دوامه كما ستأتي ج. ومن هذا القسم الجهاد لا من قسم البدنية فقط كما توهم، بل هو أولى من الحج، إذ لا بد له من آلة الحرب؛ أما الحج فقد يكون بلا مال، كحج المكي، وتمام تحقيقه في شرح ابن كمال. قوله: (لأنه فرض العمر) تعليل لاشتراط دوام العجز إلى الموت: أي فيعتبر فيه عجز مستوعب لبقية العمر ليقع به اليأس عن الأداء بالبدن، ابن کمال عن الكافي، فافهم. تنبيه: محل وجوب الإحجاج على العاجز إذا قدر عليه ثم عجز بعد ذلك عند الإمام. وعندهما يجب الإحجاج عليه إن كان له مال، ولا يشترط أن يجب عليه وهو صحيح. زيلعي. والحاصل أن من قدر على الحج وهو صحيح، ثم عجز لزمه الإحجاج اتفاقاً، أما من لم يملك مالًا حتى عجز عن الأداء بنفسه فهو على الخلاف. وأصله أن صحة ١٥ باب الحج عن الغير حتى تلزم الإعادة بزوال العذر (و) بشرط (نية الحجّ عنه) أي عن الآمر فيقول: أحرمت عن فلان ولبيت عن فلان، ولو نسي اسمه فنوى عن الآمر صح، وتكفي نية القلب (هذا) أي اشتراط دوام العجز إلى الموت (إذا كان) العجز كالحبس و (المرض يرجى زواله) أي يمكن (وإن لم يكن كذلك كالعمى والزمانة سقط الفرض) بحج الغير (عنه) فلا إعادة مطلقاً، سواء (استمر به ذلك العذر أم لا) ولو أحج عنه وهو صحيح ثم عجز واستمر لم يجزه لفقد شرطه البدن شرط للوجوب عنده، ولوجوب الأداء عندهما، وقدمنا أول الحج اختلاف التصحيح وأن قول الإمام هو المذهب. قوله: (حتى تلزم الإعادة بزوال العذر) أي العذر الذي يرجى زواله كالحبس والمرض، بخلاف نحو العمى، فلا إعادة لو زال على ما يأتي. قوله: (وبشرط نية الحج عنه) كان ينبغي للمصنف ذكر هذا عند قوله بعده ((وبشرط الأمر)) لأن ما بينهما من تمام الشرط الأول. قوله: (ولو نسي اسمه الخ) ولو أحرم مبهماً: أي بأن أحرم بحجة وأطلق النية عن ذكر المحجوج عنه، فله أن يعينه من نفسه أو غيره قبل الشروع في الأفعال كما في اللباب وشرحه. وقال في الشرح بعد أن نقل عن الكافي إنه لا نص فيه، وينبغي أن يصح التعيين إجماعاً: لا يخفى أن محل الإجماع إذا لم يكن عليه حجة الإسلام، وإلا فلا يجوز له أن يعين غيره، بل ولو عين غيره لوقع عنه عند الشافعي. قوله: (كالحبس والمرض) أشار إلى أنه لا فرق بين كون العذر سماوياً أو بصنع العباد. وفي البحر عن التجنيس: وإن أحج لعدوّ بينه وبين مكة، إن أقام العدو على الطريق حتى مات أجزأه، وإلا فلا اهـ. ومن العجز الذي يرجى زواله عدم وجود المرأة محرماً، فتقعد إلى أن تبلغ وقتاً تعجز عن الحج فيه: أي لكبر أو عمى أو زمانة، فحينئذ تبعث من يحج عنها، أما لو بعثت قبل ذلك لا يجوز لتوهم وجود المحرم، إلا إن دام عدم المحرم إلى أن ماتت فيجوز، كالمريض إذا أحج رجلاً ودام المرض إلى أن مات كما في البحر وغيره. قوله: (فلا إعادة مطلقاً الخ)، ظاهر إطلاق المتون اشتراط العجز الدائم أنه لا فرق بين ما يرجى زواله وغيره في لزوم الإعادة بعد زواله، وعليه مشى في الفتح. قال في البحر: وليس بصحيح، بل الحق التفصيل كما صرح به في المحيط والخانية والمعراج اهـ. وأقرّه في النهر، وتبعه المصنف، وحققه في الشرنبلالية، ونقل التصريح به عن كافي النسفي. قوله: (ثم عجز) أي بعد فراغ النائب عن الحج، بأن