Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
(في الفجر والظهر، و) منها إلى آخر - لم يكن ۔ (أوساطه في العصر والعشاء، و) باقيه
(قصاره في المغرب) أي في كل ركعة سورة مما ذكر، ذكره الحلبي،
ونقله في الشرنبلالية عن الكافي، بل نقل القهستاني عن الكافي خروج الغاية الأولى
والثانية، وعليه فسورة. لم يكن . من القصار، وتوقف في ذلك كله صاحب الحلية وقال:
العبارة لا تفيد ذلك، بل يحتاج إلى ثبت في ذلك من خارج، والله أعلم: أي لأن الغاية
تحتمل الدخول والخروج، فافهم. قوله: (في الفجر والظهر) قال في النهر: هذا مخالف لما
في منية المصلي من أن الظهر كالعصر، لكن الأكثر على ما عليه المصنف اهـ. قوله:
(وباقيه) أي باقي المفصل. قوله: (أي في كل ركعة سورة مما ذكر) أي من الطوال
والأوساط والقصار، ومقتضاه أنه لا نظر إلى مقدار معين من حيث عدد الآيات، مع أنه ذكر
في النهر أن القراءة من المفصل سنة والمقدار المعين سنة أخرى. ثم قال: وفي الجامع
الصغير: يقرأ في الفجر في الركعتين سورة الفاتحة وقدر أربعين أو خمسين، واقتصر في
الأصل على الأربعين. وفي المجرّد: ما بين الستين إلى المائة، والكل ثابت من فعله عليه
الصلاة والسلام، ويقرأ في العصر والعشاء خمسة عشر في الركعتين في ظاهر الرواية، كذا في
شرح الجامع لقاضيخان، وجزم به في الخلاصة. وفي المحيط وغيره: يقرأ عشرين، وفي
المغرب خمس آيات في كل ركعة اهـ.
أقول: كون المقروء من سور المفصل على الوجه الذي ذكره المصنف هو المذكور
في المتون، كالقدوري والكنز والمجمع والوقاية والنقاية وغيرها، وحصر المقروء بعدد
على ما ذكره في النهر والبحر مما علمته مخالف لما في المتون من بعض الوجوه. كما نبه عليه
في الحلية، فإنه لو قرأ في الفجر أو الظهر سورتين من طوال المفصل تزيدان على مائة آية
كالرحمن والواقعة، أو قرأ في العصر أو العشاء سورتين من أوساط المفصل تزيدان على
عشرين أو ثلاثين آية كالغاشية والفجر، يكون ذلك موافقاً للسنة على ما في المتون لا على
الرواية الثانية، ولا تحصل الموافقة بين الروايتين إلا إذا كانت السورتان موافقة للعدد
المذكور؛ ويلزم على ما مر عن النهر من أن المقدار المعين سنة أخرى أن تكون قراءة
السورتين الزائدتين على ذلك المقدار خارجة عن السنة، إلا أن يقتصر من كل سورة منهما
على ذلك المقدار، مع أنهم صرحوا بأن الأفضل في كل ركعة الفاتحة وسورة تامة. فالذي
ينبغي المصير إليه أنهما روايتان متخالفتان اختار أصحاب المتون إحداهما، ويؤيده أنه في
متن الملتقى ذكر أولاً أن السنة في الفجر حضراً أربعون آية أو ستون، ثم قال: واستحسنوا
طوال المفصل فيها وفي الظهر إلخ. فذكر أن الثاني استحسان فيترجح على الرواية الأولى
لتأيده بالأثر الوارد عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: أن اقرأ في
الفجر والظهر بطوال المفصل، وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصار
٢٦٢
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
واختار في البدائع عدم التقدير، وأنه يختلف بالوقت والقوم والإمام.
وفي الحجة: يقرأ في الفرض بالترسل حرفاً حرفاً، وفي التراويح بين بين، وفي
النفل ليلاً له أن يسرع بعد أن يقرأ كما يفهم، ويجوز بالروايات السبع، لكن الأولى أن لا
يقرأ بالغريبة عند العوامّ صيانة لدينهم (وتطال أولى الفجر على ثانيتها)
المفصل. قال في الكافي: وهو كالمروي عن النبي وَلير، لأن المقادير لا تعرف إلا سماعاً
اهـ. قوله: (واختار في البدائع عدم التقدير إلخ) وعمل الناس اليوم على ما اختاره في
البدائع. رملي. والظاهر أن المراد عدم التقدیر بمقدار معین لكل أحد وفي كل وقت، كما
يفيده تمام العبارة، بل تارة يقتصر على أدنى ما ورد كأقصر سورة من طوال المفصل في
الفجر، أو أقصر سورة من قصاره عند ضيق وقت أو نحوه من الأعذار، («لأَنَّه عَلَيهِ الصَّلاَةُ
وَالسَّلامُ قَرَأْ فِي الفَجْرِ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ لَمَّا سَمِعَ بُكَاءَ صَبِيٍّ خَشْيَةً أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ». وتارة يقرأ
أكثر ما ورد إذا لم يملّ القوم، فليس المراد إلغاء الوارد ولو بلا عذر، ولذا قال في البحر عن
البدائع: والجملة فيه أنه ينبغي للإمام أن يقرأ مقدار ما يخف على القوم ولا يثقل عليهم بعد
أن يكون على التمام، وهكذا في الخلاصة اهـ. قوله: (والإمام) أي من حيث حسن صوته
وقبحه. قوله: (وفي الحجة) اسم کتاب من کتب الفتاوى. قوله: (بین بین) أي بأن تكون
بين الترسل والإسراع. قوله: (ليلاً) لغل وجه التقيد به أن عادة المتهجدين كثرة القراءة في
تهجدهم فلهم الإسراع ليحصلوا وردهم من القراءة. تأمل. قوله: (كما يفهم) أي بعد أن
يمدّ أقل مدّ قال به القراء، وإلا حرم لترك الترتيل المأمور به شرعاً ط. قوله: (ويجوز
بالروايات السبع) بل يجوز بالعشر أيضاً كما نصّ عليه أهل الأصول ط. قوله: (بالغريبة) أي
بالروايات الغريبة والإمالات، لأن بعض السفهاء يقولون ما لا يعلمون فيقعون في الإثم
والشقاء، ولا ينبغي للأئمة أن يحملوا العوامّ على ما فيه نقصان دينهم، ولا يقرأ عندهم مثل
قراءة أبي جعفر وابن عامر وعليّ بن حمزة والكسائي(١) صيانة لدينهم فلعلهم يستخفون أو
يضحكون، وإن كان كل القراءات والروايات صحيحة فصيحة، ومشايخنا اختاروا قراءة أبي
عمرو وحفص عن عاصم اهـ من التاتر خانية عن فتاوى الحجة. قوله: (وتطال إلخ) أي
يطيلها الإمام وهي مسنونة إجماعاً إعانة على إدراك الركعة الأولى، لأن وقت الفجر وقت نوم
وغفلة، وقد علم من التقييد بالإمام ومن التعليل أن المنفرد يسوي بين الركعتين في الجميع
اتفاقاً. شرح المنية.
أقول: وبما مر من أن الإطالة المذكورة مسنونة إجماعاً. ومثله في التاتر خانية علم أن
ما في شرح الملتقى للبهنسي من أنها واجبة إجماعاً غريب أو سبق قلم. وقال تلميذه البقاني
(١) في ط (قوله وعلي بن حمزة والكسائي) كذا بالأصل المقابل على خط المؤلف ومقتضاه أن الكسائي غير علي بن
حمزة مع أنه هو كما يفيده ابن خلكان، فلعل الواو زائدة فليراجع.
٢٦٣
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
بقدر الثلث، وقيل النصف ندباً؛ فلو فحش لا بأس به (فقط) وقال محمد: ولي الكل
حتى التراويح؛ قيل وعليه الفتوى (وإطالة الثانية على الأولى بكره) تنزيهاً (إجماعاً إن
في شرح الملتقى: لم أجده في الكتب المشهورة في المذهب. قوله: (بقدر الثلث) بأن
تكون زيادة ما في الأولى على ما في الثانية بقدر ثلث مجموع ما في الركعتين كما في الكافي
حيث قال: الثلثان في الأولى والثلث في الثانية، ومثله في الحلية والبحر والدرر. قوله:
(وقيل النصف) كذا في الحلية معزياً إلى المحبوبي؛ وحكاه في البحر عن الخلاصة، لكن
عبارة الخلاصة لا تفيده، لأن عبارتها هكذا: وحدّ الإطالة في الفجر أن يقرأ في الركعة
الثانية من عشرين إلى ثلاثين، وفي الأولى من ثلاثين إلى ستين اهـ.
وأرجع المحشي القول بالنصف إلى القول الأول، لأن المراد نصف المقروء في
الأولى وهو ثلث المجموع، فلا وجه لعده مقابلاً له، وأطال في ذلك فراجعه، لكن قد
يقال: إن مراد الخلاصة التخيير بين جعل الزيادة بقدر نصف ما في الأولى أو نصف ما في
الثانية، فإنه إذا قرأ في الأولى ثلاثين وفي الثانية عشرين فالزيادة بقدر نصف ما في الثانية.
ولو قرأ في الأولى ستين وفي الثانية ثلاثين، فالزيادة بقدر نصف ما في الأولى، وبهذا يغاير
القول الأول، فتأمل. قوله: (ندباً) راجع للقولين: يعني أن هذا التقدير في کل بيان
للأولى، فإن لم يراعه فهو خلاف الأولى وهو معنى قوله لا بأس به ح قوله: (فلو فحش)
بأن قرأ في الأولى بأربعين وفي الثانية بثلاث آيات لا بأس به، وبه ورد الأثر، كذا في
الذخيرة وغيرها. قوله: (فقط) لما احتمل أن يكون الفجر مجرد مثال لا للتقييد أردفه بقوله(١)
كذا في النهر. قوله: (حتى التراويح) عزاه في الخزائن إلى الخانية. وظاهر هذا أن الجمعة
والعيدين على الخلاف كما في جامع المحبوبي، لكن في نظم الزندويستي الاتفاق على
تسوية القراءة فيهما، وأيده في الحلية بالأحاديث الواردة المقتضية لعدم إطالة الأولى على
الثانية فيهما. قوله: (قيل وعليه الفتوى) قائله في معراج الدراية، ومثله في المجتبى. وفي
التتارخانية عن الحجة: وهو المأخوذ للفتوى، وفي الخلاصة: إنه أحب، وجنح إليه في
فتح القدير لما رواه البخاري من ((أَنه عَلَيهِ الصَّلَةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى: أَيْ
مِنَ الظُّهْرِ، مَا لا يُطَوِّلُ فِي الثَّانِيَةِ وَهَكَذَا فِي العَصْرِ، وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ)) ونازعه في شرح
المنية بأنه محمول على الإطالة من حيث الثناء والتعوذ، وبما دون ثلاث آيات، ضرورة
التوفيق بينه وبين ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري حيث قال: فحزرنا(٢) قيامه في الظهر
في كل ركعة قدر ثلاثين آية، فإنه أفاد التسوية بين الركعتين اهـ. وقال في الحلية بعد أن حقق
دليلهما: فيظهر على هذا أن قولهما أحب لا قوله، وأن الأولى كون الفتوى على قولهما لا
(١) في ط (قوله أردفه بقوله) أي فقط، ولعلها سقطت من قلمه.
