Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الطهارة / باب التيمم
في ذلك المكان (أو ليس له) ثمن (ذلك تيمم).
وأما للعطش فيجب على القادر شراؤه بأضعاف قيمته إحياء لنفسه، وإنما يعتبر
المثل في تسعة عشر موضعاً مذكورة في الأشباه، وقبل طلبه الماء (لا يتيمم على
الظاهر) أي ظاهر الرواية عن أصحابنا، لأنه مبذول عادة كما في البحر عن المبسوط،
وعليه الفتوى،
النوادر، وعلیه اقتصر في البدائع والنهاية، فکان ھو الأولى. بحر، لكنه خاص بهذا الباب
لما يأتي في شراء الوصيّ أن الغبن الفاحش ما لا يدخل تحت تقويم المقومين ا هـ. ح.
أقول: هو قول هنا أيضاً. وفي شرح المنية أنه الأوفق. قوله: (في ذلك المكان) مبني على
ما نقلناه عن البدائع.
تنبيه: لو ملك العاري ثمن الثوب: قیل لا يجب شراؤه، وقیل یجب کالماء. سراج،
وجزم بالثاني في المواهب. قوله: (ثمن ذلك) الأولى حذف ثم لأن اسم الإشارة راجع إليه
لا إلى الماء ط. قوله: (وأما للعطش) أي هذا الحكم في الشراء للوضوء. قوله: (وأما الخ
مذكورة في الأشباه) أي في أواخرها، وليست مما نحن فيه، فلا يلزمنا ذكرها هنا. قوله:
(وقبل طلبه الخ) مفهوم قوله (ویطلبه وجوباً الخ) ح.
وفي النهر: اعلم أن الرائي للماء مع رفيقه؛ إما أن يكون في الصلاة أو خارجها، وفي
كل ((إما)) أن يغلب على ظنه الإعطاء أو عدمه أو شكّ، وفي كل ((إما)) أن يسأله أو لا؛ وفي
كل ((ما)) أن يعطيه أو لا. فهي أربعة وعشرون، فإن في الصلاة وغلب على ظنه الإعطاء قطع
وطلب؛ فإن لم يعطه بقي تيممه؛ فلو أتمها ثم سأل: فإن أعطاه استأنف وإلا تمت، كما لو
أعطاه بعد الإباء، وإن غلب على ظنه عدمه أو شك لا يقطع؛ فلو أعطاه بعد ما أتمها بطلت
وإلا لا؛ وإن خارجها، فإن صلى بالتيمم بلا سؤال فعلى ما سبق، فلو سأل بعدها وأعطاه
أعاد وإلا لا، سواء ظن الإعطاء أو المنع أو شكّ، وإن منعه ثم أعطاه لا، وبطل تيممه، ولا
يتأتى في هذا القسم ظن ولا شكّ اهـ. قوله: (لأنه مبذول عادة) أي غالباً، وفيه إشارة إلى
أنه لو كان في موضع يعزّ فيه ويغلب على الظن منعه وعدم بذله أنه يجوز التيمم لتحقق العجز
كما قدمناه فلا ينافي ما قدمناه من التوفيق. ولذا قال في المجتبى: الغالب عدم الضنة
بالماء؛ حتى لو كان في موضع تجري عليه الضنة لا يجب الطلب منه قوله: (وعليه) أي بناء
على ظاهر الرواية فيجب الخ. وقد نقل الوجوب في النهر عن المعراج، ثم قال: لكن لا
يجب كما في الفتح وغيره. وفي السراج: قيل يجب الطلب إجماعاً، وقيل لا يجب اهـ.
وينبغي أن يكون الأول بناء على الظاهر، والثاني على ما في الهداية ا هـ: أي من اختيار
رواية الحسن کما قدمناه.
قلت: وهو توفيق حسن؛ فلذا أشار إليه الشارح حيث جعل الوجوب مبنياً على

٤٢٢
كتاب الطهارة / باب التيمم
فيجب طلب الدلو والرشا، وكذا الانتظار لو قال له حتى أستقي، وإن خرج الوقت ولو
كان في الصلاة إن ظن الإعطاء قطع، وإلا لا؛ لكن في القهستاني عن المحيط: إن ظن
إعطاء الماء أو الآلة وجب الطلب وإلا لا .
الظاهر، لكن يخالفه ما في المعراج فإنه قال: ولو كان مع رفيقه دلو يجب أن يسأله بخلاف
الماء١ هـ. ومثله في التاترخانية، فليتأمل.
ثم الأظهر وجوب الطلب كالماء كما في المواهب، واقتصر عليه في الفيض
الموضوع لنقل الراجح المعتمد كما قام في خطبته: وينبغي تقييده بما إذا غلب على ظنه
الإعطاء كالماء، إلا أن يفرق بأنه ليس مما تشحّ به النفوس في السفر، بخلاف الماء. تأمل.
قوله: (وكذا الانتظار) أي يجب انتظاره للدلو إذا قال الخ لكن هذا قولهما. وعنده لا يجب بل
يستحب أن ينتظر إلى آخر الوقت؛ فإن خاف فوت الوقت تيمم وصلى، وعلى هذا لو كان
مع رفيقه ثوب وهو عريان فقال انتظر حتى أصلي وأدفعه إليك.
وأجمعوا: أنه إذا قال: أبحت لك مالي لتحجّ به أنه لا يجب عليه الحج.
وأجمعوا أنه في الماء ينتظر وإن خرج الوقت. ومنشأ الخلاف أن القدرة على ما سوى
الماء هل تثبت بالإباحة؟ فعنده لا، وعندهما نعم، كذا في الفيض والفتح والتاتر خانية
وغيرها، وجزم في المنية بقول الإمام. وظاهر كلامهم ترجيحه. وفي الحلية: والفرق
للإمام أن الأصل في الماء الإباحة والحظر فيه عارض فيتعلق الوجوب بالقدرة الثابتة
بالإباحة، ولا کذلك ما سواه، فلا یثبت إلا بالملك کما في الحج ١ هـ. فتنبه. قوله: (إن ظن
الإعطاء قطع) أي إن غلب على ظنه. قال في النهر: فلا تبطل بل يقطعها؛ فإن لم يفعل فإن
أعطاه بعد الفراغ أعاد وإلا لا، كما جزم به الزيلعي وغيره، فما جزم به من أنها تبطل ففيه
نظر؛ نعم ذكر في الخانية عن محمد أنها تبطل بمجرد الظن، فمع غلبته أولى وعليه يحمل ما
في الفتح اهـ. قوله: (لكن في القهستاني) استدراك على المتن كما هو سياق القهستاني،
فكان الواجب تقديمه (١) ثم الجواب عن المحيط أنه غير ظاهر الرواية ح.
قلت: وقد علمت التوفيق بما قدمناه عن الجصاص، من أنه لا خلاف في الحقيقة؛
فقول المصنف ((ويطلبه الخ)) أي إن ظن الإعطاء، بأن كان في موضع لا يعزّ فيه الماء،
وقدمناه عن شروح المنية أنه المختار، وأنه الأوجه، فتنبه.
(١) في ط (قوله فكان الواجب تقديمه) أي عند قوله: (وبطلبه ممن هو معه إلخ)) وقال شيخنا: الأحسن صنيع الشارح
ليكون استدراكاً. على قوله: ((فيجب طلب الدلو والرشا)» حيث ذكر من غير وصل بين الظن وعدمه نعم لو قدمه
على قوله ((ولو كان في الصلاة إلخ)) لكان أولى، وهذا ظاهر.

٤٢٣
كتاب الطهارة / باب التيمم
(والمحصور فاقد) الماء والتراب (الطهورين) بأن حبس في مكان نجس ولا
يمكنه إخراج تراب مطهر، وكذا العاجز عنهما لمرض (يؤخرها عنده. وقالا: يتشبه)
بالمصلين وجوباً، فيركع ويسجد، إن وجد مكاناً يابساً وإلا يومى قائماً ثم يعيد كالصوم
(به يفتى وإليه صح رجوعه) أي الإمام كما في الفيض، وفيه أيضاً (مقطوع اليدين
والرجلين إذا كان بوجهه جراحة يصلي بغير طهارة) ولا يتيمم (ولا يعيد على الأصح)
وبهذا ظهر أن تعمد الصلاة بلا طهر غير مكفر، فليحفظ
مَطْلَبٌ: فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ
قوله: (فاقد) بالرفع صفة المحصور، واللام فيه للعهد الذهني فيكون في حكم النكرة
وبالنصب على الحال، كذا رأيته بخط الشارح. قوله: (ولا يمكن إخراج تراب مطهر) أما لو
أمكنه بنقر الأرض أو الحائط بشيء فإنه يستخرج ويصلي بالإجماع. بحر عن الخلاصة.
قال ط: وفيه أنه يلزم التصرّف في مال الغير بلا إذنه. قوله: (يؤخرها عنده) لقوله عليه
الصلاة والسلام ((لَا صَلَةَ إِلَّ بِطَهُورٍ))(١) سراج. قوله: (وقالا يتشبه بالمصلين) أي احتراماً
للوقت. قال ط: ولا يقرأ كما في أبي السعود، سواء كان حدثه أصغر أو أكبرا. هـ. قلت:
وظاهره أنه لا ينوي أيضاً لأنه تشبه لا صلاة حقيقية. تأمل. قوله: (إن وجد مكاناً يابساً) أي
لأمنه من التلوث، لكن في الحلية: الصحيح على هذا القول أنه يومئ كيفما كان، لأنه لو
سجد صار مستعملاً للنجاسة. قوله: (كالصوم) أي في مثل الحائض إذا طهرت في
رمضان، فإنها تمسك تشبهاً بالصائم لحرمة الشهر ثم تقضي، وكذا المسافر إذا أفطر فأقام.
قوله: (مقطوع اليدين) أي من فوق المرفقين والكعبين وإلا مسح محل القطع كما تقدم، لكن
سيأتي في آخر صلاة المريض بعد حكاية المصنف ما ذكره هنا، وقيل لا صلاة عليه، وقيل
يلزمه غسل موضع القطع. قوله: (إذا كان بوجهه جراحة) وإلا مسحه على التراب إن لم
يمكنه غسله. قوله: (ولا يعيد على الأصح) لينظر الفرق بينه وبين فاقد الطهورين لمرض،
فإنه يؤخر أو يتشبه على الخلاف المذكور آنفاً كما علمت مع اشتراكهما في إمكان القضاء
بعد البرء، وكون عذرهما سماوياً. تأمل. قوله: (وبهذا ظهر الخ) ردّ لما في الخلاصة
وغيرها عن أبي علي السغدي، من أنه لو صلى في الثوب النجس أو إلى غير القبلة لا يكفر
لأنها جائزة حالة العذر. أما الصلاة بلا وضوء فلا يؤتى بها بحال فيكفر. قال الصدر الشهيد:
وبه نأخذ ا هـ.
وجه الرد أنها جائزة في مسألة المقطوع المذكورة، فحيث كانت علة عدم الإكفار
(١) انظر التمهيد لابن عبد البر ٢١٥/٨ وابن حجر في الفتح ٣٢٩/١٢.

