Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كتاب الحج
(بما يلي مسجد الخيف ثم بما يليه) الوسطى (ثم بالعقبة سبعاً سبعاً ووقف) حامداً
مهللاً مكبراً مصلياً قدر قراءة البقرة (بعد تمام كل رمي بعده رمي فقط) فلا يقف بعد
الثالثة و (لا بعد رمي يوم النحر) لأنه ليس بعده رمي (ودعا) لنفسه وغيره رافعاً کفیه نحو
السماء أو القبلة (ثم) رمی (غداً كذلك،
صريح في الخلاف وفي اختيار السنية اهـ. وكذا اختاره أصحاب المتون في مسائل منثورة
آخر الحج كما سيأتي، وما في النهر من أن صريح ما في المحيط اختيار التعيين فيه نظر، بل
جعل التعيين رواية عن محمد، فتدبر. قال في اللباب: فلو بدأ بجمرة العقبة ثم بالوسطى ثم
بالأولى، ثم تذكر ذلك في يومه فإنه يعيد الوسطى والعقبة حتماً أو سنة، وكذا لو ترك
الأولى ورمى الأخيرتين فإنه يرمي الأولى ويستقبل الباقي؛ ولو رمى كل جمرة بثلاث أتم
الأولى بأربع ثم أعاد الوسطى بسبع ثم القصوى بسبع؛ وإن رمی کل واحدة بأربع أتم كل
واحدة بثلاث ثلاث ولا يعيد اهـ: أي لأن للأكثر حكم الكل فكأنه رمى الثانية والثالثة بعد
الأولى. قوله: (بما يلي مسجد الخيف) وحدها من باب مسجد الخيف الكبير إليها بذراع
الحديد عدد ١٢٥٤ وسدس ذراع ومنها إلى الجمرة الوسطى عدد ٨٧٥ ومن الوسطى إلى
جمرة العقبة عدد ٢٠٨ كما نقله القسطلاني في شرح البخاري عن القرافي المالكي ونحوه في
كتب الشافعية، فما في القهستاني سبق قلم، فافهم. قوله: (الوسطى) بدل من ((ما)) ح.
قوله: (ويكبر بكل حصاة)(١) أي قائلاً باسم الله الله أكبر كما مر. قوله: (قدر قراءة البقرة)
زاد في اللباب أو ثلاثة أحزاب: أي ثلاثة أرباع من الجزء أو عشرين آية. قال شارحه: وهو
أقل المواقيت، واختاره صاحب الحاوي والمضمرات. قوله: (بعد تمام كل رمي) لا عند
كل حصاة. لباب. قوله: (فلا يقف بعد الثالثة) أي جمرة العقبة لأنها ليس بعدها رمي في كل
يوم. قال في اللباب: والوقوف عند الأولين سنة في الأيام كلها، وقوله ((ولا بعد رمي يوم
النحر)) أتى فيه بالواو عطفاً على ما ذكره في التفريع إشارة إلى ما في عبارة المتن من
القصور. قوله: (ودعا) أتى فيه بالواو حذفاً على ما ذكره في التفريع إشارة إلى ما في عبارة
المتن من القصور. قوله: (ودعا) عطف على قوله ((ووقف حامداً). قوله: (نحو السماء أو
القبلة) حكاية لقولین، قال في شرح اللباب: يرفع يديه حذو منکبیه، ويجعل باطن كفيه نحو
القبلة في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف: نحو السماء، واختاره قاضيخان وغيره، والظاهر
الأول اهـ. قوله: (ثم رمى غداً) أي في اليوم الثالث من أيام النحر، وهو الملقب بيوم النفر
الأول، فإنه يجوز له أن ينفر فيه بعد الرمي، واليوم الرابع آخر أيام التشريق يسمى يوم النفر
الثاني. فتح. قوله: (كذلك) أي مثل الرمي في اليوم الذي قبله بمراعاة جميع ما ذكر فيه.
(١) في ط (قوله ويكبر بكل حصاة) ليست في نسخ الشارح التي بأيدينا هنا، بل تقدمت في عبارة المصنف في قوله
((ورمى العقبة من بطن الوادي سبعاً حذفاً وكبر بكل حصاة)).

٥٤٢
كتاب الحج
ثم بعده كذلك إن مكث وهو أحبّ، وإن قدم الرمي فيه) أي في اليوم الرابع (على الزوال
جاز) فإن وقت الرمي فيه من الفجر للغروب وأما في الثاني والثالث فمن الزوال لطلوع
قوله: (إن مكث) قيد في قوله ((ثم بعده كذلك)) فقط لا في قوله «ثم غدا كذلك)»
أيضاً اهـ ح. قال في النهر: أي إن مكث إلى طلوع فجر الرابع في الظاهر، عن الإمام وعنه
إلى الغروب من اليوم الثالث. قوله: (وهو أحب) اقتداء به عليه الصلاة والسلام لقوله
تعالى: ﴿فمن تعجل يومين فلا إثم عليه﴾ الآية، فالتخيير بين الفاضل والأفضل كالمسافر
في رمضان حيث خير بين الصوم والإفطار، والأول أفضل إن لم يضرّه اتفاقاً. نهر. قوله:
(جاز) أي صح عند الإمام استحساناً مع الكراهة التنزيهية، وقال: لا يصح اعتباراً بسائر
الأيام. نهر. قوله: (فإن وقت الرمي فيه) أي في اليوم الرابع من الفجر للغروب: أي غروب
شمسه، ولا يتبعه ما بعده من الليل، بخلاف ما قبله من الأيام، والمراد وقت جوازه في
الجملة، فإن ما قبل الزوال وقت مكروه، وما بعده مسنون؛ ويغروب الشمس من هذا اليوم
يفوت وقت الأداء والقضاء اتفاقاً. شرح اللباب. قوله: (فمن الزوال لطلوع ذكاء)(١) أي إلى
طلوع الشمس من اليوم الرابع، والمراد أنه وقت الجواز في الجملة قال في اللباب: وقت
رمي الجمار الثلاث في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر بعد الزوال، فلا يجوز قبله في
المشهور. وقيل يجوز: والوقت المسنون فيما يمتد من الزوال إلى غروب الشمس، ومن
الغروب إلى الطلوع وقت مكروه، وإذا طلع الفجر: أي فجر الرابع فقد فات وقت الأداء
وبقي وقت القضاء إلى آخر أيام التشريق، فلو أخره عن وقته: أي المعين له في كل يوم
فعليه القضاء والجزاء، ويفوت وقت القضاء بغروب الشمس في الرابع اهـ. ثم قال: ولو لم
يرم يوم النحر أو الثاني أو الثالث رماه في الليلة المقبلة: أي الآتية لكل من الأيام الماضية،
ولا شيء عليه سوى الإساءة ما لم يكن بعذر، ولو رمى ليلة الحادي عشر أو غيرها عن
غدها لم يصح، لأن الليالي في الحج في حكم الأيام الماضية لا المستقبلة، ولو لم يرم في
الليل رماه في النهار قضاء وعليه الكفارة، ولو أخر رمي الأيام كلها إلى الرابح مثلاً قضاها
كلها فيه وعليه الجزاء، وإن لم يقض حتى غربت الشمس منه فات وقت القضاء، وليست
هذه الليلة تابعة لما قبلها اهـ.
والحاصل أنه لو أخر الرمي في غير اليوم الرابع يرمى في الليلة التي تلي ذلك اليوم
أخر رميه وكان أداء لأنها تابعة له، وكره لتركه السنة، وإن أخره إلى اليوم الثاني كان قضاء
ولزمه الجزاء؛ وكذا لو أخر الكل إلى الرابع ما لم تغرب شمسه، فلو غربت سقط الرمي
ولزمه دم، وقد ظهر بما قررناه أن ما ذكره الشارح تبعاً للبحر وغيره من أن انتهاءه إلى طلوع
(١) في ط (قول الشارح لطلوع ذكاء) قال العلامة السندي: أي فجر اليوم اللاحق. وكأنه قدر مضافاً في الكلام: أي
طلوع فجر ذكاء اليوم اللاحق، وبهذا التقدير تستقيم عبارة الشارح ويكون المراد بها بيان وقت الأداء.