(٢) في ط (قوله فحزرنا) بالحاء المهملة ثم الزاي ثم الراء الساكنة: من الحزر، وهو الظن والتخمين.
٢٦٤
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
بثلاث آيات) إن تقاربت طولاً وقصراً، وإلا اعتبر الحروف والكلمات. واعتبر الحلبي
فحش الطول لا عدد الآيات. واستثنى في البحر ما وردت به السنة، واستظهر في النفل
قوله، وأقره في البحر والشرنبلالية، واعتمد قولهما في الكنز والملتقى والمختار والهداية
فلذا اعتمده المصنف أيضاً. قوله: (إن تقاربت إلخ) ذكر هذا في الكافي في المسألة التي
قبل هذه، واعتبره في شرح المنية في هذه المسألة أيضاً كما يأتي في عبارته.
والحاصل أن سنية إطالة الأولى على الثانية وكراهية العكس إنما تعتبر من حيث عدد
الآيات إن تقاربت الآيات طولاً وقصراً، فإن تفاوتت تعتبر من حيث الكلمات؛ فإذا قرأ في
الأولى من الفجر عشرين آية طويلة وفي الثانية منها عشرين آية قصيرة تبلغ كلماتها قدر نصف
كلمات الأولى فقد حصّل السنة، ولو عكس يكره. وإنما ذكر الحروف للإشارة إلى أن
المعتبر مقابلة كل كلمة بمثلها في عدة الحروف، فالمعتبر عدد الحروف لا الكلمات، فلو
اقتصر الشارح على الحروف أو عطفها على الكلمات كما فعل في الكافي لكان أولى.
قوله: (واعتبر الحلبي فحش الطول إلخ) كما لو قرأ في الأولى والعصر وفي الثانية الْهُمَزَة،
فرمز في القنية أولًا أنه لا يكره، ثم رمز ثانياً أنه يكره وقال: لأن الأولى ثلاث آيات والثانية
تسع، وتكره الزيادة الكثيرة. وأما ما روي ((أَنه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ قَرَأْ فِي الأُولَى مِنَ
الجُمعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعَلى وَفِي الثَّانِيَةِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ)) فزاد على الأولى بسبع
لكن السبع في السور الطوال يسير دون القصار، لأن الست هنا ضعف الأصل والسبع ثمة
أقل من نصفه اهـ: أي أن الست الزائدة في الهمزة ضعف سورة العصر، بخلاف السبع
الزائدة في الغاشية فإنها أقل من نصف سورة الأعلى فكانت يسيرة. قال الحلبي في شرح
المنية: وعلم من كلام القنية أن ثلاث آيات إنما تكره في السور القصار لظهور الطول فيها
بذلك ظهوراً بيناً وهو حسن، إلا أنه ربما يتوهم منه أنه متى كانت الزيادة بما دون النصف لا
تكره، وليس كذلك، بل الذي ينبغي أن الزيادة إذا كانت ظاهرة ظهوراً تاماً تكره، وإلا فلا
لزوم للحرج في التحرز عن الخفية ولورود مثل هذا في الحديث. ولا تغفل عما تقدم من أن
التقدير بالآيات إنما يعتبر عند تقاربها، وأما عند تفاوتها فالمعتبر التقدير بالكلمات أو
الحروف، وإلا فألم نشرح ثمان آيات ۔ و - لم يكن - ثمان آيات، ولا شك أنه لو قرأ الأولى
في الأولى والثانية في الثانية يكره لما قلنا من ظهور الزيادة والطول وإن لم يكن من حيث
الآي لكنه من حيث الكلم والحروف، وقس على هذا اهـ كلام شرح المنية للحلبي.
والذي تحصل من مجموع كلامه وكلام القنية، أن إطلاق كراهة إطالة الثانية بثلاث آيات
مقيد بالسور القصيرة المتقاربة الآيات لظهور الإطالة حينئذ فيها، أما السور الطويلة أو
القصيرة المتفاوتة فلا يعتبر العدد فيهما، بل يعتبر ظهور الإطالة من حيث الكلمات وإن
اتحدت آيات السورتين عدداً، هذا ما فهمته، والله تعالى أعلم. قوله: (واستثنى في البحر ما
٢٦٥
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
عدم الكراهة مطلقاً (وإن بأقل لا) يكره، لأنه عليه الصلاة والسلام صلى بالمعوّذتين
(ولا يتعين شيء من القرآن لصلاة على طريق الفرضية) بل تعين الفاتحة على وجه
الوجوب (ويكره التعيين) كالسجدة و- هل أتى - لفجر كل جمعة، بل يندب قراءتهما
وردت به السنة) أي كقراءته عليه الصلاة والسلام في الجمعة والعيدين في الأولى بالأعلى
وفي الثانية بالغاشية، فإنه ثبت في الصحيحين مع أن الأولى تسع عشرة آية والثانية ستة
وعشرون. وعلى ما مر عن شرح المنية: لا حاجة إلى الاستثناء لأن هاتين السورتين
طويلتان، ولا تفاوت ظاهر بينهما من حيث الكلمات والحروف، بل هما متقاربتان. قوله:
(مطلقاً) أي وردت بأنه السنة أولًا بقرينة ما قبله، ولأن عبارة البحر هكذا: وقيد بالفرض لأنه
يسوي في السنن والنوافل بين ركعاتها في القراءة، وإلا فيما ورد به السنة أو الأثر، كذا في
منية المصلي، وصرح في المحيط بكراهة تطويل ركعة من التطوع ونقص أخرى، وأطلق
في جامع المحبوبي عدم كراهة إطالة الأولى على الثانية في السنن والنوافل، لأن أمرها
سهل، واختاره أبو اليسر، ومشى عليه في خزانة الفتاوى فكان الظاهر عدم الكراهة اهـ.
فقول البحر: وأطلق في جامع المحبوبي إلخ واستظهار له قرينة واضحة، على أنه أراد
خلاف ما في المنية من التقييد بما وردت به السنة، نعم كلامه في إطالة الأولى على الثانية
فقط دون العكس، فكان على الشارح ذكر ذلك عند قوله ((وتطال أولى الفجر)) قال في شرح
المنية: والأصح كراهة إطالة الثانية على الأولى في النفل أيضاً إلحاقاً له بالفرض فيما لم
يرد به تخصيص من التوسعة، كجوازه قاعداً بلا عذر ونحوه. وأما إطالة الثالثة على الثانية
والأولى فلا تكره، لما أنه شفع آخر اهـ. قوله: (صلى بالمعوذتين) يعني في صلاة الفجر.
والسورة الثانية أطول من الأولى بآية. وفي الاحتراز عن هذا التفاوت حرج، وهو مدفوع
شرعاً فجعل زيادة ما دون ثلاث آيات أو نقصانه كالعدم فلا يكره ح عن الحلية. قوله: (على
طريق الفرضية) أي بحيث لا تصح الصلاة بدونه كما يقول الشافعي في الفاتحة. قوله:
(ويكره التعيين إلخ) هذه المسألة مفرعة على ما قبلها، لأن الشارع إذا لم يعين عليه شيئاً
تيسيراً عليه كره له أن يعين، وعلله في الهداية بقوله: لما فيه من هجر الباقي وإيهام
التفضيل. قوله: (بل يندب قراءتها أحياناً) قال في جامع الفتاوى: وهذا إذا صلى الوتر
بجماعة، وإن صلى وحده يقرأ كيف شاء اهـ. وفي فتح القدير: لأن مقتضى الدليل عدم
المداومة لا المداومة على العدم كما يفعله حنفية العصر، فيستحب أن يقرأ ذلك أحياناً تبركاً
بالمأثور، فإن لزوم الإيهام ينتفي بالترك أحياناً، ولذا قالوا: السنة أن يقرأ في ركعتي الفجر
بالكافرون والإخلاص. وظاهر هذا إفادة المواظبة، إذ الإيهام المذكور منتف بالنسبة إلى
المصلي نفسه اهـ. ومقتضاه اختصاص الكراهة بالإمام.
ونازعه في البحر بأن هذا مبني على أن العلة إيهام التفضيل والتعيين، أما على ما علل
٢٦٦
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
أحياناً (والمؤتمّ لا يقرأ مطلقاً) ولا الفاتحة في السرية اتفاقاً، وما نسب لمحمد ضعيف
كما بسطه الكمال (فإن قرأ كره تحريماً) وتصح في الأصح. وفي درر البحار عن مبسوط
خواهر زاده أنها تفسد ويكون فاسقاً، وهو مرويّ عن عدة من الصحابة فالمنع أحوط (بل
يستمع) إذا جهر (وينصت) إذا أسرّ لقول أبي هريرة رضي الله عنه «كنا نقرأ خلف الإمام
به المشايخ من هجر الباقي فلا فرق في كراهة المداومة بين المنفرد والإمام والسنة
والفرض، فتكره المداومة مطلقاً، لما صرح به في غاية البيان من كراهة المواظبة على قراءة
السور الثلاث في الوتر أعم من كونه في رمضان إماماً أو لا اهـ. وأجاب في النهر بأنه قد
علل بهما المشايخ. والظاهر أنهما علة واحدة لا علتان، فيتجه ما في الفتح.
أقول: على أنه في غاية البيان لم يصرح بالتعميم المذكور. وأيضاً فإن إيهام هجر
الباقي يزول بقراءته في صلاة أخرى. وأيضاً ذكر في وتر البحر عن النهاية أنه لا ينبغي أن
يقرأ سورة متعينة على الدوام لئلا يظن بعض الناس أنه واجب اهـ فهذا يؤيد ما في الفتح
أيضاً.
هذا، وقيد الطحاوي والاسبيجابي الكراهة بما إذا رأى ذلك حتماً لا يجوز غيره، أما
لو قرأه للتيسير عليه أو تبركاً بقراءته عليه الصلاة والسلام فلا كراهة لكن بشرط أن يقرأ غيرها
أحياناً لئلا يظن الجاهل أن غيرها لا يجوز. واعترضه في الفتح بأنه لا تحرير فيه، لأن الكلام
في المداومة اهـ.
