Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب الزكاة / باب العشر
يجوز ترك الخراج للمالك لا العشر، وسيجيء تمامه مع بيان بيوت المال ومصارفها في
الجهاد، ونظمها ابن الشحنة فقال: [الوافر]
بُيُوتُ المَالِ أَرْبَعَة لِكُلِّ مَصَارِفُ بَيْنَّتْهَا العَالمُونَا
دين واجب لا يجوز الامتناع عنه، وليس بظلم، ولكن يعلم هذا الجواب للعمل به، وكفّ
اللسان عن السلطان وسعاته، فيه لا للتشهير حتى لا يتجاسروا في الزيادة على القدر
المستحق اهـ.
قلت: وينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يوجد في بيت المال ما يكفي لذلك لما سيأتي
في الجهاد من أنه يكره الجعل إن وجد فيء. قوله: (يجوز ترك الخراج للمالك الخ) سيأتي
في الجهاد متناً وشرحاً ما نصه: ترك السلطان أو نائبه الخراج لربّ الأرض أو وهبه ولو
بشفاعة جاز عند الثاني وحل له لو مصرفاً وإلا تصدق به، به يفتي. وما في الحاوي من
ترجيح حله لغير المصرف خلاف المشهور، ولو ترك العشر لا يجوز إجماعاً ويخرجه بنفسه
للفقراء. سراج. خلافاً لما في قاعدة ((تصرف الإمام منوط بالمصلحة)) من الأشباه معزياً
للبزازية فتنبه اهـ.
قلت: والذي في الأشباه عن البزازية: إذا ترك العشر لمن عليه جاز غنياً كان أو
فقيراً، لكن إن كان المتروك له فقيراً فلا ضمان على السلطان، وإن كان غنياً ضمن السلطان
العشر للفقراء من بيت مال الخراج لبيت مال الصدقة اهـ.
قلت: وما في الأشباه ذكر مثله في الذخيرة عن شيخ الإسلام بقوله: لو غنياً كان له
جائزة من السلطان، ويضمن مثله من بيت الخراج لبيت الصدقة، ولو فقيراً كان صدقة عليه
فيجوز كما لو أخذه منه ثم صرفه إليه، ولذا قالوا بأن السلطان إذا أخذ الزكاة من صاحب
المال فافتقر قبل صرفها للفقراء كان له أن يصرفها إليه كما يصرفها إلى غيره. قوله: (ونظمها
ابن الشحنة) هو محمد والد شارح المنظومة عبد البرّ، والنظم من بحر الوافر.
مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ بُيُوتِ آلْمَالِ وَمَصَارِفِهَا
قوله: (بيوت المال أربعة) سيأتي في آخر فصل الجزية عن الزيلعي أن على الإمام أن
يجعل لكل نوع بيتاً يخصه، وله أن يستقرض من أحدها ليصرفه للآخر ويعطي بقدر الحاجة
والفقه والفضل، فإن قصر كان الله تعالى عليه حسيباً اهـ. وقال الشرنبلالي في رسالته:
ذكروا أنه يجب عليه أن يجعل لكل نوع منها بيتاً يخصه، ولا يخلط بعضه ببعض، وأنه إذا
احتاج إلى مصرف خزانة وليس فيها ما يفي به يستقرض من خزانة غيرها، ثم إذا حصل للتي
استقرض لها مال يردّ إلى المستقرض منها، إلا أن يكون المصروف من الصدقات أو خمس
الغنائم على أهل الخراج وهم فقراء فإنه لا يرد شيئاً لاستحقاهم للصدقات بالفقر، وكذا في

٢٨٢
كتاب الزكاة / باب العشر
فَأَوَّلُهَا الغَنَائِمُ وَالِكُنُوزُ رِكَازٌ بَعْدَهَا المُتَصَدِّقُونَا
وثَالِثُها خَرَاجٌ مَعْ عُشُورٍ وَجَالِيَةٌ يَلِيهَا العَامِلُونَا
وَرَابِعُهَا الضَّوَائِعُ مِثْلَ مَالَا يَكُونَ لَهُ أُنَاسٌ وَارِثُونَا
فَمَصَرفُ الأَوَّلِينْ أَتَّى بِنَصِ وَثَالِثُهَا حَوَاهُ مُقَاتِلُونَا
غيره إذا صرفه إلى المستحق اهـ. قوله: (لكل مصارف) أي لكل بيت محلات يصرف إليها.
قوله: (فأولها الغنائم الخ) أي أول الأربعة بيت أموال الغنائم فهو على حذف مضافين،
وكذا يقال فيما بعده ط. ويسمى هذا بيت مال الخمس: أي خمس الغنائم والمعادن والركاز
كما في التاترخانية فقوله ((الركاز)) وفي نسخة ((ركاز)) منوناً من عطف العام بحذف حرف
العطف. قوله: (وبعدها (١) المتصدقونا) مبتدأ وخبر، والأولى ((وبعده)) بالتذكير: أي بعد
الأول، إلا أن يقال: إن أولها اكتسب التأنيث من المضاف إليه أو أعاد الضمير على الغنائم
وما عطف عليها لأنها نفس الأول: أي وثانيها بيت أموال المتصدقين: أي زكاة السوائم
وعشور الأراضي وما أخذه العاشر من تجار المسلمين المارّين عليه كما في البدائع. قوله:
(وثالثها الخ) قال في البدائع: الثالث: خراج الأراضي وجزية الرؤوس وما صولح عليه بنو
نجران من الحلل وبنو تغلب من الصدقة المضاعفة، وما أخذ العشار من تجار أهل الذمة
والمستأمنين من أهل الحرب اهـ. زاد الشرنبلالي في رسالته عن الزيلعي: وهدية أهل
الحرب، وما أخذ منهم بغير قتال وما صولحوا عليه لترك القتال قبل نزول العسكر
بساحتهم، فقوله (مع عشور)) المراد به ما يأخذه العاشر من أهل الذمة والمستأمنين فقط
بقرينة ذکره مع الخراج لأنه في حکمه، أو هو خراج حقيقة کما قدمناه في بابه، بخلاف ما
يأخذه منا فإنه زكاة حقيقة أدخله في قوله ((المتصدّقون)) كما مر فافهم، وقوله ((وجالية)) هم
أهل الذمة، لأن عمر رضي الله تعالى عنه أجلاهم من أرض العرب كما في القاموس: أي
أخرجهم منها ثم صار يستعمل حقيقة عرفية في الجزية التي يليها العاملون: أي يلي أمرها
عمال الإمام، وكأن الناظم أدخل فيها ما يؤخذ من بني نجران وبني تغلب وما أخذ من أهل
الحرب من هدية أو صلح لأنها في معنى جزية رؤوسهم. قوله: (الضوائع) جمع ضائعة أي
اللقطات، وقوله ((مثل مالا الخ)) أي مثل تركة لا وارث لها أصلاً، ولها وارث لا يردّ عليه
كأحد الزوجين، والأظهر جعله معطوفاً على ((الضوائع)) بإسقاط العاطف، لأن من هذا النوع
ما نقله الشرنبلالي دية مقتول لا وليّ له، لكن الدية من جملة تركة المقتول ولذا تقضي منها
ديونه كما صرحوا به. تأمل. قوله: (فمصروف الأولين الخ) بنقل حركة الهمزة إلى اللام
لضرورة الوزن: أي بيت الخمس وبيت الصدقات، والنصّ في الأول قوله تعالى:
(١) في ط (قوله المحشي وبعدها الخ) كذا بالأصل المقابل على خط المؤلف بالواو ونسخ الشرح بدونها وهو المتعين.

٢٨٣
كتاب الزكاة / باب المصرف
وَرَابِعُهَا فَمَصْرَفُهُ جِهَاتُ تَسَاوَى النَّفْعَ فِيهَا المُسْلِمُونَا
بَابُ المَضرِفِ
أي مصرف الزكاة والعشر، وأما خمس المعدن فمصرفه كالغنائم (هو فقير، وهو
من له أدنى شيء)
﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١] الآية - وسيأتي بيانه في الجهاد إن شاء الله تعالى،
وفي الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية - ويأتي بيانه قريباً.
قوله: (وثالثها حواه مقاتلونا) الذي في الهداية وعامة الكتب المعتبرة أنه يصرف في مصالحنا
كسدّ الثغور وبناء القناطر والجسور وكفاية العلماء والقضاة والعمال ورزق المقاتلة
وذراريهم اهـ: أي ذراري الجميع كما سيأتي في الجهاد إن شاء الله تعالى. قوله: (ورابعها
فمصرفه جهات الخ) موافق لما نقله ابن الضياء في شرح الغزنوية عن البزدوي من أنه يصرف
إلى المرضي والزمني واللقيط وعمارة القناطر والرباطات والثغور والمساجد وما أشبه
ذلك اهـ. ولكنه مخالف لما في الهداية والزيلعي. أفاده الشرنبلالي: أي فإن الذي في الهداية
وعامة الكتب أن الذي يصرف في مصالح المسلمين هو الثالث كما مر، وأما الرابع فمصرفه
المشهور هو اللقيط الفقير والفقراء الذين لا أولياء لهم، فيعطي منه نفقتهم وأدويتهم وكفنهم
وعقل جنایتهم كما في الزيلعي وغيره.
وحاصله أن مصرفه العاجزون الفقراء، فلو ذكر الناظم الرابع مكان الثالث ثم قال:
وثالثها حواه عاجزونا، ورابعها فمصرفه الخ لوافق ما في عامة الكتب. قوله: (تساوى) فعل
ماضي والنفع منصوب على التمييز كطبت النفس: أي تساوى المسلمون فيها من جهة
النفع اهـ ح. والله تعالى أعلم.
بَابُ المضرِفِ
قوله: (أي مصرف الزكاة والعشر) يشير إلى وجه مناسبته هنا، والمراد بالعشر ما
ينسب إليه كما مر، فيشمل العشر ونصفه المأخوذين من أرض المسلم وربعه المأخوذ منه
إذا مر على العاشر، أفاده ح. وهو مصرف أيضاً لصدقة الفطر والكفارة والنذر وغير ذلك
من الصدقات الواجبة كما في القهستاني. قوله: (وأما خمس المعدن) بيان لوجه اقتصاره
على الزكاة والعشر، وأنه لا يناسب ذكره معهما وإن ذكره في العناية والمعراج، والأولى
كما قال ح: وأما خمس الركاز ليشمل الكنز لأنه كالمعدن في المصرف. قوله: (هو فقير)
قدمه تبعاً للآية، ولأن الفقر شرط في جميع الأصناف إلا العامل والمكاتب وابن السبيل ط.
قوله: (قوله أدنى شيء) المراد بالشيء: النصاب النامي، ويأدنى: مادونه، فأفعل التفضيل
ليس على بابه كما أشار إليه الشارح. والأظهر أن يقول: من لا يملك نصاباً نامياً ليدخل فيه

