Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب الصلاة
الأصح (وبين صلاني الجمع بعرفة ومزدلفة) كذا بعدهما كما مر (وعند مدافعة الأخبثين)
أو أحدهما أو الريح، ووقت حضور طعام تاقت نفسه إليه، (و) كذا كل (ما يشغل باله عن
أفعالھا ویخل بخشوعھا) كائناً ما كان. فهذه نیف وثلاثون وقتاً؛
في مقابله ح. قوله: (في الأصح) ردّ على من يقول: لا يكره في البيت مطلقاً سواء كان
قبلها أو بعدها، وعلى من يقول: لا يكره بعدها مطلقاً سواء كان في المسجد أو في
البيت ح. قوله: (وبين صلاتي الجمع) أي جمع العصر مع الظهر تقديماً في عرفة، وجمع
المغرب مع العشاء تأخيراً في مزدلفة .. قوله: (وكذا بعدهما) ضمير التثنية راجع إلى صلاتي
الجمع الكائن بعرفة فقط لا بمزدلفة أيضاً وإن أوهمه كلامه لعدم كراهة النفل بعد صلاتي
الجمع بمزدلفة، ويدل على أن هذا مراده قوله ((كما مر)) أي قريباً في قوله ((ولو المجموعة
بعرفة)) فلو قدم قوله ((وكذا بعدهما كما مر)) على قوله ((ومزدلفة) لسلم من الإيهام؛ ولو أسقطه
أصلا لسلم من التكرار ح. وذكر الرحمتي ما يفيد ثبوت الخلاف عندنا في كراهة التنفل بعد
صلاتي المغرب والعشاء في المزدلفة، لكن الذي جزم به في شرح اللباب أنه يصلي سنة
المغرب والعشاء والوتر بعدهما وقال: كما صرح به مولانا عبد الرحمن الجامي في منسكه.
تأمل. قوله: (تاقت نفسه إليه) أي اشتاقت ح عن القاموس. وافهم أنه إذا لم تشتق إليه لا
كراهة، وهو ظاهر ط. قوله: (ما يشغل باله) بفتح الغين المعجمة. والبال: القلب، وهذا
من عطف العام على الخاص لشموله للمدافعة وحضور الطعام، وإنما نص عليهما لوقوع
التنصيص عليهما بخصوصهما في الأحاديث، أفاده في الحلية، فافهم. قوله: (ويخل
بخشوعها) عطف لازم على ملزوم فافهم. قال ط: ومحل الخشوع القلب، وهو فرض عند
أهل الله تعالى، وورد في الحدیث أن الإنسان ليس له من صلاته إلا بقدر ما استحضر فيها،
فتارة يكون له عشرها أو أقل أو أكثر.
مَطْلَبْ نِي إِعْرَابٍ كَائِناً مَا كَانَ
قوله: (كائناً ما كان) في هذا التركيب أعاريب ذكرتها في رسالتي المسماة بـ ((الفوائد
العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة)) أظهرها أن ((كائناً) مصدر الناقصة(١) حال وفيه ضمير
يعود على الشاغل هو اسمها، وما خبرها، وهي نكرة موصوفة بكان التامة: أي حال كون
الشاغل شيئاً متصفاً بصفة الوجود، والمعنى: تعليق الكراهة على أيّ شاغل وجد، لا بقيد
زائد على قيد الوجود. قوله: (فهذه نيف وثلاثون وقتاً) بفتح النون وكسر التحتية مشددة وقد
تخفف وفي آخره فاء: ما زاد على العقد إلى أن يبلغ العقد الثاني كما في القاموس، والمراد
هنا ثلاثة وثلاثون على ما يظهر، وهي: الشروق، الاستواء، الغروب، بعد صلاة فجر أو
(١) في ط (قوله أن كائناً مصدر الناقصة إلخ) هكذا بخطه، ولا يخفى ما في هذه العبارة من النظر.

٤٢
كتاب الصلاة
وكذا تكره في أماكن كفوق كعبة وفي طريق ومزبلة ومجزرة ومقبرة ومغتسل
عصر، قبل صلاة فجر أو مغرب، عند الخطب العشرة، عند إقامة مكتوبة وضيق وقتها، قبل
صلاة عيد فطر وبعدها في مسجد، وقبل صلاة عيد أضحى، وبعدها في مسجد بين صلاتي
جمع عرفة، وبعدهما بين جمع مزدلفة، عند مدافعة بول أو غائط أو كل منهما أو ريح، عند
طعام يتوقه، عند كل ما يشغل البال، وما بعد نصف الليل لأداء العشاء لا غير، عند اشتباك
نجوم لأداء المغرب فقط.
واعلم أنا قدمنا أن النهي في الثلاثة الأول لمعنى في الوقت، ولهذا أثر في الفرض
والنفل وفي البواقي لمعنى في غيره، ولهذا أثر في النوافل دون الفرائض وما في معناها، وبه
صرح في العناية وغيرها، لكن كون النهي في البواقي مؤثراً في النوافل إنما يظهر إذا لم
يتعلق بخصوص صلاة الوقت كما في الأخيرين، فإن المكروه فيهما الصلاة الوقتية فقط
دون غيرها، فإن في تأخير العشاء إلى ما بعد النصف تقليل الجماعة، وفي تأخير المغرب
إلى الاشتباك تشبهاً باليهود كما صرحوا به وذلك خاص بهما، وقدمنا أن الصحيح أنه لا
كراهة في الوقت نفسه، وأن الأوجه كما حققه في البحر تبعاً للحلية كون الكراهة في كل من
التأخير والأداء لا في التأخير فقط، فافهم. قوله: (وكذا تكره الخ) لما ذكر الكراهة في
الزمان استطرد ذكر الكراهة في المكان، وإلا فمحل ذلك مكروهات الصلاة. قوله: (كفوق
كعبة الخ)(١) أي لما فيه من ترك تعظيمها المأمور به، وقوله ((وفي طريق)) لأن فيه منع الناس
من المرور وشغله بما ليس له لأنها حق العامة للمرور، ولما رواه ابن ماجة والترمذي عن
ابن عمر (أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهِىَ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةٍ مَوَاطِنَ: فِي المَزْبَلَةِ،
وَالمَجْزَرَةِ، وَالمِقَبْرةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الإِبِلِ، وَفَوقَ ظَهْرِ بَيْتِ
اللّهِ))(٢) اهـ. ومعاطن الإبل: مباركها، جمع معطن: اسم مكان؛ والمزيلة بفتح الميم مع فتح
الباء وضمها: ملقى الزبل؛ والمجزرة بفتح الميم مع فتح الزاي وضمها أيضاً: موضع
الجزارة: أي فعل الجزار: أي القصاب. إمداد. قوله: (ومقبرة) مثلث الباءح. واختلف
في علته؛ فقيل: لأن فيها عظام الموتى وصديدهم وهو نجس وفيه نظر (٣)، وقيل لأن أصل
عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد، وقيل لأنه تشبه باليهود. وعليه مشى في
الخانية، ولا بأس بالصلاة فيها إذا كان فيها موضع أعد للصلاة وليس فيه قبر ولا نجاسة كما
(١) في ط أقول: قد عقد الحديث العلامة نجم الدين الطرسوسي في منظومته الفوائد فقال:
نهى الرسول أحمد خير البشر عن الصلاةِ في بقاع تعتبز
معاطن الجمال ثم مقبره مزبلةٍ طريق ثم مجزرة
وفوق بيت الله والحمام والحمد لله على التمام
(٢) أخرجه الترمذي ١/ ١٧٧ (٣٤٦) وقال إسناده ليس بذاك القوي وابن ماجة ١/ ٢٤٦ (٧٤٦).
(٣) في ط (قوله وفيه نظر) لعل وجهه أن الاستحالة عندها مطهرة.

٤٣
كتاب الصلاة
وحمام وبطن واد ومعاطن إيل وغنم
في الخانية ولا قبلته إلى قبر. حلية. قوله: (ومغتسل) أي موضع الاغتسال في بيته. تأمل.
قوله: (وحمام) لمعنيين: أحدهما أنه مصب الغسالات. والثاني أنه بيت الشياطين؛ فعلى
الأول إذا غسل منه موضعاً لا تكره، وعلى الثاني تكره، وهو الأولى لإطلاق الحدیث إلا
لخوفِ فوت الوقت ونحوه. إمداد؛ لكن في الفيض أن المفتى به عدم الكراهة. وأما
الصلاة خارجة: أي موضع جلوس الحمامي، ففي الخانية لا بأس بها، وفي الحلية أنه
يتفرع على المعنى الثاني الكراهة خارجه أيضاً، وفيها أيضاً: لو هجر الحمام، قيل يحتمل
بقاء الكراهة استصحاباً لما كان، ويحتمل زوالها لأن الشيطان کان یألفه لما فيه من کشف
العورات ونحو ذلك، والأول أشبه، ولو لم يسق إليه الماء ولم يستعمل فالأشبه عدمها لأنه
مشتق من الحميم: وهو الماء الحار ولم يوجد فيه. وعليه لو اتخذ داراً للسكن كهيئة الحمام
لم تكره الصلاة أيضاً اهـ.
مَطْلَبٌ: تُكْرَةُ الصَّلَاةُ فِي الْكَّنِيسَةِ
تنبيه: يؤخذ من التعلیل بأنه محل الشیاطین کراهة الصلاة في معابد الكفار لأنها مأوى
الشياطين كما صرح به الشافعية. ويؤخذ مما ذكروه عندنا، ففي البحر من کتاب الدعوى عند
قول الكنز: ولا يحلفون في بيت عباداتهم. في التاترخانية: يكره للمسلم الدخول في البيعة
والكنيسة، وإنما یکره من حیث إنه مجمع الشیاطین لا من حيث إنه ليس له حق الدخول اهـ.
قال في البحر: والظاهر أنها تحريمية لأنها المرادة عند إطلاقهم، وقد أفتيت بتعزير مسلم
لازم الكنيسة مع اليهود اهـ. فإذا حرم الدخول فالصلاة أولى، وبه ظهر جهل من يدخلها
لأجل الصلاة فيها. قوله: (وبطن واد) أي ما انخفض من الأرض، فإن الغالب احتواؤه على
نجاسة يحملها إليه السيل أو تلقى فيه ط. قوله: (ومعاطن إيل وغنم) كذا في الأحكام للشيخ
إسماعيل عن الخزانة السمرقندية، ثم نقل عن الملتقط أنها لا تكره في مرابض الغنم إذا كان
بعيداً من النجاسة. وفي الحلية قال ولير: ((صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان
الإبل)) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح(١). وأخرج أبو داود ((سُئِلَّ رَسُول اللّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاَةِ فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ فَقَالَ: لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ فَإِنَّهَا مِنَ
الشّيَاطِينِ (٢) وَسُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ؟ فَقَالَ: صَلَّوا فِيهَا فَإِنَهَا خُلِقَتْ مِنْ بَرَكَةٍ)(٣)
وأخرجه مسلم مختصراً. ومعاطن الإبل: وطنهَا ثم غلب على مبركها حول الماء. والأولى
(١) أخرجه أحمد ٤٥١/٢، ٤٩١، ٥٠٩ والدارمي ٣٢٣/١ والترمذي ٢/ ١٨٠ (٣٤٨) وقال حسن صحيح وابن
ماجة ١/ ٢٥٢ (٧٦٨).
(٢) أبو داود(٤٩٣) وأحمد ٤/ ٣٥٢، ٥٧/٥.
(٣) أحمد في المسند ٢٨٨/٤ وأبو داود المصدر السابق وابن أبي شيبة ١/ ٣٨٤ والبيهقي ٤٤٩/٢.

