Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب الصلاة / باب الإمامة
= ورد الدليل الأول: بأن الحديث وارد فيمن أمره الإمام على سرية أو ناحية جمعاً بين الأدلة أو أنه خرج مخرج
التمثيل والفرض للمبالغة في إيجاب السمع والطاعة لولاة الأمر.
ورد الثاني: بأنه مذهب صحابي، ومذهب الصحابي ليس بحجة، وبأن عصبية الولاء حاصلة لسالم في قريش،
وهي الفائدة في اشتراط النسب القرشي كما سيأتي.
قال ابن خلدون في مقدمته بعد أن رد هذا الدليل:
(وأيضاً فمولى القوم منهم وعصبية الولاء حاصلة لسالم في قريش، وهي الفائدة في اشتراط النسب، ولما استعظم
عمر أمر الخلافة، ورأى شروطها كأنها مفقودة في ظنه عدل إلى سالم لتوفر شروط الخلافة عنده فيه حتى من النسب
المفيد للعصبية كما نذكر، ولم يبق إلا صراحة النسب فرآه غير محتاج إليه إذ الفائدة في النسب إنما هي العصبية،
وهي حاصلة من الولاء، فكان ذلك حرصاً من عمر رضي الله عنه على النظر للمسلمين، وتقليد أمرهم لمن لا
تلحقه فیه لائمة ولا علیه فيه عهدة.
واستدل القائلون باشتراط النسب القرشي بأمور:
الأول: أن أبا بكر رضي الله عنه احتج على الأنصار لما أرادوا مبايعة سعد بن عبادة. بقول النبي وَير: (الأئمة من
قريش) فأقلعوا عن التفرد بها، ورجعوا عن المشاركة فيها حين قالوا: منا أمير، ومنكم أمير تسليماً لروايته،
وتصديقاً لخبره، ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء،، لا تفتاتون في رأي، ولا تقضى دونكم الأمور، فكان
ذلك إجماعاً من الصحابة رضي الله عنهم.
الثاني: أن قريشاً احتجوا على الأنصار يوم السقيفة بأن النبي ول# أوصاهم أن يحسنوا إلى محسنهم، ويتجاوزوا عن
مسيئهم، ولو كانت الإمارة في الأنصار لم تكن الوصاية بهم.
الثالث: ما رواه الشافعي والبيهقي من قوله وله: (قدموا قريشاً، ولا تتقدموها) وفي معناه حديث أبي هريرة
المرفوع في الصحيحين (الناس تبع لقريش في هذا الشأن).
الرابع: ما رواه أبو بكر- رضي الله عنه - من قول النبي ◌َله: (قريش ولاة هذا الأمر)، وفي معناه ما رواه الإمام أحمد
والطبراني من قوله عليه السلام: (الخلافة في قريش) فهذه الأدلة المتكاثرة تدل دلالة واضحة على أن النبي عليه أراد
جعل الخلافة في قریش.
وليس بصحيح ما قاله بعض الكتاب من أن حديث: (الأئمة من قريش) لو صح، وكان لا مناص من الإيمان به وجب
حمله على أنه من باب الإخبار بالغيب على حد قوله ظهر: (خير القرون قرني ثم الذي يليه ثم الذي يليه إلى آخره) لا
من باب الأمر باتخاذ الخلفاء من قريش خاصة.
لأنا نقول: إن هذا الحديث لا شك في صحتة ونسبته إلى النبي ◌َّار، وحسبنا فيه قول الحافظ ابن حجر في ((فتح
الباري)) ما نصه: (قد جمعت طرقه على نحو أربعين صحابياً لما بلغني أن بعض فضلاء العصر ذكر أنه لم يرو إلا عن
أبي بكر الصديق) وهو مع ذلك من باب الأمر باتخاذ الخلفاء من قریش لا من باب الإخبار بالغيب كما قال.
فحديث: (الأئمة من قريش) وإن كان خبراً لفظاً، إلا أنه إنشاء وأمر من جهة المعنى يدل على ذلك ما ذكر من
الأحاديث بصيغة الأمر.
غير أن النبي 18 لم يقصد بهذه الآثار الكثيرة وتلك الأوامر المتعددة أن تكون الخلافة ثابتة في قريش، فلا تتعداها
إلى غيرها.
بل أمر بجعل الخلافة في قريش لعلة يعلمها وحكمة يراها، وهي مصلحة المسلمين، وذلك أن قريشاً كانت فيهم
العزة والمنعة والحمية يذعن لهم جميع العرب، وتنقاد لهم سائر الأمم فهم كما قال أبو بكر: (أوسط العرب نسباً
وداراً وأعزهم أحساباً ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة) فكانت عصبيتهم غالبة. لذلك أمر
النبي # بأن يكون الخليفة منهم ليحسن قيامه بواجبه، وتجتمع حوله الكلمة، فيحمي هذا الدين الذي بدأ فيهم
غريباً، وينشره في الآفاق، وقد كان كما رأى #، فأذعن لهم سائر العرب وانقاد كثير من الأمم إلى أحكام الشريعة
الإسلامية، ووطئت جنودهم قاصية البلاد كما وقع في أيام الفتوحات، فاشتراط القرشية للعزة والقوة التي كانت في
قريش إذ ذاك، فإذا تحقق هذا المعنى في شخص صح أن يكون خليفة، ولو لم يكن من قريش.

٢٨٢
كتاب الصلاة / باب الإمامة
لا هاشمياً علوياً معصوماً. ويكره تقليد الفاسق، ويعزل به، إلا لفتنة. ويجب أن يدعى له
قوله: (لا هاشمیاً إلخ) أي لا يشترط كونه هاشمياً: أي من أولاد هاشم بن عبد مناف كما
قالت الشيعة نفياً لإمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم، ولا علوياً: أي من
أولاد عليّ بن أبي طالب كما قال به بعض الشيعة نفياً لخلافة بني العباس، ولا معصوماً كما
قالت الإسماعيلية والاثنا عشرية: أي الإمامية، كذا في شرح المقاصد، وكان الأولى أن
یکرر لا لیظهر أن کل واحد من هذه الثلاثة قول على حدة؛ فإن عبارته توهم أنها قول واحد
ح. قوله: (ويكره تقليد الفاسق) أشار إلى أنه لا تشترط عدالته، وعدها في المسايرة من
الشروط، وعبر عنها تبعاً للإمام الغزالي بالورع. وزاد في الشروط العلم والكفاية، قال:
والظاهر أنها: أي الكفاءة أعم من الشجاعة تنتظم كونه ذا رأي وشجاعة كي لا يجبن عن
الاقتصاص وإقامة الحدود والحروب الواجبة وتجهيز الجيوش؛ وهذا الشرط: يعني
الشجاعة مما شرطه الجمهور، ثم قال: وزاد كثير الاجتهاد في الأصول والفروع؛ وقيل لا
يشترط ولا الشجاعة لندرة اجتماع هذه الأمور في واحد، ويمكن تفويض مقتضيات
الشجاعة والحكم إلى غيره أو بالاستفتاء للعلماء. وعند الحنفية: ليست العدالة شرطاً
للصحة فيصح تقليد الفاسق الإمامة مع الكراهة(١)؛ وإذا قلد عدلاً ثم جار وفسق لا ينعزل؛
= إذ النسب القرشي ليس مشروطاً لذاته، لأن حراسة الدين، وسياسة الدنيا تكون من الكفء القادر أياً كان نسبه
قال ابن خلدون في مقدمته بعد بحث مستفیض:
(فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب، وعلمنا أن الشارع لا يخص
الأحكام بجيل ولا عصر، ولا أمة علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها، وطردنا العلة المشتملة على
المقصود من القرشية، وهي وجود العصبية، فاشترطنا في القائم بأمر المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية غالبة
ليستتبعوا من سواهم، وتجتمع الكلمة على حسن الحماية ولا يعلم ذلك في الأقطار والآفاق كما كان في القرشية إذ
الدعوة الإسلامية التي كانت لهم كانت عامة وعصبية العرب كانت وافية بها فغلبوا سائر الأمم).
وإنما يخص بهذا العهد كل قطر بمن تكون له فيه العصبية الغالبة، وإذا نظرت سر الله في الخلافة لم تعد هذا، لأنه
سبحانه إنما جعل الخليفة نائباً عنه في القيام بأمور عباده، ليحملهم على مصالحهم، ويردهم عن مضارهم، وهو
مخاطب بذلك، ولا يخاطب بالأمر إلا من له قدرة عليه.
(١) اختلف العلماء في انعزال الإمام بالفسق.
فذهب الجمهور إلى أن الإمام لا ينعزل بالفسق بنوعين إذ العدالة شرط في انعقاد الإمامة لا في الدوام والاستمرار،
فإذا طرأ الفسق على الإمام بعد بيعته وتوليته لا يخرج به عن الإمامة.
قال السعيد في شرح المقاصد: (وإذا ثبت الإمام بالقهر والغلبة ثم جاء آخر فقهره انعزل، وصار القاهر إماماً، ولا
يجوز خلع الإمام بلا سبب، ولو خلعوه لم ينفذ، وإن عزل نفسه فإن كان لعجز من القيام بالأمر انعزل، وإلا فلا، ولا
ينعزل الإمام بالفسق والإغماء، وينعزل بالجنون، والعمى، والصمم، والخرس، وبالمرض ينسيه العلوم).
وذهب بعض العلماء إلى أن الإمام ينعزل بفسق الجوارح، فهذا النوع كما يمنع من انعقاد الإمامة يمنع من
استدامتها، فلو طرأ على من عقدت له خرج منها، ولو عاد إلى العدالة لم يعد إليها إلا بعقد جديد.
أما فسق الاعتقاد فقد اختلفوا فيه، فذهب فريق منهم إلى أنه يمنع من انعقاد الإمامة واستدامتها، فيخرج الإمام
بحدوثه منها؛ لأنه لما استوى حكم الكفر بتأويل وغير تأويل وجب أن يستوي حال الفسق بتأويل وغير تأويل.