٢٨٤
كتاب الزكاة / باب المصرف
أي دون نصاب أو قدر نصاب غير تام مستغرق في الحاجة (ومسكين من شيء له) على
المذهب، لقوله تعالى ﴿أَوْ مِسْكِينَاَ ذَا مَتْبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] وآية السفينة للترحم (وعامل)
يعمّ الساعي والعاشر (فيعطي) ولو غنياً لا هاشمياً، لأنه فرغ نفسه لهذا العمل
ما ذكره الشارح. وقد يقال: إن المراد التمييز بين الفقير والمسكين لرد ما قيل إنهما صنف
واحد لا بينهما وبين الغني للعلم بتحقق عدم الغنى فيهما: أي عدم ملك النصاب النامي،
فذكر أن المسكين من لا شيء له أصلاً، والفقير من يملك شيئاً وإن قل، فاقتصاره على
الأدنی لأنه غاية ما يحصل به التمییز.
والحاصل أن المراد هنا الفقير المقابل للمسكين لا للغنيّ. قوله: (أي دون نصاب)
أي نام فاضل عن الدين، فلو مديوناً فهو مصرف كما يأتي. قوله: (مستغرق في الحاجة)
كدار السكني وعبيد الخدمة وثياب البذلة وآلات الحرفة وكتب العلم للمحتاج إليها تدريساً
أو حفظاً أو تصحيحاً كما مر أول الزكاة.
والحاصل أن النصاب قسمان: موجب للزكاة وهو النامي الخالي عن الدين. وغير
موجب لها وهو غيره، فإن كان مستغرقاً بالحاجة لمالكه أباح أخذها، وإلا حرمه وأوجب
غيرها من صدقة الفطر والأضحية ونفقة القريب المحرم كما في البحر وغيره. قوله: (من لا
شيء له) فيحتاج إلى المسألة لقوته وما يواري بدنه ويحل له ذلك، بخلاف الأول، ويحل
صرف الزكاة لمن لا تحل له المسألة بعد كونه فقيراً. فتح. قوله: (على المذهب) من أنه
أسوأ حالاً من الفقير، وقيل على العكس، والأول أصح. بحر. وهو قول عامة السلف.
إسماعيل. وأفهم بالعطف أنهما صنفان وهو قول الإمام، وقال: الثاني صنف واحد، وأثر
الخلاف یظهر فیما إذا أوصی بثلث ماله لزید والفقراء والمساکین أو وقف كذلك كان لزيد
الثلث ولكل صنف ثلث عنده، وقال: الثاني لزيد النصف ولهما النصف، وتمامه في النهر.
قوله: (لقوله تعالى أو مسكيناً ذا متربة) أي ألصق جلده بالتراب محتفراً حفرة جعلها إزاره
لعدم ما يواريه أو ألصق بطنه به من الجوع، وتمام الاستدلال به موقوف على أن الصفة
كاشفة، والأكثر خلافه فيحمل عليه، تمامه في الفتح. قوله: (وآية السفينة للترحم) جواب
عما استدل به القائل بأن الفقير أسوأ حالاً من المسكين حيث أثبت للمساكين سفينة.
والجواب أنه قيل لهم مساكين ترحماً. وأجيب أيضاً بأنها لم تكن لهم بل هم أجراء فيها أو
عارية لهم. فتح: أي فاللام في. كانت لمساكين - للاختصاص لا للملك. قوله: (يعم
الساعي) هو من يسعى في القبائل لجمع صدقة السوائم والعاشر من نصبه الإمام على الطرق
ليأخذ العشر ونحوه في المارة. قوله: (لأنه فرغ نفسه) أي فهو يستحقه عمالة؛ ألا ترى أن
أصحاب الأموال لو حملوا الزكاة إلى الإمام لا يستحق شيئاً، ولو هلك ما جمعه من الزكاة لم
يستحق شيئاً كالمضارب إذا هلك مال المضاربة، إلا أن فيه شبهة الصدقة بدليل سقوط

٢٨٥
كتاب الزكاة / باب المصرف
فيحتاج إلى الكفاية، والغني لا يمنع من تناولها عند الحاجة كابن السبيل. بحر عن
البدائع.
وبهذا التعليل يقوى ما نسب للواقعات من أن طالب العلم يجوز له أخذ الزكاة ولو
غنياً إذا فرّغ نفسه لإفادة العلم
الزكاة عن أرباب الأموال فلا تحل للعامل الهاشمي تنزيهاً لقرابة النبي وَلّر عن شبهة الوسخ،
وتحل للغنيّ لأنه لا يوازي الهاشمي في استحقاق الكرامة فلا تعتبر الشبهة في حقه. زيلعي.
على أن منع العامل الهاشمي من الأخذ صريح في السنة كما بسطه في الفتح. قال في النهر:
وفي النهاية: استعمل الهاشمي على الصدقة فأجري له منها رزق لا ينبغي له أخذه، ولو
عمل ورزق من غيرها فلا بأس به. قال في البحر: وهذا يفيد صحة توليته، وأن أخذه منها
مكروه لا حرام اهـ. والمراد كراهة التحريم لقولهم: لا يحل، لكن ما مر من أن شرائط
الساعي أن لا يكون هاشمياً يعارضه، وهذا الذي ينبغي أن يعول عليه اهـ ما في النهر.
أقول: الظاهر أن الإشارة في قوله، وهذا إلى ما ذكر هنا من صحة توليته. ووجهه أن
ما ذكروه هنا صريح في عدم حل الأخذ مما جمعه من الصدقة لا من غيره، فلا دلیل حينئذ
على عدم صحة توليته عاملًا إذا رزق من غيرها، وقدمنا أن اشتراط أن لا يكون هاشمياً نقله
في البحر عن الغاية، ولم أره لغيره، على أنه في الغاية علل ذلك بقوله: لما فيه من شبهة
الزكاة، كما عللوا به هنا، فعلم أن ذلك شرط لحل الأخذ من الصدقة لا لصحة التولية، فلا
يعارض ما هنا كما قدمناه هناك، والله تعالى أعلم. قوله: (فيحتاج إلى الكفاية) لكن لا یزاد
على نصف ما قبضه كما يأتي، ولا يستحق لو هلك ما جمعه، لأن ما يستحقه منه أجرة عمالته
من وجه كما مر. قال في المعراج: لأن عمالته في معنى الأجرة وأنه يتعلق بالمحل الذي
عمل فيه. فإذا هلك سقط حقه كالمضارب اهـ.
قلت: وهذا مفاد التفريع على قوله ((لأنه فرغ نفسه)) لهذا العمل فإنه يفيد أن ما يأخذه
ليس صدقة من كل وجه بل في مقابلة عمله، فلا ينافي ما مر من أن له شبهين، فافهم. قوله:
(ما نسب للواقعات) ذكر المصنف أنه رآه بخط ثقة معزياً إليها.
قلت: ورأيته في جامع الفتاوى ونصه: وفي المبسوط لا يجوز دفع الزكاة إلى من
يملك نصاباً إلا إلى طالب العلم والغازي ومنقطع الحج لقوله عليه الصلاة والسلام يجوز دفع
الزكاة لطالب العلم وإن كان له نفقة أربعين سنة (١) اهـ. قوله: (من أن طالب العلم) أي
الشرعي. قوله: (إذا فرّغ نفسه) أي عن الاكتساب. قال ط: المراد أنه لا تعلق له بغير ذلك،
فنحو البطالات المعلومة وما يجلب له النشاط من مذهبات الهموم لا ينافي التفرّغ، بل هو
(١) أظنه لا يصح.

