Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
التحريم تعاد: أي وجوباً في الوقت، وأما بعده فندباً،
فعله في البحر حيث جعل قولهم ذلك نقضاً للتعريف، حيث قيد في التعريف بالوقت مع أن
قولهم بوجوب الإعادة مطلق.
قلت: ويؤيده ما قدمناه عن شرح التحرير وعن شرح أصول البزدوي من التصريح
بوقوعها بعد الوقت. قوله: (أي وجوباً في الوقت الخ) لم أر من صرّح بهذا التفصيل سوى
صاحب البحر، حيث استنبطه من كلام القنية: حيث ذكر في القنية عن الوبري أنه إذا لم يتم
ركوعه ولا سجوده يؤمر بالإعادة في الوقت لا بعده، ثم ذكر عن الترجماني أن الإعادة أولى
في الحالين اهـ. قال في البحر: فعلى القولين لا وجوب بعد الوقت.
فالحاصل أن من ترك واجباً من واجباتها أو ارتكب مكروهاً تحريمياً لزمه وجوباً أن
يعيد في الوقت، فإن خرج أثم، ولا يجب جبر النقصان بعده، فلو فعل فهو أفضل اهـ.
أقول: ما في القنية مبني على الاختلاف في أن الإعادة واجبة أو لا، وقدمنا عن شرح
أصول البزدوي التصريح بأنها إذا كانت لخلل غير الفساد لا تكون واجبة. وعن الميزان
التصريح بوجوبها. وقال في المعراج: وفي جامع التمرتاشي: لو صلى في ثوب فيه صورة
يكره وتجب الإعادة. قال أبو اليسر: هذا هو الحكم في كل صلاة أديت مع الكراهة. وفي
المبسوط ما يدل على الأولوية والاستحباب، فإنه ذكر أن القومة غير ركن عندهما فتركها لا
يفسد، والأولى الإعادة اهـ. وقال في شرح التحرير: وهل تكون الإعادة واجبة؟ فصرح غير
واحد من شراح أصول فخر الإسلام بأنها ليست بواجبة، وأنه بالأول يخرج عن العهدة وإن
كان على وجه الكراهة على الأصح، وأن الثاني بمنزلة الجبر. والأوجه الوجوب كما أشار
إليه في الهداية؟ وصرح به النسفي في شرح المنار، وهو موافق لما عن السرخسي وأبي
اليسر: من ترك الاعتدال تلزمه الإعادة. زاد أبو اليسر: ويكون الفرض هو الثاني. وقال
شيخنا المصنف: يعني ابن الهمام: لا إشكال في وجوب الإعادة، إذ هو الحكم في كل
صلاة أديت مع كراهة التحريم، ويكون جابراً للأول لأن الفرض لا يتكرر، وجعله الثاني
يقتضي عدم سقوطه بالأول، وفيه أنه لازم ترك الركن لا الواجب، إلا أن يقال: المراد أن
ذلك امتنان من الله تعالى، إذ يحتسب الكامل وإن تأخر عن الفرض لما علم سبحانه أن
سيوقعه انتهى. ومن هذا يظهر أنا إذا قلنا: الفرض هو الأول فالإعادة قسم آخر غير الأداء
والقضاء، وإن قلنا الثاني فهي أحدهما اهـ.
أقول: فتلخص من هذا كله أن الأرجح وجوب الإعادة، وقد علمت أنها عند البعض
خاصة بالوقت، وهو ما مشى عليه في التحرير، وعليه فوجوبها في الوقت ولا تسمى بعده
إعادة، وعليه يحمل ما مر عن القنية عن الوبري، وأما على القول بأنها تكون في الوقت
وبعده كما قدمناه عن شرح التحرير وشرح البزدوي، فإنها تكون واجبة في الوقت وبعده

٥٢٢
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
أيضاً على القول بوجوبها. وأما على القول باستحبابها الذي هو المرجوح تكون مستحبة
فيهما، وعليه يحمل ما مر عن القنية عن الترجماني(١)، وأما كونها واجبة في الوقت مندوبة
بعده كما فهمه في البحر وتبعه الشارح فلا دليل عليه. وقد نقل الخير الرملي في حاشية
البحر عن خط العلامة المقدسي أن ما ذكره في البحر يجب أن لا يعتمد عليه، لإطلاق
قولهم: كل صلاة أدّيت مع الكراهة سبيلها الإعادة اهـ.
قلت: أي لأنه يشمل وجوبها في الوقت وبعده: أي بناء على أن الإعادة لا تختص
بالوقت. وظاهر ما قدمناه عن شرح التحرير ترجيحه، وقد علمت أيضاً ترجيح القول
بالوجوب، فیکون المرجح وجوب الإعادة في الوقت وبعده، ویشیر إليه ما قدمناه عن
الميزان من قوله: يجب عليه الإعادة، وهو إتيان مثل الأول ذاتاً مع صفة الكمال: أي كمال
ما نقصه منها، وذلك یعم وجوب الإتيان بها كاملة في الوقت وبعده كما مر. ثم هذا حيث
كان النقصان بكراهة تحريم لما في مكروهات الصلاة من فتح القدير أن الحقّ: التفصيل بين
كون تلك الكراهة كراهة تحريم فتجب الإعادة أو تنزيه فتستحب اهـ: أي تستحب في الوقت
وبعده أيضاً.
تنبيه: يؤخذ من لفظ الإعادة ومن تعريفها بما مرّ أنه ينوي بالثانية الفرض، لأن ما
فعل أولاً هو الفرض فإعادته فعله ثانياً؛ أما على القول بأن الفرض يسقط بالثانية فظاهر؛
وأما على القول الآخر فلأن المقصود من تكريرها ثانياً جبر نقصان الأولى؛ فالأولى فرض
ناقص، والثانية فرض كامل مثل الأولى ذاتاً مع زيادة وصف الكمال؛ ولو كانت الثانية نفلاً
لزم أن تجب القراءة في ركعاتها الأربع، وأن لا تشرع الجماعة فيها، ولم يذكروه، ولا يلزم
من كونها فرضاً عدم سقوط الفرض بالأولى، لأن المراد أنها تكون فرضاً بعد الوقوع، أما
قبله فالفرض هو الأولى.
وحاصله توقف الحكم بفرضية الأولى على عدم الإعادة، وله نظائر: كسلام من عليه
سجود السهو يخرجه خروجاً موقوفاً، وكفساد الوقتية مع تذكر الفائتة كما سيأتي، وكتوقف
الحكم بفرضية المغرب في طريق المزدلفة على عدم إعادتها قبل الفجر؛ وبهذا ظهر التوفيق
بين القولين، وأن الخلاف بينهما لفظي، لأن القائل أيضاً بأن الفرض هو الثانية أراد به بعد
الوقوع؛ وإلا لزم الحكم ببطلان الأولى بترك ما ليس بركن ولا شرط كما مر عن الفتح،
ولزم أيضاً أنه يلزمه الترتيب في الثانية لو تذكر فائتة، والغالب على الظن أنه لا يقول بذلك
أحد. ونظير ذلك القراءة في الصلاة، فإن الفرض منها آية والثلاث واجبة والزائد سنة، وما
(١) محمد بن محمود، علاء الدين الترجماني المكي الخوارزمي: فقيه حنفي. من كتبه ((يتيمة الدهر في فتاوي أهل
العصر)). توفي في جرجانية خوارزم سنة ٦٤٥. انظر: الفوائد البهية: ٢٠١، الكتبخانة ١٥١/٣، الأعلام ٨٦/٧.

٥٢٣
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
والقضاء فعل الواجب بعد وقته، وإطلاقه على غير الواجب كالتي قبل الظهر مجاز
(الترتيب بين الفروض الخمسة والوتر أداء وقضاء لازم) يفوت الجواز بفوته، للخبر
المشهور ((من نام عن صلاة) وبه يثبت الفرض العملي
ذاك إلا بالنظر إلى ما قبل الوقوع، بدليل أنه لو قرأ القرآن كله في ركعة يقع الكل فرضاً،
وكذا لو أطال القيام أو الركوع أو السجود، هذا نهاية ما تحرر لي من فتح الملك الوهاب،
فاغتنمه فإنه من مفردات هذا الكتاب، والله تعالى أعلم بالصواب. قوله: (والقضاء فعل
الواجب الخ) وقيل فعل مثله بناء على المرجوح من أنه يجب بسبب جديد لا بما يجب به
الأداء، وتمامه في البحر وكتب الأصول. قوله: (وإطلاقه الخ) أي كما في قول المصنف
الآتي وقضاء الفرض والواجب والسنة الخ؛ وقول الكنز: وقضى التي قبل الظهر في وقته
قبل شفعه، وكذا إطلاق الفقهاء القضاء على الحج بعد فساده مجازاً، إذ ليس له وقت يصير
بخروجه قضاء كما في البحر؛ وقدمنا وجه كون النفل لا يسمى قضاء وإن قلنا إنه مأمور به
حقيقة كما هو قول الجمهور وأنه يسمى أداء حقيقة، كما إذا أتى بالأربع قبل الظهر؛ أما إذا
أتى بها بعده فهي قضاء، إذ لا شك أنه ليس وقتها وإن كان وقت الظهر، فافهم. قوله: (أداء
وقضاء) الواو بمعنى ((أو)) مانعة الخلو، فيشمل ثلاث صور: ما إذا كان الكل قضاء أو
البعض قضاء والبعض أداء، أو الكل أداء كالعشاء مع الوتر ط، ودخل فيه الجمعة، فإن
الترتيب بينها وبين سائر الصلوات لازم، فلو تذكر أنه لم يصلّ الفجر يصليها ولو كان الإمام
يخطب. إسماعيل عن شرح الطحاوي. قوله: (يفوت الجواز بفوته) المراد بالجواز الصحة
لا الحل؛ وأفاد أن المراد بلازم الفرض العملي الذي هو أقوى قسمي الواجب، وهو مراد
من سماه(١) فرضاً كصدر الشريعة، وشرطاً كالمحيط، وواجباً كالمعراج كما أوضحه في
البحر. قوله: (للخبر المشهورِ ((مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ)) تمام الحديث ((أَوْ نَسِيّهَا فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلَّ
وَهُوَ يُصَلِّي مَعَ الإِمَامِ فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيَها ثُمَّ لِيَقْض الَّتِي تَذَكَّرَهَا، ثُمَّ لِيُعْدِ الَّتِي صَلَّى مَعَ
الإمَامِ))(٢) ح عن الدرر. وذكره في الفتح باختلاف في بعض ألفاظه مع بيان من خرجه،
والاختلاف في توثيق بعض رواته وفي رفعه ووقفه، وذكر أن دعوى كونه مشهوراً مردودة
للخلاف في رفعه فضلاً عن شهرته، وأطال في ذلك، والذي حط عليه كلامه الميل من
حيث الدليل إلى قول الشافعي باستحباب الترتيب، ورد عليه في شرح المنية(٣) والبرهان
(١) في ط (قوله وهو مراد من سماه الخ) أي لأن من سماء الفرض لم يرد الفرض الاعتقادي، إذ لا دليل عليه، لأن كونه
فرضاً علمياً طعن في نبوته فضلاً عن الاعتقادي، ومن عبر بالواجب أراد أقوى نوعية لأنه حكم ببطلان الصلاة
بقوته، وهو لازم أقوى نوعي الواجب وهو الفرض العملي.
ومن عبر بالشرط أراد ما يفوت الجواز بفوته، لأن الشرط الاصطلاحي لا يسقط بالمسقطات المذكورة.
(٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٨٩/٣ وانظر نصب الراية ٢/ ١٦٢.
(٣) في ط (قوله ورد عليه في شرح المنية الخ) حاصله أن من قال بوقفه على ابن عمر، ولا ضرر فيه حيث لم تنقل =