٢٨٣
كتاب الصلاة / باب الإمامة
بالصلاح، وتصح سلطنة متغلب للضرورة، وكذا صبي.
ولكن يستحق العزل إن لم يستلزم فتنة: ويجب أن يدعى له؛ ولا يجب الخروج عليه؛ كذا .
عن أبي حنيفة وكلمتهم قاطبة في توجيهه هو أن الصحابة صلوا خلف بعض بني أمية وقبلوا
الولاية عنهم. وفي هذا نظر: إذ لا يخفى أن أولئك كانوا ملوكاً تغلبوا، والمتغلب تصح منه
هذه الأمور للضرورة، وليس من شرط صحة الصلاة خلف إمام عدالته؛ وصار الحال عند
التغلب كما لم يوجد أو وجد ولم يقدر على توليته لغلبة الجورة اهـ كلام المسايرة للمحقق
ابن الهمام. قوله: (ويعزل به) أي بالفسق لو طراً عليه؛ والمراد أنه يستحق العزل كما
علمت آنفاً، ولذا للم يقل ينعزل. قوله: (وتصح سلطنة متغلب) أي من تولى بالقهر والغلبة
بلا مبايعة أهل الحل والعقد وإن استوفى الشروط المارة. وأفاد أن الأصل فيها أن تكون
بالتقليد. قال في المسايرة: ويثبت عقد الإمامة إما باستخلاف الخليفة إياه كما فعل أبو بكر
رضي الله تعالى عنه، وإما ببيعة جماعة من العلماء أو جماعة من أهل الرأي والتدبير. وعند
الأشعري: يكفي الواحد من العلماء المشهورين من أولي الرأي، بشرط كونه بمشهد(١)
شهود لدفع الإنكار إن وقع. وشرط المعتزلة خمسة، وذكر بعض الحنفية اشتراط جماعة دون
عدد مخصوص اهـ. قوله: (للضرورة) هي دفع الفتنة، ولقوله وَله((أَسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوْ أُمِّرَ
عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِي أَجْدَع))(٢) ح. قوله: (وكذا صبي) أي تصح سلطنته للضرورة، لكن في
الظاهر لا حقيقة. قال في الأشباه: وتصح سلطنته ظاهراً، قال في البزازية: مات السلطان
واتفقت الرعية على سلطنة ابن صغير له ينبغي أن تفوّض أمور التقليد على وال، ويعدّ هذا
الوالي نفسه تبعاً لابن السلطان لشرفه، والسلطان في الرسم هو الابن، وفي الحقيقة هو
الوالي لعدم صحة الإذن بالقضاء والجمعة ممن لا ولاية له اهـ: أي لأن الوالي لو لم يكن هو
السلطان في الحقيقة لم يصح إذنه بالقضاء والجمعة، لكن ينبغي أن يقال: إنه سلطان إلى
= وذهب الآخرون إلى أنه لا يمنع من انعقاد الإمامة واستدامتها كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشهادة.
استدل الجمهور على عدم انعزال الإمام بالفسق بحديث عبادة بن الصامت في المبايعة قال: دعانا النبي تؤغ
فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: ((إن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا
وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)).
فهذا الحديث يدل على أن الإمام لا ينازع في ولاية إلا إذا أظهر الكفر.
واستدل القائلون بأن الإمام ينعزل بالفسق بقوله طاهر: (سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون،
وینکرون علیکم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله ورسوله).
وما روي أن الرسول عليه السلام قال: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم».
دلت الروايتان على عدم حل ذبيحة المجوس للمسلمين.
واستدلوا ثالثاً: بأن المجوسي ليس بصاحب ملة توحيد، فانعدمت منه صفة حل الذبح من الذابح لفقدان شرط
الذبح، محرم لذبيحته.
(١) في ط (قوله بمشهد) أي حضور.
(٢) أخرجه البخاري ١٢١/١٣ (٧١٤٢) ومن رواية أم الحصين مسلم ٩٤٤/٢ (١٢٩٨/١١).

٢٨٤
كتاب الصلاة / باب الإمامة
وينبغي أن يفوّض أمور التقليد على وال تابع له، والسلطان في الرسم هو الولد،
وفي الحقيقة هو الوالي لعدم صحة إذنه بقضاء وجمعة كما في الأشباه عن البزازية. وفيها
لو بلغ السلطان أو الوالي يحتاج إلى تقليد جدید.
والصغرى ربط صلاة المؤتمّ بالإمام بشروط عشرة:
غاية، وهي بلوغ الابن، لئلا يحتاج إلى عزله عند تولية ابن السلطان إذا بلغ. تأمل. قوله:
(أن يفوض) بالبناء للمجهول، والفاعل: هم أهل الحلّ والعقد على ما مر بيانه، لا الصبيّ
لما علمت من أنه لا ولاية له وضمن يفوض معنى يلقي فعدي بعلى وإلا فهو يتعدى بإلى.
قوله: (في الرسم) أي في الظاهر والصورة. قوله: (كما في الأشباه) أي في أحكام
الصبيان، وعلمت عبارته. قوله: (وفيها) أي في الأشباه عن البزازية أيضاً، وذكر ذلك بعد
ما مر بنحو ورقة، فافهم. وذكر الحموي أن تجدید تقليده بعد بلوغه لا يكون إلا إذا عزل
ذلك الوالي نفسه، لأن السلطان لا ينعزل إلا بعزل نفسه، وهذا غير واقع اهـ.
قلت: قد يقال: إن سلطنة ذلك الوالي ليست مطلقة، بل هي مقيدة بمدة صغر ابن
السلطان، فإذا بلغ انتهت سلطنة ذلك الوالي كما قلناه آنفاً. قوله: (ربط الخ) هكذا نقله
صاحب النهر عن أخيه صاحب البحر، ولا يظهر إلا تعريفاً للاقتداء، وذلك لأن الإمامة
مصدر المبني للمجهول، لأن الإمام هو المتبع، ويدل على ذلك تعريف ابن عرفة لها بأنها
اتباع الإمام في جزء من صلاته: أي أن يتبع بفتح الموحدة. وأما الربط المذكور، إن كان
مصدر ربط المبني للمعلوم فهو صفة المؤتم، فيكون بمعنى الائتمام: أي الاقتداء وإن كان
مصدر المبني للمجهول فهو صفة صلاة المؤتم، لأنها هي المربوطة، وعلى كل حال لا
يصلح تعريفاً للإمامة بل للاقتداء اهـ ط عن ح.
وأقول: بقي للربط معنى ثالث هو المراد، وبه يندفع الإيراد، وهو أن يراد به المعنى
الحاصل بالمصدر وهو الارتباط.
وبيان ذلك أن الإمام لا يصير إماماً إلا إذا ربط المقتدي صلاته بصلاته، فنفس هذا
الارتباط هو حقيقة الإمامة، وهو غاية الاقتداء الذي هو الربط بمعنى الفاعل، لأنه إذا ربط
صلاته بصلاة إمامه حصل له صفة الاقتداء والائتمام، وحصل لإمامه صفة الإمامة التي هي
الارتباط، هذا ما ظهر لفهمي القاصر، والله تعالى أعلم. قوله: (بشروط عشرة) هذه
الشروط في الحقيقة شروط الاقتداء، وأما شروط الإمامة فقد عدّها في نور الإيضاح على
حدة فقال: وشروط الإمامة للرجال الأصحاء ستة أشياء: الإسلام والبلوغ والعقل والذكورة
والقراءة والسلامة من الأعذار كالرعاف والفأفأة والتمتمة واللثغ وفقد شرط كطهارة وستر
عورة اهـ. احترز بالرجال الأصحاء عن النساء الأصحاء، فلا يشترط في إمامهن الذكورة؛

٢٨٥
كتاب الصلاة / باب الإمامة
نية المؤتم الاقتداء، واتحاد مكانهما وصلاتهما، وصحة صلاة إمامه،
وعن الصبيان فلا يشترط في إمامهم البلوغ، وعن غير الأصحاء فلا يشترط في إمامهم
الصحة، لكن يشترط أن يكون حال الإمام أقوى من حال المؤتم أو مساوياً ح.
أقول: قد علمت مما قدمناه أن الإمامة غاية الاقتداء، فما لم يصح الاقتداء لم تثبت
الإمامة، فتكون الشروط العشرة التي ذكرها الشارح شروطاً للإمامة أيضاً من حيث توقف
الإمامة عليها، كما أن السنة المذكورة تصلح شروطاً للاقتداء أيضاً، إذ لا يصح الاقتداء
بدونها، فالستة عشر كلها شروط لكل من الإمامة والاقتداء، لكن لما كانت العشرة قائمة
بالمقتدي والسنة قائمة بالإمام حسن جعل العشرة شروطاً للاقتداء والسنة شروطاً للإمامة،
فافهم واغتنم تحرير هذا المقام، وقد نظمت هذه الشروط على هذا الوجه فقلت: [الطويل]
شُرُوطُ اقْتِدَاءٍ عَشْرَةٌ قَدْ نَظَمْتُهَا بِشِعْرٍ كَعقْدِ الدُّرِّ جَاءَ مُنَضَّدا
تَأْخُرُ مُؤْثَمٌ وَعِلْمُ انْتِقَالِ مَنْ بهِ ائتمَّ مَعْ كَوْنِ المَكَانَينِ وَاحِدا
وَكَوْنُ إِمَامٍ لَيْسَ دُونَ تَبِيعه بِشَرطٍ وَأَرْكَانٍ وَنِيَّةِ اَلاَقْتِدَا
مُشَارَكَةٌ فِي كُلِّ رُكْنٍ وَعِلْمُهُ بِحَالِ إِمَامٍ حَلّ أمْ سَارَ مُبْعدا
وَأَنْ لَا تُحاذِيهِ الَّتِي مَعْهُ أَقْتَدَتْ وَصحَّةُ مَا صَلَّى الإِمَامِ مِنَ أبتِدا
كَذاك اتحادُ الفَرض، هَذَا تَمَامُهَا وَسِتَ شُرُوطٍ للإمَامة في المدَا
بُلُوٌ وَإِسْلَامٌ وَعَقْلٌ ذُكُورَةٌ قِرَاءَةُ مجزٍ فَقْدُ عُذْرٍ بِهِ بَدَا
قوله: (نية المؤتم) أي الاقتداء بالإمام، أو الاقتداء به في صلاته أو الشروع فيها أو
الدخول فيها بخلاف نية صلاة الإمام. وشرط النية أن تكون مقارنة للتحريمة أو متقدمة عليها
بشرط أن لا يفصل بينها وبين التحريمة فاصل أجنبي كما تقدم في النية ح. قوله: (واتحاد
مکانهما) فلو اقتدی راجل براکب أو بالعكس أو راکب براکب دابة أخری لم يصح لاختلاف
المكان؛ فلو كانا على دابة واحدة صح لاتحاده كما في الإمداد، وسيأتي. وأما إذا كان بينها
حائط فسيأتي أن المعتمد اعتبار الاشتباه لا اتحاد المكان، فيخرج بقوله وعلمه بانتقالاته،
وسيأتي تحقيق هذه المسألة بما لا مزيد عليه. قوله: (وصلاتهما) أي واتحاد صلاتهما قال في
البحر: والاتحاد أن يمكنه الدخول في صلاته بنية صلاة الإمام فتكون صلاة الإمام متضمنة
لصلاة المقتدي اهـ. فدخل اقتداء المتنفل بالمفترض، لأن من لا فرض عليه لو نوى صلاة
الإمام المفترض صحت نفلاً، ولأن النفل مطلق والفرض مقيد، والمطلق جزء المقيد، فلا
يغايره كما في شرح المنية. وعبر في نور الإيضاح بقوله: وأن لا يكون مصلياً فرضاً غير
فرضه اهـ. وهو أولى من عبارة الشارح فافهم. قوله: (وصحة صلاة إمامه) فلو تبین فسادها