کان وقت الوقوف صحيحاً، أما لو عجز قبل فراغ النائب واستمر أجزأه، وقوله ((لم يجزه)) أي، عن الفرض وإن وقع نفلاً للآمر، أفاده في البحر. قال الحموي: ومن هنا يؤخذ عدم صحة ما يفعله ١٦ باب الحج عن الغير (وبشرط الأمر به) أي بالحج عنه (فلا يجوز حج الغير بغير إذنه إلا إذا حج) أو أحج (الوارث عن مورثه) لوجود الأمر دلالة. وبقي من الشرائط النفقة من مال الآمر كلها السلاطين والوزراء من الإحجاج عنهم، لأن عجزهم لم يكن مستمراً إلى الموت اهـ. أو لعدم عجزهم أصلاً، والمراد عدم صحته عن الفرض بل يقع نفلاً. ط. قلت: لكن قدمنا عن شرح اللباب، عن شمس الإسلام أن السلطان ومن بمعناه من الأمراء ملحق بالمحبوس، فيجب الإحجاج في ماله الخالي عن حقوق العباد اهـ: أي إذا تحقق عجزه بما ذكر ودام إلى الموت. قوله: (وبشرط الأمر به) صرح بهذا الشرط في البحر عن البدائع وفي اللباب. قوله: (فلا يجوز) أي لا يقع مجزئاً عن حجة الأصل بل يقع عن النائب، فله جعل ثوابه للأصل، وسيأتي توضيح ذلك. قوله: (إلا إذا حج أو أحج الوارث) أي فيجزئه إن شاء الله تعالى كما في البدائع واللباب، وهذا إذا لم يوص المورث، أما لو أوصى بالإحجاج عنه فلا يجزيه تبرع غيره عنه كما يأتي في المتن. ثم اعلم أن التقييد بالوارث يفهم منه أن الأجنبي يخالفه وإلا لزم إلغاء هذا الشرط من أصله، والعجبَ أنه في اللباب ذكر هذا الشرط وعمم شارحه الوارث وغيره من أهل التبرع. وعبارة اللباب وشرحه هكذا ((الرابع الأمر)) أي بالحج ((فلا يجوز حج غيره بغير أمره إن أوصى به)) أي بالحج عنه فإنه إن أوصى بأن يحج عنه فتطوع عنه أجنبي أو وارث لم يجز ((وإن لم يوص به)) أي بالإحجاج ((فتبرع عنه الوارث)) وكذا من هم أهل التبرع ((فحج)) أي الوارث ونحوه ((بنفسه)) أي عنه ((أو أحج عنه غيره جاز)) والمعنى: جاز عن حجة الإسلام إن شاء الله تعالى كما قاله في الكبير. وحاصله أن ما سبق يحكم بجوازه البتة، وهذا مقيد بالمشيئة. ففي مناسك السروجي: لو مات رجل بعد وجوب الحج ولم یوص به فحج رجل عنه أو حج عن أبيه أو أمه عن حجة الإسلام من غير وصية، قال أبو حنيفة: يجزيه إن شاء الله، وبعد الوصية يجزيه من غير المشيئة اهـ. ثم أعاد في شرح اللباب المسألة في محل آخر وقال: فلو حج عنه الوارث أو أجنبي يجزيه وتسقط عنه حجة الإسلام إن شاء الله تعالى لأنه إيصال للثواب، وهو لا يختص بأحد من قريب أو بعيد على ما صرح به الكرماني والسروجي اهـ. وسيأتي تمامه. فالظاهر أن في هذا الشرط اختلاف الرواية، وذكر الوارث غير قيد على الرواية الأخرى. قوله: (لوجود الأمر دلالة) لأن الوارث خليفة المورث في ماله فكأنه صار مأموراً بأداء ما عليه؛ أو لأن الميت يأذن بذلك لكل أحد، بناء على ما قلنا من أن الوارث غير قيد. وعلل في البدائع بالنص أيضاً. والظاهر أنه أراد به حديث الخثعمية. قوله: (النفقة من مال الآمر الخ) أي المحجوج عنه، ومحترزه قوله ١٧ باب الحج عن الغير أو أكثرها، وحج المأمور بنفسه وتعينه إن عينه، فلو قال: يحج عني فلان لا غيره لم يجز حج غيره، ولو لم يقل لا غيره جاز وأوصلها في اللباب إلى عشرين شرطاً منها عدم اشتراط الأجرة، فلو استأجر رجلًا، بأن