وأقول: حاصل معنى كلام هذين الشيخين بيان وجه الكراهة في المداومة، وهو: أنه
إن رأى ذلك حتماً يكره من حيث تغيير المشروع وإلا يكره من حيث إيهام الجاهل، وبهذا
الحمل يتأيد أيضاً كلام الفتح السابق، ويندفع اعتراضه اللاحق، فتدبر. قوله: (ولا الفاتحة)
بالنصب معطوف على محذوف تقديره: لا غير الفاتحة ولا الفاتحة، وقوله في السرية يعلم منه
نفي في الجهرية بالأولى، والمراد التعريض، بخلاف الإمام الشافعي ويرد ما نسب
لمحمد. قوله: (اتفاقاً) أي بين أئمتنا الثلاثة. قوله: (وما نسب لمحمد) أي من استحباب
قراءة الفاتحة في السرية احتياطاً. قوله: (كما بسطه الكمال) حاصله أن محمداً قال في كتابه
الآثار: لا نرى القراءة خلف الإمام في شيء من الصلوات يجهر فيه أو يسرّ، ودعوى
الاحتياط ممنوعة، بل الاحتياط ترك القراءة لأنه العمل بأقوى الدليلين. وقد روي الفساد
بالقراءة عن عدة من الصحابة فأقواهما المنع. قوله: (أنها تفسد) هذا مقابل الأصح. قوله:
(وهو) أي الفساد لمفهوم من تفسد. قوله: (مرويّ عن عدة من الصحابة) قال في الخزائن:
وفي الكافي: ومنع المؤتم من القراءة مأثور عن ثمانين نفراً من كبار الصحابة منهم
المرتضى والعبادلة، وقد دون أهل الحديث أساميهم. قوله: (وينصت إذا أسر) وكذا إذا
٢٦٧
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
فنزل - وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا » (وإن) وصلية (قرأ الإمام آية ترغيب أو
ترهيب) وكذا الإمام لا يشتغل بغير القرآن، وما ورد حمل على النفل منفرداً كما مر (كذا
الخطبة) فلا يأتي بما يفوت الاستماع ولو كتابة أو ردّ سلام (وإن صلى الخطيب على
النبي ◌َ﴿ إذا قرأ آية - صلوا عليه - فيصلي المستمع سرّاً) بنفسه وينصت بلسانه عملًاً
جهر بالأولى. قال في البحر: وحاصل الآية أن المطلوب بها أمران: الاستماع،
والسكوت، فيعمل بكل منهما؛ والأول يخص الجهرية، والثاني لا، فيجري على إطلاقه
فيجب السكوت عند القراءة مطلقاً اهـ. قوله: (آية ترغيب) أي في ثوابه تعالى، أو ترهيب:
أي تخويف من عقابه تعالى، فلا يسأل الأول ولا يستعيذ من الثاني. قال في الفتح: لأن الله
تعالی وعده بالرحمة إذا استمع، ووعده حتم، وإجابة دعاء المتشاغل عنه غير مجزوم بها.
قوله: (وما ورد) أي عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال ((صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ
وَسَلَّمْ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَا مَرَّ بِآَيَّةِ رَحْمٍ إِلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا فَسَأَلَ، وَلَا بِآَيَّةِ عَذَابٍ إِلَّ وَقَفَ
عِنْدَهَا وَتَعَوَّذَ)) أخرجه أبو داود وتمامه في الحلية. قوله: (حمل على النفل منفرداً) أَفاد أن كلَّا
من الإمام والمقتدي في الفرض أو النفل سواء.
قال في الحلية: أما الإمام في الفرائض فلما ذكرنا منه أنه لو لم يفعله فيها، وكذا
الأئمة من بعده إلى يومنا هذا، فكان من المحدثات، ولأنه تثقيل على القوم فيكره. وأما
في التطوع: فإن كان في التراويح فكذلك، وإن كان في غيرها من نوافل الليل التي اقتدى به
فيها واحد أو اثنان فلا يتم ترجح الترك على الفعل، لما روينا: أي من حديث حذيفة
السابق، اللهم إلا إذا كان في ذلك تثقيل على المقتدي، وفيه تأمل. وأما المأموم فلأن
وظيفته الاستماع والإنصات، فلا يشتغل بما يخله، لكن قد يقال: إنما يتم ذلك في المقتدي
في الفرائض والتراويح؛ أما المقتدي في النافلة المذكورة إذا كان إمامه يفعله فلا، لعدم
الإخلال بما ذكر، فليحمل على ما عدا هذه الحالة اهـ. قوله: (كما مر) أي نظير ما مر في
فصل ترتيب أفعال الصلاة من حمل ما ورد من الأدعية في الركوع والرفع منه وفي السجدتين
والجلسة بينهما على المتنفل، وأما مسألتنا هذه فلم تمر، فافهم. قوله: (فلا يأتي بما
يفوت الاستماع إلخ) سيأتي في باب الجمعة: أن كل ما حرم في الصلاة حرم في الخطبة؛
فيحرم أكل وشرب وكلام ولو تسبيحاً، أو رد سلام، أو أمراً بمعروف إلا من الخطيب لأن
الأمر بالمعروف منها بلا فرق بين قريب وبعيد في الأصح. ولا يرد تحذير من خيف هلاكه
لأنه يجب لحق آدمي وهو محتاج إليه، والإنصات لحقه تعالى، ومبناه على المسامحة والأصح
أنه لا بأس، بأن يشير برأسه أو يده عند رؤية منكر، وكذا يجب الاستماع لسائر الخطب
كخطبة نكاح وختم وعيد على المعتمد اهـ. قوله: (وينصت بلسانه) عطف تفسير لقوله
(بنفسه)) وهذا مرويّ عن أبي يوسف. وفي جمعة الفتح أنه الصواب قوله: (في افتراض
٢٦٨
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
بأمري - صلوا - وأنصتوا . (والبعيد) عن الخطيب (والقريب سيان) في افتراض
الإنصات.
فروع يجب الاستماع للقراءة مطلقاً، لأن العبرة لعموم اللفظ.
لا بأس أن يقرأ سورة ويعيدها في الثانية، وأن يقرأ في الأولى من محل وفي الثانية
الإنصات) عبر بالافتراض تبعاً للهداية. وعبر في النهر بالوجوب قال ط: وهو الأولى، لأن
تر که مكروه تحريماً.
فُرُوع فِي الْقِرّاءَةِ خَارِجَ الصَّلاةِ
قوله: (يجب الاستماع للقراءة مطلقاً) أي في الصلاة وخارجها، لأن الآية وإن كانت
واردة في الصلاة على ما مر فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ثم هذا حيث لا
عذر؛ ولذا قال في القنية: صبيّ يقرأ في البيت وأهله مشغولون بالعمل يعذرون في ترك
الاستماع إن افتتحوا العمل قبل القراءة وإلا فلا، وكذا قراءة الفقه عند قراءة القرآن. وفي
الفتح عن الخلاصة: رجل يكتب الفقه ويجنبه رجل يقرأ القرآن فلا يمكنه استماع القرآن
فالإثم على القارئ، وعلى هذا لو قرأ على السطح والناس نيام يأثم اهـ: أي لأنه يكون سبباً
لإعراضهم عن استماعه، أو لأنه يؤذيهم بإيقاظهم. تأمل.
مَطْلَبٌ: آلْإِسْتِمَاعُ لِلْقُرْآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ
وفي شرح المنية: والأصل أن الاستماع للقرآن فرض كفاية لأنه لإقامة حقه بأن يكون
ملتفتاً إليه غير مضيع وذلك يحصل بإنصات البعض؛ كما في ردّ السلام حين كان لرعاية حق
المسلم كفى فيه البعض عن الكل إلا أنه يجب على القارئ احترامه بأن لا يقرأه في الأسواق
ومواضع الاشتغال، فإذا أقره فيها كان هو المضيع لحرمته، ليكون الإثم عليه دون أهل
الاشتغال دفعاً للحرج. وتمامه في ط. ونقل الحموي عن أستاذه قاضي القضاة يحيى الشهير
بمنقاري زاده: أن له رسالة حقق فيها أن استماع القرآن فرض عين. قوله: (لا بأس أن يقرأ
سورة إلخ) أفاد أنه يكره تنزيهاً، وعليه يحمل جزم القنية بالكراهة، ويحمل فعله عليه الصلاة
والسلام لذلك على بيان الجواز، هذا إذا لم يضطر، فإن اضطرّ بأن قرأ في الأولى ﴿قُلْ
أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [النساء ١] أعادها في الثانية إن لم يختم. نهر. لأن التكرار أهون من
القراءة منكوساً. بزازية. وأما لو ختم القرآن في ركعة فيأتي قريباً أنه يقرأ من البقرة. قوله:
(وأن يقرأ في الأولى من محل إلخ) قال في النهر: وينبغي أن يقرأ في الركعتين آخر سورة
واحدة لا آخر سورتين فإنه مكروه عند الأكثر اهـ. لكن في شرح المنية عن الخانية:
الصحيح أنه لا يكره، وينبغي أن يراد بالكراهة المنفية التحريمية، فلا ينافي كلام الأكثر ولا
قول الشارح لا بأس. تأمل. ويؤيده قول شرح المنية عقب ما مر. وكذا لو قرأ في الأولى
٢٦٩
كتاب الصلاة / باب صفة الصلاة
من آخر ولو من سورة إن كان بينهما آيتان فأكثر. ويكره الفصل بسورة قصيرة وأن يقرأ
منكوساً إلا إذا ختم فيقرأ من البقرة. وفي القنية: قرأ في الأولى الكافرون وفي الثانية
- ألم تر - أو- تبت - ثم ذكر يتم، وقيل يقطع ويبدأ، ولا يكره في النفل شيء من ذلك،
من وسط سورة أو من سورة أولها ثم قرأ في الثانية من وسط سورة أخرى أو من أولها أو
سورة قصيرة الأصح أنه لا يكره، لكن الأولى أن لا يفعل من غير ضرورة اهـ. قوله: (ولو
من سورة الخ) واصل بما قبله: أي ولو قرأ من محلين، بأن انتقل من آية إلى أخرى من سورة
واحدة، لا يكره إذا كان بينهما آيتان فأكثر، لكن الأولى أن لا يفعل بلا ضرورة لأنه يوهم
الإعراض والترجيح بلا مرجح. شرح المنية. وإنما فرض المسألة في الركعتين لأنه لو انتقل
في الركعة الواحدة من آية إلى آية يكره وإن كان بينهما آيات بلا ضرورة، فإن سها ثم تذكر
يعود مراعاة لترتيب الآيات. شرح المنية. قوله: (ويكره الفصل بسورة قصيرة) أما بسورة
طويلة بحيث يلزم منه إطالة الركعة الثانية إطالة كثيرة فلا يكره. شرح المنية: كما إذا كانت
سورتان قصيرتان، وهذا لو في ركعتين، أما في ركعة فيكره الجمع بين سورتين بينهما سور
أو سورة. فتح. وفي التاترخانية: إذا جمع بين سورتين في ر کعة رأيت في موضع أنه لا بأس
به. وذكر شيخ الإسلام: لا ينبغي له أن يفعل على ما هو ظاهر الرواية اهـ. وفي شرح
المنية: الأولى أن لا يفعل في الفرض، ولو فعل لا يكره إلا أن يترك بينهما سورة أو أكثر.