٢٨٦
كتاب الصلاة / باب الإمامة
وعدم محاذاة امرأة، وعدم تقدمه عليه بعقبه، وعلمه بانتقالاته وبحاله من إقامة وسفر،
ومشاركته في الأركان، وكونه مثله أو دونه فيها، وفي الشرائط كما بسط في البحر:
فسقاً من الإمام أو نسياناً لمضيّ مدة المسح أو لوجود الحدث أو غير ذلك لم تصح صلاة
المقتدي لعدم صحة البناء، وكذا لو كانت صحيحة في زعم الإمام فاسدة في زعم المقتدي
لبنائه على المفاسد في زعمه. فلا يصح، وفيه خلاف وصحح كل. أما لو فسدت في زعم
الإمام وهو لا يعلم به وعلمه المقتدي صحت في قول الأكثر، وهو الأصح لأن المقتدي
يرى جواز صلاة إمامه والمعتبر في حقه رأي نفسه. رحمتي. قوله: (وعدم محاذاة امرأة) أي
بشروطها الآتية. قوله: (وعدم تقدمه عليه بعقبه) فلو ساواه جاز. وإن تقدمت أصابع
المقتدي لكبر قدمه على قدم الإمام ما لم يتقدم أكثر القدم كما سيأتي. وفي إمداد الفتاح:
وتقدم الإمام بعقبه عن عقب المقتدي شرط لصحة اقتدائه، حتى لو كان عقب المقتدي غير
متقدم على عقب الإمام، لکن قدمه أطول فتكون أصابعه قدام أصابع إمامه تجوز، كما لو كان
المقتدي أطول من إمامه فيسجد أمامه اهـ. وقوله ((حتى الخ)) يشمل المساواة، فلفظ التقدم
الواقع في المتن غير مقصود. رحمتي. قوله: (وعلمه بانتقالاته) أي بسماع أو رؤية للإمام أو
لبعض المقتدين. رحمتي. وإن لم يتحد المكان ط. قوله: (وبحاله الخ) أي علمه بحال
إمامه من إقامة أو سفر قبل الفراغ أو بعده، وهذا فيما لو صلى الرباعية ركعتين في مصر أو
قرية، فلو خارجها لا تفسد، لأن الظاهر أنه مسافر فلا يحمل على السهو، وكذا لو أتم
مطلقاً، وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى في صلاة المسافر. قوله: (ومشاركته في الأركان)
أي في أصل فعلها أعم من أن يأتي بها معه أو بعده لا قبله، إلا إذا أدركه إمامه فيها، فالأول
ظاهر، والثاني كما لو ركع إمامه ورفع ثم ركع هو فيصح، والثالث عكسه فلا يصح إلا إذا
ركع وبقي راكعاً حتى أدركه إمامه، فيصح لوجود المتابعة التي هي حقيقة الاقتداء، وقد
حققنا الكلام على المتابعة في أواخر واجبات الصلاة فراجعه. قوله: (وكونه مثله أو دونه
فيها) أي في الأركان؛ مثال الأول: اقتداء الراكع والساجد بمثله والمومي بهما بمثله؛
ومثال الثاني: اقتداء المومي بالراکع والساجد، واحترز به عن کونه أقوی حالاً منه فيها
كاقتداء الراكع والساجد بالمومي بهما ح. قوله: (وفي الشرائط) عطف على ((فيها)) أي
وكون المؤتم مثل الإمام أو دونه في الشرائط؛ مثال الأول: اقتداء مستجمع الشرائط بمثله
والعاري بمثله، ومثال الثاني: اقتداء العاري بالمكتسي، واحترز به عن كونه أقوى حالاً منه
فيها کاقتداء المکتسي بالعاريح.
أقول: وفي القنية عن تأسيس النظر: وينبغي أن يجوز اقتداء الحرّة بالأمة الحاسرة
الرأس اهـ. أي لأنه غير عورة في حق الأمة فهو كرأس الرجل. تأمل. قوله: (كما بسط في
البحر) المراد به ما ذكره من الشروط العشرة، لكن ليس هذا موجوداً في أصل نسخ البحر.

٢٨٧
كتاب الصلاة / باب الإمامة
قيل وثبوتها بــ اركعوا مع الراكعين - ومن حكمها نظام الألفة وتعلم الجاهل من العالم
(هي أفضل من الأذان) عندنا خلافاً للشافعي، قاله العيني. وقول عمر: لولا الخلافة
لأذنت: أي مع الإمامة، إذ الجمع أفضل. وقال بعضهم: أخاف إن تركت الفاتحة أن
يعاتبني الشافعي، أو قرأتها يعاتبني أبو حنيفة، فاخترت الإمامة.
(والجماعة سنة مؤكدة للرجال) قال الزاهدي: أرادوا بالتأكيد الوجوب، إلا في
وإنما يوجد بهامش بعض نسخه معزياً إلى خط مؤلفه. قوله: (قيل وثبوتها الخ) وقيل معناه:
اخضعوا مع الخاضعين كما في البيضاوي ح. قوله: (نظام الألفة) بتحصيل التعاهد باللقاء
في أوقات الصلوات بين الجيران. بحر. والألفة: بضم الهمزة اسم الائتلاف ح عن
القاموس. قوله: (هي أفضل من الأذان) أي على المعتمد، وقيل بالعكس، وقيل
بالمساواة. قوله: (خلافاً للشافعي) قدمنا في الأذان عن مذهبه قولين مصححين: الأول
كقولنا، والثاني عكسه. قوله: (وقول عمر الخ) أي لا دلالة فيه على أفضلية الأذان لأن
مراده الجمع بينهما، لكن اشتغال الخليفة بأمور العامة يمنعه عن مراقبة الأوقات، فلذا
اقتصر على الإمامة. قوله: (وقال بعضهم الخ) ذكره الفخر الرازي في تفسير سورة
المؤمنين. قال في البحر: وقد كنت أختارها لهذا المعنى بعينه قبل الاطلاع على هذا النقل،
والله الموفق اهـ. قلت: ومفاده أنها أفضل من الاقتداء. قوله: (قال الزاهدي الخ) توفيق بين
القول بالسنية والقول بالوجوب الآتي، وبيان أن المراد بهما واحد أخذاً من استدلالهم
بالأخبار الواردة بالوعيد الشديد بترك الجماعة. وفي النهر عن المفيد: الجماعة واجبة،
وسنة لوجوبها بالسنة اهـ. وهذا کجوابهم عن رواية سنية الوتر بان وجوبها ثبت بالسنة، قال
في النهر: إلا أن هذا يقتضي الاتفاق على أن تركها مرة بلا عذر يوجب إثماً مع أنه قول
العراقيين. والخراسانيون على أنه يأثم إذا اعتاد الترك كما في القنية اهـ. وقال في شرح
المنية: والأحكام تدل على الوجوب، من أن تاركها بلا عذر يعزّر وترد شهادته، ويأثم
الجيران بالسكوت عنه، وقد يوفق بأن ذلك مقيد بالمداومة على الترك كما هو ظاهر
قوله ﴿ ((لَا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ» وفي الحديث الآخر «يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ)» کما يعطيه ظاهر
إسناد المضارع نحو: بنو فلان يأكلون البر: أي عادتهم، فالواجب الحضور أحياناً، والسنة
المؤكدة التي تقرب منه المواظبة (١)اهـ. ويرد عليه ما مر عن النهر، إلا أن يجاب بأن قول
العراقيين يأثم: بتركها مرة مبني على القول بأنها فرض عين عند بعض مشايخنا كما نقله
الزيلعي وغيره، أو على القول بأنها فرض كفاية كما نقله في القنية عن الطحاوي والكرخي
(١) في ط (قوله التي تقرب منه المواظبة) أي عليها: أي على الجماعة كما هو مصرح به في بعض عباراتهم.