٢٨٦
كتاب الزكاة / باب المصرف
واستفادته لعجزه عن الكسب، والحاجة داعية إلى ما لا بد منه، كذا ذكره المصنف
(بقدر عمله) ما يكفيه وأعوانه بالوسط، لكن لا يزاد على نصف ما يقبضه (ومكاتب)
سعي في أسباب التحصيل. قوله: (واستفادته) لعل الواو بمعنى ((أو)) المانعة الخلوّ ط.
قوله: (لعجزه) علة لجواز الأخذ ط. قوله: (والحاجة داعية الخ) الواو للحال.
والمعنى أن الإنسان يحتاج إلى أشياء لا غنى له عنها، فحينئذ إذا لم يجز له قبول الزكاة
مع عدم اكتسابه أنفق ما عنده ومكث محتاجاً فينقطع عن الإفادة والاستفادة فيضعف الدين
لعدم من يتحمله، وهذا الفرع مخالف لإطلاقهم الحرمة في الغنى، ولم يعتمده أحد.
قلت: وهو كذلك. والأوجه تقييده بالفقير، ويكون طلب العلم مرخصاً لجواز
سؤاله من الزكاة وغيرها وإن كان قادراً على الكسب إذ بدونه لا يحل له السؤال كما سيأتي.
ومذهب الشافعية والحنابلة أن القدرة على الاكتساب تمنع الفقر فلا يحل له الأخذ فضلاً عن
السؤال، إلا إذا اشتغل عنه بالعلم الشرعي. قوله: (ما يكفيه وأعوانه) بيان لقوله «بقدر
عمله)) وقدمنا أنه يعطي ما لم يهلك المال وإلا بطلت عمالته، ولا يعطي من بيت المال شيئاً
كما في البحر. وفي البزازية: أخذ عمالته قبل الوجوب أو القاضي رزقه قبل المدة جاز،
والأفضل عدم التعجيل لاحتمال أن لا يعيش إلى المدة اهـ.
قال في النهر: ولم آر ما لو هلك المال في يده وقد تعجل عمالته، والظاهر أنه لا
يسترد. قوله: (بالوسط) فيحرم أن يتبع شهوته في المأكل والمشرب لأنه إسراف محض،
وعلى الإمام أن يبعث من يرضى بالوسط. بحر. قوله: (لكن الخ) أي لو استغرقت كفايته
الزكاة لا يزاد على النصف، لأن التنصيف عين الإنصاف. بحر. قوله: (ومكاتب) هذا هو
المعني بقوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ في قول أكثر أهل العلم،" وهو المروي عن الحسن
البصري أطلقه فعم مكاتب الغني أيضاً، وقيده الحدادي بالكبير، أما الصغير فلا يجوز، وفيه
نظر إذ صرحوا بأن المكاتب يملك المدفوع إليه، وهذا بإطلاقه يعم الصغير أيضاً نهر.
قلت: قد يجاب بأن مراد الحدادي بالصغير من لا يعقل، لأن كتابته استقلالاً غير
صحيحة، أو لأنه لا يصح قبضه. تأمل. ثم قال في النهر: وعلى هذا فالعدول فيه وفيما
بعده عن ((اللام)) إلى ((في)) للدلالة على أن الاستحقاق للجهة لا للرقبة، أو للإيذان بأنهم
أرسخ في استحقاق التصدق عليهم من غيرهم، لا لأنهم لا يملكون شيئاً كما ظن، إلا أن
يراد لا يملكونه ملكاً مستقراً، وهل يجوز للمكاتب صرف المدفوع إليه في غير ذلك الوجه؟
لم أره لهم اهـ. والضمير في لهم لأئمتنا، وأصل التوقف لصاحب البحر، فإنه نقل عن
الطيبي من الشافعية ما يفيد أن المكاتب ومن بعده ليس لهم صرف المال في غير الجهة التي
أخذوا لأجلها لأنهم لا يملكونه.

٢٨٧
كتاب الزكاة / باب المصرف
لغير هاشمي، ولو عجز حل لمولاه ولو غنياً كفقير استغنى وابن سبيل وصل لماله،
وسكت عن المؤلفة قلوبهم لسقوطهم :
ثم قال: وفي اليدائج: إنما جاز دفع الزكاة إلى المكاتب لأنه تمليك، وهو ظاهر في
أن الملك يقع للمكاتب، فبقية الأربعة بالطريق الأولى، لكن بقي هل لهم على هذا الصرف
إلى غير الجهة؟ اهـ. قال الخير الرملي: والذي يقتضيه نظر الفقيه الجواز اهـ. قلت: وبه
جزم العلامة المقدسي في شرح نظم الكنز.
فرع: ذكر الزيلعي في كتاب المكاتب عند قوله: ولو اشترى أباه أو ابنه فكاتب عليه أن
للمكاتب کسباً وليس له ملك حقيقة لوجود ما ينافيه وهو الرق، ولهذا لو اشترى زوجته لا
یفسد نكاحه، ويجوز دفع الزكاة إليه ولو وجد كنزاً اهـ. كذا في شرح الكنز للعلامة ابن
الشلبي شيخ صاحب البحر.
قلت: وهو صريح في جواز دفع الزكاة إليه وإن ملك نصاباً زائداً على بدل الكتابة،
وسنذكر عن القهستاني ما يفيده. قوله: (لغير هاشمي) لأنه إذا لم يجز دفعها لمعتق الهاشمي
الذي صار حرّاً يداً ورقبة، فمكاتبه الذي بقي مملوكاً له رقبة بالأولى. وفي البحر عن
المحيط: وقد قالوا: إنه لا يجوز لمكاتب هاشمي لأن الملك يقع للمولى من وجه والشبهة
ملحقة بالحقيقة في حقهم اهـ: أي إن المكاتب وإن صار حرّاً يداً حتى يملك ما يدفع إليه
لكنه مملوك رقبة ففيه شبهة وقوع الملك لمولاه الهاشمي، والشبهة معتبرة في حقه لكرامته،
بخلاف الغني كما مر في العامل، فلذا قيد بقوله في حقهم: أي حق بني هاشم. وأنت خبير
بأن ما ذكر من التعليل مسوق في كلام البحر لعدم الجواز لمكاتب الهاشمي لا لمنع تصرف
المكاتب في المسألة التي توقف في حكمها أو لا، بل لا يفيد التعليل المذكور ذلك أصلاً،
فافهم. قوله: (حل لمولاء) لأنه انتقل إليه بملك حادث بعد ما ملكه المكاتب لأنه حر يداً،
وتبدل الملك بمنزلة تبدل العين، وفي الحديث الصحيح ((هو لها صدقة ولنا هدية)). قوله:
(كفقير استغنى) أي وفضل معه شيء مما أخذه حالة الفقر، لأن المعتبر في كونه مصرفاً هو
وقت الدفع، وكذا يقال في ابن السبيل. قوله: (وسكت عن المؤلفة قلوبهم) كانوا ثلاثة
أقسام: قسم كفار كان عليه الصلاة والسلام يعطيهم ليتألفهم على الإسلام. وقسم كان
يعطيهم ليدفع شرّهم. وقسم أسلموا وفيهم ضعف في الإسلام، فكان يتألفهم ليثبتوا،
وكان ذلك حكماً مشروعاً ثابتاً بالنص، فلا حاجة إلى الجواب عما يقال: كيف يجوز صرفها
إلى الكفار بأنه كان من جهاد الفقراء (١) في ذلك الوقت أو من الجهاد، لأنه تارة بالسنان
وتارة بالإحسان. أفاده في الفتح. قوله: (لسقوطهم) أي في خلافة الصديق لما منعهم عمر
(١) في ط (قوله من جهاد الفقراء الخ) فيه أنه عليه الصلاة والسلام كان معظم إعطائه لأغنيائهم ليتبعوا، فلا يصلح أن
يكون هذا جواباً على تسليم ورود السؤال، فالأحسن في الجواب ما عطفه عليه بقوله ((أو كان من الجهاد الخ).

٢٨٨
كتاب الزكاة / باب المصرف
إما بزوال العلة، أو نسخ بقوله: ﴿ لمعاذ في آخر الأمر: ((خذها من أغنيائهم وردها في
رضي الله تعالى عنهما وانعقد عليه إجماع الصحابة، نعم على القول بأنه لا إجماع إلا عن
مستند يجب علمهم بدلیل أفاد نسخ ذلك قبل وفاته ولاير أو تقييد الحكم بحياته أو كونه حكماً
مغیاً بانتهاء علته وقد اتفق انتهاؤها بعد وفاته. وتمامه في الفتح، لكن لا يجب علمنا نحن
بدليل الإجماع كما هو مقرر في محله. قوله: (إما بزوال العلة) هي إعزاز الدين، فهو من قبيل
انتهاء الحكم لانتهاء علته الغائية التي كان لأجلها الدفع، فإن الدفع كان للإعزاز، وقد أعزّ
الله الإسلام وأغنى عنهم. بحر. لكن مجرد التعلیل بکونه معللاً بعلة انتهت لا يصلح دليلاً
على نفي الحكم المعلل، لأن الحكم لا يحتاج في بقائه إلى بقاء علته (١)، لاستغنائه في
البقاء عنها لما علم في الرقّ والاضطباع والرمل، فلا بد من دليل يدل على أن هذا الحكم مما
شرع مقيداً بقاؤه ببقائها، لكن لا يلزمنا تعيينه في محل الإجماع فنحكم بثبوت الدليل وإن لم
يظهر لنا، على أن الآية التي ذكرها عمر تصلح لذلك، وهي قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الحقُّ مِنْ
رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] وتمامه في الفتح. قوله: (أو نسخ
بقوله {4* الخ) أي هو مستند الإجماع، فالنسخ في حياته ◌َالتر بالحديث المذكور الذي سمعه
أهل الإجماع من النبي *، فكان قطعياً بالنسبة إليهم، فيصح نسخه للكتاب. وجعل في
البحر مستند الإجماع الآية التي ذكرها عمر رضي الله تعالى عنه، وإنما لم يجعل الإجماع
ناسخاً لأنه خلاف الصحيح، لأن النسخ لا يكون إلا في حياته وَّر، والإجماع لا يكون إلا
بعده كما أوضحه المصنف في المنح. قوله: (وردها في فقرائهم) في نسخة ((على فقرائهم))
ولفظ الحديث على ما في الفتح من رواية أصحاب الكتب الستة ((إنَّكَ سَتَأْتِي قَوْماً أَهْلَ
كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةٍ أَنْ لَا إِلَّهَ إِلَّ الله وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هِمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ
أَنَّ اللّه أَقْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خمسَ صَلَواتٍ فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيْلَة، فَإِنْ هِمْ اطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ
الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فِتُرُدُّ عَلى نُقَرائِهِمْ الخ))(٢) اهـ. وأما باللفظ الذي
ذكره الشارح تبعاً للهداية ففي حاشية نوح عن الحافظ بن حجر أنه لم يره في شيء من
المسانيد اهـ. وضمير فقرائهم للمسلمين، فلا تدفع إلى من كان من المؤلفة كافراً أو غنياً،
وتدفع إلى من كان منهم مسلماً فقيراً بوصف الفقر لا لكونه من المؤلفة، فالنسخ
(١) في ط (قوله إلى بقاء علته الخ) فإن علته الكفر لأنه: أي الرق جزاء من استنكافهم، وعدم انقيادهم الله تعالى وجعلهم
أرقاء لعبيده، ولا ينتفي الرق بانتفاء العلة، لأن العلة يشترط وجودها في الابتداء دون البقاء كذا في التلويح ببعض
تغيير. وعلة الاضطباع والرمل هي: ((أن المشركين لما قالوا عن المسلمين قتلتهم حمى يثرب، أمر النبي الفول
المسلمين بالاضطباع والرمل وإظهار القوة للرد على المشركين في زعمهم، والآن قد زالت هذه العلة ولم يزالا
مشروعين.
(٢) أخرجه البخاري ٣٥٧/٣ (١٤٩٦) ومسلم ٥٠/١ (١٩.٢٩) وأبو داود (١٥٨٤) والترمذي (٦٢٥) والنسائي ٢/٥
وابن ماجه (١٧٨٣) وأحمد في المسند ٢٣٣/١ والبيهقي ٨/٧.