قال استأجرتك على أن تحجّ الآتي ((ولو أنفق من مال نفسه الخ)) ويأتي بيانه. قوله: (وحج المأمور بنفسه) فليس له إحجاج غيره عن الميت وإن مرض ما لم يأذن له بذلك كما يأتي متناً. قوله: (وتعينه إن عينه) هذا يغني عن الشرط الذي قبله. تأمل. والمراد بتعيينه منع حج غيره عنه. قوله: (لم يجز حج غيره) أي وإن مات فلان المذكور، لأن الموصي صرح بمنع حج غيره عنه كما أفاده في اللباب وشرحه. قوله: (ولو لم يقل لا غيره) جاز، قال في اللباب: وإن لم يصرح بالمنع بأن قال يحج عني فلان فمات فلان وأحجوا عنه غيره جاز. مَطْلَبٌ: شُرُوطُ الحَجِّ عَنِ الغَيْ عُشْرُونَ قوله: (وأوصلها في اللباب إلى عشرين شرطاً) تقدم منها ستة، وذكر الشارح السابع بعد ذلك. والثامن: وجوب الحج، فلو أحجّ الفقير أو غيره ممن لم يجب عليه الحج عن الفرض لم يجز حج غيره عنه وإن وجب بعد ذلك. التاسع: وجود العذر قبل الإحجاج، فلو أحج صحيح ثم عجز لا يجزيه . العاشر: أن يحج راكباً، فلو حج ماشياً ولو بأمره ضمن النفقة، والمعتبر ركوب أكثر الطريق إلا إن ضاقت النفقة فحج ماشياً جاز. الحادي عشر: أن يحج عنه من وطنه إن اتسع الثلث، وإلا فمن حیث یبلغ كما سيأتي بيانه. الثاني عشر: أن يحرم من الميقات، فلو اعتمر وقد أمره بالحج ثم حج من مكة لا يجوز ويضمن. وبحث فيه شارحه بما حاصله أنه غير ظاهر، ويتوقف على نقل صريح. قلت: قدمنا الكلام عليه مستوفى قبيل باب الإحرام فراجعه. الثالث عشر: أن لا يفسد حجه. فلو أفسده لم يقع عن الآمر وإن قضاه، وسيأتي بيانه . الرابع عشر: عدم المخالفة، فلو أمره بالإفراد فقرن أو تمتع ولو للميت لم يقع عنه ويضمن النفقة كما سيأتي، ولو أمره بالعمرة فاعتمر ثم حج عن نفسه أو بالحج فحج ثم اعتمر عن نفسه جاز، إلا أن نفقة إقامته للحج أو العمرة عن نفسه في ماله، وإذا فرغ عادت في مال الميت، وإن عكس لم يجز. الخامس عشر: أن يحرم بحجة واحدة، فلو أهلّ بحجة عن الآمر ثم بأخرى عن نفسه لم يجز إلا إن رفض الثانية. ١٨ باب الحج عن الغير عني بكذا لم يجز حجه، وإنما يقول أمرتك أن تحج عني، بلا ذكر إجارة السادس عشر: أن يفرد الإهلال لواحد لو أمره رجلان بالحج، فلو أهلّ عنهما ضمن، وسيأتي تمام الكلام عليه. السابع عشر والثامن عشر: إسلام الآمر والمأمور وعقلهما كما سيأتي، فلا يصح من المسلم للكافر ولا من المجنون لغيره ولا عكسه، لكن لو وجب الحج على المجنون قبل طرو جنونہ صح الإحجاج عنه. التاسع عشر: ((تمييز المأمور)) فلا يصح إحجاج صبي غير مميز، ويصح إحجاج المراهق كما سيأتي. العشرون: عدم الفوات، وسيأتي الكلام عليه. قال ففي اللباب: وهذه الشرائط كلها في الحج الفرض وأما النفل فلا يشترط فيه شيء منها، إلا الإسلام والعقل والتمييز، وكذا الاستئجار، ولم نجده صريحاً في النفل، وجزم به شارحه، لكن هذا مبني على أن الحج لا يقع عن الميت، وفيه ما نذكره بعيده. مَطْلَبٌ فِي الاسْتِجَارِ عَلَى الحَجِّ قوله: (لم يجز حجه عنه) كذا في اللباب، لكن قال شارحه: وفي الكفاية: يقع الحج عن المحجوج عنه في رواية الأصل عن أبي حنيفة اهد. وبه كان يقول شمس الأئمة السرخسي وهو المذهب اهـ. وصرح في الخانية بأن ظاهر الرواية