٥٤٣
كتاب الحج
ذكاء (وله النفر) من منى (قبل طلوع فجر الرابع لا بعده) لدخول وقت الرمي (وجاز
الرمي) كله (راكباً، و) لكنه (في الأولين) أي الأولى والوسطى (ماشياً أفضل) لأنه يقف
(إلا في الأخيرة) أي العقبة لأنه ينصرف والراكب أقدر عليه، وأطلق أفضلية المشي في
الظهيرية، ورجحه الكمال وغيره (ولو قدم ثقله) بفتحتين متاعه وخدمه (إلى مكة وأقام
الشمس ليس بياناً لوقت الأداء فقط، بل يشمل وقت القضاء، لأن ما بعد فجر الرابع وقت
لرمي الرابع أداء، ولرمي غيره من الأيام الثلاثة قضاء فافهم. قوله: (وله النفر) بسكون الفاء:
أي الرجوع. سراج. قوله: (قبل طلوع فجر الرابع) ولكن ينفر قبل غروب الشمس: أي
شمس الثالث، فإن لم ينفر حتى غربت الشمس يكره له أن ينفر حتى يرمي في الرابع، ولو
نفر من الليل قبل فجر الرابع لا شيء عليه وقد أساء، وقيل ليس له أن ينفر بعد الغروب، فإن
نفر لزمه دم، ولو نفر بعد طلوع الفجر قبل الرمي لزمه الدم اتفاقاً. لباب. ولا فرق في ذلك
بين المكي والآفاقي كما في البحر. قوله: (وجاز الرمي راكباً إلخ) عبارة الملتقى أخصر،
وهي: وجاز الرمي راكباً، وغير راكب أفضل في جمرة العقبة اهـ.
وفي اللباب: والأفضل أن يرمي جمرة العقبة راكباً وغيرها ماشياً في جميع أيام
الرمي اهـ. وقوله ((لأنه يقف)) أي للدعاء بعد رمي الأوليين في الأيام الثلاثة، بخلاف العقبة
في اليوم الأول وفي الثلاثة بعده، فإنه لا دعاء بعدها. والضابط أن كل رمي يقف بعده فإنه
یرمیه ماشیاً وهو کل رمي بعده رمي كما مر، وما لا فلا، ثم هذا التفصیل قول أبي يوسف،
وله حكاية مشهورة ذكرها ط وغيره، وهو مختار كثير من المشايخ كصاحب الهداية والكافي
والبدائع وغيرهم. وأما قولهما فذكر في البحر أن الأفضل الركوب في الكل على ما في
الخانية والمشي في الكل على ما في الظهيرية، وقال: فتحصل أن في المسألة ثلاثة أقوال.
قوله: (ورجحه الكمال) أي بأن أداها ماشياً أقرب إلى التواضع والخشوع، وخصوصاً في
هذا الزمان، فإن عامة المسلمين مشاة في جميع الرمي فلا يؤمن من الأذى بالركوب بينهم
بالزحمة، ورميه عليه الصلاة والسلام راكباً إنما هو ليظهر فعله ليقتدي به كطوافه راكباً اهـ.
قال في البحر: ولو قيل بأنه ماشياً أفضل إلا في رمي جمرة العقبة في اليوم الأخير
لكان له وجه، لأنه ذاهب إلى مكة في هذه الساعة كما هو العادة، وغالب الناس راكب فلا
إيذاء في ركوبه مع تحصيل فضيلة الاتباع له عليه الصلاة والسلام اهـ.
قلت: لكن في هذا الزمان يعسر ركوبه بعد رمي العقبة، وربما ضلّ عنه محمله لكثرة
الزحام، فلو قيل إنه في اليوم الأخير يرمي الكل راكباً لكان له وجه أيضاً مع تحصيل فضيلة
الاتباع في الكل بلا ضرر عليه ولا على غيره، لأن العادة أن الكل يركبون من منازلهم
سائرين إلى مكة، وأما في غير اليوم الأخير فيرمي الكل ماشياً. قوله: (بفتحتين إلخ)

٥٤٤
كتاب الحج
بمنى) أو ذهب لعرفة (كره) إن لم يأمن لا إن أمن؛ وكذا يكره للمصلي جعل نحو نعله
خلفه لشغل قلبه .
(وإذا نفر) الحاج (إلى مكة نزل) استناناً ولو ساعة (بالمحصب) بضم ففتحتين:
الأبطح، وليست المقبرة منه (ثم) إذا أراد السفر (طاف للصدر)
وبكسر الثاء وفتح القاف المصدر وبسكونها: واحد الأثقال. نهر. قوله: (أو ذهب لعرفة)
وفي بعض النسخ بالواو بدل ((أو)) وهو تحريف، والأوضح أن يقول: أو تركه فيها وذهب
لعرفة إذ لا يصلح تسليط قدم هنا إلا بتأويل. قوله: (كره) الأثر ابن شيبة(١) عن ابن عمر
رضي الله تعالى عنهما ((من قدم ثقله قبل النفر فلا حج له)) أي كاملاً، ولأنه يوجب شغل قلبه
وهو في العبادة فيكره والظاهر أنها تنزيهية. بحر.
واعترضه في النهر بأن عمر رضي الله عنه کان یمنع منه ويؤدب علیه وهذا يؤذن بأنها
تحريمية، وفيه نظر فإنه كان يؤدب على ترك خلاف الأولى. تأمل. قوله: (لا إن أمن) بحث
لصاحب البحر، وتبعه أخوه أخذاً من مفهوم التعليل بشغل القلب ط. قوله: (وكذا إلخ) قال
في السراج: وكذا يكره للإنسان أن يجعل شيئاً من حوائجه خلفه ويصلي مثل النعل وشبهه
لأنه يشغل خاطره فلا يتفرّغ للعبادة على وجهها اهـ. قوله: (ولو ساعة) يقف فيه على
راحلته يدعو. سراج. فيحصل بذلك أصل السنة. وأما الكمال فما ذكره الكمال من أنه
يصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويهجع هجعة ثم يدخل مكة. بحر. وفي شرح
النقاية للقاري: والأظهر أن يقال: إنه سنة كفاية، لأن ذلك الموضع لا يسع الحاج جمیعهم،
وينبي لأمراء الحج وكذا غيرهم أن ينزلوا فيه ولو ساعة إظهاراً للطاعة. قوله: (الأبطح)
ويقال له أيضاً البطحاء والخيف. قاري. قال في الفتح: وهو فناء مكة، حده ما بين الجبلين
المتصلين بالمقابر إلى الجبال المقابلة لذلك مصعداً. في الشق الأيسر وأنت ذاهب إلى منى
مرتفعاً عن بطن الوادي. قوله: (ثم إذا أراد السفر) أتى بثم وما بعدها إشارة إلى ما في النهر
وغيره من أن أول وقته بعد طواف الزيارة إذا كان على عزم السفر، حتى لو طاف كذلك ثم
أطال الإقامة بمكة ولم يتخذها داراً جاز طوافه، ولا آخر له وهو مقيم، بل لو أقام عاماً لا
ينوي الإقامة فله أن يطوف ويقع أداء؛ نعم المستحب إيقاعه عند إرادة السفر اهـ.
وفي اللباب أنه لا يسقط بنية الإقامة ولو سنين، ويسقط بنية الاستيطان بمكة أو بما
حولها قبل حلّ النفر الأول: أي قبل ثالث أيام النحر، ولو نوى الاستيطان بعده لا يسقط،
وإن نواه قبل النفر ثم بدا له الخروج لم يجب كالمكي إذا خرج اهـ.
(١) في ط (قوله ابن شيبة) كذا بالأصل المقابل على خط المؤلف، ولعله ((ابن أبي شيبة)) كما هو مشهور في كتب
الحدیث.

٥٤٥
كتاب الحج
أي الوداع (سبعة أشواط بلا رمل وسعي، وهو واجب إلا على أهل مكة) ومن في
حكمهم، فلا يجب بل يندب كمن مكث بعده؛ ثم النية للطواف شرط؛ فلو طاف هارباً
أو طالباً لم يجز لكن يكفي أصلها، فلو طاف بعد إرادة السفر ونوى التطوع أجزأه عن
الصدر، كما لو طاف بنية التطوع في أيام النحر وقع عن الفرض (ثم) بعد ركعتيه (شرب
مَطْلَبٌ فِي طَوَافِ الصَّدْرِ
قوله: (أي الوداع) بفتح الواو، وهو اسم لهذا الطواف أيضاً، ويسمى أيضاً طواف
آخر العهد، وأما الصدر فهو بفتحتين: رجوع المسافر من مقصده والشارب من مورده كما
في القهستاني. قوله: (بلا رمل وسعي) أي إن كان فعلهما في طواف القدوم أو الصدر كما
مر عن الخير الرملي. قوله: (وهو واجب) فلو نفر ولم يطف وجب عليه الرجوع ليطوف ما
لم يجاوز الميقات فيخير بين إراقة الدم والرجوع بإحرام جديد بعمرة مبتدئاً بطوافها ثم
بالصدر، ولا شيء عليه لتأخيره، والأول أولى تيسيراً عليه ونفعاً للفقراء. نهر ولباب.
قوله: (إلا على أهل مكة) أفاد وجوبه على كل حاج آفاقي مفرد أو متمتع أو قارن بشرط كونه
مدركاً مكلفاً غير معذور، فلا يجب على المكي، ولا على المعتمر مطلقاً، وفائت الحج
والمحصر والمجنون والصبيّ والحائض والنفساء كما في اللباب وغيره. قوله: (ومن في
حكمهم) أي ممن كان داخل المواقيت، وكذا من نوى الاستيطان قبل حل النفر كما مر.
قوله: (فلا يجب الخ) قال في النهر: والمنفى عنهم إنما هو وجوبه لا ندبه. وقد قال الثاني :
أحب إليّ أن يطوف المكي طواف الصدر لأنه وضع لختم أفعال الحج، وهذا المعنى
موجود في حقهم. قوله: (كمن مكث بعده) لأن المستحب إيقاعه عند إرادة السفر كما مر.
قوله: (فلو طاف) أي دار حول البيت ولم تحضره النية أصلاً. قوله: (أو طالباً) أي لغريم
ونحوه. قوله: (لكن يكفي أصلها) أي أصل نية الطواف بلا لزوم تعيين كونه للمصدر أو
غيره ولا تعيين وجوب أو فرضية. قوله: (فلو طاف الخ) الحاصل كما في الفتح وغيره أن
من طاف طوافاً في وقته وقع عنه، نواه بعينه أو لا أو نوى طوافاً آخر، ومن فروعه لو قدم
معتمراً وطاف وقع عن العمرة، أو حاجاً وطاف قبل يوم النحر وقع للقدوم، أو قارناً وطاف
طوافين وقع الأول عن العمرة، أو حاجاً وطاف قبل يوم النحر وقع القدوم، أو قارناً وطاف
طوافين وقع الأول عن العمرة والثاني للقدوم، ولو كان في يوم النحر وقع للزيارة أو بعد ما
حل النفر بعدما طاف للزيارة فهو للصدر، وإن نواه للتطوع فلا تعمل النية في التقديم
والتأخير إلا إذا كان الثاني أقوى، كما لو ترك طواف الصدر ثم عاد بإحرام عمرة فيبدأ بطواف
العمرة ثم الصدر، وتمامه في اللباب. قوله: (ثم بعد ركعتيه) أي بعد صلاة ركعتي
الطواف، وتقدم الكلام عليهما، وتقدم أيضاً أنه قيل إنه يلتزم الملتزم أولاً ثم يصلي
الركعتين ثم يأتي زمزم، وأنه الأسهل والأفضل وعليه العمل، وأن ما ذكره هنا من الترتيب