٤٢٤
كتاب الطهارة / باب التيمم
وقدمر، وسيجيء في صلاة المريض.
فروع: صلى المحبوس بالتيمم، إن في المصر أعاد وإلا لا .
هل يتيمم لسجدة؟ إن في السفر نعم وإلا لا.
الماء المسبل في الفلاة لا يمنع التيمم ما لم يكن كثيراً، فيعلم أنه للوضوء أيضاً
ويشرب ما للوضوء. الجنب أولى بمباح من حائض أو محدث وميت، ولو لأحدهم فهو
أولی ولو مشتركاً ينبغي صرفه للمیت. جاز تيمم جماعة من محل واحد.
الجواز حالة العذر لزم القول به في الصلاة بلا وضوء، فافهم. قوله: (وقد مرّ) أي في أول
كتاب الطهارة، وقدمنا هناك عن الحلية البحث في هذه العلة، وأن علة الإكفار إنما هي
الاستخفاف. قوله: (أعاد) لأنه مانع من قبل العباد. قوله: (وإلا لا) عللوه بأن الغالب في
السفر عدم الماء. قال في الحلية: وهذا يشير إلى أنه لو كان بحضرته أو بقرب منه ماء تجب
الإعادة لتمحض كون المنع من العبد. قوله: (إن في السفر نعم) لما علمت. قوله: (وإلا
لا) لعدم الضرورة. قهستاني عن شرح الأصل. ولعل وجهه أنه إذا فقد الماء وقت التلاوة
يجده بعدها، لأن الحضر مظنة الماء فلا ضرورة، بخلاف السفر فإن الغالب فيه فقد الماء،
وبتأخيرها إلى وجوده عرضة نسيانها. تأمل. قوله: (المسبل) أي الموضوع في الحباب
لأبناء السبيل. قوله: (لا يمنع التيمم) لأنه لم يوضع للوضوء بل للشرب، فلا يجوز الوضوء
به وإن صح. قوله: (ما لم يكن كثيراً) قال في شرح المنية: الأولى الاعتبار بالعرف لا
بالكثرة، إلا إذا اشتبه. قوله: (أيضاً) أي كالشرب. قوله: (ويشرب ما للوضوء) مقابل
المسألة الأولى، لأنه يفهم منها أن المسبل للشرب لا يتوضأ به، فذكر أن ما سبل للوضوء
يجوز الشرب منه، وكان الفرق أن الشرب أهم لأنه لإحياء النفوس بخلاف الوضوء، لأنه له
بدلًا فيأذن صاحبه بالشرب منه عادة، لأنه أنفع. هذا، وقد صرح في الذخيرة بالمسألتين
كما هنا، ثم قال: وقال ابن الفضل بالعكس فيهما. قال في شرح المنية: والأول أصح.
قوله: (الجنب أولى بمباح الخ) هذا بالإجماع تاتر خانية: أي وييمم الميت ليصلى عليه،
وكذا المرأة والمحدث ويقتديان به، لأن الجنابة أغلظ من الحدث والمرأة لا تصلح إماماً،
لكن في السراج أن الميت أولى لأن غسله يراد للتنظيف وهو لا يحصل بالتراب اهـ. تأمل.
ثم رأيت بخط الشارح عن الظهيرية أن الأول أصح، وأنه جزم به صاحب الخلاصة وغيره
اهـ. وفي السراج أيضاً: لو كان يكفي للمحدث فقط كان أولى به، لأنه يرفع حدثه. قوله:
(فهو أولى) لأنه أحق بملكه. سراج. قوله: (ينبغي صرفه للميت) أي ينبغي لكل منهم أن
یصرف نصيبه للمیت حیث کان كل واحد لا يكفيه نصيبه، ولا يمكن الجنب ولا غيره أن
يستقل بالكل لأنه مشغول بحصة الميت، وكون الجنابة أغلظ يبيح استعمال حصة الميت

٤٢٥
كتاب الطهارة / باب التيمم
حيلة جواز تيمم من معه ماء زمزم ولا يخاف العطش أن يخلطه بما يغلبه أو يهبه
على وجه يمنع الرجوع.
(وناقضه ناقض الأصل) ولو غسلاً،
فلم يكن الجنب أولى، بخلاف ما لو كان الماء مباحاً فإنه حيث أمكن به رفع الجنابة كان
أولى، فافهم.
تتمة: قال في المعراج: والأب أولى من ابنه، لجواز تملكه مال ابنها هـ. قوله:
(جاز) لأنه لم يصر مستعملاً، إنما المستعمل ما ينفصل عن العضو بعد المسح قياساً على
الماء. شرح المنية، ونحوه ما قدمناه عن النهر، وهو المذكور في الحلية، فافهم. قوله:
(ولا يخاف العطش) إذ لو خافه لا يحتاج إلى حيلة لاشتغاله بحاجته الأصلية. والظاهر أن
عطش غیره من أهل القافلة کعطشه وإن کان لا يسقیهم منه، إذ لو اضطرّ أحدهم إليه وجب
دفعه له فيما يظهر، ولذا جاز له قتاله كما مر. قوله: (بما يغلبه) أي بشيء يخرجه عن كونه
ماء مطلقاً كماء ورد أو سكر مثلاً. قوله: (أو يهبه) أي ممن يثق بأنه يرده عليه بعد ذلك،
فافهم. قوله: (على وجه يمنع الرجوع) كذا ذكره في شرح المنية، لقول قاضيخان: إن
قولهم الحيلة أن يهبه من غيره ويسلمه ليس بصحيح عندي، لأنه إذا تمکن من الرجوع كيف
يجوز له التيمم؟ قال في شرح المنية: وهو الفقه بعينه، والحيلة الصحيحة أن يخلطه الخ.
قلت: لكن يدفع هذا قوله ((على وجه يمنع الرجوع)) أي بأن تكون الهبة بشرط
العوض. وأيضاً فقد أجاب في الفتح بأن الرجوع في الهبة مكروه، وهو مطلوب العدم
شرعاً، فيجوز أن يعتبر الماء معدوماً في حقه لذلك وإن قدر عليه. قال في الحلية، وهو
حسن.
أقول: على أن الرجوع في الهبة يتوقف على الرضا أو القضاء، لكن قد يقال: إنه ما
وهبه إلا ليسترده، والموهوب منه لا يمنعه إذا طلبه الواهب وذلك يمنع التيمم. والجواب:
أنه يسترده بهبة أو شراء لا بالرجوع فلا يلزم المكروه، والموهوب منه إذا علم بالحيلة يمتنع
من دفعه للوضوء. تأمل. قوله: (وناقضه ناقض الأصل الخ) أي ما جعل التیمم بدلاً عنه من
وضوء أو غسل.
واعلم أن كل ما نقض الغسل مثل المنيّ نقض الوضوء، ويزيد الوضوء بأنه ينتقض
بمثل البول، فالتعبير بناقض الوضوء كما في الكنز يشمل ناقض الغسل، فيساوي التعبير
بناقض الأصل کما في البحر.
واعترضه المصنف في منحه بما حاصله أنه وإن نقض تيمم الوضوء كل ما نقض
الغسل، لكن لا ينقض تيمم الغسل كل ما نقض الوضوء، لأنه إذا تيمم عن جنابة ثم بال مثلاً