٢٨٩
كتاب الزكاة / باب المصرف
فقرائهم)) (ومديون لا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه) وفي الظهيرية: الدفع للمديون أولى
منه للفقير (وفي سبيل الله وهو منقطع الغزاة) وقيل الحاج، وقيل طلبة العلم، وفسره في
البدائع بجميع القرب وثمرة الاختلاف في نحو الأ وقاف
للعموم(١)، أو لخصوص الجهة. تأمل. قوله: (ومديون) هو المراد بالغارم في الآية. وذكر
في الفتح ما يقتضي أنه يطلق على ربّ الدين أيضاً فإنه قال: والغارم من لزمه دین أو له دین
على الناس لا يقدر على أخذه وليس عنده نصاب، وفيه نظر لما قال القتبي: الغارم من عليه
الدين ولا يجد وفاء. وأما ما في الصحاح من أن الغريم قد يطلق على ربّ الدین فليس مما
الكلام فيه، لأن الكلام في الغارم الأخص لا في الغريم. وأما ما زاده في الفتح فإنما جاز
الدفع إليه لأنه فقير يداً كابن السبيل كما علل به في المحيط لا لأنه غارم. وأما قول
الزيلعي: والغارم من لزمه دین، ولا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه أو کان له مال على الناس
ولا يمكنه أخذه اهـ. فليس فيه إطلاق الغارم على ربّ الدين كما لا يخفى، لأن قوله ((أو كان
له مال)» معطوف على قوله ((ولا يملك نصاباً)» فافهم، وکلام النهر هنا غير محرر فتدبر. قوله:
(لا يملك نصاباً) قيد به لأن الفقر شرط في الأصناف كلها، إلا العامل وابن السبيل إذا كان
له في وطنه مال بمنزلة الفقير. بحر. ونقل ط عن الحموي أنه يشترط أن لا يكون هاشمياً.
قوله: (أولى منه للفقير) أي أولى من الدفع للفقير الغير المديون لزيادة احتياجه. قوله:
(وهو منقطع الغزاة) أي الذين عجزوا عن اللحوق بجيش الإسلام لفقرهم بهلاك النفقة أو
الدابة أو غيرهما فتحل لهم الصدقة وإن كانوا كاسبين، إذ الكسب يقعدهم عن الجهاد.
قهستاني. قوله: (وقيل الحاج) أي منقطع الحاج. قال في المغرب: الحاج بمعنى
الحجاج كالسامر بمعنى السمار في قوله تعالى: ﴿سَامِراً تهجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] وهذا
قول محمد، والأول قول أبي يوسف اختاره المصنف تبعاً للكنز. قال في النهر: وفي غاية
البيان إنه الأظهر، وفي الإسبيجابي أنه الصحيح. قوله: (وقيل طلبة العلم) كذا في الظهيرية
والمرغيناني، واستبعده السروجي بأن الآية نزلت وليس هناك قوم يقال لهم طلبة علم. قال
في الشرنبلالية: واستبعاده بعيد لأن طلب العلم ليس إلا استفادة الأحكام، وهل يبلغ طالب
رتبة من لازم صحبة النبي وَليه لتلقي الأحكام عنه كأصحاب الصفة؟ فالتفسير بطالب العلم
وجیه خصوصاً وقد قال في البدائع: في سبيل الله جميع القرب، فيدخل فيه كل من سعى في
طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجاً اهـ. قوله: (وثمرة الاختلاف الخ) يشير إلى أن هذا
(١) في ط (قوله فالنسخ للعموم) أي لعموم المؤلفة قلوبهم، فإنه شامل للأغنياء والفقراء، كفاراً كانوا أو مسلمين،
فقوله *. فترد على فقرائهم قد نسخ هذا العموم، وقوله ((أو لخصوص الجهة)) أي جهة التأليف: أي هذا الحديث
المتقدم نسخ كون جهة التأليف مجوزة للصرف إلى من اتصف بها والصرف إلى الفقير المسلم ممن اتصف بها ليس
لكونه متصفاً بها بل لكونه فقيراً مسلماً.

٢٩٠
كتاب الزكاة / باب المصرف
(وابن السبيل، وهو) كل (من له مال لا معه) ومنه ما لو كان ماله مؤجلاً أو على غائب أو
معسر أو جاحد
الاختلاف إنما هو في تفسير المراد بالآية لا في الحكم، ولذا قال في النهر: والخلف لفظي
للاتفاق على أن الأصناف كلهم سوى العامل يعطون بشرط الفقر، فمنقطع الحاج: أي وكذا
من ذكر بعده يعطي اتفاقاً، وعن هذا قال في السراج وغيره: فائدة الخلاف تظهر في
الوصية: يعني ونحوها كالأ وقاف والنذور على ما مر اهـ: أي تظهر فيما لو قال الموصي
ونحوه: في سبيل الله.
وفي البحر عن النهاية، فإن قلت: منقطع الغزاة أو الحج إن لم یکن في وطنه مال فهو
فقير، وإلا فهو ابن السبيل، فكيف تكون الأقسام سبعة؟
قلت: هو فقير إلا أنه زاد عليه بالانقطاع في عبادة الله تعالى فكان مغايراً للفقير
المطلق الخالي عن هذا القيد. قوله: (وابن السبيل) هو المسافر، سمي به للزومه الطريق.
زيلعي. قوله: (من له مال لا معه) أي سواء كان هو في غير وطنه أو في وطنه وله ديون لا
يقدر على أخذها كما في النهر عن النقاية، لكن الزيلعي جعل الثاني ملحقاً به حيث قال:
وألحق به كل من هو غائب عن ماله وإن كان في بلده، لأن الحاجة هي المعتبرة وقد
وجدت، لأنه فقير يداً وإن كان غنياً ظاهراً اهـ. وتبعه في الدرر والفتح وهو ظاهر كلام
الشارح. وقال في الفتح أيضاً: ولا يحل له: أي لابن السبيل أن يأخذ أكثر من حاجته،
والأولى له أن يستقرض إن قدر، ولا يلزمه ذلك لجواز عجزه عن الأداء، ولا يلزمه التصدق
بما فضل في يده عند قدرته على ماله، كالفقير إذا استغنى والمكاتب إذا عجز. وعندها من
مال الزكاة لا يلزمهما التصدق اهـ.
قلت: وهذا بخلاف الفقیر، فإنه يحل له أن يأخذ أكثر من حاجته، وبهذا فارق ابن
السبيل كما أفاده في الذخيرة. قوله: (ومنه ما لو كان ماله مؤجلاً) أي إذا احتاج إلى النفقة
يجوز له أخذ الزكاة قبر كفايته إلى حلول الأجل. نهر عن الخانية. قوله: (أو على غائب)
أي ولو كان حالاً لعدم تمكنه من أخذه ط. قوله: (أو معسر) فيجوز له الأخذ في أصح
الأقاويل لأنه بمنزلة ابن السبيل، ولو موسراً معترفاً لا يجوز كما في الخانية، وفي الفتح:
دفع إلى فقيرة لها مهر دين على زوجها يبلغ نصاباً وهو موسر بحيث لو طلبت أعطاها: لا
يجوز، وإن كان لا يعطي لو طلبت جاز. قال في البحر: المراد من المهر ما تعورف تعجيله،
وإلا فهو دين مؤجل لا يمنع، وهذا مقيد لعموم ما في الخانية ويكون عدم إعطائه بمنزلة
إعساره، ويفرق بينه وبين سائر الديون بأن رفع الزوج للقاضي مما لا ينبغي للمرأة، بخلاف
غيره، لكن في البزازية: إن موسراً والمعجل قدر النصاب لا يجوز عندهما، وبه يفتى

