Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ کتاب السِّير وأما الخُمُسُ، فَيُقْسَم على ثلاثة أسهم : سهمٌ لليتامى، وسهمٌ للمساکین، وسهمٌ لأبناء السبيل. ويَدخُلُ فقراءُ ذوي القربىُ فيهم، ويُقدَّمون، ولا يُدفَعُ إلى أغنيائهم شيء. [تقسيم خُمُس الغنيمة : ] ٤ قوله: (فأما الخُمُس فيُقُسَم على ثلاثة أسهم: سهمٌ لليتامى)، ويُشترط فيهم الفقر. * قوله: (وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لأبناء السبيل)، وابن السبيل هو: المنقطع عن ماله. و * قوله: (ويَدخلُ فقراءَ ذوي القربى فيهم): أي أيتامُ ذوي القربى يدخلون في سهم اليتامى، ومساكينُ ذوي القربى يدخلون في سهم م المساكين، وأبناء السبيل من ذوي القربى كذلك. كذا في ((المستصفى)). - وقوله: ذوي القربىُ: يعني قرابةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. * قوله: (ويُقدَّمون): أي يُقدَّم ذوو القربى على الطوائف الثلاثة، لأن الله تعالى قدَّمهم في الآية، فقال تعالى: ﴿وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾. الأنفال / ٤١. قوله: (ولا يُدفَع إلى أغنيائهم شيءٌ)؛ لأنه إنما يُستَحقُّ بالفقر والحاجة. ٣٠٢ کتاب السِّير وأما ذِكْرُ الله تعالى في الخُمُس؛ فإنما هو لافتتاح الكلام، تبرُّكاً باسمه تعالى. وسهمُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم سَقَطَ بموته، كما سَقَطَ الصَّفِيُّ. 93 وسهمُ ذوي القربى كانوا يستحقّونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالتُّصْرة، وبعده بالفقر . * قوله: (وأما ما ذَكَرَه الله تعالى لنفسه في كتابه من الخمس: فإنما هو لافتتاح الكلام؛ تبرُّكاً باسمه تعالى، وسهمُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم سقط بموته، كما سقط الصَّفِيُّ)، وهو شيء كان يَصطفيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم لنفسه من الغنيمة، مثل دِرْعٍ، أو سيفٍ، أو جارية. قوله: (وسهمُ ذوي القربى كانوا يستحقونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالنُّصْرة)، وبموته صلى الله عليه وسلم زالت النصرة. * قوله: (وبعده: بالفقر)، يُقْسَم بينهم للذكر مثل حظًّ الأنثيين، ويكون لبني هاشم وبني المطلب دون غيرهم من بني عبد شمس وبني نوفل. وكان أولاد عبد مَناف أربعةً: هاشمٌ، والمطلبُ، وعبد شمس، ونوفل، فبنو عبد شمس، وبنو نوفل: لا يُعطَوْن منه شيئاً، وإنما هو لبني هاشم وبني المطلب خاصةً. لما روي «أن جُبَير بن مُطْعِم وهو من بني نوفل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما قَسَمَ لبني هاشم وبني المطلب: قسمتَ يا رسول الله لإخواننا من بني المطلب وبني هاشم، ولم تُعطِنا شيئاً، وقرابتُنا مثلُ قرابتهم؟ !. ٣٠٣ کتاب السِّير وإذا دَخَلَ الواحدُ، أو الاثنان إلى دار الحرب مُغِيْرين بغير إذن الإمام، فأخذوا شيئاً : لم يُخَمَّس. فقال عليه الصلاة والسلام: إنما هاشمٌ والمطلبُ شيء واحدٌ، إنهم لم يفارقونا في جاهليةٍ، ولا إسلامٍ، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحدٌ هكذا، ثم شبَّك بين أصابعه، لعن الله مَن فرَّق بينهما، ربَّوْنا صغاراً، وحملناهم كباراً)(١). وروي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أعطى بني هاشم وبني المطلب، ولم يُعطِ بني نوفل وبني عبد شمس، أتاه عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو من بني عبد شمس، وجُبيرُ بن مطعم وهو من بني نوفل، فقالا: يا رسول الله! هؤلاء بنو هاشم لا نُنكر فضلَهم للموضع الذي وَضَعَكَ الله تعالى فيهم، فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتَهم، ومنعتَنا وقرابتُنا واحدةٌ؟! فقال: إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهليةٍ ولا إسلامٍ، وإنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد، وشبَّك بين أصابعه))(٢). وهذا يدل على أن الاستحقاق إنما هو بالنُّصرة، لا بالقرابة. * قوله: (وإذا دخل واحدٌ أو اثنان إلى دار الحرب مُغِيرِين بغير إذن الإمام، فأخذوا شيئاً: لم يُخمَّس)؛ لأنه ليس بغنيمة، إذ الغنيمة هي (١) ينظر نصب الراية ٤٢٥/٣. (٢) سنن أبي داود (٢٩٧٣)، وينظر صحيح البخاري (٣٥٠٢)، نصب الراية ٤٢٥/٣. ٣٠٤ کتاب السِّير وإن دَخَلَ جماعةٌ لهم مَنَعَةٌ، فأخذوا شيئاً: خُمِّس وإن لم يأذن لهم الإمام. وإذا دخل المسلمُ دارَ الحرب تاجراً: فلا يَحِلُّ له أن يتعرَّض لشيءٍ من أموالهم، ولا من دمائهم. المأخوذُ قهراً وغَلَبَةَ، لا اختلاساً وسرقةً. - وأما إذا دخل الواحدُ والاثنان بإذن الإمام: ففيه روايتان: والمشهور أنه يُخمَّس، والباقي لمَن أصابه. والرواية الثانية: لا يُخمَّس؛ لأنه مأخوذٌ على طريق التلصص. والرواية الأُولىُ أصحُّ؛ لأنه لمَّا أَذِن لهم الإمامُ: فقد التزم نصرتَهم، فكان المأخوذ بظُهْرة، لا بالتلصص. * قوله: (وإن دخل دارَ الحرب جماعةٌ لهم مَنَعَةٌ، فأخذوا شيئاً: خُمِّس وإن لم يأذن لهم الإمام)؛ لأن الجماعة لها مَنَعَةٌ، فكان المأخوذ قهراً وغنيمةً. - وإن كانوا جماعةً لا مَنَعَةً لهم، ودخلوا بغير إذن الإمام، وأخذوا شيئاً: لم يُخمَّس؛ لأن المأخوذ ليس بغنيمة، إذ الغنيمة ما أُخذت بالغلبة والقهر، وهؤلاء كاللصوص؛ لأنهم يستسرون بما يأخذونه، وإذا لم يكن غنيمة: فما أخذه كلّ واحد منهم فهو له، لا يشاركه فيه صاحبه؛ لأنه مأخوذٌ على أصل الإباحة، كالصيد والحشيش. * قوله: (وإذا دخل المسلمُ دار الحرب تاجراً: فلا یحلّ له أن یتعرض لشيءٍ من أموالهم ولا من دمائهم)؛ لأنه ضمن أن لا يتعرض لهم ٣٠٥ کتاب السِّير وإن غَدَرَ بهم، وأَخَذَ شيئاً، وخَرَج به: مَلَكَه مِلْكاً محظوراً، ويُؤْمَرُ أن يتصدَّق به. وإذا دخل الحربيُّ إلينا مستأمِناً: لم يُمَكَّن أن يُقيم في دارنا سَنَةً، ويقولُ له الإمام : إن أقمتَ تمامَ السَّنَة : وَضَعتُ عليك الجزيةَ. بالاستئمان، فالتعرُّض بعد ذلك يكون غدراً، والغدرُ حرامٌ، بخلاف الأسير، فإنه غيرُ مستأمن، فيباح له التعرض وإن أطلقوه طوعاً. ** قوله: (وإن غَدَرَ بهم، وأخذ شيئاً، وخرج به: مَلَكَه ملكاً محظوراً، ويؤمر أن يتصدّق به)؛ لأنه حصل بسبب الغدر، فأوجب ذلك خُبْئاً فيه، فكان محظوراً. - فإن لم يتصدَّق به، ولكنه باعه: صحَّ بيعُه، ولا يطيب للمشتري الثاني، كما لا يطيب للأول. * قوله: (وإذا دخل الحربيُّ إلينا مستأمِناً: لم يُمكّن أن يقيم في دارنا سَنَةً)؛ لأنه إذا أقام في دارنا: وقف على عورات المسلمين، فلم يُؤمَن أن يدلَّ علينا المشركين، فيكون عيناً لهم، وعَوْناً علينا. - ويُمكَّن من الإقامة اليسيرة؛ لأنه قد يجوز أن تَظهر له رغبةً في دين الإسلام، فيدخل فيه، ولأن في مَنْعه من الإقامة اليسيرة: قطعَ الجلب، وسدَّ باب التجارة والمِيْرة، وفيه ضررٌ بالمسلمين. - والمدة الطويلة هي: السَّنَةُ، واليسيرة: ما دونها. * قوله: (ويقول له الإمامُ: إذا أقمتَ تمامَ السَّنَة: وضعتُ عليكَ الجزيةَ). ٣٠٦ کتاب السِّير فإن أقام : أُخِذت منه الجزيةُ، وصار ذمّاً، ولم يُتْرَك أن يَرْجع إلى دار الحرب . وإن عاد إلى دار الحرب، وتَرَكَ وديعةً عند مسلمٍ، أو ذمِّيٍّ، أو دَيْناً في ذمَّتهم: فقد صار دَمُه مباحاً بالعَوْد، وما في دار الإسلام من ماله على خَطَرٍ . - فيه إشارةٌ إلى أن الجزية توضع عليه من وقت الدخول، وفي بعض الكتب: من وقت القول. - وينبغي للإمام أن يقول له ذلك في أول ما دخل، وتُضرب له مدةٌ على ما يرى، وتكون دون السَّنَة، نحو الشهرين والثلاثة، ويقول له: إذا جاوزتَها: جعلتُكَ ذمياً، ووضعتُ عليك الجزية. * قوله: (فإن أقام سَنَةً: أُخذت منه الجزيةُ، وصار ذمياً، ولم يُترك أن يرجع إلى دار الحرب)؛ لأنه لمَّا أقام بعد هذا: صار ملتزماً للجزية، فإذا أُخذت منه الجزية: صار ذمياً، والذمي لا يُمكّن من الرجوع إلى دار الحرب. * قوله: (فإن عاد إلى دار الحرب، وترك وديعةً عند مسلمٍ أو ذمي، أو دَيْناً في ذمتهم: فقد صار دمُه مباحاً بالعَوْد)؛ لأنه أبطل أمانَه برجوعه إلى دار الحرب. : قوله: (وما في دار الإسلام من ماله علىْ خَطَرٍ)؛ لأنه بالأمان حُظِر دمُّه ومالُه، وزوالُ الحظر عن دمه لا يزيل الحظر عن ماله، فبقي مالُه على ما کان علیه. ٣٠٧ کتاب السِّير فإن أُسِرَ، أو قُتِلَ : سقطت ديونُه، وصارت الوديعةُ فَيْئاً. وما أَوْجَف عليه المسلمون من أموال أهل الحرب بغير قتالٍ : يُصْرَف في مصالح المسلمين، كما يُصْرَف الخَرَاجُ. * قوله: (فإن أُسر أو ظُهِرَ على الدار، فقُتل: سقطت ديونُه، وصارت الوديعةُ فيئاً). - أما الوديعةُ: فلأنها في يده تقديراً؛ لأن يد المودَع كيده، فيصير فيئاً تبعاً لنفسه. - وأما الدَّيْنُ: فلأن اليد عليه بواسطة المطالبة، وقد سقطت، ويدُ مَن عليه أسبق من اليد العامة، فتختصُّ به، فيسقط. * قوله: (وما أوجفَ عليه المسلمون): أي أسرعوا إلى أَخْذه، (من أموال أهل الحرب بغير قتالٍ: يُصرفُ في مصالح المسلمين، كما يُصرف الخراج). الإيجاف: هو الإسراع، والإزعاج للغير، والوجيف: نوعٌ من السير، فوقَ التقریب. ومعنى المسألة: ما أوجف عليه المسلمون من أموال أهل الحرب بغير قتالٍ: صُرف في مصالح المسلمين، كما يُصرف الخراج، مثل الأرضين التي أَجْلَوْا أهلَها عنها، لا خُمُسَ فيها. - وقوله: كما يُصرف الخراجُ: فائدتُه: أنه لا يُقسم قسمةَ الغنيمة، ولا يجب فيه الخُمُس. ٣٠٨ فصلٌ في العُشْر والخراج [فصلٌ في العُشْرِ والخراج] * وأرضُ العرب كلَّها أرضُ عُشْر، وهي ما بين العُذَيْب إلى أقصى حَجَرٍ باليَمِن بِمَهْرَةَ، إلى حَدِّ الشام. والسَّوَادُ : أرضُ خَرَاج، فصلٌ في العُشْر والخراج * قوله: (وأرضُ العربِ كلَّها أرضُ عُشْرٍ، وهي ما بين العُذَيْب إلى أقصىُ حَجَرٍ باليمن بِمَهْرَة، إلىُ (١) حدِّ الشام). العُذَيْبُ: قريةٌ من قُرى الكوفة. وقوله: حَجَر: هو بفتح الحاء والجيم: واحدُ الأحجار. ومَهْرَة: موضعٌ باليمن، مسمَّاةٌ بمَهرة بن حيدان، أبو قبيلةِ تُنسب إليها الإبلُ المَهْرية. قوله: (والسَّوادُ كلُّها أرضُ خراجٍ)، يعني سَواد العراق، سُمِّي بذلك لخُضْرة أشجاره وزَرْعه، وسَواد العراق: أراضيه. وقال التُّمُرْتاشيُّ: سواد البصرة والكوفة: قراهما. (١) وفي نسخة الجوهرة ٩٧٤هـ: ((ومن البصرة إلى حد الشام)). ٣٠٩ فصلٌ في العُشْر والخراج وهي ما بين العُذَيْب، إلى عَقَبَة حُلْوان، ومن العَلْث، إلى عَبَّادان. وأرضُ السواد مملوكةٌ لأهلها : يجوز بَيْعُهم لها، وتصرُّفُهم فيها. وكلُّ أرضٍ أسلم أهلُها عليها، أو فُتحت عَنوةً، وقُسِمت بين الغانمين: فهي أرضُ عُشْر. * قوله: (وهي ما بين العُذَيْب إلى عَقَبَة حُلْوان، ومن العَلْث إلى عَبَّادان). عَقَبَة حُلْوان: هي حدُّ سواد العراق عرضاً. والعَلْثُ: قريةٌ بالعراق، شرقي دجلة. وعَبَّادان: حِصْنٌ صغيرٌ على شاطئ البحر. وطولُ سواد العراق: مائةٌ وثمانون فرسخاً، وعَرْضُه: ثمانون فرسخاً، ومساحته: اثنان وثلاثون ألفَ ألفِ جَرِيب، وقيل: ستة وثلاثون ألفَ ألف جریب. * قوله: (وأرضُ السواد كلُّها مملوكةٌ لأهلها، يجوز بيعُهم لها، وتصرُّفهم فيها)؛ لأنها فُتحت عَنوةً وقهراً، وأُقِرُّ أهلُها عليها، ووُضع عليهم الخراجُ في أرضهم، والجزيةُ على رؤوسهم، فبقيت الأرض مملوكةً لهم. : قوله: (وكلَّ أرضِ أسلم أهلُها عليها، أو فُتحت عَنوةً، وقُسمت بين الغانمين: فهي أرضُ عُشْر)، يعني ما سوى أرض العرب؛ لأن المسلم ٣١٠ فصلٌ في العُشْرِ والخراج وكلُّ أرضٍ فُتِحت عَنوة، وأُقِرَّ أهلُها عليها: فهي أرضُ خراج. ومَن أحيا أرضاً مَوَاتاً: فهي عند أبي يوسف معتبرةٌ بحيِّزها، فإن كانت من حَيِّزِ أرض الخراج: فهي خراجيَّةٌ، وإن كانت من حيِّز أرض العشر : فهي عُشْرِيَّة. لا يُبتدأ بالخراج، والعُشرُ أليقُ به؛ لأنه طُهرةٌ وعبادةٌ، وكذلك ما سوى أرض السواد. * قوله: (وكلّ أرضِ فُتحت عَنوة، وأُقِرَّ أهلُها عليها: فهي أرضُ خراج)؛ لأن الحاجة إلى ابتداء التوظيف على الكافر، والخراجُ أليق به. و - وهذا إذا وصل إليها ماءُ الأنهار، وكلَّ أرضٍ لا يصل إليها ماء الأنهار، وإنما تُسقى بعين: فهي عُشرية؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما سَقَتْه السماء: ففيه