Indexed OCR Text
Pages 141-160
وسقطت جملة (فإذا لم يعطوه ... ) من (ب)، وفيها: (ويطلب ويتجر). ٩٣ - أخبرنا محمد بن علي السمسار أن محمد بن موسى بن مشيش حدثهم أن أبا عبدالله سأله رجل خراساني فقال أحج بلا زاد؟! فقال: لا، اعمل واحترف واخرج، النبي - صلى الله عليه وسلم - قد زوَّد أصحابه، فقال الخراساني: فهؤلاء الذين يغزون ويحجون بلا زاد هم على الخطأ؟! قال: نعم هم على الخطأ . ٩٣ - رواه ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٣٠٢ - ٣٠٣) من طريق المصنّف، وقول أحمد (اعمل واحترف واخرج) كلام واحد ثم بدأت جملة أخرى (النبي - صلى الله عليه وسلم - زود أصحابه) ولم يفهم ذلك صاحب حاشية التلبيس واستشكلها حين جمعها: (وأخرج النبي - صلى الله عليه وسلم -... ) قال صاحب الحاشية: (لعلها حشو) !. وفي هذه المسألة فائدة من حيث إن الخراساني ذاك وهو من عامة الناس - وشأنهم في الفهم متقارب - لم يقنعه قول أبي عبدالله واحتجاجه بالسنة والصحابة فرجع فقال: (وهؤلاء ... ) كأنه يتعجب: (إنهم يغزون ويحجون أفيكونون مع ذلك على الخطأ)، مقالة قديمة ولا تزال في الناس، وإنما الحجة کتاب الله جل وعلا وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهذي خير القرون لا علماء السوء ورهبان الضلالة وأمراء الفتنة. وقد روى ابن الجوزي (٣٠٢) عن محمد بن كثير الصنعاني سأله رجل عن الزّهّاد الذين لا يتزودون ولا ينتعلون ولا يلبسون الخفاف؟ فقال محمد: (سألتنى عن أولاد الشياطين ولم تسألني عن الزهاد)، فقال الرجل: فأي شيء الزهد؟ قال محمد: (التمسك بالسنة والتشبه بأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -). ومحمد روى عن الأوزاعي والثوري وحماد بن سلمة وغيرهم، وقال أبو حاتم الرازي: كان رجلاً صالحاً، وإسناد ابن الجوزي إليه لا بأس به، وانظر في مدح ترك الزاد في السفر وأنه من أعلى مقامات التوكل: إحياء الغزالي (٤٧٥/٩ ٤٨٩ و ٤٩٤) وهكذا الرجل في كتابه هذا وغيره! وقول أحمد: (النبي - صلى الله عليه وسلم - زوّد أصحابه) هو من سننه العملية، ولا يحضرني الأن في ذلك حديث، لكن قال الله - عز وجل -: ﴿وَلَعَل ◌َّيَِّذَا أَوَلَمِعُّتَ لَّ ◌َجِدُ مَعُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ سورة التوبة الآية (٩٢) فقد حمل قوماً وزوّدهم للغزو، وهؤلاء لم يجد ما يحملهم عليه . ١٤١ والحديث (١٠٥) فيه أنه زودهم، لكن إسناده ضعيف. ٩٤ - وأخبرني محمد بن أحمد بن جامع الرازي قال: سمعت أبا معين الحسين بن الحسن الرازي قال: شهدت أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - جاءه رجل من أهل خراسان فقال له: يا أبا عبدالله معي درهم وأراه [قال] أحج بهذا الدرهم. فقال له أحمد: ((اذهب إلى باب الكرخ فاشتر بهذا الدرهم مَنَّا واحمل على رأسك حتی یصیر عندك ثلاثمائة فإذا صار عندك ثلاثمائة فحج قال: يا أبا عبدالله ما ترى مكاسب الناس؟! قال أحمد: انظر إلى هذا الخبيث يريد أن يفسد على الناس معايشهم. قال: يا أبا عبدالله أنا متوكل. قال: فتدخل البادية وحدك أو مع الناس!؟ قال: لا، مع الناس. قال: كذبت لست أنت بمتوكل، فادخل وحدك، وإلا فأنت متوكل على جُرُب الناس)). ٩٤ - رواه ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٣٠٣) من طريق المصنف به، وذكره القرطبي في تفسير آية البقرة (١٩٧): (وتزودوا) عن ابن الجوزي به. والمنّ: هو العسل الحلو الذي ينزل من السماء عفواً بلا علاج، والكمأة من المن لا مؤونة فيها ببذر ولا سقي (النهاية لابن الأثير ٤ / ٣٦٦)، وفي رواية ابن الجوزي: (حباً) بدل: (منّاً) فلعل الناشر غيّرها والله أعلم، وجُرُب: جمع جراب وهو معروف. وهذا يشبه ما يذكر عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لأهل اليمن الذين يحجون بغير زاد ويقولون: متوكلون، فقال: (أنتم المتواكلون)، وذكر البيهقي في الشعب وروى العسكري في الأمثال أنهم قالوا: متوكلون، فقال عمر: (كذبتم إنما المتوكل رجل ألقى حبّه في التراب وتوكل على رب الأرباب) ذكره الدميري في حياة الحيوان (١ / ٦٦٦) ويأتي رقم (١٠٣) هاهنا . والحج لا يجب إلا على القادر عليه لقول الله عز وجل: ﴿وَّ عَلَى النَّاسِمُ الْبَيْتِ مَنْ آَسْتَ طَاعَ إِلَيْهِسَبِيلًا﴾ آل عمران (٩٧) وصح عن جمع من السلف أن السبيل هو الزاد والراحلة، بل وصح مرفوعاً، وقول أحمد - رحمه الله -: (ثلاثمائة) كأنه يذهب فيه إلى ما ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه قال: (من ملك ثلاثمائة درهم وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الإماء). رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤ / ٩١) وأحمد في مسائل ١٤٢ أبي داود (٩٧) عن وكيع عن عمران بن جبير عن النزال بن عمار عن ابن عباس به، كذا في المصنف والصحيح عمران بن حدير، وهو ثقة، والإسناد صحيح لولا مكانة النزال فقد أشار البخاري وابن حبان إلى أنه لم يسمع من ابن عباس، وقد رواه الطبري في تفسيره من طريق أبي عبدالله البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ( ... درهم