٥٤٦
كتاب الحج
من ماء زمزم قبل العتبة) تعظيماً للكعبة (ووضع صدره ووجهه على الملتزم وتشبث
بالأستار ساعة) كالمستشفع بها، ولو لم ينلها يضع يديه على رأسه مبسوطتين على
الجدار قائمتين والتصق بالجدار (ودعا مجتهداً ويبكي) أو يتباكى (ويرجع قهقری) أي
هو الأصح المشهور، ومشى عليه في الفتح هناك. وعبر عن الآخر بقيل لكن جزم بالقيل
هنا. قوله: (شرب من ماء زمزم) أي قائماً مستقبلاً القبلة متضلعاً منه متنفساً فيه مراراً ناظراً
في كل مرة إلى البيت ماسحاً به وجهه ورأسه وجسده صاباً منه على جسده إن أمكن كما في
البحر وغيره، وقد عقد في الفتح لذلك فصلاً مستقلاً فارجع إليه، وسيأتي بعض الكلام
على زمزم آخر الحج. قوله: (وقبل العتبة) أي ثم قبل العتبة المرتفعة عن الأرض.
قهستاني. قوله: (ووضع) أي ثم وضع. قهستاني. قوله: (ووجهه) أي خده الأيمن ويرفع
يده اليمنى إلى عتبة الباب. قوله: (وتشبث) أي تعلق كما يتعلق عبد ذلیل بطرف ثوب
المولى جليل. قهستاني. قوله: (ودعا) أي حال تشبثه بالأستار متضرعاً متخشعاً مكبراً مهللاً
مصلياً على النبي ◌َل﴾. قوله: (ويرجع قهقرى) كذا في الهداية والمجمع والنقاية وغيرها.
وفي مناسك النووي أن ذلك مكروه لأنه ليس فيه سنة مروية ولا أثر محكي، وما لا أثر له لا
يعرّج عليه اهـ. وتبعه ابن الكمال والطرابلسي في مناسكه، لكنه قال: وقد فعله الأصحاب:
يعني أصحاب مذهبنا. وقال الزيلعي: والعادة به جارية في تعظيم الأكابر، والمنكر لذلك
مكابر. قال في البحر: لكنه يفعله على وجه لا يحصل منه صدم أو وطء لأحد.
مَطْلَبُ فِي حُكْمِ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَاْلْمَدِنَّةِ
تنبيه: في كلامه إشارة إلى أنه لا يجاور بمكة، ولهذا قال في المجمع: ثم يعود إلى
أهله، والمجاورة بمكة مكروهة: أي عنده خلافاً لهما، وبقوله قال الخائفون المحتاطون
من العلماء كما في الإحياء، قال: ولا يظن أن كراهة القيام تناقض فضل البقعة، لأن هذه
الكراهة علتها ضعف الخلق، وقصورهم عن القيام بحق الموضع. قال في الفتح: وعلى
هذا فيجب كون الجوار في المدينة المشرفة كذلك: يعني مكروهاً عنده، فإن تضاعف
السيئات أو تعاظمها إن فقد فمخافة السآمة وقلة الأدب المفضي إلى الإخلال بوجوب
التوقير، والإجلال قائم اهـ نهر.
مَطْلَبٌ فِي مُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ
تتمة: قال السيد الفاسي(١) في شفاء الغرام: يتحصل من طرق حديث ابن الزبير
(١) محمد بن أحمد بن علي، تقي الدين، أبو الطيب المكي الحسني: مؤرخ عالم بالأصول، حافظ للحديث. ولي
قضاء المالكية بمكة مدة وكان أعشى يملي تصانيفه على من يكتب له. من كتبه ((العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين))
و(شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام)). توفي سنة ٨٣٢. انظر: الضوء اللامع ١٨/٧، التيمورية ٢٢٣/٣، الأعلام ١٥

٥٤٧
كتاب الحج
إلى خلف (حتى يخرج من المسجد) وبصره ملاحظ للبيت (وسقط طواف القدوم عمن
وقف بعرفة ساعة قبل دخول مكة، ولا شيء عليه بتركه) لأنه سنة وأساء (ومن وقف
ثلاث روايات: إحداها أن الصلاة في المسجد الحرام تفضل على الصلاة بمسجد المدينة
بمائة صلاة. الثانية بألف صلاة. الثالثة بمائة ألف صلاة كما في مسند الطيالسي وإتحاف ابن
عساكر. وعلى الثالثة حسب النقّاش المفسر الصلاة بالمسجد الحرام قبلغت صلاة واحدة
فيه عمر مائتي سنة وخمسين (١) سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، والصلوات الخمس عمر مائتي
سنة وسبع وسبعين سنة وتسعة أشهر وعشر ليال.
قال السيد: ورأيت لشيخنا بدر الدين بن الصاحب المصري أن الصلاة فیه فرادی
بمائة ألف، وجماعة بألفي ألف وسبمائة ألف، والصلوات الخمس فيه بثلاثة عشر ألف ألف
وخمسمائة صلاة، وصلاة الرجل منفرداً في وطنه غير المسجدين المعظمين كل مائة سنة
شمسية مائة ألف وثمانين ألف صلاة، وكل ألف سنة بألف ألف صلاة وثمانمائة ألف صلاة.
فتلخص أن صلاة واحدة جماعة في المسجد الحرام يفضل ثوابها على ثواب من صلى
في بلده فرادى حتى بلغ عمر نوح عليه السلام بنحو الضعف اهـ. ثم ذكر للعماء خلافاً في
هذا الفضل، هل يعم الفرض والنفل، أو يختص بالفرض؟ وهو مقتضى مشهور مذهبنا: أي
المالكية ومذهب الحنفية، والتعميم مذهب الشافعية.
واختلف في المراد بالمسجد الحرام: قيل مسجد الجماعة وأيده المحب الطبري،
وقيل الحرم كله، وقيل الكعبة خاصة. وجاءت أحاديث تدل على تفضيل ثواب الصوم
وغيره من القربات بمكة إلا أنها في الثبوت ليست كأحاديث الصلاة فيها اهـ باختصار. وذكر
ابن حجر في التحفة أنه صح في الأحاديث بتكرار الألف ثلاثاً، كذا كتبه بعض المحشين.
وذكر البيري في شرح الأشباه في أحكام المسجد أن المشهور عند أصحابنا أن التضعيف
يعم جميع مكة، بل جميع حرم مكة الذي يحرم صيده كما صححه النووي: قوله: (وسقط
طواف القدوم الخ) هذه مسائل شتى عنون لها في الهداية والكنز بفصل. وذكر في البحر أن
حقيقة السقوط لا تكون إلا في اللازم، فهو هنا مجاز عن عدم سنيته في حقه. إما لأنه ما شرع
إلا في ابتداء الأفعال فلا يكون سنة عند التأخر، ولا شيء عليه بتركه لأنه سنة؛ وإما لأن
طواف الزيارة أغنى عنه كالفرض يغنى عن تحية المسجد، ولذا لم يكن للعمرة طواف قدوم
لأن طوافها أغنى عنه قيد بطواف القدوم، لأن القارن إذا لم يدخل مكة وقف بعرفات صار
رافضاً لعمرته فيلزمه دم لرفضها وقضاؤها كما سيأتي في آخر القران اهـ. قوله: (وأساء) أي
(١) في ط (قوله مائتي سنة وخمسين الخ) الذي نقله العلامة القسطلاني على البخاري في باب فضل الصلاة في مسجد
مكة والمدينة عن النقاش: حسبت الصلاة بالمسجد الحرام فبلغت صلاة واحدة فيه عمر خمس وخمسين سنة إلى آخر
ما ذكره المحشي، وحينئذ فالصواب إسقاط مائتي سنة.