٤٤
كتاب الصلاة
وبقر. زاد في الكافي: ومرابط دواب، وإصطبل، وطاحون، وكيف وسطوحها،
ومسیل واد، وأرض مغصوبة أو للغير لو مزروعة أو مكروبة، وصحراء
الإطلاق كما هو ظاهر الحديث. ومرابض الغنم: مواضع مبيتها اهـ. والظاهر أن معنى كون
الإبل من الشياطين أنها خلقت على صفة تشبههم من النفور والإيذاء، فلا يأمن المصلي من
أن تنفر وتقطع عليه صلانه كما قاله بعض الشافعية: أي فيبقى باله مشغولاً حال سجوده،
وبهذا فارقت الغنم. ويظهر من التعليل أنه لا كراهة في معاطن الإبل الطاهرة حال غيبتها.
تنبيه: استشكل بعضهم التعليل بأنها خلقت من الشياطين بما ثبت أن المصطفى اليوم
كان يصلي النافلة على بعيره. وفرّق بعضهم بين الواحد و کونها مجتمعة بما طبعت عليه من
النفار المفضي إلى تشويش القلب بخلاف الصلاة على المركوب منها اهـ شبراملسي على
شرح المنهاج للرملي. قوله: (ويقر) لم أر من ذكره عندنا؛ نعم ذكر بعض الشافعية أن نحو
البقر كالغنم، وخالفه بعضهم. قوله: (ومرابط دوات الخ) ذكر هذه السبعة في الحاوي
القدسي. قوله: (وإصطبل) موضع الخيل، وعطفه على ما قبله من عطف الخاص على
العام ط. قوله: (وطاحون) لعل وجهه شغل البال بصوتها، تأمل. قوله: (وسطوحها) يحتمل
عود الضمير على الأربعة المذكورة أو على الكنيف وحده، وأنثه باعتبار البقعة المعدة
لقضاء الحاجة، ولعل وجهه أن السطوح له حكم ما تحته من بعض الجهات كسطوح
المسجد. قوله: (ومسيل واد) يغني عنه قوله ((وبطن واد)) لأن المسيل يكون في بطن الوادي
غالباً ط.
مَطْلَبٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الأَرْضِ المَغْصُوبَةِ وَدُخُولِ الْبَسَاتِينِ وَبَنَّاءِ المَسْجِدِ
فِي أَرْضِ الغَصْبٍ
قوله: (وأرض مغصوبة أو للغير) لا حاجة إلى قوله ((أو للغير)) إذ الغصب يستلزمه،
اللهم إلا أن يراد الصلاة بغير الإذن وإن كان غير غاصب، أفاده أبو السعود ط. وعبارة
الحاوي القدسي: والأرض المغصوبة، فإن اضطر بين أرض مسلم وكافر يصلي في أرض
المسلم إذا لم تكن مزروعة، فلو مزروعة أو لكافر يصلي في الطريق اهـ: أي لأن له في
الطريق حقاً كما في مختارات النوازل، وفيها: تكره في أرض الغير لو مزروعة أو مكروبة،
إلا إذا کانت بينهما صداقة أو رأى صاحبها لا يكرهه فلا بأس اهـ.
تنبيه: نقل سيدي عبد الغني عن الأحكام لوالده الشيخ إسماعيل أن النزول في أرض
الغير، إن كان لها حائط أو حائل يمنع منه وإلا فلا، والمعتبر فيه العرف اهـ. قال: يعني
عرف الناس بالرضا وعدمه، فلا يجوز الدخول في أيام الربيع إلى بساتين الوادي بدمشق إلا
بإذن أصحابها، فما يفعله العامة من هدم الجدران وخرج السياج فهو أمر منكر حرام. ثم
قال: وفي شرح المنية للحلبي: بنى مسجداً في أرض غصب لا بأس بالصلاة فيه. وفي
.

٤٥
كتاب الصلاة
فلا سترة لمار.
ويكره النوم قبل العشاء والكلام المباح بعدها وبعد طلوع الفجر إلى أدائه؛ ثم لا
بأس بمشيه لحاجته، وقيل يكره إلى طلوع ذكاء، وقيل إلى ارتفاعها، فيض (ولا جمع
بين فرضين في وقت بعذر) سفر ومطر خلافاً للشافعي، وما رواه محمول على الجمع
الواقعات: بنى مسجداً على سور المدینة لا ينبغي أن يصلي فيه لأنه حق العامة فلم نخلص
الله تعالى كالمبني في أرض مغصوبة اهـ. ثم قال: ومدرسة السليمانية في دمشق مبنية في
أرض المرجة التي وقفها السلطان نور الدين الشهيد على أبناء السبيل بشهادة عامة أهل
دمشق والوقف يثبت بالشهرة، فتلك المدرسة خولف في بنائها شرط وقف الأرض الذي هو
كنص الشارع، فالصلاة فيها مكروهة تحريماً في قول، وغير صحيحة له في قول آخر كما نقله
في جامع الفتاوى، وكذا ماؤها مأخوذ من نهر مملوك، ومن هذا القبيل حجرة اليمانيين في
الجامع الأموي، ولا حول ولا قوة إلا بالله اهـ. قوله: (فلا سترة لمارّ) أي ساتر يستر المارّ
عن المصلي، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في باب ما يفسد الصلاة وما يكره ح.
قوله: (ويكره النوم إلخ) قدمنا الكلام علیه. قوله: (إلى ارتفاعها) أي قدر رمح أو رمحين.
قوله: (وما رواه) أي من الأحاديث الدالة على التأخير كحديث أنس ((أَنَّه صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ
وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا عَجَّلَ السَّيَرَ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ فَيَجْمَعُ بَيْنِهُمَا، وَيُؤَخِّرُ المَغْرِبَ
حَتَّى يجمَعَ بَيْنِهَا وَبَيْنُ العِشَاءِ))(١) وعن ابن مسعود مثله.
ومن الأحاديث الدالة على التقديم وليس فيها صريح سوى حديث أبي الطفيل عن
معاذ ((أنه عليه الصلاة والسلام كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر إلى
العصر فيصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر ثم سار، وكان إذا
ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل
العشاء فصلاها مع المغرب)». قوله: (محمول إلخ) أي ما رواه مما يدل على التأخير محمول
على الجمع فعلاً لا وقتاً: أي فعل الأولى في آخر وقتها والثانية في أول وقتها ويحمل
تصريح الراوي بخروج وقت الأولى على التجوّز، كقوله تعالى . فإذا بلغن أجلهن - أي
قارين بلوغ الأجل أو على أنه ظن، ويدل على هذا التأويل ما صح عن ابن عمر ((أَنَّه نَزَلَ فِي
آخِرِ الشَّفَقِ فِصَلَّى المَغْرِبَ ثُمَّ أَقَامَ العشَاءَ وَقَدْ تَوَارَى الشَّفَقُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى
اللّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا عَجَّلَ بِهِ السَّير صَنَعَ مَكّذَا) وفي رواية (ثُمَّ أَنْتَظَرَ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ
وَصَلَّى العِشَاءَ، كيف وقد قال ◌َههلَيْسَ فِي النَّومِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّقْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، بِأَنْ تُؤَخِّرَ
صَلَةً إِلَى وَقْتِ الأُخْرَى)) رواه مسلم، وهذا قالهَ وهو في السفر. وروى مسلم أيضاً عن ابن
عباس (أَنَّه صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالمَدِينَةِ فِي غَيِرٍ
(١) أخرجه مسلم باب ٥(٤٨) والنسائي ١/ ٢٨٧ وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٢١ والبيهقي ٣/ ١٦١.