٢٨٨
كتاب الصلاة / باب الإمامة
جمعة وعيد، فشرط. وفي التراويح سنة كفاية، وفي وتر رمضان مستحبة على قول.
وفي وتر غيره وتطوع على سبيل التداعي مكروهة، وسنحققه. ويكره تكرار الجماعة
بأذان وإقامة في مسجد محلة لا في مسجد طريق أو مسجد لا إمام له ولا مؤذن
وجماعة، فإذا تركها الكل مرة بلا عذر أثموا، فتأمل. قوله: (فشرط) بناء على القول بوجوب
العيد؛ أما على القول بسنيتها فتسنّ الجماعة فيها كما في الحلية والبحر؛ ثم قال في البحر:
ولا يخفى أن الجماعة شرط الصحة على كلّ من القولين اهـ. أي شرط لصحة وقوعها واجبة
أو سنة، فافهم. قوله: (سنة كفاية) أي على كل أهل محلة، لما في منية المصلي من بحث
التراويح، من أن إقامتها بالجماعة سنة على سبيل الكفاية، حتى لو ترك أهل محلة كلهم
الجماعة فقد تركوا السنة وأساؤوا في ذلك، وإن تخلف من أفراد الناس وصلى في بيته فقد
ترك الفضيلة اهـ. قوله: (على قول) وغير مستحبة على قول آخر، بل يصليها وحده في
بيته، وهما قولان مصححان، وسيأتي قبيل إدراك الفريضة ترجيح الثاني بأنه المذهب.
قوله: (وفي وتر غيره الخ) كراهة الجماعة فيه هو المشهور، وذكره القدوري في مختصره،
وذكر في غيره عدم الكراهة، ووفق في الحلية بحمل الأول على المواظبة والثاني على
الفعل أحياناً، وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى. قوله: (على سبيل التداعي) بأن يقتدي أربعة
فأكثر بواحد. قوله: (وسنحققه) أي قبيل إدراك الفريضة.
تتمة: قال في الحلية: وأما الجماعة في صلاة الخسوف فظاهر كلام الجم الغفير من
أهل المذهب كراهتها. وفي شرح الزاهدي: وقيل جائزة عندنا لكنها ليست بسنة اهـ.
مَطْلَبٌ فِي تَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ
قوله: (ويكره) أي تحريماً لقول الكافي لا يجوز، والمجمع لا يباح، وشرح الجامع
الصغير إنه بدعة كما في رسالة السندي. قوله: (بأذان وإقامة الخ) عبارته في الخزائن أجمع مما
هنا، ونصها: يكره تكرار الجماعة في مسجد محلة بأذان وإقامة، إلا إذا صلى بهما فيه أو لا
غير أهله أو أهله لكن بمخافتة الأذان، ولو کرّر أهله بدونهما أو كان مسجد طريق جاز
إجماعاً؛ كما في مسجد ليس له إمام ولا مؤذن ويصلي الناس فيه فوجاً فوجاً، فإن الأفضل أن
يصلي كل فريق بأذان وإقامة على حدة كما في أمالي قاضيخان اهـ. ونحوه في الدرر.
والمراد بمسجد المحلة: ما له إمام وجماعة معلومون كما في الدرر وغيرها. قال في المنبع:
والتقييد بالمسجد المختص بالمحلة احتراز من الشارع، وبالأذان الثاني احتراز عما إذا
صلى في مسجد المحلة جماعة بغير أذان حيث يباح إجماعاً اهـ. ثم قال في الاستدلال على
الإمام الشافعي النافي للكراهة ما نصه: ولنا «أَنَّه عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ خَرَجَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ
قَوْمِ فَعَادَ إِلَى المَسْجِدِ وَقَدْ صَلَّى أَهْلُ المَسْجِدِ فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَصَلَّى)) ولو جاز

٢٨٩
كتاب الصلاة / باب الإمامة
(وأقلها اثنان) واحد مع الإمام ولو مميزاً أو ملكاً أو جنياً
ذلك لما اختار الصلاة في بيته على الجماعة في المسجد، ولأن في الإطلاق هكذا تقليل
الجماعة معنى، فإنهم لا يجتمعون إذا علموا أنها لا تفوتهم.
وأما مسجد الشارع فالناس فيه سواء لا اختصاص له بفريق دون فريق اهـ. ومثله في
البدائع وغيرها، ومقتضى هذا الاستدلال كراهة التكرار في مسجد المحلة ولو بدون أذان؛
ويؤيده ما في الظهيرية: لو دخل جماعة المسجد بعدما صلى فيه أهله يصلون وحداناً وهو
ظاهر الرواية اهـ. وهذا مخالف لحكاية الإجماع المارة، وعن هذا ذكر العلامة الشيخ رحمة الله
السندي تلميذ المحقق ابن الهمام في رسالته أن ما يفعله أهل الحرمين من الصلاة بأئمة
متعددة وجماعات مترتبة مكروه اتفاقاً. ونقل عن بعض مشايخنا إنكاره صريحاً حين حضر
الموسم بمكة سنة ٥٥١ منهم الشريف الغزنوي. وذكر أنه أفتى بعض المالكية بعدم جواز
ذلك على مذهب العلماء الأربعة. ونقل إنكار ذلك أيضاً عن جماعة من الحنفية والشافعية
والمالكية حضروا الموسم سنة ٥٥١ اهـ. وأقره الرملي في حاشية البحر، لكن يشكل عليه
أن نحو المسجد المكي والمدني ليس له جماعة معلومون، فلا يصدق عليه أنه مسجد محلة،
بل هو كمسجد شارع، وقد مر أنه لا كراهة في تكرار الجماعة فيه إجماعاً، فليتأمل.
هذا، وقدمنا في باب الأذان عن آخر شرح المنية عن أبي يوسف أنه إذا لم تكن
الجماعة على الهيئة الأولى لا تكره، وإلا تكره، وهو الصحيح، وبالعدول عن المحراب
تختلف الهيئة، كذا في البزازية انتهى. وفي التاتر خانية عن الولوالجية: وبه نأخذ. قوله:
(وأقلها اثنان) لحديث (أَثْنَانِ فَمَا فَوْقُهُمَا جَاعَةٌ))(١) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير،
ورمز لضعفه. قال في البحر: لأنها مأخوذة من الاجتماع، وهما أقل ما يتحق به، وهذا في
غير جمعة اهـ: أي فإن أقلها فيها ثلاثة صالحون للإمامة سوى الإمام، ومثلها العيد لقولهم؛
يشترط لها ما يشترط للجمعة صحة وأداء سوى الخطبة، فافهم. قوله: (ولو مميزاً) أي ولو
كان الواحد المقتدي صبياً مميزاً،. قال في السراج: لو حلف لا يصلي جماعة وأم صبياً يعقل
حنث اهـ ولا عبرة بغير العاقل بحر.
قال ط: ويؤخذ منه أنه يحصل ثواب الجماعة باقتداء المتنفل بالمفترض، لأن الصبي
متنفل، ولم أر حكم اقتداء المتنفل بمثله هل يزيد ثوابه على المنفرد فليحرر اهـ.
قلت: الظاهر نعم إن لم يكن على سبيل التداعي، لحديث الصحيحين عن أنس
رضي الله عنه ((أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَّعَتْهُ لَهُ فَأَكَلَ
مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا لِأُصَلِّي بِكُمْ، فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مّا لُبِسَ فَتَضَحَتْهُ
(١) أخرجه الحاكم ٤/ ٣٣٤ والطحاوي في معاني الآثار ٣٠٨/١ والدار قطني ١/ ٢٨٠ وانظر الفوائد المجموعة (٣٢)
ونصب الراية ١٩٨/٢ والتلخيص ٣/ ٨١.

٢٩٠
كتاب الصلاة / باب الإمامة
في مسجد أو غيره. وتصح إمامة الجني. أشباه (وقيل واجبة وعليه العامة) أي عامة
مشايخنا، وبه جزم في التحفة وغيرها. قال في البحر: وهو الراجح عند أهل المذهب
(فتسن أو تجب) ثمرته تظهر في الإثم بتركها مرة (على الرجال العقلاء
بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَفْتُ أَنَا وَاليَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالعَجُوزُ مِنْ
وَرَائِنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انَصَرَفَ)) فلو لم يكن الاقتداء أفضل لما أمرهم به. تأمل.
قوله: (في مسجد أو غيره) قال في القنية: واختلف العلماء في إقامتها في البيت، والأصح
أنها كإقامتها في المسجد إلا في الأفضلية اهـ. قوله: (وتصح إمامة الجنيّ) لأنه مكلف،
بخلاف إمامة الملك فإنه متنفل، وإمامة جبريل لخصوص التعليم مع احتمال الإعادة من
النبي ولو ط. قوله: (أشباه) عبارتها في بحث أحكام الجان: ومنها انعقاد الجماعة بالجن،
ذكره الأسيوطي عن صاحب [آكام المرجان] من أصحابنا، مستدلاً بحديث أحمد عن ابن
مسعود في قصة الجن، وفيه «فَلَّمَا قَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي أَدْرَكَهُ
شَخْصَانِ مِنْهُمْ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنَّمَا نُحِبُّ أَنْ تَؤُمَّنَا فِي صَلَائِنَا، قَالَ: فَصَّفَهُمَا خَلْفَهُ ثُمَّ
صَلَّى بِنَا ثُمَّ أَنْصَرَفَ)) ونظير ذلك ما ذكره السبكي أن الجماعة تحصل بالملائكة، وفرّع على
ذلك لو صلى في فضاء بأذان وإقامة منفرداً ثم حلف أنه صلى بالجماعة لم يحنث، ومنها
صحة الصلاة خلف الجنيّ. ذكره في آكام المرجان اهـ.
أقول: وما نقله عن السبكي مأخوذ من حديث ((إِنَّ المُسَافِرَ إِذَا أَذَنَ وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ
مِنْ جُنُودِ اللّهِ مَا لَا یَری طَرِفَاهُ» رواه عبد الرزاق، ومقتضاه وجوب الجهر عليه؛ لكن قدمنا
في باب الأذان التصريح عن التاتر خانية بأن حكمه حكم المنفرد في الجهر والمخافتة؛ وبه
يعلم أنه يحنث بحلفه أنه صلى بالجماعة عندنا، ولا سيما والأيمان مبنية على العرف عندنا،
وهو منفرد عرفاً وشرعاً، وإلا لأخذ أحكام الإمام على أنه مر في الفصل السابق أنه لا يلزمه
الجهر إلا إذا نوى الإمامة، وكذا مر في شروط الصلاة أنه لا يحنث في: لا يؤم أحداً ما لم ينو
الإمامة، وليس في الحديث التصريح بالاقتداء به وإن كان المراد ذلك، فلعل انعقاد
الجماعة باقتداء الملائكة والجن إنما يستلزم أحكامها إذا كانوا على صورة ظاهرة، ولهذا لو
جامع جنيّ امرأة ووجدت لذة لا يلزمها الاغتسال كما في الخانية، إلا إذا أنزلت كما في
الفتح أو جاءها على صورة آدمي كما في الحلية، وكذا يقال في إمامة الجني، والله أعلم.
قوله: (قال في البحر الخ) وقال في النهر: هو أعدل الأقوال وأقواها، ولذا قال في
الأجناس: لا تقبل شهادته إذا تركها استخفافاً ومجانة، إما سهواً، أو بتأويل ككون الإمام من
أهل الأهواء، أو لا يراعي مذهب المقتدي فتقبل اهـط. قوله: (ثمرته الخ) هذا بناء على
تحقيق الخلاف، أما على ما مر عن الزاهدي فلا خلاف. قوله: (بتركها مرة) أي بلا عذر،
وهذا عند العراقيين، وعند الخراسانيين إنما يأثم إذا اعتاده كما في القنية، وقد مر. قوله:

٢٩١
كتاب الصلاة / باب الإمامة
البالغين الأحرار القادرين على الصلاة بالجماعة من غير حرج) ولو فاتته ندب طلبها في
(البالغين) قيد به لأن الرجل قد يراد به مطلق الذكر بالغاً أو غيره، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ
كَانُوا إِخْوَةَ رِجَالًا﴾ [النساء ١٧٦] وكما في حديث ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتْ
فَلأُوْلَی رَجُلٍ ذَكرٍ)»(١) ولذا قید بذکر، لدفع أن يراد به البالغ بناء على ما كان في الجاهلية من
عدم توريثهم إلا من استعد للحرب دون الصغار، فافهم. قوله: (الأحرار) فلا تجب على
القنّ، وسيأتي في الجمعة لو أذن له مولاه وجبت، وقيل يخير، ورجحه في البحر اهـ.
قلت: وينبغي جريان الخلاف هنا أيضاً. تأمل. قوله: (من غير حرج) قيد لكونها سنة مؤكدة
أو واجبة، فبالحرج يرتفع الإثم ويرخص في تركها ولكنه يفوته الأفضل بدليل أنه عليه
الصلاة والسلام قال لابن أم مكتوم الأعمى لما استأذنه في الصلاة في بيته ((ما أجد لك
رخصة)) قال في الفتح: أي تحصل لك فضيلة الجماعة من غير حضورها لا الإيجاب على
الأعمى، لأنه عليه الصلاة والسلام رخص لعتبان بن مالك في تركها اهـ. لكن في نور
الإيضاح: وإذا انقطع عن الجماعة لعذر من أعذارها وكانت نيته حضورها لولا العذر يحصل
له ثوابها اهـ. والظاهر أن المراد به العذر المانع کالمرض والشيخوخة والفلج، بخلاف نحو
المطر والطين والبرد والعمى. تأمل. قوله: (ولو فاتته ندب طلبها) فلا يجب عليه الطلب في
المساجد بلا خلاف بين أصحابنا، بل إن أتى مسجداً للجماعة آخر فحسن، وإن صلى في
مسجد حيه منفرداً فحسن. وذكر القدوري: مجمع بأهله ويصلي بهم، يعني وينال ثواب
الجماعة، كذا في الفتح.
واعترض الشرنبلالي بأن هذا ينافي وجوب الجماعة. وأجاب ح بأن الوجوب عند
عدم الحرج، وفي تتبعها في الأماكن القاصية حرج لا يخفى، مع ما في مجاوزة مسجد حيه
من مخالفة قوله ﴿ ((لا صَلاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إِلَّ فِي المَسْجِدِ))(٢) اهـ. وفيه أن ظاهر إطلاقه
الندب ولو إلى مكان قريب، وقوله مع ما في مجاوزة الخ. قد يقال: محله فيما إذا كان فيه
جماعة؛ ألا ترى أن مسجد الحيّ إذا لم تقم فيه الجماعة وتقام في غيره لا يرتاب أحد أن
مسجد الجماعة أفضل؟ على أنهم اختلفوا في الأفضل، هل جماعة مسجد حيه أو جماعة
المسجد الجامع؟ كما في البحر ط.
قلت: لكن في الخانية: وإن لم يكن لمسجد منزله مؤذن فإنه يذهب إليه ويؤذن فيه
ويصلي وإن كان واحداً، لأن لمسجد منزله حقاً عليه، فيؤدي حقه مؤذن مسجد لا يحضر
مسجده أحد. قالوا: هو يؤذن ويقيم ويصلي وحده، وذاك أحبّ من أن يصلي في مسجد
(١) أخرجه البخاري ١١/٢ (٦٧٣٢) ومسلم ١٢٣٣/٣ (١٦١٥/٢) ضعيف.
(٢) ضعيف أخرجه الدارقطني ١/ ٤٢٠ والحاكم ٢٤٦/١ والبيهقي ٧٥/٣، ١١١ وانظر نصب الراية ٤/ ٤١٢.

٢٩٢
كتاب الصلاة / باب الإمامة
مسجد آخر إلا المسجد الحرام ونحوه (فلا تجب على مريض. ومقعد وزمن ومقطوع يد
ورجل من خلاف) أو رجل فقط، ذكره الحدادي (ومفلوج وشيخ كبير عاجز وأعمى)
وإن وجد قائداً (ولا على من حال بينه وبينها مطر وطين وبرد شديد
آخر اهـ. ثم ذكر ما مر عن الفتح، ولعل ما مر فيما إذا صلى فيه الناس فيخير، بخلاف ما إذا
لم يصلّ فيه أحد لأن الحق تعين عليه، وعلى كل فقول ط قد يقال الخ غير مسلم، والله
أعلم. قوله: (ونحوه) قال في القنية: إلا المسجد الحرام ومسجد النبي {$، وعزاه في
آخر شرح المنية إلى مختصر البحر. ثم قال: وينبغي أن يستثنى المسجد الأقصى أيضاً، لأنها
في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي مسجده عليه الصلاة والسلام بألف، وفي المسجد
الاقصى بخمسمائة اهـ. وينبغي استثناء مسجد الحيّ على ما قلناه آنفاً. قوله: (ومقعد وزمن)
قال في المغرب: المقعد الذي لا حراك به من داء في جسده كأن الداء أقعده. وعند
الأطباء: هو الزمن؛ وبعضهم فرّق وقال: المقعد: المتشنج الأعضاء، والزمن: الذي طال
مرضه. وقال في فصل الزاي: الزمن: الذي طال مرضه زماناً، وقيل الزمن عن أبي حنيفة:
المقعد والأعمى والمقطوع اليدين أو إحداهما. والمفلوج، والأعرج: الذي لا يستطيع
المشي، والأشل اهـ. قوله: (ومفلوج) هو من به فالج، وهو استرخاء لأحد شقي الإنسان
لانصباب خلط بلغمي تنسدّ منه مسالك الروح. قاموس. قوله: (وإن وجد قائداً) وكذا الزمن
لو كان غنياً له مركب وخادم، فلا تجب عليهما عنده، خلافاً لهما، حلية عن المحيط. وذكر
في الفتح أن الظاهر أنه اتفاق، والخلاف في الجمعة لا في الجماعة اهـ. لكن المسطور في
الكتب المشهورة خلافه. حلية. قوله: (ولا على من حال بينه وبينها مطر وطين) أشار
بالحيلولة إلى أن المراد المطر الكثير، كما قيده به في صلاة الجمعة، وكذا الطين. وفي
الحلية، وعن أبي يوسف: سألت أبا حنيفة عن الجماعة في طين وردغة، فقال: لا أحبّ
تركها. وقال محمد في الموطأ: الحديث رخصة، يعني قوله وَل﴿((إِذَا أَبْتَلَّتِ النَّعَالُ فَالصَّلَةُ
فِي الرَّحَالِ))(١) والنعال: هنا الأراضي الصلاب.
وفي شرح الزاهدي عن شرح التمرتاشي: واختلف في كون الأمطار والثلوج
والأوحال والبرد الشديد عذراً. وعن أبي حنيفة: إن اشتد التأذي يعذر. قال الحسن:
أفادت هذه الرواية أن الجمعة والجماعة في ذلك سواء، ليس على ما ظنه البعض أن ذلك
عذر في الجماعة لأنها سنة لا في الجمعة لأنها من آكد الفرائض اهـ وفي شرح الشيخ
إسماعيل عن ابن الملقن الشافعي: والمشهور أن النعال جمع نعل: وهو ما غلظ من الأرض
في صلابة، وإنما خصها بالذكر، لأن أدنى بلل ينديها، بخلاف الرخوة فإنها تنشف الماء.
وقيل النعال: الأحذية. قوله: (وبرد شديد) لم يذكر الحرّ الشديد أيضاً، ولم أر من ذكره
(١) انظر التلخيص ٢/ ٣١.