٤٢٦
كتاب الطهارة / باب التيمم
فلو تیمم للجنابة ثم أحدث صار محدثاً لا جنباً، فيتوضأ وينزع خفيه ثم بعده يمسح عليه
ما لم يمرّ بالماء، ف(مع)) في عبارة صدر الشريعة بمعنى ((بعد)) كما في . إن مع العسر
یسراً -فافهم.
فهذا ناقض للوضوء لا ينتقض به تيمم الغسل، بل تنتقض طهارة الوضوء التي في ضمنه،
فتثبت له أحكام الحدث لا أحكام الجنابة، فقد وجد ناقض الوضوء ولم ينتقض تيمم
الجنابة، فظهر أن التعبير بناقض الأصل أولى من ناقض الوضوء لشموله التيمم عن
الحدثين، فأين المساواة؟ اهـ. لكن في عبارة المصنف في المنح حذف المضاف من
بعض المواضع فذکرناه لیزول الاشتباه، فانهم. قوله: (فلو تیمم الخ) تفریع صحیح دل
عليه كلام المتن، لأن منطوق عبارة المتن أنه لو تيمم عن حدث انتقض بناقض أصله وهو
الوضوء وذلك كل ما نقض الوضوء والغسل كما مر، ولو تيمم عن جنابة انتقض بناقض
أصله وهو الغسل، ومفهومه أنه لا ينتقض بغير ناقض أصله، ففرع على هذا المفهوم كما هو
عادته في مواضع لا تحصى أنه إذا تيمم الجنب ثم أحدث لا ينتقض تيممه عن الجنابة، لأن
الحدث لا ينقض أصله وهو الغسل، فلا يصير جنباً وإنما يصير محدثاً بهذا الحدث العارض،
فافهم. قوله: (فیتوضأ الخ) تفریع على التفريع: أي وإذا صار محدثاً فیتوضأ حيث وجد ما
يكفيه للوضوء فقط ولو مرة مرة، ولكن لو كان لبس الخفّ بعد ذلك التيمم وقبل الحدث
ينزعه ويغسل لأن طهارته بالتيمم ناقصة معنى، ولا يمسح إلا إذا لبسه على طهارة تامة وهي
طهارة الوضوء لا طهارة التيمم على ما سيأتي؛ نعم بعد ما توضأ أو غسل رجليه يمسح لأنه
ليس على وضوء كامل، والمسح للحدث لا للجنابة إلا إذا مرّ بالماء الكافي للغسل فحينئذ
لا يمسح بل يبطل تيممه من أصله ويعود جنباً على حاله الأول فلو جاوز الماء ولم يغتسل
يتيمم للجنابة، ثم إذا أحدث ووجد ما يكفيه للوضوء فقط توضأ ونزع الخفّ وغسل، لأن
الجنابة لا يمنعها الخف كما سيأتي، ثم بعده يمسح ما لم يمرّ بالماء وهكذا. قوله: (فمع
الخ) تفريع على قوله ((فيتوضأ)) حيث أفاد أنه إذا وجد ماء يكفيه للوضوء فقط إنما يتوضأ به
إذا أحدث بعد تیممه عن الجنابة، أما لو وجده وقت التیمم قبل الحدث لا يلزمه عندنا
الوضوء به عن الحدث الذي مع الجنابة لأنه عبث، إذ لا بد له من التيمم؛ وعلى هذا فقول
صدر الشريعة: إذا كان للجنب ماء يكفي للوضوء لا الغسل يجب عليه التيمم لا الوضوء
خلافاً للشافعي. أما إذا كان مع الجنابة حدث يوجب الوضوء يجب عليه الوضوء، فالتيمم
للجنابة بالاتفاق ا. هـ. مشكل. لأن الجنابة لا تنفك عن حدث یوجب الوضوء، وقد قال
أولًا: يجب عليه التيمم لا الوضوء: فقوله ثانياً: يجب عليه الوضوء تناقض، وجوابه كما قال
القهستاني إن ((مع)) في قوله ((مع الجنابة)) بمعنى ((بعد)).
ولما كان في هذا التفريع والجواب دقة وخفاء ودفع لاعتراضات المحشين على صدر

٤٢٧
كتاب الطهارة / باب التيمم
(وقدرة ماء) ولو إباحة في صلاة (كاف لطهره) ولو مرة مرة (فضل عن حاجته)
کعطش وعجن وغسل نجس مانع ولمعة جنابة،
الشريعة أمر بالتفهم، ولله درّ هذا الشارح على هذه الرموز التي هي مفاتيح الكنوز. قوله:
(ولو إياحة) مفعول مطلق: أي ولو أباحه مالكه له إباحة كان قادراً أو تمييز أو حال: أي ولو
وجدت القدرة من جهة الإباحة أو في حال الإباحة وأطلقه فشمل ما لو كانوا جماعة والماء
المباح يكفي أحدهم فقط، فينتقض تيمم الكل لتحقق الإباحة في حق كل منهم، بخلاف ما
لو وهب لهم فقبضوه لأنه لا يصيب كلّ منهم ما يكفيه، وتمامه في الفتح. قوله: (في صلاة)
من مدخول المبالغة: أي ولو كانت القدرة أو الإباحة في صلاة ينتقض التيمم وتبطل الصلاة
التي هو فيها، إلا إذا كان الماء سؤر حمار فإنه يمضي فيها ثم يعيدها بسؤر الحمار، لما مرّ أنه
لا يلزم الجمع بينهما في فعل واحد، فما في المنية من أنها تفسد غير صحيح كما ذكره
الشارحان.
ولو صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت لا يعيد. منية: أي إلا إذا كان العذر المبيح
من قبل العباد فيعيد ولو بعد الوقت كما مر، فتنبه حلية. قوله: (كاف لطهره) أي للوضوء لو
محدثاً، وللاغتسال لو جنباً. واحترز به عما إذا كان يكفي لبعض أعضائه أو يكفي للوضوء
وهو جنب، فلا يلزمه استعماله عندنا ابتداء كما مر، فلا ينقض كما في الحلية. قوله: (ولو
مرة مرة) فلو غسل به كل عضو مرتين أو ثلاثاً فنقص عن إحدى رجليه انتقض تيممه هو
المختار، لأنه لو اقتصر على المرة كفاه بحر عن الخلاصة. قوله: (وغسل نجس مانع) فلو
لم يكفه يلزمه أيضاً تقليل النجاسة كما يفهم من تعليلهم في كثير من الشروح، لكن في
الخلاصة أنه لا يلزمه. بحر: أي إلا إذا أمكن أن يبقى أقل من قدر الدرهم كما بحثناه فيما مر
فيلزمه ولا ينتقض تيممه. قوله: (ولمعة جنابة) أي لو اغتسل وبقيت على بدنه لمعة لم
يصبها الماء فتیمم لها ثم أحدث فتیمم له ثم وجد ما یکفیها فقط فإنه يغسلها به، ولا يبطل
تیممه للحدث.
ثم اعلم أن هذه المسألة على خمسة أوجه:
الأول: أن يكفيهما معاً فيغسلها ويتوضأ ويبطل تيممه لهما.
الثاني: أن لا يكفي واحداً منهما، فيبقى تيممه لهما ويغسل به بعض اللمعة لتقليل
الجنابة .
الثالث: أن يكفي اللمعة فقط، وقدمناه.
الرابع: عكسه، فيتوضأ به ويبقى تيممه لها على حاله.
الخامس: أن يكفي أحدهما بمفرده غير معين فيغسل به اللمعة. ولا ينتقض تيمم

٤٢٨
كتاب الطهارة / باب التيمم
لأن المشغول بالحاجة وغیر الکافي کالمعدوم (لا) تنقضه (ردّة، و کذا) ینقضه (کل ما
يمنع وجوده التيمم إذا وجد بعده) لأن ما جاز بعذر بطل بزواله، فلو تيمم لمرض بطل
ببرثه أو لبرد بطل بزواله.
والحاصل أن کل ما یمنع وجوده التیمم نقض وجوده التيمم (وما لا) يمنع وجوده
التيمم في الابتداء (فلا) ينقض وجوده بعد ذلك التيمم؛ ولو قال: وكذا زوال ما أباحه:
أي التيمم لكان أظهر وأخصر، وعليه فلو تيمم لبعد ميل فسار
الحدث عند أبي يوسف وعند محمد ينتقض، ويظهر أن الأول أوجه. وهذا إذا وجد الماء
بعد ما تيمم للحدث. فلو قبله فعلى خمسة أوجه أيضاً، ففي الوجه الأول: يغسلها ويتوضأ
للحدث. وفي الثاني: يتيمم للحدث ويغسل به بعض اللمعة إن شاء. وفي الثالث: يغسلها
ويتيمم للحدث. وفي الرابع: يتوضأ ويبقي تيممه لها. وفي الخامس: كالثالث لأن الجنابة
أغلظ، لكن في رواية يلزمها غسلها قبل التيمم للحدث ليصير عادماً للماء، وفي رواية يخير
ا. هـ. ملخصاً من الحلية، وعلى الرواية الأولى اقتصر في المنية. قوله: (لأن المشغول
الخ) ارتكب في التعليل النشر المشوش ط. قوله: (كالمعدوم) ولذا جاز له التيمم ابتداء.
وقد اعترض بهذا في البحر تبعاً للحلية على قولهم: لو كان بثوبه نجاسة فتيمم أولاً ثم
غسلها يعيد التيمم إجماعاً، لأنه تيمم وهو قادر على الوضوء، فقال: فيه نظر، بل الظاهر
جواز التيمم مطلقاً، لأن المستحق الصرف إلى جهة معدوم حكماً كمسألة اللمعة: أي على
رواية التخيير.
قلت: لكن فرّق في السراج بينهما بأنه هنا قادر على ماء لو توضأ به جاز، بخلاف
مسألة اللمعة لأنه عاد جنباً برؤية الماء ا. هـ. وهو فرق حسن دقيق فتدبره. قوله: (لا تنقضه
ردة) أي فيصلي به إذا أسلم، لأن الحاصل بالتيمم صفة الطهارة والكفر لا ينافيها
كالوضوء، والردة تبطل ثواب العمل لا زوال الحدث. شرح النقاية. قوله: (بطل ببرئه الخ)
أي لقدرته على استعمال الماء وإن لم يكن الماء موجوداً. بحر. وكذا لو تيمم لعدم الماء ثم
مرض كما قدمه عن جامع الفصولين وقدمنا الكلام عليه مع ما في المقام من الإشكال.
قوله: (والحاصل) أراد به التنبيه على أن ذلك قاعدة كلية تغني عن ذكر قدرة الماء الكافي،
فافهم. قوله: (وما لا يمنع الخ) وذلك كوجود الماء عند المريض العاجز عن استعماله.
قوله: (في الابتداء) متعلق بوجوده أو بالتيمم. قوله: (بعد ذلك) متعلق بوجوده، واسم
الإشارة عائد على التيمم، والتيمم بالنصب مفعول ينقض. وعبارة الشارح في الخزائن: فلا
ينقض وجوده بعده ذلك التيمم وهو أظهر. قوله: (ولو قال) يعني بعد قوله ((وناقضه ناقض
الأصل)). قوله: (فلو تيمم الخ) ذكره القهستاني بحثاً بقوله: ينبغي أن ينتقض تيممه لأنه
قدر على الماء حكماً، ويؤيده ما قال الزاهدي: إن عدم الماء شرط الابتداء فكان شرط البقاء

