Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الصوم / باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
يميناً كان) في هذه الثلاث صور (نذراً فقط) إجماعاً عملاً بالصيغة (وإن نوى اليمين وأن لا
يكون نذراً كان) في هذه الصورة (يميناً) فقط إجماعاً عملاً بتعيينه (وعليه كفارة) یمین (إن
أفطر) لحنثه (وإن نواهما أو) نوى (اليمين) بلا نفي النذر (كان) في الصورتين (نذراً
ويميناً، حتى لو أفطر يجب القضاء للنذر والكفارة لليمين) عملاً بعموم المجاز خلافاً
التي بعدها فإنه تعرّض لنفي اليمين ط. قوله: (عملاً بالصيغة) أي في الوجه الأول، وكذا
في الثاني والثالث بالأولى لتأكد النذر بالعزيمة ما في الثالث من زيادة نفي غيره. قوله:
(عملاً بتعيينه) لأن قوله: لله عليّ كذا يدل على الالتزام، وهو صريح في النذر فيحمل عليه
بلانية، وكذا معها بالأولى، لكنه إذا نوى أن لا يكون نذراً كان يميناً من إطلاق اللازم وإرادة
الملزوم، لأنه يلزم من إيجاب ما ليس بواجب تحريم تركه وتحريم المباح يمين. قوله: (عملًا
بعموم المجاز) وهو الوجوب وهذا جواب عن قول الثاني: أي أبي يوسف أنه يكون نذراً
في الأول يميناً في الثاني، لأن النذر في هذا اللفظ حقيقة واليمين مجاز، حتى لا يتوقف
الأول على النية ويتوقف الثاني فلا ينتظمهما، ثم المجاز يتعين بنية وعند نيتهما تترجح
الحقيقة. ولهما أنه لا تنافي بين الجهتين: أي جهتي النذر واليمين، لأنهما يقتضيان
الوجوب، إلا أن النذر يقتضيه لعينه واليمين لغيره: أي لصيانة اسمه تعالى، فجمعنا بينهما
عملاً بالدليلين كما جمعنا بين جهتي التبرّع والمعاوضة في الهية بشرط العوض، كذا في
الهداية، وتمام الكلام على هذا الدليل في الفتح وكتب الأصول.
مَطْلَبٌ فِي صَوْمٍ أَلَسِّةٍ مِنْ شَوَّالٍ
قوله: (وندب إلخ) ذكر هذه المسألة بين مسائل النذر غير مناسب وإن تبع فيه صاحب
الدرر. قوله: (على المختار) قال صاحب الهداية في كتابه التجنيس: إن صوم الستة بعد
الفطر متتابعة، منهم من كرهه، والمختار أنه لا بأس لأن الكراهة إنما كانت لأنه لا يؤمن من
أن يعدّ ذلك من رمضان فيكون تشبهاً بالنصارى، والآن زال ذاك المعنى اهـ. ومثله في
كتاب النوازل لأبي الليث والواقعات للحسام الشهيد والمحيط البرهاني والذخيرة؛ وفي
الغاية عن الحسن بن زياد أنه كان لا يرى بصومها بأساً ويقول: كفى بيوم الفطر مفرقاً بينهن
وبين رمضان اهـ. وفيها أيضاً عامة المتأخرين لم يروا به بأساً. واختلفوا هل الأفضل التفريق
أو التتابع؟ اهـ. وفي الحقائق: صومها متصلًا بيوم الفطر يكره عند مالك، وعندنا لا يكره
وإن اختلف مشايخنا في الأفضل. وعن أبي يوسف أنه كرهه متتابعاً، والمختار لا بأس
به اهـ. وفي الوافي والكافي والمصفى: يكره عند مالك، وعندنا لا يكره، وتمام ذلك في
رسالة ((تحرير الأقوال في صوم الست من شوال)) للعلامة قاسم. وقد ردّ فيها على ما في
منظومة التباني وشرحها من عزوه الكراهة مطلقاً إلى أبي حنيفة وأنه الأصح بأنه على غير
رواية الأصول، وأنه صحح ما لم يسبقه أحد إلى تصحيحه، وأنه صحح الضعيف وعمد إلى

٤٢٢
كتاب الصوم / باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
الثاني (وندب تفريق صوم الست من شوال) ولا يكره التتابع على المختار خلافاً للثاني.
حاوي. والاتباع المكروه أن يصوم الفطر وخمسة بعده، فلو أفطر لم يكره بل يستحب
ويسن. ابن كمال (ولو نذر صوم شهر غير معين متتابعاً فأفطر يوماً) ولو من الأيام المنهية
(استقبل) لأنه أخلّ بالوصف مع خلوّ شهر عن أيام نهي. نهر. بخلاف السنة (لا) يستقبل
(في نذر) شهر (معين) لئلا يقع كله في غير الوقت (والنذر) من اعتكاف أو حج أو صلاة
أو صيام أو غيرها (غير المعلق) ولو معيناً (لا يختص بزمان ومكان ودرهم وفقير)
تعطيل ما فيه الثواب الجزيل بدعوى كاذبة بلا دليل، ثم ساق كثيراً من نصوص کتب
المذهب فراجعها فافهم. قوله: (والاتباع المكروه إلخ) العبارة لصاحب البدائع، وهذا
تأويل لما روي عن أبي يوسف على خلاف ما فهمه صاحب الحقائق كما في رسالة العلامة
قاسم، لكن ما مر عن الحسن بن زياد يشير إلى أن المكروه عند أبي يوسف تتابعها، وإن
فصل بيوم الفطر فهو مؤيد لما فهمه في الحقائق. تأمل. قوله: (ولو نذر صوم شهر إلخ)
ويلزمه صومه بالعدد لا هلالياً. والشهر المعين هلالي كما سيجئ عن الفتح من نظائره ط.
قوله: (متتابعاً) أفاد لزوم التتابع إن صرح به، وكذا إذا نواه؛ أما إذا لم يذكره ولم ينو إن شاء
تابع وإن شاء فرق، وهذا في المطلق. أما صوم شهر بعينه أو أيام بعينها فيلزمه التتابع وإن لم
يذكره سراج. وفي البحر: لو أوجب على نفسه صوماً متتابعاً فصامه متفرقاً لم يجز وعلى
عکسه جاز اهـ. وفي المنح: ولو قال: لله عليّ صوم مثل شهر رمضان، إن أراد مثله في
الوجوب، فله أن يفرق، وإن أراد مثله في التتابع فعليه أن يتابع، وإن لم يكن له نية فله أن
يصوم متفرقاً اهـط. قوله: (فأفطر) عطف على محذوف: أي فصامه وأفطر يوماً ط. قوله:
(لأنه أخل بالوصف) وهو التتابع ط. قوله: (مع خلو شهر عن أيام نهي) جواب عما يقال:
إنه لو كان من الأيام المنهية فالفطر ضروري لوجوبه فينبغي أن لا يستقبل بل يقضيه عقبه كما
مر فيما لو نكر السنة وشرط التتابع.
والجواب أن السنة لا تخلو عن أيام منهية، بخلاف الشهر، وعلى هذا مال في السرج
من أن المرأة إذا كان طهرها شهراً فأكثر فإنها تصوم في أول طهرها، فلو صامت في أثنائه
فحاضت استقبلت، ولو كان حيضها أقل من شهر تقضي أيام حيضها متصلة. قوله: (لئلا
یقع کله في غیر الوقت) لأنه وإن كان لا یتعین بالتعیین کما یأتي إلا أن وقوعه بعد وقته یکون
قضاء، ولذا يشترط له تبييت النية كما مر، والأداء خير من القضاء، ثم تقييده بقوله ((كله))
إنما يظهر كما قال ط فيما إذا أفطر اليوم الأخير من الشهر، أما لو أفطر العاشر منه مثلاً فلا:
أي لأنه لو استقبل الصوم من الحادي عشر وأتم شهراً لزم وقوع بعضه في الوقت وبعضه
خارجه. قوله: (ولو معيناً) أي بواحد من الأربعة الآتية فغير المعين لا يختص بواحد منها