٥٤٨
كتاب الحج
بعرفة ساعة) عرفية وهو اليسير من الزمان، وهو المحمل عند إطلاق الفقهاء (من زوال
يومها) أي عرفة (إلى طلوع فجر يوم النحر، أو اجتاز) مسرعاً أو (نائماً أو مغمى عليه،
و) كذا لو (أهل عنه رفيقه)
لتركه السنة، وقدمنا أن الإساءة دون الكراهة: أي التحريمية. قوله: (عرفية) أي في عرف
اللغة، والأوضح أن يقول لغوية أو شرعية كما عبر في شرح اللباب. قوله: (وهو اليسير)
ذكر الضمير مراعاة لتذكير الخبر. قوله: (من زوال الخ) متعلق بمحذوف صفة لساعة لا
بوقف لفساد المعنى باعتبار الغاية، فتدبر. قوله: (أو اجتاز) أي مر، وقوله ((مسرعاً) حال
أشار به إلى أن هذه الساعة اليسيرة يكفي منها هذا المقدار من الوقوف، فإن المسرع لا يخلو
عن وقوف يسير على قدم عند نقل القدم الأخرى، ولذا صح اعتكافه كما مر في بابه. قوله:
(أو نائماً أو مغمى عليه) يشير إلى أن الوقوف بعرفة يصح بلانية كما سيصرح به، بخلاف
الطواف.
قال في البحر: والفرق أن الطواف عبادة مقصودة، ولهذا يتنفل به فلا بد من اشتراط
أصل النية وإن كان غير محتاج إلى تعيينه كما مر. وأما الوقوف فليس بعبادة مقصودة، ولذا لا
يتنفل به، فوجود النية في أصل العبادة وهو الإحرام يغني عن اشتراطه في الوقوف اهـ. لكن
أورد عليه في النهر القراءة في الصلاة فإنها عبادة مستقلة بدليل أنه يتنفل بها مع أنه لا يشترط
لها النية. قال: ولم أره لأحد، ولم يظهر لي عنه جواب.
قلت: قد يمنع كون القراءة عبادة مستقلة والتنفل بها لا يدل على ذلك، كالوضوء فإنه
يتنفل به مع كونه ليس عبادة مستقلة، ولذا لم يصح نذره وكذا القراءة. ففي القهستاني من
الاعتكاف أن النذر بها لا يصح، لأنها فرضت تبعاً للصلاة لا لعينها، فتأمل. قوله: (وكذا لو
أهل عنه رفيقه) أي عن المغمى عليه أو النائم المريض كما في شرح اللباب، لأن الإحرام
شرط عندنا كالوضوء في الصلاة فصحت النيابة بعد وجود نية العبادة منه، وهو خروجه
للحج. معراج.
وفي النهر: ومعنى الإهلال عنه أن ينوي عنه ويلبي فيصير المغمى عليه محرماً لانتقال
إحرام الرفيق إليه، وليس معناه أن يجرده وأن يلبسه الإزار، لأن هذا كفّ عن بعض محظورات
الإحرام لا عين الإحرام لما مر اهـ. ويجزيه ذلك عن حجة الإسلام. ولو ارتكب محظوراً لزمه
موجبه لا الرفيق. لباب، ويصح إحرامه عنه سواء أحرم عن نفسه أولاً، ولا يلزمه التجرد عن
المخيط لأجل إحرامه عنه، ولو أحرم عنه وعن نفسه وارتكب محظوراً لزمه جزاء واحد،
بخلاف القارن لأنه محرم بإحرامين. بحر. ولا يشترط كون الإحرام عنه بأمره كما في
اللباب: أي خلافاً لهما حيث اشترطا الأمر، وقيده في البحر بالمغمى عليه أما النائم

٥٤٩
كتاب الحج
وكذا غیر رفیقه. فتح (به) أي بالحج مع إحرامه عن نفسه، فإذا انتبه أو أفاق وأتى بأفعال
الحج جاز؛ ولو بقي الإغماء، إن الإغماء بعد إحرامه طيف به المناسك، وإن أحرموا
عنه اكتفى بمباشرتهم، ولم أر ما لو جنّ فأحرموا عنه وطافوا به المناسك، وكلام الفتح
فيشترط منه صريح الإذن لما في المحيط أن المريض الذي لا يستطيع الطواف إذا طاف به
رفيقه وهو نائم: إن کان بأمره جاز، وإلا فلا اهـ.
قلت: وقيد الجواز في اللباب في فصل طواف المغمى عليه والنائم بالفور حيث
قال: ولو طافوا بمريض وهو نائم من غير إغماء إن كان بأمره وحملوه على فوره يجوز، وإلا
فلا.
وفي الفتح بعد كلام: والحاصل الفرق بين النائم والمغمى عليه في اشتراط صريح
الإذن وعدمه. قال شارح اللباب: وقد أطلقوا الإجزاء بين حالتي النوم والإغماء في
الوقوف، ولعل الفرق أن النية شرط في الطواف عند الجمهور، بخلاف الوقوف اهـ
ملخصاً.
قلت: والكلام في الإحرام عن النائم، لكن إذا كان الطواف عنه لا يجوز إلا بأمره
فالإحرام بالأولى. قوله: (وكذا غير رفيقه) هذا أحد قولين، وبه جزم في السراج، ورجحه
في الفتح والبحر لوجود الإذن للكل دلالة، كما لو ذبح أضحية غيره في أيامها بلا إذنه،
وتمامه في البحر. قوله: (أي بالحج) قال في البحر: وشمل إحرام الرفيق عنه ما إذا أحرم
عنه رفيقه بحجة أو عمرة أو بهما من الميقات أو بمكة ولم أره صريحاً اهـ. قال في
الشرنبلالية: وفيه تأمل، لأن المسافر من بلاد بعيدة ولم يكن حج الفرض كيف يصح أن
يحرم عنه بعمرة وليست واجبة عليه؟ وقد يمتد الإغماء ولا يحصل إحرامه عنه بالحج فيفوت
مقصده ظاهراً اهـ. وظاهر الفتح يدل على أنه لا بد من العلم بقصده، وحينئذ فإن علم فلا
كلام، وإلا فينبغي تعيين الحج. قوله: (مع إحرامه عن نفسه) أو بدونه كما قدمناه. قوله:
(إذا انتبه أو أفاق) الأول للنائم والثاني للمغمى عليه. قوله: (جاز) لأنه تبين أن عجزه كان
في الإحرام فقط فصحت النيابة فيه ثم يجري هو على موجبه. بحر: أي موجب إحرام
الرفيق عنه، وفيه إشارة إلى لزوم إتيان الأفعال بنفسه لعدم العجز، وبه صرح في اللباب.
قوله: (إن الإغماء بعد إحرامه) أي بنفسه، وفيه أن فرض المسألة في إحرام الرفيق عنه فكان
الأظهر والأخصر أن يقول: ولو بقي الإغماء اكتفى بمباشرتهم، ولو الإغماء بعد إحرامه
طيف به المناسك: أي أحضر المشاهد من وقوف وطواف ونحوهما، قال في البحر.
وتشترط نيتهم الطواف إذا حملوه كما تشترط نيته. قوله: (اكتفى بمباشرتهم) أي من غير أن
يشهدوا به المشاهد من الطواف والسعي والوقوف وهو الأصح؛ نعم ذلك أولى. نهر.

٥٥٠
كتاب الحج
يفيد الجواز (أو جهل أنها عرفة صح حجه) لأن الشرط الكينونة لا النية .
(ومن لم يقف فيها فات حجه) لحديث ((الحج عرفة)) (فطاف وسعى وتحلل) أي
بأفعال العمرة (وقضى) ولو حجه نذراً أو تطوّعاً (من قابل) ولا دم عليه (والمرأة) فيما مر
وانظر هل يكتفي المباشر بطواف واحد عنه وعن المغمى عليه كما لو حمله وطاف به أولاً؟
: لم أره. أبو السعود.
قلت: الظاهر الثاني، لأنه إذا أحضر الموقف كان هو الواقف، وإذا طيف به كان
بمنزلة الطائف راكباً كما صرحوا به، فلا يقاس عليه ما إذا لم يحضر فلا بد من نية وقوف عنه
وإنشاء طواف وسعي عنه غير ما يفعله المباشر عن نفسه. تأمل ((قوله: ولم أر ما لو جن قبل
الإحرام)» البحث لصاحب النهر. وقدمنا قبيل فروض الحج أن صاحب البحر توقف فيه
وقال: إن إحرام وليه عنه يحتاج إلى نقل، وقدمنا هناك عن شرح المقدسي عن البحر العميق
أنه لا حج على مجنون مسلم، ولا يصح منه إذا حج بنفسه ولكن يحرم عنه وليه اهـ. فمن
خرج عاقلاً يريد الحج ثم جنّ قبل إحرامه يحرم عنه وليه بالأولى، ولعل التوقف في إحرام
رفيقه عنه وكلام الفتح هو ما نقله عن المنتقى عن محمد: أحرم وهو صحيح ثم أصابه عته
فقضى به أصحابه المناسك ووقفوا به فمكث كذلك سنين ثم أفاق أجزأه ذلك عن حجة
الإسلام اهـ. قال في النهر: وهذا ربما يومىء إلى الجواز اهـ. وإنما قال يومىّ إلى الجوز لا
من حيث إن كلام الفتح في المعتوه وكلامنا في المجنون، بل من حيث إن كلام الفتح فيما
لو أحرم عن نفسه ثم أصابه العته، وكلامنا فيما إذا جنّ قبل أن يحرم عن نفسه، وإيماء الفتح
إلى الجواز في ذلك في غاية الخفاء، فافهم.
فرع: الصبيّ الغير المميز لا يصح إحرامه ولا أداؤه، بل يصحان من وليه له، فيحرم
عنه من كان أقرب إليه، فلو اجتمع والد وأخ يحرم الوالد ومثله المجنون، إلا أنه إذا جنّ بعد
الإحرام يلزمه الجزاء ويصح منه الأداء، وتمامه في اللباب. قوله: (لحديث الحج عرفة)
أي معظم ركنيه الوقوف بها باعتبار الأمن من البطلان عند فعله، لا من كل وجه فلا ينافي أن
الطواف أفضل ط. قوله: (فطاف الخ) عطف ((تحلل)) على ((طاف)) و((سعى)) عطف تفسير،
والأولى الإتيان في الثلاثة بصيغة المضارع، بل الأولى قول الكنز في باب الفوات: فليحلل
بعمرة ليفيد الوجوب، وبه صرح في البدائع، لكن المراد أنه يفعل مثل أفعال العمرة، لأن
ذلك ليس بعمرة حقيقة كما صرح به في باب الفوات من اللباب وغيره. وفي الكلام إشارة
إلى أن إحرام الحج باق وهذا عندهما. وقال الثاني: انقلب إحرامه إحرام عمرة. وثمرة
الخلاف تظهر فيما لو أحرم بحجة أخرى، صح عن الإمام، ويرفضها لئلا يصير جامعاً بين
إحرامي حج، وعليه دم وحجتان وعمرة من قابل. وقال الثاني: يمضي فيها لانقلاب إحرام
الأولى. وقال محمد: لا يصح إحرامه أصلاً. نهر. قوله: (ولو حجه نذراً أو تطوعاً) وكذا لو