٤٢٩
كتاب الطهارة / باب التيمم
فانتقص انتقض فليحفظ .
(ومرور ناعس) متيمم عن حدث أو نائم غير متمكن متيمم عن جنابة (على ماء)
كاف (كمستيقظ) فينتقض، وأبقيا تيممه، وهو الرواية المصححة عنه المختارة
للفتوى؛ كما لو تيمم وبقربه ماء لا يعلم به كما في البحر وغيره، وأقره المصنف (تيمم
لو) كان (أكثره) أي أكثر أعضاء الوضوء عدداً وفي الغسل مساحة
ا. هـ. ولظهوره جزم به الشارح. قوله: (فانتقص) أي البعد عن ميل بسبب السير وهو
بالصاد المهملة، وقوله انتقض: أي التيمم، وهو بالضاد المعجمة ففيه جناس. قوله:
(ومرور ناعس الخ) مبتدأ خبره قوله ((كمستيقظ)) منح. والناعس: هو الذي يعي أكثر ما يقال
عنده ولم تزل قوته الماسكة ط.
واعلم أن مرور الناعس على الماء ينقض تيممه سواء كان عن حدث أو عن جنابة
متمكناً أو لا. ومرور النائم مثله، لكن لو کان غیر متمکن مقعدته وکان تیممه عن حدث
يكون الناقض النوم لا المرور كما يعلم من البحر، وبه يعلم ما في كلام الشارح، فكان
الصواب أن يقول: ومرور ناعس مطلقاً أو نائم متيمم عن جنابة أو عن حدث وكان متمكناً،
فافهم. قوله: (فينتقض) نتيجة التشبيه بالمستيقظ. قوله: (وأبقيا تيممه) أي أبقى الصاحبان
تيممه لعجزه عن استعمال الماء. قوله: (وهو) أي قول الصاحبين الرواية المصححة عنه:
أي عن الإمام، وهو متعلق بالرواية. ورأيت بخط الشارح في هامش الخزائن أنه صححها
في التجنيس وشرح المنية ونكت العلامة قاسم تبعاً للكمال، واختارها في البرهان والبحر
والنهر وغيرها ا. هـ. وجزم بها في المنية. وقال في الحلية: كذا في غير كتاب من الكتب
المذهبية المعتبرة، وهو المتجه. قال شيخنا ابن الهمام: وإذا كان أبو حنيفة يقول في
المستيقظ حقيقة على شاطئ نهر لا يعلم به يجوز تيممه، فكيف يقول في النائم حقيقة
بانتقاض تيممه؟ ا. هـ. ونقل في الشرنبلالية عن البرهان موافقة ابن الهمام، ثم أجاب عنه
فراجعها، ومشى في الهداية وغيرها على ما في المتن. قوله: (المختارة للفتوى) عبارة
البحر ((في الفتاوى)). قوله: (أي أكثر أعضاء الوضوء الخ) الأولى أن يقول: أي أكثر
أعضائه في الوضوء الخ، لأن الضمير في أكثره عائد على الرجل المتيمم مع تقدير مضاف
وهو الأعضاء الصادقة على أعضاء الوضوء وغيرها. تأمل هذا.
وقد اختلفوا في حدّ الكثرة: فمنهم من اعتبرها في نفس العضو، حتى لو كان أكثر
كل عضو من الأعضاء الواجب غسلها جريحاً تيمم وإن كان صحيحاً يغسل. وقيل في عدد
الأعضاء حتى لو كان رأسه ووجهه ويداه مجروحة دون رجليه مثلاً تيمم، وفي العكس لا
ا هـ. درر البحار. قال في البحر: وفي الحقائق المختار الثاني، ولا يخفى أن الخلاف في
الوضوء؛ أما في الغسل فالظاهر اعتبار أكثر البدن مساحة ا. هـ. وما استظهره أقرّه عليه

٤٣٠
كتاب الطهارة / باب التيمم
(مجروحاً) أو به جدري اعتباراً للأكثر (وبعكسه يغسل) الصحيح ويمسح الجريح (و)
كذا (إن استويا غسل الصحيح) من أعضاء الوضوء، ولا رواية في الغسل (ومسح الباقي)
منها (وهو) الأصح لأنه (أحوط) فكان أولى، وصحح في الفيض وغيره التيمم، كما
یتیمم لو الجرح بیدیه وإن وجد من يوضیه خلافاً لهما .
أخوه في النهر. ونقله نوح أفندي عن العلامة قاسم فلذا جزم به الشارح. قوله: (جدري)
بضم الجيم وفتحها مع فتح الدال. شرح المنية. قوله (اعتباراً للأكثر) علة لقوله ((تيمم)) ط.
قوله: (وبعكسه) وهو ما لو كان أكثر الأعضاء صحيحاً يغسل الخ، لكن إذا كان يمكنه غسل
الصحيح بدون إصابة الجريح وإلا تيمم. حلية. فلو كانت الجراحة بظهره مثلاً وإذا صبّ
الماء سال عليها يكون ما فوقها في حكمها فيضم إليها، كما بحثه الشرنبلالي في الإمداد
وقال: لم أره، وما ذكرناه صريح فيه. قوله: (ويمسح الجريح) أي إن لم يضرّه وإلا عصبها
بخرقة ومسح فوقها. خانية وغيرها. ومفاده كما قال ط إنه يلزمه شدّ الخرقة إن لم تكن
موضوعة. قوله: (وكذا الخ) فصله بكذا. إشارة إلى أنه هو الذي فيه الاختلاف الآتي.
قوله: (ولا رواية في الغسل) أي لا رواية في صورة المساواة عن أئمتنا الثلاثة، وإنما فيها
اختلاف المشايخ؛ فقيل يتيمم كما لو كان الأكثر جريحاً، لأن غسل البعض طهارة ناقصة
والتيمم طهارة كاملة؛ وقيل يغسل الصحيح ويمسح الجريح كعكس الأولى، لأن الغسل
طهارة حقيقية بخلاف التيمم. واختلف الترجيح والتصحيح كما في الحلية، ورجح في
البحر تصحيح الثاني بأنه أحوط وتبعه في المتن.
ثم اعلم أني لم أر من خصّ نفي الرواية في صورة المساواة بالغسل كما فعل
الشارح. ثم رأيت في السراج ما نصه: وفي العيون عن محمد: إذا كان على اليدين قروح لا
يقدر على غسلها وبوجهه مثل ذلك تيمم، وإن كان في يديه خاصة غسل ولا تيمم؛ وهذا
يدل على أنه يتيمم مع جراحة النصف انتهى كلام السراج، فقد وجدت الرواية عن محمد في
الوضوء؛ فقولهم ((لا رواية)) أي في الغسل كما قال الشارح، لكن يرد على الشارح أنه جعل
حكم المساواة في الوضوء الغسل والمسح. والذي في العيون التيمم، فتدبر. قوله: (منها)
أي من أعضاء الوضوء بناء على ما قاله، وعلمت ما فيه. قوله: (وهو الأصح) صححه في
الخانية والمحيط. بحر. قوله: (وغيره) كالخلاصة والفتح والزيلعي والاختيار والمواهب.
قوله: (لو الجرح بيديه) أي ولا يمكنه إدخال وجهه ورجليه في الماء، فلو أمكنه فعل بلا
تيمم كما لا يخفى، فلا ينافي ما قدمناه عن العيون. قوله: (وإن وجد من يوضيه) أي بناء
على ما مرّ من أنه لا يعدّ قادراً بقدرة غيره عند الإمام، لكن عبر عن هذا في القنية والمبتغى
بقيل جازماً بالتفصيل، وهو الموافق لما مرّ في المريض العاجز، من أنه لو وجد من يعينه لا
يتيمم في ظاهر الرواية، فتنبه لذلك.