٤٦
كتاب الصلاة
فعلاً، لا وقتاً (فإن جمع فسد لو قدم) الفرض على وقته (وحرم لو عكس) أي أخره عنه
(وإن صح) بطريق القضاء (إلا لحاج بعرفة ومزدلفة) كما سيجيء. ولا بأس بالتقليد عند
الضرورة لكن بشرط أن يلتزم جميع ما يوجبه ذلك الإمام، لما قدمنا أن الحكم الملفق
خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ، لِثَلَّ نجِرِجَ أُمَّتَهُ)) وفي رواية ((ولا سفر)) والشافعي لا يرى الجمع بلا عذر،
فما كان جوابه عن هذا الحديث فهو جوابنا. وأما حديث أبي الطفيل الدال على التقديم
فقال الترمذي فيه: إنه غريب، وقال الحاكم: إنه موضوع، وقال أبو داود: ليس في تقديم
: الوقت حديث قائم، وقد أنكرت عائشة على من يقول بالجمع في وقت واحد. وفي
الصحيحين عن ابن مسعود ((وَالَّذِي لَا إِلهَ غَيرِهُ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ
صَلَةً قَطُّ إِلَّ لِوَقْتِهَا، إِلَّ صَلَاتَين جَعَ بَيْنُ الظّهرِ وَالعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنُ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ
يِجِمْعٍ))(١) (٢) ويكفي في ذلك النصوص الواردة بتعيين الأوقات من الآيات والأخبار، وتمام
ذلك في المطولات كالزيلعي وشرح المنية. وقال سلطان العرافين سيدي محيي الدين نفعنا
الله به: والذي أذهب إليه أنه لا يجوز الجمع في غير عرفة ومزدلفة، لأن أوقات الصلاة قد
تثبت بلا خلاف، ولا يجوز إخراج صلاة عن وقتها إلا بنص محتمل، إذ لا ينبغي أن يخرج عن
أمر ثابت بأمر محتمل هذا لا يقول به من شمّ رائحة العلم، وکل حديث ورد في ذلك
فمحتمل أنه یتکلم فیه مع احتمال أنه صحیح، لکنه لیس بنص اهـ. کذا نقله عنه سيدي
عبد الوهاب الشعراني(٣) في كتابه [الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر]. قوله:
(فإن جمع الخ) تفصيل أجمله أولاً بقوله: ولا جمع الصادق بالفساد أو الحرمة فقط ط. قوله:
(إلا لحاج) استثناء من قوله ((ولا جمع)) ط. قوله: (بعرفة) بشرط الإحرام والسلطان أو نائبه
والجماعة في الصلاتين، ولا يشترط كل ذلك في جمع المزدلفة ط. قلت: إلا الإحرام على
أحد القولين فيه. قوله: (عند الضرورة) ظاهره أنه عند عدمها لا يجوز، وهو أحد قولین.
والمختار جوازه مطلقاً ولو بعد الوقوع كما قدمناه في الخطبة ط. وأيضاً عند الضرورة لا
حاجة إلى التقليد كما قال بعضهم مستنداً لما في المضمرات: المسافر إذا خاف اللصوص
أو قطاع الطريق ولا ينتظره الرفقة جاز له تأخير الصلاة لأنه بعذر، ولو صلى بهذا العذر
بالإيماء وهو يسير جاز اهـ. لكن الظاهر أنه أراد بالضرورة ما فيه نوع مشقة. تأمل. قوله:
(لكن بشرط إلخ) فقد شرط الشافعي لجمع التقديم ثلاثة شروط: تقديم الأولى، ونية
(١) في ط (قوله بجمع) اسم للمزدلفة.
(٢) البخاري ٣/ ٥٣٠ (١٦٨٢) ومسلم ٩٣٨/٢ (٢٩٢ / ١٢٨٩).
(٣) عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحنفي، نسبه إلى محمد بن الحنفية، الشعراني، أبو محمد: من علماء المتصوفين، من
مصنفاته ((أدب القضاء)) و(إرشاد الطالبين إلى مراتب العلماء العاملين) و((البدر المنير)). و((اليواقت والجواهر في
عقائد الأكابر))، توفي في القاهرة سنة ٩٧٣. انظر: الشذرات ٨/ ٣٧٢، معجم المطبوعات ١١٢٩- ١١٣٤،
الأعلام ٤/ ١٨٠.

٤٧
كتاب الصلاة / باب الأذان
باطل بالإجماع.
بَابُ الأذانِ
(هو) لغة) الإعلام. وشرعاً: (إعلام مخصوص) لم يقل بدخول الوقت ليعم
الفائتة وبين يدي الخطيب (على وجه مخصوص بألفاظ كذلك) أي مخصوصة (سببه ابتداء
أذان جبريل) ليلة الإسراء، وإقامته حين إمامته عليه الصلاة والسلام،
الجمع قبل الفراغ منها، وعدم الفصل بينهما بما يعدّ فاصلاً عرفاً، ولم يشترط في جمع
التأخير سوى نية الجمع قبل خروج الأولى. نهر. ويشترط أيضاً أن يقرأ الفاتحة في الصلاة
ولو مقتدياً، وأن يعيد الوضوء من مسّ فرجه أو أجنبية ذلك من الشروط والأركان المتعلقة
بذلك الفعل، والله تعالى أعلم.
بَابُ الأذانِ
لما كان الوقت سبباً کما مر قدمه، وذکر الأذان بعده لأنه إعلام بدخوله. قوله: (هو.
لغة الإعلام) قال في القاموس: آذنه الأمر وبه: أعلمه، وأذن تأذيناً: أكثر الإعلام اهـ.
فالأذان اسم مصدر، لأن الماضي هنا أذن المضاعف ومصدره التأذين ح. قوله: (وشرعاً
إعلام مخصوص) أي إعلام بالصلاة. قال في الدرر: ويطلق على الألفاظ المخصوصة اهـ:
أي التي يحصل بها الإعلام، من إطلاق اسم المسبب على السبب. إسماعيل، وإنما لم يعرفه
بالألفاظ المخصوصة، لأن المراد الأذان للصلاة، ولو عرف بها لدخل الأذان للمولود
ونحوه على ما يأتي. قوله: (ليعم الفائتة الخ) أي ليعم الأذان أذان الفائتة والأذان بين يدي
الخطيب، وليعلم أيضاً الأذان في آخر ظهر الصيف، أفاده ح: أي لأن العلم بالوقت فيها
سابق عليه. ولقائل أن يقول: لو صرح كغيره بالوقت لم يرد ما ذكر، لأن الأصل في
مشروعية الأذان الإعلام بدخول الوقت كما يعلم مما يأتي، فيكون التعريف بناء على ما هو
الأصل فيه، وإلا لزم أنه لو أذن لنفسه أو بين جماعة مخصوصین أرادوا الصلاة عالمین بدخول
الوقت لا يسمى أذاناً شرعاً لعدم الإعلام أصلاً مع أنه مشروع، فتدبر. قوله: (على وجه
مخصوص) أي من الترسل والاستدارة والالتفاف وعدم الترجيع واللحن ونحو ذلك من
أحكامه الآتية. قوله: (بألفاظ كذلك) أشار إلى أنه لا يصح بالفارسية وإن علم أنه أذان وهو
الأظهر. والأصح كما في السراج. قوله: (أذان جبريل الخ) في حاشية الشبراملسي على
شرح المنهاج للرملي عن شرح البخاري لابن حجر أنه وردت أحاديث تدل على أن الأذان
شرّع بمكة قبل الهجرة: منها للطبراني ((أَنَّه لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ: ﴿ أُوَحِيَ إِلَيهِ الأَذَانُ فَنَزَلَ بهِ
فَعَلَّمَهُ بِلَالَا» وللدار قطني في الأفراد من حديث أنس ((أَنَّ جِبرِيلَ أَمَرَ النَّبِيَّ وَلَّهِ بِالأَذَانِ حينَ
قُرِضَت الصَّلَاةُ» وللبزار وغيره من حديث عليّ قال: «لَمَّا أَرَادَ الله أَنْ يُعلّمَ رَسُولَهُ الأَذَان أَتَّاهُ