٤٢٣
كتاب الصوم / باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
فلو نذر التصدق يوم الجمعة بمكة بهذا الدرهم على فلان فخالف جاز، وكذا لو عجل
قبله، فلو عين شهر للاعتكاف أو صوم فعجل قبله عنه صح، وكذا لو نذر أن يحج سنة
كذا فحج سنة قبلها صح أو صلاة يوم كذا فصلاها قبله لأنه تعجيل بعد وجوب السبب
وهو النذر فيلغو التعيين شرنبلالية. فليحفظ
بالأولى، كما لو نذر التصدق بدرهم منكر وأطلق. قوله: (فلو نذر إلخ) مثال للتعيين في
الكل على النشر المرتب ط. قوله: (فخالف) أي في بعضها أو كلها بأن تصدق في غير يوم
الجمعة ببلد آخر على شخص آخر، وإنما جاز لأن الداخل تحت النذر ما هو قربة، وهو
أصل التصدق دون التعيين، فبطل التعيين، ولزمته القربة كما في الدرر وفي المعراج، ولو
نذر صوم غد فأخره إلى ما بعد الغد جاز، وينبغي أن لا یکون مسيئاً کمن نذر أن يتصدق
بدرهم الساعة فتصدق بعد ساعة اهـ.
تنبيه: ذكر العلامة ابن نجيم في رسالته في النذر بالصدقة أنه ذكر في الخانية أنه لو
عين التصدق بدراهم فهلكت سقط النذر، قال: وهذا يدل على أن قولهم ((وألغينا الدينار
والدرهم)) ليس على إطلاقه، فيقال: إلا في هذه، فإنا لو ألغيناه مطلقاً لكان الواجب في
ذمته، فإن هلك المعين لم يسقط الواجب، وكذا قولهم: ألغينا تعيين الفقير، ليس على
إطلاقه لما في البدائع: لو قال: لله عليّ أن أطعم هذا المسكين شيئاً سماه ولم يعينه فلا بد
أن يعطيه للذي سمى، لأنه إذا لم يعين المنذور صار تعيين الفقير مقصوداً فلا يجوز أن يعطي
غيره اهـ.
هذا، وفي الحموي عن العمادية: لو أمر رجلًا وقال تصدق بهذا المال على مساكين
أهل الكوفة، فتصدق على مساكين أهل البصرة لم يجز، وكان ضامناً، وفي المنتقى: لو
أوصى لفقراء أهل الكوفة بكذا فأعطى الوصي فقراء أهل البصرة جاز عند أبي يوسف، وقال
محمد: يضمن الوصي اهـ.
قلت: ووجهه أن الوكيل يضمن بمخالفة الآمر، وأن الوصي هل هو بمنزلة الأصيل
أو الوكيل؟ تأمل. قوله: (وكذا لو عجل قبله) هذا داخل تحت قوله ((فخالف)). قوله: (صح)
أي خلافاً لمحمد وزفر، غير أن محمداً لا يجيز التعجيل مطلقاً، وزفر إذا كان الزمان المعجل
فيه أقل فضيلة كما في الفتح.
فرع: نذر صوم رجب فصام قبله تسعة وعشرين يوماً وجاء رجب كذلك ينبغي أن لا
يجب القضاء، وهو الأصح كما في السراج؛ أما لو جاء ثلاثين يقضي يوماً. قوله: (أو صلاة)
بالتنوين و ((يوم)) منصوب على الظرفية ح. ولو أضافه لزمه مثل صلاة اليوم غير أنه يتم
المغرب والوتر أربعاً، وقد تقدمت ط. قوله: (لأنه تعجيل بعد وجوب السبب) أي فيجوز
كما يجوز في الزكاة خلافاً لمحمد وزفر، فتح. قوله: (فيلغو التعيين) بناء على لزوم المنذور

٤٢٤
كتاب الصوم / باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
(بخلاف) النذر (المعلق) فإنه لا يجوز تعجيله قبل وجود الشرط كما سيجيء في الأيمان
(ولو قال مريض: الله علي أن أصوم شهراً فمات قبل أن يصح لا شيء عليه، وإن صح)
ولو (يوماً) ولم يصمه (لزمه الوصية بجميعه) على الصحيح كالصحيح إذا نذر ذلك
بما هو قربة فقط. فتح. وقدمناه عن الدرر: أي لأن التعيين ليس قربة مقصورة حتى يلزم
بالنذر. قوله: (بخلاف النذر المعلق) أي سواء علقه على شرط يريده مثل إن قدم غائبي أو
شفي مريضي، أو لا يريده مثل: إن زينت فلله عليّ كذا، لكن إذ وجد الشرط في الأول
وجب أن يوفي بنذره، وفي الثاني يخير بينه وبين كفارة يمين على المذهب لأنه نذر بظاهره
يمين بمعناه كما سيأتي في الأيمان إن شاء الله تعالى. قوله: (فإنه لا يجوز تعجيله إلخ) لأن
المعلق على شرط لا ينعقد سبباً للحال بل عند وجود شرطه كما تقرر في الأصول، فلو جاز
تعجيله لزم وقوعه قبل وجود سببه فلا يصح، ويظهر من هذا أن المعلق يتعين فيه الزمان
بالنظر إلى التعجيل، أما تأخيره فيصح لانعقاد السبب قبله، وكذا يظهر منه أنه لا يتعين فيه
المكان والدرهم والفقير لأن التعليق إنما أثر في تأخير السببية فقط فامتنع التعجيل، أما
المكان والدرهم والفقير فهي باقية على الأصل من عدم التعيين لعدم تأثير التعليق في شيء
منها، فلذا اقتصر كغيره في بيان وجه المخالفة بين المعلق وغيره على قوله ((فإنه لا يجوز
تعجيله)) فأفاد صحة التأخير وتبديل المكان والدرهم والفقير كا في غير المعلق، وكأنه
لظهور ما قررناه لم ينصوا عليه وهذا مما لا شبهة فيه لمن وقف على التوجيه، فافهم. قوله:
(ولم يصمه) أما لو صامه فيأتي قريباً. قوله: (على الصحيح) هو قولهما. وقال محمد: لزمه
الوصية بقدر ما فاته كما في قضاء رمضان، وأوضحه في السراج حيث قال: إذا نذر شهراً
غير معين ثم أقام بعد النذر يوماً أو أكثر يقدر على الصيام فلم يصم، فعندهما يلزمه الإيصاء
بالإطعام لجميع الشهر؛ ووجهه على طريقة الحاكم أن ما أدركه صالح لصوم كل يوم من
أيام النذر، فإذا لم يصم جعل كالقادر على الكل فوجب الإيصاء كما لو بقي شهراً صحيحاً
ولم يصم. وعلى طريقة الفتاوى: النذر ملزم في الذمة الساعة ولا يشترط إمكان الأداء.
وثمرة الخلاف فيما إذا صام ما أدركه على الأول لا يجب عليه الإيصاء بالباقي، وعلى الثاني
يجب، وكذا فيما إذا نذر ليلاً ومات في الليلة لا يجب على الأول لعدم الإدراك، ويجب على
الثاني الإيصاء بالكل اهـ ملخصاً. واقتصر في البدائع وغيره على طريقة الحاكم.
ثم اعلم أن هذا كله في النذر المطلق. أما المعين ففي السراج أيضاً: ولو أوجب على
نفسه صوم رجب، ثم أقام يوماً أو أكثر ومات ومات ولم يصم: ففي الكرخي: إن مات قبل
رجب لا شيء علیه، وهو قول محمد خاصة، لأن المعین لا یکون سبباً قبل وقته؛ وعندهما
على طريقة الحاكم: يوصي بقدر ما قدر، لأن النذر سبب ملزم في الحال إلا أنه لا بد من
التمكن؛ وعلى طريق الفتاوى: يوصي بالكل لأن النذر ملزم بلا شرط، لأن اللزوم إذا لم

٤٢٥
كتاب الصوم / باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
ومات قبل تمام الشهر لزمه الوصية بالجميع بالإجماع كما في الخبازية، بخلاف القضاء
فإن سببه إدراك العدة .
فرع: قال: والله أصوم، لا صوم عليه، بل إن صام حنث كما سيجيء في
الأيمان.
نذر صوم رجب فدخل وهو مريض أفطر وقضى كرمضان، أو صوم الأبد
فضعف لاشتغاله بالمعيشة أفطر وكفر كما مر، أو يوم يقدم فلان فقدم بعد الأكل أو
الزوال أو حيضها قضى عند الثاني
يظهر في حق الأداء يظهر في خلفه وهو الإطعام. وأما إن صام ما أدركه أو مات عقيب
النذر: فعلى الأول لا يجب الإيصاء بشيء، وعلى الثاني يجب الإيصاء بالباقي. ولو دخل
رجب وهو مريض ثم صح بعده يوماً مثلً فلم يصم ثم مات فعليه الإيصاء بالكل، أما على
الثاني فظاهر، وكذا على الأول لأن بخروج الشهر المعین وصحته بعده يوماً مثلاً وجب
عليه صوم شهر مطلق، فإذا لم يصم فيه وجب الإيصاء بالكل، كما في النذر المطلق إذا بقي
يوماً أو أكثر وقدر على الصوم ولم يصم اهـ ملخصاً. قوله: (ومات قبل تمام الشهر) أي
ولم يصم في ذلك. وعبارة غيره: ومات بعد يوم وبقي ما إذا صام ما أدركه فهل يلزمه
الوصية في الباقي أم لا؟ ينبغي أن يكون على الطريقتين المذكورتين في المريض، وصرح
باللزوم في بعض نسخ البحر، لكن نسخ البحر في هذا المحل مضطربة محرفة تحريفاً فاحشاً،
فافهم. قوله: (بخلاف القضاء) أي فيما إذا فاته رمضان لعذر، ثم أدرك بعض العدة ولم
يصمه لزمه الإيصاء بقدر ما فاته اتفاقاً على الصحيح، خلافاً لما زعمه الطحاوي أن الخلاف
في هذه المسألة ح. قوله: (بخلاف القضاء) جواب عن قياس محمد النذر على القضاء.
وبيانه: أن النذر سبب ملزم في الحال كما مر، أما القضاء فإن سببه أدراك للعدة ولم
يوجد فلا تجب الوصية ألا بقدر ما أدرك. واعترض بأن القضاء يجب بما يجب به الأداء عند
المحققين، وسبب الأداء شهود الشهر، فكذا القضاء. وأجيب بما فيه خفاء، فانظر النهر.
قوله: (بل إن صام حنث) لأن المضارع المثبت لا يكون جواب القسم إلا مؤكداً بالنون، فإن
لم توجد وجب تقدير النفي اهـح. لكن سيذكر في الأيمان عن العلامة المقدسي أن هذا
قبل تغير اللغة، أما الآن فالعوامّ لا يفرقون بين الإثبات والنفي إلا بوجود ((لا)) وعدمها، فهو
کاصطلاح لغة الفرس وغیرها في الأيمان. قوله: (کرمضان) أي بوصل أو فصل. درر.
قوله: (أو صوم) عطف على صوم رجب ح. قوله: (وكفر) أي فدي. قوله: (كما مر) أي
في الشيخ الفاني من أنه يطعم كالفطرة. قوله: (أو الزوال) يعني نصف النهار كما مر مراراً.
قوله: (قضي عند الثاني) قلت: كذا في الفتح، لكن في السراج: ولو قال الله عليّ صوم
اليوم الذي يقدم فلان فيه أبداً، فقدم في يوم قد أكل فيه لم يلزمه صومه، ويلزم صوم كل