٤٣١
كتاب الطهارة / باب التيمم
(ولا يجمع بينهما) أي تيمم وغسل، كما لا يجمع بين حيض وحبل أو استحاضة
أو نفاس، ولا بين نفاس واستحاضة أو حيض، ولا زكاة وعشر أو خراج أو فطرة. ولا
عشر مع خراج،
تتمة: لو بأكثر أعضاء الوضوء جراحة يضرّها الماء، وبأكثر مواضع التيمم جراحة
يضرّها التيمم لا يصلي. وقال أبو يوسف: يغسل ما قدر عليه ويصلي ويعيد. زيلعي.
قوله: (ولا يجمع بينهما) لما فيه من الجمع بين البدل والمبدل، بخلاف الجمع بين التيمم
وسؤر الحمار، لأن الفرض يتأدى بأحدهما لا بهما فجمعنا بينهما للشك. بحر. قوله:
(وغسل) بفتح الغين ليعم الطهارتين ح. قوله: (كما لا يجمع) عدم الجمع في جميع ما يأتي
بمعنى المعاقبة من الطرفين: أي كلما وجد واحد امتنع وجود آخر، وليس المراد عدم
الجمع ولو من أحد الطرفين، لأن ذلك لا ينحصر في عدد الحيض مع الصلاة أو الصوم أو
الحج، وكذا العبادات بأسرها مع الكفر ونحو ذلك. قوله: (بين حيض وحبل أو استحاضة
أو نفاس) أي لا يجمع بين الحیض وبین واحد من الثلاثة المعطوفات علیه، بل كلما وجد
الحیض لا يوجد واحد منها، وكلما وجد واحد منها لا يوجد الحيض، وكذا يقال فيما
بعده، وقوله ((ولا بين نفاس واستحاضة أو حيض)) قيل كذا في أصل نسخة الشارح. وفي
بعض النسخ: ((أو حبل)) بدل قوله ((أو حيض)) وعليه فلا تكرار، لكن فيه كما قال ط : إن
النفاس قد يجتمع مع الحبل في التوأم الثاني، لما ذكروه من أن النفاس من الأول.
والحاصل أن الاحتمالات ستة: ثلاثة فيها الحيض مع غيره، واثنان نفاس مع غيره،
والسادس حبل مع استحاضة. قال ح: وتركه الشارح لأن الجمع فيه صحيح. قوله: (ولا
زكاة وعشر أو خراج) لأن كل ما كان الواجب فيه الزكاة لا يجب فيه عشر ولا خراج، وهو
ظاهر وكذا عكسه، كما لو أدى عشر الخارج من الأرض العشرية أو أدى خراج الأرض
الخراجية من الخارج منها ونوى فيما بقي التجارة وحال عليه الحول فلا زكاة فيه؛ وكذا لو
شرى أرضاً خراجية أو عشرية ناوياً التجارة بها وحال الحول لما سيذكره الشارح في كتاب
الزكاة، من أنه لا تصح نية التجارة فيما خرج من أرضه العشرية أو الخراجية لئلا يجتمع
الحقان، وكذا لو شرى أرضاً خراجية ناوياً التجارة أو عشرية وزرعها لا تكون للتجارة لقيام
المانع ا. هـ. قوله: (أو فطرة) فعبيد الخدمة فيها الفطرة ولا زكاة، وعبيد التجارة إذا حال
عليها الحول فيها الزكاة ولا فطرة ح. قوله: (ولا عشر مع خراج) أي إن كانت الأرض
عشرية ففيها عشر الخارج، وإن خراجية فالخراج.
واعلم أن الاحتمالات في هذه الأربعة ستة أيضاً: ثلاثة في اجتماع الزكاة مع غيرها،
وواحد في العشر مع الخراج، واثنان في الفطرة مع العشر أو مع الخراج تركهما لعدم

٤٣٢
كتاب الطهارة / باب التيمم
ولا فدية وصوم أو قصاص، ولا ضمان وقطع أو أجر، ولا جلد مع رجم أو نفي، ولا
مهر ومتعة وحدّ، أو ضمان إفضائها أو موتها من جماعه، ولا مهر مثل وتسمية، ولا وصية
تصورهما، أفاده ح. قوله: (ولا فدية وصوم) فمن وجب عليه الصوم لا تلزمه فدية، ومن
وجبت عليه الفدية لا يجب عليه الصوم ما دام عاجزاً، أما إذا قدر فإنه يصوم، لكن لا يبقى ما
أداه فدية، لأن شرطها العجز الدائم فلا جمع، أفاده ط. قوله: (أو قصاص) أي ولا بين
فدية: أي كفارة وقصاص، فأراد بالفدية ما يشمل الكفارة، والأولى التعبير بها كما في
البحر، فافهم، وذلك لأن القصاص في العمد والكفارة في غيره، فمتى وجب أحدهما لم
يجب الآخر. قوله: (ولا ضمان وقطع) فإن السارق إذا قطع أولاً لا يضمن العين الهالكة أو
المستهلكة، وإذا ضمن القيمة أوّلاً لم يقطع بعده لملكه مستنداً إلى وقت الأخذ؛ نعم يجتمع
مع القطع ضمان النقصان فيما إذا شق الثوب قبل إخراجه، لكنه ضمان إتلاف لا ضمان
مسروق فلم يجب الضمان بما وجب به القطع، فافهم. قوله: (أو أجر) أي ولا ضمان
وأجر؛ كما لو استأجر دابة ليركبها ففعل وجب الأجر ولا ضمان وإن عطبت، ولو أركبها
غيره فعطبت ضمنها ولا أجر عليه. وأما إذا استأجرها لحمل مقدار فحمل أكثر منه ولا تطيق
ذلك فعطبت فعليه الأجر لأجل الحمل والضمان لأجل الزيادة. فلم يجب الضمان بما
وجب به الأجر بل بغيره. قوله: (ولا جلد مع رجم) لأن الجلد للبكر والرجم للمحصن.
قوله: (أو نفي) المراد به تغريب عام كما فسره الشافعي. وأما إذا كان بمعنى الحبس فيجمع
مع الجلد، أفاده ح. والمراد أن البكر إذا جلد لا ينفى ما لم يره الإمام فله فعله سياسة،
وليس المراد أنه إذا نفي لا يجلد، ففي عده هنا نظر. تأمل. قوله: (ولا مهر ومتعة) فإن
المطلقة قبل الدخول إن سمي لها مهر فلها نصفه، وإلا فالمتعة حينئذ؛ وهذا في المتعة
الواجبة، أما المستحبة فتجتمع مع المهر. قوله: (وحدّ) أي ولا مهر وحدّ بل إن كان الوطء
زنا فالحدّ ولا مهر، وإلا فالمهر ولا حد ح. قوله: (أو ضمان إفضائها) أي ولا مهر وضمان
إفضائها فيما إذا وطئ زوجته فأفضاها لا يجب ضمان الإفضاء عند أبي حنيفة ومحمد، ومثله
المهر مع الموت من الوطء ح، وهذا لو بالغة مختارة مطبقة لوطئه، وإلا لزمه ديتها كاملة كما
حرره الشرنبلالي في شرح الوهبانية؛ ثم هذا أيضاً في ذكره هنا نظر، إذ ليس المراد أنه إذا
لزمه الضمان في الزوجة لا يلزمه مهرها فعدم الاجتماع من أحد الطرفين فقط، وسيأتي إن
شاء الله تعالى في الجنايات قبيل باب الشهادة في القتل ما لو كان ذلك بأجنبية، وأنه
بإفضائها مكرهة يلزمه الحدّ وأرش الإفضاء وهو ثلث الدية إن كانت تستمسك بولها وإلا
فكل الدية، فافهم. قوله: (من جماعه) أي جماع الزوج لها. قوله: (ولا مهر مثل وتسمية) لأنه
إذا سمَّى الجنائز من المهر وجب، وإن لم يسم أصلاً أو سمّى ما لا يجوز كخنزير وخمر وجب
مهر المثل ط. قوله: (ولا وصية وميراث) فمن يستحق الوصية لا يستحق الميراث وكذا

٤٣٣
كتاب الطهارة / باب التيمم
وميراث وغيرها مما سيجيء في محله إن شاء الله تعالى.
(من به وجع رأس لا يستطيع معه مسحه) محدثاً ولا غسله جنباً ففي الفيض عن
غريب الرواية يتيمم، وأفتى قارئ الهداية أنه (يسقط) عنه (فرض مسحه) ولو عليه
بالعكس: أي فيما إذا كان ممن يرد عليه، أما إذا أوصى أحد الزوجين للآخر ولا وارث غيره
اجتمعا حينئذ وكذا يجتمعان إذا أجاز بقية الورثة. قوله: (وغيرها مما سيجيء) ذكر الحموي
في شرحه على الكنز جملة:
منها: القصاص مع الدية وأجر القسمة مع نصيبه، فمن يستحق الأجرة على قسمة
الدار المشتركة لا يجوز أن يكون له نصيب منها وبالعكس. والظهر مع الجمعة، فمن كان
الواجب عليه الظهر كالمسافر لا تجب عليه الجمعة وكذا بالعكس. والشهادة مع اليمين،
فمتى لزم أحد الخصمين البينة لا يلزم الآخر باليمين وبالعكس. تأمل. وأما من أحد
الطرفين فتصور فيما إذا ادعى وأقام البينة فلا يحلف المدعى عليه، وكذا لا يحلف الشهود
على المعتمد. وفيما إذا أقام شاهداً واحداً وحلف فلا يقبل شاهد ويمين عندنا.
ومنها: النكاح مع ملك اليمين، فمن كان يطأ بالنكاح لا يمكن أن يكون مالكاً للرقبة،
وبالعكس إلا أن يعقد على أمته للاحتياط، والأجر مع الشركة في حمل المشترك نظير أجرة
القسمة، والحد مع قيمة أمة مملوكة زنى بها فقتلها على قول أبي يوسف. وأما عندهما فيجب
الحد بالزنا والقيمة بالقتل، وهو ما مشى عليه المصنف في الحدود، والحد مع قيمة إفضاء
أمة مملوكة زنى بها فأفضاها في بعض الصور على ما سيأتي تفصيله في الحدود إن شاء الله
تعالى. والظاهر أن هذا إذا لم يكن الوطء بشبهة، فلو كان بشبهة لا حدّ بل تجب القيمة في
الصورتين.
ومنها: القيمة مع الثمن، فإن البيع لو صحيحاً وجب الثمن، ولو فاسداً وتعذر رده
على البائع وجبت قيمته والحدّ مع اللعان، وأجر نظر الناظر إذا عمل مع العملة في الدار
الموقوفة فإن له أجر العمل لا النظارة ا. هـ. ح موضحاً، فهذه أحد عشر موضعاً، والذي
في الشرح ثلاثة وعشرون فالمجموع أربعة وثلاثون.
أقول: وزدت الرهن مع الإجارة فيما إذا رهن شيئاً ثم آجره أو بالعكس أو مع الإعارة
كذلك، والمساقاة مع الشركة. والغسل مع المسح على الخف في إحدى الرجلين، والحج
مع العمرة للمكي، والنكاح مع أجرة الرضاع. ثم رأيت الشرنبلالي زاد في الإمداد: القتل
مع الوصية أو مع الميراث، وخرق خفّ مع آخر، والتتبع ينفي الحصر. قوله: (محدثاً) حال
من فاعل يستطيع. قوله: (وأفتى قارئ الهداية الخ) هو العلامة سراج الدين شيخ المحقق
ابن الهمام، وما أفتى به نقله في البحر عن الجلابي، ونظمه العلامة ابن الشحنة في شرحه