قوله: (وأن يقرأ منكوساً) بأن يقرأ في الثانية سورة أعلى مما قرأ في الأولى، لأن ترتيب
السور في القراءة من واجبات التلاوة، وإنما جوّز للصغار تسهيلاً لضرورة التعليم ط. قوله:
(إلا إذا ختم الخ) قال في شرح المنية: وفي الولوالجية: من يختم القرآن في الصلاة إذا فرغ
من المعوذتين في الركعة الأولى يركع ثم يقرأ في الثانية بالفاتحة وشيء من سورة البقرة، لأن
النبيّ وَّه قال: ((خَيرُ النَّاسِ الحَالَّ المُرْتِلُ)) أي الخاتم المفتتح اهـ. قوله: (وفي الثانية) في
بعض النسخ: وبدأ في الثانية، والمعنى عليها. قوله: (ألم تر أو تبت) أي نكس أو فصل
بسورة قصيرة ط. قوله: (ثم ذكر يتم) أفاد أن التنكيس أو الفصل بالقصيرة إنما يكره إذا كان
عن قصد، فلو سهواً فلا كما في شرح المنية. وإذا انتفت الكراهة فإعراضه عن التي شرع
فيها لا ينبغي. وفي الخلاصة: افتتح سورة وقصده سورة أخرى فلما قرأ آية أو آيتين أراد أن
يترك تلك السورة ويفتتح التي أرادها يكره اهـ. وفي الفتح: ولو كان: أي المقروء حرفاً
واحداً. قوله: (ولا يكره في النفل شيء من ذلك) عزاه في الفتح إلى الخلاصة، ثم قال:
وعندي في هذه الكلية نظر؛ فإنه ول# نهى بلالاً رضي الله عنه عن الانتقال من سورة إلى
سورة وقال له: ((إذا ابتدأت سورة فأتمها على نحوها حين سمعه ينتقل من سورة إلى سورة
في التهجد)) اهـ.
واعترض ح أيضاً بأنهم نصوا بأن القراءة على الترتيب من واجبات القراءة؛ فلو عكسه
٢٧٠
كتاب الصلاة / باب الإمامة
وثلاث تبلغ قدر أقصر سورة أفضل من آية طويلة، وفي سورة وبعض سورة العبرة
للأكثر، وبسطناه في الخزائن.
خارج الصلاة يكره فكيف لا يكره في النفل؟ تأمل. وأجاب ط بأن النفل لاتساع بابه نزلت
كل ركعة منه فعلاً مستقلاً فيكون كما لو قرأ إنسان سورة ثم سكت ثم قرأ ما فوقها، فلا كراهة
فيه. قوله: (وثلاث) كذا في بعض النسخ على أنه مبتدأ بتقدير مضاف وما بعده خبر: أي
وقراءة ثلاث آيات الخ، وفي بعضها ((وبثلاث)) بزيادة الباء، قال ح: أي والصلاة بثلاث آيات
الخ. قوله: (أفضل الخ) لعله لأن التحدي والإعجاز وقع بذلك القدر لا بالآية، والأفضلية
ترجع إلى كثرة الثواب ط. قوله: (وفي سورة) خبر مقدم، وقوله ((العبرة للأكثر)) مبتدأ
مؤخر: أي الأكثر آيات كما في شرح المنية عن الخانية. قوله: (وبسطناه في الخزائن) أي
بسط ما ذكر من هذه الفروع مع زيادة عليها ذكرناها في أثناء الكلام، وتمام مسائل أحكام
القراءة في الصلاة وخارجها مبسوط في شرح المنية وبعضها في فتح القدير، والله تعالى
أعلم.
بَابُ الإمامةِ(١)
هي مصدر قولك فلان أمّ الناس، صار لهم إماماً يتبعونه في صلاته فقط أو فيها وفي
(١) أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فكانت وظيفته من لا تبليغ
الشريعة، وتقريرها بين الناس على وجه يجمع شملهم، ويلم شعثهم، ويحوط أمرهم، ويتكفل بسعادتهم الدينية
والدنيوية.
ولما اختاره الله لجواره، وانتقل إلى الرفيق الأعلى احتاج المسلمون إلى من يخلفه في قومه ليحمي شريعته، ويحكم
بين الناس بما أنزل الله وسنة الرسول، لأن هذا الدين لا بد له ممن يقوم به، فاجتمع المسلمون لذلك قبل دفن
الرسول $$ في سقيفة بني ساعدة، وهي: ظلة كانت بالقرب من دار سعد بن عبادة، وتشاوروا في أمر الخلافة،
وفیمن یقوم بها.
اجتمع الأنصار وهم بنو الأوس وبنو الخزوج في هذه السقيفة، وتداولوا في أمر الخلافة، وكانوا يرمون إلى تولية
سعد بن عبادة، إذ كانت له الرياسة فيهم.
فخطب سعد إذ ذاك، وبين أن لهم أكبر الفضل في حماية الدعوة، إلى دين الله، وأعظم الأجر في المجاهدة بالأموال
والأنفس لنشرها، وكان مما قاله بعد أن حمد الله، وأثنى عليه: (يا معشر الأنصار، إن لكم سابقة في الدين وفضيلة
في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله - لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن،
وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله، ولا يعرفوا دينه، ولا
يدافعوا عن أنفسهم حتى أراد الله لكم الفضيلة، وساق لكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به،
وبرسوله #، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز لدينه، إلى أن قال: حتى أثخن الله لنبيه بكم الأرض، ودانت
بأسيافكم له العرب، توفاه الله وهو راض عنكم، قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الأمر، فإنكم أحق الناس وأولاهم
به فأجابوه جميعاً أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول، وكفى بعد ذلك ما رأيت بتوليتك هذا الأمر، فأنت
مقنع، ولصالح المسلمین رضى.
ثم تشاوروا في الأمر فقال قائل منهم: إن احتج علينا المهاجرون فقالوا: نحن أهله وعشيرته، ولهم الحق في
وراثته، فبماذا نجيبهم؟ فأجابه رجل منهم قائلاً: نجيبهم بقولنا: منا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا.
٢٧١
كتاب الصلاة / باب الإمامة
فلما سمع سعد بن عبادة هذا الرأي قال: هذا أول الرهن، وبلغ هذا الاجتماع كبار المهاجرين: أبا بكر وعمر
وغيرهما، فمضوا إلى السقيفة مسرعين حتى وصلوا إليها، وكان عمر يريد أن يتكلم بكلام هيأه في نفسه ليقوله في
هذا الموقف.
فقال له أبو بكر: علی رسلك، وكان أبو بكر رجلًا وفوراً فيه حلم وتؤدة، ثم تكلم فذكر تاريخ المهاجرين وما لهم
من فضل السبق، وتحمل الشدائد في سبيل دينهم ثم كر على ذكر الأنصار، فأثنى عليهم، وذكر مآثرهم، وكان مما
قاله بعد أن حمد اله، وأثنى عليه (نحن المهاجرون، أَوَّلَ الناس إسلاماً، وأكرمهم أحساباً، وأوسطهم داراً،
وأحسنهم وجوهاً، وأمسهم برسول الله # رحماً، وأنتم إخواننا في الإسلام، وشركاؤنا في الدين، نصرتم
وواسيتم، فجزاكم الله خيراً، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء، لا تدين العرب، إلا لهذا الحي من قريش، فلا تنفسوا
على إخوانكم المهاجرين ما فضلهم الله به، فقد قال رسول الله# ((الأئمة من قريش)) إلى آخره) وانظر العقد الفريد
٦٢/٣.
قام بعد ذلك الحباب بن المنذر، وهو من بني الخزرج، وقال: (يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم، فإن الناس
في فيئكم وظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ... إلى أن قال: ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض
علیکم أمرکم أبی هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمیر، ومتكم أمیر.
فقال عمر بن الخطاب: هیهات لا يجتمع اثنان في قرن، فقام الحباب ثانية، وقال:
(يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر)، فحدث
إذ ذاك بینه وبین عمر جدال.
ثم قام أبو عبيدة بن الجراح، وقال:
(يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغير).
فقام بشر بن سعد، وهو من بني زيد بن مالك من الخزرج وقال : .
يا معشر الأنصار، إنا والله لئن كنا أولى فضيلة وجهاداً وسابقة في هذا الدین ما أردنا به إلا رضاء ربنا، وطاعة نبينا،
والكدح لأنفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضاً، فإن الله ولي النعمة
علينا بذلك، إلا أن محمداً من قريش، وأهله أحق به، وأولى، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبداً، فاتقوا
الله، ولا تخالفوهم، ولا تنازعوهم.
قال عند ذلك أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا، فقالا: لا والله، لا نتولى هذا الأمر عليك،
فإنك أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة الرسول على الصلاة، والصلاة أفضل أركان دين
المسلمين، فماذا ينبغي له أن يتقدمك أو يتولى هذا الأمر عليك، أبسط يدك لنبايعك فمد عمر يده إليه فبايعه ثم أبو
عبيدة، ثم بشير بن سعد الأنصاري.
فلما رأى ذلك الحباب قال لبشير: عققت. أَنَفِسْتَ على ابن عمك الإمارة.
قال: لا والله، ولكني كرهت أن أنازع قوماً حقاً جعله الله لهم، ولما رأت الأوس ما صنع بشير، وما تدعو إليه
قريش، وما تطلبه الخزرج من تأمير سعد بن عبادة قال بعضهم لبعض، وفيهم أسيد بن الحضير، وكان أحد
النقباء:
والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً قوموا
فبايعوا أبا بكر فقاموا إليه فبايعوه، وأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر حتى كادوا يطؤون سعد بن عبادة امتنع
سعد بن عبادة عن بيعة أبي بكر، واستمر على ذلك مدة خلافته فلما تولى عمر الخلافة ذهب إلى الشام، واستمر بها
حتى مات، ولم يبايع أحداً.