الجواز، لكنه قال أيضاً: وللأجير أجر مثله. واستشكله في [فتح القدير] بما قالوا من أن ما ينفقه المأمور إنما هو على حكم ملك الميت، لأنه لو كان ملكه لكان بالاستئجار، ولا يجوز الاستئجار على الطاعات، فالعبارة المحررة ما في كافي الحاكم: وله نفقة مثله. وزاد إيضاحها في المبسوط فقال: وهذه النفقة ليس يستحقها بطريق العوض بل بطريق الكفاية، لأنه فرغ نفسه لعمل ينتفع به المستأجر. هذا، وإنما جاز الحج عنه لأنه لما بطلت الإجارة بقي الأمر بالحج فتكون له نفقة مثله اهـ. قلت: وعبارة كافي الحاكم على ما نقله الرحمتي: رجل استأجر رجلًا ليحج عنه، قال: لا تجوز الإجارة، وله نفقة مثله. وتجوز حجة الإسلام عن المسجود إذا مات فيه قبل أن يخرج اهـ. ومثله ما في البحر عن الإسبيجابي: لا يجوز الاستئجار على الحج، فلو دفع إليه الأجر فحج يجوز عن الميت وله من الأجر مقدار نفقة الطريق ويردّ الفضل ١٩ باب الحج عن الغير ولو أنفق من مال نفسه أو خلط النفقة بماله وحج وأنفق كله أو أكثره جاز وبرئ على الورثة، إلا إذا تبرع به الورثة أو أوصى الميت بأن الفضل للحاج اهـ ملخصاً. والحاصل أن قول الشارح لم يجز حجه عنه خلاف ظاهر الرواية، وأن قول الخانية له أجر مثله يشعر بأن الإجارة فاسدة مع أنها باطلة كالاستئجار على بقية الطاعات. وأجاب بعضهم بأن المراد من أجر المثل نفقة المثل كما عبر في الكافي، وإنما سماها أجراً مجازاً، وهذا أحسن مما قيل إنه مبني على مذهب المتأخرين القائلين بجواز الاستئجار على الطاعات، لما علمته مما قدمناه أول الباب من أن المتأخرين لم يطلقوا ذلك، بل أفتوا بجواز الاستئجار على التعليم والأذان والإمام للضرورة لا على جميع الطاعات كما أوضحه المصنف في منحه في كتاب الإجارات وإلا لزم الجواز على الصوم والصلاة ولا يقول به أحد ولا ضرورة للاستئجار على الحج، لإمكان دفع المال إليه لينفق على نفسه على حكم ملك الميت بطريق النيابة كما علمت التصريح به عن المبسوط والمتون المصرح فيها بجواز الاستئجار على التسليم ونحوه لم يذكر فيها جوازه على الحج، بل المصرّح به في عامة متون المذهب أنه لا يجوز الاستئجار على الحج كالكنز والوقاية والمجمع والمختار ومواهب الرحمن وغيرها، بل قال العلامة الشرنبلالي في رسالته ((بلوغ الأرب)) إنه لم يذكر أحد من مشايخنا جواز الاستئجار على الحج اهـ. قلت: ولو قيل بجوازه لزم عليه هدم فروع كثيرة: منها ما مر من أن المأمور ينفق على حكم ملك الميت وأنه يجب عليه ردّ الفضل، واشتراط الإنفاق بقدر مال الآمر أو أكثره، وأن الوصي لو دفع المال لوارث ليحج به لا يجوز إلا بإجازة الورثة وهم كبار لأنه كالتبرع بالمال، فلا يجوز للوارث بلا إجازة الباقين كما في الفتح، ولو كان بطريق الاستئجار لم يصح بشيء من هذه الفروع كما أوضحناه في رسالتنا شفاء العليل فافهم. قوله: (ولو أنفق من مال نفسه الخ) قال في الفتح: فإن أنفق الأكثر أو الكل من مال نفسه وفي المال المدفوع إليه وفاء بحجه رجع به فيه، إذ قد يبتلي بالإنفاق من مال نفسه لبغتة الحاجة ولا یکون المال حاضراً فجوّز ذلك، کالوصيّ والو کیل يشتري لليتيم والموكل، ويعطي الثمن من مال نفسه ويرجع به في