٤٣٤
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
جبيرة، ففي مسحها قولان، وكذا يسقط غسله فيمسحه ولو على جبيرة إن لم يضرّه وإلا
سقط أصلاً وجعل عادماً لذلك العضو حكماً كما في المعدوم حقيقة.
بَابُ الْمَسْجِ عَلَى الْخُفْيْنِ
على الوهبانية وقال: إنها مهمة نظمتها لغرابتها وعدم وجودها في غالب الكتب. قوله:
(قولان) ذكر في النهر عن البدائع ما يفيد ترجيح الوجوب، وقال: وهو الذي ينبغي التعويل
عليه ا. هـ. بل قال في البحر: والصواب الوجوب، ويأتي تمامه في آخر الباب الآتي قوله:
(وكذا يسقط غسله) أي غسل الرأس من الجنابة. قوله: (ولو على جبيرة) ويجب شدها إن
لم تكن مشدودة ط: أي إن أمكنه. قوله: (وإلا) أي بأن ضرّه المسح عليها، والله سبحانه
وتعالى أعلم.
بَابُ الْمَسْجِ على اَلْخُفَيْنِ(١)
ترجم به مع أنه زاد عليه المسح على الجبيرة، ولا عيب فيه، بل المعيب لو ترجم
لشيء ونقص عنه، وَثُنِّيَ الخف لأنه لا يجوز المسح على خف واحد بلا عذر كما سيأتي.
وفي البحر وغيره. إنما سمي خفاً لخفة الحكم به من الغسل إلى المسح.
أقول فيه: إنه موضوع لغوي قبل ورود الشرع. وقد نقل الرملي أن المسح عليه من
(١) إن الله جل شأنه، وعلت قدرته شرع لنا من الدين هذه الفرائض من العبادات والمعاملات على لسان نبيه
المصطفى#، وأودع فيها من الحكمة البالغة التي هي جامعة لكل ما فيه صلاح أمر الدين والدنيا معاً ما يبهر
العقول، وترتاح له النفوس، وليست كلها أموراً تعبدية، أمرنا الخالق جل وعلا بأدائها، فنحن نؤديها ولا نبحث عن
الحكمة، ومع هذا لم يجعل الله سبحانه وتعالى علينا في الدين من حرج في أداء ما كلفنا به من العبادة؛ ليكون القلب
خالياً من شوائب الأكدار. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَّيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾
فمن ذلك أن أرخص للمسافر والمقيم في بعض العبادات ما به يسهل عليهم أداء الفرائض مع ارتياح النفس وخشوع
القلب بدون أن يلحقهم في ذلك ضرر أو ينتابهم من أجله ضجر، وذلك كرخص قصر الصلاة وجمعها، وفطر
رمضان، والمسح على الخفين ثلاثة أيام للمسافر، وأكل الميتة، والنافلة على الراحلة، وترك الجمعة، وإسقاط
الصلاة بالتيمم له وللمقيم.
ومن بين هذه الرخص التي أباحها الشارع الحكيم رحمة بنا، وشفقة علينا رخصة المسح على الخفين الثابتة من طريق
السنة الصحيحة .. شرعها سبحانه وتعالى كغيرها تسهيلاً للعباد، وتخفيفاً في التكليف، وذلك لأن الإنسان لما كان
ضعيفاً بفطرته محباً للحركة بطبيعته، محتاجاً إلى السعي في الأرض والكد، والنصب، لتحصيل رزقه وابتغاء
حاجيات معيشته بمقتضى تكوينه الشخصي، وتلبية لداعي غريزته، ولم يكن كغيره من سائر الحيوانات التي خلقت
قوية بما أودع فيها خالقها ومبدعها من الحصانة الطبيعية والاستعدادات الجبلية التي تقوى بواسطتها على مكافحة
الطوارئ الجوية، واقتحام العقبات الطبيعية، كتسلق الصخور، وقطع المفاوز وعبور الأنهار، إذ هي غنية بخفها،
وحافرها، ووبرها، وفرائها، وما إلى ذلك مهما صغر حجمها أو عظم عن ملبوس يقيها حرارة القر، وزمهرير
البرد، ونعل يحميها من وعورة الصخور، وتشقق الأرض ((لما كان كذلك)) احتاج إلى ملبوس يحميه من حرارة
الشمس وشدة البرد، ويحفظه من ضرر العواصف الطبيعية التي لا جلد له على احتمالها، وأن لقدمه التي يمشي بها،
ويجوب الأرض شرقاً ومغرباً طلباً للرزق وتحصيلًا لما تتطلبه منه بيئته التي يعيش فيها مما لا بد منه من شؤون =

٤٣٥
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
أخره لثبوته بالسنة.
خصائص هذه الأمة فكيف يعلل به للوضع السابق عليه؟ إلا أن يجاب بأن الواضع هو الله
تعالى كما هو قول الأشعري(١)، وهو تعالى عالم بما يشرعه على لسان نبيه وَلتر. تأمل.
قوله: (أخره) أي عن التيمم لثبوته بالسنة فقط على الصحيح كما سيأتي. والتيمم ثابت
= الحياة شأناً عظيماً في تحقيق ذلك، فكانت أولى أعضائه بالاهتمام بها، والعناية بشأنها، والعمل على وقايتها
من الألم الذي ينتابها لو كانت عارية من قسوة الصخور، ومشقة المفاوز والبرد القارس والحر الشديد خصوصاً في
جوف الشتاء وهجيرة الصيف حيث الشمس المحرقة التي تجعل قشرة الأرض تلتهب التهاباً .
ولما كانت الرجلان من أعضاء الوضوء الذي یتکرر کثیراً في کل یوم ولیلة، وكان لا بد لو قایتھما من لبس الخفين
بحيث لو لم يلبسهما تضرر بتلك الآلام، ولحقته مشقة لا تحتمل، وإذا ألبسهما شق عليه النزع لكل وضوء أباح
الشارع الحكيم له المسح على الخفين بدلاً عن غسل الرجلين من الوضوء، فيلبسهما، ويمسح عليهما من غير أن
يلحق مشقة في النزع لكل وضوء، وذلك منتهى الرحمة.
ولما كان المكلف لا يخلو حاله عن أن يكون مقيماً أو مسافراً، فإن كان مقيماً أمره بالنزع في كل يوم وليلة مرة،
ويغسل قدميه ثم يلبسهما، ويسمح عليهما عند كل وضوء في بقية اليوم والليلة، وإن كان مسافراً أمره بالنزع في كل
ثلاثة أيام ولياليهن مرة ثم يغسل قدميه على نحو ما سبق في المقيم، وغير خاف أن هذا العمل من كل من المقيم
والمسافر قليل الكلفة بالنسبة لنزعهما لكل وضوء.
والحكمة في أن الشارع أطال في مدة اللبس للمسافر فجعلها ثلاثة أمثال من المقيم أن المسافر يباشر من وعثاء
السفر ما لا يباشره المقيم، لما في السفر من المشقة التي يصعب معها أن يقوم المسافر بكل ما يقوم به المقيم من
التكاليف، وهناك حكمة أخرى في تحديد هذه المدة للمسافر، وهي أن الرجلين إذا تركتا بدون غسل مدة أكثر من
ذلك، وهما داخل الخفين حصل لهما تعفن، وهو مضر بالجسم، ومضعف للصحة، ولهذا أمر سبحانه وتعالى
بالنزع عندهما، ولم يبح الزيادة عليهما.
والحكمة في أن الشارع جعل المسح على ظاهرهما دون باطنهما أن الظاهر هو المرئي أمام العين، والباطن هو
الملاقي لبشرة الرجل أو جوربها، فكان المسح على ظاهرهما سهلًا لا مشقة فيه ومعقولاً موافقاً بخلاف المسح على
باطنهما، فإن فيه مشقة لا تناسب الرخصة، وإنما كان المسح المجزئ مقيداً بظاهر أعلى الخف الساتر لمشط
الرجل دون ظاهر الأسفل أو العقب أو الحرف. كما سيأتي مفصلاً - لورود الاقتصار على الأعلى، والرخصة يجب
فيها الوقوف على الوارد، لأنها خلاف الأصل.
على أن الأكمل من المسح ((أي المسنون فيه)) أن يسمح ظاهر أعلى الخف وأسفله، وعقبه، وحرفه، خطوطاً
بالماء، فمحل المسح واجباً كان أو مسنوناً إنما هو ظاهر الخف، وأما باطنه فلا يجوز المسح عليه باتفاق، فالحكمة
في تخصيص المسح بظاهر الخف مطردة في محل المسح الواجب والمندوب، وعلم الحقيقة عند علام الغيوب،
هذا ما ظهر لي، والله أعلم بأسرار شريعته، وإنها لرحمة من العليم الخبير بعباده المؤمنين.
انظر أحكام المسح على الخفين للأستاذ محمد سيد أحمد.
(١) تنوعت آراء الأئمة في واضع اللغة سواء أكان اللفظ مفيداً («لمعنى لذاته أم بدلالة الوضع وسواء كان الواضع هو الله
عز وجل أم الناس أو بعض من الله والآخر من الناس على مذاهب نوردها الأول أن الواضع للغات هو الله عز وجل
ويعبر عنه في المصنفات أن هذا المذهب هو توقيفي ومعناه أن الله تعالى وضعها وأوقفنا عليها وبهذا قال أبو الحسن
الأشعري إمام أهل السنة.
الثاني: وهو مذهب بعض المعتزلة كعباد بن سليمان أن اللفظ يفيد المعنى من غير وضع بل لذاته لما بينهما من
المناسبة الطبيعية.
الثالث: هو مذهب أبو هاشم الجبائي - أن الواضع للغة هو البشر.
=