٥٥١
كتاب الحج
(كالرجل) لعموم الخطاب ما لم يقم دليل الخصوص (لكنها تكشف وجهها لا رأسها؛
ولو سدلت شيئاً عليه وجافته عنه جاز) بل يندب (ولا تلبي جهراً) بل تسمع نفسها دفعاً
للفتنة؛ وما قيل: إن صوتها عورة ضعيف (ولا ترمل) ولا تضطبع (ولا تسعى بين الميلين
ولا تحلق بل تقصر) من ربع شعرها كما مر (وتلبس المخيط)
فاسداً، سواء طرأ فساده أو انعقد فاسداً كما إذا أحرم مجامعاً. نهر. قوله: (فيما مر) أي من
أحكام الحج ط. قوله: (لكنها تكشف وجهها لا رأسها) كذا عبر في الكنز. واعترضه
الزيلعي بأنه تطويل بلا فائدة، لأنها لا تخالف الرجل في كشف الوجه، فلو اقتصر على قوله
لا تكشف رأسها لكان أولى. وأجاب في البحر بأنه لما كان كشف وجهها خفياً لأن المتبادر
إلى الفهم أنها لا تكشفه لأنه محل الفتنة نص عليه وإن كانا سواء فيه، والمراد بكشف الوجه
عدم مماسة شيء له، فلذلك يكره لها أن تلبس البرقع لأن ذلك يماسّ وجهها، كذا في
المبسوط اهـ. قلت: لو عطف قوله والمراد بـ ((أو)) لكان جواباً آخر أحسن من الأول.
تأمل. قوله: (وجافته) أي باعدته عنه. قال في الفتح وقد جعلوا لذلك أعواداً كالقبة توضع
على الوجه ويسدل من فوقها الثوب اهـ. قوله: (جاز) أي من حيث الإحرام، بمعنى أنه لم
يكن محظوراً لأنه ليس بستر. وقوله ((بل يندب)) أي خوفاً من رؤية الأجانب. وعبر في الفتح
بالاستحباب، لكن صرح في النهاية بالوجوب. وفي المحيط: ودلت المسألة على أن
المرأة منهية عن إظهار وجهها للأجانب بلا ضرورة لأنها منهية عن تغطيته لحق النسك لولا
ذلك، وإلا لم يكن لهذا الإرخاء فائدة اهـ. ونحوه في الخانية.
ووفق في البحر بما حاصله أن محمل الاستحباب عند عدم الأجانب. وأما عند
وجودهم فالإرخاء واجب عليها عند الإمكان، وعند عدمه يجب على الأجانب عض البصر،
ثم استدرك على ذلك بأن النووي نقل أن العلماء قالوا: لا يجب على المرأة ستر وجهها في
طريقها، بل يجب على الرجال الغض. قال: وظاهره نقل الإجماع. واعترضه في النهر بأن
المراد علماء مذهبه. قلت: يؤيده ما سمعته من تصريح علمائنا بالوجوب والنهي.
تنبيه: علمت مما تقرر عدم صحة ما في شرح الهداية لابن الكمال من أن المرأة غير
منهية عن ستر الوجه مطلقاً إلا بشيء فصّل على قدر الوجه كالنقاب والبرقع كما قدمناه أول
الباب. قوله: (دفعاً للفتنة) أي فتنة الرجال بسماع صوتها. قوله: (وما قيل) ردّ على العيني.
قوله: (ولا ترمل الخ) لأن أصل مشروعيته لإظهار الجلد وهو للرجال، ولأنه يخل بالستر،
وكذا السعي: أي الهرولة بين الميلين في المسعى والاضطباع سنة الرمل. قوله: (ولا تحلق)
لأنه مثلة كحلق الرجل لحيته. بحر. قوله: (من ربع شعرها) أي كالرجل والكل أفضل.
قهستاني. خلافاً لما قيل لا يتقدر في حقها بالربع بخلاف الرجل .. قوله: (كما مر) أي عند
قوله ((ثم قصر من بيان قدره وكيفيته)). قوله: (وتلبس المخيط) أي المحرم على الرجال غير

٥٥٢
كتاب الحج
والخفين والحلي (ولا تقرب الحجر في الزحام) لمنعها من مماسة الرجال (والخنثى
المشكل كالمرأة فيما ذكر) احتياطاً (وحيضها لا يمنع) نسكاً (إلا الطواف) ولا شيء
عليها بتأخيره إذا لم تطهر إلا بعد أيام النحر، فلو طهرت فيها بقدر أكثر الطواف لزمها
الدم بتأخيره لباب (وهو بعد حصول ركنيه يسقط طواف الصدر) ومثله النفاس (والبدن)
جمع بدنة (من إبل وبقر والهدي منهما ومن الغنم) كما سيجيء.
المصبوغ بورس أو زعفران أو عصفر إلا أن يكون غسيلاً لا ينفض، شرح اللباب. قوله:
(والخفين) زاد في البحر وغيره: والقفازين. قال في البدائع: لأن لبس القفازين ليس إلا
تغطية يديها وأنها غير ممنوعة عن ذلك وقوله عليه الصلاة والسلام ((وَلَا تَلْبسِ القُقَّازَيْنِ))(١) نهى
ندب حملناه عليه جمعاً بين الأدلة. شرح اللباب. قوله: (ولا تقرب الحجر في الزحام الخ)
أشار إلى مافي اللباب من أنها عند الزحمة لا تصعد الصفا ولا تصلي عند المقام. قوله: (لا
يمنع نسكاً) أي شيئاً من أعمال الحج. قوله: (إلا الطواف) فهو حرام من وجهين: دخولها
المسجد، وترك واجب الطهارة.
تنبيه: قدمنا عن المحيط أن تقديم الطواف شرط صحة السعيْ، فعن هذا قال
القهستاني: فلو حاضت قبل الإحرام اغتسلت وأحرمت وشهدت جميع المناسك إلا الطوف
والسعي اهـ: أي لأن سعيها بدون طواف غير صحيح، فافهم. قوله: (فلو طهرت فيها الخ)
تقدمت المسألة قبيل قوله ((ثم أتى منى)). قوله: (وهو) أي الحيض بعد حصول ركنيه: أي
ركني الحج، وهو وإن كان فيه تشتيت الضمائر لكنه ظاهر. قوله: (يسقط طواف الصدر)
أي يسقط وجوبه عنها كما قدمناه، ولا دم عليها كما في اللباب. قوله: (والبدن الخ) ذكره
في الکنز هنا لمناسبة قوله «ومن قلد بدنة تطوع أو نذر أو جزاء صید ثم توجه معه یرید لحج
فقد أحرم الخ)). وقد ذكر المصنف مسألة التقليد أول باب الإحرام لأنه محلها، فكان الأولى
له ذكر هذه المسألة هناك أيضاً. قوله: (كما سيجيء) أي في باب الهدي، والله الهادي إلى
الصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) أخرجه البخاري (١٨٤١) ومسلم ٨٣٥/٢ (٤- ١١٧٨).

٥٥٣
كتاب الحج / باب القران هو أفضل
بَابُ الْقِرَانِ هُوَ أَفْضَلُ
بَابُ القران
أخره عن الإفراد وإن كان أفضل لتوقف معرفته على معرفة الإفراد. قوله: (هو أفضل)
أي من التمتع، وكذا من الإفراد بالأولى، وهذا عند الطرفين. وعند الثاني هو والتمتع
سواء. قهستاني. والكلام في الآفاقي. وإلا فالإفراد أفضل كما سيأتي. وعند مالك:
التمتع أفضل. وعند الشافعي: الإفراد: أي إفراد كل واحد من الحج والعمرة بإحرام على
حدة كما جزم به في النهاية والعناية والفتح خلافاً للزيلعي. قال في الفتح: أما مع الاقتصار
على أحدهما فلا شك أن القران أفضل بلا خلاف.
وفي البحر: وما روي عن محمد أنه قال: حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل عندي من
القران، فليس بموافق لمذهب الشافعي فإنه يفضل الإفراد مطلقاً، ومحمد إنما فضله إذا
اشتمل على سفرين، خلافاً لما فهمه الزيلعي من أنه موافق للشافعي، ثم منشأ الخلاف
اختلاف الصحابة في حجته عليه الصلاة والسلام. قال في البحر: وقد أكثر الناس الكلام
وأوسعهم نفساً في ذلك الإمام الطحاوي، فإنه تكلم في ذلك زيادة على ألف ورقة اهـ.
ورجح علماؤنا أنه عليه الصلاة والسلام كان قارناً، إذ بتقديره يمكن الجمع بين الروايات،
بأن من روى الإفراد سمعه يلبي بالحج وحده، ومن روى التمتع سمعه يلبي بالعمرة
وحدها، ومن روى القران سمعه يلبي بهما، والأمر الآتي له عليه الصلاة والسلام فإنه لا بد
له من امتثال ما أمر به الذي هو وحي، وقد أطال في الفتح في بيان تقديم أحاديث القران
فارجع إليه.
تنبيه: اختار العلامة الشيخ عبد الرحمن العمادي في منسکه التمتع لأنه أفضل من
الإفراد وأسهل من القران، لما على القارن من المشقة في أداء النسكين، لما يلزمه بالجناية
من الدمين، وهو أحرى لأمثالنا لإمكان المحافظة على صيانة إحرام الحج من الرفث
ونحوه، فيرجى دخوله في الحج المبرور المفسر بما لا رفث ولا فسوق ولا جدال فيه،
وذلك لأن القارن والمفرد يبقيان محرمين أكثر من عشرة أيام، وقلما يقدر الإنسان على
الاحتراز فيها من هذه المحظورات سيما الجدال مع الخدم والجمال، والمتمتع إنما يحرم
بالجح يوم التروية من الحرم فيمكنه الاحتراز في ذينك اليومين فيسلم حجه إن شاء الله
تعالى. قال شيخ مشايخنا الشهاب أحمد المنيني في مناسکه: وهو كلام نفیس یرید به أن
القران في حدّ ذاته أفضل من التمتع، لكن قد يقترن به ما يجعله مرجوحاً، فإذا دار الأمر بين
أن يقرن ولا يسلم عن المحظورات وبين أن يتمتع ويسلم عنها، فالأولى التمتع ليسلم حجه
ويكون مبروراً لأنه وظيفة العمر اهـ.