٤٢٦
كتاب الصوم / باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
خلافاً للثالث، ولو قدم في رمضان فلا قضاء اتفاقاً، ولو عنى به اليمين كفّر فقط إلا إذا
قدم قبل نيته فنواه عنه برّ بالنية، ووقع عن رمضان ولو نذر شهراً لزمه كاملاً، أو الشهر
فبقيته أو صوم جمعة فالأسبوع إلا أن ينوي اليوم، ولو نذر يوم السبت صوم ثمانية أيام
صام سبتين، ولو قال سبعة فسبعة أسبت، والفرق أن السبت لا يتكرر في السبعة فحمل
على العدد، بخلاف الأول.
يوم فيما يستقبل، لأن الناذر عند وجود الشرط يصير كالمتكلم بالجواب فيصير كأنه قال: لله
عليّ صوم هذا اليوم وقد أكل فيه فلا يلزمه قضاؤه. وقال زفر: عليه قضاؤه اهـ. ونحوه في
البحر بلا حكاية خلاف، وهو مخالف لما هنا. وأما قوله: ويلزمه صوم كل يوم إلخ، فهو من
قوله أبداً. قوله: (خلافاً للثالث) قال في النهر: ولو قدم بعد الزوال: قال محمد: لا شيء
عليه ولا رواية فيه عن غيره. قال السرخسي: والأظهر التسوية بينهما اهـ: أي بين القدوم
بعد الأكل والقدوم بعد الزوال، فالشارح جرى في الفرع الثاني على ذلك الاستظهار ط.
قوله: (فلا قضاء اتفاقاً) لأنه تبين أن نذره وقع على رمضان، ومن نذر رمضان فلا شيء
عليه ح: أي لا شيء عليه إذا أدركه كما قدمناه عن السراج. قوله: (كفر فقط) أقول: لا
وجه له، وما قيل في توجيهه لأنه صامه عن رمضان لا عن يمينه لا وجه له أيضاً، لأن النية
في فعل المحلوف عليه غير شرط لما صرحوا به من أن فعله مكرهاً أو ناسياً سواء،
والمحلوف عليه الصوم وقد وجد، ثم ظهر أن في عبارة الشارح اختصاراً مخلًا تبع فيه النهر.
وأصل المسألة ما في الفتح وغيره: لو قال: لله عليّ أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان
شكراً لله تعالى وأراد به اليمين فقدم فلان في يوم رمضان كان عليه كفارة يمين، ولا قضاء
عليه لأنه لم يوجد شرط البّ وهو الصوم بنية الشكر؛ ولو قدم قبل أن ينوي فنوی به الشكر
لا عن رمضان برّ بالنية وأجزأه عن رمضان ولا قضاء عليه اهـ. وبه يتضح بقية كلامه،
فافهم. قوله: (لزمه كاملاً) ويفتتحه متى شاء بالعدد لا هلالياً، والشهر المعين هلالي، كذا
في اعتكاف فتح القدير ح. قوله: (فبقيته) أي بقية الشهر الذي هو فيه لأنه ذكره معرفاً
فينصرف إلى المعهود بالحضور، فإن نوى شهراً فعلى ما نوى لأنه محتمل كلامه فتح عن
التجنيس، وتقدم الكلام في ذلك. قوله: (إلا أن ينوي اليوم) أفاد أن لزوم الأسبوع يكون
فيما إذا نوى أيام جمعة أو لم ينو شيئاً، لأن الجمعة يذكر ويراد به يوم الجمعة وأيام الجمعة،
لكن الأيام أغلب فانصرف المطلق إليه، تجنيس. قال ح: وينبغي أنه لو عرف الجمعة أن
يلزمه بقيتها على قياس السنة والشهر، فإن مبدأها الأحد وآخرها السبت فليراجع اهـ.
قلت: في البحر: ولو قال صوم أيام الجمعة فعليه سبعة أيام اهـ. فتأمل. قوله:
(بخلاف الأول) أي فإن السبت يتكرر فيه فأريد المتكرر في العدد المذكور كأنه قال: السبت

٤٢٧
كتاب الصوم / باب ما يفسد الصوم وما لا يفسده
واعلم أن النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام وما يؤخذ من الدراهم والشمع
والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء الكرام تقرّباً إليهم فهو بالإجماع باطل وحرام ما لم
يقصدوا صرفها لفقراء الأنام، وقد ابتلى الناس بذلك، ولا سيما في هذه الأعصار، وقد
بسطه العلامة قاسم في شرح درر البحار؛ ولقد قال الإمام محمد: لو كانت العوام عبيدي
الكائن في ثمانية أيام وهو سبتان. قال في المنح: ولا يخفى أن هذا إذا لم تكن له نية، أما إذا
وجدت لزمه ما نوی اهـ ط .
مَطْلَبُ فِي الَّذْرِ الَّذِي يَقَعَ لِلأَمْوَاتِ مِنْ أَكْثَرِ العَوَامَ مِنْ شَمْعٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ نَحْوِهِ
قوله: (تقرباً إليهم) كأن يقول: يا سيدي فلان إن ردّ غائبي أو عوفيّ مريضي أو
قضيت حاجتي فلك من الذهب أو الفضة أو الطعم أو الشمع أو الزيت، كذا بحر. قوله:
(باطل وحرام) لوجوه: منها أنه نذر لمخلوق والنذر للمخلوق لا يجوز لأنه عبادة والعبادة لا
تكون لمخلوق، ومنها: أن المنذور له ميت والميت لا يملك. ومنها: أنه إن ظن أن الميت
يتصرّف في الأمور دون الله تعالى واعتقاده ذلك كفر، اللهم إلا إن قال: يا الله إني نذرت
لك إن شفيت مريضي أو رددت غائبي أو قضيت حاجتي أن أطعم الفقراء الذين بباب السيدة
نفيسة أو الإمام الشافعي أو الإمام الليث أو أشتري حصراً لمساجدهم أو زيتاً لوقودها أو
دراهم لمن يقوم بشعائرها إلى غير ذلك مما يكون فيه نفع للفقراء والنذر لله عزّ وجل، وذكر
الشيخ إنما هو محمل لصرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو مسجده فيجوز بهذا الاعتبار،
ولا يجوز أن يصرف ذلك لغنيّ ولا لشريف منصب أو ذي نسب أو علم، ما لم يكن فقيراً،
ولم يثبت في الشرع جواز الصرف للأغنياء للإجماع على حرمة النذر للمخلوق، ولا ينعقد
ولا تشتغل الذمة به، ولأنه حرام بل سحت، ولا يجوز لخادم الشيخ أخذه إلا أن يكون فقيراً
أو له عيال فقراء عاجزون فيأخذونه على سبيل الصدقة المبتدأة، وأخذه أيضاً مكروه ما لم
يقصد الناذر التقرب إلى الله تعالى وصرفه إلى الفقراء، ويقطع النظر عن نذر الشيخ. بحر
ملخصاً عن شرح العلامة قاسم. قوله: (ما لم يقصدوا إلخ) أي بأن تكون صيغة النذر لله
تعالى للتقرّب إليه ويكون ذكر الشيخ مراداً به فقراؤه كما مر، ولا يخفى أن له الصرف إلى
غیرهم کما مر سابقا، ولا بد أن یکون المنذور مما یصح به النذر کالصدقة بالدراهم ونحوها،
أما لو نذر زيتاً لإيقاد قنديل فوق ضريح الشيخ أو في المنارة كما يفعل النساء من نذر الزيت
لسيدي عبد القادر ويوقد في المنارة جهة المشرق فهو باطل، وأقبح منه النذر بقراءة المولد
في المناير ومع اشتماله على الغناء واللعب وإيهاب ثواب ذلك إلى حضرة المصطفى وَلفور.
قوله: (ولا سيما في هذه الأعصار) ولا سيما في مولد السيد أحمد البدوي. نهر. قوله: (ولقد
قال إلخ) ذكر ذلك هنا في النهر، ويخفي على ذوي الأفهام أن مراد الإمام بهذا الكلام إنما
هو ذمّ العوام والتباعد عن نسبتهم إليه بأيّ وجه يرام، ولو بإسقاط الولاء الثابت الانبهام،