٥٢٤
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
وقضاء الفرض والواجب، (والسنة فرض وواجب وسنة) لف ونشر مرتب، وجميع
أوقات العمر وقت القضاء إلا الثلاثة المنهية كما مر (فلم يجز) تفريع على اللزوم (فجر
من تذكر أنه لم يوتر) لوجوبه عنده (إلا) استثناء من اللزوم فلا يلزم الترتيب (إذا ضاق
الوقت المستحب)
بما لخصه نوح أفندي، فراجعه إن شئت. قوله: (وقضاء الفرض الخ) لو قدم ذلك أول
الباب أو آخره عن التفريع الآتي لكان أنسب. وأيضاً قوله: ((والسنة)) يوهم العموم كالفرض
والواجب وليس كذلك، فلو قال: وما يقضى من السنة، لرفع هذا الوهم. رملي.
قلت: وأورد عليه الوتر، فإنه عندهم سنة، وقضاؤه واجب في ظاهر الرواية، لكن
يجاب بأن كلامه مبني على قول الإمام صاحب المذهب. قوله: (والواجب) كالمنذورة
والمحلوف عليها وقضاء النفل الذي أفسده ط. قوله: (وقت للقضاء) أي لصحته فيها وإن
كان القضاء على الفور إلا لعذر ط، وسيأتي. قوله: (إلا الثلاثة المنهية) وهي الطلوع
والاستواء والغروب ح، وهي محل للنفل الذي شرع به فيها ثم أفسده ط. قوله: (كما مر) أي
في أوقات الصلاة. قوله: (فلم يجز) أي بل يفسد فساداً موقوفاً كما يأتي. قوله: (من تذكر)
أي في الصلاة أو قبلها. قوله: (لوجوبه) أي الوتر عنده: أي عند الإمام، بمعنى أنه فرض
عملي عنده. قوله: (إذا ضاق الوقت) أي عند الفوائت والوقتية، أما الفوائت بعضها مع
بعض فليس لها وقت مخصوص حتى يقال: يسقط ترتيبها بضيقه ط. ولو لم يمكنه أداء
الوقتية إلا مع التخفيف في قصر القراءة والأفعال يرتب ويقتصر على ما تجوز به الصلاة. بحر
عن المجتبى. وفي الفتح: ويعتبر الضيق عند الشروع، حتى لو شرع في الوقتية مع تذكر
الفائتة، وأطال حتى ضاق لا يجوز إلا أن يقطعها ثم يشرع فيها، ولو شرع ناسياً والمسألة
بحالها فتذكر عند ضيقه جازت اهـ. قوله: (المستحب) أي الذي لا كراهة فيه. قهستاني.
وقيل أصل الوقت، ونسبه الطحاوي إلى الشيخين، والأول إلى محمد. والظاهر أنه احترز
عن وقت تغير الشمس في العصر، إذ يبعد القول بسقوط الترتيب إذا لزم تأخير ظهر الشتاء
والمغرب مثلًا عن أول وقتها، ثم رأيت الزيلعي خص الخلاف بالعصر، ولذا قال في
البحر: وتظهر ثمرته فيما لو تذكر الظهر وعلم أنه لو صلاه يقع قبل التغير ويقع العصر أو
بعضه فيه؛ فعلى الأول يصلي العصر ثم الظهر بعد الغروب، وعلى الثاني يصلي الظهر ثم
العصر. واختار الثاني قاضيخان(١) في شرح الجامع. وفي المبسوط أن أكثر مشايخنا على أنه
= مخالفة أحد من الصحابة له، وحينئذ فحكمه حكم المرفوع: أما الطعن في بعض الرواة فلم يتفق عليه بل وثق
أيضاً كما عرف به المحقق، ولا يخفى أن الطعن نفي للعدالة، والتوثيق إثبات، والإثبات مقدم على النفي، فحينئذ
يصح إثبات الفرض العملي بهذا الحديث.
(١) حسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز، فخر الدين، المعروف بقاضي خان الأوزجندي =

٥٢٥
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
حقيقة، إذ ليس من الحكمة تفويت الوقتية لتدارك الفائتة؛
قول علمائنا الثلاثة، وصحح في المحيط الأول، ورجحه في الظهيرية بما في المنتقى من
أنه إذا افتتح العصر في وقتها ثم احمرّت الشمس ثم تذكر الظهر مضى في العصر. قال: فهذا
نص على اعتبار الوقت المستحب اهـ. قال في البحر: فحينئذ انقطع اختلاف المشايخ، لأن
المسألة حيث لم تذكر في ظاهر الرواية وثبتت في رواية أخرى تعين المصير إليها اهـ.
أقول في هذا الترجيح نظر، يوضحه ما في شرح الجامع الصغير لقاضيخان، حيث
قال: إنما وضع المسألة في العصر لمعرفة آخر الوقت، فعندنا آخره في حكم الترتيب
غروب الشمس، وفي حكم جواز تأخير العصر تغير الشمس. وعلى القول الحسن: آخر
وقت العصر عند تغير الشمس؛ فعنده لو تمكن من أداء الصلاتين قبل التغير لزمه الترتيب
وإلا فلا. وعندنا إذا تمكن من أداء الظهر قبل التغير ويقع العصر أو بعضه بعد التغير يلزمه
الترتيب، ولو أمكنه أداء الصلاتين قبل الغروب لكن لا يمكن الفراغ من الظهر قبل التغير لا
يلزمه الترتيب، لأن ما بعد التغير ليس وقتاً لأداء شيء من الصلوات إلا عصر يومه اهـ
ملخصاً. وبه علم أن ما في المنتقى لا خلاف فيه، لأنه لما تذكر الظهر بعد التغير لا يمكنه
صلاته فيه، فلذا لم تفسد العصر وإن كان افتتحها قبل التغير ناسياً، لأن العبرة لوقت التذكر
ما قدمناه آنفاً عن الفتح فيما لو أطال الصلاة ثم تذكر الفائتة عند ضيق الوقت، وعلم أيضاً أن
المسألة ليست مبنية على اختلاف المشايخ، بل على اختلاف الرواية، فاعتبار أصل الوقت
هو قول أئمتنا الثلاثة كما مر عن المبسوط، وأن عليه أكثر المشايخ، وهو مقتضى إطلاق
المتون، ولذا جزم به فقيه النفس الإمام قاضيخان بلفظ ((عندنا)) فاقتضى أنه المذهب ولذا
نسب القول الآخر إلى الحسن؛ نعم صرح في شرح المنية والزيلعي بأنه رواية عن محمد،
وعليه يحمل ما مر عن الطحاوي، وقد مر أنه لو تذكر الفجر عند خطبة الجمعة يصليها مع أن
الصلاة حينئذ مكروهة، بل في التاترخانية أنه يصليها عندهما وإن خاف فوت الجمعة مع
الإمام ثم يصلي الظهر. وقال محمد: يصلي الجمعة ثم يقضي الفجر، فلم يجعلا فوت
الجمعة عذراً في ترك الترتيب، ومحمد جعله عذراً فكذلك هنا اهـ. وقد ذكر في التاتر خانية
عبارة المحيط وليس فيها التصحيح الذي ذكره في البحر، فالذي ينبغي اعتماده ما عليه أكثر
المشايخ من أن المعتبر أصل الوقت عند علمائنا الثلاثة، والله أعلم. قوله: (حقيقة) تمييز
لنسبة ((ضاق)) أي ضاق في نفس الأمر لا ظناً، ويأتي محترزه في قوله: ((ظن من عليه العشاء
الخ)). قوله: (إذ ليس من الحكمة الخ) تعليل لقوله: ((فلا يلزم الترتيب إذا ضاق الوقت))
لكنه إنما يناسب اعتبار أصل الوقت. ويمكن أن يجاب بأن معناه تفويت الوقتية عن وقتها
= الفرغاني: فقيه حنفي، من كبارهم. له ((الفتاوى)) و((الأمالي)) و((الواقعات)) و(شرح الزيادات)) وغير ذلك.
توفي سنة ٥٩٢. انظر: الفوائد البهية ٦٤، الجواهر المضية ٢٠٥/١، الأعلام ٢٢٤/٢.