أما بنو هاشم فقد اجتمعوا بعلي بعد أن علموا بما حدث في السقيفة من بيعة أبي بكر، ومعهم الزبير بن العوام.
واجتمعت بنو أمية بعثمان، وبنو زُهرة بسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف.
وجلسوا جميعاً في المسجد فقدم عليهم أبو بكر، وأبو عبيدة، وعمر فقال لهم عمر: ما لي أراكم مجتمعين حلقاً شتى
قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بایعته، وبايعه الأنصار.
٢٧٢
كتاب الصلاة / باب الإمامة
فقام عثمان ومن معه من بني أمية فبايعوه، وبايعه سعد، وعبد الرحمن، ومن معهم من بني زهرة.
أما علي والزبير ومن معهما من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم، ولم يبايعوا، فذهب إليهم عمر مع جماعة من
الصحابة، ودعاهم للبيعة، فبايع الزبير بعد نزاع ثم بايع بنو هاشم بهذا تمت البيعة لأبي بكر، لأن جمهور المسلمين
بايعه، وكان كبار الصحابة كلهم إذ ذاك في المدينة، ولم يزل علي بن أبي طالب ممتنعاً عن مبايعة أبي بكر ستة
شهور، لأنه كان يعتقد أنه أولى بالخلافة لقرابته من الرسول، ومكانته في المسلمين.
وكان يقول له أبو عبيدة: يا ابن عم إنك حديث السن، وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم
بالأمور، فسلم لأبي بكر هذا الأمر فإنك إن تعش، ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق في فضلك
ودینك، وعلمك، وفهمك، وسابقتك، ونسبك، وصهرك.
فيقول عليّ كرم الله وجهه: الله الله يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته إلى
دوركم وقعور بيوتكم، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به ما
كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم سنن رسول الله، المتطلع لأمر الرعية، الدافع عنهم الأمور
السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى، فتضلوا عن سبيل الله.
قال بشير بن سعد الأنصاري لما سمع هذا القول: لو سمعت الأنصار هذا قبل البيعة لأبي بكر ما اختلفت علیك یا
علي، فلما توفيت فاطمة الزهراء، بعد ستة شهور من خلافة أبي بكر (كما يقول بعض المؤرخين)، واستنكر علي
وجوه الناس أرسل إلى أبي بکر فحضر إليه وعنده بنو هاشم، فتشهد علي ثم قال:
قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك، وما أعطاك الله، ولا ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا
الأمر حقاً فاستبددت به علينا.
ثم ذكر علي قرابته من رسول الله، وما زال يكلم أبا بكر حتى فاضت عيناه، ثم قال له علي: موعدك للبيعة غداً في
المسجد إن شاء الله.
حضر أبو بكر في الموعد الذي ذكره علي، ثم حضر علي فبايع أبا بكر، وذكر فضله وسابقته في الإسلام، وما هو
عليه من جميل الصفات ومكارم الأخلاق فسُر المسلمون من علي بن أبي طالب حيث انضم إلى الجماعة، وبايع
الخليفة الأول.
والمتأمل في بيعة أبي بكر هذه يرى أنهم قد بدؤوا بها قبل أن يتم التشاور بين جمهور أهل الحل والعقد إذ لم يكن في
سقيفة بني ساعدة أحد من بني هاشم، وهم في ذروتهم فخالفوا بذلك الأصل في المبايعة: وهو أن تكون بعد
استشارة جمهور المسلمين، واختيار أهل الحل والعقد.
لذلك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها.
وإنما حملهم على ذلك ما كان يخشى من وقوع الفتنة بين المهاجرين والأنصار، لولا تلك المبادرة بمبايعته رضي الله
عنه والضرورات تبيح المحظورات.
· خلافة أبي بكر
تمت البيعة لأبي بكر، وقام بأمر الخلافة، فأظهر أنه الرجل الذي كان يحتاج إليه المسلمون في هذا الوقت العصيب
الذي اشتدت فيه الفتن، وكثرت فيه الخطوب، واضطرب أمر المسلمين.
فقد ارتد بعض العرب، وامتنع كثير عن أداء الزكاة، وادعى بعضهم النبوة، وما زال دبيب العصيان يثور في نفوس
القبائل واحدة بعد واحدة حتى تزعزع أمر الإسلام، وارتجت أركانه، واقتصر على أهل مكة والمدينة والطائف،
قابل أبو بكر هذه الأمور الخطيرة بما آتاه الله من الحزم والعزم، فأرسل الجيوش العديدة لهؤلاء العصاة، وما زالت
تقاتل المرتدين والمتنبئين ومانعي الزكاة حتى قضت على الفتنة في أقل من سنة وعلت كلمة الإسلام ثانية، فوجه أبو
بكر عنايته بعد ذلك لفتح بعض البلاد ابتغاء لشر الدين، وصرف المسلمين عن الاشتغال بما نشأ بينهم من
الاختلافات.
غير أن مدة خلافته لم تدم طويلاً، فقد توفي بعد سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال.
٢٧٣
كتاب الصلاة / باب الإمامة
لما مرض أبو بكر، وأحس بدنو أجله رأى مصلحة المسلمين في أن يرشح لهم الخلیفة بعده، ويعده إليه، وكان
يرى أن عمر بن الخطاب أجدر الناس بالخلافة، فجمع كبار الصحابة، واستشارهم فيه فعابوه بأنه شديد، وإن
كانت شدته لا تخرج عن الحق باعترافهم، فأجابهم بأنه يشتد، لأنه يراه يلين ليعتدل الأمر، فإذا آل الأمر إليه يلين في
موضع اللین ویشتد في موضع الشدة وما زال بهم حتی أقنعهم وأرضاهم به، ثم صرح باستخلافه، فأذعنوا لذلك،
ولم یشذ منهم أحد.
خلافة عمر
تولى عمر بن الخطاب الخلافة يوم وفاة أبي بكر، وكان رضي الله عنه من صناديد قريش، وعظماء رجالها، فاعتز
به الإسلام، وقویت شو کته.
اتفق العلماء قاطبة على أن أعظم خلفاء المسلمين حزماً، وعزماً، وعدلاً، وزهداً، اتسعت في عهده الفتوحات،
وكثرت المغانم، فمصر الأمصار، ودون الدواوين، وشيد معالم العدل.
كان رضي الله عنه كثير الحنان والرأفة على عامة المسلمين من رعيته، عظيم الاهتمام بكل ما يصلحهم يحس من
نفسه بمسؤولية عظمى، فهو الذي يقول: لو أن جملاً ذهب ضياعاً بشط الفرات لخشيت أن يسأل الله عنه آل
الخطاب.
قاد المسلمين بحزم وعزم، وساربهم في طريق الرشاد، فأقر العدل في نصابه، ونشره في ربوعه، واختط صحيفة
بيضاء في صفحات التاريخ لم ير مثلها، ولم يعهد لها نظير، وبينما هو جاد في تنظيم شؤون دولته طعنه (أبو لؤلؤة
المجوسي) غلام المغيرة بن شعبة، وهو قائم في صلاة الصبح بإيعاز من جماعة الفرس الموجودين بالمدينة حقداً
عليه لقضائه على دولتهم، فحمله المسلمون إلى بيته، وتوفي رضي الله عنه سنة ٢٣ بعد أن ولي الخلافة عشر
سنين وستة أشهر. لما طعن عمر، وأحس بالموت طلب منه المسلمون أن يعهد إلى خليفة من بعده، فامتنع قائلًا:
لا أتحمل أمركم حياً وميتاً إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك، فقد ترك من هو خير مني.
فعرضوا عليه ابنه عبد الله فقال: حسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد، ويسأل عن أمر محمد ول#إن كان خيراً،
فقد أصبنا منه، وإن كان شراً فشرعنا إلى الله.
ثم رأى رضي الله عنه حصر الشورى الواجبة في الستة الزعماء الذين مات النبي الأكرم، وهو راضٍ عنهم لعلمه بأنه
لا يتقدم عليهم أحد، ولا يخالفهم فيما يتفقون عليه أحد، لأنهم هم المرشحون للخلافة، وهم عليّ، وعثمان،
وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص وطلحة، والزبير.
فجمعهم وقال لهم: تشاوروا ثلاثة أيام، ولا تتفرقوا حتى تستخلفوا أحدكم.
ثم قال: يا معشر المهاجرين الأولين إني نظرت في أمر الناس، فلم أجد فيهم شقاقاً، ولا نفاقاً، فإن يكن بعد شقاق
ونفاق فهو فيكم، أوصي الخليفة منكم بتقوى الله العظيم، وأحذره مثل مضجعي هذا، وأخوفه يوماً تبيض فيه
وجوه، وتسود فيه وجوه ((يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية))، فلما دفن عمر اجتمع أهل الشورى في حجرة
عائشة، فتنافسوا في الأمر، وكثر بينهم الكلام، فقال عبد الرحمن بن عوف: أيكم يخرج نفسه، ويتقلدها على أن
یولیها أفضلکم؟ فلم يجبه أحد.
قال: فأنا أنخلع منها، فأجابوه بالرضى، وسكت عليّ.
فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟.
فقال له : أعطني میثاقاً لتؤثرن الحق، ولا تتبع الهوى.
فقال عبد الرحمن: أعطوه مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير، وأن ترضوا من اخترت لكم، وعلى
ميثاق الله أن لا أخص ذارحم، ولا آلو المسلمين.
فأخذ منهم ميثاقاً، وأعطاهم مثله، وبذلك صار الأمر في عنق عبد الرحمن بن عوف.
فأخذ يقابل الصحابة ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس ليشاورهم فيمن يتولى الخلافة.
فكانة لا يخلو برجل إلا أمره باختيار عثمان حتى إذا كانت الليلة التي يتم في صبيحتها الأجل طلب علياً، فجاء
فناجاه طويلاً، ثم أرسل إلى عثمان، فجاء إليه فناجاه كذلك حتى فرق بينهما الصبح، فلما صلوا جمع رجال
٢٧٤
كتاب الصلاة / باب الإمامة
الشورى، وبعث إلى من حضر من الأمراء، ودعا المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار حتى امتلأ
المسجد.
فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلاً.
ودعا علياً فقال له: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله، وسنة رسوله، وسنة الخليفتين من بعده.
فقال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ طاقتي وعلمي، ودعا عثمان فقال له: مثل ما قال لعلي، فقال: نعم، فبايعه
عبد الرحمن بالخلافة.