٤٢٨
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
لأعتقتهم وأسقطت ولائي، وذلك لأنهم لا يهتدون؛ فالكل بهم یتعیرون.
بَابُ الاعتِگَافِ
وجه المناسبة له والتأخير اشتراط الصوم في بعضه والطلب الآكد في العشر
الأخير.
(هو) لغة: اللبث وشرعاً: (لبث) بفتح اللام وتضم المكث (ذكر)
وذلك بسبب جهلهم العام وتغييرهم لكثير من الأحكام، وتقربهم بما هو باطل وحرام؛ فهم
كالأنعام يتعير بهم الأعلام، ويتبرؤون من شنائعهم العظام كما هو أدب الأنبياء الكرام حيث
يتبرؤون من الأبعاد والأرحام بمخالفتهم الملك العلام، فافهم ما ذكرناه والسلام.
باب الاعتگاف(١)
قوله: (وجه المناسبة له والتأخير) أي وجه مناسبة الاعتكاف للصوم حیث ذکر معه،
ووجه تأخيره عنه أن الصوم شرط في بعض أنواع الاعتكاف وهو الواجب والشرط يتقدم
على المشروط، وإن الاعتكاف يطلب مؤكداً في العشر الأخير من رمضان فيختم الصوم به
فناسب ختم كتاب الصوم بذكر مسائله. قوله: (هو لغة اللبث) أي المكث في أيّ موضع
كان وحبس النفس فيه. قال في البحر: هو لغة افتعال من عكف إذا دام من باب طلب،
وعكفه حبسه، ومنه. والهدى معكوفاً - سمي به هذا النوع من العبادة لأنه إقامة في المسجد
مع شرائط. مغرب. وفي النهاية: مصدر المتعدي العكف، ومنه الاعتكاف في المسجد
واللازم العكوف، ومنه ﴿يَعْكِفُونَ عَلَىَ أَصْنَامِ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. قوله: (ذكر) قيد
به وإن تحقق اعتكاف المرأة في المسجد میلا إلَى تعریف الاعتكاف المطلوب، لأن اعتكاف
المرأة فيه مكروه كما يأتي، بل ظاهر ما في غاية البيان أن ظاهر الرواية عدم صحته، لكن
صرح في غاية البيان بأنه صحيح بلا خلاف كما في البحر، وقد يقال: قيد به نظراً إلى
شرطية مسجد الجماعة فإنه شرط لاعتكاف الرجل فقط، والأول أولى لقوله بعده ((أو امرأة
(١) الاعتكاف لغة لزوم الشيء والإقبال عليه. لطاعة الله تعالى فيه، عن صاحب ((المطالع)) وغيره. قال ابن سيده: يقال
عكف يعكف، ويعكف، عكفاً وعكوفاً واعتكف: لزم المكان والعكوف: الإقامة في المسجد.
انظر: الصحاح ١٤٠٦/٤، لسان العرب ٣٠٥٨/٤، ترتيب القاموس ٢٨٦/٣، النهاية في غريب الحديث ٢٨٤/٣.
واصطلاحاً: عرفه الحنفية: بأنه عبارة عن المقام في مكان مخصوص وهو المسجد بأوصاف مخصوصة من النية
والصوم وغيرها.
وعرفه الشافعية: بأنه اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية.
وعرفه المالكية: بأنه لزوم مسلم مميز مسجداً مباحاً بصوم كافاً عن الجماع ومقدماته يوماً وليلة فأكثر للعبادة بنية.
وعرفه الحنابلة: بأنه لزوم المسجد لطاعة الله وعلى صفة مخصوصة من مسلم عاقل ولو مميز طاهر مما يوجب غُسلًا.
انظر: الاختيار ص ١٧٣. وانظر الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقي ١/ ٥٤١، كشاف الإقناع ٣٤٧/٢.

٤٢٩
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
ولو مميزاً في (مسجد جماعة) هو ما له إمام ومؤذن أدّيت فيه الخمس أولًا. وعن الإمام
اشتراط أداء الخمس فيه، وصححه بعضهم قال: لا يصح في كل مسجد، وصححه
السروجي؛ وأما الجامع فيصح فيه مطلقاً اتفاقاً (أو) لبث (امرأة في مسجد بيتها) ويكره
في المسجد، ولا يصح في غير موضع صلاتها من بيتها كما إذا لم يكن في مسجد ولا
تخرج من بيتها إذا اعتكفت فيه، وهل يصح من الخنثى في بيته؟ لم أره، والظاهر لا،
في مسجد بيتها)) تأمل. قوله: (ولو مميزاً) فالبلوغ ليس بشرط كما في البحر عن البدائع
وشمل العبد فيصح اعتكافه بإذن المولى، ولو نذره فللمولى منعه ويقضيه بعد العتق، وكذا
المرأة لكن ليس له منعها بعد الإذن، بخلاف العبد لأنه ليس من أهل الملك، وأما المكاتب
فليس للمولى منعه ولو تطوّعاً، وتمامه في البحر. قوله: (أديت فيه الخمس أو لا) صرح
بهذا الإطلاق في العناية، وكذا في النهر، وعزاه الشيخ إسماعيل إلى الفيض والبزازية وخزانة
الفتاوي والخلاصة وغيرها، ويفهم أيضاً وإن لم يصرح به من تعقيبه بالقول الثاني هنا تبعاً
للهداية، فافهم. قوله: (وصححه بعضهم) نقل تصحيحه في البحر عن ابن الهمام. قوله:
(وصححه السروجي) وهو اختيار الطحاوي. قال الخير الرملي: وهو أيسر خصوصاً في
زماننا فينبغي أن يعوّل عليه، والله تعالى أعلم. قوله: (وأما الجامع) لما كان المسجد يشمل
الخاص كمسجد المحلة العام، وهو الجامع كأمويّ دمشق مثلاً أخرجه من عمومه تبعاً
للكافي وغيره لعدم الخلاف فيه. قوله: (مطلقاً) أي وإن لم يصلوا فيه الصلوات كلها. ح
عن البحر. وفي الخلاصة وغيرها: وإن لم يكن ثمة جماعة.
تنبيه: هذا كله لبيان الصحة. قال في النهر والفتح: وأما أفضل الاعتكاف ففي
المسجد الحرام، ثم في مسجده ◌َّر، ثم في المسجد الأقصى، ثم في الجامع. قيل إذا
كان يصلي فيه بجماعة فإن لم يكن ففي مسجده أفضل لئلا يحتاج إلى الخروج، ثم ما كان
أهله أكثر اهـ. قوله: (في مسجد بيتها) وهو المعدّ لصلاتها الذي يندب لها، ولكل أحد
اتخاذه كما في البزازية. نهر. ومقتضاه أنه يندب للرجل أيضاً أن يخصص موضعاً من بيته
لصلاته النافلة. أما الفريضة والاعتكاف فهو في المسجد كما لا يخفى. قال في السراج:
وليس لزوجها أن يطأها إذا أذن لها لأنه ملکها منافعها، فإن منعها بعد الإذن لا یصح منعه،
ولا ينبغي لها الاعتكاف بلا إذنه، وأما الأمة فإن أذن لها كره له الركوع لأنه يخلف وعده،
وجاز لأنها لا تملك منافعها. قوله: (ويكره في المسجد) أي تنزيهاً كما هو ظاهر النهاية.
نهر. وصرح في البدائع بأنه خلاف الأفضل. قوله: (كما إذا لم يكن فيه مسجد) أي مسجد
بيت، وينبغي أنه لو أعدته للصلاة عند إرادة الاعتكاف أن يصح. قوله: (وهل يصح إلخ)
البحث لصاحب النهرح. قوله: (والظاهر لا) لأنه على تقدير أنوثته يصح في المسجد مع
الكراهة، وعلی تقدیر ذکورتہ لا یصح في البيت بوجه ح.

٤٣٠
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
لاحتمال ذكوريته (بنية) فاللبث: هو الركن، والكون في المسجد، والنية من مسلم
عاقل طاهر من جنابة، وحیض ونفاس شرطان.
(وهو) ثلاثة أقسام (واجب بالنذر) بلسانه وبالشروع وبالتعليق ذكره ابن الكمال
(وسنة مؤكدة في العشر الأخير من رمضان) أي سنة كفاية كما في البرهان وغيره لاقترانها
قلت: لكن صرحوا بأن ما تردد بين الواجب والبدعة يأتي به احتياطاً، وما تردد بين
السنة والبدعة يتركه، إلا أن يقال: المراد بالبدعة المكروه تحريماً، وهذا ليس كذلك ولا
سيما إذا كان الاعتكاف منذوراً. قوله: (فاللبث هو الركن) فيه أن هذا حقيقته اللغوية، أما
حقيقته الشرعية فهي اللبث المخصوص: أي في المسجد. تأمل. قوله: (من مسلم عاقل)
لأن النية لا تصح بدون الإسلام والعقل فهما شرطان لها، وبه يستغني عن جعلهما شرطين
للاعتكاف المشروط بالنية كما أفاده في البحر. قوله: (طاهر من جنابة إلخ) جعل في البدائع
الطهارة من هذه الثلاثة شرطاً للاعتكاف قال في النهر: وينبغي أن يكون اشتراط الطهارة من
الحيض والنفاس فيه على رواية اشتراط الصوم في نفله، أما على عدمه، فينبغي أن يكون
من شرائط الحل فقط كالطهارة من الجنابة، ولم أر من تعرّض لهذا اهـ.
والحاصل: أن الطهارة من الثلاثة شرط للحل، ومن الأولين شرط للصحة أيضاً في
المنذور، وكذا في النفل على رواية اشتراط الصوم فيه. بخلاف الجنابة لصحة الصوم
معها، وبحث فيه الرحمتي بما صرحوا به من أن المقصد الأصلي من شرعية الاعتكاف انتظار
الصلاة بالجماعة، والحائض والنفساء ليسا بأهل للصلاة: أي فلا يصح اعتكافهما، بخلاف
الجنب إذ يمكنه الطهارة والصلاة اهـ. ويلزمه أن الجنب لو لم يتطهر ويصلي لا يصح منه،
ويلزمه أيضاً أن يكون من شروط صحته الصلاة بالجماعة ولم يقل به أحد. تأمل قوله:
(شرطان) خبر المبتدأ وهو ((الكون)) وما عطف عليه قوله: (بلسانه) فلا يكفي لإيجابه النية.
منح عن شمس الأئمة. قوله: (وبالشروع) نقله في البحر عن البدائع، ثم قال: ولا يخفى أنه
مفرع على ضعيف وهو اشتراط زمن للتطوع، وأما على المذهب من أن أقل النفل ساعة
فلا اهـ. وسيأتي قريباً أيضاً مع جوابه. قوله: (وبالتعليق) عطف على قوله (بالنذر)) وهذا
قرينة على أنه أراد بالنذر: النذر المطلق كما قيد به في البدائع لا يرد أن صورة التعليق نذر
أيضاً وأن مقتضى العطف خلافه؛ نعم الأظهر أن يقول: واجب بالنذر منجزاً أو معلقاً كما
عبر في البحر والإمداد، فافهم قوله: (أي سنة كفاية) نظيرها إقامة التراويح بالجماعة، فإذا
قام بها البعض سقط الطلب عن الباقين فلم يأثموا بالمواظبة على الترك بلا عذر، ولو كان
سنة عين لأثموا بترك السنة المؤكدة إثماً دون إثم ترك الواجب كما مر بيانه في كتاب
الطهارة. قوله: (لاقترانها إلخ) جواب عما أورد على قوله في الهداية، والصحيح أنه سنة
مؤكدة لأن النبي وَ﴿ واظب عليه في العشر الأواخر من رمضان، والمواظبة دليل السنة الهـ:

٤٣١
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
بعدم الإنكار على من لم يفعله من الصحابة (مستحبّ في غيره من الأزمنة) هو بمعنى
غير المؤكدة.
(وشرط الصوم) لصحة (الأول) اتفاقاً (فقط) على المذهب (فلو نذر اعتكاف ليلة
لم يصح) وإن نوى معها اليوم لعدم محليتها للصوم، أما لو نوى بها اليوم صح والفرق لا
يخفى (بخلاف ما لو قال) في نذره ليلاً ونهاراً، (فإنه يصح، و) إن لم يكن الليل محلاً
من أن المواظبة بلا ترك دليل الوجوب، والجواب كما في العناية أنه عليه الصلاة والسلام لم
ینکر علی من تركه واجباً لأنکر اهـ.
وحاصله: أن المواظبة إنما تفيد الوجوب إذا اقترنت بالإنكار على التارك. قوله: (هو
بمعنى غير المؤكدة) مقتضاه أنه يسمي سنة أيضاً، ويدل عليه أنه وقع في كلام الهداية في
باب الوتر إطلاق السنة على المستحب. قوله: (وشرط الصوم لصحة الأول) أي النذر حتى
لو قال: لله عليّ أن أعتكف شهراً بغير صوم فعليه أن يعتكف ويصوم. بحر عن الظهيرية.
قوله: (على المذهب) راجع لقوله ((فقط)) وهو رواية الأصل، ومقابله رواية الحسن أنه شرط
للتطوع أيضاً، وهو مبني على اختلاف الرواية في أن التطوع مقدر بيوم أو لا، ففي رواية
الأصل غير مقدر، فلم يكن الصوم شرطاً له، وعلى رواية تقديره بيوم وهي رواية الحسن
أيضاً يكون الصوم شرطاً له كما في البدائع وغيرها .
قلت: ومقتضى ذلك أن الصوم شرطاً أيضاً في الاعتكاف المسنون لأنه مقدر بالعشر
الأخير حتى لو اعتكفه بلا صوم لمرض أو سفر، ينبغي أن لا يصح عنه بل يكون نفلاً فلا
تحصل به إقامة سنة الكفاية، ويؤيده قول الكنز: سنّ لبث في مسجد بصوم ونية فإنه لا يمكن
حمله على المنذور لتصريحه بالسنية، ولا على التطوع لقوله بعده: وأقله نفلا ساعة، فتعين
حمله على المسنون سنة مؤكدة، فيدل على اشتراط الصوم فيه، وقوله في البحر: لا يمكن
حمله عليه لتصريحهم بأن الصوم إنما هو شرط في المنذور فقط دون غيره، فيه نظر، لأنهم
إنما صرحوا بكونه شرطاً في المنذور غير شرط في التطوع، وسكتوا عن بيان حكم المسنون
لظهور أنه لا يكون إلا بالصوم عادة، ولهذا قسم في متن الدرر الاعتكاف إلى الأقسام
الثلاثة: المنذور، والمسنون، والتطوع؛ ثم قال: والصوم شرط لصحة الأول لا الثالث،
ولم يتعرض للثاني لما قلنا، ولو كان مرادهم بالتطوع ما يشمل المسنون لكان عليه أن
يقول: شرط لصحة الأول فقط كما قال المصنف، فعبارة صاحب الدرر أحسن من عبارة
المصنف لما علمته، هذا ما ظهر لي. قوله: (وإن نوى معها اليوم) أما لو نذر اعتكاف اليوم
ونوى الليلة معه لزماه كما في البحر. قوله: (والفرق لا يخفى) وهو أنه في الأولى لما جعل
اليوم تبعاً ليلة؛ وقد بطل نذره في المتبوع وهو الليلة: بطل في التابع وهو اليوم، وفي الثانية
أطلق الليلة وأراد اليوم مجازاً مرسلاً بمرتبتين، حيث استعمل المقيد وهو في الليلة مطلق

٤٣٢
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
للصوم لأنه (يدخل الليل تبعاً، و).
اعلم أن (الشرط) في الصوم مراعاة (وجوده لا إيجاده) للمشروط قصداً (فلو نذر
اعتكاف شهر رمضان لزمه وأجزاء) صوم رمضان (عن صوم الاعتكاف) لكن قالوا: لو
صام تطوعاً ثم نذر اعتكاف ذلك اليوم لم يصح لانعقاده من أوله تطوعاً فتعذر جعله
الزمن، ثم استعمل هذا المطلق في المقيد وهو اليوم فكان اليوم مقصوداً اهـ ح.
قلت: لكن هذا الفرع مشكل، فإن الجائز هو إطلاق النهار على مطلق الزمان دون
إطلاق الليل، ولو ساغ الإطلاق المذكور بعلاقة الإطلاق والتقييد أو غيرها لساغ إطلاق
السماء على الأرض أو النخلة على شيء طويل غير الإنسان، مع أن المصرح به في كتب
الأصول عدمه؛ وأيضاً صرحوا بأنه إذا نوى بالعتق الطلاق صح، لأن العتق وضع لإزالة
ملك الرقبة والطلاق لإزالة ملك المتعة، والأولى سبب للثانية فصح المجاز، بخلاف ما لو
نوى بالطلاق العتق فإنه لا يصح مع أنه لا يمكن فيه ادعاء الإطلاق والتقييد، فليتأمل. قوله:
(لأنه يدخل الليل تبعاً) ولا يشترط للتبع ما يشترط للأصل. بحر. قوله: (لا إيجاده للمشروط
قصداً) أي لا يشترط إيقاعه مقصوداً لأجل الاعتكاف المشروط، كما لا يشترط إيقاع الطهارة
قصداً لأجل الصلاة، بل إذا حضرت الصلاة وكان متوضئاً قبلها لغيرها ولو للتبرّد یکفیه لها.
قوله: (فلو نذر اعتكاف شهر رمضان) الظاهر أن مثله ما إذا نذر صوم شهر معين ثم نذر
اعتكاف ذلك الشهر، أو نذر صوم الأبد ثم نذر اعتكافاً، فليتأمل ويراجع اهـ ح.
قلت: وجه التأمل ما ذكروا من أن الصوم المقصود للاعتكاف إنما سقط في رمضان
الشرف الوقت كما يأتي تقريره، والشرف غير موجود في الصوم المنذور. قوله: (لكن قالوا
إلخ) قال في الفتح: ومن التفريعات أنه لو أصبح صائماً متطوعاً أو غير ناو للصوم، ثم قال:
لله عليّ أن أعتكف هذا اليوم لا يصح، وإن كان في وقت تصح منه نية الصوم لعدم استيعاب
النهار. وعند أبي يوسف: أقله أكثر النهار، فإن كان قاله قبل نصف النهار لزمه، فإن لم
يعتكفه قضاه اهـ. وقد ظهر أن علة عدم الصحة عدم استيعاب الاعتكاف للنهار لا تعذر جعل
التطوع واجباً، وأنه لا محل للاستدراك المفاد بلكن، بل هي مسألة مستقلة لا تعلق لها بما في
المتن اهـ ح.
· قلت: ما علل به الشارح علل به في التاترخانية والتجنيس والولوالجية والمعراج
وشرح درر البحار، فيكون ذلك علة أخرى لعدم صحة النذر، وبه يصح الاستدراك على
قوله ((الشرط وجوده لا إيجاده)) فإن الشرط هنا وهو الصوم موجود مع أنه لم يصح النذر
بالاعتكاف.
والحاصل: أنه لم يصح لعدم استيعاب النهار بالاعتكاف، وعدم استيعابه بالصوم