٥٢٦
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
ولو لم يسع الوقت كل الفوائت فالأصح جواز الوقتية. مجتبى. وفيه ظن من عليه العشاء
ضيق وقت الفجر فصلاها وفيه سعة يكرّرها إلى الطلوع وفرضه الأخير (أو نسيت
الفائتة) لأنه عذر (أو فاتت ست
المستحب ح. ولا يخفى أن هذا لا يسمى تفويتاً، بل هو تعليل ذكره المشايخ لما هو
المذهب كما قررناه. قوله: (ولو لم يسع الوقت كل الفوائت) صورته: ((عليه العشاء والوتر
مثلاً ثم لم يصل الفجر حتى بقي من الوقت ما يسع الوتر مثلاً وفرض الصبح فقط ولم يسع
الصلوات الثلاث)) فظاهر كلامهم ترجيح أنه لا يجوز صلاة الصبح ما لم يصلّ الوتر. وصرح
في المجتبى بأن الأصح جواز الوقتية ح عن البحر، لكن قال الرحمتي: الذي رأيته في
المجتبى الأصح أنه لا تجوز الوقتية اهـ.
قلت: راجعت المجتبى فرأيت فيه مثل ما عزاه إليه في البحر، وكذا قال القهستاني:
جازت الوقتية على الصحيح. قوله: (كررها إلى الطلوع) يعني يعيدها ثانياً وثالثاً، وهكذا
إذا كان في كل مرة ظن أن الوقت لا يسعهما ثم ظهر فيه سعة إلى أن يظهر بعد إعادة من
الإعادات ضيقة حقيقة فيعيد الوقتية ثم يصلي الفائتة، وإن ظهر بعد إعادته أنه يسعهما صلى
الفائتة ثم الوقتية كما في الفتح. قوله: (أو نسيت الفائتة) معطوف على قوله: ((ضاق الوقت))
وفيه أن فرض الكلام فيمن تذكر أنه لم يوتر، فكان(١) ينبغي للمصنف حذف التذكر.
وحاصله أنه يسقط الترتيب إذا نسي الفائتة وصلى ما هو مرتب عليها من وقتية أو فائتة
أخرى، وكذا يسقط بنسيان إحدى الوقتيتين؛ كما لو صلى الوتر ناسياً أنه لم يصلّ العشاء ثم
صلاها، لا يعيد الوتر، لقولهم: إنه لو صلى العشاء بلا وضوء والوتر والسنة به يعيد العشاء
والسنة لا الوتر، لأنه أداه ناسياً أن العشاء في ذمته فسقط الترتيب. أفاده ح.
قلت: ونظيره أيضاً ما في البحر عن المحيط: لو صلى العصر ثم تبين له أنه صلى
الظهر بلا وضوء يعيد الظهر فقط لأنه بمنزلة الناسي. قوله: (لأنه عذر) أي لأن النسيان عذر
سماوي مسقط للتكليف لأنه ليس في وسعه. بحر. قوله: (أو فاتت ست) يعني لا يلزم
الترتيب بين الفائتة والوقتية ولا بين الفوائت إذا كانت ستاً، كذا في النهر. أما بين الوقتين
كالوتر والعشاء فلا يسقط الترتيب بهذا المسقط كما لا يخفى ح. وأطلق الست فشمل ما إذا
فاتت حقيقة أو حكماً كما في القهستاني والإمداد.
ومثال الحکمیة ما إذا ترك فرضاً وصلی بعده خمس صلوات ذاکراً له، فإن الخمس
(١) في ط (قوله فيمن تذكر أنه لم يوتر فكان الخ) فيه: أن موضوع المسألة قوله ((الترتيب الخ)) أي هذه الجملة، وقوله
(((فلم يجز الخ)) تفريع على الجملة ((المذكورة))، وقوله ((إلا إذا ضاق الوقت الخ)) مستثنى من الجملة الأولى لا من
قوله (فلم يجز حتى يرد ما ذكر)) وقوله ((أو نسيت)) عطف على ما ضاق جزماً، فعبارته مستقيمة لا غبار عليها.

٥٢٧
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
اعتقادية) لدخولها في حدّ التكرار المقتضي للحرج (بخروج وقت السادسة) على
الأصح ولو متفرقة أو قديمة على المعتمد، لأنه متى اختلف الترجيح رجح إطلاق
تفسد فساداً موقوفاً كما سيأتي؛ فالمتروكة فائتة حقيقة وحكماً والخمسة الموقوفة فائتة
حكماً فقط. وذكر في الفتح والبحر أنه لو ترك ثلاث صلوات مثلاً الظهر من يوم والعصر من
یوم والمغرب من يوم لا يدري أيتها أولى. قيل يجب الترتيب بين المتروکات ويصليها
سبعاً، بأن يصلي الظهر ثم العصر ثم الظهر، لاحتمال أن يكون ما صلاه أولًا وهو الآخر
فيعيده، ثم يصلي المغرب ثم الظهر ثم العصر ثم الظهر لاحتمال كون المغرب أولاً فيعيد ما
صلاه أولًا. وقيل يسقط الترتيب بينهما فيصلي ثلاثاً فقط، وهو المعتمد، لأن إيجاب
الترتيب فيها يلزم منه أن تصير الفوائت كسبع معنى مع أنه يسقط بستّ فبالسبع أولى اهـ
ملخصاً، وتمامه هناك. وللشرنبلالي في هذه المسألة رسالة. قوله: (اعتقادية) خرج
الفرض العملي وهو الوتر، فإن الترتيب بينه وبين غيره وإن كان فرضاً لكنه لا يحسب مع
الفوائت اهـح: أي لأنه لا تحصل به الكثرة المفضية للسقوط لأنه من تمام وظيفة اليوم
والليلة، والكثرة لا تحصل إلا بالزيادة عليها من حيث الأوقات أو من حيث الساعات، ولا
مدخل للوتر في ذلك. إمداد. قوله: (لدخولها في حدّ التكرار الخ) لأنه یکون واحد من
الفروض مكرراً، فيصلح أن يكون سبباً للتخفيف بسقوط الترتيب الواجب بينها أنفسها
وبينها وبين أغيارها، درر. إذ لو وجب الترتيب حينئذ لأفضى إلى الحرج. قوله: (بخروج)
متعلق بفائت. قوله: (على الأصح) احترز به عما صححه الزيلعي من أن المعتبر كون
المتخلل بعد الفائتة ستة أوقات لا ست صلوات؛ فلو فاتته صلاة وتذكرها بعد شهر فصلى
بعدها وقتية ذاكراً للفائتة أجزأته على اعتبار الأوقات، لأن المتخلل بينهما أكثر من ست
أوقات، فسقط الترتيب: أي مع صحة الصلوات التي بينهما لسقوط الترتيب فيها بالنسيان،
وعلى اعتبار الصلوات لا تجزيه لأن الفائتة واحدة، ولا يسقط الترتيب إلا بفوت ستّ
صلوات. وصرح في المحيط بأنه ظاهر الرواية، وصححه في الكافي، وهو الموافق لما في
المتون، وبه اندفع ما صححه الزيلعي وغيره، وتمامه في البحر، واحترز به أيضاً عما روي
عن محمد من اعتبار دخول وقت السادسة، وعما في المعراج من اعتبار دخول وقت السابعة
كما أوضحه في البحر. قوله: (ولو متفرقة) أي يسقط الترتيب بصيرورة الفوائت ستاً ولو
كانت متفرقة؛ كما لو ترك صلاة صبح مثلًاً من ستة أيام وصلى ما بينها ناسياً للفوائت. قوله:
(أو قديمة على المعتمد الخ) كما لو ترك صلاة شهر نسقاً، ثم أقبل على الصلاة ثم ترك فائتة
حادثة، فإن الوقتية جائزة مع تذكر الفائتة الحادثة لانضمامها إلى الفوائت القديمة وهي كثيرة
فلم يجب الترتيب. وقال بعضهم: إن المسقط الفوائت الحديثة لا القديمة، ويجعل الماضي
كأن لم يكن زجراً له عن التهاون بالصلوات، فلا تجوز الوقتية مع تذكرها، وصححه الصدر