٤٨
كتاب الصلاة / باب الأذان
ثم رؤيا عبد الله بن زيد أذان الملك النازل من السماء في السنة الأولى من الهجرة،
وهل هو جبريل؟ قيل وقيل (و) سببه (بقاء دخول الوقت. وهو سنة) للرجال في مكان
عال (مؤكدة) هي كالواجب في لحوق الإثم
جِبْرِيلُ بِدَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا البُرَاقُ فَرَكِبَهَا فَقَالَ: الله أَكْبُ الله أَكْبُرُ وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ أَخَذَ الملكَ بِيَدِهِ
فَأَمَّ أَهْلَ السَّمَاءِ». والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث اهـ.
وذكر في فتح القدير حديث البزار ثم قال: وهو غريب ومعارض للخبر الصحيح أن
بدء الأذان كان بالمدينة على ما في مسلم («كَانَ المُسْلِمونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ
وَيَتَحَيَّئُونَ الصَّلَةَ وَلَيْسَ يُنادِي لَهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ننْصِبُ رَایةً»
الحديث. قوله: (ثم رؤيا عبد الله بن زيد الخ) ذكر القصة بتمامهاح عن السراج وساقها في
الفتح بأسانيدها. وفي هذه القصة أن عمر رضي الله عنه رأى تلك الليلة مثل ما رأى
عبد الله بن زيد.
واستشكل إثباته بالرؤيا بأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي. وأجيب
باحتمال مقارنة الوحي لذلك. قام في حاشية المنهاج عن الحافظ ابن حجر: ويؤيده ما رواه
عبد الرزاق وأبو داود في المراسيل ((أَنَّ عُمَرَ لَمَّا رَأَى الأَذَانَ جَاءَ لِيُخْبَرَ النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَوَجَدَ
الوَحْيَ قَدْ وَرَدَ بِذَلِكَ، فَمَا رَاعَهُ إِلَّ أَذَانُ بِلَالٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َِ: سَبَقَكَ بِذَلِكَ الوَحْيُّ (١) ثم
قال: وعلى تقدير صحة حديث: إن جبريل حين أراد أن يعلمه الأذان أتاه بالبراق الخ،
فيمكن أنه علمه ليأتي له في ذلك الموطن، ولا يلزم مشروعيته لأهل الأرض اهـ. وأجاب
- ح بأنه ظن أنه من خصوصيات تلك الصلاة، وهو قريب من الأول. قوله: (وسببه بقاء)
تمييز محول عن المضاف إليه: أي سبب بقائه واستمراره ط: أي الذي يتجدد طلب الأذان
عند تجدده. قوله: (للرجال) أما النساء فیکره لهن الأذان و کذا الإقامة، لما روي عن أنس
وابن عمر من كراهتهما لهن، ولأن مبنى حالهن على الستر ورفع صوتهن حرام. إمداد. ثم
الظاهر أنه يسن للصبيّ إذا أراد الصلاة كما يسن للبالغ، وإن كان في كراهة أذانه لغيره كلام
كما سيأتي: فافهم. قوله: (في مكان عال) في القنية: ويسن الأذان في موضع عال والإقامة
على الأرض، وفي أذان المغرب اختلاف المشايخ، والظاهر أنه يسن المكان العالي في
المغرب أيضاً كما سيأتي. وفي السراج: وينبغي للمؤذن أن يؤذن في موضع يكون أسمع
للجیران، ویرفع صوته، ولا يجهد نفسه، لأنه يتضرّر ا ه بحر.
قلت: والظاهر أن هذا في مؤذن الحيّ، أما من أذن لنفسه أو لجماعة حاضرين:
فالظاهر أنه لا يسن له المكان العالي لعدم الحاجة. تأمل. قوله: (هي كالواجب) بل أطلق
(١) أبو داود في المراسيل (٥) وابن حجر في الفتح ٢/ ٨٢.

٤٩
كتاب الصلاة / باب الأذان
(للفرائض) الخمس (في وقتها ولو قضاء) لأنه سنة للصلاة حتى يبرد به لا للوقت
بعضهم اسم الواجب عليه، لقول محمد: لو اجتمع أهل بلدة على تركه قاتلتهم عليه، ولو
تركه واحد ضربته وحبسته. وعامة المشايخ على الأول والقتال عليه، لما أنه من أعلام
الدين وفي تركه استخفاف ظاهر به. قال في المعراج وغيره: والقولان متقاربان، لأن
المؤكدة في حكم الواجب في لحوق الإثم بالترك: يعني وإن كان مقولاً بالتشكيك. نهر.
واستدل في الفتح على الوجوب بأن عدم الترك مرة دليل الوجوب. قال: ولا يظهر كونه
على الكفاية وإلا لم يأثم أهل بلدة بالاجتماع على تركه إذا قام به غيرهم: أي من أهل بلدة
أخرى. واستظهر في البحر كونه سنة على الكفاية بالنسبة إلى كل أهل بلدة، بمعنى أنه إذا
فعل في بلدة سقطت المقاتلة عن أهلها. قال: ولو لم يكن على الكفاية بهذا المعنى لكان
سنة في حق كل أحد وليس كذلك، إذ أذان الحيّ يكفينا كما سيأتي اهـ. قال في النهر:
ولم أر حكم البلدة الواحدة إذا اتسعت أطرافها كمصر. والظاهر أن أهل كل محلة سمعوا
الأذان ولو من محلة أخرى يسقط عنهم، لا إن لم يسمعوا اهـ. قوله: (للفرائض الخمس
الخ) دخلت الجمعة. بحر. وشمل حالة السفر والحضر والانفراد والجماعة. قال في
مواهب الرحمن ونور الإيضاح: ولو منفرداً أداء أو قضاء سفراً أو حضراً اهـ. لكن لا يكره
تركه لمصلي في بيته في المصر، لأن أذان الحي يكفيه كما سيأتي. وفي الإمداد أنه يأتي
به ندباً، وسيأتي تمامه فافهم، ويستثنى ظهر يوم الجمعة في المصر لمعذور وما يقضى من
الفوائت في مسجد كما سيذكره. قوله: (ولو قضاء) قال في الدرر: لأنه وقت القضاء وإن
فات وقت الأداء لقوله ﴿ ((فَلْيُصَلُّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا)) أي وقت قضائها اهــ وهذا
إذا لم يقضها في المسجد على ما سيأتي. قوله: (لأنه الخ) تعليل لشمول القضاء، ويظهر
منه أن المراد من وقتها وقت فعلها، وبه صرح القهستاني، لكن في التاتر خانية: ينبغي أن
يؤذن في أول الوقت ويقيم في وسطه حتى يفرغ المتوضئ من وضوئه والمصلي من
صلاته والمعتصر من قضاء حاجته اهـ. والظاهر أنه أراد أول الوقت المستحب لما يأتي
قريباً. قوله: (حتى يبرد به) بالبناء للمجهول، وأشمل منه قوله المارّ في الأوقات، وحكم
الأذان كالصلاة تعجيلا وتأخيراً. قال نوح أفندي وفي المجتبى عن المجرد قال أبو حنيفة:
ويؤذن للفجر بعد طلوعه، وفي الظهر في الشتاء حين تزول الشمس، وفي الصيف يبرد،
وفي العصر يؤخر ما لم يخف تغير الشمس، وفي العشاء يؤخر قليلاً بعد ذهاب
البياض اهـ. قال القهستاني بعده: ولعل المراد بيان الاستحباب، وإلا فوقت الجواز جميع
الوقت اهـ.
وحاصله أنه لا يلزم الموالاة بين الأذان والصلاة بل هي الأفضل، فلو أذن أوله وصلى
آخره أتى بالسنة. تأمل.

٥٠
كتاب الصلاة / باب الأذان
(لا) يسن (لغيرها) كعيد (فيعاد أذان وقع) بعضه (قبله) كالإقامة خلافاً للثاني في الفجر
(بتربيع تكبير في ابتدائه) وعن الثاني ثنتين
مَطْلَبٌ: فِي الْمَوَاضِعِ آلّتِي يُنْدَبُ لَهَا الأَذَانُ فِي غَيرِ الصَّلَاءِ(١)
قوله: (لا يسن لغيرها) أي من الصلوات وإلا فيندب للمولود. وفي حاشية البحر
للخير الرملي: رأيت في كتب الشافعية أنه قد يسن الأذان لغير الصلاة، كما في أذن
المولود، والمهموم، والمصروع، والغضبان، ومن ساء خلقه من إنسان أو بهيمة، وعند
مزدحم الجيش، وعند الحريق، قيل وعند إنزال الميت القبر قياساً على أول خروجه
للدنيا، لكن رده ابن حجر في شرح العباب، وعند تغوّل الغيلان: أي عند تمرد الجن لخبر
صحیح فيه. أقول: ولا بعد فيه عندنا اهـ: أي لأن ما صح فيه الخبر بلا معارض فهو مذهب
للمجتهد وإن لم ينص عليه، لما قدمناه في الخطبة عن الحافظ ابن عبد البر، والعارف
الشعراني عن كل من الأئمة الأربعة أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، على أنه في
فضائل الأعمال يجوز العمل بالحديث الضعيف کما مر أول كتاب الطهارة، هذا، وزاد ابن
حجر في التحفة الأذان والإقامة خلف المسافر. قال المدني: أقول: وزاد في شرعة
الإسلام لمن ضل الطريق في أرض قفر: أي خالية من الناس. وقال المنلا علي في شرح
المشكاة: قالوا: يسن للمهموم أن يأمر غيره أن يؤذن في أذنه فإنه يزيل الهم، كذا عن عليّ
رضي الله عنه، ونقل الأحاديث الواردة في ذلك فراجعه ا هـ. قوله: (كعيد) أي ووتر
وجنازة وكسوف واستسقاء وتراويح وسنن رواتب لأنها اتباع للفرائض؛ والوتر وإن كان
واجباً عنده لكنه يؤدى في وقت العشاء، فاكتفى بأذانه لا لكون الأذان لهما على الصحيح
كما ذكره الزيلعي ١ هـ بحر فافهم. لكن في التعليل قصور لاقتضائه سنية الأذان لما ليس تبعاً
للفرائض كالعيد ونحوه، فالمناسب التعليل بعدم وروده في السنة. تأمل. قوله: (وقع
بعضه) وكذا كله بالأولى، ولو لم يذكر البعض لتوهم خروجه فقصد بذكره التعميم لا
التخصيص. قوله: (كالإقامة) أي، في أنها تعاد إذا وقعت قبل الوقت، أما بعده فلا تعاد ما
لم يبطل الفصل أو يوجد قاطع كأكل على ما سيذكره في الفروع. قوله: (خلافاً للثاني) هذا
راجع إلى الأذان فقط، فإن أبا يوسف يجوز الأذان قبل الفجر بعد نصف الليل ح. قوله:
(وعن الثاني ثنتين) أي روي عن أبي يوسف أنه يكبر في ابتدائه تکبیرتین کبقية كلماته،
(١) في ط ولبعضهم:
سن الأذان لست قد نظمتهم
فرض الصلاة وفي أذن الصغير وفي
في نظم شعر فمن يحفظهم انتفعا
وقت الحريق وللحرب الذي وقعا
فاحفظ لسنة من للدين قد شرعا
خلف المسافر والغيلان إن ظهرت
قلت: ويزاد أربعة أنظمتها بقولي:
وزيد أربعة ذو هم أو غضب مسافر ضل في قفر ومن صرها

٥١
كتاب الصلاة / باب الأذان
وبفتح راء أكبر والعوامّ يضمونها. روضة، لكن في الطلبة معنى قوله عليه الصلاة
والسلام ((الأَذَانُ جَزْمٌ)) أي مقطوع المد، فلا تقول: الله أكبر، لأنه استفهام وإنه لحن
فيكون الأذان عنده ثلاث عشرة كلمة، وهي رواية عن محمد والحسن. قهستاني عن
الزاهدي، ونقل عن مالك أيضاً. قوله: (وبفتح راء أكبر، إلى قوله: ولا ترجيع) نقل أنه
ملحق بخط الشارح على هامش نسخة الأولى، وفي مجموعة الحفيد الهروي ما نصه:
فائدة: في روضة العلماء قال ابن الأنباري(١): عوام الناس يضمون الراء في أكبر، وكان
المبرّد يقول: الأذان سمع موقوفاً في مقاطيعه، والأصل في أكبر تسكين الراء فحولت حركة
ألف اسم الله إلى الراء كما في - الم الله - وفي المغني: حركة الراء فتحة وإن وصل بنية
الوقف، ثم قيل هي حركة الساكنين ولم يكسر حفظاً لتفخيم الله، وقيل نقلت حركة الهمزة
وكل هذا خروج عن الظاهر، والصواب أن حركة الراء ضمة إعراب، وليس لهمزة الوصل
ثبوت في الدرج فتنقل حرکتها، وبالجملة الفرق بين الأذان. وبین ۔ الم الله -ظاهر فإنه ليس
لــ الم الله - حركة إعراب أصلاً، وقد كانت لكلمات الأذان إعراباً إلا أنه سمعت
موقوفة ١ هـ.
مَطْلَبُ: فِي أَلَكَّلَامٍ عَلَى حَدِيثِ (أَلْأَذَانُ جَزْمٌ»
وفي الإمداد: ويجزم الراء: أي يسكنها في التكبير، قال الزيلعي: يعني على الوقف،
لكن في الأذان حقيقة، وفي الإقامة ينوي الوقف ا هـ: أي للحدر. وروي ذلك عن النخعي
موقوفاً عليه، ومرفوعاً إلى النبي وَ﴿ قال: ((الأَذَانُ جَزْمٌ، وَالإِقَالَةُ جَزْمٌ، والتَّكْبِيرُ
جَزْمٌ)) اهـ. (٢).
قلت: والحاصل أن التكبيرة الثانية في الأذان ساكنة الراء للوقف حقيقة، ورفعها
خطأ، وأما التكبيرة الأولى من كل تكبيرتين منه وجميع تكبيرات الإقامة، فقيل محركة الراء
بالفتحة على نية الوقف، وقيل بالضمة إعراباً، وقيل ساكنة بلا حركة على ما هو ظاهر كلام
الإمداد والزيلعي والبدائع وجماعة من الشافعية والذي يظهر الإعراب لما ذكره الشارح عن
الطلبة، ولما قدمناه، ولما في الأحاديث المشتهرة للجراحي أنه سئل السيوطي عن هذا
الحديث، فقال: هو غير ثابت كما قال الحافظ ابن حجر، وإنما هو من قول إبراهيم
النخعي، ومعناه كما قال جماعة منهم الرافعي وابن الأثير إنه لا يمد.
١
(١) ابن الأنباري: هو محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة بن فورة (فروة) بن قطن بن
دعامة أبو بكر الأنباري النحوي اللغوي البغدادي: الشهير بابن الأنباري، له مصنفات منها ((غريب الحديث»
((وشرح الكافي)) ولد سنة ٢٧١، وقيل: غير ذلك وتوفي سنة: ٣٢٨.
انظر: النجوم الزاهرة ٢٦٩/٣)، بغية الوعاة (٩١)، شذرات الذهب (٣١٠/٢).
(٢) لا يصح ذكره السيوطي في الدر (٢٦).

٥٢
كتاب الصلاة / باب الأذان
شرعي، أو مقطوع حركة الآخر للوقف، فلا يقف بالرفع لأنه لحن لغوي. فتاوى
الصيرفية من الباب السادس والثلاثين (ولا ترجيع) فإنه مكروه. ملتقى (ولا لحن فيه)
أي تغني
وأغرب المحبّ الطبري فقال: معناه لا يمدّ ولا يعرب آخره، وهذا الثاني مردود
بوجوه:
أحدها: مخالفته لتفسير الراوي عن النخعي، والرجوع إلى تفسيره أولى كما تقرر في
الأصول.
ثانيها: مخالفته لما فسره به أهل الحديث والفقه.
ثالثها: إطلاق الجزم على حذف الحركة الإعرابية، ولم يكن معهوداً في الصدر
الأول، وإنما هو اصطلاح حادث فلا يصح الحمل عليه اهـ. وتمام الكلام عليه هناك
فراجعه، على أن الجزم في الاصطلاح الحادث عند النحويين حذف حركة الإعراب للجازم
فقط لا مطلقاً. ثم رأيت لسيدي عبد الغني رسالة في هذه المسألة سماها [تصديق من أخبر
بفتح راء الله أكبر] أكثر فيها النقل.
وحاصلها أن السنة أن يسكن الراء من الله أكبر الأول أو يصلها بالله أكبر الثانية، فإن
سكنها كفى وإن وصلها نوى السكون فحرك الراء بالفتحة، فإن ضمها خالف السنة، لأن
طلب الوقف على أكبر الأول صيره كالساكن أصالة فحرك بالفتح. قوله: (ولا ترجيع)
الترجيع: أن يخفض صوته بالشهادتين ثم يرجع فيرفعه بهما لاتفاق الروايات على أن بلالاً لم
یکن یرجع، وما قيل إنه: رجع لم يصح، ولأنه ليس في أذان الملك النازل بجميع طرقه،
ولما في أبي داود عن ابن عمر قال: (إِنَّمَا كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَلِ مَرَّتَيْنِ،
وَالإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً)) الحديث، ورواه ابن خزيمة وابن حبان. قال ابن الجوزي: وإسناده
صحيح(١). وما روي من الترجيع في أذان أبي محذورة يعارضه ما رواه الطبراني عنه أنه قال
(أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ لهِ الأَذَانَ حرفاً حَرْفاً: الله أَكْبُرُ الله أَكْبُرُ الخ)) ولم يذكر ترجيعاً وبقي
ما قدمناه بلا معارض، وتمامه في الفتح وغيره. قوله: (فإنه مكروه ملتقى) ومثله في
القهستاني، خلافاً لما في البحر من أن ظاهر كلامهم أنه مباح لا سنة ولا مكروه. قال في
النهر: ويظهر أنه خلاف الأولى. وأما الترجيع بمعنى التغني فلا يحل فيه اهـ. وحينئذ
فالكراهة المذكورة تنزيهية. قوله: (أي تغني) لا يجوز أن يكون مبنياً على الفتح، لأن ما بعد
أي التفسيرية عطف بيان، وعطف البيان لا يجوز بناؤه على الفتح تركيباً مع اسم ((لا)) بل يجوز
(١) أخرجه الدارمي ١/ ٢٧٠ وأبو داود ١/ ٣٥٠ (٥١٠) والنسائي ٢/ ٢١ وابن خزيمة ١٩٣/١ (٣٧٤) وابن حبان ذكره
الهيثمي في الموارد ص ٩٦ (٢٩٠) والدار قطني ٢٣٩/١ (١٤).

٥٣
كتاب الصلاة / باب الأذان
بغیر کلماته، فإنه لا يحل فعله وسماعه کالتغني بالقرآن وبلا تغییر حسن، وقیل لا بأس به
في الحيعلتين (ويترسل فيه) بسكتة بين كل كلمتين. ويكره تركه، وتندب إعادته
(ويلتفت فيه) وكذا فيها مطلقاً، وقيل إن المحل متسعاً (يميناً ويساراً) فقط، لئلا يستدبر
القبلة (بصلاة وفلاح) ولو وحده أو لمولود، لأنه سنة الأذان مطلقاً (ويستدير في المنارة)
فيه الرفع اتباعاً لمحل ((لا)) مع اسمها والنصب اتباعاً لمحل اسمها، لكن يمنع هنا من
النصب مانع وهو عدم رسمه بالألف، فتعين الرفع مع ما فيه من إثبات الياء الذي هو
مرجوح، فإن المنقوص المجرّد عن أل يترجح حذف يائه في الرسم كالوقف إذا كان مرفوعاً
أو مجروراً، وفي المحلى بها بالعكس اهـح.
قلت: ويمنع أيضاً من بنائه على الفتح وجود الفاصل، وهو أي، وقد عللوا امتناع
الفتح في عطف النسق في نحو: لا رجل وامرأة بوجود الفاصل وهو الواو، فافهم. قوله:
(بغير كلماته) أي بزيادة حركة أو حرف أو مد أو غيرها في الأوائل والأواخر. قهستاني.
قوله: (وبلا تغيير حسن) أي والتغني بلا تغيير حسن، فإن تحسين الصوت مطلوب، ولا
تلازم بينهما، بحر وفتح. قوله: (وقيل) أي قال الحلواني: لا بأس بإدخال المد في
الحيعلتين لأنهما غير ذكر، وتعبيره بلا بأس يدل على أن الأولى عدمه. قوله: (ویترسل)
أي يتمهل. قوله: (بسكتة) أي تسع الإجابة. مدني عن منلا علي القاري، وهذه السكتة بعد
كل تكبيرتين لا بينهما كما أفاده في الإمداد أخذاً من الحديث، وبه صرّح في التاتر خانية.
قوله: (وتندب إعادته) أي لو ترك الترسل. قوله: (ويلتفت) أي يحول وجهه لا صدره.
قهستاني. ولا قدميه نهر. قوله: (وكذا فيها مطلقاً) أي في الإقامة سواء كان المحل متسعاً
أو لا. قوله: (لئلا يستدبر) تعليل لقوله: ((فقط)) أي انته عن القول بالالتفات خلفاً لئلا
يستدبر المؤذن أو المقيم القبلة ح. قوله: (بصلاة وفلاح) لفّ ونشر مرتب: يعني يلتفت
فيهما يميناً بالصلاة ويساراً بالفلاح، وهو الأصح كما في القهستاني عن المنية، وهو
الصحيح كما في البحر والتبيين. وقال مشايخ مرو: يمنة ويسرة في كل، كذا في القهستاني
ح. قال في الفتح: والثاني أوجه. ورده الرملي بأنه خلاف الصحيح المنقول عن السلف.
قوله: (ولو وحده الخ) أشار به إلى رد قول الحلواني: إنه لا يلتفت، لعدم الحاجة إليه ح.
وفي البحر عن السراج أنه من سنن الأذان، فلا يخل المنفرد بشيء منها، حتى قالوا في الذي
يؤذن للمولود ينبغي أن يحول. قوله: (مطلقاً) للمنفرد وغيره والمولود وغيره ط. قوله:
(ويستدير في المنارة) يعني إن لم يتم الإعلام بتحويل وجهه مع ثبات قدميه، ولم تكن في
زمنه * مئذنة. بحر.
مَطْلَبٌ: فِي أَوَّلِ مَنْ بَنَّى أَلمَنَائِرَ لِلأَذَانِ
قلت: وفي شرح الشيخ إسماعيل عن الأوائل اللسيوطي: أن أول من رقي منارة مصر