١
٤٣٣
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
واجباً (وإن لم يعتكف) رمضان المعين (قضى شهراً) غيره (بصوم مقصود) لعود شرطه
إلى الكمال الأصلي فلم يجز في رمضان آخر ولا في واجب سوى قضاء رمضان الأول
لأنه خلف عنه، وتحقيقه في الأصول في بحث الأمر (وأقله نفلاً ساعة) من ليل أو نهار
عند محمد، وهو ظاهر الرواية عن الإمام لبناء النفل على المسامحة، وبه يفتى. والساعة
في عرف الفقهاء جزء من الزمان لا جزء من أربعة وعشرين كما يقوله المنجمون، كذا
الواجب، وبه علم أن الشرط واجب بنذر الاعتكاف أو بغيره کرمضان، ويمكن دفع
الاستدراك بهذا، فافهم. قوله: (قضى شهراً غيره) أي متتابعاً لأنه التزم الاعتكاف في شهر
بعينه وقد فاته فيقضيه متتابعاً، كما إذا أوجب اعتكاف رجب ولم يعتكف فيه. بدائع. قوله:
(سوى قضاء رمضان الأول) أما قضاء رمضان الأول فإنه إن قضاه متتابعاً واعتكف فيه جاز،
لأن الصوم الذي وجب فيه الاعتكاف باق فيقضيهما بصوم شهر متتابعاً. بدائع: أي لأن
القضاء خلف عن الأداء فأعطى حكمه كما أشار إليه الشارح. قوله: (وتحقيقه في الأصول)
وهو أن النذر كان موجباً للصوم المقصود، ولكن سقط لشرف الوقت، ولما لم يعتكف في
الوقت صار ذلك النذر بمنزلة نذر مطلق عن الوقت فعاد شرطه إلى الكمال بأن واجب
الاعتكاف بصوم مقصود لزوال المانع وهو رمضان.
فإن قلت: على هذا كان ينبغي أن لا يتأدى ذلك الاعتكاف في صوم قضاء ذلك الشهر
كما لو نذر مطلقاً، .
قلت: العلة الاتصال بصوم الشهر مطلقاً وهو موجود.
فإن قلت: الشرط يراعى وجوده، ولا يجب کونه مقصوداً، کما لو توضأ للتېّد تجوز به
الصلاة، ورمضان الثاني على هذه الصفة.
قلت: حدوث صفة الكمال منع الشرط عن مقتضاه، فلا بد أن يكون مقصوداً اهـ ح
عن شرح المنار لابن ملك.
تنبيه: في البدائع: لو أوجب اعتكاف شهر بعينه فاعتكف شهراً قبله أجزأه عند أبي
يوسف لا عند محمد، وهو على الاختلاف في النذر بصوم شهر معين فصام قبله اهـ: أي بناء
على أن النذر غير المعلق لا يختص بزمان ولا مكان كما مر، بخلاف المعلق، وقدمنا أن
الخلاف في صحة التقديم لا التأخير، والظاهر أنه لا فرق بين نذر اعتكاف رمضان أو شهر
معين غيره فيصح اعتكافه قبله وبعده في القضاء وغيره سوى رمضان آخر، غير أنه إن فعله
في غير رمضان الأول أو قضائه لا بد له من صوم مقصود كما هو صريح المتن، وليس في
كلامهم ما يدل على أنه لا يصح في غيرهما مطلقاً، وإنما فيه فرق بينهما وبين غيرهما بأنه لو
فعله فيهما أغنى عن صوم مقصود للاعتكاف بسبب شرف الوقت وخلفه، وفي غيرهما لا بد

٤٣٤
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
في غرر الأذكار وغيره (فلو شرع في نفله ثم قطعه لا يلزمه قضاؤه) لأنه لا يشترط له
الصوم (على الظاهر) من المذهب وما في بعض المعتبرات أنه يلزم بالشروع مفرع على
الضعيف، قاله المصنف وغيره (وحرم عليه) أي على المعتكف اعتكافاً واجباً أما النفل
من صوم مقصود له، وهذا ظاهر لا خفاء فيه، فافهم. قوله: (ثم قطعه) الأولى ((ثم تركه))
ولكن سماه قطعاً نظراً إلى رواية الحسن بتقديره بيوم. قوله: (لأنه لا يشترط له الصوم)
الأولى التعليل بأنه غير مقدر بمدة لما علمته مما مر أن الاختلاف في اشتراط الصوم له
وعدمه مبني على الاختلاف في تقديره بيوم وعدمه، وكلامه يفيد العكس. تأمل. قوله:
(وما في بعض المعتبرات) کالبدائع، وتبعه ابن کمال كما نقله الشارح عنه فيما مر. قوله:
(مفرع على الضعيف) أي على رواية الحسن أنه مقدر بيوم.
أقول: لكن بعد ما صرح صاحب البدائع بلزومه بالشروع ذکر رواية الحسن، ووجهها
وهو أن الشروع في التطوع موجب للإتمام على أصل أصحابنا صيانة للمؤدي عن البطلان،
ثم ذكر رواية الأصل أنه غير مقدر بيوم، وأجاب عن وجه رواية الحسن بقوله: وقوله
الشروع فيه موجب مسلم، لكن بقدر ما اتصل به الأداء ولما خرج فما وجب إلا ذلك القدر
فلا يلزمه أكثر من ذلك اهـ. فعلم أن قول البدائع أولاً أنه يلزم بالشروع مراده به لزوم ما
اتصل به الأداء لا لزوم يوم فهو مفرع على رواية الأصل التي هي ظاهر الرواية، فافهم.
قوله: (وحرم إلخ) لأنه إبطال للعبادة، وهو حرام لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾
بدائع. قوله: (أما النفل) أي الشامل للسنة المؤكدة ح. قلت: قدمنا ما يفيد اشتراط الصوم
فيها بناء على أنها مقدرة بالعشر الأخير، ومفاد التقدير أيضاً اللزوم بالشروع. تأمل. ثم
رأيت المحقق ابن الهمام قال: ومقتضى النظر لو شرع في المسنون: أعني العشر الأواخر
بنيته ثم أفسده أن يجب قضاؤه تخريجاً على قول أبي يوسف في الشروع في نفل الصلاة ناوياً
أربعاً لا على قولهما اهـ: أي يلزمه قضاء العشر كله لو أفسد بعضه كما يلزمه قضاء أربع لو
شرع في نفل ثم أفسد الشفع الأول عند أبي يوسف، لكن صحح في الخلاصة أنه لا يقضي
إلا ركعتين كقولهما، نعم اختار في شرح المنية قضاء الأربع اتفاقاً في الراتبة كالأربع قبل
الظهر والجمعة، وهو اختيار الفضلى، وصححه في النصاب، وتقدم تمامه في النوافل،
وظاهر الرواية خلافه؛ وعلى كل فيظهر من بحث ابن الهمام لزوم الاعتكاف المسنون
بالشروع، وإن لزوم قضاء جميعه أو باقيه مخرج على قول أبي يوسف، أما على قول غيره
فيقضي اليوم الذي أفسده لاستقلال كل يوم بنفسه، وإنما قلنا: أي باقية بناء على أن الشروع
ملزم كالنذر وهو لو نذر العشر يلزمه كله متتابعاً، ولو أفسد بعضه قضى باقيه على ما مر في
نذر صوم شهر معین.
والحاصل أن الوجه يقتضي لزوم كل يوم شرع فيما عندهما يناء على لزوم صومه،

٤٣٥
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
فله الخروج لأنه منه له لا مبطل كما مر (الخروج إلا لحاجة الإنسان) طبيعية كبول وغائط
وغسل لو احتلم ولا يمكنه الاغتسال في المسجد، كذا في النهر (أو) شرعية كعيد وأذان
بخلاف الباقي لأن كل يوم بمنزلة شفع من النافلة الرباعية وإن كان المسنون هو اعتكاف
العشر بتمامه. تأمل. قوله: (لأنه منه) اسم فاعل من أنهى اهـح: أي متمم للنفل. قوله:
(كما مر) أي من قول المصنف ((وأقله نفلاً ساعة)). قوله: (الخروج) أي من معتكفه ولو
مسجد البيت في حق المرأة ط. فلو خرجت منه ولو إلى بيتها بطل اعتكافها لو واجباً
وانتهى لو نفلاً. بحر. قوله: (إلا لحاجة الإنسان إلخ) ولا يمكث بعد فراغه من الطهور ولا
يلزمه أن يأتي بيت صديقه القريب.
واختلف فيما لو كان له بيتان فأتى البعيد منهما قيل فسد وقيل: لا، وينبغي أن يخرج
على القولين ما لو ترك بيت الخلاء للمسجد القريب وأتى بيته. نهر. ولا يبعد الفرق بين
الخلافية وهذه، لأن الإنسان قد لا يألف غير بيته. رحمتي : أي فإذا كان لا يألف غيره بأن لا
يتيسر له إلا في بيته فلا يبعد الجواز بلا خلاف، وليس كالمكث بعدها ما لو خرج لها ثم
ذهب لعيادة مريض أو صلاة جنازة من غير أن يكون خرج لذلك قصداً فإنه جائز كما في
البحر عن البدائع. قوله: (طبيعية) حال أو خبر لكان محذوفة: أي سواء كانت طبيعية أو
شرعية، وفسر ابن الشلبي الطبيعية بما لا بد منها وما لا يقضى في المسجد. قوله: (وغسل)
عده من الطبيعية تبعاً للاختيار والنهر وغيرهما، وهو موافق لما علمته من تفسيرها، وعن هذا
اعترض بعض الشراح تفسير الكنز لها بالبول والغائط بأن الأولى تفسيرها بالطهارة ومقدماتها
ليدخل الاستنجاء والوضوء والغسل لمشاركتها لهما في الاحتياج وعدم الجواز في
المسجد اهـ. فافھم قوله: (ولا یمکنہ إلخ) فلو أمكنه من غير أن یتلوث المسجد فلا بأس
به. بدائع: أي بأن كان فيه بركة ماء أو موضع معد للطهارة أو اغتسل في إناء بحيث لا
یصیب المسجد الماء المستعمل، قال في البدائع: فإن کان بحیث یتلوث بالماء المستعمل
يمنع منه لأن تنظيف المسجد واجب اهـ. والتقييد بعدم الإمكان يفيد أنه لو أمكن كما قلنا
فخرج أنه يفسد، وهل يجري فيه الخلاف المار فيما لو كان له بيتان فأتى البعيد منهما؟ محل
نظر، لأن ذاك بعد الخروج، وفرق بينه وبين ما قبله بدليل ما مر، من أنه بعده له الذهاب
لعيادة مريض، لكن قول البدائع لا بأس به ربما يفيد الجواز، فتأمل. قوله: (أو شرعية)
عطف على طبيعية، ولفظة ((أو)) من المتن والواو في ((والجمعة)) من الشرح اهـح. قوله:
(وعيد)(١) أفاد صحة النذر بالاعتكاف في الأيام الخمسة المنهية، وفيه الاختلاف السابق في
نذر صومها، لإن الصوم من لوازم الإعتكاف الواجب، فعلى رواية محمد عن الأمام: يصح،
(١) في ط (قوله وعيد) هكذا بخطه والذي في نسخ الشارح ((كعيد)) وهو الأنسب بقوله ((أو لا كبول)).