فلما رأى ذلك على تأخر، ثم أقبل الناس يبايعون عثمان، فرجع علي يشق الناس حتى بايعه.
خلافة عثمان
تولى عثمان الخلافة بعد ثلاثة أيام من وفاة عمر، وكان من السابقين في الإسلام، المقربين عند رسول الله الكثير،
كتب الوحي بين يديه، وأنفق معظم ماله في سبيل نصرة الإسلام، واشتهر بالعفة والإخلاص للدين.
كان رضي الله عنه حليماً، ليناً، كثير الحياء، واسع النيل والعطاء، استمال إليه قلوب المسلمين، واتسع في زمنه
الفتح، فکثرت في عهده الخبرات، وزادت العطايا.
قال الحسن البصري رضي الله عنه: شهدت عثمان، وهو يخطب، وأنا يومئذ قد راهقت الحلم، فسمعته يقول: أيها
الناس (اغدوا على أعطياتكم))، فيأخذونها وافية. أيها الناس اغدوا على كسوتكم، فيغدون فيجاء بالحلل فتقسم
بينهم .. إلى أن قال: والعدوان والله منتف، والأعطيات دارة، والخير كثير، وما على الأرض مؤمن يخاف مؤمناً،
من لقي مؤمناًفي أي البلدان فهو أخوه، وأليفه، وناصره، ومؤدبه.
غير أنه لم يكن في حزم أبي بكر وعمر، تلك الصفة التي لا بد منها لإدارة دولة مترامية الأطراف كالدولة الإسلامية
في ذلك العهد، وبخاصة في دور انتقال العرب من معيشة البساطة والزهد إلى معيشة الغنى والاستمتاع بالأموال
المتدفقة من البلاد المفتوحة بل كان سهلاً ليناً، فأدى ذلك إلى تغلب بني أمية عليه في آخر مدته، وعلى رأسهم
مروان بن الحكم الذي اتخذه مستشاراً له في المدينة، فآثرهم على غيرهم من قريش، ووصلهم بالأموال الكثيرة،
فانحرفت عنه من أجل ذلك القلوب، ونظرت إليه قريش بغير عين الرضى، ونهض أهل الأمصار لمناقشته
الحساب، ونسبوا إليه أموراً خالف فيها أبا بكر وعمر. منها: إنشاؤه العمل والولايات في أهله، وبني عمه من بني
أمية، وصلته لهم بالأموال وإقطاعهم القطائع، وحملهم على رقاب الناس، واستئثاره برأيه ورأيهم، وتركه
المهاجرين والأنصار لا یستشیرهم ولا يستعملهم.
وحماية الحمى حول المدينة إلا عن بني أمية.
وإعطاء الحارث بن الحكم مائة ألف من بيت المال عندما أنكحه ابنته عائشة.
وتطاوله في البنیان حتی عدوا له سبع دور بناها بالمدينة وضربه عبد الله بن مسعود حتی کسر ضلعه، وغير ذلك
لذلك كله اشتد تيار الفتنة، وتأججت نار الثورة، وشاع الطعن على عثمان وعماله في الأمصار الكبيرة، فتجمع
المسلمون من مصر، والكوفة، والبصرة، وذهبوا إلى عثمان، وطلبوا منه أن يتنازل عن الخلافة، فلم يسمع
لکلامهم.
ولما أبى أن يخلع نفسه جد القوم في حصاره، وشددوا عليه حتى منعوه الماء، فكان لا يصل إليه إلا خُفية، فأرسل
إلى معاوية وغيره من الولاة يطلب منهم المعونة فلما علم الثوار بذلك عجلوا بالأمر خوفاً من مفاجأة المدافعين عنه
لهم، فأحرقوا أبواب الدار، وتسور بعضهم دار ابن حزم، وكانت مجاورة لداره.
عند ذلك استسلم عثمان للقضاء، وأمر المدافعين عنه بالانصراف، لأنهم قليلون لا يغنون عنه شيئاً فقتله الثائرون
وهو يتلو في مصحفه سنة ٣٥ اهـ، وكانت خلافته ١٢ عاماً، وكان موته سبباً لإثارة الفتن بين المسلمين.
خلافة عليّ.
تولى علي الخلافة بعد قتل عثمان، وهو ابن عم رسول الله #، وزوج ابنته فاطمة، أول من أجاب إلى الإسلام من
الصبيان، صحب رسول الله منذ صغره، وأخذ عنه القرآن، وكان يكتب له، ولم يزل معه إلى أن توفي عليه السلام،
٢٧٥
كتاب الصلاة / باب الإمامة
فأكسبه ذلك قوة في استنباط الأحكام الدينية حتى صار فقيهاً لا يجارى، فكان الخلفاء يستشيرونه في الأحكام،
ويرجعون إلى رأيه إذا خالفهم في بعض الأحيان حضر جميع مشاهده عليه السلام ما عدا غزوة تبوك، فإن النبي خلفه
فيها على أهله، وكان له فيها الأثر المحمود، والمقام الأول، فكان شجاعاً يخوض غمرات الموت لا يبالي أوقع
على الموت أم وقع الموت عليه.
ولما لحق الرسول بربه کان یری في نفسه أنه أحق بالخلافة ممن عداء، و کان یظن أن الناس لا يعدلون عن بيعته لما له
من شرف القرابة والصهر، وما امتاز به من غزارة العلم والفهم.
ولكن المسلمين رضوا أبا بكر للخلافة لكبره، وكثرة تجربته، فبايعه علي بعد مدة من خلافته.
وکان یری أنه أحق بالخلافة من عمر، وأولی بها من عثمان، ولكن الأمر آل إليهما (كما سبق فبايعهما، وسار مع
الجماعة، ولما قتل عثمان بايع علياً بالمدينة أكثر الصحابة، وامتنع نفر عن بيعته، وتبعهم بنو أمية، لأنهم قد اتهموه
بأن له ضلعاً في قتل عثمان، وأنه قعد عن نصرته، وآوی قتلته .
فأرسل علي بالبيعة إلى الآفاق، وجميع الأمصار، فجاءته البيعة من كل مكان إلا الشام فلما يأته منها بيعة، فكتب
علي إلى معاوية بالشام يطلب منه البيعة، فرد عليه قائلاً:
ليس بيني وبين قيس عتاب غير طعن الكلى وضرب الرقاب
ولما ظهر لعلي عدم مبايعة معاوية، وتشوفه للخلافة عبأ جنده، واستخلف على المدينة قثم بن عباس، وأقبل على
التهيؤ لمحاربته، وبينما هو على ذلك فاجأه ما هو أشد عليه من أمر الشام، وهو خروج طلحة والزبير وعائشة من
مكة، إلى البصرة في قوة كبيرة للمطالبة بدم عثمان.
فعدل علي عن فتح الشام، وسار إلى الكوفة، وجمع جيشاً كبيراً سار به إلى البصرة، فاشتبك الفريقان في موقعة
الجمل التي انتهت بانتصار علي، وقتل طلحة والزبير، فرد علي السيدة عائشة مكرمة إلى المدينة، ونصحها
بالابتعاد عن السياسة .
بعد ذلك انصرف علي إلى الكوفة، وأرسل رسولاً إلى معاوية يطلب منه البيعة، فلما وصل إليه بدمشق ماطله
وأهمله لاعتماده على قوة جنوده العديدة المطيعة لأمره، والتي سهلت له رفض بيعة علي، واتهامه بالاشتراك في دم
عثمان.
فجاء الرسول علياً، وأخبره بما حصل، فلم ير إلا المسير والقتال، والتقى الجيشان في صفين على الفرات،
ودارت الحرب بينهما أربعين يوماً، فما كاد علي ينتصر حتى فكر معاوية في الهرب لولا ما ابتكره عمرو بن العاص
من ضروب الحيل، فأمر جند الشام برفع المصاحف على أسنة الرماح، وطلب تحكيم القرآن، فانخدع جند علي،
وأوقفوا القتال، وقبلوا التحكيم على كره من علي، وانصرف علي بجيشه إلى الكوفة، ومعاوية إلى الشام بعد أن
اتفق الفريقان على تحكيم أبي موسى الأشعري من قبل علي، وعمرو بن العاص من قبل معاوية.
فلما اجتمعا للتحكيم تغلب عمرو بدهائه على أبي موسى الأشعري الطيب القلب، وأقنعه بضرورة خلع كل من
علي ومعاوية، وترك المسلمين أحراراً في اختيار من أحبوا.
اجتمع المسلمون يوم التحكيم بدومة الجندل (بين العراق والشام) فقدم عمرو أبا موسى، فأعلن خلع علي،
ومعاوية ثم قام عمرو، فأقر خلع علي، وثبت معاوية.
فعادت الفتنة ثانية، وارتبك أصحاب علي، وتخاذل منهم كثير على نصرته حتى اتفق ثلاثة من الخوارج على اغتيال
علي، ومعاوية، وعمرو بن العاص.
فخاب الاثنان في قتل معاوية وعمرو، ونجح الثالث وهو (عبد الرحمن بن ملجم) في قتل علي، قتله غيلة، وهو
ينادي لصلاة الصبح بمسجد الكوفة سنة ٤٠هـ. ومدة خلافته ٤ سنين و ٩شهور، وبموته انقضى زمن الخلفاء
الراشدين.
لما قتل علي بايع الحسن بالخلافة جند أبيه، ولكنه نظر إلى الظروف التي تحيط به نظرة صائبة، فوجد جنداً لا يركن
إليهم، وخصماً عظيم القوة، وفوق ذلك كان يكره الفتن، ويحب الالفة للمسلمين، فرأى الخير لنفسه وللأمة في أن
يتنازل لمعاوية، واصطلح معه على شروط رضيها الطرفان منها: أن يكون الأمر شورى بعد موت معاوية.
٢٧٦
كتاب الصلاة / باب الإمامة
بَابُ الإمامةِ
هي صغرى وكبرى؛ فالكبرى استحقاق تصرف عام على الأنام، وتحقيقه في
أوامره ونواهيه، والأول ذو الإمامة الصغرى، والثاني ذو الإمامة الكبرى، والباب هنا معقود
للأولى.
ولما كانت الثانية من المباحث الفقهية حقيقة لأن القيام بها من فروض الكفاية وكانت
الأولى تابعة لها ومبنية عليها تعرّض لشيء من مباحثها هنا، وبسط في علم الكلام وإن لم
تكن منه بل من متمماته لظهور اعتقادات فاسدة فيها من أهل البدع كالطعن في الخلفاء
الراشدين، ونحو ذلك.