٥٤
كتاب الصلاة / باب الأذان
لو متسعة ويخرج رأسه منها (ويقول) ندباً (بعد فلاح أذان الفجر: الصلاة خير من النوم
مرتین) لأنه وقت نوم (ويجعل) ندباً (أصبعيه في) صماخ (أذنيه) فأذانه بدونه حسن، وبه
للأذان شرحبيل بن عامر المرادي، وبنى سلمة المنابر للأذان بأمر معاوية ولم تكن قبل
ذلك. وقال ابن سعد بالسند إلى أم زيد بن ثابت: كان بيتي أطول بيت حول المسجد،
فکان بلال یؤذن فوقه من أول ما أذن إلی أن بنی رسول الله ټ مسجده فكان يؤذن بعد على
ظهر المسجد، وقد رفع له شيء فوق ظهره. قوله: (ويخرج رأسه منها) أي من كوتها اليمنى
آتياً بالصلاة، ثم يذهب ويخرج رأسه من الكوة اليسرى آتياً بالفلاح. درر وغيرها. وهذا إذا
كانت بكوّات، أما منارات الروم ونحوها فالجانب كالكوة. إسماعيل. قوله: (بعد فلاح
الخ) فيه ردّ على من يقول: إن محله بعد الأذان بتمامه، وهو اختيار الفضلي. بحر عن
المستصفى. قوله: (الصلاة خير من النوم) إنما كان النوم مشاركاً للصلاة في أصل الخيرية،
لأنه قد يكون عبادة؛ كما إذا كان وسيلة إلى تحصيل طاعة أو ترك معصية، أو لأن النوم راحة
في الدنيا والصلاة راحة في الآخرة، فتكون أفضل. بحر. قوله: (لأنه وقت نوم)أي فخص
بزيادة إعلام دون العشاء، فإن النوم قبلها مكروه ونادر ط. قوله: (ويجعل أصبعيه الخ)
لقوله {وَ﴿ لبلال رضي الله عنه ((اجْعَلْ أُصْبُعَيكَ فِي أُذُنَيكَ، فَإِنَّه أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ)) وإن جعل يديه
على أذنيه فحسن، لأن أبا محذورة رضي الله عنه ضم أصابعه الأربعة ووضعها على أذنيه،
وكذا إحدى يديه على ما روي عن الإمام. إمداد وقهستاني عن التحفة. قوله: (فأذانه) تفريع
على قوله: ((ندب)) قال في البحر: والأمر: أي في الحديث المذكور للندب بقرينة التعليل،
فلذا لو لم يفعل كان حسناً.
فإن قيل: ترك السنة كيف يكون حسناً؟ قلنا: إن الأذان معه أحسن، فإذا تركه بقي
الأذان حسناً، كذا في الكافي ا هـ فافهم. قوله: (فيما مر) قيد به لئلا يردّ عليه أن ترك
الإقامة يكره للمسافر دون الأذان، وأن المرأة تقيم ولا تؤذن، وأن الأذان آكد في السنية منها
كما يأتي؛ وأراد بما مر أحكام الأذان العشرة المذكورة في المتن، وهي أنه سنة للفرائض،
وأنه يعاد إن قدم على الوقت، وأنه يبدأ بأربع تكبيرات، وعدم الترجيع، وعدم اللحن
والترسل والالتفات والاستدارة، وزيادة: الصلاة خير من النوم في أذان الفجر، وجعل
أصبعيه في أذنيه؛ ثم استثنى من العشرة ثلاثة أحكام لا تكون في الإقامة: فأبدل الترسل
بالحدر، والصلاة خير من النوم بقد قامت الصلاة، وذكر أنه لا يضع أصبعيه في أذنيه،
فبقيت الأحكام السبعة مشتركة. ويرد عليه الاستدارة في المنارة فإنها لا تكون في المنارة،
فکان علیه أن یتعرض لذلك ا مح.
والحاصل أن الإقامة تخالف الأذان في الأربعة مما مر، وتخالفه أيضاً في مواضع

كتاب الصلاة / باب الأذان
أحسن (والإقامة كالأذان) فيما مر (لكن هي) أي الإقامة وكذا الإمامة (أفضل منه) فتح
(ولا يضع) المقيم (أصبعيه في أذنيه) لأنها أخفض (ويجدر) بضم الدال: أي يسرع
فيها، فلو ترسل لم يعدها في الأصح (ويزيد: قد قامت الصلاة بعد فلاحها مرّتين) وعند
الثلاثة هي فرادی (ويستقبل) غير الراكب (القبلة بهما) ويكره تركه
ستأتي مفرقة قوله: (لكن هي أفضل منه) نقله في البحر عن الخلاصة بلا ذكر خلاف. وذكر
في الفتح أيضاً أنه صرّح ظهير الدين في الحواشي نقلاً عن المبسوط بأنها آكد من الأذان:
أي لأنه يسقط في مواضع دون الإقامة كما في حق المسافر وما بعد أولى الفوائت وثانية
الصلاتين بعرفة، وقوله: وكذا الإمامة، علله في الفتح بقوله: لمواظبته ﴿﴿ وكذا الخلفاء
الراشدون، وقول عمر: لولا الخليفي لأذنت، لا يستلزم تفضيله عليها، بل مراده لأذنت
مع الإمامة لا مع تركها، فيغيد أن الأفضل كون الإمام هو المؤذن، وهذا مذهبنا وعلیه كان
أبو حنيفة اهـ.
أقول: وهو أحد قولين مصححين عند الشافعية، والثاني أن الأذان أفضل، وبقي قول
بتساويهما، وقد حكى الثلاثة في السراج. ثم إن ما استدل به على أفضلية الإمامة على الأذان
يدل على أفضليتها أيضاً على الإقامة، لأن السنة أن يقيم المؤذن، فافهم.
تنبيه: مقتضی أفضلیة الإقامة على الأذان کونها واجبة عند من یقول بوجوبه، ولم أر
من صرّح به، إلا أن يقال: إن القول بوجوبه لما أنه من الشعائر بخلافها، على أن السنة قد
تفضل الواجب كما مر أول كتاب الطهارة فتأمل. ثم رأيت صاحب البدائع عدّ من واجبات
الصلاة الأذان والإقامة. قوله: (المقيم) أي الذي يقيم الصلاة. قوله: (لم يعدها في
الأصح) بخلاف ما لو حدر في الأذان حيث تندب إعادته كما مر، لأن تكرار الأذان
مشروع: أي كما في يوم الجمعة، بخلاف الإقامة. وعليه فما في الخانية من أنه يعيد الإقامة
مبني على خلاف الأصح، وتمامه في النهر. قوله: (مرتين) راجع إلى: قد قامت، وإلى
الفلاح ط. قوله: (وعند الثلاثة هي فرادى) أي الإقامة، والأولى ذكره عند قوله: ((وهي
كالأذان)» ح. ودليل الأئمة الثلاثة ما رواه البخاري («أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يشْفع الأَذَانَ وَيُوترَ
الإِقَامَةَ(١)) وهو محمول عندنا على إيتار صوتها بأن يحدر فيها توفيقاً بينه وبين النصوص الغير
المحتملة. وقد قال الطحاوي: تواترت الآثار عن بلال أنه كان يثني الإقامة حتى مات،
وتمامه في البحر وغيره. قوله: (غير الراكب) عبارة الإمداد: إلا أن يكون راكباً مسافراً
لضرورة السير، لأن بلالاً أذن وهو راكب ثم نزل وأقام على الأرض. ويكره الأذان راكباً في
الحضر في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف: لا بأس به كما في البدائع ا هـ. قوله: (بهما)
دعامة أبو بكر الأنباري النحوي اللغوي البغدادي: الشهير بابن الأنباري، له مصنفات منها ((غريب الحديث))