٥٥٤
كتاب الحج / باب القرآن هو أفضل
لحديث ((أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي وَأَنَا بِالعَقِيقِ فَقَالَ: يَا آَلَ مُحمَّدٍ أَهِلُوا بِحَبَّةٍ
وَعُمْرَةٍ مَعاً) ولأنه أشق والصواب أنه عليه الصلاة والسلام أحرم بالحج ثم أدخل عليه
العمرة لبيان الجواز فصار قارناً (ثم التمتع ثم الإفراد والقران) لغة الجمع بين شيئين
وشرعاً (أن يهلّ) أي يرفع صوته بالتلبية (بحجة وعمرة معاً) حقيقة أو حكماً بأن يحرم
قلت: ونظيره ما قدمناه عن المحقق ابن أمير حاج من تفضيله تأخير الإحرام إلى آخر
المواقيت لمثل هذه العلة، وهذا كله بناء على أن المراد من حديث ((مَنْ حَجّ فَلَمْ يَرْفُثْ الخ)»
من ابتداء الإحرام لأنه قبله لا يكون حاجاً كما قدمنا التصريح به عن النهر عن قوله ((فاتق
الرفث)) والله تعالى أعلم. قوله: (لحديث الخ) لم أر من ذكر الحديث بهذا اللفظ؛ نعم قال
في الهداية: ولنا قوله عليه الصلاة والسلام ((يَا آَلَ مُحُمَّدٍ أَهِلُوا بَحَجَّةٍ وَعُمْرةٍ مَعَا)) وأسنده في
الفتح إلى الطحاوي في شرح الآثار. وقال: وروى أحمد من حديث أم سلمة قالت: سمعت
رسول الله وَلَ﴿ يقول ((أَهلُّوا يَا آَلَ مُحمَدَّ بِعُمْرَة في حَجِّ)) وفي صحيح البخاري عن عمر قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادى العقيق يقول ((أَتَاني اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي عَزَّ
وَجَلَّ فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ رَكْعَتَيْنْ وَقُلْ حَجَّةٌ فِي عُمْرَةٍ)).
قلت: وهو في شرح الآثار كذلك، فإن كان ما ذكره الشارح مخرّجاً فيها، وإلا فهو
ملفق من هذين الحديثين وضمير ((فقال) يعود إلى النبيّ وَلو لا إلى ((الآتي)). قوله: (ولأنه
أشق) لكونه أدوم إحراماً وأسرع إلى العبادة، وفيه جمع بين النسكين. ط عن المنح. قوله:
(والصواب الخ) نقله في البحر عن النووي في شرح المهذب ط. قوله: (لبيان الجواز) إنما
قال ذلك لأنه مكروه كما يأتي ط. وكذا هو مكروه عند الشافعية كما في البحر عن النووي.
قوله: (ثم التمتع) أي بقسميه: أي سواء ساق الهدى أم لا ط. قوله: (ثم الإفراد) أي بالحج
أفضل من العمرة وحدها، كذا في النهر ط. قوله: (لغة الجمع بن شيئين) أي بين حج
وعمرة أو غيرهما. قال في الصحاح: قرن بين الحج والعمرة قراناً بالكسر، وقرنت البعيرين
أقرنهما قراناً: إذا جمعتهما في حبل واحد، وذلك الحبل يسمى القران، وقرنت الشيء
بالشيء: وصلته، وقرنته: صاحبته، ومنه قران الكواكب. قوله: (أي يرفع صوته بالتلبية)
تفسير لحقيقة الإهلال، وإلا فالمراد هنا التلبية مع النية، وإنما عبر عن ذلك بالإهلال
للإشارة إلى أن رفع الصوت بها مستحب. بحر. قوله: (معاً حقيقة) بأن يجمع بينهما إحراماً
في زمان واحد، أو حكماً بأن يؤخر إحرام إحداهما عن إحرام الأخرى ويجمع بينهما أفعالاً،
فهو قران بين الإحرامین حكماً.
وقد عدّ في اللباب للقران سبعة شروط.
الأول: أن يحرم بالحج قبل طواف العمرة كله أو أكثره، فلو أحرم به بعد أكثر طوافها
لم يكن قارناً.

٥٥٥
كتاب الحج / باب القران هو أفضل
بالعمرة أولاً، ثم بالحج قبل أن يطوف لها أربعة أشواط، أو عكسه بأن يدخل إحرام
العمرة على الحج قبل أن يطوف للقدوم وإن أساء، أو بعده وإن لزمه دم (من الميقات)
إذ القارن لا يكون إلا آفاقياً (أو قبله في أشهر الحج أو قبلها ويقول)
الثاني : أن يحرم بالحج قبل إفساد العمرة.
الثالث: أن يطوف للعمرة كله أو أكثره قبل الوقوف بعرفة، فلو لم يطف لها حتى
وقف بعرفة بعد الزوال ارتفعت عمرته وبطل قرانه وسقط عنه دمه، ولو طاف أكثره ثم وقف
أتم الباقي منه قبل طواف الزيارة.
الرابع: أن يصونهما عن الفساد، فلو جامع قبل الوقوف وقبل أكثر طواف العمرة بطل
قرانه وسقط عنه الدم، وإن ساقه معه يصنع به ماشاء .
الخامس: أن يطوف العمرة كله أو أكثره في أشهر الحج، فإن طاف الأكثر قبل
الأشهر لم يصر قارناً.
السادس: أن يكون آفاقياً ولو حكماً فلا قران لمكي إلا إذا خرج إلى الآفاق قبل أشهر
الحج.
السابع: عدم فوات الحج، فلو فاته لم يكن قارناً وسقط الدم، ولا يشترط لصحة
القران عدم الإلمام بأهله، فيصح من كوفي رجع إلى أهله بعد طواف العمرة، وتمامه فيه.
قوله: (قبل أن يطوف لها أربعة أشواط) فلو طاف الأربعة ثم أحرم بالحج لم يكن قارناً كما
ذكرناه، بل يكون متمتعاً إن كان طوافه في أشهر الحج، فلو قبلها لا يكون قارناً ولا متمتعاً
کما في شرح اللباب. قوله: (وإن أساء) وعلیه دم شكر لقلة إساءته، ولعدم وجوب رفض
عمرته. شرح اللباب. قوله: (أو بعده) أي بعد ما شرع فيه ولو قليلاً أو بعد إتمامه، سواء
كان الإدخال قبل الحلق أو بعده ولو في أيام التشريق ولو بعد الطواف، لأنه بقي علیه بعض
واجبات الحج فيكون جامعاً بينهما فعلاً. والأصح وجوب رفضها وعليه الدم والقضاء، وإن
لم يرفض فدم جبر لجمعه بينهما كما في شرح اللباب، وسيأتي تفصيل المسألة في آخر
الجنايات. قوله: (إذ القارن لا يكون إلا آفاقياً) أي والآفاقي إنما يحرم من الميقات أو قبله،
ولا تحل مجاوزته بغير إحرام؛ حتى لو جاوزه ثم أحرم لزمه دم ما لم يعد إليه محرماً كما سيأتي
في باب مجاوزه الميقات بغير إحرام. ح.
والحاصل أنه يصح من الميقات وقبله وبعده، لكن قید به لبيان أن القارن لا یکون إلا
آفاقياً. قال في البحر: وهذا أحسن مما في الزيلعى من أن التقييد بالميقات اتفاقي. قوله: (أو
قبله) أي ولو من دويرة أهله، وهو الأفضل لمن قدر عليه، وإلا فيكره كما مر، وقوله(أو
قبلها)) أي قبل أشهر الحج، لكن تقديمه على الميقات الزماني مكروه مطلقاً كما مر أيضاً،
وهذا في الإحرام، وأما الأفعال فلا بد من أدائها في أشهر الحج كما قدمناه آنفاً، بأن يؤدي