٥٢٨
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
المتون. بحر (أو ظن ظناً معتبراً) أي يسقط لزوم الترتيب أيضاً بالظن المعتبر، كمن
صلى الظهر ذاكراً لتركه الفجر فسد ظهره، فإذا قضى الفجر ثم صلى العصر ذاكراً للظهر
الشهيد، وفي التجنيس: وعليه الفتوى. وذكر في المجتبى أن الأول أصح. وفي الكافي
والمعراج: وعليه الفتوى؛ فقد اختلف التصحيح والفتوى كما رأيت، والعمل بما وافق
إطلاق المتون أولى. بحر. قوله: (أو ظن ظناً معتبراً الخ) هذا مسقط رابع ذكره الزيلعي،
وجزم به في الدرر، وجعله في البحر ملحقاً بالنسيان وقال: إنه ليس مسقطاً رابعاً كما
يتوهم، ثم قال: وذكر شارحو الهداية أن فساد الصلاة إن كان قوياً كعدم الطهارة استتبع
الصلاة التي بعده، وإن كان ضعيفاً كعدم الترتيب فلا، وفرّعوا عليه فرعين.
أحدهما: لو صلى الظهر بلا طهارة ثم صلى العصر ذاكراً لها أعاد العصر، لأن فساد
الظهر قوي فأوجب فساد العصر وإن ظن عدم وجوب الترتيب.
ثانيهما: لو صلى هذه الظهر بعد هذه العصر ولم يعد العصر حتى صلى المغرب
ذاكراً لها فالمغرب صحيحة إذا ظن عدم وجوب الترتيب، لأن فساد العصر ضعيف لقول
بعض الأئمة بعدمه فلا يستتبع فساد المغرب. وذكر له الإسبيجابي أصلًا وهو أنه يلزمه إعادة
ما صلاه ذاکراً للفائتة إن کانت الفائتة تجب إعادتها بالإجماع، وإلا فلا إن کان یری أن ذلك
يجزيه اهـ. قال في الفتح: ويؤخذ من هذا أن مجرد كون المحل مجتهداً فيه لا يستلزم اعتبار
الظن فيه من الجاهل، بل إن كان المجتهد فيه ابتداء لا يعتبر الظن، وإن كان مما يبتنى على
المجتهد فهي ويستتبعه اعتبر ذلك الظنّ لزيادة الضعف، ففساد العصر هو المجتهد فيه
ابتداء، وفساد المغرب بسبب ذلك فاعتبر اهـ: أي اعتبر فيه الظن من الجاهل. وفيه تصريح
بأن محل اعتبار هذا الظن وعدمه في الجاهل لا العالم بوجوب الترتيب، وتمامه في النهر.
هذا، وقد اعترض في البحر ما مر من الفرعين بأن المصلي لا يخلو: إما أن يكون
حنفياً فلا عبرة برأيه المخالف لمذهب إمامه فيلزمه المغرب أيضاً، أو شافعياً فلا يلزمه
العصر أيضاً، أو عامياً فلا مذهب له بل مذهبه مذهب مفتيه، فإن استفتى حنفياً أعادهما أو
شافعياً لا يعيدهما، وإن لم يستفت أحداً وصادف الصحة على مذهب مجتهد لا إعادة
عليه اهـ. ولا يخفى أنه بحث في المنقول، فإن ما مر عن شروح الهداية من حكم الفرعين
مذكور أيضاً في شرح الجامع الصغير للإمام قاضيخان. وذكر في الذخيرة أنه مرويّ عن
محمد، وعزاه في التاتر خانية إلى الأصل؛ وقد تبع الشرنبلالي صاحب البحر، لكن قال: إن
موضوع المسألة في عامي لم يقلد مجتهداً ولم يستفت فقيهاً، فصلاته صحيحة لمصادفتها
مجتهداً فيه؛ أما لو كان حنفياً فلا عبرة بظنه المخالف لمذهب إمامه الخ. وفيه نظر، إذ لا
فرق حينئذ بين العصر والمغرب لمصادفة كل منهما الصحة على مذهب الشافعي، بل هو
محمول على عاميّ استفتى حنفياً أو التزم التعبد على مذهب أبي حنيفة معتقداً صحته وقد

٥٢٩
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائد
جاز العصر، إذ لا فائتة عليه في ظنه حال أداء العصر، وهو ظن معتبر لأنه مجتهد فيه.
وفي المجتبى: من جهل فرضية الترتيب يلحق بالناسي، واختاره جماعة من أئمة
بخارى، وعليه يخرّح ما في القنية: صبّي بلغ وقت الفجر وصلى الظهر مع تذكره جاز،
ولا يلزم الترتيب بهذا العذر (ولا يعود) لزوم الترتيب (بعد سقوطه بكثرتها) أي الفوائت
(بعود الفوائت إلى القلة) بـ (سبب القضاء) لبعضها على المعتمد، لأن الساقط لا يعود
(وكذا لا يعود) الترتيب (بعد سقوطه بباقي المسقطات) السابقة من النسيان والضيق؛
حتى لو خرج الوقت في خلال الوقتية لا تفسد وهو مؤدّ، هو الأصح. مجتبى. لكن في
جهل هذا الحكم ثم علم ذلك، ولذا قال في النهر ما معناه: إن قول البحر لا عبرة برأيه
المخالف الخ ممنوع، لأن إمامه قد اعتبر رأيه وأسقط عنه الترتيب بظنه عدم وجوبه، فإذا كان
جاهلًا ذلك ثم علم لا يلزمه إعادة المغرب؛ ولو استفتى حنفياً فأفتاه بالإعادة لم تصح
فتواه اهـ. قوله: (جاز العصر) أي إن كان يظن أنه يجزيه كما مر، وأطلقه لعلمه من التعليل
بعده. قوله: (لأنه) أي جواز العصر مجتهد فيه: أي يبتنى على المجتهد فيه ابتداء، وهو
جواز الظهر عند الشافعي كما مر تقريره عن الفتح. قوله: (وفي المجتبى الخ) ليس هذا
مسقطاً خامساً، لما علمت من أن الظن السابق إنما يعتبر من الجاهل، بل إنما نقل كلام
المجتبى ليشير إلى ما قدمناه عن البحر من أن الظن المعتبر ليس مسقطاً رابعاً، لأنه ملحق
بالنسيان، وإنما المسقطات هي الثلاث التي اقتصر عليها أصحاب المتون، فافهم. قوله:
(وعليه نخرج ما في القنية) إنما حكم على الصبيّ بذلك لأن الغالب عليه الجهل كما في
النھر ح.
قلت: لكن في هذا التخريج خفاء، فإن الفجر فائتة بالإجماع، فكيف لم يلزمه الترتيب
اعتباراً لجهله مع أنها نظير المسألة الأولى السابقة تحت قوله: ((أو ظنّ ظناً معتبراً))؟ والظاهر أنه
مبني على القول باعتبار ظن الجاهل مطلقاً كما يأتي بيانه قريباً. قوله: (بكثرتها) متعلق
بسقوطه، وقوله: ((بعود الفوائت)) متعلق بقوله: ((ولا يعود)) وقوله: ((بالقضاء)) متعلق بقوله:
(بعود الفوائت إلى القلة)) ط. قوله: (بسبب القضاء لبعضها) كما إذا ترك رجل صلاة شهر
مثلاً ثم قضاها إلا صلاة ثم صلى الوقتية ذاكراً لها فإنها صحيحة اهـ بحر. وقيد بقضاء
البعض، لأنه لو قضى الكل عاد الترتيب عند الكل كما نقله القهستاني. قوله: (على
المعتمد) هو أصح الروايتين، وصححه أيضاً في الكافي والمحيط، وفي المعراج وغيره،
وعليه الفتوى. وقيل يعود الترتيب، واختاره في الهداية. ورده في الكافي والتبيين، وأطال
فيه في البحر. قوله: (لأن الساقط لا يعود) وأما إذا قضى الكل فالظاهر أنه يلزمه ترتيب
جديد فلا يقال إنه عاد. تأمل. قوله: (مجتبى) عبارته كما في البحر: ولو سقط الترتيب لضيق

٥٣٠
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
النهر والسراج عن الدراية: لو سقط للنسيان والضيق ثم تذكر واتسع الوقت يعود اتفاقاً،
ونحوه في الأشباه في بيان الساقط لا يعود، فليحرر.
(وفساد) أصل (الصلاة بترك الترتيب موقوف) عند أبي حنيفة سواء ظن وجوب
الترتیب أو لا
الوقت ثم خرج الوقت لا يعود على الأصح، حتى لو خرج في خلال الوقتية لا تفسد على
الأصح، وهو مؤدّ على الأصح لا قاض، وكذا لو سقط مع النسيان ثم تذكر لا يعود اهـ
باختصار. قوله: (عن الدراية) اقتصار على بعض اسم الكتاب للاختصار، فإن اسمه معراج
الدراية، وهو شرح الهداية للكاكي(١)؛ وكثيراً ما يطلقون عليه لفظ المعراج. قوله:
(فليحرر) التحرير أن الخلاف لفظي في ضيق الوقت، فإن ما في المجتبى مصرّح بأن عدم
العود فيما إذا خرج الوقت. وما في الدراية مصرّح بأن العود فيما إذا اتسع الوقت: أي ظهر
أن فيه سعة فلا منافاة بينهما، وكذا في التذكر بعد النسيان، فإن ما في المجتبى محمول على
ما إذا تذكر بعد الفراغ من الصلاة بدليل أنهم اتفقوا في المسائل الاثني عشرية على أنه لو
تذكر فائتة وهو يصلي: فإن كان قبل القعود قدر التشهد بطلت اتفاقاً، وإن كان بعده قبل
السلام بطلت عنده لا عندهما. وما في الدراية محمول على ما إذا تذكر قبل الفراغ منها، كذا
أفاده ح. ثم قال: وفي التحقيق ضيق الوقت ليس بمسقط حقيقة، وإنما قدمت الوقتية عند
العجز عن الجمع بينهما لقوّتها مع بقاء الترتيب كما صرح به في البحر عن التبيين. وينبغي
أن يقال مثل ذلك في النسيان، فعلى هذا لو سقط الترتيب بين فائتة ووقتية لضيق وقت أو
نسيان يبقى فيما بعد تلك الوقتية. قوله: (أصل الصلاة) تبع فيه النهر. والصواب وصف
الصلاة. قال في البحر: وقيد بفساد الفريضة فإنه لا يبطل الصلاة عند أبي حنيفة وأبي
يوسف رحمهما الله تعالى. وعند محمد رحمه الله تعالى يبطل، لأن التحريمة عقدت للفرض،
فإذا بطلت الفرضية بطلت التحريمة أصلاً. ولهما أنها عقدت لأصل الصلاة بوصف
الفرضية، فلم يكن من ضرورة بطلان الوصف بطلان الأصل، كذا في النهاية. وفائدته تظهر
في انتقاض الطهارة بالقهقهة، كذا في العناية اهـح. قوله: (عند أبي حنيفة) وأما عندهما
فالفساد بات. قوله: (سواء ظن وجوب الترتيب أو لا) خلافاً لما في شرح المجمع عن
المحيط، من أنه لا يعيد ما صلاه إذا كان عند المصلي أن الترتيب ليس بواجب، وإلا أعاد
الكل؛ فقد نصّ في البحر على ضعفه. وذكر في الفتح أن تعليل قول الإمام يقطع
بالإطلاق، وأقرّه في النهر.
(١) قوام الدين الكاكي أخذ الفقه عن علاء الدين عبد العزيز، وكان يدرس في القاهرة بجامع المارداني للطائفة الحنفية
إلى أن مات وله (عيون المذاهب))، مات سنة ٧٤٩. انظر: الفوائد البهية (١٦٨) التاج (١٧٢/٧) كشف الظنون
١١٨٧، ٠١٨٢٤