٥٦
كتاب الصلاة / باب الأذان
تنزيهاً، ولو قدم فيهما مؤخراً أعاد ما قدم فقط (ولا يتكلم فيهما) أصلاً ولو رد سلام،
فإن تكلم استأنفه (ويثوّب) بين الأذان والإقامة في الكل للكل بما تعارفوه (ويجلس
بينهما) بقدر ما يحضر الملازمون مراعياً لوقت الندب (إلا في المغرب) فيسكت قائماً
قدر ثلاث آيات قصار، ويكره الوصل إجماعاً.
أي بالأذان والإقامة، لكن مع الالتفات بصلاة وفلاح كما مر. قوله: (تنزيهاً) لقول المحيط:
الأحسن أن يستقبل. بحر ونهر. قوله: (أعاد ما قدم فقط) كما لو قدم الفلاح على الصلاة
يعيده فقط: أي ولا يستأنف الأذان من أوله. قوله: (ولو ردّ سلام) أو تشميت عاطس أو
نحوهما لا في نفسه، ولا بعد الفراغ على الصحيح. سراج وغيره. قال في النهر: ومنه
التنحنح إلا لتحسين صوته. قوله: (استأنفه) إلا إذا كان الكلام يسيراً. خانية. قوله:
(ويثوّب) التثويب: العود إلى الإعلام بعد الإعلام. درر. وقيد بتثويب المؤذن لما في القنية
عن الملتقط: لا ينبغي لأحد أن يقول لمن فوقه في العلم والجاه حان وقت الصلاة سوى
المؤذن، لأنه استفضال لنفسه ا هـ بحر. قلت: وهذا خاص بالتثويب للأمير ونحوه على
قول أبي يوسف، فافهم. قوله: (بين الأذان والإقامة) فسره في رواية الحسن بأن يمكث بعد
الأذان قدر عشرين آية ثم يثوب ثم يمكث كذلك ثم يقيم. بحر. قوله: (في الکل) أي كل
الصلوات لظهور التواني في الأمور الدينية. قال في العناية: أحدث المتأخرون التثويب بين
الأذان والإقامة على حسب ما تعارفوه في جميع الصلوات سوى المغرب مع إبقاء الأول:
يعني الأصل وهو تثويب الفجر، وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن اهـ. قوله:
(للكل) أي كل أحد، وخصه أبو يوسف بمن يشتغل بمصالح العامة كالقاضي والمفتي
والمدرس، واختاره قاضیخان وغيره. نهر. قوله: (بما تعارفوه) كتنحنح، أو قامت قامت،
أو الصلاة الصلاة، ولو أحدثوا إعلاماً مخالفاً لذلك جاز. نهر عن المجتبى. قوله: (ويجلس
بينهما) لو قدمه على التثويب لكان أولى، لئلا يوهم أن الجلوس بعده. نهر. قوله: (إلا في
المغرب) قال في الدرر: هذا استثناء من يثوب ويجلس، لأن التثويب لإعلام الجماعة وهم
في المغرب حاضرون لضيق الوقت اهـ. واعترضه في النهر بأنه مناف لقول الكل في
الكل. قال الشيخ إسماعيل: وليس كذلك، لما مرّ عن العناية من استثناء المغرب في
التثويب، وبه جزم في غرر الأذكار والنهاية والبرجندي وابن ملك وغيرها اهـ.
قلت: قد يقال: ما في الدرر مبني على رواية الحسن من أنه یمکث قدر عشرين آية ثم
یثوب كما قدمناه، أما لو ثوب في المغرب بلا فاصل فالظاهر أنه لا مانع منه، وعليه يحمل ما
في النهر، فتدبر. قوله: (فيسكت قائماً) هذا عنده، وعندهما يفصل بجلسة كجلسة
الخطيب، والخلاف في الأفضلية، فلو جلس لا يكره عنده، ويستحب التحوّل للإقامة إلى
غير موضع الأذان، وهو متفق عليه، وتمامه في البحر. قوله: (سنة ٧٨١) كذا في النهر عن

٥٧
كتاب الصلاة / باب الأذان
فائدة التسليم بعد الأذان حدث في ربيع الآخر سنة سبعمائة وإحدى وثمانين في
عشاء ليلة الاثنين، ثم يوم الجمعة، ثم بعد عشر سنين حدث في الكل إلا المغرب (ثم
فيها مرتين، وهو بدعة حسنة).
(و) يسن أن (يؤذن ويقيم لفائتة) رافعاً صوته لو بجماعة أو صحراء لا ببيته منفرداً
حسن المحاضرة للسيوطي. ثم نقل عن القول البديع للسخاوي أنه في سنة ٧٩١، وأن
ابتداؤه كان في أيام السلطان الناصر صلاح الدين بأمره. قوله: (ثم فيها مرتين) أي في
المغرب كما صرح به في الخزائن، لكن لم ينقله في النهر، ولم أره في غيره، وكأن ذلك
كان موجوداً في زمن الشارح، أو المراد به ما يفعل عقب أذان المغرب ثم بعده بين العشاءين
ليلة الجمعة والاثنين، وهو المسمى في دمشق تذكيراً كالذي يفعل قبل أذان الظهر يوم
الجمعة، ولم أر من ذكره أيضاً. قوله: (وهو بدعة حسنة) قال في النهر عن القول البديع:
والصواب من الأقوال أنها بدعة حسنة. وحكى بعض المالكية الخلاف أيضاً في تسبيح
المؤذنين في الثلث الأخير من الليل وأن بعضهم منع من ذلك، وفيه نظر اهـ ملخصاً.
مَطْلَبٌ فِي أَذَانِ الجَوْقِ
فائدة أخرى: ذكر السيوطي أن أول من أحدث أذان اثنين معاً بنو أمية أهـ. قال الرملي
في حاشية البحر: ولم أر نصاً صريحاً في جماعة الأذان المسمى في ديارنا بأذان الجوق هل
هو بدعة حسنة أو سيئة؟ وذكره الشافعية بين يدي الخطيب. واختلفوا في استحبابه
وكراهيته. وأما الأذان الأول فقد صرح في النهاية بأنه المتوارث حيث قال في شرح قوله:
وإذا أذن المؤذنون الأذان الأول ترك الناس البيع؛ ذكر المؤذنين بلفظ الجمع إخراجاً للكلام
مخرج العادة، لأن المتوارث فيه اجتماعهم لتبلغ أصواتهم إلى أطراف المصر الجامع اهـ.
ففيه دليل على أنه غير مكروه، لأن المتوارث لا يكون مكروهاً، وكذلك نقول في الأذان
بين يدي الخطيب فيكون بدعة حسنة إذا ما رآه المؤمنون حسناً فهو حسن اهـ ملخصاً.
أقول: وقد ذكر سيدي عبد الغني المسألة كذلك أخذاً من كلام النهاية المذكور، ثم
قال: ولا خصوصية للجمعة إذ الفروض الخمسة تحتاج للإعلام. قوله: (لو بجماعة الخ) أي
في غير المسجد بقرينة ما يذكره قريباً من أنه لا يؤذن فيه للفائتة، ثم هذا قيد لقوله ((رافعاً
صوته)) وقد ذكره في البحر بحثاً وقال: ولم أره في كلام أئمتنا. واستدل لرفع المنفرد في
الصحراء بحديث الصحيح ((إِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أُوْ بَادِيتِكَ فَأَذِّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَأَرْفَعْ صَوْتَكَ
بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّه لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ إِنْسٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا مَدَرٌ إِلَّ شَهِدَلَهُ يَومَ
القِيَامَةِ»(١) اهـ وأقره في النهر.
((وشرح الكافي)) ولد سنة ٢٧١، وقيل: غير ذلك وتوفي سنة: ٣٢٨.

٥٨
كتاب الصلاة / باب الأذان
(وكذا) يسنان (لأولى الفوائت) لا لفاسدة (ويخير فيه للباقي) لو في مجلس، وفعله
أولى، ويقيم للكل (ولا يسن) ذلك (فيما تصليه النساء أداء وقضاء) ولو جماعة كجماعة
صبيان وعبيد، ولا يسنان أيضاً لظهر يوم الجمعة في مصر (ولا فيما يقضى من الفوائت
في مسجد) فيما لأن فيه تشويشاً وتغليظاً (ويكره قضاؤها فيه)
أقول: يخالفه ما في القهستاني من أنه يجب: يعني يلزم الجهر بالأذان لإعلام الناس،
فلو أذن لنفسه خافت لأنه الأصل في الشرع كما في كشف المنار اهـ. على أن ما استدل به
يفيد رفع الصوت للمنفرد في بيته أيضاً لتكثير الشهود يوم القيامة، إلا أن يقال: المراد
المبالغة في رفع الصوت، والمؤذن في بیته یرفع دون ذلك فوق ما يسمع نفسه، وعليه
يحمل ما في القهستاني، فليتأمل. قوله: (لا لفاسدة) أي إذا أعيدت في الوقت، وإلا كانت
فائتة ط. وفي المجتبى: قوم ذكروا فساد صلاة صلوها في المسجد في الوقت قضوها
بجماعة فيه ولا يعيدون الأذان والإقامة، وإن قضوها بعد الوقت قضوها في غير ذلك
المسجد بأذان وإقامة اهـ. لكن سيأتي أن الإقامة تعاد لو طال الفصل. قوله: (فيه) أي في
الأذان. قوله: (لو في مجلس) أما لو في مجالس، فإن صلى في مجلس أكثر من واحدة فكذلك
وإلا أذن وأقام لها. قوله: (وفعله أولى) لأنه اختلفت الروايات في قضائه ◌َ ير ما فاته يوم
الخندق، ففي بعضها أنه أمر بلالاً فأذن وأقام للكل، وفي بعضها أنه اقتصر على الإقامة فيما
بعد الأولى، فالأخذ بالزيادة أولى خصوصاً في باب العبادات، وتمامه في الإمداد. قوله:
(ويقيم للكل) أي لا يخير في الإقامة للباقي، بل يكره تركها كما في نور الإيضاح.
تتمة: يأتي في صلاتي الجمع بعرفة بأذان واحد وإقامتين وبمزدلفة بأذان وإقامة،
واختار الطحاوي أنه كعرفة، ورجحه ابن الهمام كما سيأتي في بابه إن شاء الله. وبقي لو جمع
بين فائتة ومؤداة لم أره، ويظهر لي أنه يأتي بأذانين وإقامتين، والفرق بينه وبين الجمع
بمزدلفة لا يخفى. قوله: (ولا يسن ذلك) أي الأذان والإقامة، وأفرد الضمير على تأويل
المذكورح، وأراد بنفي السنية الكراهة في المواضع الثلاثة المذكورة كما يعلم من الإمداد.
قوله: (ولو جماعة) أخذه من قول الفتح، لأن عائشة أمتهن بغير أذان ولا إقامة حين كانت
جماعتهن مشروعة، وهذا يقتضي أن المنفردة أيضاً كذلك، لأن تركهما لما كان هو السنة
حال شرعية الجماعة كان حال الانفراد أولى اهـ. قلت: وهو ظاهر ما في السراج أيضاً،
وكان الأولى للشارح أن يقول: ولو منفردة، لأن جماعتهن الآن غير مشروعة فتفطن. قوله:
(كجماعة صبيان وعبيد) لأنها غير مشروعة، فلا يشرعان فيها كتكبير التشريق عقبها. بحر
عن الزيلعي. قوله: (في مصر) شمل المعذور وغيره. زيلعي. وفي القرى: لا یکره بکل
حال. ظهيرية: أي لا قبل أداء الجمعة في غيرها ولا بعده، لقوله وقيل: بعد أداء الجمعة لا
يكره في المصر. قوله: (لأن فيه تشويشاً الخ) إنما يظهر أن لو كان الأذان لجماعة، أما إذا