٥٥٦
كتاب الحج / باب القرآن هو أفضل
إما بالنصب والمراد به النية، أو مستأنف والمراد به بيان السنة، إذ النية بقلبه تكفي
كالصلاة. مجتبى (بعد الصلاة: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسر هما لي وتقبلهما مني)
ويستحب تقدم العمرة في الذكر لتقدمها في الفعل (وطاف للعمرة) أولًا وجوباً، حتى لو
نواه للحج لا يقع إلا لها (سبعة أشواط، يرمل في الثلاثة الأول ويسعى بلا حلق) فلو حلق
أكثر طواف العمرة وجميع سعيها وسعى الحج فيها، لكن ذكر في المحيط أنه لا يشترط في
القران فعل أكثر أشواط العمرة في أشهر الحج، وكأن مسنده ما روي عن محمد: أنه لو طاف
لعمرته في رمضان فهو قارن، ولا دم عليه إن لم يطف لعمرته في أشهر الحج؛ وأجاب في
الفتح في القران في هذه الرواية بمعنى الجمع لا القران الشرعي، بدليل أنه نفي لازم القران
بالمعنى الشرعي وهو لزم الدم شكراً، ونفي اللازم الشرعي نفي لملزومه، وتمامه في
البحر. لكن قال في شرح اللباب : - ويظهر لي أنه قارن بالمعنى الشرعي كما هو المتبادر من
إطلاق محمد وغيره أنه قارن، وبدليل أنه إذا ارتكب محظوراً يتعدد عليه الجزاء، وغايته أنه
ليس عليه هدى شكر لأنه، لم يقع على الوجه المسنون اهـ. تأمل. قوله: (إما بالنصب
الخ) حاصله كما في البحر أن قوله ((ويقول)) إن كان منصوباً عطفاً على ((يهل)) يكون من تمام
الحد فيراد بالقول النية لا التلفظ لأنه غير شرط، وإن كان مرفوعاً مستأنفاً يكون بياناً للسنة،
فإن السنة للقارن التلفظ بذلك، وتكفيه النية بقلبه. وأورد في النهر على الأول أن الإرادة
غير النية، فالحق أنه ليس من الحد في شيء اهـ: يعني أن قوله ((إني أريد الخ)) ليس نية
وإنما هو مجرد دعاء، وإنما النية هي العزم على الشيء، والعزم غير الإرادة، وهو ما يكون
بعد ذلك عند التلبية كما مر تقريره في باب الإحرام. تأمل. على أنه لو أريد به النية فلا
ينبغي إدخالها في الحد، لأنها شرط خارج عن الماهية. وقد يجاب بأن الماهية الشرعية هنا
لا وجود لها بدون النية. تأمل. وقدمنا هناك الكلام على حكم التلفظ بالنية، فافهم. قوله:
(ويستحب الخ) وإنما أخرها المصنف إشعاراً بأنها تابعة للحج في حق القارن، ولذلك لا
يتحلل عن إحرامها بمجرد الحلق بعد سعيها. قهستاني. قوله: (وجوباً) لقوله تعالى:
﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ [البقرة: ١٩٦] جعل الحج غاية وهو في معنى المتعة
بالإطلاق القرآني، وعرف الصحابة من شمول المتعة للمتعة والقران بالمعنى الشرعي كما
حققه في الفتح. قوله: (لا يقع إلا لها) لما قدمناه من أن من طاف طوافاً في وقته وقع عنه
نواه له أولًا، وسيأتي أيضاً في كلام الشارح آخر الباب. قوله: (سبعة أشواط) بشرط وقوعها
أو أكثرها في أشهر الحج على ما قدمناه آنفاً. قوله: (يرمل في الثلاثة الأول) أي ويضطبع في
جميع طوافه ثم ركعتيه. لباب وشرحه. قوله: (بلا حلق) لأنه وإن أتى بأفعال العمرة بكمالها
إلا أنه ممنوع من التحلل عنها لكونه محرماً بالحج فيتوقف تحلله على فراغه من أفعاله أيضاً.
شرح اللباب. قوله: (ولزمه دمان) لجنايته على إحرامين. بحر. وهو الظاهر، خلافاً لما في

٥٥٧
كتاب الحج / باب القرآن هو أفضل
لا يحل من عمرته، ولزمه دمان (ثم يحج كما مر) فيطوف للقدوم ویسعی بعده إن شاء (فإن
أتى بطوافين) متواليين (ثم سعيين لهما جاز وأساء) ولا دم عليه (وذبح للقران) وهو دم
شکر
الهداية من أنه جناية على إحرام الحج كما أوضحه في النهر. قوله: (كما مر) أي في حج
المفرد. قوله: (ويسعى بعده) إن شاء، أي وإن شاء يسعى بعد طواف الإفاضة، والأول
أفضل للقارن أو یسن، بخلاف غيره فإن تأخير سعیه أفضل، وفيه خلاف كما قدمناه، فافهم.
تنبيه: أفاد أنه يضطبع ويرمل في طواف القدوم إن قدم السعي(١) كما صرح به في
اللباب. قال شارحه القاري: وهذا ما عليه الجمهور من أن كل طواف بعده سعي فالرمل فيه
سنة، وقد نص عليه الكرماني حيث قال في باب القران: يطوف طواف القدوم ويرمل فيه
أيضاً، لأنه طواف بعده سعي؛ وكذا في خزانة الأكمل: وإنما يرمل في طواف العمرة
وطواف القدوم، مفرداً كان أو قارناً. وأما ما نقله الزيلعي عن الغاية للسروجي من أنه إذا كان
قارناً لم يرمل في طواف القدوم إن كان رمل في طواف العمرة فخلاف ما عليه الأكثر اهـ.
فافهم. قوله: (جاز) أطلقه فشمل ما إذا نوى أول الطوافين للعمرة والثاني للحج: أي
للقدوم، أو نوى على العكس، أو نوى مطلق الطواف ولم يعين، أو نوى طوافاً آخر تطوّعاً
أو غيره فيكون الأول للعمرة والثاني للقدوم كما في اللباب. قوله: (وأساء) أي بتأخير سعي
العمرة وتقديم طواف التحية عليه. هداية. قوله: (ولا دم عليه) أما عندهما فظاهر، لأن
التقديم والتأخير في المناسك لا يوجب الدم عندهما وعنده طواف التحية سنة، وتركه لا
يوجب الدم فتقديمه أولى، والسعي بتأخيره بالاشتغال بعمل آخر لا يوجب الدم، فكذا
بالاشتغال بالطواف. هداية. قوله: (وذبح) أي شاة أو بدنة أو سبعها، ولا بد من إرادة الکل
للقربة وإن اختلفت جهتها، حتى لو أراد أحدهم اللحم لم يجز كما سيأتي في الأضحية؛
والجزور أفضل من البقر، والبقر أفضل من الشاة، كذا في الخانية وغيرها. نهر. زاد في
البحر: والاشتراك في البقر أفضل من الشاة اهـ. وقيده في الشرنبلالية تبعاً للوهبانية بما إذا
كانت حصته من البقرة أكثر من قيمة الشاة اهـ. وأفاد إطلاقهم الاشتراك هنا جوازه في دم
الجناية والشكر بلا فرق، خلافاً لما في البحر حيث خصه بالثاني كما يأتي بيانه في أول
الجنايات.
قال في اللباب: وشرائط وجوب الذبح: القدرة عليه، وصحة القران، والعقل،
والبلوغ، والحرية، فيجب على المملوك الصوم لا الهدي، ويختص بالمكان وهو الحرم
والزمان هو أيام النحر. قوله: (وهو دم شكر) أي لما وفقه الله تعالى للجمع بين النسكين في
(١) في ط (قوله ويرمل في طواف القدوم إن قدم السعي الخ) أي قصد تقديم السعي على طواف الركن؟ وليس المراد
تقدیمه علی طواف القدوم كما توهم.

٥٥٨
كتاب الحج / باب القرآن هو أفضل
فيأكل منه (بعد رمي يوم النحر) لوجوب الترتيب (وإن عجز صام ثلاثة أيام) ولو متفرقة
(آخرها يوم عرفة) ندباً رجاء القدرة على الأصل، فبعده لا يجزيه؛ فقول المنح كالبحر
بيان للأفضل فيه كلام (وسبعة بعد) تمام أيام (حجه) فرضاً أو واجباً،
أشهر الحج بسفر واحد. لباب. قوله: (فيأكل منه) أي بخلاف دم الجناية كما سيأتي، ولا
يجب التصدق بشيء منه، ويستحب له أن يتصدق بالثلث، ويطعم الثلث، ويدخر الثلث، أو
يهدي الثلث. لباب. قال شارحه: والأخير بدل الثاني، وإن كان ظاهر البدائع أنه بدل
الثالث. قوله: (بعد رمي يوم النحر) أي بعد رمي جمرة العقبة وقبل الحلق لما مر. وعبارة
اللباب: ويجب أن يكون بين الرمي والحلق. قوله: (لوجوب الترتيب) أي ترتيب الثلاثة:
الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق على ترتيب حروف قولك ((رذح)) أما الطواف فلا يجب ترتيبه
على شيء منها، والمفرد لا دم عليه فيجب عليه الترتيب بين الرمي والحلق كما قدمنا ذلك
في واجبات الحج. قوله: (وإن عجز) أي بأن لم یکن في ملکه فضل عن کفاف قدر ما
يشتري به الدم ولا هو: أي الدم في ملكه لباب. ومنه يعلم حدّ الغني المعتبرهنا، وفيه
أقوال أخر؛ ويعلم من كلام الظهيرية أن المعتبر في اليسار والإعسار مكة لأنها مكان الدم،
كما نقله بعضهم عن المنسك الكبير للسندي. قوله: (ولو متفرقة) أشار إلى عدم لزوم التتابع
ومثله في السبعة، وإلى أن التتابع أفضل فيهما كما في اللباب. قوله: (آخرها يوم عرفة) بأن
يصوم السابع والثامن والتاسع. قال في شرح اللباب: لكن إن كان يضعفه ذلك عن الخروج
إلى عرفات والوقوف والدعوات فالمستحب تقديمه على هذه الأيام، حتى قيل يكره الصوم
فيها إن أضعفه عن القيام بحقها. قال في الفتح: وفي كراهة تنزيه إلا أن يسيء خلقه فيوقعه
في محظور. قوله: (ندباً رجاء القدرة على الأصل) لأنه لو صام الثلاثة قبل السابع وتالبيه
احتمل قدرته على الأصل فيجب ذبحه ويلغو صومه، فلذا ندب تأخير الصوم إليها، وهذه
الجملة سقطت من بعض النسخ. قوله: (فبعده لا يجزيه) أي لا يجزيه الصوم لو أخره عن يوم
النحر ويتعين الأصل، والأولى إسقاط هذا، لأن المصنف ذكره بقوله ((فإن فاتت الثلاثة تعين
الدم)). قوله: (فيه كلام) تبع في ذلك صاحب النهر، وفيه كلام لأن قول المصنف ((آخرها
يوم عرفة)) دل على شيئين: الأول أنه لا يصومها قبل السابع وتالييه. والثاني أنه لا يؤخر
الصوم عن يوم النحر. الأول مندوب والثاني واجب.
ولما صرح المصنف بالثاني حيث قال ((فإن فاتت الثلاثة الخ)) اقتصر في المنح تبعاً
للبحر على أن قوله آخرها يوم عرفة لبيان المندوب دون الواجب؛ لكن قد يقال: إن
قوله ((فإن فاتت الخ)) بفاء التفريع يدل على أن المقصود من قوله آخرها يوم النحر بيان
الواجب وهو عدم التأخير مع أنه الأهم، وزاد الشارح التنبيه على المندوب، فتأمل. قوله:
(بعد تمام أيام حجه) الأولى إبدال الأيام بالأعمال كما فعل في البحر ليحسن قوله «فرضاً أو