٥٣١
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
(فإن كثرت وصارت الفوائت مع الفائتة ستاً ظهر صحتها) بخروج وقت الخامسة التي
هي سادسة الفوائت، لأن دخول وقت السادسة غير شرط، لأنه لو ترك فجر يوم وأدى
لا يقال: هذا مخالف لما تقدم من أن الترتيب يسقط بالظن المعتبر. وأما الجاهل
يلحق بالناسي. لأنا نقول: إن ما هنا مصوّر فيما إذا ترك صلاة ثم صلى بعدها خمساً ذاكراً
للمتروكة، فظنه عدم وجوب الترتيب هنا غير معتبر، لأنه إنما يعتبر إذا كان الفساد ضعيفاً
كما مر عن شراح الهداية(١) وفتح القدير، فافهم. قوله: (فإن كثرت) أي الصلاة التي صلاها
تاركاً فيها الترتيب، بأن صلاها قبل قضاء الفائتة ذاكراً لها، وهذا التفريع لبيان قوله:
((موقوف)).
وتوضيحه أنه إذا فاتته صلاة ولو وتراً فكلما صلى بعدها وقتية وهو ذاكر لتلك الفائتة
فسدت تلك الوقتية فساداً موقوفاً على قضاء تلك الفائتة، فإن قضاها قبل أن يصلي بعدها
خمس صلوات صار الفساد باتاً وانقلبت الصلوات التي صلاها قبل قضاء المقضية نفلاً، وإن
لم يقضها حتى خرج وقت الخامسة وصارت الفواسد مع الفائتة ستاً انقلبت صحيحة، لأنه
ظهرت كثرتها ودخلت في حدّ التكرار المسقط للترتيب، وبيان وجه ذلك في البحر وغيره.
قال ط: وقيدوا أداء الخمسة بتذكر الفائتة، فلو لم يتذكرها سقط للنسيان؛ ولو تذكر في
البعض ونسي في البعض يعتبر المذكور فيه، فإن بلغ خمساً صحت، ولا نظر لما نسي فيه لما
قلنا. قوله: (وصارت الفوائت) أي الحكمية. وفي نسخة ((الفواسد)) أي الموقوفة. قوله:
(بخروج وقت الخامسة الخ) اعلم أن المذكور في عامة الكتب كالمبسوط والهداية والكافي
والتبيين وغيرها أن صحة الكل موقوفة على أداء ستّ صلوات بعد المتروكة. وادعى في
البحر أنه خطأ. وحقق في فتح القدير أن الصحة موقوفة على دخول وقت السادسة لا على
أدائها. واعترضه في النهر، بأن دخول وقت السادسة بعد المتروكة غير شرط، بل المعتبر
خروج وقت الخامسة، لأنه بذلك تصير الفوائت ستاً كما صرح به في معراج الدراية، مع
بيان أن ما ذكر في عامة الكتب من أداء السادسة إنما هو لتصير الفوائت ستاً بيقين لا لكونه
(١) في ط (قوله كما مر عن شراح الخ) قد مر فيما نقل عن شراح الهداية التمثيل للفساد الضعيف بعدم الترتيب وقد ذكر
الاسبيجابي أنه إذا كانت الفائتة يجب قضاؤها بالإجماع، وإلا لا يعتبر الظن، ومقتضى هذا أن تفسد أولى الوقتيات هنا
فقط، لأن ما بعد الأولى يكون ما قبلها غير مجمع على قضائه، وهذا مقتضى ما ذكره الكمال أيضاً حيث قال: بل إن
كان المجتهد فيه ابتداء لا يعتبر الظن، وإن كان مما يبتنى عليه ويستتبعه اعتبر ذلك الظن، فإن المجتهد فيه ابتداء في
صورة مسألتنا إنما هو الأولى من الوقتيات، وما بعدها مبني عليها وتابع لها فيكون الظن فيه معتبراً، وحينئذ تكون
هذه المسألة مخالفة لما تقدم.
وفرق شيخنا بين هذه الصورة وبين ما تقدم، بأن فيما تقدم لم يكن هناك صلاة مجمع على فسادها حيث أعاد
المتروكة، أما هنا فلم تحصل إعادة المتروكة، وحيث لم تعد المتروكة يقال في كل الصلوات هي مجتهد فيها ابتداء
وليست مبنية على المجتهد فيه.

٥٣٢
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
باقي صلواته انقلبت صحيحة بعد طلوع الشمس (وإلا) بأن لم تصر ستاً (لا) تظهر
صحتها بل تصير نفلاً، وفيها يقال: صلاة تصحح خمساً وأخرى تفسد خمساً.
(ولو مات وعليه صلوات فائتة وأوصى بالكفارة يعطى لكل صلاة
شرطاً البتة، وذكر نحو ذلك العلامة الشرنبلالي في الإمداد عن المعراج أيضاً، ومجمع
الروايات والتاترخانية والسغناقي(١) وقاضيخان، وحاصل ذلك كله ما لخصه الشارح رحمه
الله تعالی.
هذا، وفي النهر عن المعراج: كان ينبغي أنه لو أدى الخامسة ثم قضى المتروكة قبل
خروج وقتها أن لا تفسد المؤديات بل تصح لوقوعها غير جائزة، وبها تصير الفوائت ستاً.
والجواب مع كونها فائتة ما بقي الوقت إذ احتمال الأداء على وجه الصحة قائم اهـ. قوله:
(بعد طلوع الشمس) أي من غير توقف على دخول وقت السادسة وهي الظهر خلافاً لما في
الفتح، ولا على أدائها خلافاً لما يوهمه ظاهر ما في عامة الكتب. قوله: (بأن لم تصر ستاً)
أي بأن قضى الفائتة قبل خروج وقت الخامسة. قوله: (وفيها يقال الخ) هذا ذكره في
المبسوط، وهو مبني على ما مشى عليه كعامة الكتب من اشتراط أداء السادسة، فهذه
السادسة إذا أدّاها صحت الخمسة التي قبلها، فهي صلاة تصحح خمساً؛ والفائتة إذا قضاها
قبل أداء السادسة فسدت الخمسة التي قبلها، فهذه صلاة أخرى تفسد خمساً، أما على اعتبار
خروج وقت الخامسة كما مشى عليه الشارح فالمصحح والمفسد صلاة واحدة وهي الفائتة،
فإذا قضاها بعد صلاة الخامسة قبل خروج وقتها أفسدت الخمس التي قبلها، وإذا خرج
الوقت ولم يقض صحت الخمس: أي تحقق بها صحة الخمس، وإلا فالمصحح حقيقة هو
كثرة الفوائت بخروج وقت الخامسة، فافهم. قوله: (وعليه صلوات فائتة الخ) أي بأن كان
يقدر على أدائها ولو بالإيماء، فيلزمه الإيصاء بها وإلا فلا يلزمه وإن قلت، بأن کانت دون
ستّ صلوات، لقوله عليه الصلاة والسلام ((فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَالله أَحَقُّ بِقَبُولِ العُذْرِ مِنْهُ)) وكذا
حكم الصوم في رمضان إن أفطر فيه المسافر والمريض وماتا قبل الإقامة والصحة، وتمامه
في الإمداد.
مَطْلَبٌ فِي إِسْقَاطِ الصَّلَاةِ عَنِ المَيِّتِ
قوله: (يعطى) بالبناء للمجهول: أي يعطي عنه وليه: أي من له ولاية التصرّف في
ماله بوصاية أو وراثة فليزمه ذلك من الثلث إن أوصى، وإلا فلا يلزم الوليّ ذلك لأنها عبادة
فلا بد فيها من الاختيار، فإذا لم يوص فات الشرط فيسقط في حق أحكام الدنيا للتعذر،
(١) الحسين بن علي بن حجاج بن علي، حسام الدين السغناقي: فقيه حنفي. نسبته إلى سغناق [بلدة في تركستان]. له
(النهاية في شرح الهداية)) و(شرح التمهيد في قواعد التوحيد)) و((الكافي)) توفي في حلب سنة ٧١١. انظر: الفوائد
البهية ٦٢، الجواهر المضية ١/ ٢١٢، الأعلام ٢٤٧/٢.