٥٩
كتاب الصلاة / باب الأذان
لأن التأخير معصية فلا يظهرها. بزازية.
(ويجوز) بلا کراهة (أذان صبيّ مراهق وعبد) ولا يحل إلا بإذن کأجیر خاص
(وأعمى وولد زنى وأعرابي) وإنما يستحق ثواب المؤذنين إذا كان عالماً بالسنة
والأوقات
كان منفرداً ويؤذن بقدر ما يسمع نفسه فلا ط. وفي الإمداد أنه إذا كان التفويت لأمر عام
فالأذان في المسجد لا يكره لانتفاء العلة كفعله # ليلة التعريس اهـ. لكن ليلة التعريس
كانت في الصحراء لا في المسجد. قوله: (لأن التأخير معصية) إنما يظهر أيضاً في الجماعة
لا المنفرد. ط: أي لأن المنفرد يخافت في أذانه كما قدمناه عن القهستاني: على أنه إذا كان
التفويت لأمر عام لا يكره ذلك للجماعة أيضاً، لأن هذا التأخير غير معصية.
هذا، ويظهر من التعليل أن المكروه قضاؤها مع الاطلاع عليها ولو في غير المسجد
كما أفاده في المنح في باب قضاء الفوات. قوله: (بلا كراهة) أي تحريمية، لأن التنزيهية ثابتة
لما في البحر عن الخلاصة أن غیرهم أولى منهم اهح.
أقول: وقدمنا أول كتاب الطهارة الكلام في أن خلاف الأولى مكروه أو لا فراجعه.
قوله: (صبي مراهق) المراد به العاقل وإن لم يراهق كما هو ظاهر البحر وغيره، وقيل يكره
لكنه خلاف ظاهر الرواية كما في الإمداد وغيره، وعلى هذا يصح تقريره في وظيفة الأذان.
بحر. قوله: (وعبد وأعمى الخ) إنما لم يكره أذانهم، لأن قولهم مقبول في الأمور الدينية
فيكون ملزماً فيحصل به الإعلام، بخلاف الفاسق اهـ. زيلعي. قلت: يرد عليه الصبي، فإن
قوله غير مقبول في الأمور الدينية في الأصح كما قدمناه قبل الباب، ومقتضاه أن لا يحصل به
الإعلام كالفاسق تأمل. ويأتي. تمام الكلام في ذلك. قوله: (ولا يحل إلا بإذن) ذكره في
البحر بحثاً فقال: وينبغي أن العبد إن أذن لنفسه لا يحتاج إلى إذن سيده، وإن أراد أن يكون
مؤذناً للجماعة لم يجز إلا بإذن سيده، لأن فيه إضراراً بخدمته لأنه يحتاج إلى مراعاة
الأوقات، ولم أره في كلامهم اهـ. قوله: (كأجير خاص) هو بحث لصاحب النهر، حيث
قال: وينبغي أن يكون الأجير الخاص كذلك لا يحل أذانه إلا بإذن مستأجره اهـ.
قلت: بل صرحوا بأنه ليس له أن يؤدي النوافل اتفاقاً. واختلفوا في السنن كما
سنذكره في الإجارات إن شاء الله تعالى، وهذا مؤيد لبحث البحر أيضاً، فإن العبد مملوك
المنافع والرقبة أيضاً بخلاف الأجير. قوله: (وأعمى) لا يرد عليه أذان ابن أم مكتوم الأعمى،
فإنه كان معه من يحفظ عليه أوقات الصلاة ومتى كان ذلك يكون تأذينه وتأذين البصير سواء،
ذكره شيخ الإسلام. معراج. وهذا بناء على ثبوت الكراهة فيه، وقد مر الكلام فيه وإلا فلا
ورود. قوله: (عالماً بالسنة والأوقات) أي سنة الأذان وأوقاته المطلوبة على ما مر بيانه.

٦٠
كتاب الصلاة / باب الأذان
ولو غير محتسب. بحر.
(ويكره أذان جنب وإقامته وإقامة محدث لا أذانه) على المذهب (و) أذان (امرأة)
وخنثى (وفاسق) ولو عالماً، لكنه أولى بإمامة وأذان من جاهل تقيّ (وسكران) ولو
بمباح كمعتوه وصبيّ لا يعقل (وقاعد إلا إذا أذن لنفسه) وراكب إلا لمسافر (ويعاد أذان
جنب) ندباً، وقيل وجوباً (لا إقامته) لمشروعية تكراره في الجمعة دون تكرارها (وكذا)
مَطْلَبٌ فِي الْمُؤَذِّنِ إِذَا كَان غَير ◌ْتَسِبٍ فِي أَذَائِهِ
قوله: (ولو غير محتسب) رد على ما في الفتح حيث قال: لو لم يكن عالماً بأوقات
الصلاة لم يستحق ثواب المؤذنين كما في الخانية، ففي أخذ الأجرة أولى، ورده في النهر
تبعاً للبحر بأن في أذان الجاهل جهالة موقعة في الغرر، بخلاف غير المحتسب، على أن
عدم حل أخذ الأجرة على الأذان والإمامة رأي المتقدمين، والمتأخرون يجوزون ذلك على
ما سيأتي في الإجارات اهـ.
أقول: لا يلزم من حل الأجرة المعلل بالضرورة حصول الثواب، ولا سيما إذا كان
لولا الأجرة لا يؤذن فإنه یکون عمله للدنيا وهو ریاء، لأنه لم يحتسب عمله لوجه الله تعالى،
فهو کمهاجر أم قیس، وإذا كان الجاهل المحتسب لا ینال ذلك الأجر فهذا بالأولی. کیف
وقد ورد في عدة أحاديث التقييد بالمحتسب: منها ما رواه الطبراني في الكبير كما في الفتح
(ثَلَاثَةٌ عَلَىَ كُثْبَانِ المِسْكِ يَومَ القِيَامَة، لَا يُهُولُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبُرُ، وَلَا يَفْزَعُونَ حِین يَفْزَعُ
النَّاسُ: رَجُلُ عُلِّمَ القُرْآنَ فَقَامَ بِهِ يَطْلُب وَجْهَ اللّهِ وَمَا عِنْدَهُ، وَرَجِلٌ يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
خمسَ صَلَوَاتٍ يَطْلُبُ وَجْهَ اللَّهِ وَمَا عِنْدَهُ، وَتْلُوٌ لَمْ يَمْتَعْهُ رِقُّ الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ رَبِّه))(١) نعم
قد يقال: إن كان قصده وجه الله تعالى لكنه بمراعاته للأوقات والاشتغال به يقل اكتسابه عما
يكفيه لنفسه وعياله، فيأخذ الأجرة لئلا يمنعه الاكتساب عن إقامة هذه الوظيفة الشريفة،
ولولا ذلك لم يأخذ أجراً فله الثواب المذكور، بل يكون جمع بين عبادتين: وهما الأذان،
والسعي على العيال، وإنما الأعمال بالنيات. قوله: (ویکره أذان جنب) لأنه یصیر داعياً إلى
ما لا يجيب إليه، وإقامته أولى بالكراهة. وصرح في الخانية بأنه تجب الطهارة فيه عن أغلظ
الحدثين. وظاهره أن الكراهة تحريمية. بحر. قوله: (على المذهب) راجع لقوله ((وإقامة
محدث لا أذانه)) وأما الجنب فيكرهان منه رواية واحدة كما في البحر ح. قوله: (بإمامة وأذان)
الأول منصوص عليه، والثاني ألحقه به في النهر بحثاً. قوله: (من جاهل تقي) أي حيث لم
يوجد عالم تقي. قوله: (ولو بمباح) كشربه الخمر لإساغة لقمة، وأشار إلى أنه لا يلزم من
السكر الفسق فلا تكرار. قوله: (كمعتوه) ومثله المجنون ح. قوله: (ويعاد أذان جنب الخ)
انظر: النجوم الزاهرة ٢٦٩/٣)، بغية الوعاة (٩١)، شذرات الذهب (٣١٠/٢).