فهو السبيل إليه). ورواه سعيد بن منصور باللفظ الأول (القرى لقاصد أم القرى ص ٦٦)، وقال أبو داود: (سمعته (يعني أحمد) قال: تكلم بهذا ابن عباس بالبصرة يعني أن الأمصار تختلف في هذا لبعد المسافة وقربها). وفي ذكر الخمسمائة ونحوها انظر: مسائل عبدالله (١٩٧)، وشرح العمدة لابن تيمية (١ / ٢٠٤ و ٢٠٦). وقول أحمد - رحمه الله -: (فادخل وحدك) لا يفهم عنه إباحته دخول البادية وحده لمن يدعي التوكل فهذا أسلوب عربي معروف كقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((جف القلم بما أنت لاق فاختصٍ على ذلك أو ذر)». صحيح علقه البخاري في النكاح من صحيحه ووصله غيره (فتح الباري ٩/ ١١٧ - ١٢٠) وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن الاختصاء . فقول أحمد: (فادخل وحدك) لیس فيه أنه یری جواز ذلك، فقد قال فيما رواه إسحاق في مسائله (١٧٦/٢) وذكره عنه ابن الجوزي في التلبيس (٢٩٨): قال أحمد: (ما السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين). وذكر ابن الجوزي عقب ذلك الأحاديث الصحيحة في النهي عن سفر المرء وحده، وما لبسه إبليس على الصوفية في دخول المفازة بغير زاد، فراجعه فإنه مهم، ويقع في مخالفته كثير من الناس خاصة سفر الوحدة. في (ب) و(ظ): (محمد بن أحمد بن جامع)، وفي (ب): (الحسين بن الحسين .. مكتلاً .. جربات) بدل: (الحسين بن الحسن .. مناً .. جرب). ٩٥ - أخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبدالله بن صدقة قال: ثنا إسحاق بن داود بن صبيح قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: يا أبا سعيد إن ببلدنا قوماً من هؤلاء الصوفية. قال: لا تقرب هؤلاء فإنا قد رأينا من هؤلاء قوماً: ١٤٣ فبعضهم أخرجهم الأمر إلى الجنون، وبعضهم أخرجهم إلى الزندقة. ثم قال: خرج سفيان الثوري في سفر فشيعته فكان معه سفرة فيها الفالوذج، وكان فيها حَملٌ. ٩٥ - حسن، رواه ابن الجوزي في التلبيس (٢١٥) من طريق المصنّف به، وأحمد ثقة، وإسحاق ترجم له الخطيب وغيره فلم يذكروا روايته عن ابن مهدي فتُستدرك من هاهنا، وذكروا أن ابن منده قال فيه: (يروي مناكير) لم يذكروا غير هذا، وينظر في مثل هذه الرواية، على أنها قد وردت بنحوها عن المصنّف من طريق آخر . قال ابن بطة في الإبانة (٤٦٢): [أخبرني أبو القاسم القصباني ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون ثني علي بن الحسين بن هارون ثني محمد بن هارون ثنا سويد قال: سمعت عبدالرحمن بن مهدي وذكر الصوفية فقال: (لا تجالسوهم ولا أصحاب الكلام، عليكم بأصحاب القماطر فإنما هم بمنزلة المعادن مثل الغواص: هذا يُخرج درّة وهذا يخرج قطعة ذهب)]. وأبو بكر هو الخلال، وأصحاب القماطر هم أصحاب الحديث. وقول ابن مهدي حقيق أن تتأمله، ومن شاء طالع أحوال القوم ونظر في كتاب: (تلبيس إبليس) لابن الجوزي، ولن تجده بعد ذلك - إن كان منصفاً لازائغاً - إلا يقول قولة ابن مهدي الإمام الخبير بالسُّنَّة وبأحوال الرجال، - رحمه الله تعالى -. وقد فصّلت وجوه ذلك في كتابي: ((شُعَب النفاق)) يسَّر الله إتمامه. ٩٦ - أخبرنا طالب بن قرة الأذني ثنا محمد بن عيسى ثنا ابن المبارك قال: ما رأيت أحداً منهم عاقلاً ((يعني الصوفيين)). ٩٦ - طالب لم أجد من ترجمه إلا ابن أبي يعلى في الطبقات (١ / ١٧٩) وعنده (ابن حرة)، ولم يذكر فيه ما يستدل لحاله، وهو من أصحاب أحمد بن حنبل - رحمه الله -، ومحمد بن عيسى هو ابن الطباع ثقة ثبت. وعبدالله بن المبارك هو الإمام العالم الورع المجاهد. وقد روى أبو نعيم في الحلية (٩/ ١٤٢) عن محمد بن إدريس الشافعي الإمام المشهور قال: (لو أن رجلاً عاقلاً تصوف لم يأت الظهر حتى يصير أحمق). ١٤٤ ٩٧ - أخبرنا إسحاق بن سيار النصيبي حدثني عبدالملك بن زياد النصيبي قال: كنا عند مالك فذكرت له صوفیین في بلادنا فقلت له: يلبسون فواخر ثياب اليمن ويفعلون كذا. قال: فقال لي: ويحك أو مسلمون هم!؟ قال: فضحك حتى استلقى قال: فقال لي بعض جلسائه: يا هذا ما رأينا أعظم فتنة على هذا الشيخ منك ما رأيناه ضاحكاً قط. ٩٧ - إسحاق لم أجده ويراجع في كتب طبقات المالكية ولم أجده في طبقات القاضي عياض، وعبدالملك ذكره في الميزان (٢ / ٦٥٥) فلم يزد على ذكر روايته عن أحمد بن عبدالله الشاشي والنقل عن الأزدي بأنه غير ثقة، وزاد في اللسان (٤ / ٦٤) عن ابن حبان أنه: (مستقيم الحديث يغرب عن مالك). قلت: قول الأزدي غير مسلّم في الجرح، وقول ابن حبان في التوثيق لا بأس به في غیر المجهولين، وعبدالملك معروف، وإغرابه لعله في المسند لا في مثل بابنا هذا، والله أعلم. ٩٨ - أخبرنا أحمد بن منصور ثنا عبد الرزاق ثنا ابن عيينة عن عبدالملك عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾ قال: هو الكعك والتمر. ٩٨ - إسناده صحيح، وعبدالملك هو ابن سعيد بن حيان بن أبجر، والشعبي عامر بن شراحيل تابعي إمام كبير القدر. والآية من سورة البقرة (١٩٧). وقال صاحب الدر المنثور في تفسيرها (١ / ٥٣٢): (أخرج وكيع وسفيان بن عيينة وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الشعبي قال: (وتزودوا) قال: الطعام: التمر والسويق). قلت: ويراجع تفسير عبدالرزاق فهو فيه، وهؤلاء أخرجوه في تفاسيرهم. ٩٩ - حدثنا أحمد ثنا عبدالرزاق ثنا ابن عيينة عن محمد بن سوقة عن عكرمة ح وحدثنا أحمد ثنا أبو نعيم عن الثوري عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير في قوله ﴿ وَتَزَوَّدُواْ ﴾ قال: الكعك والسويق. ٩٩ - إسناده صحيح، ويأتي عن عكرمة في سبب نزول الآية، وقد ورد من طريقين ١٤٥ وبألفاظ عن سعيد بن جبير: أ - رواه وكيع في تفسيره قال: حدثنا الثوري عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير: (وتزودوا) قال: (الخشكنانج والسويق) ذكره ابن كثير في تفسير الآية (١٩٧) من سورة البقرة. وزاد في الدر المنثور (١ / ٥٣٢) نسبة هذا اللفظ إلى رواية ابن أبي شيبة، ورواه الثوري في تفسيره (ص ٦٤) ثنا محمد به ولفظه: (السويق والدقيق والكعك). ب - وفي الدر (١ / ٥٣٢) قال: [أخرج سفيان بن عيينة عن سعيد بن جبير: (وتزودوا) قال: هو الكعك والزيت]. فهاك طريقي الرواية عن سعيد، ويراجع تفسير عبدالرزاق فهو فيه. وقد روي في تفسير الزاد ما هو؟ عن ابن عمر قال: (أمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق). رواه الطبري وابن مردويه (ابن كثير ١ / ٣٤٨ ط الشعب) من طريق عمرو بن عبدالغفار وأظنه الفقيمي وهو متهم. وأحمد هو ابن منصور الرمادي . ١٠٠ - أخبرنا أحمد ثنا عبدالرزاق ثنا عمر بن ذر قال: سمعت مجاهداً قال: كانوا يحجون ولا يتزودون فرخص لهم في الزاد فأنزل: ﴿ وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾. ١٠٠ - إسناده صحيح، وقد ثبت ذلك في سبب نزول الآية عن جمع من الصحابة والتابعين تأتي أسانيدهم، ورواه المصنّف في الرابع بعد المائة من طريق آخر عن مجاهد. وفي (ب): (حدثنا أحمد). وفي المنشورة (زر). وأحمد هو ابن منصور الرمادي. ١٠١ - حدثنا أحمد ثنا عبدالرزاق ثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: كانوا يحجون بغير زاد فأمروا أن يتزودوا وقال (خير الزاد التقوى). ١٠١ - إسناده صحيح، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن محمد بن عبدالله بن يزيد ١٤٦ المقرىء عن سفيان به، والطبري من طريق عمرو الفلاس عن سفيان به، ورواه سفيان بن عيينة في تفسيره وابن أبي شيبة به (الدر ١ / ٥٣١). لكن: رواه النسائي في التفسير أنبأ سعيد بن عبدالرحمن المخزومي ثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس، وسعيد ثقة، فإما أن يكون ابن عيينة يرويه بالوجهين، وإما أن يكون قد وهم سعيد في مقابلة الآخرين الذين أوقفوه على عكرمة. لكنه: قد صح من غير طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس - ويأتي في الثالث بعد المائة - وقد رجح ابن أبي حاتم وقفه على عكرمة. والصحيح وصله بذکر ابن عباس، والوصل زيادة ثقة. ١٠٢ - أخبرنا الحسين بن أحمد الكرماني ثنا أبو بكر ثنا سويد بن عمرو الكناني عن أبي عوانة عن مغيرة عن إبراهيم ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ قال: كان ناس من العرب إذا حجوا فبلغوا ثنية أو عقبة لم يتزودوا وتركوا الزاد، وقالوا: نتوكل فأمروا أن يتزودوا. ١٠٢ - لم يزد في الدر (١ / ٥٣١) على نسبته للطبري. وإبراهيم هو ابن يزيد. النخعي . في (ب): (الحسين بن أحمد)، وفي (ظ): (الحسن). ١٠٣ - أخبرنا الحسين ثنا أبو بكر ثنا شبابة ثنا ورقاء عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن متوكلون فيحجون فيأتون إلى مكة فيسألون الناس فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾. ١٠٣ - صحيح، رواه ابن الجوزي في التلبيس (٣٠٢) بإسناده إلى المصنف به. وقد رواه البخاري وأبو داود وعبد بن حميد والبيهقي في السنن (٤ /٣٣٢) وفي الشعب (١ / ٢/١٠٥) وابن حبان في صحيحه من طرق عن شبابة عن ورقاء عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس (ابن كثير ١ / ٣٤٨). ١٤٧ وقد روي من طريق آخر عن ابن عباس: رواه ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عنه (الدر ١ / ٥٣١) وإسناده ضعيف. وروى ابن أبي الدنيا في التوكل (رقم ١١) عن معاوية بن قرة أن عمر بن الخطاب لقي ناساً من أهل اليمن فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، فقال: (بل أنتم المتكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبة في الأرض ويتوكل على الله). وإسناده ضعيف، ورواه العسكري في الأمثال، وعلّقه البيهقي في شعب الإيمان (١ / ١٠٦/ ٢) قال: (وروي عن معاوية بن قرة ... )، وسبق له ذكر هاهنا في (٩٤)، وقال البيهقي عقبه: (وقوله: (المتكلون) يعني على أموال الناس). وكذلك ورد ذكر هذا السبب لنزول الآية: ١ - عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وفي الإسناد إليه ضعف، رواه الطبري وابن مردويه (ابن كثير ١ / ٣٤٨). ٢ - عن ابن الزبير قال: كان الناس يتوكل بعضهم على بعض في الزاد فأمرهم الله - عز وجل - أن يتزودوا. رواه الطبراني بإسناد ضعيف (مجمع الزوائد ٦/ ٣١٨)، ووقع في الدر (١ / ٥٣١) (عن الزبير) وهو غلط يستدرك من مجمع الزوائد. ٣ - عن قتادة قال: كان أناس من أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، فأمرهم الله بالزاد والنفقة في سبيل الله. رواه عبد بن حميد (الدر ١ / ٥٣١). وسبق في سبب النزول عن: ١ - مجاهد. ٢ - عكرمة. ٣ - إبراهيم النخعي. قلت: ولعل في هذه الآية وتفسيرها مع ما صح في ذم المسألة (سؤال الناس) ما يرد ما يفعله هؤلاء الحجاج - بزعمهم - الذين يتكففون الناس يوم عرفة، وهو يوم لا يُسأل فيه غير الله - عز وجل - فإنهم حتى لو كانوا في حاجة فما الذي جاء بهم إلى الحج بغير زاد!؟ ولكن الذي لا يستحي من الله - عز وجل - لا يستحي من الناس، والله المستعان. وكذلك ففيه الرد الصريح على هؤلاء الصوفية الذين ابتدعوا - وما أكثر ما ابتدعوا بل ١٤٨ ما أقل ما اتبعوا - معنى للتوكل غير ما في الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة. وقد سئل سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى - عن قوم يلبسون الشعر ويحجون ولا يتزودون ويزعمون أن من حمل الزاد فليس بمؤمن، فقال: (كذبوا، هؤلاء أعداء السنّة، لا تجالسوهم ولا تحدّثوهم). رواه ابن حبان في الثقات (٨ / ٢٦٩) وإسناده صحيح، وقول السائل: (يلبسون الشعر) فكأنهم الصوفية فهذا لباسهم وهذا اعتقادهم، وانظر قبائحهم في ترك الزاد بدعوى التوكل في تلبيس إبليس (٢٩٩ - ٣٠٣). وفي (ب): (فیتکالون) بدل (فيسألون). ١٠٤ - أخبرنا عبدالرحمن بن عبدالله بن الحكم ثنا محمد بن عمرو بن العباس الباهلي ثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قال: كان أهل الآفات يخرجون في الحج يتوصلون بالناس بغير زاد قامروا أن يتزودوا. ١٠٤ - هو في تفسير مجاهد (١ / ١٠٣) وكله من طريق آدم بن أبي إياس عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد به. وعند الطبري من هذا الطريق. وقد سبق في (المائة) من رواية عمر بن ذر. وقد رواه سفيان الثوري في تفسيره (ص ٦٤) عن عمرو عن مجاهد قال: (كانوا لا يتزودن فأمروا أن يتزودوا، وكانوا لا يركبون فأمروا أن يركبوا). فهذه طرق ثلاثة صحيحة عن مجاهد، على الخلاف المعروف في اتصال رواية ابن أبي نجیح عنه. وفي (ب): (یتوکالون) بدل (يتوصلون). ١٠٥ - أخبرنا أحمد بن يحيى بن عطاء بن مسلم الحراني الباهلي ثنا المغيرة بن سقلاب ثنا عبدالعزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث جيشاً فيهم رجل يقال له حدير وكانت تلك السنة قد أصابتهم شدة من قلة الطعام فزودهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونسي ١٤٩ أن يزود حديراً قال: فخرج حدير صابراً محتسباً. قال: وهو آخرُ الركب يقول: لا إله إلا الله والله أكبر والحمدلله وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويقول: نِعْم الزاد هو يا رب. قال: وهو يرددها وهو في آخر الركب. قال فجاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: إن ربي أرسلني إليك يخبر أنك زودت أصحابك ونسيت أن تزوِّد حديراً وهو في آخر الركب يقول: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ويقول: نِعْم الزاد هو يا رب. قال: فكلامه ذلك له نور يوم القيامة ما بين السماء والأرض فابعث إليه بزاد فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً فدفع إليه زاد حدير وأمره إذا انتهى إليه حفظ عليه ما يقول، وإذا دفع إليه الزاد حفظ عليه ما يقول، ويقول له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرئك السلام ورحمة الله ويخبرك أنه كان نسي أن يزودك، وأن ربي تبارك وتعالى أرسل إليَّ جبريل فذكَّرني بك فذكره جبريل وأعلمه مكانك قال: فانتهى إليه وهو يقول: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ويقول نِعْم الزاد هذا يا رب. قال: فدنا منه ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرئك السلام ورحمة الله وقد أرسلني إليك بزاد معي، ويقول: إني إنما نسيتك فأرسل إليَّ جبريل من السماء يذكّرني بك. قال: فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: الحمدلله رب العالمين، ذکر ني ربي من فوق سبع سماوات ومن فوق عرشه، ورحم ضعفي وجوعي، يا رب كما لم تنس حديراً، فاجعل حديراً لا ينساك. قال: فحفظ الرجل ما قال، فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما سمع منه حين أتاه وبما قال حين أخبره. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أما إنك لو رفعت رأسك إلى السماء لرأيت لكلامه ذلك نوراً ساطعاً ما بين السماء والأرض)). ١٠٥ - ١ - ضعيف، رواه ابن مندة وأبو نعيم في (معرفة الصحابة) لهما من طريق المغيرة به (الإصابة ١ / ٣١٧ والتجريد للذهبي ١٢٤/١). والمغيرة ضعّفه الدارقطني وابن عدي ١٥٠ ولم يصب من وثقه (الميزان ٤/ ١٦٣ واللسان ٦/ ٢٨٢ - ٢٨٣) ولذلك اعتمد الذهبي في المغني (٢ / ٦٧٢) قول من ضعّفه، وعبد العزيز فيه مقال من جهة ضبطه . ٢ - قال العراقي في المغني: (لم أجد له أصلاً إلا في حديث ضعيف من حديث ابن عمر رواه ابن منده في الصحابة وسمَّى الرجل حديراً، وقد رويناه من طريق البيهقي أنه وصل لحدير من أبي الدرداء أشياء فقال: اللهم إنك لم تنس حديراً فاجعل حديراً لا ينساك، وقيل: إن هذا آخر لا صحبة له يكنى أبا بردة، وقد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وذكره في الصحابة أبو أحمد الحاكم وابن عبدالبر .. ) (إتحاف المتقين ٤/ ١٣٠ - ١٣١). قلت: قصته مع أبي الدرداء رواها ابن الأثير في الصحابة (أُسْد الغابة ٣٨٨/١) ونسبها كذلك إلى ابن منده وأبي نعيم، وإسنادها منقطع. ٣ - والحديث علقه ابن الجوزي في صفة الصفوة (١ / ٣١٢)، وذكره ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق (٦/ ٢٤٥). ٤ - ومراد المصنف - رحمه الله - من إيراد الحديث بيان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - کان یزوّد أصحابه في سفرهم، وأنه لا یسافر أحد بدون زاد. [الحجة على الذين يزعمون أنهم يتوكلون فيتركون العمل] ١٠٦ - أخبرنا أبو بكر المروزي قال: قلت لأبي عبدالله: هؤلاء المتوكلة الذين لا يتجرون ولا يعملون يحتجون بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - زوَّج على سورة من القرآن فهل كان معه شيء من الدنيا!؟ قال: وما علمهم أنه كان لا يعمل. قال: قلت: يقولون: نقعد وأرزاقنا على الله عزَّ وجلَّ. قال: ذا قول رديء خبيث، الله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾. فإيش هذا إلا البيع والشراء. ١٠٦ - رواه ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٢٨٤) من طريق المصنّف بلفظ: هؤلاء المتوكلة يقولون: نقعد .. هذا قول رديء، أليس قد قال الله تعالى: ﴿إِذَانُودِيَ لِلصَّلَوْهُ﴾ الآية)، لم يذكر أوله ولا آخره. والآيات من سورة الجمعة (٩ - ١٠). ١٥١ وفي ذم القعود في البيت عن الکسب: ° روى ابن الجوزي (٢٨٣ - ٢٨٤) من طريق أبي القاسم بن الختلي قال: سألت أحمد بن حنبل وقلت: ما تقول في رجل جلس في بيته أو في مسجده وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي، فقال أحمد: (هذا رجل جهل العلم، أما سمعت قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((جعل الله رزقي تحت ظل رمحي)) وحديثه الآخر في ذكر الطير تغدو خماصاً: فذكر أنها تغدو في طلب الرزق، قال تعالى: ﴿ وَاخْرُونَ يَضْرِبُونَ فِآلْأَرْضِبَّغُونَ مِنْ فَضْلِ لّهِ﴾، وقال: ﴿ لَيْتَ عَلَيُّْ جُنَّاُ أَن ◌َبْتُو فَضْلًا مِنََّكُمْ﴾، وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم، ولنا القدوة بهم). وفي إسناده مقال، وحديث الرمح صحيح، رواه أحمد في المسند وابن المبارك في الجهاد (١١٦) وله شاهد من مرسل مكحول بنحوه عند يحيى بن آدم في الخراج (٢٥٥). ولابن رجب رسالة في شرحه، وحديث: ((لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير .. )) صحيح رواه أحمد والترمذي وغيرهما (الصحيحة ٣١٠) و(إتحاف المتقين ٤١٩/٥)، وابن أبي الدنيا في التوكل (١ و٢)، والأصبهاني في الترغيب (١/٨٤)، والبيهقي في الآداب (٤٥٨) وشعب الإيمان (١/١٠٤/١) والقضاعي في الشهاب (٣١٩/٢). وآية: ﴿ وَدَاخْرُونَ يَضْرِبُونَ﴾ من سورة المزمل (٢٠)، وآية: ﴿لَيْتَ غَيْكُ بْحَامُ﴾ من سورة البقرة (١٩٨). 0 روی ابن الجوزي (٢٨٤ _ ٢٨٥) من طريق الخلال عن المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن رجل جلس في بيته وقال: أجلس وأصبر وأقعد في البيت ولا أُطلع على ذلك أحداً، فقال: (لو خرج فاحترف كان أحب إليّ، فإذا جلس خفتُ أن يخرجه جلوسه إلى غير هذا) قال المروزي: قلت: إلى أي شيء يخرجه؟ قال أحمد: (يخرجه إلى أن يتوقع أن يُرْسَل إليه). وسبق في التاسع والعشرين عن فضيل بن عياض في هذه المسألة، وهي كذلك مبسوطة في كتابي الكبير: الصحبة في الغربة. والأثر الذي ذكره المصنف فيه احتجاج الصوفية بحديث ((زوجتكها بما معك من القرآن» هذا الحديث صحيح رواه البخاري في مواضع كثيرة من صحيحه في كتاب النكاح وغيره ومسلم في النكاح من صحيحه وانظر تخريج ابن حجر له (الفتح ٩/ ٢٠٥)، وقولهم: (على سورة من القرآن) كذا والصحيح أنها سور (الفتح ٩/ ٢٠٨)، واحتجاجهم ١٥٢ بالحديث رده أحمد بقوله: ((وما علمهم أنه كان لا يعمل))، وقال صاحب الفتح (٩/ ٢١٦): (وتعقب باحتمال أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - اطّلع من حال الرجل على أنه يقدر علی اکتساب قوته وقوت امرأته، ولا سيما مع ما كان علیه أهل ذلك العصر من قلة الشيء والقناعة باليسير). وقال أحمد: (ومن حرم المكاسب والتجارات وطيب المال من وجهه جهل وأخطأ وخالف، بل المكاسب من وجهها حلال، فقد أحلها الله عز وجل ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فالرجل ينبغي له أن يسعى على نفسه وعياله من فضل ربه، فإن ترك ذلك على أنه لا يرى الكسب فهو مخالف) (طبقات الحنابلة ١/ ٣٠ - ٣١). ١٠٧ - حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث الحمصي ثنا يحيى بن صالح ثنا محمد بن عمرو المخزومي ثنا عبدالله بن بسر المازني أنه كان إذا صلى الجمعة خرج إلى السوق يتأول هذه الآية: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِي الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية. ١٠٧ - بُسر - بضم الباء وإسكان السين، وعبدالله - رضي الله عنه - من آخر الصحابة موتاً، وقد قال في الدر المنثور (٨ / ١٦٤) في آية الجمعة (١٠): (أخرج أبو عبيد وابن المنذر والطبراني وابن مردوَيُّه عن عبدالله بن بسر الحراني قال: رأيت عبدالله بن بسر المازني صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الجمعة خرج فدار في السوق ساعة، ثم رجع إلى المسجد، فصلى ما شاء الله أن يصلي، فقيل له: لأي شيء تصنع هذا؟ قال: (لأني رأيت سيد المرسلين هكذا يصنع) وتلا هذه الآية: ﴿فَإِذَا قُفِيَتِ الصَّلَوَةُ وَشِرُوْ فِ الْأَرْضِ وَآلَغُوا مِن فَضْلِ اللَِّ﴾). وفي المطبوعة (بشر) والصحيح بالسين المهملة. ولم أجد الأثرين في ترجمته من الإصابة والاستيعاب وتاريخ ابن عساكر، ومجمع الزوائد/ التفسير، وقوله: (أبو عبيد) هو في فضائل القرآن، (وابن المنذر وابن مردويه) في تفاسيرهم . وروى ابن أبي حاتم في تفسيره من عراك بن مالك - وهو تابعي - أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: (اللهم أجبتُ دعوتك، وصليتُ فريضتك، ١٥٣ وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين). ذكره ابن كثير في تفسير الآية (٧ / ١٤٩ / ط الشعب). ١٠٨ - وأخبرنا المروزي قال: قلت لأبي عبدالله: إن قوماً كانوا بمكة في مسجد فجاءهم رجل فقال: قوموا خذوا هذا اللحم فقالوا: لا أو تذهب فتشويه وتجيء به. فقال: أما الساعة فقد أمر بالعمل، ثم قال: إذا قال لا أعمل فجيء إليه بشيء مما قد عمل واكتسبوه لأي شيء يقبله؟! قلت: يقول هذا رزقي! قال: هو يقبل ممن يعمل، كان علي بن أبي طالب عليه السلام یعمل حتى تذبر يده وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعملون. ١٠٨ - رواه ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٢٨٤) من طريق المصنف فخلطه مع السادس بعد المائة ولم يذكر من لفظه إلا قوله: (إذا قال: لا أعمل وجيء إليه بشيء قد عُمل واكُتُسب، لأي شيء يقبله من غيره!؟). وقول أحمد فيه لطف، يعني أنه إذا كان الصوفي لا يرى العمل والتكسب فلأي شيء يأكل من عمل وتكسب غيره!؟ ثم ذكر - رحمه الله تعالى - الحجة عليهم بخير قرون هذه الأمة، وبدأ بذكر علي - رضي الله عنه - لأن الصوفية انتسبوا إليه كالشيعة وهو منهم بريء. وقوله: (كان يعمل حتى تذبر يده) لم أجده ولا لقوله: (تذبر) ذكر في كتب الغريب، لكن قال علي - رضي الله عنه -: (جعت مرة بالمدينة جوعاً شديداً فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة من الأنصار قد جمعت مدراً تريد بلَّه فأتيتها فقاطعتها كل ذنوب على تمرة فمددت ستة عشر ذنوباً حتى مجلت يداي ... ). رواه أبو نعيم في الحلية (١ / ٧٠ - ٧١) وإسناده صحيح، ورواه البيهقي في سننه (٦ / ١١٩ - ١٢٠) وأحمد في المسند (١ / ٩٠) وفي الزهد (١٣١) وغيرهم دون موضع الشاهد منه وهو قوله: (مجلت يداي) قال ابن الأثير في النهاية (٤ / ٣٠٠): (مجلت يده تمجل مجلًا - بفتح الميم وفتح الجيم أو كسرها - إذا ثخن جلدها وتعَّجر وظهر فيه ما يشبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة)، والذنوب بفتح الذال: الدلو الملأى. وقول أحمد: (كان الصحابة يعملون) هذا شيء مستفيض مشهور، وانظر السادس بعد ١٥٤ المائة، وقد ساق ابن الجوزي في التلبيس (٢٨٢) حرف بعض الصحابة وأعمالهم، وروى (٢٨٣) عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - یتجرون في تجر الشام منهم طلحة بن عبيدالله وسعید بن زيد. وإسناده لا بأس به لولا عنعنة قتادة وهو مدلس. فكان من الصحابة: التاجر والحارث في الأرض والذي يحمل على ظهره والخياط والصانع الذي يصنع بيده. وفي (ب): (قد أمروا) بدل (فقد أمر) .. وروى مسلم في صحيحه (الجمعة / وجوب غسل الجمعة / ٨٤٧) من حديث عائشة قالت: (كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاة .. )، ورواه البخاري (البيوع/ كسب الرجل / ٢٠٧١) بلفظ: (كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمال أنفسهم). وفي حديث تطويل معاذ الصلاة: (ونحن نعمل بأيدينا) وهو حديث متفق عليه . وفي حديث أبي هريرة قال: (وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم) وهو في مستخرجي على السبعيات. وروى البيهقي في شعب الإيمان (١ / ١٠٩ / ١) بإسناد محتمل أن عبدالله بن المبارك - رحمه الله تعالى - قيل له: (لو تعبد الناس لآتاهم الله الرزق) فقال عبدالله: (يُعْرَف هذا، إن الله ابتلى الناس بالمعاش فقال: ﴿ وَدَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ في آلْأَرْضِبَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ وقد كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوم لهم أموال: وأبو أيوب له حائط كذا وكذا، وفلان، وفلان، وآخرون ليس لهم كثير شيء من المهاجرين والأنصار فلم يضيِّقْ عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم-، ولم يأمرهم أن يُمسكوا قُوت ليلة ويتصدقوا بالبقية، ولكن أمرهم بالصدقة وموضع الفضل ... ). ومن النوادر في ذم العمل: ما ذكره الذهبي - رحمه الله - في السير (١١ / ٣٦٥ - ٣٦٦): [قال أبو حاتم البُستي في مقدمة كتاب ((الضعفاء)): أخبرنا محمد بن عمر بن محمد الَمَذاني، حدثنا أبو يحيى المُستملي، حدثنا أبو جعفر الجَوْزَجاني، حدثني أبو عبد الله ١٥٥ البصري، قال: أتيتُ إسحاق بن راهويه، فسألتهُ شيئاً، فقال: صنع الله لك. قلت: لم أسألك صُنع الله، إنما سألتك صَدَقَة، فقال: لَطَفَ الله لك، قلت: لم أسألك لُطَف الله، إنما سألتُك صدقة. فغضب وقال: الصدقة لا تَحلُّ لك. قلت: ولم؟ قال: لأن جريراً حدثنا عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا ◌َحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، ولاَ لِذِي مِرَّةَ سَوِيّ)). فقلت: تَرَفَّقْ، يرحمك الله، فمعي حديث في كراهية العمل. قال إسحاق: وما هو؟ قلتُ: حدثني أبو عبدالله الصادقُ الناطق، عن أفشين، عن إيتاخ، عن سِيماء الصغير، عن عُجيف بن عنبسة، عن زُغُلُمُج بن أمير المؤمنين، أنه قال: العمل شؤم، وتركه خير، تقعد تَمَنَّى خيرٌ من أن تعمل تَعَنَّى. فضحك إسحاق، وذهب غضبهُ. وقال: زِدنا. فقلت: وحدثنا الصادق الناطق بإسناده عن عُجيف، قال: قعد زغلُمُج في جلسائه، فقال: أخبروني بأعقل الناس، فأخبر كُلُّ واحد بما عنده، فقال: لم تُصيبوا. بل أعقل الناس الذي لا يعمل، لأن من العمل يجيء التعب، ومن التعب يجيء المرضُ، ومن المرض يجيء الموتُ، ومن عمل فقد أعان على نفسه. والله يقول: ﴿وَلَغُْ أَشَْكَّمُ﴾ النساءِ (٢٩) فقال: زدنا من حديثك. فقال: وحدثني أبو عبدالله الصادق الناطق بإسناده عن زُغلُمُج، قال: من أطعم أخاه شِواءً، غفر الله له عدد النوى، ومن أطعم أخاه هريسة، غفر له مثل الكنيسة، ومن أطعم أخاه جنباً، غفر الله له كل ذنب. فضحك إسحاق، وأمر له بدرهمين ورغيفين. أوردها ابن حبان، ولم يُضعفها]. ١٠٩ - أخبرنا عبدالله بن أحمد قال: سألت أبي عن قوم يقولون: نتكل على الله ولا نكتسب، فقال: ((ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله - عزَّ وجلَّ - ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب، قال الله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾، فبهذا قد عُلم أنهم يكتسبون ويعملون. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من عال ابنتين أو ثلاثة فله الجنة)). يعني من قال بخلاف هذا، هذا قول إنسان أحمق. قال: وسمعت أبي - رحمه الله - يقول: الاستغناء عن الناس بطلب - يعني العمل - أعجب إلينا من الجلوس وانتظار ما في أيدي الناس. ١٠٩ - رواه ابن الجوزي في التلبيس (٢٨٤) من طريق المصنف به، وفيه: (يقولون: نتوكل.) ١٥٦ إلى (بالكسب) ولم يذكر بقيته إلا قوله: (هذا قول إنسان أحمق). وهو في مسائل عبدالله بن أحمد (٤٤٨) به مثله، إلا أنه لم يذكر الملحق به (الاستغناء عن الناس .. ). واستدلاله - رحمه الله - بالآية استدلال لطيف، ولا تضاد بين التوكل والتكسب كما سبق بيانه وانظر مثلاً الثالث بعد المائة. والحديث رواه أحمد (٣/ ١٤٧ - ١٤٨) وابن حبان (٢٠٤٥) عن أنس ولفظه: (من عال ابنتین أو ثلاث بنات أو أختين أو ثلاث أخوات حتى يمتن - في رواية: يبلغن - أو يموت عنهن كنت أنا وهو كهاتين) وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى. وإسناده صحيح، ورواه مسلم في البر من صحيحه (٢٦٣١) عن أنس بلفظ: ((من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو)) وضم أصابعه، وله ألفاظ أخر (مجمع الزوائد ٨/ ١٧٥) والصحيحة (٢٩٤ - ٢٩٧) وتاريخ بغداد (١١ / ٨١ و٣١٦/٨). ومراد أبي عبدالله - رحمه الله - من ذكر هذا الحديث بيان فضل التكسب وإعالة الأولاد. وانظر الأثر الرابع في الاستغناء عن الناس. ١١٠ - وأخبرني محمد بن يحيى الكحال أن أبا عبدالله - رحمه الله - قال: يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم)). قلت: الحنث هو الحلم؟ قال: نعم. ١١٠ - رواه البخاري في الجنائز من صحيحه (١٢٤٨) عن أنس ولفظه: ((ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)). ورواه مسلم في البر من صحيحه (٢٦٣٤) عن أبي هريرة بنحوه وفيه: ((أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا كانوا لها حجاباً من النار)). وعلقه البخاري في صحيحه (١٢٥٠). ورواه البخاري (١٢٥١) ومسلم (٢٦٣٢) وعبدالرزاق (٢٠١٣٩) عن أبي هريرة واللفظ للبخاري: ((لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلّة القسم)» وفي لفظ ١٥٧ مسلم: ((فتمسه النار)). وقد خرجه ابن حجر في الفتح (٣/ ١١٩). وتفسير الحنث بالبلوغ هو الصحيح (الفتح ٣/ ١٢٠) والحنث بكسر الحاء وسكون النون، وقوله (تحلة القسم) فسرها البخاري - رحمه الله تعالى - بآية: ﴿وَإِنْ قِنْكُإِلَّ وَارِدُهَا﴾ (٧١) من سورة مريم. وانظر في تفسير الآية ابن كثير والطبري، والفتح (٣/ ١٢٣ - ١٢٤). ومناسبة إيراد المصنّف هذا الأثر عن أحمد في