٥٣٣
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
نصف صاع من برّ) كالفطرة (وكذا حكم الوتر) والصوم، وإنما يعطى (من ثلث ماله) ولو
بخلاف حق العباد فإن الواجب فيه وصوله إلى مستحقه لا غير، ولهذا لو ظفر به الغريم
یأخذه بلا قضاء ولا رضا، ویبرأ من عليه الحق بذلك. إمداد.
ثم اعلم أنه إذا أوصى بفدية الصوم يحكم بالجواز قطعاً، لأنه منصوص عليه. وأما إذا
لم يوص فتطوّع بها الوارث فقد قال محمد في الزيادات: إنه يجزيه إن شاء الله تعالى، فعلق
الإجزاء بالمشيئة لعدم النص، وكذا علقه بالمشيئة فيما إذا أوصى بفدية الصلاة لأنهم
ألحقوها بالصوم احتياطاً لاحتمال كون النص فيه معلولاً بالعجز فتشمل العلة الصلاة، وإن
لم يكن معلولًا تكون الفدية براً مبتدأ يصلح ماحياً للسيئات فكان فيها شبهة، كما إذا لم
يوص بفدية الصوم، فلذا جزم محمد بالأول ولم يجزم بالأخيرين، فعلم أنه إذا لم يوص بفدية
الصلاة فالشبهة أقوى.
واعلم أيضاً أن المذكور فيما رأيته من كتب علمائنا فروعاً وأصولاً: إذا لم يوص
بفدية الصوم يجوز أن يتبرع عنه وليه. والمتبادر من التقييد بالوليّ أنه لا يصح من مال
الأجنبي. ونظيره ما قالوه فيما إذا أوصى بحجة الفرض فتبرع الوارث بالحج: لا يجوز، وإِن
لم يوص فتبرع الوارث إما بالحج بنفسه أو بالإحجاج عنه رجلًا يجزيه. وظاهره أنه لو تبرع
غير الوارث لا يجزيه؛ نعم وقع في شرح نور الإيضاح للشرنبلالي التعبير بالوصي أو
الأجنبي، فتأمل، وتمام ذلك في آخر رسالتنا المسماة [شفاء العليل في بطلان الوصية
بالختمات والتهاليل]. قوله: (نصف صاع من برّ) أي أو من دقيقه أو سويقه، أو صاع تمر
أو زبيب أو شعير أو قيمته، وهي أفضل عندنا لإسراعها بسد حاجة الفقير. إمداد. ثم إن
نصف الصاع ربع مدّ دمشقي من غير تكويم، بل قدر مسحه كما سنوضحه في زكاة الفطر.
قوله: (وكذا حكم الوتر) لأنه فرض عملي عنده خلافاً لهما ط. ولا رواية في سجدة التلاوة
أنه يجب كما في الحجة. والصحيح أنه لا يجب أو لا يجب كما في الصيرفية. إسماعيل.
قوله: (وإنما يعطى من ثلث ماله) أي فلو زادت الوصية على الثلث لا يلزم الولي إخراج
الزائد إلا بإجازة الورثة. وفي القنية: أوصى بثلث ماله إلى صلوات عمره وعليه دين فأجاز
الغريم: وصيته لا تجوز، لأن الوصية متأخرة عن الدين ولم يسقط الدين بإجازته اهـ. وفيها
أوصى بصلوات عمره وعمره لا يدري فالوصية باطلة، ثم رمز إن كان الثلث لا يفي
بالصلوات جاز، وإن كان أكثر منها لم يجز اهـ. والظاهر أن المراد لا يفي بغلبة الظن، لأن
المفروض أن عمره لا يدري، وذلك كأن يفي الثلث بنحو عشر سنين مثلاً وعمره نحو
الثلاثين. ووجه هذا القول الثاني ظاهر، لأن الثلث إذا كان لا يفي بصلوات عمره تكون
الوصية بجميع الثلث يقيناً ويلغو الزائد عليها، بخلاف ما إذا كان يفي بها ويزيد عليه فإن

٥٣٤
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
لم يترك مالاً يستقرض وارثه نصف صاع مثلاً ويدفعه لفقير ثم يدفعه الفقير للوارث، ثم
وثم حتى يتم.
الوصية تبطل لجهالة قدرها بسبب جهالة قدر الصلوات، فتدبر. قوله: (ولو لم يترك مالاً
الخ) أي أصلاً أو كان ما أوصى به لا يفي. زاد في الإمداد: أو لم يوص بشيء وأراد الولي
التبرع الخ. وأشار بالتبرع إلى أن ذلك ليس بواجب على الولي. ونص عليه في تبيين
المحارم فقال: لا يجب على الولي فعل الدور، وإن أوصى به الميت لأنها وصية بالتبرع،
والواجب على الميت أن يوصي بما يفي بما عليه إن لم يضق الثلث عنه، فإن أوصى بأقل
وأمر بالدور وترك بقية الثلث للورثة أو تبرّع به لغيرهم فقد أثم بترك ما وجب عليه اهـ.
مَطْلَبٌ فِي بُطْلَانِ الوَصِيَّةِ بِالخَتمَاتِ وَالتَّهَالِيلِ
وبه ظهر حال وصايا أهل زماننا، فإن الواحد منهم يكون في ذمته صلوات كثيرة
وغيرها من زكاة وأضاح وأيمان ويوصي لذلك بدراهم يسيرة، ويجعل معظم وصيته القراءة
الختمات والتهاليل التي نص علماؤنا على عدم صحة الوصية بها، وأن القراءة لشيء من
الدنيا لا تجوز، وأن الآخذ والمعطي آثمان، لأن ذلك يشبه الاستئجار على القراءة، ونفس
الاستئجار عليها لا يجوز، فكذا ما أشبهه كما صرح بذلك في عدة كتب من مشاهیر کتب
المذهب؛ وإنما أفتى المتأخرون بجواز الاستئجار على تعليم القرآن لا على التلاوة،
وعللوه بالضرورة وهي خوف ضياع القرآن، ولا ضرورة في جواز الاستئجار على التلاوة
كما أوضحت ذلك في شفاء العليل، وسيأتي بعض ذلك في باب الإجارة الفاسدة إن شاء
الله تعالى. قوله: (يستقرض وارثه نصف صاع مثلًا الخ) أي أو قيمة ذلك. والأقرب أن
يحسب ما على الميت ويستقرض بقدره، بأن يقدّر عن كل شهر أو سنة أو يحسب مدة عمره
بعد إسقاط اثنتي عشرة سنة للذکر وتسع سنين للأنثى لأنها أقل مدة بلوغهما، فیجب عن کل
شهر نصف غرارة قمح بالمدّ الدمشقي مد زماننا، لأن نصف الصاع أقل من ربع مد، فتبلغ
كفارة ستّ صلوات لكل يوم وليلة نحو مد وثلث، ولكل شهر أربعون مداً، وذلك نصف
غرارة، ولكل سنة شمسية ست غرائر، فيستقرض قيمتها ويدفعها للفقير ثم يستوهبها منه
ويتسلمها منه لتتم الهبة، ثم يدفعها لذلك الفقير أو لفقير آخر وهكذا، فيسقط في كل مرة
كفارة سنة، وإن استقرض أكثر من ذلك يسقط بقدره، وبعد ذلك يعيد الدور لكفارة الصيام
ثم للأضحية ثم للأيمان، لكن لا بد في كفارة الأيمان من عشرة مساكين، ولا يصح أن يدفع
للواحد أكثر من نصف صاع في يوم للنص على العدد فيها، بخلاف فدية الصلاة فإنه يجوز
إعطاء فدية صلوات لواحد کما یآتي. وظاهر كلامهم أنه لو کان عليه زكاة لا تسقط عنه بدون
وصية لتعليلهم، لعدم وجوبها بدون وصية باشتراط النية فيها لأنها عبادة فلا بد فيها من الفعل
حقيقة أو حكماً، بأن يوصي بإخراجها فلا يقوم الوارث مقامه في ذلك. ثم رأيت في صوم

٥٣٥
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
(ولو قضاها ورثته بأمره لم يجز) لأنها عبادة بدنية (بخلاف الحج) لأنه يقبل
النيابة، ولو أدى للفقير أقلّ من نصف صاع لم يجز؛ ولو أعطاه الكل جاز، ولو فدى عن
صلاته في مرضه لا يصح، بخلاف الصوم.
(ويجوز تأخير الفوائت) وإن وجبت على الفور (لعذر السعي على العيال؛
السراج التصريح بجواز تبرع الوارث بإخراجها، وعليه فلا بأس بإدارة الولي للزكاة، ثم
ينبغي بعد تمام ذلك كله أن يتصدق على الفقراء بشيء من ذلك المال أو بما أوصى به
الميت إن كان أوصى. قوله: (لم يجز) الظاهر أنه بضم الياء من الإجزاء بمعنى أن الصلاة لا
تسقط عن الميت بذلك و کذا الصوم؛ نعم لو صام أو صلی وجعل ثواب ذلك للمیت صح،
لأنه يصح أن يجعل ثواب عمله لغيره عندنا كما سيأتي في باب الحج عن الغير إن شاء الله
تعالى. قوله: (لأنه يقبل النيابة) لأنه عبادة مركبة من البدن والمال، فإن العبادة ثلاثة أنواع:
مالية، وبدنية، ومركبة منهما؛ فالعبادة المالية كالزكاة تصح فيها النيابة حالة العجز والقدرة.
والبدنية كالصلاة والصوم لا تصح فيها النيابة مطلقاً. والمركبة منهما كالحج: إن كان نفلاً
تصح فيه النيابة مطلقاً، وإن كان فرضاً لا تصح إلا عند العجز الدائم إلى الموت، كما سيأتي
بيانه في الحج عن الغير إن شاء الله تعالى. قوله: (لم يجز) هذا ثاني قولين حكاهما في
التاتر خانية بدون ترجيح. وظاهر البحر اعتماده، والأول منهما أنه يجوز كما يجوز في صدقة
الفطر. قوله: (جاز) أي بخلاف كفارة اليمين والظهار والإفطار. تاتر خانية. قوله: (ولو
فدى عن صلاته في مرضه لا يصح) في التاترخانية عن التتمة: سئل الحسن بن عليّ عن
الفدية عن الصلاة في مرض الموت هل تجوز؟ فقال: لا. وسئل أبو يوسف عن الشيخ الفاني
هل تجب عليه الفدية عن الصلوات كما تجب عليه عن الصوم وهو حيّ؟ فقال: لا اهـ. وفي
القنية: ولا فدية في الصلاة حالة الحياة، بخلاف الصوم اهـ.
أقول: ووجه ذلك أن النص إنما ورد في الشيخ الفاني أنه یفطر ويفدي في حیاته،
حتى أن المريض أو المسافر إذا أفطر يلزمه القضاء إذا أدرك أياماً أخر، وإلا فلا شيء عليه؛
فإن أدرك ولم يصم يلزمه الوصية بالفدية عما قدر، هذا ما قالوه، ومقتضاه أن غير الشيخ
ليس له أن يفدي عن صومه في حياته لعدم النص ومثله الصلاة؛ ولعل وجهه أنه مطالب
بالقضاء إذا قدر، ولا فدية عليه إلا بتحقيق العجز عنه بالموت فيوصي بها، بخلاف الشيخ
الفاني فإنه تحقق عجزه قبل الموت عن أداء الصوم وقضائه فيفدي في حياته، ولا يتحقق
عجزه عن الصلاة لأنه يصلي بما قدر ولو مومئاً برأسه، فإن عجز عن ذلك سقطت عنه إذا
كثرت، ولا يلزمه قضاؤها إذا قدر كما سيأتي في باب صلاة المريض، وبما قررنا ظهر أن
قول الشارح ((بخلاف الصوم)) أي فإن له أن يفدي عنه في حياته: خاص بالشيخ الفاني.
تأمل. قوله: (ويجوز تأخير الفوائت) أي الكثيرة المسقطة للترتيب. قوله: (لعذر السعي)