٢٩١
كتاب الزكاة / باب المصرف
ولو له بينة في الأصح (يصرف) المزكي (إلى كلهم أو إلى بعضهم) ولو واحداً من أيّ
صنف كان، لأن أل الجنسية تبطل الجمعية، وشرط الشافعي ثلاثة من كل صنف.
ويشترط أن يكون الصرف (تمليكاً) لا إباحة كما مر (لا) يصرف (إلى بناء) نحو
(مسجدو) لا إلى (كفن ميت وقضاء دينه) أما دين الحيّ الفقير
احتياطاً. وعند الإمام: يجوز مطلقاً اهـ. قال في السراج: والخلاف مبني على أن المهر في
الذمة لیس بنصاب عنده، وعندهما نصاب اهـ نهر.
قلت: ولعل وجه الأول كون دين المهر ديناً ضعيفاً، لأنه ليس بدل مال.، ولهذا لا
تجب زكاته حتى يقبض ويحول عليه حول جديد، فهو قبل القبض لم ينعقد نصاباً في حق
الوجوب، فكذا في حق جواز الأخذ، لكن يلزم من هذا عدم الفرق بين معجله ومؤجله،
فتأمل. قوله: (ولو له بينة في الأصح) نقل في النهر عن الخانية أنه لو كان جاحداً وللدائن
بينة عادلة لا يحل له أخذ الزكاة، وكذا إن لم تكن البينة عادلة ما لم يحلفه القاضي؛ ثم قال:
ولم يجعل في الأصل الدين المجحود نصاباً، ولم يفصل بين ما إذا كان له بينة عادلة أو لا.
قال السرخسي: والصحيح جواب الكتاب: أي الأصل إذ ليس كل قاض يعدل، ولا كل بينة
تقبل، والجثوّ بين يدي القاضي ذل، وكل أحد لا يختار ذلك، وينبغي أن يعول على هذا كما
في عقد الفرائد اهـ.
قلت: وقدمنا أول الزكاة اختلاف التصحيح فيه، ومال الرحمتي إلى هذا وقال: بل في
زماننا يقرّ المديون بالدين وبملاءته، ولا يقدر الدائن على تخليصه منه فهو بمنزلة العدم.
قوله: (لأن أل الجنسية) أي الدالة على الجنس: أي الحقيقة. قال ح: وهذا تعليل لجواز
الاقتصار على فرد من كل صنف من الأصناف السبعة؛ وأما جواز الاقتصار على بعض
الأصناف فعلته أن المراد بالآية بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا تعيين الدفع لهم.
بحر اهـ ط. وبيان الاستدلال على ذلك مبسوط في الفتح وغيره. قوله: (تمليكاً) فلا يكفي
فيها الإطعام إلا بطريق التمليك، ولو أطعمه عنده ناوياً الزكاة لا تكفي ط. وفي التمليك
إشارة إلى أنه لا يصرف إلى مجنون وصبيّ غير مراهق، إلا إذا قبض لهما من يجوز له قبضه
كالأب والوصيّ وغيرهما، ويصرف إلى مراهق يعقل الأخذ كما في المحيط. قهستاني.
وتقدم تمام الكلام على ذلك أو الزكاة. قوله: (كما مر) أي في أول كتاب الزكاة ط. قوله:
(نحو مسجد) كبناء القناطر والسقايات وإصلاح الطرقات وكرى الأنهار والحج والجهاد وكل
ما لا تمليك فيه. زيلعي. قوله: (قوله ولا إلى كفن ميت) لعدم صحة التمليك منه؛ ألا ترى
أنه لو افترسه سبع كان الكفن للمتبرع لا للورثة. نهر. قوله: (وقضاء دينه) لأن قضاء دين
الحيّ لا يقتضي التمليك من الديون، بدليل أنهما لو تصادقا: أي الدائن والمديون على أن

٢٩٢
كتاب الزكاة / باب المصرف
فيجوز لو بأمره، ولو أذن فمات فإطلاق الكتاب يفيد عدم الجواز وهو الوجه. نهر (و)
لا إلى (ثمن ما) أي قنّ
لا دين عليه يسترده الدافع، وليس للمديون أن يأخذه. زيلعي: أي وقضاء دين الميت
بالأولى، وإنما يسترد الدافع ما دفعه في مسألة التصادق، لأنه ظهر به أن لا دين للدائن فقد
قبض ما لا حق له به لأنه قبضه عن ذمة مديونه، وقوله: وليس للمديون أن يأخذه: أي لأنه
لم يملكه أيضاً، وقيده في البحر بما إذا كان الدفع بغير أمر المديون، فلو بأمره فهو تمليك
من المديون فيرجع عليه لا على الدائن اهـ: أي لأن من قضى دين غيره بأمره له أن يرجع
عليه بلا شرط الرجوع في الصحيح فيكون تمليكاً من المديون على سبيل القرض، ثم هذا
إذا لم ينو بالدفع الزكاة على المديون، وإلا فلا رجوع له على أحد كما نذكر قريباً، فافهم.
قوله: (فيجوز لو بأمره) أي يجوز عن الزكاة على أنه تمليك منه والدائن يقبضه لحكم النيابة
عنه ثم يصير قابضاً لنفسه. فتح. قوله: (فإطلاق الكتاب) يعني الهداية أو القدوري حيث
أطلقا دين الميت عن التقييد بالأمر، وأصل البحث لابن الهمام في شرح الهداية حيث قال:
وفي الغاية عن المحيط والمفيد لو قضى بها دين حيّ أو ميت بأمره جاز، وظاهر الخانية
يوافقه، لكن ظاهر إطلاق الكتاب يفيد عدم الجواز في الميت مطلقاً، وهو ظاهر الخلاصة
أيضاً حيث قال: لو قضى دين حي أو ميت بغير إذن الحيّ لا يجوز فقيد الحي وأطلق
المیت اهـ. قوله: (وهو الوجه) لأنه لا بد من كونه تملیکاً، وهو لا يقع عند أمره بل عند
أداء المأمور وقبض النائب، وحينئذ لم يكن المديون أهلاً للتملك لموته، وعلى هذا
فإطلاق مسألة التصادق السابقة محمول على ما إذا كان الوفاء بغير أمر المديون، أما لو كان
بأمره فينبغي أن يرجع على المديون(١)، إذ غاية الأمر أنه ملّك فقيراً على ظن أنه مديون
وظهور عدمه لا يؤثر عدم التمليك بعد وقوعه لله تعالى، كذا في النهر وهو ملخص من كلام
الفتح، لكن قوله: فينبغي أن يرجع على المديون ليس في عبارة الفتح، وهو سبق قلم لأن
هذا فيما إذا لم ينو بالدفع الزكاة كما قدمناه، والكلام الآن فيما إذا نواها بدليل التعلیل،
وحينئذ لا رجوع له على أحد لوقوعه زكاة، نعم ينبغي أن يرجع به المديون على دائنه لأن
الدائن قبضه نيابة عنه ثم لنفسه، وقد تبين بالتصادق عدم صحة قبضه لنفسه فبقي على ملك
المديون، ثم رأيت العلامة المقدسي اعترض ما بحثه في الفتح بأن الدفع وقع نيابة عن
المديون لوفاء دينه وإذا لم يكن دين لم يعتبر ذلك التوكيل الضمني في القبض لأنه ثبت
ضرورة للدين، ولا دين فلا قبض فلا ملك للفقير اهـ.
قلت: وفيه نظر لأن أمره بالدفع إلى دائنه لم يبطل بظهور عدم الدين كما لو أمره
(١) في ط (قوله أن يرجع على المديون الخ) قال شيخنا: الذي رأيته في عدة نسخ من النهر ((فينبغي أن يرجع المديون))
بإسقاط ((على) وحينئذ فلا كلام.

٢٩٣
كتاب الزكاة / باب المصرف
(یعتق) لعدم التمليك وهو الرکن.
وقدمنا أن الحيلة أن يتصدق على الفقير ثم يأمره بفعل هذه الأشياء، وهل له أن
بالدفع إلى أجنبي فيكون وكيلاً بالقبض قصداً لا ضمناً. تأمل. قوله: (يعتق) أي يعتقه الذي
اشتراه بزكاة ماله، أو يعتق عليه بأن اشترى بها أباه مثلاً. قوله: (لعدم التمليك) علة
للجميع. قوله: (وهو الرکن) أي رکن الزكاة بالمعنى المصدري لأنها كما مر تمليك المال
من فقير مسلم الخ، وتسميته ركناً تبعاً للهداية وغيرها ظاهر، بخلاف ما في الدرر من
تسميته شرطاً. قوله: (وقدمنا) أي قبيل قوله ((وافتراضها عمري)). قوله: (إن الحيلة) أي في
الدفع إلى هذه الأشياء مع صحة الزكاة. قوله: (ثم يأمره الخ) ويكون له ثواب الزكاة وللفقير
ثواب هذه القرب. بحر. وفي التعبير بثم إشارة إلى أنه لو أمره أولا: لا يجزي، لأنه يكون
وكيلاً عنه في ذلك، وفيه نظر لأن المعتبر نية الدافع ولذا جازت وإن سماها قرضاً أو هبة في
الأصح كما قدمناه، فافهم. قوله: (والظاهر نعم) البحث لصاحب النهر، وقال: لأنه
مقتضى صحة التمليك. قال الرحمتي: والظاهر أنه لا شبهة فيه لأنه ملكه إياه عن زكاة ماله
وشرط عليه شرطاً فاسداً، والهبة والصدقة لا يفسدان بالشرط الفاسد. قوله: (وإلى من.
بينهما ولاد) (١) أي بينه وبين المدفوع إليه، لأن منافع الأملاك بينهم متصلة فلا يتحقق
التمليك على الكمال. هداية. والولاد بالكسر مصدر ولدت المرأة ولادة وولاداً. مغرب:
أي أصله وإن علا كأبويه وأجداده وجداته من قبلهما وفرعه وإن سفل بفتح الفاء من باب
طلب، والضم خطأ لأنه من السفالة وهي الخساسة. مغرب. كأولاد الأولاد، وشمل الولاد
بالنكاح والسفاح فلا يدفع إلى ولده من الزنا ولا إلى من نفاه كما سيأتي، وكذا كل صدقة
واجبة كالفطرة والنذر والكفارات؛ أما التطوّع فيجوز، بل هو أولى كما في البدائع، وكذا
يجوز خمس المعادن لأن له حبسه لنفسه إذا لم تغنه الأربعة الأخماس كما في البحر عن
الإسبيجابي، وقيد بالولاد لجوازه لبقية الأقارب كالإخوة والأعمام والأخوال الفقراء، بل
هم أولى لأنه صلة وصدقة. وفي الظهيرية: ويبدأ في الصدقات بالأقارب، ثم الموالي ثم
الجيران، ولو دفع زكاته إلى من نفقته واجبة عليه من الأقارب جاز إذا لم يحسبها من النفقة.
بحر. وقدمناه موضحاً أول الزكاة. ويجوز دفعها لزوجة أبيه وابنه وزوج ابنته. تاتر خانية.
وفي القنية: اختلف في المريض إذا دفع زكاته إلى أخيه وهو وارثه: قيل يصح،
وقیل لا، کمن أوصی بالحج ليس للوصيّ أن يدفعه إلی قریب الميت لأنه وصية، وقیل
للورثة الردّ باعتبارها اهـ. وظاهر كلامهم يشهد للأول. نهر. وكذا استظهره في البحر.
قلت: ويظهر لي الأخير، وهو أنه يقع زكاة فيما بينه وبين الله تعالى، وللورثة إن
(١) في ط (قوله وإلى من بينهما الخ) هكذا بخطه، ولعله سقط من قلمه كلمة ((لا)).