٥٥٩
كتاب الحج / باب القرآن هو أفضل
وهو بمعنى أيام التشريق (أين شاء) لكن أيام التشريق لا تجزيه لقوله تعالى: ﴿وسبعة إذا
رجعتم﴾ أي فرغتم من أفعال الحج، فعم من وطنه منى أو اتخذها موطناً (فإن فاتت
الثلاثة تعین الدم) فلو لم يقدر تحلل وعلیه دمان،
واجباً)) فإنه تعميم للأعمال من طواف الزيارة والرمي والذبح والحلق، وليناسب ما حمل عليه
الآية من الفراغ من الأعمال. قوله: (وهو) أي التمام المذكور بمعنى أيام التشريق، لأن
اليوم الثالث منها وقت للرمي لمن أقام فيه بمنى. قوله: (أين شاء) متعلق بصام: اي وصام
سبعة في أيّ مكان شاء من مكة أو غيرها. قوله: (لكن الخ) لا يحسن هذا الاستدراك بعد
قوله ((وهو بمضي أيام التشريق)) ح، ولعل وجهه دفع ما يتوهم من أن قوله ((وهو الخ)) ليس
شرطاً للصحة، بل شرط لنفي الكراهة كما في المنذور ونحوه: فإنه لو صامه فيها صح مع
الكراهة. تأمل. قوله: (لقوله تعالى الخ) علة لقوله ((أين شاء)) بقرينة التفريع. ويجوز جعله
علة للاستدراك، لأنه تعالى جعل وقت الصوم بعد الفراغ ولا فراع إلا بمضيّ أيام التشريق،
وهذا كله بناء على تفسير علمائنا الرجوع بالفراغ عن الأفعال لأنه سبب الرجوع، فذكر
المسبب وأريد السبب مجازاً، فليس المراد حقيقة الرجوع إلى وطنه كما قال الشافعي، فلم
يجوز صومها بمكة، وإنما حملناه على المجاز لفرع مجمع عليه، وهو أنه لو لم يكن له وطن
أصلاً وجب عليه صومها بهذا النص، وتمامه في الفتح، وحاصله أن تفسير الشافعي لا يطرد
فتعین المجاز.
وادعى ابن كمال في شرح الهداية أن الأقرب الحمل على معنى حقيقي، وهو
الرجوع من منى بالفراغ عن أفعال الحج لتقدم ذكر الحج. واعترضه في النهر بأنه لا يطرد
أيضاً إذ الحكم يعم المقيم بمنى أيضاً، ولا رجوع منه إلا بالفراغ، فما قاله المشايخ أولى
اهـ. وإلى هذا أشار الشارح بقوله ((فعم من وطنه منى الخ)).
قلت: لكن قال في الفتح: إن صوم(١) السبعة لا يجوز تقديمه على الرجوع من منى
بعد إتمام الأعمال الواجبات، لأنه معلق في الآية بالرجوع، والمعلق بالشرط عدم قبل
وجوده اهـ. فليتأمل. قوله: (فإن فاتت الثلاثة) بأن لم يصمها حتى دخل يوم النحر تعين
الدم، لأن الصوم بدل عنه، والنص خصه بوقت الحج. بحر. قوله: (فلو لم يقدر) أي على
الدم تحلل: أي بالحلق أو التقصير. قوله: (وعليه دمان) أي دم التمتع ودم التحلل قبل
(١) في ط (قوله لكن قال في الفتح: إن صوم الخ) قد تقدم نقل تأويل الرجوع بالفراغ عن صاحب الفتح، فينبغي حمل
هذا الفرع على مقتضى كلامه السابق، بأن يقال: أطلق المسبب وأراد السبب كما فعل في الآية، أو يقال: إنما أناط
الحكم بالرجوع من منى، لأن غالب الحجاج غير مقيمين بها، فبعد فراغهم يتوجهون إلى مكة جزماً وحينئذ فيكون
كلام النهر صحيحاً ويسقط بحث ابن كمال، لكن قال شيخنا: رأيت في تفسير الرجوع مذهبين منسوبين للحنفية:
أحدهما وهو المشهور أن معناه الفراغ، والثاني الرجوع من منى كما قال ابن كمال.

٥٦٠
كتاب الحج / باب القرآن هو أفضل
ولو قدر عليه في أيام النحر قبل الحلق بطل صومه (فإن وقف) القارن بعرفة (قبل) أكثر
طواف (العمرة بطلت) عمرته، فلو أتى بأربعة أشواط ولو بقصد القدوم أو التطوّع لم
أوانه. بحر عن الهداية، وتمامه فيه وفيما علقناه عليه. قوله: (ولو قدر عليه) أي على
الدم، وقوله ((بطل صومه)) أي حكم صومه وهو خلفيته عن الهدي في إباحة التحلل بالحلق
والتقصير في وقته، فإن الهدي أصل في ذلك، لعدم جواز التحلل قبله لوجوب الترتيب
بينهما كما مر؛ والصوم: أي الثلاثة فقط خلف عن الهدي في ذلك عند العجز عنه، فصار
المقصود بالصوم إباحة التحلل بالحلق أو التقصير، فإذا قدر على الأصل قبل التحلل وجب
الأصل لقدرته عليه قبل حصول المقصود بخلفه، كما وقدر المتيمم على الماء في الوقت
قبل صلاته بالتيمم، بخلاف ما لو قدر على الهدي بعد الحلق أو قبله، لكن بعد أيام النحر.
وعن هذا قال في فتح القدير: فإن قدر على الهدي في خلال الثلاثة أو بعدها قبل يوم
النحر لزمه الهدي وسقط الصوم لأنه خلف، وإذا قدر على الأصل قبل تأدي الحكم
بالخلف بطل الخلف، وإن قدر عليه قبل الحلق قبل أن يصوم السبعة في أيام الذبح أو
بعدها لم يلزمه الهدي، لأن التحلل قد حصل بالحلق، فوجود الأصل بعده لا ينقض
الخلف، كرؤية المتيمم الماء بعد الصلاة بالتيمم، وكذا لو لم يجد حتى مضت أيام الذبح ثم
وجد الهدي لأن الذبح مؤقت بأيام النحر، فإذا مضت فقد حصل المقصود وهو إياحة
التحلل بلا هدي وكأنه تحلل ثم وجده، ولو صام في وقته مع وجود الهدي ينظر، فإن بقي
الهدي إلى يوم النحر لم يجزه للقدرة على الأصل، وإن هلك قبل الذبح جاز للعجز عن
الأصل فكان المعتبر وقت التحلل اهـ. ونحوه في شرح الجامع لقاضيخان والمحيط
والزيلعي والبحر وغيرها من كتب المذهب المعتبرة، وللشرنبلالي رسالة سماها [بديعة
الهدي لما استيسر من الهدي] خالف فيها ما في هذه الكتب، وادعى وجوب الهدي بوجوده
في أيام النحر سواء حلق أو لا، متمسكاً بقولهم العبرة لأيام النحر في العجز والقدرة، وترك
اشتراطهم بعد ذلك عدم الحلق لإقامة الصوم مقام الهدي، وادعى أيضاً أن كلام الفتح وغيره
يدل على أنه يتحلل بالهدي أصلاً وبالحلق خلفاً، وأن الحلق خلف عن الهدي. ولا يخفي
عليك أنه ليس في كلام الفتح ذلك، وأن اتباع المنقول واجب فلا يعول على هذه الرسالة،
وقد كتبت على هامشها في عدة مواضع بيان ما فيها من الخلل، والله تعالى أعلم. قوله:
(فإن وقف) أي بعد الزوال، إذ الوقوف قبله لا اعتبار به، وقيد بالوقوف لأنه يكون رافضاً
لعمرته وبمجرد التوجه إلى عرفات هو الصحيح، وتمامه في البحر. قوله: (بطلت عمرته)
لأنه تعذر عليه أداؤها لأنه يصير بانياً أفعال العمرة على أفعال الحج وذلك خلاف
المشروع. بحر. قوله: (فلو أتى الخ) محترز قوله: ((قبل أكثر طواف العمرة)). قوله: (لم