٥٣٦
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
وفي الحوائج على الأصح) وسجدة التلاوة والنذر المطلق وقضاء رمضان موسع.
وضيق الحلواني، كذا في المجتبى (ويعذر بالجهل حربيّ أسلم ثمة ومكث مدة فلا
قضاء عليه) لأن الخطاب إنما يلزم بالعلم أو دليله ولم يوجدا (كما لا يقضي مرتدّ ما فاته
زمنها) ولا ما قبلها
الإضافة للبيان ط: أي فيسعى ويقضي ما قدر بعد فراغه ثم وثم إلى أن تتم. قوله: (وفي
الحوائج) أعم مما قبله: أي ما يحتاجه لنفسه من جلب نفع ودفع ضره. وأما النفل فقال في
المضمرات: الاشتغال بقضاء الفوائت أولى وأهم من النوافل، إلا سنن المفروضة وصلاة
الضحى وصلاة التسبيح والصلاة التي رويت فيها الأخبار اهـ ط: أي كتحية المسجد،
والأربع قبل العصر والستّ بعد المغرب. قوله: (وسجدة التلاوة) أي في خارج الصلاة؛ أما
فيها فعلى الفور. وفي الحلية من باب سجود التلاوة عن شرح الزاهدي: أداء هذه السجدة
في الصلاة على الفور، وكذا خارجها عند أبي يوسف. وعند محمد على التراخي، وكذا
الخلاف في قضاء الصلاة والصوم والكفارة والنذور المطلقة والزكاة والحج وسائر
الواجبات. وعن أبي حنيفة روايتان، وقيل قضاء الصلاة على التراخي اتفاقاً، والأصح
عكسه اهـ. قوله: (والنذر المطلق) أما العين بوقت فيجب أداؤه في وقته إن كان معلقاً، وفي
غير وقته يكون قضاء ط. قوله: (وضيق الحلواني) قال في البحر بعد ذلك: وذكر
الولوالجي من الصوم أن قضاء الصوم على التراخي، وقضاء الصلاة على الفور إلا لعذر اهـ.
قوله: (بالجهل) للأحكام الشرعية كوجوب صوم وصلاة وزكاة. قوله: (أسلم ثمة) أي
هناك: أي في دار الحرب. قوله: (بالعلم) فإذا بلغه في دار الحرب رجل واحد فعليه قضاء
ما تركه بعده عندهما، وهو إحدى الروايتين عن الإمام. وفي رواية الحسن عنه: لا يلزمه
حتى يخبره رجلان عدلان مسلمان، أو رجل وامرأتان. وأما العدالة ففي المبسوط أنها شرط
عندهما. وروى أبو جعفر في ((غريب الرواية)) أنها غير شرط عندهما، حتى إذا أخبره رجل
فاسق أو صبيّ أو امرأة أو عبد فإن الصلاة تلزمه. تاتر خانية. قوله: (أو دليله) أي دليل العلم
وهو الكون في دار الإسلام لاشتهار الفرائض فيها، فمن أسلم فيها لزمه قضاء ما ترك.
قوله: (زمنها) منصوب ظرف لقوله: ((فإنه)) ح. والضمير للردة المفهومة من قوله: ((مرتد)).
قوله: (ولا ما قبلها) عطف على ((ما فاته)) وأعاد ((لا)) النافية لتأكيد النفي؛ وعلى هذا يصير
المعنى: ولا يعيده ما أداه قبلها بدليل العطف المذكور(١) لأنه مقابل للمعطوف عليه،
وبدليل قوله: ((إلا الحج)) لأن معناه إذا أداه قبلها يقضيه، ولو كان المعنى أنه لا يقضي ما فاته
(١) في ط (قوله بدليل العطف المذكور) قد يدعي حصول المغايرة باختلاف الزمانين، وهو كاف في استقامة العطف،
فحينئذ لا يصح أن يكون ما ذكره دليلاً على مدعاه، واستثناء الحج لا يعين ذلك أيضاً، إنما يفيد عدم التخصيص
بالفائت وتبقى ((ما)) عامة، نعم قال العلامة السندي: ولا ما فاته قبلها: أي مما أداه، وحبط بالردة، فإنه فائت حكماً.

٥٣٧
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
إلا الحج، لأنه بالردة يصير كالكافر الأصلي (و) لذا (يلزم بإعادة فرض) أداءه ثم (ارتد
عقبه وتاب) أي أسلم (في الوقت) لأنه حبط بالردة. قال تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان
فقد حبط عمله﴾ وخالف الشافعي بدليل - فيمت وهو كافر . قلنا: أفادت عملين
قبلها لكان حق التعبير أن يقول: أو قبلها عطفاً على زمانها العامل فيه قوله: ((فاته)) ولخالف
ما سيأتي في باب المرتد، ونقله في البحر هناك عن الخانية بقوله: إذا كان على المرتدّ
قضاء صلوات وصيامات تركها في الإسلام ثم أسلم، قال شمس الأئمة الحلواني: عليه
قضاء ما ترك في الإسلام، لأن ترك الصيام والصلاة معصية، والمعصية تبقى بعد الردة اهـ.
فافهم. قوله: (إلا الحج) لأن وقته العمر، فلما حبط بالردة ثم أدرك وقته مسلماً لزمه.
قوله: (لأنه بالردة الخ) تعليل للمتن، ولقوله: ((إلا الحج)) أي فإن الكافر الأصلي إذا أسلم
لا يلزمه قضاء ما فاته زمن كفره لعدم خطاب الكفار بالشرائع عندنا كما في فتح القدير، بل
يلزمه ما أدرك وقته بعد الإسلام، والحج وقته باق فتلزمه، كما يلزمه أداء صلاة أسلم في
وقتها، فكذا المرتد. قوله: (ولذا) أي لكونه كالكافر الأصلي. قوله: (لأنه حبط) أي
بطل، والأحسن عطفه بالواو على قوله: ((ولذا)) ليكون علة ثانية للزوم الإعادة. تأمل(١).
قوله: (وخالف الشافعي) أي حيث قال: لا يلزم الإعادة، لأن إحباط العمل معلق في الآية
بالموت على الردة. قوله: (قلنا الخ) حاصل الجواب أن قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ
دِينِهِ فَيَمُثْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ همْ
فِيّها خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٢١٧] فيه ذكر عملين: أحدهما الردة، والآخر الموت عليها: أي
الاستمرار عليها إلى الموت؛ وذكر جزاءين، لكل عمل جزاء على اللفّ والنشر المرتب
فإحباط الأعمال جزاء الردة، والخلود في النار جزاء الموت عليها، بدليل أنه في الآية
الأولى علق حبط العمل على مجرد الكفر بما آمن به، ومثله قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوَا لَحَبِطَ
عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].
مَطْلَبْ: إِذَا أَسْلَمَ المُرْتَدُّ هَلْ تَعُودُ حَسَنَاتُهُ أَمْ لَا؟
تنبيه: مقتضى كون حبط العمل في الدنيا والآخرة جزاء الردة وإن لم يمت عليها
عندنا أنه لو أسلم لا تعود حسناته، وإلا كان جزاء لها وللموت عليها معاً كما يقوله الشافعي
رحمه الله تعالى. وفي البحر والنهر من باب المرتد عن التاتر خانية معزياً إلى التتمة: لو تاب
المرتد، قال أبو عليّ وأبو هاشم من أصحابنا: تعود حسناته. وقال أبو قاسم الكعبي: لا
(١) في ط (قوله الإعادة تأمل) بالتأمل ظهر أن ترك الواو وإبقاء العبارة على حالها هو الأحسن، إذ ربما يتوهم فرق بين
المرتد والكافر الأصلي، بأن الكافر الأصلي لما لم يحصل منه أداء يلزم بالإعادة، ولا كذلك المرتد المؤدي،
فلدفع هذا التوهم أردفه بقوله ((لأنه حبط الخ)) فيكون قوله ((لأنه الخ)) علة لكونه كالكافر الأصلي.