مَطْلَبٌ: شُرُوطُ الإِمَامَةِ الكُبَرَى
قوله: (فالكبرى استحقاق تصرّف عام على الأنام) أي على الخلق، وهو متعلق
بتصرف لا باستحقاق، لأن المستحق عليهم طاعة الإمام لا تصرفه، ولا بعامّ إذ المتعارف أن
يقال عام بكذا لا عليه. وعرّفها في المقاصد بأنها رياسة عامة في الدين والدنيا خلافة(١) عن
النبي * لتخرج النبوة، لكن النبوة في الحقيقة غير داخلة لأنها بعثة بشرع كما يعلم من
تعريف النبي، واستحقاق النبي التصرف العام إمامة مترتبة على النبوة، فهي داخلة في
التعريف دون ما ترتبت عليه، أعني النبوة، وخرج بقيد العموم مثل القضاء والإمارة.
= وبايعه هو وجنده، وسلم إليه الكوفة في أواخر ربيع الأول سنة ٤١هـ.
وبذلك تحقق قول الرسول الأكرم وز: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين).
فهدأت الأحوال، وسمى المسلمون ذلك العام (عام الجماعة) انتقلت الخلافة إلى بني أمية فبايع معاوية أهل الشام
بعد صدور حكم الحكمين (أولاً).
ولما قتل علي، وبويع ابنه الحسن تنازل لمعاوية عن الخلافة وبايعه هو وأهل العراق (ثانياً).
وبذلك تمت له البيعة، وانتهى الأمر بالرضى عن معاوية والتسليم له من جميع الأمة ما عدا الخوارج وقد تغير حال
الخلافة في عهد بني أمية عما كان عليه في عهد الخلفاء الراشدين، فلبثت الخلافة في عهدهم، مظهر الملك
وأبهته، واستشعرت سطوة الحكم وعظمته، فاتخذ الخلفاء أُسرَّة للملك، وأقاموا الشرطة لحراستهم، وأكثروا من
الحجاب على أبوابهم، وبنوا المقاصير في المساجد يصلون فيها منفردين عن الناس وابتعدوا عن الاختلاط
بالرعية، وانغمسوا في الترف والملاذ، وساسوا الأمة بقوة البطش وحد السيف بعد أن كانت تساس بوازع الدين
وأثره في النفس، وحصروا الخلافة في بيت واحد، يختار كل خليفة منهم ولياً لهن من أهل بيته بعد أن كان الخلفاء
يختارون من بيوت متعددة، وبالجملة فإن مظاهر الملك قد ظهرت على هذه الدولة من أول وجودها كما أن الترف
قد لحقها في نهاية أمرها، وهو نتيجة طبيعية لانحصار الخلافة في بيت واحد.
محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية ٢/ ١٥٣ مقدمة ابن خلدون ١٨٩ الإمامة والسياسة لابن قتيبة ص ١١.
(١) الخلافة لغة هي النيابة عن الغير إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته، وإما لعجزه .. إلى آخره وهي مصدر خَلَفَ:
يقال خَلَفَه خَلَفاً وخِلافة إذا كان خليفة، واسم الفاعل منه خليفة وخليف.
ويقال: خلف فلان فلاناً، إذا قام بالأمر عنه، إما معه، وإما بعده، قال تعالى: ﴿ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في
٢٧٧
كتاب الصلاة / باب الإمامة
علم الكلام،
الأرض يخلفون﴾.
والخليفة السلطان الأعظم، وقد يؤنث، وأنشد الفراء:
أبوك الخليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال
قال ابن الأثير:
الخليفة: من يقوم مقام الذاهب، ويسد مسده، والهاء فيه للمبالغة، وجمعه الخلفاء على معنى التذكير لا على معنى
اللفظ مثل ظريف وظرفاء، ويجمع على اللفظ خلائف كظريفة وظرائف وقال صاحب لسان العرب:
يقال خلفته أنا جعلته خليفتي، واستخلفه جعله خليفته، والخليفة الذي يستخلف ممن قبله، والجمع خلائف.
وقال صاحب محيط المحيط:
الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه، والسلطان يحكم بين الخصوم، والسلطان الأعظم والحكم الذي يستخلف
عمن قبله، وفلان خليفة بين الخلافة.
الخلافة شرعاً:
عرفها كثير من علماء الشريعة الإسلامية بتعريفات ترجع إلى معنى واحد: وهو رياسة الحكومة الإسلامية الجامعة
لمصالح الدين والدنيا.
قال السعد في شرح المقاصد:
(الفصل الرابع في الإمامة، وهي رياسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافةً عن النبي ◌َّدٍ) .
وقال البيضاوي في طوالع الأنوار:
(الإمامة عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص للرسول عليه السلام في إقامة القوانين الشرعية، وحفظ حوزة الملة
على وجه يجب اتباعه على كافة الأمة).
وقال أبو الحسن الماوردي في الأحكام السلطانية :
(الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا).
وقد زاد الإمام الرازي قيداً آخر في التعريف فقال: (هي رياسة عامة في الدين والدنيا لشخص واحد من
الأشخاص).
وقال: هو احتراز عن كل الأمة إذ عزلوا الإمام لفسقه.
وترادف الخلافة الإمامة العظمى، وإمارة المؤمنين، فهي ثلاث كلمات متحدة المعنى في لسان الشرعيين، والقائم
بهذه الوظيفة يسمى خليفة، وإماماً، وأمير المؤمنين أما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي وفرفي أمته، فيقال خليفة
بإطلاق، وخليفة رسول الله، واختلف العلماء في تسميته خليفة الله، فجوزه بعضهم لقيامه بحقوقه في خلقه،
ولقوله تعالى: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾ ومنع جمهور العلماء من جوازه، ونسبوا قائله إلى الفجور،
وقالوا: يستخلف من يغيب أو يموت، والله لا يغيب ولا يموت، وقد قيل لأبي بكر رضي الله عنه: يا خليفة الله،
فقال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله ﴾.
وأما تسميته إماماً:
فتشبيه بإمام الصلاة في اتباعه، والاقتداء به، ولهذا يقال الإمامة العظمى احترازاً عن إمامة الصلاة، وأما لقب أمير
المؤمنين فهو مستحدث لم يعرف إلا في عهد الخلفاء الراشدين، فأطلق على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه .
فهو أول من تلقب به من الخلفاء .
كان المسلمون يسمون القائم بهذا المنصب خليفة رسول الله فلما توفي أبو بكر وبويع لعمر كانوا يدعونه خليفة
خليفة رسول الله، وكأنهم استثقلوا هذا اللقب لكثرة كلماته وطول إضافته، وتزايده فيما بعد إلى أن ينتهي إلى
الهجنة، ويذهب منه التمييز بتعدد الإضافات وكثرتها، فلا يعرف صاحبه، فكانوا يعدلون عن هذا اللقب إلى غيره
من الألقاب التي تناسبه، ويدعى بها مثله، واتفق أن بعض الصحابة دعا عمر رضي الله عنه بلقب (أمير المؤمنين)
فاستحسنه الناس، واستخفوه، وصاروا يدعونه به وتوارثه الخلفاء من بعده سمة لا يشاركهم فيها أحد سواهم.
انظر الخلافة للشيخ عبد الفتاح الجوهري.
٢٧٨
كتاب الصلاة / باب الإمامة
ونصبه أهم الواجبات،
ولما كانت الرياسة عند التحقيق ليست إلا استحقاق التصرف، إذ معنى نصب أهل
الحل والعقد للإمام ليس إلا إثبات هذا الاستحقاق عبر بالاستحقاق، كذا أفاده العلامة
الكمال ابن أبي شريف في شرحه على كتاب المسايرة لشيخه المحقق الكمال ابن الهمام.
قوله: (ونصبه)(١) أي الإمام المفهوم من المقام. قوله: (أهم الواجبات) أي من أهمها،
(١) ذهب جمهور العلماء إلى أن نصب الخليفة وإقامته على الأمة واجب على المسلمين.
وخالفهم الأصم من المعتزلة، وبعض الخوارج إذا قالوا: بجواز نصب الخليفة لا وجوبه، والواجب عندهم أيضاً
أحكام الشرع فإذا اتفقت الأمة على العدل، وتواطأت على تنفيذ أحكام الله تعالى لم تحتج إلى خليفة، ولا يجب
عليها نصبه، والقائلون بوجوب نصب الخليفة اختلفوا في طريقه فذهب أهل السنة، وأكثر المعتزلة إلى أن نصبه
واجب بالسمع، وذهب جماعة منهم: الجاحظ، والخياط والكعبي، وأبو الحسين البصري إلى أن نصبه واجب
بالعقل.
استدل أهل السنة ومن وافقهم على الوجوب سمعاً بأمور:
الأول: تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول بعد وفاة الرسول # على امتناع خلو الوقت عن خليفة حتى قال أبو
بكر في خطبتة حين وفاة الرسول عليه السلام: ألا إن محمداً قدمات، ولا بد لهذا الدين ممن يقوم به، فبادر الكل إلى
قبول قوله، ولم يقل أحد: لا حاجة لنا بذلك بل اتفقوا عليه، وأخذوا ينظرون فيمن يتولاه، وتركوا له أهم الأشياء،
وهو دفن النبي #، واختلاف الصحابة في تعيين الخليفة لا يقدح في ذلك الاتفاق، ولم يزل الناس بعدهم على
ذلك في كل عصر.
الثاني: أن الشارع أمر بإقامة الحدود، وسد الثغور، وتجهيز الجيوش للجهاد، ونكثير من الأمور المتعلقة بحفظ
النظام وحماية البيضة مما لا يتم إلا بخليفة، إذ لا يمكن لآحاد الناس أن يقوم به، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به،
و کان مقدوراً علیه، فهو واجب.
الثالث: أن في نصب الخليفة جلب منافع كثيرة، ودفع مضار عديدة، وكل ما كان كذلك فهو واجب بالإجماع،
وذلك لأنا نعلم علماً ضرورياً أن اجتماع الناس الموصل إلى صلاحهم في دينهم ودنياهم لا يتم إلا بسلطان قاهر
يدرأ المفاسد، ويحفظ المصالح، ويمنع ما تتسارع إليه طبائعهم، وتتنازع عليه أطماعهم.
ولهذا قال لا ينتظم أمر أدنى اجتماع كرفقة طريق بدون رئيس، يقتدون برأيه، وربما يحصل مثل هذا بين الحيوانات
كالنحل لها عظيم يقوم مقام الرئيس، ينتظم به أمرها، فإذا هلك شاع بينها الانقسام والفساد.
ونوقش هذا الدلیل : بأن في نصب الخلیفة مضار کثیرة، وقد قال النبي {8#: ((لا ضرر ولا ضرار)).