٢٩٤
كتاب الزكاة / باب المصرف
يخالف أمره؟ لم أره، والظاهر: نعم (و) لا إلى (من بينهما ولاد) ولو مملوكاً لفقير (أو)
بينهما (زوجية) ولو مبانة، وقالا: تدفع هي لزوجها (و) لا إلى (مملوك المزكي) ولو
مكاتباً أو مدبراً (و) لا إلى (عبد أعتق المزكي بعضه) سواء كان كله له أو بينه وبين ابنه
فأعتق الأب حظه معسراً لا يدفع له،
علموا به الرد باعتبار أنها في حكم الوصية للوارث، ویشهد له ما قدمناه قبیل باب زكاة المال
عن المختارات وغيرها من أنها لو زادت على الثلث وأراد أن يؤديها في مرضه يؤديها سرّاً من
الورثة، وقدمنا أن ظاهر قولهم سرّاً أن الورثة لو علموا بذلك لهم أخذ ما زاد على الثلث.
وقد يفرق بين المسألتين بأن المريض هناك مضطر إلى أداء الزائد على الثلث للخروج عن
عهدتها، بخلاف أدائه إلى وارثه. تأمل.
فرع: يكره أن يحتال في صرف الزكاة إلى والديه المعسرين بأن تصدق بها على فقير
ثم صرفها الفقير إليهما كما في القنية. قال في شرح الوهبانية: وهي شهيرة مذكورة في
غالب الكتب. قوله: (ولو مملوكاً لفقير) قد راجعت كثيراً فلم أر من ذكر ذلك، وهو
مشكل، فإن الملك يقع للمولى الفقير، ثم رأيت الرحمتي قال: حكاه الشلبي في حاشية
التبيين بقيل فقال: وقيل في الولد الرقيق والزوجة كذلك اهـ: أي لا تدفع لهم الزكاة اهـ.
ثم رأيت عبارة الشلبي بعينها في المعراج ومقتضى التعبير بقيل ضعفه لما قلنا، والله أعلم.
قوله: (ولو مبانة) أي في العدة ولو بثلاث. نهر عن معراج الدراية. قوله: (ولا إلى مملوك
المزكي) وكذا مملوك من بينه وبينه قرابة ولاد أو زوجية لما قال في البحر والفتح: إن الدفع
لمكاتب الولد غير جائز كالدفع لابنه. شرنبلالية. قوله: (ولو مكاتباً أو مدبراً) لعدم التمليك
في العبد والمدبر، ولأن له في كسب مكاتبه حقاً. زيلعي. واعترض الشرنبلالي جعله
المملوك شاملاً للمكاتب بأنهم صرحوا بأنه لو قال: كل مملوك لي حرّ لا يتناول المكاتب،
لأنه ليس بمملوك مطلقاً لأنه مالك يداً.
قلت: وقد يجاب بأنه لم يتناوله هناك لشبهة انصراف المطلق إلى الكامل فلم يعتق،
لأن الشبهة تصلح للدفع لا للإثبات، ولا مقتضى هنا لمراعاة هذه الشبهة. قوله: (أعتق
المزكي بعضه) اعلم أن حكم معتق البعض عند الإمام أن العبد إن کان کله للمعتق عتق بقدر
ما أعتق، وله استسعاؤه في قيمة الباقي أو تحريره وإن كان مشتركاً؛ فإن كان المعتق موسراً
فلشريكه استسعاء العبد في قيمة حصته أو تضمين المعتق، ويرجع بما ضمن على العبد أو
یعتق باقیه، وإن کان معسراً استسعى العبد لا غير. وعندهما إن أعتق بعض عبده عتق كله ولا
يسعى، وإن أعتق بعض المشترك فليس للآخر إلا الضمان مع اليسار والسعاية مع الإعسار
ولا يرجع المعتق على العبد، وسيأتي تمام الأحكام في بابه. قوله: (معسراً) حال من الأب
ولیس بقيد احترازي. قوله: (لا يدفع له) ذكره ليعلل له، وإلا فيغني عنه قول المصنف (ولا

٢٩٥
كتاب الزكاة / باب المصرف
لأنه مكاتبه أو مكاتب ابنه؛ وأما المشترك بينه وبين أجنبي فحكمه علم مما مر، لأنه إما
مكاتب نفسه أو غيره. وقالا: يجوز مطلقاً لأنه حر كله أو حرّ مديون، فافهم (و) لا إلى
(غني) يملك قدر نصاب
إلى عبده» ط. قوله: (لأنه مکاتبه أو مكاتب ابنه) لأنه علی تقدیر أن یکون کله له أو يكون
بينه وبين ابنه وكان موسراً، واختار الابن تضمينه ورجع الأب على العبد بما ضمن فهو
مکاتبه، وإن کان معسراً أو کان موسراً واختار الابن الاستسعاء فهو مكاتب ابنه، ومكاتب
الابن لا يجوز دفع الزكاة إليه كما لا يجوز دفعها إلى الابن، فافهم. وبما قررنا ظهر أن قوله
((معسراً) ليس بقيد احترازي كما قلنا، ولعل فائدته رجوع شقى التعليل إلى المسألتين على
سبيل اللفّ والنشر المرتب، ثم إنه سماه مكاتباً لأنه يشبهه في السعاية وإن خالفه من بعض
الأوجه كعدم الرد إلى الرق. قوله: (وأما المشترك الخ) قال في البحر: ولو كان بين اثنين
أجنبيين فأعتق أحدهما حصته وهو معسر واختار الساكت الاستسعاء فللمعتق الدفع لأنه
مکاتب لشریکه، ولیس للساكت الدفع لأنه مکاتبه، وإن كان المعتق موسراً واختار الساكت
تضمينه فالساكت الدفع إلى العبد لأنه أجنبيّ عنه، وليس للمعتق الدفع إذا اختار بعد تضمينه
استسعاءه اهـ. قوله: (لأنه إما مكاتب نفسه) أي فيما إذا كان المزكي هو الساكت المستسعى
وكان المعتق معسراً، أو كان المزكي هو المعتق الموسر واستسعى العبد بعد أن ضمنه
الساكت، وقوله ((أو غيره)) أي فيما إذا كان المزكي هو المعتق في الصورة الأولى أو الساكت
في الثانية، كما علم مما ذكرناه آنفاً عن البحر؛ ففي المسألتين الأوليين لا يجوز الدفع إليه لأنه
مكاتب نفسه كما علم من قوله ((ولا إلى مملوك المزكي ولو مكاتباً) وفي الأخيرتين يجوز لأنه
مكاتب غيره كما علم من قول المتن سابقاً ((ومكاتب)) فقوله ((لأنه)) الخ تعليل لقوله ((فحكمه
علم مما مر)) وهو ظاهر، فافهم.
قال في النهر: فإن قلت: كيف يتصور دفع الزكاة من المعسر؟ قلت: يتصور بأن
يكون زكاة مال مستهلك قبل الإعتاق ويكون وقت الإعتاق فقيراً. قوله: (مطلقاً) أي سواء
كان المعتق موسراً أو معسراً والعبد كله له أو مشترك بينه وبين ابنه أو أجنبي. قوله: (لأنه
حر كله) أي غير مديون، وهو فيما إذا كان كل العبد للمعتق أو بعضه وهو موسر وضمنه
الساكت. قوله: (أو حر مديون) أي فيما إذا كان المعتق معسراً فإن العبد يسعى للساكت وهو
حرّ. قوله: (فافهم) أشار به إلى أنه حرر المراد على وجه لا يرد عليه ما أورده في الدرر
على عبارة الهداية وإن تكلف شراحها إلى تأويلها كما يعلم بمراجعة ذلك. قوله: (ولا إلى
غني) استثنى منه القهستاني المكاتب وابن السبيل والعامل، ومقتضاه جواز الدفع إلى
المكاتب وإن حصل نصاباً زائداً على بدل الكتابة، وقدمنا نحوه عن شرح ابن الشلبي، وأما
دفعها إلى السلطان فتقدم الكلام عليه أول الزكاة، وكذا لو جمع رجل لفقير زكاة من جماعة.