مال اليتيم والموكل اهـ. قال في البحر: وبهذا علم أن اشتراطهم أن تكون النفقة من مال الآمر للاحتراز عن التبرّع لا مطلقاً اهـ. وقال في الخانية: إذا خلط المأمور بالحج النفقة بمال نفسه قال في الكتاب: يضمن، فإن حج وأنفق جاز وبرئ عن الضمان اهـ. إذا عرفت هذا فقوله ((وأنفق كله أو أكثره)) الضميران لمال الآمر، وفيه مضاف مقدر: أي مقدار كله أو مقدار أكثره، وهذا يرجع إلى المسألتين. والمعنى: ولو أنفق المأمور بالحج من مال نفسه وحج وأنفق مقدار كل مال الآمر المدفوع إليه أو مقدار ٢٠ باب الحج عن الغير من الضمان (وشرط العجز) المذكور (للحج الفرض لا النفل) لاتساع بابه. (ويقع الحج) المفروض (عن الآمر على الظاهر) من المذهب، وقيل عن المأمور نفلاً، وللآمر ثواب النفقة كالنفل (لكنه يشترط) لصحة النيابة أكثره جاز، وكذا إذا خلط النفقة بماله وحج وأنفق الخ. أفاده ح. وقوله ((وبرئ من الضمان)) أي الحاصل بسبب الخلط على ما علمته، وهذا لو بلا إذن الآمر، بل نقل السائحاني عن الذخيرة: له الخلط بدراهم الرفقة أمر به أو لا للعرف. تنبيه: سنذكر أنه لو أوصى أن يحج عنه بألف من ماله فأحج الوصي من مال نفسه ليرجع ليس له ذلك، لأن الوصية باللفظ فيعتبر لفظ الموصي وهو أضاف المال إلى نفسه فلا يبدل اهـ بحر. قلت: وعلى هذا إذا أضاف المال إلى نفسه فليس للمأمور أن يبدله بماله كالوصي إلا أن يفرق بينهما بأن المأمور قد يضطر إلى ذلك على ما مر، فليتأمل. قوله: (وشرط العجز الخ) قد علمت مما قدمناه عن اللباب أن الشروط كلها شروط للحج الفرض دون النفل، فلا يشترط في النفل شيء منها إلا الإسلام والعقل والتمييز، وكذا عدم الاستئجار على ما مر بيانه. قوله: (لاتساع بابه) أي إنه يتسامح في النفل ما لا يتسامح في الفرض. قال في الفتح: أما الحج النفل فلا يشترط فيه العجز، لأنه لم يجب عليه واحدة من المشقتين: أي مشقة البدن ومشقة المال، فإذا كان له تركهما كان له أن يتحمل إحداهما تقرّباً إلى ربه عزّ وجل، فله الاستنابة فيه صحيحاً اهـ. قوله: (على الظاهر من المذهب) كذا في المبسوط، وهو الصحيح كما في كثير من الكتب. بخر. ويشهد بذلك الآثار من السنة وبعض الفروع من المذهب. فتح. قوله: (وقيل عن المأمور نفلاً الخ) ذهب إليه عامة المتأخرين كما في الكشف، قالوا: وهو رواية عن محمد، وهو اختلاف لا ثمرة له، لأنهم اتفقوا أن الفرض يسقط عن الآمر لا عن المأمور، وأنه لا بد أن ينويه عن الآمر، وتمامه في البحر. قلت: وعلى القول بوقوعه عن الآمر لا يخلو المأمور من الثواب، بل ذكر العلامة نوح عن مناسك القاضي: حج الإنسان عن غيره أفضل من حجه عن نفسه بعد أن أدى فرض الحج لأن نفعه متعد، وهو أفضل من القاصر اهـ تأمل. قوله: (كالنفل) مقتضاه أن النفل يقع عن المأمور اتفاقاً، وللآمر ثواب النفقة وبه صرح بعض الشراح ومشى عليه في اللباب. ورده الإتقاني في غاية البيان بأنه خلاف الرواية لما قاله الحاكم الشهيد في الكافي: الحج التطوّع عن الصحيح جائز، ثم قال: وفي الأصل يكون الحج عن المحج اهـ. قوله: (لكنه يشترط الخ) استدراك على قوله ((يقع عن الآمر)) فإن مقتضاه صحته ولو من غير الأهل ط: أي كما تصح إنابة ذمي في دفع