٤٣٦
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
وهو لغة: إمرار اليد على الشيء. وشرعاً: إصابة البلة، لخف مخصوص في زمن
مخصوص. والخفّ شرعاً: الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه.
(شرط مسحه) ثلاثة أمور:
بالكتاب كما مرّ. وبالنسبة أيضاً، فكان أولى بالتقديم وإن اشتركا في الترخص بهما. وأيضاً
التيمم بدل عن الكل وهذا عن البعض.
ثم إن إبداء الشارح نكتة التأخير للتذكير وإلا فیکفي ما مر، لأنه قد بین وجه تأخير
التيمم عما قبله، ويعلم منه وجه تأخير المسح عنه، فتدبر؛ نعم يحتاج إلى إبداء وجه ذكره
عقبه بلا فاصل، وهو أن كلا منهما شرع رخصة وموقتاً ومسحاً وبدلًا. قوله: (وهو لغة)
الضمير راجع إلى المسح فقط، وباعتبار تسلطه على قوله وشرعاً راجع إلى المسح المقيد
بالجار على طريقة شبه الاستخدام؛ فإن المسح من حيث هو غيره من حيث القيد، أفاده ح.
قوله: (إصابة البلة) بكسر الباء: أي الندوة. قاموس. وشمل ما لو كانت بيد أو غيرها كمطر.
وفي المنية عن المحيط: لو توضأ ومسح بيلة بقيت على كفيه بعد الغسل يجوز، ولو مسح
رأسه ثم مسح خفيه ببلة بقيت بعد المسح لا يجوزا. هـ: أي لأن المستعمل في الأولى ما
سال على العضو وانفصل، وفي الثانية ما أصاب الممسوح وهو باق في الكف. قوله:
(لخف مخصوص) اللام زائدة لتقوية العامل لضعفه بكونه فرعاً عن الفعل في العمل، والخفّ
المخصوص ما فيه الشروط الآتية. قوله: (في زمن مخصوص) وهو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة
أيام بلياليها للمسافر؛ ويوجد في بعض النسخ زيادة ((في محل مخصوص)) والمراد به أن يكون
على ظاهرهما ط. قوله: (فأكثر) أي مما فوقهما من الساق، ولا حاجة إليه لأنه خارج عن
مسمى الخف الشرعي. تأمل. قوله: (ونحوه) أي مما اجتمع فيه الشروط الآتية ط. قوله:
(شرط مسحه) أي مسح الخف المفهوم من الخفين؛ وأل فيه للجنس الصادق بالواحد
والاثنين، ولم يقل مسحهما لأنه قد يكون واحداً لدى رجل واحدة. قوله: (ثلاثة أمور الخ)
زاد الشرنبلالي: لبسهما على طهارة، وخلوّ كل منهما عن الخرق المانع، واستمساكهما
= الرابع: هو أن ابتداء اللغات اصطلاحي والباقي محتمل وقيل الجزم بأن الباقي توقيفي.
الخامس: وهو أن القدر الذي وقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي وأما الباقي فيكون اصطلاحياً. كذا اختاره أبو
إسحاق الأسفرايني.
المذهب السادس وهو القول بالتوقف بشيء من المذاهب وهو اختيار القاضي الباقلاني.
وأقول إن ثمرة الخلاف كما قال المازري أن قال بالتوقيف جعل التكليف مقارناً لكمال العقل؛ ومن قال بالاصطلاح
أخر التكليف عن العقل مدة الاصطلاح على معرفة الكلام والظاهر لنا رجحان ما ذهب إليه الإمام أبي الحسن
الأشعري بناء على أصله في مسألة خلقه الأفعال وانظر أدلة كل فريق في البرهان ١/ ١٧٠ إرشاد الفحول ص ١٢
المستصفى ١٤٥/١ المحلى على جمع الجوامع ٢٦٩/١ نشر البنود ١٠٩/١، الأحكام للآمدي ١٠٤/١ التمهيد
للإسنوي ص ١٣٧ شرح الكوكب المنير ١٩٧/١ فواتح الرحموت ١٨٣/١.

٤٣٧
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
الأول (كونه ساتر) محل فرض الغسل (القدم مع الكعب) أو يكون نقصانه أقل من
الخرق المانع، فيجوز على الزربول لو مشدوداً إلا أن يظهر قدر ثلاثة أصابع، وجوّز
مشايخ سمرقند ستر الكعبين باللفافة .
على الرجلين من غير شدّ، ومنعهما وصول الماء إلى الرجل، وأن يبقى من القدم قدر ثلاثة
أصابع ا. هـ.
قلت: ويزاد كون الطهارة المذكورة غير التيمم، وكون الماسح غير جنب، وسيأتي
بيان جميع ذلك في محاله. قوله: (القدم) بدل من محل ح. قوله: (أو يكون) منصوب بأن
مقدرة، والمنسبك معطوف على كون الأول ط فهو نظير قوله تعالى - أو يرسل رسولاً .
قوله: (نقصانه) أي نقصان الخف الواحد لو كان واحداً أو كل واحد من الاثنين، قال ط :
فلا يعتبر المجتمع منهما قوله: (الخرق) بالضم: الموضع المقطوع، وبالفتح المصدر ح.
والأظهر إرادة الأول ط. قوله: (فيجوز على الزربول) بفتح الزاي وسكون الراء: هو في
عرف أهل الشام ما يسمى مركوباً في عرف أهل مصرا. هـ. ح. وهذا تفريع على ما فهم مما
قبله من أن النقصان عن القدر المانع لا يضرّه ط. قوله: (لو مشدوداً) لأن شده بمنزلة
الخياطة وهو مستمسك بنفسه بعد الشد كالخف المخيط بعضه ببعض، فافهم. وفي البحر
عن المعراج: ويجوز على الجاروق المشقوق على ظهر القدم وله أزرار يشدها عليه تسده
لأنه كغير المشقوق، وإن ظهر من ظهر القدم شيء فهو کخروق الخف ا. هـ.
قلت: والظاهر أنه الخف الذي يلبسه الأتراك في زماننا. قوله: (وجوّز الخ) في
البحر عن الخلاصة: المسح على الجاروق إن کان یستر القدم ولا یری منه ولا من الکعب
إلا قدر أصبع أو أصبعين يجوز، وإلا يكن كذلك ولكن ستر القدم بجلد، إن كان الجلد .
متصلاً بالجاروق بالخرز جاز أيضاً، وإن شد بشيء فلا، ولو ستر القدم باللفافة جوّزه مشايخ
سمرقند ولم يجوزه مشایخ بخاری ا هـ.
قال ح: والحق ما عليه مشايخ بخارى، لأن المذهب أنه لا يجوز المسح على الخف
الذي لا يستر الكعبين إلا إذا خيط به ثخين كجوخ كما ذكره في الإمداد، فما ذكره الشارح
ضعیف ا هـ.
أقول: أي لأن المتبادر من اللفافة أنها ما يلف على الرجل غير مخروز بالخف، فيكون
حكمها حكم الرجل، بخلاف ما إذا كانت متصلة بالخف فتكون تبعاً له كبطانته.
وإذا حمل كلام السمر قنديين على ما إذا كانت متصلة فلا نسلم أنه ضعيف، لما في
البحر والزيلعي وغيرهما: لو انكشفت الظهارة وفي داخلها بطانة من جلد أو خرقة خروزة
بالخف لا يمنع ا. هـ. وهذا إذا بلغ قدر ثلاث أصابع وكأنه لم يقيد به للعلم به، كذا في
الحلية.