٢٩٣
كتاب الصلاة / باب الإمامة
وظلمة كذلك) وريح ليلًا لا نهاراً، وخوف على ماله، أو من غريم أو ظالم، أو مدافعة
أحد الأخبثين، وإرادة سفر، وقيامه بمريض، وحضور طعام تتوقه نفسه. ذكره
الحدادي، وكذا اشتغاله بالفقه لا بغيره، كذا جزم به الباقاني تبعاً للبهنسي: أي إلا إذا
واظب تكاسلا فلا يعذر، ويعزّر ولو بأخذ المال. يعني بحبسه عنه مدة ولا تقبل شهادته
إلا بتأويل بدعة الإمام
من علمائنا، ولعل وجهه أن الحر الشديد إنما يحصل غالباً في صلاة الظهر، وقد كفينا مؤنته
بسنية الإبراد؛ نعم قد يقال: لو ترك الإمام هذه السنة وصلى في أول الوقت كان الحر
الشديد عذراً. تأمل. قوله: (وظلمة كذلك) أي شديدة، والظاهر أنه لا يكلف إلى إيقاد
نحو سراج وإن أمكنه ذلك، وأن المراد بشدة الظلمة كونه لا يبصر طريقه إلى المسجد
فيكون كالأعمى. قوله: (وريح) أي شديد أيضاً فيما يظهر. تأمل. وإنما كان عذراً ليلاً فقط
لعظم مشقته فيه دون النهار. قوله: (وخوف على ماله) أي من لصّ ونحوه إذا لم يمكنه غلق
الدكان أو البيت مثلاً، ومنه خوفه على تلف طعام في قدر أو خبز في تنور. تأمل. وانظر
هل التقييد بماله للاحتراز عن مال غيره؟ والظاهر عدمه: لأن له قطع الصلاة له ولا سيما إن
كان أمانة عنده كوديعة أو عارية أو رهن مما يجب عليه حفظه. تأمل. قوله: (أو من غريم) أي
إذا كان معسراً ليس عنده ما يوفي غريمه، وإلا كان ظالماً. قوله: (أو ظالم) يخافه على نفسه
أو ماله. قوله: (الأخبثين) وكذا الريح. قوله: (وإرادة سفر) أي وأقيمت الصلاة ويخشى أن
تفوته القافلة. بحر. وأما السفر نفسه فليس بعذر كما في القنية. قوله: (وقيامه بمريض) أي
يحصل له بغيبته المشقة والوحشة، كذا في الإمداد. قوله: (تتوقه نفسه) أي تشتاقه وتنازعه
إليه مصباح، سواء كان عشاء أو غيره لشغل باله. إمداد، ومثله الشراب، وقرب حضوره
كحضوره فيما يظهر لوجود العلة، وبه صرح الشافعية. قوله: (وكذا اشتغاله بالفقه الخ)
عبارة نور الإيضاح: وتكرار فقه بجماعة تفوته، ولم أر هذا القيد لغيره، ورمز في القنية
لنجم الأئمة فيمن لا يحضرها لاستغراق أوقاته في تكرير الفقه: لا يعذر ولا تقبل شهادته، ثم
رمز له ثانياً أنه يعذر، بخلاف مكرّر اللغة ثم وفق بينهما بحمل الأول على المواظب على
الترك تهاوناً، والثاني على غيره، وهذا ما مشى عليه الشارح في قوله ((أي إلا الخ)). قوله:
(فلا يعذر ويعزر) الأول بالذال والثاني بالزاي. قوله: (يعني بحبسه عنه الخ) صرح بذلك
في البحر عن البزازية. قال الرحمتي: قالوا: هذا مما يعلم ويكتم، لأن الظلمة صيادون لأخذ
المال متى وقع في شركهم لا يؤخذ منهم، وربما يحدثون للإنسان ذنباً لم يفعله توصلا إلى
ماله اهـ.
تتمة: مجموع الأعذار التي مرت متناً وشرحاً عشرون، وقد نظمتها بقولي : [الكامل]

٢٩٤
كتاب الصلاة / باب الإمامة
أو عدم مراعاته.
(والأحق بالإمامة) تقديماً بل نصباً. مجمع الأنهر (الأعلم بأحكام الصلاة) فقط
صحة وفساداً بشرط اجتنابه للفواحش الظاهرة، وحفظه قدر فرض، وقيل واجب،
وقيل سنة (ثم الأحسن تلاوة) وتجويداً (للقراءة، ثم الأورع) أي الأكثر اتقاء للشبهات.
والتقوى: اتقاء المحرمات (ثم الأسنّ)
أَعْذَارُ تَرْكِ جَماعَةٍ عِشْرُونَ قَدْ أَوْدَعْتُهَا فِي عَقْدِ نَظُمِ کَالدُّرَز
مَطَرٌ وَطِيْنٌ ثُمَّ بَرْدٌ قَدْ أَضَرّ
مَرَضٌ وَإِفْعَادٌ عَمّى وَزَمَانَةٌ
فَلِجْ وَعَجْزُ الشَّيْخِ قَصْدٌ لِلِسَّفَرْ
قَطْعْ لِرِجْلٍ مَعْ یَدٍ أُوْ دُونها
أَوْ دَائِنٍ وَشَهِيُّ أَكلٍ قَدْ حَضَرْ
خَوْفٌ عَلَى مَالٍ كَذَا مِنْ ظَالِمٍ
وَالرِّيحُ لَيْلَا ◌ُلْمَةٌ تَمْرِيضُ ذي
أَلَمِ مُدَافَعَةٌ لِبَوْلٍ أَوْ قَذَرْ
ثُمَّ أَشْتِغالٌ لَا بِغَيرِ الفِقْهِ فِي بَعْضٍ مِنَ الأَوْقَاتِ عُذْرٌ مُعْتَبَرَ
قوله: (أو عدم مراعاته) أي لمذهب المقتدي فيما يوجب بطلان الصلاة، على ما
سيأتي بيانه. قوله: (تقديماً) أي على من حضر معه. قوله: (بل نصباً) أي للإمام الراتب.
قوله: (بأحكام الصلاة فقط) أي وإن كان غير متبحر في بقية العلوم، وهو أولى من المتبحر،
كذا في زاد الفقير عن شرح الإرشاد. قوله: (بشرط اجتنابه الخ) كذا في الدراية عن
المجتبى. وعبارة الكافي وغيره: الأعلم بالسنة أولى، إلا أن يطعن عليه في دينه، لأن
الناس لا يرغبون في الاقتداء به. قوله: (قدر فرض) أخذه تبعاً للبحر من قول الكافي: قدر
ما تجوز به الصلاة، بناء على أن تجوز بمعنى تصح لا بمعنى تحل قوله: (وقيل واجب) ذكره
في البحر بحثاً لكن يمكن أخذه من كلام الكافي، لأن الجواز يطلق بمعنى الحل؛ بل قال
الشيخ إسماعيل: ينبغي حمل الجواز المذكور على ما يشمل عدم الكراهة، وحينئذ فيرجع
إلى القول الثالث. قوله: (وقيل سنة) قائله الزيلعي، وهو ظاهر المبسوط كما في النهر؛
ومشى عليه في الفتح. قال ط: وهو الأظهر، لأن هذا التقديم على سبيل الأولوية،
فالأنسب له مراعاة السنة. قوله: (ثم الأحسن تلاوة وتجويداً) أفاد بذلك أن معنى قولهم
أقرأ: أي أجود، لا أكثرهم حفظاً وإن جعله في البحر متبادراً، ومعنى الحسن في التلاوة أن
يكون عالماً بكيفية الحروف والوقف وما يتعلق بها. قهستاني ط. قوله: (أي الأكثر اتقاء
للشبهات) الشبهة: ما اشتبه حله وحرمته، ويلزم من الورع التقوى بلا عكس. والزهد: ترك
شيء من الحلال خوف الوقوع في الشبهة، فهو أخص من الورع، وليس في السنة ذكر
الورع، بل الهجرة عن الوطن. فلما نسخت أريد بها هجرة المعاصي بالورع، فلا تجب هجرة

٢٩٥
كتاب الصلاة / باب الإمامة
أي الأقدم إسلاماً، فيقدم شاب على شيخ أسلم؛ وقالوا: يقدم الأقدم ورعاً. وفي النهر
عن الزاد: وعليه يقاس سائر الخصال، فيقال يقدم أقدمهم علماً ونحوه، وحينئذ فقلما
يحتاج للقرعة (ثم الأحسن خلقاً) بالضم ألفة بالناس (ثم الأحسن وجهاً) أي أكثرهم
تهجداً؛ زاد في الزاد: ثم أصبحهم: أي أسمحهم وجهاً، ثم أكثرهم حسباً (ثم الأشرف
نسباً) زاد في البرهان: ثم الأحسن صوتاً، وفي الأشباه قبيل ثمن المثل، ثم الأحسن
زوجة، ثم الأكثر مالاً، ثم الأكثر جاهاً، ثم الأنظف ثوباً،
إلا على من أسلم في دار الحرب، كما في المعراج ط. قوله: (أي الأقدم إسلاماً) استنبطه
صاحب البحر وتبعه في النهر من تعليل البدائع، بأن من امتد عمره في الإسلام كان أكثر
طاعة. أقول: بل الظاهر أن المراد بالأسن الأكبر سناً كما هو في بعض روايات الحديث
((فأكبرهم سناً) وهو المفهوم من أكثر الكتب فيكون الكلام في المسلم الأصلي؛ نعم أخرج
الجماعة إلا البخاري ((فأقدمهم إسلاماً)) وعليه فيكون ذلك سبباً آخر للترجيح فيمن عرض
إسلامه، فيقدم شاب نشأ في الإسلام على شيخ أسلم، أما لو كانا مسلمين من الأصل أو
أسلما معاً، يقدم الأكبر سناً، لما في الزيلعي من أن الأكبر سناً يكون أخشع قلباً عادة وأعظم
حرمة ورغبة الناس في الاقتداء به أكثر فيكون في تقديمه تكثير الجماعة اهـ.
هذا: وما مشى عليه المصنف من تقديم الأورع على الأسن هو المذكور في المتون
وكثير من الكتب، وعكس في المحيط. قوله: (عن الزاد) أي زاد الفقير لابن الهمام. قوله:
(بالضم) أي ضم الخاء، أما بفتحها فهو المراد بما بعده. قوله: (أكثرهم تهجداً) تفسير
بالملزوم فإنه يلزم من كثرة التهجد حسن الوجه، لحديث ((مَنْ كَثُرَتْ صَلاَتَهُ بِاللَّيلِ حَسُنَ
وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ)) وإن كان ضعيفاً عند المحدثين. قال في البدائع: لا حاجة إلى هذا التكلف،
بل يبقى على ظاهره، لأن صباحة الوجه سبب لكثرة الجماعة كما في البحرح. قوله: (زاد
في الزاد الخ) أقول: ليس فيه زيادة. ونص عبارة الزاد بعد الخلق هكذا: فإن تساووا
فأصبحهم وجهاً، وقيده في الكافي بمن يصلي بالليل، فإن تساووا فأشرفهم نسباً الخ.
قوله: (أي أسمحهم وجهاً) عبارة عن بشاشته في وجه من يلقاه وابتسامه له، وهذا يغاير
الحسن الذي هو تناسب الأعضاء، أفاده ح. قوله: (ثم أكثرهم حسباً) الظاهر أن الحسب
بالباء الموحدة لا بالنون، وهو الذي كتب عليه ابن عبد الرزاق في شرحه قال في البحر:
وقدم في الفتح الحسب على صباحة الوجه اهـ. وفي القاموس: الحسب ما تعده من مفاخر
آبائك، أو المال، أو الدين، أو الكرم، أو شرف في الفعل الخ. قوله: (ثم الأحسن زوجة)
لأنه غالباً يكون أحبّ لها وأعف لعدم تعلقه بغيرها. وهذا مما يعلم بين الأصحاب أو
الأرحام أو الجيران، إذ ليس المراد أن يذكر كل منهم أوصاف زوجته حتى يعلم من هو
أحسن زوجة. قوله: (ثم الأكثر مالاً) إذ بكثرته مع ما تقدم من الأوصاف يحصل له القناعة