٤٣٦
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
لو مؤذناً وباب المنارة خارج المسجد و (الجمعة وقت الزوال ومن بعد منزله) أي
معتكفه (خرج في وقت يدركها) مع سنتها يحكم في ذلك رأيه، ويستنّ بعدها أربعاً أو
ستاً على الخلاف،
لكن يقال له: اقض في وقت آخر ويكفر اليمين إن أراد، وإن اعتكف فيها صح، وعلى
رواية أبي يوسف عنه: لا يصح نذره كالنذر بالصوم فيها. بدائع. قوله: (لو مؤذناً) هذا قول
ضعيف، والصحيح أنه لا فرق بين المؤذن وغيره كما في البحر والإمداد. قوله: (وباب
المنارة خارج المسجد) أما إذا كان داخله فكذلك بالأولى. قال في البحر: وصعود المأذنة
إن كان بابها في المسجد لا يفسد، وإلا فكذلك في ظاهر الرواية اهـ ولو قال الشارح: وأذان
ولو غير مؤذن وباب المنارة خارج المسجد لكان أولى ح.
قلت: بل ظاهر البدائع أن الأذان أيضاً غير شرط، فإنه قال: ولو صعد المنارة لم
یفسد بلا خلاف وإن کان بابها خارج المسجد لأنها منه، لأنه یمنع فیھا کل ما یمنع فیه من
البول ونحوه فأشبه زاوية من زوايا المسجد اهـ. لكن ينبغي فيما إذا كان بابها خارج المسجد
أن يقيد بما إذا خرج للأذان، لأن المنارة وإن کانت من المسجد لکن خروجه إلى بابها لا
للأذان خروج منه بلا عذر، وبهذا لا يكون كلام الشارح مفرعاً على الضعيف، ويكون قوله
(باب المنارة إلخ)) جملة حالية معتبرة المفهوم، فافهم. قوله: (مع سنتها) أي ومع الخطبة
كما في البدائع، ولم يذكره للعلم به لأن السنة تكون قبل خروج الخطيب، ولم يذكر تحية
المسجد أيضاً مع ذكرهم لها هنا لأنه ضعيف إذ صرحوا بأنه إذا شرع في الفريضة حین دخل
المسجد أجزأه عن تحية المسجد لحصولها بذلك فلا حاجة إلى تحية غيرها، وكذا لو شرع
في السنة كذا في البحر تبعاً للفتح، لكن نقل الخبر الرملي عن خط العلامة المقدسي أنه لا
شك أن صلاة التحية بالاستقلال أفضل من الإتيان بها في ضمن الفريضة، ولا يخفى أن من
يعتكف ويلازم باب الكريم إنما يروم ما يوجب له مزيد التفضيل والتكريم اهـ. فافهم.
قوله: (على الخلاف) أي أربعاً عنده وستاً عندهما. بدائع قال في البحر: وقد ظهر بهذا أن
الأربع التي تصلى بعد الجمعة بنية آخر ظهر عليه لا أصل لها في المذهب لنصهم هنا على
أنه لا يصلي إلا السنة البعدية، ولأن من اختارها من المتأخرين اختارها للشك في سبق جمعته
بناء على عدم جواز تعددها في مصر؛ وقد نص الإمام السرخسي على أن الصحيح من
المذهب الجواز، فلا ينبغي الإفتاء بها في زماننا لأنهم تطرقوا منها إلى التكاسل عن الجمعة
وظن أنها غير فرض، وأن الظهر كاف عنها، واعتقاد ذلك كفر اهـ. ملخصاً.
قلت: وفي هذا الظهور خفاء، لأن الأصل عدم تعدد الجمعة، وليس في كل البلاد
فليكن اقتصارهم على بيان السنة مبنياً على ذلك، ولأن المعتكف لا يلزم أن يأتي بها في

٤٣٧
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
ولو مكث أكثر لم يفسد لأنه محل له، وكره تنزيهاً لمخالفة ما التزمه بلا ضرورة (فلو خرج)
ولو ناسياً (ساعة) زمانية لا رملية كما مر (بلا عذر فسد) فيقضيه إلا إذا أفسده بالردة واعتبرا
مسجد الجمعة بل يأتي بها في معتكفه. وكون الصحيح جواز التعدد لا ينافي استحباب تلك
الأربع خروجاً من الخلاف القوي الواقع في مذهبنا ومذهب الغير، وقدمنا في باب الجمعة
التصريح عن النهر وغيره بأنه لا شك في استحبابها وكون الأولى أن لا يفتى بها في زماننا لما
ذكره لا يلزمه منه عدم الإتيان بها ممن لا يخشى منه ذلك كما مر هناك مبسوطاً عن المقدسي
وغيره فتذكره بالمراجعة، فافهم. قوله: (ولو مكث أكثر) كيوم وليلة أو أتم اعتكافه فيه.
سراج. قوله: (لأنه محل له) أي مسجد الجمعة محل للاعتكاف، وفيه إشارة إلى الفرق بين
هذا وبين ما لو خرج لبول أو غائط ودخل منزله ومكث فيه حيث يفسد كما مر. وفي
البدائع: وما روي عنه وَّ ر من الرخصة في عيادة المريض وصلاة الجنازة فقد قال أبو
يوسف: ذلك محمول على اعتكاف التطوع، ويجوز حمل الرخصة على ما لو خرج لوجه مباح
كحاجة الإنسان أو الجمعة وعاد مريضاً أو صلى على جنازة من غير أن يخرج لذلك قصداً
وذلك جائز اهـ. وبه علم أنه بعد الخروج لوجه مباح إنما يضرّ المكث لو في غير مسجد
لغير عيادة. قوله: (لمخالفة ما التزمه) أي من الاعتكاف في المسجد الأول، لأنه لما ابتدأ
الاعتكاف فيه فكأنه عينه لذلك فيكره تحوله عنه مع إمكان الإتمام فيه. بدائع.
قلت: ولعله لم يتعين بناء على أنه لا يتعين الزمان والمكان في النذر كما مر، وعدم
جواز الخروج منه بلا عذر لا لتعينه، بل لأن الخروج مضاد لحقيقة الاعتكاف الذي هو
اللبث والإقامة.
تتمة: لم يذكر جواز خروجه لجماعة، وقدمنا عن النهر والفتح ما يفيده، ويأتي في
كلامه ما يفيده أيضاً. وفي البحر عن البدائع: لو أحرم بحجّ أو عمرة أقام في اعتكافه إلى
فراغه منه، فإن خاف فوت الحج يحج ثم يستقبل الاعتكاف لأن الحج أهم، وإنما يستقبله
لأن هذا الخروج وإن وجب شرعاً فإنما وجب بعقده وعقده لم يكن معلوم الوقوع فلا يصير
مستثنى في الاعتكاف اهـ. قوله: (فيقضيه) أي لو واجباً بالنذر أما التطوّع لو قطعه قبل تمام
اليوم فلا، إلا في رواية الحسن كما مر، ويقضي المنذور مع الصوم، غير أنه لو كان شهراً
معيناً يقضي قدر ما فسد، وإلا استقبله لأنه لزمه متتابعاً، ولا فرق بين فساده بصنعه بلا عذر
کالجماع مثلاً إلا الردة، أو لعذر کخروجه لمرض، أو بغیر صنعه أصلا کحیض وجنون
وإغماء طويل. وأما حكمه إذا فات عن وقته المعين: فإن فات بعضه قضاه لا غير ولا يجب
الاستقبال، أو كله قضى الكل متتابعاً، فإن قدر ولم يقض حتى مات أوصى لكل يوم بطعام
مسكين، وإن قدر على البعض فكذلك إن كان صحيحاً وقت النذر، وإلا فإن صح يوماً فعلى
الاختلاف المار في الصوم، وإلا فلا شيء عليه. بدائع ملخصاً. قوله: (إلا إذا أفسده بالردة)