٢٩٦
كتاب الزكاة / باب المصرف
فارغ عن حاجته الأصلية من أيّ مال کان، کمن له نصاب سائمة لا تساوي مائتي درهم
كما جزم به في البحر والنهر. وأقره المصنف قائلاً: وبه یظهر ضعف
قوله: (فارغ عن حاجته) قال في البدائع: قدر الحاجة هو ما ذكره الكرخي في مختصره
فقال: لا بأس أن یعطی من الزكاة من له مسکن، وما یتأثث به في منزله وخادم وفرس
وسلاح وثياب البدن وكتب العلم إن كان من أهله، فإن كان له فضل عن ذلك تبلغ قيمته
مائتي درهم حرم عليه أخذ الصدقة، لما روي عن الحسن البصري قال: كانوا: يعني
الصحابة يعطون من الزكاة لمن يملك عشرة آلاف درهم من السلاح والفرس والدار
والخدم، وهذا لأن هذه الأشياء من الحوائج اللازمة التي لا بد للإنسان منها. وذكر في
الفتاوى فيمن له حوانيت ودور للغلة لكن غلتها لا تكفیه وعياله أنه فقير ويحل له أخذ
الصدقة عند محمد؛ وعند أبي يوسف: لا يحل، وکذا لو له کرم لا تکفیه غلته، ولو عنده
طعام للقوت يساوي مائتي درهم، فإن كان كفاية شهر يحل أو كفاية سنة قيل لا يحل، وقيل
يحل لأنه مستحق الصرف إلى الكفاية فيلحق بالعدم، وقد ادخر عليه الصلاة والسلام لنسائه
قوت سنة، ولوله كسوة الشتاء وهو لا يحتاج إليها في الصيف يحل، ذكر هذه الجملة في
الفتاوى اهـ. وظاهر تعليله للقول الثاني في مسألة الطعام اعتماده. وفي التاتر خانية عن
التهذیب أنه الصحیح، وفيها عن الصغری له دار یسکنها لكن تزید علی حاجته بأن لا يسكن
الكل يحل له أخذ الصدقة في الصحيح، وفيها سئل محمد عمن له أرض يزرعها أو حانوت
يستغلها أو دار غلتها ثلاثة آلاف ولا تكفي لنفقته ونفقة عياله سنة؟ يحل له أخذ الزكاة وإن
كانت قيمتها تبلغ ألوفاً، وعليه الفتوى، وعندهما لا يحل اهـ ملخصاً.
مَطْلَبٌ: فِي جَهَازِ المَرْأَةِ هَلْ تَصِيرُ بِهِ غَنِيَّةً؟
قلت: وسئلت عن المرأة هل تصير غنية بالجهاز الذي تزف به إلى بيت زوجها؟
والذي يظهر مما مر أن ما كان من أثاث المنزل وثياب البدن وأواني الاستعمال مما لا بد
لأمثالها منه فهو من الحاجة الأصلية، وما زاد على ذلك من الحليّ والأواني والأمتعة التي
يقصد بها الزينة إذا بلغ نصاباً تصير به غنية، ثم رأيت في التاترخانية في باب صدقة الفطر:
سئل الحسن بن عليّ عمن لها جواهر ولآلي تلبسها في الأعياد وتتزين بها للزوج وليست
للتجارة، هل عليها صدقة الفطر؟ قال: نعم إذا بلغت نصاباً. وسئل عنها عمر الحافظ فقال:
لا يجب عليها شيء اهـ.
مَطْلَبْ: فِي الحَوَائِجِ الأَضْلِيَّةِ
وحاصله ثبوت الخلاف من أن الحليّ غير النقدين من الحوائج الأصلية، والله تعالى
أعلم. قوله: (كما جزم به في البحر) حيث قال: ودخل تحت النصاب النامي الخمس من
الإبل، فإن ملكها أو نصاباً من السوائم من أيّ مال كان لا يجوز دفع الزكاة له سواء كان

٢٩٧
كتاب الزكاة / باب المصرف
ما في الوهبانية وشرحها من أنه تحل له الزكاة وتلزمه الزكاة اهـ. لكن اعتمد في
الشرنبلالية ما في الوهبانية وحرّر وجزم بأن ما في البحر وهم (و) لا إلى (مملوكه)
يساوي مائتي درهم أو لا، وقد صرح به شراح الهداية عند قوله من أتيّ مال كان اهـ. قوله:
(ما في الوهبانية) أي في آخرها عند ذكر الألغاز. قوله: (لكن اعتمد في الشرنبلالية الخ)
حيث قال: وما وقع في البحر خلاف هذا فهو وهم فليتنبه له، وقد ذكر خلافه في ألغاز
الأشباه والنظائر فقد ناقض نفسه، ولم أر أحداً من شراح الهداية صرح بما ادعاه بل عبارتهم
تفيد خلافه، غير أنه قال في العناية: ولا يجوز دفع الزكاة إلى من ملك نصاباً سواء كان من
النقود أو السوائم أو العروض اهـ. فأوهم ما في البحر وهو مدفوع، لأن قول العناية سواء
كان الخ مفيد تقدير النصاب بالقيمة سواء كان من العروض أو السوائم لما أن العروض ليس
نصابها إلا ما يبلغ قيمته مائتي درهم، وقد صرح بأن المعتبر مقدار النصاب في التبيين وغيره
واستدل له في الكافي بقوله ◌َ﴿ ((مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ فَقَدْ سَأَلَ النَّاسَ إِلْحَافاً، قِيلَ: وَمَا
الَّذِي يُغْنِيهِ؟ قَالَ: مَاتَتَا دِرْهمْ أَوْ عدْلُهَا)) اهـ.
فقد شمل الحديث اعتبار السائمة بالقيمة لإطلاقه، وقد نص على اعتبار قيمة السوائم
في عدة كتب من غير خلاف في الأشباه والسراج والوهبانية وشرحيها والذخائر الأشرفية
وفي الجوهرة. قال المرغيناني: إذا كان له خمس من الإبل قيمتها أقل من مائتي درهم تحل له
الزكاة وتجب عليه، وبهذا ظهر أن المعتبر نصاب النقد من أيّ مال كان، بلغ نصاباً من جنسه
أو لم يبلغ اهـ ما نقله عن المرغيناني اهـ ما في الشرنبلالية ملخصاً. ووفق ط بأنه روي عن
محمد روايتان في النصاب المحرم للزكاة هل المعتبر فيه القيمة أو الوزن؟ ففي المحيط عنه
الأول، وفي الظهيرية عنه الثاني. وتظهر الثمرة فيمن له تسعة عشر ديناراً قيمتها ثلثمائة
درهم مثلاً فيحرم أخذ الزكاة على الأول لا على الثاني. وتظهر الثمرة فيمن له تسعة عشر
ديناراً قيمتها ثلثمائة درهم مثلاً فيحرم أخذ الزكاة على الأول لا على الثاني. والظاهر أن
اعتبار الوزن في الموزون لتأتيه فيه، أما المعدود كالسائمة فيعتبر فيها العدد على الرواية
الثانية، وعليها يحمل ما في البحر، وعلى رواية المحيط من اعتبار القيمة يحمل ما في
الشرنبلالية وغيرها، وبه يندفع التنافي بين كلامهم اهـ.
أقول: وفيه نظر، فإن قوله: أما المعدود كالسائمة فيعتبر فيها العدد وهو مسلّم في
حق وجوب الزكاة، أما في حق حرمة أخذها فهو محل النزاع. فقد يقال: إذا كان اختلاف
الرواية في الموزون يكون المعدود معتبراً بالقيمة بلا اختلاف كما تعتبر القيمة اتفاقاً في
العروض، وقد علمت أن ما ذكره في البحر لم يصرح به شراح الهداية، وإنما صرحوا بما
مر عن العناية، وقد علمت تأويله مع تصريح المرغيناني بما يزيل الشبهة من أصلها، فلم
يحصل التنافي بين كلامهم حتى يقتحم التوفيق البعيد، وإنما حصل التنافي بين ما فهمه في