٤٣٨
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
وفي المجتبى: إذا بدا قدر ثلاث أصابع من بطانة الخف دون الرجل، قال الفقيه أبو
جعفر: الأصح أنه يجوز المسح عند الكل لأنه كالجورب المنعل ا. هـ.
وفي شرح المنية الكبير بعد كلام طويل قال: علم من هذا أن ما يعمل من الجوخ
يجوز المسح عليه لو كان ثخيناً بحيث يمكن أن يمشي معه فرسخاً من غير تجليد ولا تنعيل،
وإن كان رقيقاً فمع التجليد أو التنعيل، ولو كان كما يزعم بعض الناس أنه لا يجوز المسح
علیه ما لم يستوعب الجلد جميع ما یستر القدم إلى الساق لما كان بينه وبين الکرباس فرق،
وأطال في تحقيق ذلك فراجعه.
تنبيه: يؤخذ من هذا أن من انفتق عنه الخف من بطانة متصلة به لا يشترط فيها أن
تكون ثخيفة بدليل ذكرهم الخرقة؛ فإنها لا تكون غالباً إلا رقيقة.
ويؤخذ منه أيضاً أنه يجوز المسح على المسمى في زماننا بالقلشين إذا خيط فوق
جورب رقيق ساتر وإن لم يكن جلد القلشين واصلاً إلى الكعبين كما هو صريح ما نقلناه عن
شرح المنية .
مَطْلَبٌ في المَسْحِ على الخُفِّ الْحَتَفِيّ القَصير عن الكَعْبَيْنْ إِذَا خِيطَ بالشَّخْشِرِ
ويعلم أيضاً مما نقلناه جواز المسح على الخف الحنفي إذا خيط بما يستر الكعبين
کالسروال المسمى بالشخشير کما قاله سيدي عبد الغني، وله فيه رسالة.
ورأيت رسالة للشارح رحمه الله تعالى ردّ فيها على من قال بالجواز مستنداً في ذلك
إلى أنهم لم يذكروا جواز المسح على الجوربين إذا كانا رقيقين منعلين لاشتراطهم إمكان
السفر(١)، ولا يتأتى في الرقيق.
(١) يجوز المسح على الخفين في الحضر والسفر عند كافة العلماء، وبه قال مالك في الرواية المعتمدة عنه، وعنه،
رواية ثانية أنه يمسح في السفر دون الحضر، وهو الصحيح عنه، ويحتج بأن النبي # والصحابة مسحوا في السفر
دون الحضر، وعنه رواية ثالثة أنه يمسح في الحضر دون السفر عكس الثانية.
والحق ما ذهبنا إليه، ودلیلنا :
أولاً: ما رواه الترمذي والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة عن صفوان بن عسال، رضي الله عنه - قال: كان
رسول الله # يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفراً أن لا نتزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة لكن من غائط وبول
ونوم، وهو يدل على جواز المسح على الخفين في السفر.
وثانياً: حديث حذيفة - رضي الله تعالى عنه قال: كنت مع رسول الله ﴿﴿ فانتهى إلى سباطة قوم، فبال قائماً،
فتوضأ فمسح على خفيه، رواه مسلم، والسباطة ((ملقى القمامة والتراب وغيرهما تكون بين الدور مرفقاً لأهلها))
وفي رواية البيهقي ((سباطة قوم بالمدينة))، وهذا الحديث يدل على جوازه في الحضر.
وثالثاً: حديث علي رضي الله عنه أن النبي # جعل مسح الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة
للمقيم، رواه مسلم أيضاً، وهو يدل على جوازه فيهما. والأحاديث في هذا الباب كثيرة مروية في الصحاح اكتفينا
منها بما ذكرنا لوضوح دلالتها.

٤٣٩
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
(و) الثاني (كونه مشغولاً بالرجل) ليمنع سراية الحدث، فلو واسعاً فمسح على
الزائد ولم يقدّم قدمہ إلیه لم يجز،
والظاهر أنه أراد الرد على سيدي عبد الغني فإنه عاصره، فإنه ولد قبل وفاة الشارح
بثمانية وثلاثين سنة؛ وأنت خبير بالفرق الواضح بين الجورب الرقيق المنعل أسفله بالجلد
وبين الخفّ القصير عن الكعبين المستورين بما اتصل به من الجوخ الرقيق لأنه يمكن فيه
السفر وإن كان قصيراً، بخلاف الجورب المذكور. على أن قول شرح المنية: وإن كان
رقيقاً فمع التجليد أو التفعيل الخ صريح في الجواز على الرقيق المنعل أو المجلد إذا كان
النعل أو الجلد قوياً يمكن السفر به.
ويعلم منه الجواز في مسألة الخف الحنفي المذكورة بالأولى، وقد علمت أن
مذهب السمرقنديين إنما يسلم ضعفه لو كانت اللفافة غير مخروزة وإلا فلا يحمل كلام
السمرقنديين عليه، ويكون حينئذ في المسألة قولان، ولم نر من مشايخ المذهب ترجيح
أحدهما على الآخر، بل وجدنا فروعاً تؤيد قول السمرقنديين كما علمت، وسنذكر ما يؤيده
أيضاً.
ثم رأيت رسالة أخرى لسيدي عبد الغني رد فيها على رسالة الشارح وسماها [الردّ
الوفي على جواب الحصكفي في مسألة الخفّ الحنفي] وحقق فيها ما قاله في رسالته
الأولى المسماة ب(بغية المكتفي في جواز المسح على الخف الحنفي] وبين فيها أن ما
استدل به الشارح في رسالته لا يدل له، لأن التنصيص على الشيء لا ينفي ما عداه، إلى غير
ذلك مما ينبغي مراجعته؛ ولكن لا يخفى أن الورع في الاحتياطي، وإنما الكلام في أصل
الجواز وعدمه، والله تعالى أعلم. قوله: (والثاني كونه) أي كون الخف، والمراد محل
المسح منه كما يفيده التفريع الآتي. قوله: (ولم يقدم قدمه إليه لم يجز) لأنه لما مسح على
= وقد علم مما بينا أن المسح على الخفين في الوضوء بدلاً عن غسل الرجلين جائز، والمراد بالجواز هنا أنه لا يمتنع
شرعاً فعله، ولا يجب ترك الغسل إليه، وليس المراد منه ما يتبادر منه عند الإطلاق الذي هو استواء الطرفين، ((وهما
المسح على الخفين وتركه بغسل الرجلين))، حتى يكون مباحاً، بل هو خلاف الأولى، فحكمه الأصلي من حيث
العدول عن غسل الرجلين أنه خلاف الأولى، فيكون غسل الرجلين أفضل منه، ووافقنا على ذلك أبو حنيفة
ومالك، وبه قال عمر بن الخطاب وابنه- رضي الله عنهما . فيما رواه ابن المنذر عنهما، وأبو أيوب الأنصاري فيما
رواه البيهقي عنه، وقال الشعبي والحكم، وحماد: المسح أفضل. وهو أصح الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى
عنه أن الغسل والمسح سواء، وقال ابن المنذر: والذي أختاره أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع
من الخوارج والروافض، وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه اهـ.
وما ذهبنا إليه هو المختار، ويدلنا أولاً: أن غسل الرجلين هو الأصل، فكان أفضل كالوضوء مع التيمم في موضع
يجوز له فيه التيمم كما إذا وجد في السفر ماء يباع بأكثر من ثمن المثل فله التيمم حينئذ، لكن لو اشتراه والحالة هذه،
وتوضأ كان الوضوء أفضل.

٤٤٠
كتاب الطهارة / باب المسح على الخفين
ولا يضرّ رؤية رجله من أعلاه.
(و) الثالث (كونه مما يمكن متابعة المشي) المعتاد (فيه) فرسخاً فأكثر،
الموضع الخالي من القدم لم يقع المسح في محله وهو ظهر القدم كما يأتي فلم يمنع سراية
الحدث إلى القدم، فلو قدم قدمه إليه ومسح جاز كما في الخلاصة. وفيها أيضاً: ولو أزال
رجله من ذلك الموضع أعاد المسح، ونقله في التجنيس عن أبي عليّ الدقاق. ثم قال:
وفيه نظر ولم یذکر وجهه.
قال ح: وقد ذكر شيخنا السيد (١) رحمه الله تعالى وجهه بقوله: وجه النظر أنهم اعتبروا
خروج أكثر القدم من موضع يمكن المسح عليه، وها هنا وإن خرجت من موضع مسح عليه
لم تخرج من موضع يمكن المسح عليه ا. هـ. قوله: (ولا يضرّ الخ) الأولى ذكره عند
الكلام على الشرط الأول كما فعله في الدرر ونور الإيضاح ليكون إشارة إلى أن المراد ستره
للكعبين من الجوانب لا من الأعلى، ونبه على ذلك الخلاف الإمام أحمد فيه. قال في درر
البحار: وعند أحمد إذا كان الخف واسعاً بحيث يرى الكعب لا يجوز المسح. قوله: (المشي
المعتاد) بأن لا يكون في غاية السرعة ولا في غاية البطء، بل يكون وسطاً. ونظيره ما قالوه
في السير المعتاد في مدة السفر لقصر الصلاة. قوله: (فرسخاً فأكثر) تقدم أن الفرسخ ثلاثة
أميال اثنا عشر ألف خطوة، وعبر في السراج معزياً إلى الإيضاح بمسافة السفر، وبه جزم في
النقاية. وقال القهستاني: أي الشرعي كما هو المتبادر ويدل عليه كلام المحيط، ويخالفه
كلام حاشية الهداية حيث قال: ما يمكن المشي فيه فرسخاً فأكثر ا هـ.
أقول: ويمكن أن يكون محل القولين على اختلاف الحالتين، ففي حالة الإقامة يعتبر
الفرسخ لأن المقيم لا يزيد مشيه عادة في يوم وليلة على هذا المقدار: أي المشي لأجل
وثانياً: أن غسل الرجلين هو الذي واظب عليه النبي # في معظم الأوقات، وتمسك من قال بأن المسح أفضل
أولًا:
بحديث المغيرة - رضي الله عنه - أن النبي ﴿ مسح على الخفين فقلت: ((يا رسول الله نسيت؟ فقال: بل أنت
نسیت. بهذا أمرني ربي)). رواه أبو داود.
وثانياً: بحديث صفوان بن عسال- رضي الله عنه - قال: ((كان رسول الله ﴿ ـ يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفراً أن لا
ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة. الحديث. والأمر فيهما إذا لم يكن للوجوب كان للندب، والجواب
فيهما أن الأمر فيهما للإباحة والترخيص لما ذكرنا، لأن حديث صفوان ورد من رواية النسائي بلفظ: ((أرخص لنا).
وحديث المغيرة فيه تأويل آخر، وهو أن قوله: بهذا أمرني ربي. معناه ((بيان هذا أمرني ربي)) فلا حجة فيه.
وثالثاً: ما تقدم عن ابن المنذر أن أهل البدع من الخوارج والروافض قد طعنوا فيه ((من غير دليل يصلح متمسكاً لهم))
وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه، والجواب عنه أن الكلام مفروض في المسح من حيث
حكمه الأصلي بقطع النظر عما يعرض له من الأحوال التي تكسبه حكماً آخر.
انظر أحكام المسح على الخفين للأستاذ محمد سيد أحمد.
(١) في ط (قوله شيخنا السيد) هو العلامة المحقق السيد علي الضرير السيواسي.