٢٩٦
كتاب الصلاة / باب الإمامة
ثم الأكبر رأساً والأصغر عضواً، ثم المقيم على المسافر، ثم الحرّ الأصلي على
العتيق، ثم المتیمم عن حدث على المتیمم عن جنابة.
فائدة لا يقدم أحد في التزاحم إلا بمرجح، ومنه السبق إلى الدرس والإفتاء
والدعوى، فإن استووا في المجيء أقرع بينهم اهـ. كلام الأشباه. وفي الفصل الثاني
والثلاثين من حظر التاترخانية: وفي طلبة العلم يقدم السابق؛ فإن اختلفوا وثمة بينة
فيها، وإلا أقرع كمجيئهم معاً كما في الحرقى والغرقى إذا لم يعرف الأول ويجعل كأنهم
ماتوا معاً اهـ. وفي محاسن القرّاء لابن وهبان: وقيل إن لم يكن للشيخ معلوم جاز أن
يقدم من شاء، وأكثر مشايخنا على تقديم الأسبق، وأول من سنه ابن كثير (فإن استووا
والعفة، فيرغب الناس فيه أكثر. قوله: (ثم الأكبر رأساً الخ) لأنه يدل على كبر العقل يعني
مع مناسبة الأعضاء له، وإلا فلو فحش الرأس كبراً والأعضاء صغراً كان دلالة على اختلال
تركيب مزاجه المستلزم لعدم اعتدال عقله اهـح. وفي حاشية أبي السعود: وقد نقل عن
بعضهم في هذا المقام ما لا يليق أن يذكر فضلاً عن أن يكتب اهـ. وكأنه يشير إلى ما قيل:
إن المراد بالعضو الذكر. قوله: (ثم المقيم على المسافر) وقيل هما سواء. بحر. وظاهره
ولو كان الجماعة مسافرين، فليتأمل، وهذا ما دام الوقت باقياً، وإلا فلا يصح اقتداء المسافر
بالمقيم في الرباعية كما يأتي. قوله: (ثم المتيمم عن حدث على المتيمم عن جنابة) كذا
أجاب به الحلواني كما في التتمة، وجزم به في الفيض وجامع الفتاوى، كذا في الأحكام
للشيخ إسماعيل، ومثله في التاترخانية، ولعل وجهه أن الحدث أخف من الجنابة، لكن في
منية المفتي: المتيمم عن الجنابة أولى بالإمامة من المتيمم عن حدث، ونقله في النهر عنها
مقتصراً عليه ولعل وجهه أن طهارته أقوى، لأنها بمنزلة الغسل لا يبطلها الحدث. قوله:
(ومنه) أي من المرجح. قوله: (والإفتاء) الأولى والاستفتاء. قوله: (والدعوى) أي بين
يدي القاضي. قوله: (أقرع بينهم) أي إذا تنازعوا. والظاهر أن هذا على سبيل الأولوية.
قوله: (كما في الحرقى والغرقى) التشبيه في أن التركيب إذا لم يعلم كان كالمعية لا في
القرعة أيضاً، فإنها لا تتأتى في الحرقى والغرقى ح. قوله: (معلوم) أي وظيفة من جهة
الواقف أو من الطلبة. أفاده ح. قوله: (جاز أن يقدم من شاء) لأنه له أن لا يقرئهم أصلاً.
ح. قوله: (وأول من سنه ابن كثير) قال السمهودي(١) في جوهر العقدين: ((أَنَّ أَنْصَارِيّاً جَاءَ
إِلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
(١) علي بن عبد الله بن أحمد الحسني الشافعي، نور الدين أبو الحسن: مؤرخ المدينة المنورة ومفتيها. من كتبه
((خلاصة الوفا)) و((جواهر العقدين) و((العقد الفريد في أحكام التقليد)). توفي بالمدينة سنة ٩١١.
انظر: النور السافر ٥٨، الضوء اللامع ٢٤٥/٥، الأعلام ٤/ ٣٠٧.

٢٩٧
كتاب الصلاة / باب الإمامة
يقرع) بين المستويين (أو الخيار إلى القوم) فإن اختلفوا اعتبر أكثرهم؛ ولو قدموا غير
الأولى أساؤوا بلا إثم.
(و) أعلم أن (صاحب البيت) ومثله إمام المسجد الراتب (أولى بالإمامة من غيره)
مطلقاً (إلا أن يكون معه سلطان أو قاض فيقدم عليه) لعموم ولايتهما، وصرح الحدادي
. بتقديم الوالي على الراتب (والمستعير والمستأجر أحق من المالك) لما مر.
(ولو أمّ قوماً وهم له كارهون، إن) الكراهة الفساد فيه أو لأنهم أحق بالإمامة منه
کره) له ذلك تحريماً
۔
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَخَا ثَقِيفَ: إِنَّ الأَنْصَارِيَّ قَدْ سَبَقَكَ بِالمَسْأَلَةِ فَأَجْلِسْ كَيما نَبْدَأَ بِحَاجَّةٍ
الأَنْصَارِيّ قَبْلَ حَاجَتِكَ))(١) اهـ. فعلم منه أنه سنة النبي ◌َّ وابن كثير تابع في ذلك، وأنه لا
فرق بين من له معلوم وغيره؛ نعم يمكن الفرق بين ذي المعلوم وغيره فيما إذا حضرا معاً.
رحمتي: أي فيقرع لو له معلوم وإلا يقدم من شاء. تأمل. قوله: (اعتبر أكثرهم) لا يظهر هذا
إلا في المنصب، وإلا فكل يصلي خلف من يختاره ط لكن فيه تكرار الجماعة وقد مر ما
فيه. قوله: (أساؤوا بلا إثم) قال في التاتر خانية: ولو أن رجلين في الفقه والصلاح سواء إلا
أن أحدهما أقرأ فقدم القوم الآخر فقد أساؤوا وتركوا السنة ولكن لا يأثمون، لأنهم قدموا
رجلاً صالحاً، وكذا الحكم في الإمارة والحكومة، أما الخلافة وهي الإمامة الكبرى فلا
يجوز أن يتركوا الأفضل، وعليه إجماع الأمة اهـ. فافهم. قوله: (مطلقاً) أي وإن كان غيره من
الحاضرين من هو أعلم وأقرأ منه. وفي التاتر خانية: جماعة أضياف في دار يريد أن يتقدم
أحدهم ينبغي أن يتقدم المالك، فإن قدم واحداً منهم لعلمه وكبره فهو أفضل، وإذا تقدم
أحدهم جاز، لأن الظاهر أن المالك يأذن لضيفه إكراماً له اهـ. قوله: (وصرح الحدادي الخ)
أفاد أن هذا غير خاص بالسلطان العام الولاية، ولا بالقاضي الخاص الولاية بالأحكام
الشرعية، بل مثلهما الوالي، وأن الإمام الراتب كصاحب البيت في ذلك. قال في الإمداد:
وأما إذا اجتمعوا فالسلطان مقدم، ثم الأمير، ثم القاضي، ثم صاحب المنزل ولو مستأجراً،
وكذا يقدم القاضي على إمام المسجد. قوله: (والمستعير والمستأجر أحق) لأن الإعارة
تمليك المنافع، والمعير وإن كان له أن يرجع، بخلاف المؤجر، لكنه ما لم يرجع يبقى
المستعير أحق، والكلام في ذلك لأنه إذا رجع لم تبق العارية وخرجت المسألة عن
موضوعها، فافهم. قوله: (لما مر) أي من قوله ((لعموم ولايتهما)) ولكنه غير مناسب، لأن
المراد بعموم الولاية عمومها للناس، وهذان ليسا كذلك: فكان عليه أن يقول: لأن الولاية
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ٤٢٥/١٢ وعبد الرزاق في المصنف (٨٨٣٠) والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٢٩٣.