ذلك الحديث الحث على التزوج وطلب الذرية لما في ذلك من الفضل إن عالهم فبلغوا (سبق في الأثر القريب) وإن ماتوا قبل البلوغ (هذا الأثر). ومن مثل هذا التفطن يفهم منهج أهل الحديث في مصنفاتهم، وقليل من يفهم، ويندر من يتعلم، بل لا يعجبهم إلا تحبير المقالات وإنشاء العبارات. والله المستعان، ولهذا بسط في غير هذا الموضع. وفي (ب): (ثلاثة من الولد). ١١١ - وأخبر ني محمد بن علي ثنا صالح أنه سأل أباه - رحمه الله - عن التوكل، فقال: ((التوكل حسن، ولكن ينبغي للرجل أن لا يكون عيالاً على الناس ينبغي أن يعمل حتى يغني نفسه وعياله ولا يترك العمل)). قال: وسئل أبي - رحمه الله - وأنا شاهد عن قوم لا يعملون ويقولون: نحن متوكلون. فقال: هؤلاء مبتدعة . ١١١ - رواه ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٢٨٤) من طريق المصنّف به ولفظه: (التوكل حسن، ولكن ينبغي أن يكتسب ويعمل حتى يغني نفسه وعياله، ولا يترك العمل .... المتوكلون فقال: هؤلاء مبتدعون). وصدق - رحمه الله تعالى - فهذه بدعة قبيحة في معنى التوكل، وكذلك الصوفية مبتدعون في التوكل وغيره، وانظر ((تلبيس إبليس)) تر العجب، وقد تكلمت عنهم في تقدمة كتابي: ((الصحبة))، وبسطته في كتابي: ((شُعَب النفاق)) يسَّر الله تعالى إتمامهما. ١٥٨ ١١٢ - أخبرنا أبو بكر المروزي أنه قال لأبي عبدالله - رحمه الله -: إن ابن عيينة كان يقول: (هم مبتدعة) فقال أبو عبدالله: هؤلاء قوم سوء يريدون تعطیل الدنیا. ١١٢ - رواه ابن الجوزي في تلبيس إبليس (٢٨٤) من طريق المصنّف به. وقد وافق أحمد قول سفيان بن عيينة في الأثر السابق، وهاهنا أشار إشارة لطيفة إلى أن بدعتهم خطيرة إذ هي ليست مقتصرة على أنفسهم بل تتعدى إلى (تعطيل الدنيا)، وقد أمر الله - عز وجل - بالسعي فيها وتعميرها بما يرضيه. وانظر الثالث بعد المائة في قول ابن عيينة فيهم. ١١٣ - وأخبرنا أبو بكر المروزي قال سمعت مثنى الأنباري يقول سمعت بشر بن الحارث يقول: ((ينبغي للرجل إذا كان عنده شيء يستطيبه فليتقوّته وليتنزه عن هذه الأقذار)). ١١٣ - إسناده صحيح، وبشر من رفقاء أحمد. وفيه الحث على التقوت بالطيب، ولا أطيب من كسب من عمل يد في حلال، وترك الأقذار من صلات وهدايا الملوك والأمراء، والصدقات، والمسألة: فإنها - وإن حلت لآخذها - فإنما هي كفارات يكفّر بها الناس كما قال الله - عز وجل -: ﴿خُفِ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِرُهُمْ وَتُزَكِمِهَا﴾ التوبة (١٠٣). وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن هذه الصدقات إنما هى أوساخ الناس)). وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن هذا المال حلو خضر (وإنما هو مع ذلك) أوساخ أيدي الناس)). رواه حكيم بن حزام - رضي الله عنه -: رواه مسلم (١٦٧ - ١٦٨ / الزكاة) واللفظ الأول له، وأبو داود الطيالسي (١ / ١٧٨ / ترتيب) واللفظ الثاني له، وأحمد (٤٠٢/٣)، وابن خزيمة في التوحيد (٦٥)، والطبري في مسند عمر من تهذيب الآثار (٢٧/١)، والطبراني (٢١٠/٣، ٢١٧)، وابن أبي الدنيا في القناعة (١/٨٢ / مختصر). ١٥٩ ومن حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: رواه البخاري ومسلم، وقد سبق (٤٥ و ٥٤) هاهنا، والبيهقي في الزهد (٢٤٤). ومن حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: رواه أبو نعيم في الحلية (٢ / ١٩٠) من طريق أبي دواد الطيالسي بنحوه. ومن حديث علي - رضي الله عنه -: رواه ابن خزيمة في صحيحه، وإسحاق بن راهويه، وابن أبي شيبة في مسنديهما، والفسوي في تاريخه (١ / ٥١٤). ومن حديث ابن عباس - رضي الله عنه -: رواه مسدَّد في مسنده (المطالب ١ / ٢٣٨ - ٢٤٠)، والطبراني في الكبير (١١ / ٢١٧). ومن حدیث خولة بنت قيس عند عبد بن حميد (١/٣٠٦ / ق). ومن حديث عبدالله بن عبدالله بن الحارث عند الفسوي (١ / ٥١٤)، وعند مالك - (٢ / ١٠٠١) ومن طريقه حميد بن زنجويه في الأموال (٢٠٦٣) وفيه: (قال عبد الله بن الأرقم: إنما الصدقات أوساخ الناس يغسلونها عنهم). ١١٤ - وأخبرنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: ترى إن اكتسب رجل قوت يوم أفضل؟ قال: (إن اكتسب فضلاً فعاد به على قرابته أو داره أو ضيف فهو أحب إليَّ من أن لا يكتسب وأحب إليَّ أن يستعف). ١١٤ - هذا مما لا بأس به ما لم يصر صاحبه جيفة ليل حمار نهار حياته كلها وهمه كله ذلك فأين العلم وطلبه بما يصلح دينه فريضة، وأين حقوق الأهل والأولاد وتربيتهم، وانظر الثاني والعشرين وما بعده. وكذلك السادس والثمانين. ومن عَبَدَ الله بجهل کان إفساده أکثر من إصلاحه، وسيئاته أکبر من حسناته، ووقع في الحرام من المكاسب والأموال والمطاعم واستحلها. ١١٥ - أخبرنا محمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال: سألت أبا عبدالله قلت: الرجل يدع العمل ويجلس ويقول: ما أعرف إلا ظالماً أو غاصباً فأنا آخذ من أيديهم ولا أعينهم ولا أقوّيهم على ظلمهم. قال: ما ينبغي لأحد أن يدع العمل ويقعد ينتظر ما في أيدي الناس. أنا اختار العمل، والعمل أحب إليّ، ١٦٠