٢٩٨
كتاب الزكاة / باب المصرف
أي الغني ولو مدبراً، أو زمناً ليس في عيال مولاه، أو كان مولاه غائباً على المذهب،
لأن المانع وقوع الملك لمولاه (غير المكاتب) والمأذون المديون بمحيط فيجوز (و)
لا إلى (طفله) بخلاف ولده الكبير وأبيه وامرأته الفقراء وطفل الغنية فيجوز لانتفاء المانع
البحر وبين ما صرح به غيره، والواجب الرجوع إلى ما صرحوا به حتى يرى تصريح آخر
منهم، بخلافه يحصل به التنافي فحينئذ يطلب منه التوفيق، فافهم. قوله: (أي الغني) احترز
به عن مملوك الفقير فيجوز دفعها إليه كما في منية المفتي ط. قوله: (ولو مدبراً) مثله أم
الولد كما في البحر. قوله: (أو زمناً الخ) أي ولا يجد ما ينفقه كما في الذخيرة. قوله: (على
المذهب) أي حيث أطلق فيه العبد وهذا راجع إلى قوله ((أو زمناً)) قال في الذخيرة: وروى
عن أبي يوسف جواز الدفع إليه اهـ.
قال في الفتح: وفيه نظر، لأنه لا ينتفي وقوع الملك لمولاه بهذا العارض وهو
المانع، وغاية ما فيه وجوب كفايته على السيد وتأثيمه بتركه واستحباب الصدقة النافلة
علیه. وقد يجاب بأنه عند غيبة مولاه الغنيّ وعدم قدرته على الکسب لا ينزل عن حال ابن
السبيل اهـ.
قال في البحر: وقد يقال: إن الملك هنا يقع للمولى وليس بمصرف، وأما ابن
السبيل فمصرف، فالأولى الإطلاق كما هو المذهب اهـ.
قلت: مراد صاحب الفتح إلحاقه بابن السبيل في جواز الدفع إليه، للعجز مع قيام
المانع كما ألحق به من له مال لا يقدر عليه كما مر، فإذا جاز فيه مع تحقق غناه ففي العبد
العاجز من كل وجه أولى، لكن قد ينازع في صحة الإلحاق بأن الزكاة لا بد فيها من
التمليك، والعبد لا يملك، وإن ملك ففي ابن السبيل ونحوه وقع الملك في محل العجز
فجاز الدفع، وفي العبد وقع في غير محل العجز، لأن الملك يقع للمولى إلا أن يدعي
وقوعه للعبد هنا إحياء لمهجته حيث لم يجد متبرّعاً. قوله: (غير المكاتب) أي مكاتب
الغني. قوله: (بمحيط) أي بدين محيط: أي مستغرق لرقبته ولما في يده. قوله: (فيجوز)
جواب الشرط مقدر: أي أما المكاتب والمأذون المذكور فيجوز دفع الزكاة إليها، أما
المكاتب فقد مرّ، وأما المأذون فلعدم ملك المولى إكسابه في هذه الحالة عند الإمام خلافاً
لهما كما في البحر. قوله: (قوله ولا إلى طفله) أي الغنيّ فيصرف إلى البالغ ولو ذكرا
صحيحاً. قهستاني. فأفاد أن المراد بالطفل غير البالغ ذكراً كان أو أنثى في عيال أبيه أو لا
على الأصح لما أنه يعد غنياً بغناه. نهر. قوله: (بخلاف ولده الكبير) أي البالغ كما مر ولو
زمناً قبل فرض نفقته إجماعاً وبعده عند محمد خلافاً للثاني، وعلى هذا بقية الأقارب، وفي
بنت الغني ذات الزوج خلاف. والأصح الجواز وهو قولهما: ورواية عن الثاني. نهر.
قوله: (وطفل الغنية) أي ولو لم يكن له أب. بحر عن القنية. قوله: (لانتفاء المانع) علة

٢٩٩
كتاب الزكاة / باب المصرف
(و) لا إلى (بني هاشم) إلا من أبطل النص قرابته وهم بنو لهب فتحل لمن أسلم منهم
كما تحل لبني المطلب. ثم ظاهر المذهب إطلاق المنع، وقول العيني والهاشمي: يجوز
له دفع زكاته لمثله صوابه لا يجوز. نهر (و) لا إلى (مواليهم) أي عتقائهم فأرقاؤهم
للجميع، والمانع أن الطفل يعد غنياً بغنى أبيه، بخلاف الكبير فإنه لا يعد غنياً بغنى أبيه ولا
الأب بغنى ابنه ولا الزوجة بغنى زوجها ولا الطفل بغنى أمه ح عن البحر. قوله: (وبني
هاشم الخ) اعلم أن عبد مناف وهو الأب الرابع للنبي ولم أعقب أربعة وهم: هاشم،
والمطلب، ونوفل، وعبد شمس. ثم هاشم أعقب أربعة انقطع نسل الكل، إلا عبد المطلب
فإنه أعقب اثنى عشر، تصرف الزكاة إلى أولاد كل إذا كانوا مسلمين فقراء، إلا أولاد عباس
وحارث وأولاد أبي طالب من علي وجعفر وعقيل. قهستاني. وبه علم أن إطلاق بني هاشم
مما لا ينبغي، إذ لا تحرم عليهم كلهم بل على بعضهم ولهذا قال في الحواشي السعدية: إن آل
أبي لهب ينسبون أيضاً إلى هاشم وتحل لهم الصدقة اهـ.
وأجاب في النهر بقوله: وأقول قال في النافع بعد ذكر بني هاشم: إلا من أبطل النص
قرابته: يعني به قوله ﴿((لَا قَرابَةَ بَيْنِي وَبَيْنْ أَبِي لَهَبٍ، فَإِنَّه أَثَرَ عَلَينا الأفْجَرِينَ)) وهذا
صريح في انقطاع نسبته عن هاشم، وبه ظهر أن في اقتصار المصنف على بني هاشم كفاية،
فإن من أسلم من أولاد أبي لهب غير داخل لعدم قرابته، وهذا حسن جداً لم أر من نحا نحوه
فتدبره اهـ. قوله: (بنو لهب) في بعض النسخ: بنو أبي لهب وهي أصوب. قوله: (فتحل
لهم(١)) هذا ما جرى عليه جمهور الشارحين خلافاً لما في غاية البيان كما في البحر والنهر.
قوله: (لبني المطلب) أي لمن أسلم منهم وهو أخو هاشم كما مر. قوله: (إطلاق المنع
الخ) يعني سواء في ذلك كل الأزمان وسواء في ذلك دفع بعضهم لبعض ودفع غيرهم لهم.
وروى أبو عصمة عن الإمام أنه يجوز الدفع إلى بني هاشم في زمانه، لأن عوضها وهو خمس
الخمَس لم يصل إليهم لإهمال الناس أمر الغنائم وإيصالها إلى مستحقيها. وإذا لم يصل
إليهم العوض عادوا إلى المعوّض كذا في البحر.
وقال في النهر: وجوز أبو يوسف دفع بعضهم إلى بعض، وهو رواية عن الإمام؛
وقول العيني: والهاشمي يجوز له أن يدفع زكاته إلى هاشمي مثله عند أبي حنيفة خلافاً لأبي
يوسف، صوابه: لا يجزي ولا يصح حمله على اختيار الرواية السابقة عن الإمام لمن
تأمل اهـ.
ووجهه أنه لو اختار تلك الرواية ما صح قوله خلافاً لأبي يوسف، لما علمت من أنه
موافق لها، وفي اختصار الشارح بعض إيهام اهـ ح. قوله: (فأرقاؤهم أولى) أي بالمنع لأن
(١) في ط (قوله فتحل لهم) هكذا بخطه ولعلها نسخة، وإلا فالذي في نسخ الشارح ((فتحل لمن أسلم منهم) وهو أصرح
بالمراد.

٣٠٠
كتاب الزكاة / باب المصرف
أولى، لحديث ((مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ)) وهل كانت تحل لسائر الأنبياء؟ خلاف، واعتمد في
النهر حلها لأقربائهم، لا لهم (وجازت التطوّعات من الصدقات و) غلة (الأوقاف لهم)
أي لبني هاشم، سواء سماهم الواقف أو لا على ما هو الحق كما حققه في الفتح، لكن
في السراج وغيره: إن سماهم جاز، وإلا لا .
قلت: وجعله محشي الأشباه
تمليك الرقيق يقع لمولاه، بخلاف العتيق. قال في النهر: قيد بمواليهم لأن مولى الغني
يجوز الدفع إليه. قوله: (لحديث ((مولى القوم منهم) رواه أبو داود والترمذي والنسائي بلفظ
(مَوْلَى القَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَإِنَّا لَا تِلُّ لَنَا الصَّدَقَّةُ)) قال الترمذي: حسن صحيح، وكذا صححه
الحاكم. فتَح. وهذا في حق حلّ الصدقة وحرمتها لا في جميع الوجوه؛ ألا ترى أنه ليس
بكفء لهم، وأن مولى المسلم إذا كان كافراً تؤخذ منه الجزية ومولى التغلبي لا تؤخذ منه
المضاعفة بل الجزية. نهر .
قلت: سيأتي في باب الكفاءة في النكاح أن معتق الوضيع ليس بكفء لمعتقه
الشريف. قوله: (لسائر الأنبياء) أي لباقيهم. قوله: (واعتمد في النهر الخ) هو اعتماد لثاني
القولين الآتي نقلهما عن المبسوط في حواشي مسكين عن الحموي عن شرح البخاري لابن
بطال: اتفق الفقهاء على أن أزواجه #﴿ لا يدخلن في الذين حرمت عليهم الصدقة. ثم قال
الحموي: وفي المغني عن عائشة رضي الله عنها ((إِنَّا آَلَ مُحمَّدٍ لَا تِحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ)) قال: فهذا
يدل على تحريمها عليهن اهـ. تأمل. قوله: (وجازت التطوعات الخ) قيد بها ليخرج بقية
الواجبة كالنذر والعشر والكفارات وجزاء الصيد، إلا خمس الركاز فإنه يجوز صرفه إليهم كما
في النهر عن السراج. قوله: (كما حققه في الفتح) أقول: نقل في البحر عن عدة كتب أن
النفل جائز لهم إجماعاً، وذكر أنه المذهب، وأنه لا فرق بين التطوع والوقف كما في المحيط
وكافي النسفي، وأن الزيلعي أثبت الخلاف على وجه يشعر بحرمة التطوع عليهم، وقواه في
الفتح من جهة الدلیل اهـ.
قلت: وذكر في الفتح أن الحق إجراء الوقف مجرى النافلة، لأن الواقف متبرع،
ووجوب الدفع على الناظر لوجوب اتباعه لشرط الواقف لا يصير به واجباً على الواقف،
ونقل ح عبارته بطولها.
وحاصلها ترجيح منع الوقف عليهم كالنافلة، وبه يظهر ما في كلام الشارح، فإن مفاده
أن كلام الفتح في الوقف فقط وأنه يحل لهم، لكن وقع في نسخة كتب عليها ح بزيادة:
وقيل لا مطلقاً قبل قوله ((على ما هو الحق)) وبها يصح الكلام، وسقطت هذه الزيادة وما
بعدها في بعض النسخ إلى قوله ((ولا تدفع إلى ذمي)). قوله: (لكن في السراج وغيره) عزاه
في البحر إلى شرح الطحاوي وغيره. قوله: (وجعله محشي الأشباه) أي الشيخ صالح الغزي