٥٣٨
كتاب الصلاة/ باب قضاء الفوائت
وجزاءين: إحباط العمل، والخلود في النار؛ فالإحباط بالردة، والخلود بالموت
عليها، فليحفظ .
فروع: صبّي احتلم بعد صلاة العشاء واستيقظ بعد الفجر لزمه قضاؤها.
صلی في مرضه بالتيمم والإيماء ما فاته في صحته صح، ولا يعيد لو صح.
کثرة الفوائت نوی أول ظهر عليه أو آخره، وكذا الصوم
تعود، ونحن نقول: إنه لا يعود ما بطل من ثوابه، ولكن تعود طاعته المتقدمة مؤثرة في
الثواب بعد اهـ. ولعل معنى كونها مؤثرة في الثواب بعد أن الله تعالى يثيبه عليها ثواباً جديداً
بعد رجوعه إلى الإسلام غير الثواب الذي بطل، أو أن الثواب بمعنى الاعتداد بها وعدم
مطالبته بفعلها ثانياً وإن حكمنا ببطلانها، لأن ذلك فضل من الله تعالى. تأمل.
وبقي هل يسقط بإسلامه ما فعله من المعاصي قبل الردة؟ مقتضى ما قدمناه عن
الخانية أنها لا تسقط، وهو قول كثير من المحققين. وعند العامة يسقط كما بسطه القهستاني
في باب المرتد، وهو الظاهر، لحديث ((الإِسْلَامُ يُجِبُّ ما قَبْلَهُ)) وهو بعمومه يشمل إسلام
المرتد، لكن ينبغي عدم الخلاف في لزوم قضاء ما تركه في الإسلام، وإنما الخلاف في
سقوط إثم التأخير والمطل في الدين الذي من حقوق العباد، وسيأتي تحقيقه هناك إن شاء الله
تعالى. قوله: (بعد صلاة العشاء) مصدر مضاف إلى مفعوله: أي بعد أن صلى العشاء.
قوله: (لزمه قضاؤها) لأنها وقعت نافلة، ولما احتلم في وقتها صارت فرضاً عليه، لأن
النوم لا يمنع الخطاب فيلزمه قضاؤها في المختار، ولذا لو استيقظ قبل الفجر لزمه إعادتها
إجماعاً كما قدمناه أول كتاب الصلاة عن الخلاصة. وفي الظهيرية: حكي عن محمد بن
الحسن أنه جاء إلى الإمام أول احتلامه فقال: ما تقول في غلام احتلم في الليل بعد ما صلى
العشاء هل يعيدها؟ قال: نعم، فقام محمد إلى زاوية المسجد وأعادها، وهي أول مسألة
تعلمها من الإمام، فلما رآه يعمل بعلمه تفرس فقال: إن هذا الصبيّ يصلح، فكان كما
قال اهـ ملخصاً. قوله: (صح) لأنه مخاطب بقضائها في ذلك الوقت فيلزمه قضاؤها على
قدر وسعه؛ أما إذا لم يكن عذر فإنه يلزمه قضاء الفائتة على الصفة التي فاتت عليها، ولذا
يقضي المسافر فائتة الحضر الرباعية أربعاً، ويقضي المقيم فائتة السفر ركعتين، لأن القضاء
يحكي الأداء، إلا لضرورة. قوله: (كثرت الفوائت الخ) مثاله: لو فاته صلاة الخميس
والجمعة والسبت فإذا قضاها لا بد من التعيين، لأن فجر الخميس مثلاً غير فجر الجمعة،
فإن أراد تسهيل الأمر يقول: أول فجر مثلاً، فإنه إذا صلاه يصير ما يليه أولًا، أو يقول آخر
فجر، فإن ما قبله يصير آخراً، ولا يضرّه عكس الترتيب لسقوطه بكثرة الفوائت. وقيل: لا
يلزمه التعيين أيضاً كما في صوم أيام من رمضان واحد، ومشى عليه المصنف في مسائل
شتى آخر الكتاب تبعاً للكنز، وصححه القهستاني عن المنية، لكن استشكله في الأشباه

١
٥٣٩
كتاب الصلاة/ باب سجود السهو
لو من رمضانين هو الأصح. وينبغي أن لا يطلع غيره على قضائه لأن التأخير معصية فلا
یظهرها .
بَابٌ: سُجُودُ السّهْوِ
من إضافة الحكم إلى سببه وأولاه بالفوائت، لأنه لإصلاح ما فات وهو والنسيان
والشك واحد عند الفقهاء،
وقال: إنه مخالف لما ذكره أصحابنا كقاضيخان وغيره، والأصح الاشتراط اهـ.
قلت: وكذا صححه في الملتقى هناك، وهو الأحوط، وبه جزم في الفتح كما قدمناه في
بحث النية، وجزم به هنا صاحب الدرر أيضاً. قوله: (لو من رمضانین) لأن كل رمضان سبب
لصومه، فصارا کظهرین من یومین، بخلاف صوم یومین من رمضان واحد، فيصح وإن لم یعین
القضاء عن اليوم الأول أو الثاني منه. قوله: (وينبغي الخ) تقدم في باب الأذان أنه يكره قضاء
الفائتة في المسجد، وعلله الشارح بما هنا من أن التأخير معصية فلا يظهرها. وظاهره أن
الممنوع هو القضاء مع الاطلاع عليه، سواء كان في المسجد أو غيره كما أفاده في المنح.
قلت: والظاهر أن ينبغي هنا الوجوب وأن الكراهة تحريمية، لأن إظهار المعصية
معصية، لحديث الصحيحين «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إِلَّ المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الجِهَارِ أَنْ يَعْمَلَ
الرَّجُلُ بِاللَّيلِ عَمَلَا ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتْرَهُ الله فَيَقُولُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتِ يَسْتُرُهُ
رَبَهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتَرَ الله عَنْهُ)) والله تعالى أعلم.
بَابٌ: سُجُودُ السّهْوِ
قوله: (من إضافة الحكم إلى سببه) قال في العناية: وهي الأصل في الإضافات لأن
الإضافة للاختصاص وأقواه اختصاص المسبب بالسبب اهـ. لكن فيه أن السجود ليس
حكماً بل هو متعلقه، والحكم هنا الوجوب وأجيب بأنه على تقدير مضاف: أي وجوب
سجود السهو. تأمل. قوله: (وأولاه بالفوائت) أي قرنه بها على طريق التضمين ولذا عداه
بالباء، وإلا فهو من الولي بمعنى القرب والدنوّ كما في القاموس، فيعدى إلى المفعول
الثاني بـ (من)) لا بالباء. يقال: أوليت زيداً من عمرو: أي قربته منه. قوله: (لأنه لإصلاح ما
فات) أي ما ترك من الواجبات في محله، كما أن قضاء الفوائت لإصلاح ما فات وقته بفعله
بعده. قوله: (وهو) أي السهو. قوله: (واحد عند الفقهاء) خبر عن ((هو)) وما عطف عليه:
أي معنى هذه الثلاثة واحد عند الفقهاء. وفي ذكر الشك نظر. وفي البحر عن التحرير: لا
فرق في اللغة بين النسيان والسهو، وهو عدم استحضار الشيء في وقت الحاجة. قال
الرملي: وفي جمع الجوامع: السهو: الغفلة عن المعلوم، فيتنبه له بأدنى تنبه. والنسيان:
زوال المعلوم. وقال الحكماء: السهو: زوال الصورة عن المدركة مع بقائها في الحافظة.

٥٤٠
كتاب الصلاة/ باب سجود السهو
والظن الطرف الراجح، والوهم الطرف المرجوح (يجب بعد سلام واحد عن يمينه فقط)
لأنه المعهود، وبه يحصل التحليل، وهو الأصح.
والنسيان: زوالهما عنها معاً(١)، فحينئذ يحتاج في تحصيلها إلى سبب جديد. قوله: (والظن
الخ) حاصله أن ما يخطر بالبال ولم يصل إلى حدّ اليقين حتى يسمى علماً، ولا تساوت
جهتاه حتى يسمى شكاً، بل ترجحت فيه إحداهما على الأخرى، فالمرجوحة وهم،
والراجحة ظن، فإن زاد الرجحان بلا جزم فهو غلبة الظن. قوله: (يجب له) أي للسهو الآتي
بيانه في قوله: ((بترك واجب سهواً)) ح. وذكر في المحيط عن القدوري أنه سنة. وظاهر
الرواية الوجوب، وصححه في الهداية وغيرها، لأنه لجبر نقصان تمكن في الصلاة فیجب
كالدماء في الحج، ويشهد له الأمر به في الأحاديث الصحيحة والمواظبة عليه. وظاهر
كلامهم أنه لو لم يسجد يأثم بترك الواجب، ولترك سجود السهو. بحر. وفيه نظر، بل يأثم
لترك الجابر فقط، إذ لا إثم على الساهي؛ نعم هو في صورة العمد ظاهر، فينبغي أن يرتفع
هذا الإثم بإعادتها. نهر. قوله: (بعد سلام) متعلق بمحذوف حال من فاعل يجب لا بيجب،
لما يأتي من أنه لو سجد قبل السلام كره تنزيهاً؛ نعم يصح تعلقه بيجب بالنظر إلى تقييد
السلام بالواحد لما يأتي من أنه بعد التسليمتين يسقط السجود. قوله: (واحد) هذا قول
الجمهور، منهم شيخ الإسلام وفخر الإسلام. وقال في الكافي : إنه الصواب، وعليه
الجمهور، وإليه أشار في الأصل اهـ. إلا أن مختار فخر الإسلام كونه تلقاء وجهه من غير
انحراف. وقيل يأتي بالتسليمتين، وهو اختيار شمس الأئمة وصدر الإسلام أخي فخر
الإسلام، وصححه في الهداية والظهيرية والمفيد والينابيع، كذا في شرح المنية. قال في
البحر: وعزاه: أي الثاني في البدائع إلى عامتهم، فقد تعارض النقل عن الجمهور اهـ.
قوله: (عن يمينه) احتراز عما اختاره فخر الإسلام من أصحاب القول الأول كما علمته.
وفي الحلية: اختار الكرخي وفخر الإسلام وشيخ الإسلام وصاحب الإيضاح أن يسلم
تسليمة واحدة. ونص في المحيط على أنه الأصوب، وفي الكافي على أنه الصواب. قال
فخر الإسلام: وينبغي على هذا أن لا ينحرف في هذا السلام: يعني فيكون سلامه مرة
واحدة تلقاء وجهه. وغيره من أهل هذا القول على أنه يسلم مرة واحدة عن يمينه
خاصة اهـ.
والحاصل أن القائلين بالتسليمة الواحدة قائلون بأنها عن اليمين، إلا فخر الإسلام
منهم فإنه يقول: إنها تلقاء وجهه، وهو المصرّح به في شروح الهداية أيضاً كالمعراج والعناية
والفتح. قوله: (لأنه المعهود) تعليل لكونه عن يمينه، وقوله: ((وبه يحصل التحليل)) تعليل
(١) في ط (قوله زوالهما معاً) هكذا بخطه، ولعل الأوفق بما قبله ((زوالهما عنها معاً) أي زوال الصورة عن المدركة
والحافظة معاً.