٤٣٨
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
أکثر النهار، قالوا: وهو الاستحسان وبحث فیه الكمال (و) إن خرج (بعذر يغلب وقوعه)
وهو ما مر لا غير (لا) يفسد. وأما ما لا يغلب كإنجاء غريق وانهدام مسجد فمسقط للإثم لا
للبطلان، وإلا لكان النسيان أولی بعدم الفساد کما حققه الكمال خلافاً لما فصله الزيلعي
لأنها تسقط ما وجب عليه قبلها بإيجاب الله تعالی أو إيجابه والنذر من إيجابه اهح: أي ولیس
سببه باقياً لأنه النذر، وقد قال في الفتح: إن نفس النذر بالقربة قربة فيبطل بالردة كسائر
القرب اهـ. وإذا بطل سببه لم يجب قضاؤه، بخلاف الحج والصلاة الوقتية لبقاء سببهما.
قوله: (قالوا وهو الاستحسان) لأن في القليل ضرورة، كذا في الهداية بدون لفظة ((قالو))
المشعرة بالخلاف والضعف، ولكنه أتى بها ميلاً إلى ما بحثه الكمال. قوله: (وبحث فيه
الكمال) حيث قال ((قوله وهو استحسان)) يقتضي ترجيحه، لأنه ليس من المواضع المعدودة
التي رجح فيها القياس على الاستحسان، ثم منع كونه استحساناً بالضرورة بأن الضرورة
التي يناط بها التخفيف هي الضرورة اللازمة أو الغالبة الوقوع مع أنهما: أي الإمامين يجيزان
الخروج بغير ضرورة أصلاً، لأن فرض المسألة في خروجه أقل من نصف يوم لحاجة لا بل
للعب، وأنا لا أشك في أن خرج من المسجد إلى السوق للعب واللهو والقمار إلى ما قبل
نصف النهار ثم قال يا رسول الله أنا معتكف قال ما أبعدك عن المعتكفين اهـ ملخصاً. وقد
أطال في تحقيق ذلك كما هو دأبه في التحقيق رحمه الله تعالى، وبه علم أنه لم يسلم كونه
استحساناً حتى يكون مما رجح فيه القياس على الاستحسان كما أفاده الرحمتي، فافهم. قوله:
(وهو ما مر) أي من الحاجة الطبيعية والشرعية. قوله: (وإلا لكان النسيان أولى إلخ) لأنه
عذر ثبت شرعاً اعتبار الصحة معه في بعض الأحكام. فتح: أي كما في أكل الصائم ناسياً
وصحة الوقتية عند نسيان الفائتة. قوله: (كما حققه الكمال) حيث قال: والذي في الخانية
والخلاصة أنه لو خرج ناسياً أو مكرهاً أو لبول فحبسه الغريم ساعة أو لمرض فسد عنده،
وعلل في الخانية المرض بأنه لا يغلب وقوعه فلم يصر مستثنى عن الإيجاب فأفاد الفساد في
الكل، وعلى هذا يفسد لو لإعادة مريض (١) أو شهود جنازة وإن تعينت عليه، إلا أنه لا يأثم
كما في المرض بل يجب كما في الجمعة، لا يفسد بها لأنها معلوم وقوعها فكانت مستثناة،
وعلى هذا إذا خرج لإنقاذ غريق أو حريق أو جهاد عم نفيره فسد ولا يأثم، وكذا إذا انهدم
المسجد، ونص عليه في الخانية وغيرها، وكذا تفرق أهله وانقطاع الجماعة منه، ونص
الحاكم في الكافي فقال: وأما قول أبي حنيفة: فاعتكافه فاسد، إذا خرج ساعة لغير غائط أو
بول أو جمعة اهـ ملخصاً. قوله: (خلافاً لما فصله الزيلعي) حيث جعل الخروج لعيادة
المريض والجنازة وصلاتها وإنجاء الغريق والحريق والجهاد إذا كان النفير عاماً، وأداء
الشهادة مفسداً، بخلاف خروجه إلى مسجد آخر بانهدام المسجد أو تفرق أهله لعدم صلوات
(١) في ط (قوله لو لإعادة مريض) هكذا بخطه ولعل صوابه ((لو لعيادة مريض)).

٤٣٩
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
وغيره، لكن في النهر وغيره جعل عدم الفساد لانهدامه وبطلان جماعته وإخراجه كرماً
استحساناً. وفي التاترخانية عن الحجة: لو شرط وقت النذر أن يخرج لعيادة مريض
وصلاة جنازة وحضور مجلس علم جاز ذلك، فليحفظ
الخمس فيه، وإخرج ظالم كرهاً، وخوفاً على نفسه أو ماله من المكابرين. ومشى في نور
الإيضاح على هذا التفصيل لا على ما يأتي عن النهر، فافهم. قوله: (لكن في النهر) حيث
قال: صرح في البدائع وغيرها بأن عدم الفساد في الانهدام والإكراه استحسان، لأنه مضطر
إليه لما بعد الانهدام خرج من أن يكون معتكفاً لأنه لا يصلي بالجماعة الصلوات الخمس،
وهذا يفيد عدم الفساد بتفريق أهله اهـ. وفي الشرنبلالية: إنه نص على الاستحسان في ذلك
في المحيط والمبتغى والجوهرة.
قلت: وكذا في المجتبى والسراج والتاترخانية، وبهذا سقط ما ذكره أبو السعود في
محشي مسكين من أن ما في البدائع وغيرها قول الصاحبين، وأن الزيلعي ومسكيناً
والشرنبلالي وغيرهم خلطوا أحد القولين بالآخر، وأطال فيه بما لا يجدي، إذ لو كان قول
الصاحبين فما معنى الاستحسان في بعض الأعذار دون بعض وهما يقولان بعدم الفساد
بالخروج أقل من نصف نهار بلا عذر أصلاً؟ وأيضاً لو كان ذلك قولهما لنقله واحد منهم، بل
صرح في البدائع في مسألتي الانهدام والإكراه بأنه لا يفسد إذا دخل مسجداً آخر من ساعته
استحساناً، فقوله: من ساعته. صريح في أنه على قول الإمام.
والحاصل: أن مذهب الإمام الفساد بالخروج إلا لبول أو غائط أو جمعة، كما مر
التصريح به عن كافي الحاكم، وعليه ما مر عن الخانية والخلاصة والفتح، وأن بعض
المشايخ استحسن عدمه في بعض المسائل، وكأنه في الخانية لم ير هذا الاستحسان وجيهاً
لأن انهدام المسجد لا يخرجه عن كونه معتكفاً بناء على القول بأن إقامة الخمس فيه بالجماعة
غير شرط كما مر أول الباب، ولأن الخروج لمرض وحيض ونسيان إذا كان مفسداً مع أنه
من قبل من له الحق سبحانه وتعالى فيكون للإكراه الذي هو قبل العبد مفسداً بالأول، ولعل
المحقق ابن الهمام نظر إلى هذا فتبع المنقول في کافي الحاكم الذي هو تلخيص کتب ظاهر
الرواية وفي الخانية وغيرها، وتبعه صاحب البحر واعتمده صاحب البرهان حيث اقتصر
عليه في متنه مواهب الرحمن، وتبعهم المصنف أيضاً، وكذا العلامة المقدسي في شرحه وإن
خالف فيه الشرنبلالي، فافهم. قوله: (وفي التاترخانية) ومثله في القهستاني. قوله: (لو
شرط) فيه إيماء إلى عدم الاكتفاء بالنية. أبو السعود. قوله: (جاز ذلك) قلت: يشير إليه
قوله في الهداية وغيرها عند قوله: ولا يخرج إلا لحاجة الإنسان، لأنه معلوم وقوعها، فلا بد
من الخروج فیصیر مستثنی اهـ.
والحاصل أن ما يغلب وقوعه يصير مستثنى حكماً وإن لم يشترطه، وما لا فلا، إلا إذا

٤٤٠
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
(وخص) المعتكف (بكل وشرب وعقد احتاج إليه) لنفسه أو عياله فلو لتجارة كره (كبيع
ونكاح ورجعة) فلو خرج لأجلها فسد لعدم الضرورة (وكره) أي تحريماً لأنها محل
إطلاقهم. بحر (إحضار مبيع فيه) كما كره فيه مبايعة غير المعتكف مطلقاً للنهي، وكذا
أکله ونومه إلا لغریب. أشباه، وقد قدمناه قبیل الوتر،
شرطه. قوله: (وخص المعتكف بأكل إلخ) أي في المسجد والباء داخلة على المقصور
عليه، بمعنى أن المعتكف مقصور على الأكل ونحوه في المسجد لا يحل له في غيره، ولو
كانت داخلة على المقصور كما هو المتبادر يرد عليه أن النكاح والرجعة غير مقصورين عليه
لعدم كراهتهما لغيره في المسجد.
واعلم: أنه كما لا يكره الأكل ونحوه في الاعتكاف الواجب فكذلك في التطوع كما
في كراهية جامع الفتاوى، ونصه: يكره النوم والأكل في المسجد لغير المعتكف، وإذا أراد
ذلك ينبغي أن ينوي الاعتكاف فيدخل فيذكر الله تعالى بقدر ما نوى أو يصلي ثم يفعل ما
شاء اهـ. قوله: (فلو لتجارة كره) أي وإن لم يحضر السلعة واختاره قاضيخان ورجحه
الزيلعي لأنه منقطع إلى الله تعالى فلا ينبغي له أن يشتغل بأمور الدنيا. بحر. قوله: (ورجعة)
معطوف على ((أكل)) لا على ((بيع)) إلا بتأويل العقد بما يشملها. قوله: (لعدم الضرورة) أي
إلى الخروج حيث جازت في المسجد وفي الظهيرية، وقيل يخرج بعد الغروب للأكل
والشرب اهـ. وينبغي حمله على ما إذا لم يجد من يأتي له به فحينئذ يكون من الحوائج
الضرورية كالبول. بحر. قوله: (إحضار مبيع فيه) لأن المسجد محرز عن حقوق العباد،
وفيه شغله بها، ودلّ تعليلهم أن المبيع لو لم يشغل البقعة لا يكره إحضاره كدراهم يسيرة أو
كتاب ونحوه. بحر. لكن مقتضى التعليل الأول الكراهة وإن لم يشتغل. نهر.
قلت: التعليل واحد، ومعناه أنه محرز عن شغله بحقوق العباد، وقولهم: وفيه شغله
بها نتيجة التعليل ولذا أبدله في المعراج بقوله: فيكره شغله بها، فافهم. وفي البحر: وأفاد
إطلاقه أن إحضار ما يشتريه ليأكله مكروه، وينبغي عدم الكراهة كما لا يخفى اهـ: أي لأن
إحضاره ضروري لأجل الأكل، ولأنه لا شغل به لأنه يسير. وقال أبو السعود: نقل
الحموي عن البرجندي أن إحضار الثمن والمبيع الذي لا يشغل المسجد جائز اهـ. قوله:
(مطلقاً) أي سواء احتاج إليه لنفسه أو عياله أو كان للتجارة أحضره أو لا كما يعلم مما قبله
ومن الزيلعي والبحر. قوله: (للنهي) هو ما رواه أصحاب السنن الأربعة وحسَّه الترمذي ((أَنَّ
رَسُولَ اللّه صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَى عَنِ الشِّرَاءِ وَالبَيْعِ فِي المَسْجِدِ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ ضَالَّةٌ،
أَوْ يُنْشَدَ فِيهِ شِعْرٌ، وَنَهَى عَنِ التَّحَلَّقِ قَبْلَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الجَّمعَةِ))(١) فتح. قوله: (وكذا أكله) أي
(١) أخرجه أبو داود (١٠٧٩) وأحمد في المسند ١٧٨/٢.