فإن تولية الإنسان على مثله ليحكم عليه فيما يهتدي إليه، وفيما لا يهتدي إليه ضرر لا محالة.
وقد يستنكف عنه بعض الناس كما وقع فيما مضى، فيفضي ذلك إلى الاختلاف والفتنة، وهذا ضرر عظيم.
ويزاد على ذلك أن الخليفة لا تجب عصمته، فيتصور من الكفر والفسوق، فإن لم يعزل أضر بالأمة، وإن عزل أدى
ذلك إلى الفتنة لاحتياج الناس إلى محاربته.
أجيب عن ذلك: بأن المضار اللازمة من ترك نص الخليفة أكثر بكثير من المضار الناشئة من نصبه، ودفع الضرر
الأعظم عند التعارض واجب.
قال العلامة السعد في شرح المقاصد بعد ذكر الأدلة الثلاثة: وقد يتمسك بمثل قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الأمر منكم﴾، وقوله في ((من مات، ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية))، فإن وجوب الطاعة
والمعرفة يقتضي الحصول».
واستدل القائلون بوجوب نصب الخليفة عقلً: بأن طباع العقلاء توجب التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل
بينهم في التنازع والتخاصم، فكل أمة لا تستغني عن قوة تحمي قوانينها، وتدير شؤون أفرادها، فوجود الحاكم
٢٧٩
كتاب الصلاة / باب الإمامة
الوازع ضرورة من ضرورات الاجتماع البشري الذي تختلف فيه الأهواء، وتتشتت الآراء، فيكثر النزاع، ويشتد
الخصام، وتسود الفوضى، لذلك يقول الأفوه، وهو شاعر جاهلي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
ورد هذا الدليل: بأنه مبني على قاعدة (ما أدركه العقل حسناً فهو عند الله حسن، وما أدركه قبيحاً فهو عند الله
قبيح)، وهي قاعدة باطلة، إذ لو كان العقل كافياً في درك الأحكام الشرعية وانتظام أمر الناس في دينهم ودنياهم لما
كان هناك حاجة لإرسال الرسل عليهم السلام إلى الخلق. وهذا هو الصحيح الذي تركن إليه النفس، ويطمئن إليه
القلب، ويخضع له الفكر السليم؛ لأن العقول متباينة ومتفاوتة، فرب أمر يكون حسناً في نظر بعض العقول، وهو
قبيح في نظر بعض آخر، فكيف يدرك العقل الأحكام الشرعية، وكيف يكون متعلق المدح، والثواب، والذم،
والعقاب؟! لا بد إذاً في انتظام أمر المجتمع من قانون سماوي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من
حكيم حميد، يكون هو المرجع في تعريف الأحكام الشرعية، وتنظيم شأن المجتمع، وبذلك يسود العدل، ويستقر
في نصابه، وينتظم أمر الدين والدنيا.
هذه أدلة القائلين بوجوب نصب الخليفة على اختلافهم في طريق الوجوب.
أما القائلون بعدم وجوب نصب الخليفة فاستدلوا: بما يأتي الأول: توفر الناس على مصالحهم الدنيوية، وتعاونهم
على واجباتهم الدينية مما بحث عليه طبعهم، وينادي به دينهم، فلا حاجة بهم إلى قيام حاكم عليهم فيما يستقلون به،
ويدل على ذلك انتظام أحوال العرب وأهل البادية النائبين عن السلطان وحكمه.
الثاني: انتفاع الناس بالخليفة لا يكون إلا بالوصول إليه، ولا يخفى أن وصول آحاد الرعية إليه في كل ما يطرأ لهم من
الأمور الدنيوية متعذر عادة، فلا فائدة إذاً في نصبه للعامة، فلا يكون واجباً بل جائزاً.
الثالث: اشترط العلماء في الخليفة شروطاً قلما تتوفر في كل عصر، وعلى ذلك فإن أقام المسلمون فاقدها لم يأتوا
بالواجب عليهم، وإن لم يقيموه فقد تركوا الواجب، فوجوب نصبه يستلزم أحد الأمرين الممتنعين، فيكون ممتنعاً.
ورد دليلهم الأول: بأنه وإن كان ممكناً عقلًا، فهو ممتنع عادة لما نشاهده من قيام الفتن، وحدوث الخلاف والشقاق
عند موت الولاة.
أما العرب وسكان البادية فهم في نهاية القسوة والغلظة يشنون الغارات لأتفه الأشياء، ويقتلون الأنفس لأوهى
الأسباب، فهم بعیدون عن آداب الدین وسياسة الدنيا.
ورد الثاني: یمنع ما يدعونه من أن الانتفاع بالإمام لا یکون إلا بالوصول إلیه فقط، بل کما یکون بالوصول إليه يكون
بوصول أحكامه وسياسته إلى الرعية، ونصبه من يرجعون إليه في مصالحهم.
ورد الثالث: بأن الواجب على المسلمين أن يبايعوا من كان مستجمعاً للشروط الواجبة، فإذا تعذر وجود بعض
الشروط دخلت المسألة في حكم الضرورات والضرورات تقدر بقدرها، فيكون الواجب حينئذ مبايعة من كان
مستجمعاً لأكثر الشروط من أهلها مع الاجتهاد والسعي لاستكمالها كلها فيه.
قال ابن خلدون بعد أن ذكر من مذهب القائلين بجواز نصب الخليفة (والذي حملهم على هذا المذهب إنما هو الفرار
عن الملك ومذاهبه من الاستطالة، والتغلب، والاستمتاع بالدنيا، لما رأوا الشريعة ممتلئة بذم ذلك والنعي على أهله
ومرغة في رفضه، واعلم أن الشرع لم يذم الملك لذاته، ولا حظر القيام به، وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه من
القهر، والظلم، والتمتع باللذات، ولا شك أن في هذه مفاسد محظورة، وهي من توابعه، كما أثنى على العدل
والنصفة، وإقامة مراسيم الدين والذب عنه، وأوجب بإزائها الثواب وهي كلها من توابع الملك فإذاً إنما وقع الذم
للملك علی صفة وحال دون حال أخری، ولم یذمه لذاته إلخ.
بقي أن نقول: إن وجوب تصب الخليفة الذي ذهب إليه جمهور الفلماء ليس وجوباً عينياً بل هو وجوب كفائي شأنه
شأن سائر الواجبات الكفائية من جهاد، وطلب علم، ونحو ذلك، فإذا قام بهذه الوظيفة من يصلح لها سقط وجوبها
عن كافة المسلمين، وإن لم يقم بها أحد أثم من الناس فريقان:
الأول :: أهل الاختيار المعروفون بشروطهم حتى يختاروا خليفة المسلمين.
والثاني: أهل الخلافة حتى ينتصب أحدهم، ويتولى أمورها، وليس على غير هذينَ الفريقين من الأمة خرج، ولا
٢٨٠
كتاب الصلاة / باب الإمامة
فلذا قدموه على دفن صاحب المعجزات.
ويشترط كونه مسلماً حرّاً ذكراً عاقلاً بالغاً قادراً، قرشياً،
لتوقف كثير من الواجبات الشرعية عليه، ولذا قال في العقائد النسفية: والمسلمون لا بد
لهم من إمام، يقوم بتنفيذ أحكامهم، وإقامة حدودهم، وسدّ ثغورهم، وتجهیز جيوشهم،
وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق، وإقامة الجمع والأعياد، وقبول
الشهادات القائمة على الحقوق، وتزويج الصغار والصغائر الذين لا أولياء لهم، وقسمة
الغنائم اهـ. قوله: (فلذا قدموه إلخ) فإنه ◌َ ﴿ توفي يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء، أو ليلة
الأربعاء أو يوم الأربعاء ح عن المواهب، وهذه السنة باقية إلى الآن، لم يدفن خليفة حتى
يولى غيره ط. قوله: (ويشترط كونه مسلماً إلخ) أي لأن الكافر لا يلي على المسلم؛ ولأن
العبد لا ولاية له على نفسه، فكيف تكون له الولاية على غيره؟ والولاية المتعدية فرع للولاية
القائمة، ومثله الصبي والمجنون، ولأن النساء أمرن بالقرار في البيوت فكان مبنى حالهن
على الستر، وإليه أشار النبي ◌َ﴿ حيث قال: ((كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ تَمْلِكُهُمُ امْرَأَةَ» (١) وقوله
((قادراً) أي على تنفيذ الأحكام وإنصاف المظلوم من الظالم، وسد الثغور، وحماية البيضة
وحفظ حدود الإسلام، وجرّ العساكر، وقوله ((قرشياً) لقوله وَله((الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ))(٢) وقد
سلمت الأنصار الخلافة لقريش بهذا الحديث، وبه يبطل قول الضرارية: إن الإمامة تصلح
في غير قريش، والكعبية: إن القرشي أولى بها اهـ. الكلّ من ح عن شرح عمدة النسفي (٣).
= مأثم. انظر الخلافة لمحمد رشيد رضي مقدمة ابن خلدون (١٦٠).
(١) أخرجه البخاري ١٢٦/٨ (٤٤٢٥).
(٢) أخرجه أحمد ١٨٣/٣، ٤٢١/٤ والطبراني في الكبير ٢٢٤/١ والصغير ١/ ١٥٢ وابن أبي عاصم في السنة ٢/ ٥٣١
وأبو نعيم في الحلية ٨/٥، ٢٤٢/٧، ١٣٣/٨ والطيالسي كما في المنحة (٢٥٩٦، ٢٥٩٧) وابن أبي شيبة ١٢٪
١٧٠.
(٣) فيه الخلاف، واتسعت دائرة النزاع.
فذهب الأشاعرة والجبائيان إلى اشتراطه ووجوب تحققه في الخليفة.
وذهب الخوارج وبعض المعتزلة وأبو بكر الباقلاني إلى عدم اشتراطه.
ومنشأ الخلاف بين العلماء تعارض النصوص الواردة باعتبار النسب القرشي مع نصوص أخرى وردت بإلغاء اعتبار
الأنساب والاعتماد على الأعمال، والنعي على من دعا إلى عصبية وفقد الرابطة بينه وبين الغاية التي من أجلها يولى
الإمام، لأن شرط الشيء لا بد أن يكون ذا صلة في الوصول إلى المقصود به استدل المانعون من اشتراط النسب
القرشي بأدلة أهمها:
الأول: مثل قول النبي ◌َ # (اسمعوا وأطيعوا وإن ولي عليكم عبد حبشي ذو زبيبة).
فإنه يدل على عدم اشتراط القرشية في الخليفة.
الثاني: مثل قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته أَوْ لَمّا دخلني فيه
ظنة).
فهو صريح في عدم اشتراط النسب القرشي.