٢٩٨
كتاب الصلاة / باب الإمامة
لحديث أبي داود ((لا يقبل الله صلاة من تقدم قوماً وهم له كارهون)) (وإن هو أحق لا)
والكراهة عليهم.
د
(ويكره) تنزيهاً (إمامة عبد) ولو معتقاً قهستاني. عن الخلاصة، ولعله لما قدمناه .
من تقدم الحر الأصلي، إذ الكراهة تنزيهية فتنبه (وأعرابي) ومثله تركمان وأكراد وعامي
(وفاسق وأعمى) ونحوه الأعشى. نهر (إلا أن يكون) أي غير الفاسق (أعلم القوم) فهو
لهما في هذه الحالة دون المالك ح. قوله: (لحديث الخ) هكذا رواه في النهر بالمعنى؛
وعزاه إلى الحلبي صاحب الحلية مع أنه في الحلية ذكره مطولاً، ونقله في البحر عنها.
قوله: (والكراهة عليهم) جزم في الحلية بأن الكراهة الأولى تحريمية للحديث، وتردد في
هذه. قوله: (ويكره تنزيهاً الخ) لقوله في الأصل: إمامة غيرهم أحب إليّ. بحر عن
المجتبى والمعراج. ثم قال: فكره لهم التقدم؛ ويكره الاقتداء بهم تنزيهاً؛ فإن أمكن الصلاة
خلف غيرهم فهو أفضل، وإلا فالاقتداء أولى من الانفراد. قوله: (ولو معتقاً) يلزمه استعمال
اللفظ في حقيقته ومجازه؛ فإن المعتق عبد باعتبار ما كان؛ اللهم إلا أن يكون من قبيل عموم
المجاز بأن يراد بالعبد من اتصف بالرق وقتاً مّا سواء كان في الحال أو فيما مضى ح. قوله:
(ولعله) أي ولعل سبب كراهة المعتق ما قدمناه الخ، فإن تقديم الحرّ الأصلي مندوب إليه،
وتركه مكروه تنزيهاً، فلذا قال: ((إذ الكراهة الخ)) وفي نسخة: والعلة: أي والعلة في كراهة
إمامة المعتق أن الحرّ الأصلي أولى بالإمامة منه لأنه نشأ في الرق مشتغلا بخدمة المولى لم
يتفرغ للتعلم. رحمتي. قوله: (وأعرابي) نسبة إلى الأعراب لا واحد له من لفظه، ولیس
جمعاً لعرب كما في الصحاح، لكن في الرضى: الظاهر أنه جمع. قهستاني. وهو من يسكن
البادية عربياً أو عجمياً بحر. وخصه في المصباح بأهل البدو من العرب. قوله: (ومثله الخ)
مبني على أن الأعرابي لا يشمل الأعجمي، وإلا فالمناسب ومنه: والعلة في الكل غلبة
الجهل. قوله: (وفاسق) من الفسق: وهو الخروج عن الاستقامة، ولعل المراد به من
يرتكب الكبائر كشارب الخمر، والزاني وآكل الربا ونحو ذلك، كذا في البرجندي
إسماعيل. وفي المعراج قال أصحابنا: لا ينبغي أن يقتدى بالفاسق إلا في الجمعة لأنه في
غيرها يجد إماماً غيره اهـ. قال في الفتح: وعليه فيكره في الجمعة إذا تعددت إقامتها في
المصر على قول محمد المفتى به، لأنه سبيل إلى التحوّل. قوله: (ونحوه الأعشى) هو
سيىء البصر ليلاً ونهاراً. قاموس. وهذا ذكره في النهر بحثاً أخذاً من تعليل الأعمى بأنه لا
يتوقى النجاسة. قوله: (أي غير الفاسق) تبع في ذلك صاحب البحر: حيث قال: قيد كراهة
إمامة الأعمى في المحيط وغيره بأن لا يكون أفضل القوم، فإن كان أفضلهم فهو أولى اهـ.
ثم ذكر أنه ينبغي جريان هذا القيد في العبد والأعرابي وولد الزنا، ونازعه في النهر بأنه في

٢٩٩
كتاب الصلاة / باب الإمامة
أولى (ومبتدع) أي صاحب بدعة، وهي اعتقاد خلاف المعروف عن الرسول لا بمعاندة
بل بنوع شبهة،
الهداية علل للكراهة بغلبة الجهل فيهم، وبأن في تقديمهم تنفير الجماعة ومقتضى الثانية
ثبوت الكراهة مع انتفاء الجهل، لكن ورد في الأعمى نص خاص هو استخلافه وَ# لابن أم
مكتوم وعتبان على المدينة وكانا أعميين، لأنه لم يبق من الرجال من هو أصلح منهما،
وهذا هو المناسب لإطلاقهم واقتصارهم على استثناء الأعمى اهـ.
وحاصله أن قوله ((إلا أن يكون أعلم القوم)) خاص بالأعمى، أما غيره فلا تنتفي
الكراهة بعلمه، لكن ما بحثه في البحر صرح به في الاختيار حيث قال: ولو عدمت: أي
علة الكراهة بأن كان الأعرابي أفضل من الحضري، والعبد من الحرّ وولد الزنا من ولد
الرشدة، والأعمى من البصير فالحكم بالضداهـ. ونحوه في شرح الملتقى للبهنسي وشرح
درر البحار، ولعل وجهه أن تنفير الجماعة بتقديمه يزول إذا كان أفضل من غيره، بل التنفير
یکون في تقدیم غيره. وأما الفاسق فقد عللوا كراهة تقدیمه بأنه لا يهتم لأمر دينه، وبأن في
تقديمه للإمامة تعظيمه، وقد وجب عليهم إهانته شرعاً، ولا يخفى أنه إذا كان أعلم من غيره
لا تزول العلة، فإنه لا يؤمن أن یصلي بهم بغير طهارة، فهو کالمبتدع تكره إمامته بکل حال،
بل مشى في شرح المنية على أن كراهة تقديمه كراهة تحريم لما ذكرنا، قال: ولذا لم تجز
الصلاة خلفه أصلاً عند مالك ورواية عن أحمد، فلذا حاول الشارح في عبارة المصنف وحمل
الاستثناء على غير الفاسق، والله أعلم.
مَطْلَبٌ: الْبِذِعَةُ خَسَةُ أَقْسَامِ
قوله: (أي صاحب بدعة) أي محرمة، وإلا فقد تكون واجبة، كنصب الأدلة للردّ على
أهل الفرق الضالة، وتعلم النحو المفهم للكتاب والسنة، ومندوبة كإحداث نحو رباط
ومدرسة وكل إحسان لم يكن في الصدر الأول، ومكروهة كزخرفة المساجد، ومباحة
كالتوسع بلذيذ المآكل والمشارب والثياب كما في شرح الجامع الصغير للمناوي عن تهذيب
النووي، وبمثله في الطريقة المحمدية للبركلي. قوله: (قوله وهي اعتقاد الخ) عزا هذا
التعريف في هامش الخزائن إلى الحافظ ابن حجر في شرح النخبة، ولا يخفى أن الاعتقاد
يشمل ما كان معه عمل أو لا، فإن من تدين بعمل لا بد أن يعتقده، كمسح الشيعة على
الرجلين، وإنكارهم المسح على الخفين ونحو ذلك، وحينئذ فيساوي تعريف الشمني لها
بأنها ما أحدث على خلاف الحق المتلقى عن رسول الله ول﴿ من علم أو عمل أو حال بنوع
شبهة واستحسان، وجعل ديناً قويما وصراطاً مستقيماً اهـ. فافهم قوله (لا بمعاندة) أما لو
كان معانداً للأدلة القطعية التي لا شبهة له فيها أصلاً كإنكار الحشر أو حدوث العالم ونحو
ذلك، فهو كافر قطعاً. قوله: (بل بنوع شبهة) أي وإن كانت فاسدة كقول منكر الرؤية بأنه

٣٠٠
كتاب الصلاة / باب الإمامة
وكل من كان من قبلتنا (لا يكفر بها) حتى الخوارج الذين يستحلون دماءنا وأموالنا وسبّ
الرسول، وينكرون صفاته تعالى وجواز رؤيته لكونه عن تأويل وشبهة بدليل قبول
شهادتهم، إلا الخطابية ومنا من كفرهم (وإن) أنكر بعض ما علم من الدين ضرورة (كفر
تعالی لا یری لجلاله وعظمته. قوله: (وكل من كان من قبلتنا لا يكفر بها) أي بالبدعة
المذكورة المبنية على شبهة، إذ لا خلاف في كفر المخالف في ضروريات الإسلام من
حدوث العالم وحشر الأجساد ونفي العلم بالجزئيات، وإن كان من أهل القبلة المواظب
طول عمره على الطاعات كما في شرح التحرير. قوله: (حتى الخوارج) أراد بهم من خرج
عن معتقد أهل الحق لا خصوص الفرقة الذين خرجوا على الإمام عليّ رضي الله تعالى عنه
وكفروه، فيشمل المعتزلة والشيعة وغيرهم. قوله: (وسب الرسول) هكذا في غالب النسخ،
ورأيته كذلك في الخزائن بخط الشارح، وفيه أن سابّ الرسول وَلير كافر قطعاً، فالصواب
وسبّ أصحاب الرسول، وقيدهم المحشي بغير الشيخين لما سيأتي في باب المرتد أن
سابهما أو أحدهما كافر.
أقول: ما سيأتي محمول على سبهما بلا شبهة، لما صرح به في شرح المنية من أن
سابهما أو منكر خلافتهما إذا بناه على شبهة له لا يكفر وإن كان قوله كفراً في حد ذاته، لأنهم
ينكرون حجية الإجماع باتهامهم الصحابة، فكان شبهة في الجملة وإن كانت باطلة، بخلاف
من ادعى أن علياً إله وأن جبريل غلط، لأنه ليس عن شبهة واستفراغ وسع في الاجتهاد، بل
محض هوى، وتمامه فيه فراجعه. وقد أوضحت هذا المقام في كتابي («تنبيه الولاة والحكام
على أحكام شاتم خير الأنام)) أو أحد أصحابه الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام. قوله:
(لكونه عن تأويل الخ) علة لقوله ((لا يكفر بها)) قال المحقق ابن الهمام في أواخر التحرير:
وجهل المبتدع كالمعتزلة ما نعي ثبوت الصفات زائدة وعذاب القبر والشفاعة وخروج
مرتكب الكبيرة والرؤية لا يصلح عذراً، لوضوح الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة، لكن
لا يكفر، إذ تمسكه بالقرآن أو الحديث أو العقل، والنهي عن تكفير أهل القبلة والإجماع
على قبول شهادتهم، ولا شهادة لكافر على مسلم، وعدمه في الخطابية ليس لكفرهم: أي
بل لتدينهم شهادة الزور لمن كان على رأيهم أو حلف أنه محق.
وأورد أن استباحة المعصية کفر. وأجيب إذا كان عن مكابرة وعدم دلیل، بخلاف ما
عن دليل شرعي، والمبتدع مخطئ في تمسكه لا مكابر، والله أعلم بسرائر عباده اهـ. قوله:
(ومنا من كفرهم) أي منا معشر أهل السنة والجماعة من كفر الخوارج: أي أصحاب البدع؛
أو المراد منا معشر الحنفية. وأفاد أن المعتمد عندنا خلافه، فقد نقل في البحر عن الخلاصة
فروعاً تدل على كفر بعضهم. ثم قال: والحاصل أن المذهب عدم تكفير أحد من
المخالفين فيما ليس من الأصول المعلومة من الدين ضرورة الخ، فافهم. قوله: (كقوله