العُشر))(١). و - وماءَ العين: في معنى ماء السماء، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَلَكُهُ, يَنَِعَ فِى الْأَرْضِ﴾. الزمر / ٢١. قوله: (ومَن أحيا أرضاً مَواتاً: فعند أبي يوسف هي معتبرةٌ بحيِّزها)، أي بقُرْبها، والحَيِّز: القُرب. * قوله: (فإن كانت من حَيِّز أرضِ الخراج: فهي خراجيةً، وإن كانت من حيِّزْ أرض العُشر: فهي عُشريةٌ). (١) صحيح البخاري (١٤٨٣). ٣١١ فصلٌ في العُشْر والخراج والبصرةُ عنده عُشْرِيَّةً بإجماع الصحابة رضي الله عنهم. وقال محمد : إن أحياها ببئرٍ حَفَرَها، أو عينٍ استخرجها، أو بماءٍ دِجلة، أو الفُراتِ، أو الأنهارِ العِظَام التي لا يَملكها أحدٌ: فهي عشريَّةٌ. - هذا إذا كان المحيي لها مسلماً، أما إذا كان ذمياً: فعليه الخراج وإن كانت من حيِّز أرض العُشر. - وكان القياس عند أبي يوسف أن تكون البصرةُ خراجيةً؛ لأنها من حيِّز أرض الخراج، إلا ((أن الصحابة وضعوا عليها العُشر))(١)، فتَرَكَ القياسَ؛ لإجماعهم. * قوله: (والبصرةُ عندنا عُشريةً، بإجماع الصحابة رضي الله عنهم)؛ لما بيَّنَّاه. * قوله: (وقال محمدٌ: إن أحياها ببئرٍ حفرها، أو عينٍ استخرجها، أو بماءِ دجلةٍ أو الفُرات أو الأنهارِ العِظام التي لا يَملكها أحدٌ: فهي عُشرية). - قال في ((الهداية)) (٢): الماء العُشري: ماءَ السماء والآبار والعيون والبحار التي لا تدخل تحت ولاية أحدٍ. والماء الخَراجيُّ: الأنهارُ التي شَقَّها الأعاجمُ. - وماء سيحون وجيحون ودجلة والفرات: عُشريٌّ عند محمد. وخراجيٌّ عند أبي يوسف. ذكره في باب زكاة الزروع والثمار. (١) الخراج ليحيى بن آدم ص٢٩ (٥٧)، وينظر نصب الراية ٤٤٠/٣. (٢) ١/ ١١١. ٣١٢ فصلٌ في العُشْر والخراج وإن أحياها بماء الأنهار التي احتفرها الأعاجمُ، مثلُ نهرِ المَلِكِ، ونھرِ يَزْدَجْرِد : فهي خراجيّة . * والخراجُ الذي وَضَعَه عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه على أهل السواد من كل جَرِيْبٍ يَبْلُغه الماءُ : قَفِيزٌ هاشميٌّ، وهو الصاعُ، ودرهمٌ. * قوله: (وإن أحياها بماء الأنهار التي احتفرها الأعاجم، كنهر المَلِك يَزْدَجْرِهِ(١): فهي خراجيةٌ). يَزْدَجْرِد: من ملوك فارس، وهو آخر ملوكهم. [قَدْرُ الخَرَاج : ] قوله: (والخراجُ الذي وَضَعَه عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه على أهل السواد في كل جَريبٍ يبلغه الماء: قفيزٌ هاشمي، وهو الصاع ودرهمٌ). - والخراج على ضربين: خراجُ مقاطعة، وخراج مقاسمة: فخراج المقاطعة هو: الذي ذكره الشيخ. وخراج المقاسمة هو: ما إذا افتتح الإمامُ بلداً، ومَنَّ عليهم ورأى أن يضع عليهم جزءاً من الخارج(٢)، إما نصفُ الخارجِ أو ثلثُه أو ربعه: فإنه يجوز، ويكون حكمُهُ حكمَ العُشر، يعني أنه يتعلَّق بالخارج، لا بالتمكن من الزراعة، حتى إذا عطّل الأرضَ مع التمكّن: لا يجب عليه شيء، كما ءِ في العُشر، ويوضَع ذلك في الخراج. (١) وفي نسخ القدوري کلها: «کنهر الملك، ونهر يزدجرد)). (٢) وفي نسخ: الخراج. ٣١٣ فصلٌ في العُشْر والخراج ومن جَريب الرَّطْبة : خمسةُ دراهم. ومن جَرِيب الكَرْمِ المتَّصلِ، والنخلِ المتصل : عشرةُ دراهم. ومن حُكمه: أنه لا يزيد على النصف، وينبغي أن لا يَنقص عن الخُمُس، ضعفُ ما يؤخذ من المسلمين. - والجَرِيبُ: أرضٌ طوله ستون ذراعاً، وعَرْضه ستون ذراعاً، يزيد على ذراع العامة بقبضة. وذكر الصيرفي رحمه الله تعالى أن الذراع المعتبر: سبعُ قَبضات من غير الإبهام. - وقوله: قفيزٌ هاشميٌّ: هو ثلاثة أرطال بالعراقي، مثل الصاع الحجازي، وذلك أربعة أمناء عند أبي حنيفة ومحمد، ويكون مما يُزرع في تلك الأرض. وقال الإمام ظهير الدين: يكون من الحنطة أو الشعير. كذا في ((المستصفى)). - وقوله: ودرهمٌ: معناه: یکون الدرهم من وزن سبعة، وهو أن یکون وزنه أربعة عشر قيراطاً. قوله: (وفي جَرِيب الرَّطْبة: خمسةُ دراهم، وفي جريب الكَرْم المتصل، والنخل المتصل: عشرة دراهم). المتصل: ما لا يمكن الزراعة تحته، ولأن المؤن متفاوتةٌ، فالكَرم أخفَّها مؤنةً، والزرعُ أكثرها مؤنةً، والرَّطْبةُ بينهما، والوظيفةُ تتفاوت بتفاوتها، فجعل الواجب في الكَرْم: أعلاها، وفي الزرع: أدناها، وفي ٣١٤ فصلٌ في العُشْر والخراج وما سوى ذلك من الأصناف : يوضَع عليها بحسب الطاقة، فإن لم تُطِق ما وُضِعَ عليها : نَقَصَهُمُ الإمامُ. الرطبة: أوسطها. كذا في ((الهداية))(١). وهذا التقدير منقول عن عمر رضي الله عنه (٢). * قوله: (وما سوى ذلك من الأصناف: يُوضع عليها بحسب الطاقة). معناه: كالزعفران وغيره؛ لأنه ليس فيه توظيفُ عمرَ رضي الله عنه، وقد اعتبر عمرُ رضي الله عنه الطاقةَ في الموظّف، فنعتبرها فيما لا توظيف فيه، قالوا: ونهاية الطاقة: أن يبلغ الواجب نصف الخارج، ولا يُزاد عليه؛ لأن النصف عين الإنصاف. - قال الخُجَندي: وفي جَرِيب الزعفران الخراج قَدْرَ ما يطيق، إن كان يبلغ قدر غلة الأرض المزروعة: يؤخذ منه قدر خراج المزروعة، وإن كان يبلغ غلة الرطبة: ففيه خمسة دراهم، وعلى هذا التقدير. - واعلم أن الخراج لا يتكرر بتكرُّر الخارج في سنة واحدة، وإنما عليه في السنة الواحدة خراجٌ واحدٌ، سواء زرعها في السنة مرة أو مرتين أو ثلاثاً، بخلاف العُشر؛ لأنه لا يتحقق عُشرٌ إلا بوجوده في كل خارج. * قوله: (فإن لم تُطِقْ ما وُضع عليها: نَقَصَهمُ الإمامُ). (١) ١٥٨/٢. (٢) الخراج، لأبي يوسف ص٣٦، الأموال، لأبي عبيد ص٦٩، مصنف عبد الرزاق ١٠٠/٦، وينظر نصب الراية ٤٣٨/٣، ٤٤٠. ٣١٥ فصلٌ في العُشْر والخراج وإن غَلَبَ الماءُ على أرضِ الخراج، أو انقطع عنها، أو اصطلم الزرعَ آفةٌ : فلا خراجَ عليهم. - قال في ((الهداية))(١): النقص عند قلة الرِّيْع جائزٌ، بالإجماع. - وأما الزيادة عند زيادة الرِّيع: فجائزةٌ عند محمد أيضاً؛ اعتباراً بالنقصان، وعند أبي يوسف: لا يجوز. وعن أبي حنيفة مثل قول محمد. قال أبو يوسف: لا ينبغي للوالي أن يزيد على وظيفة عمر. وقال محمد: لا بأس بذلك إذا كانت أراضيهم تحمل أكثرَ من ذلك، فإن أخرجت الأرض قدرَ الخراج: أُخذ نصفُه، وإن أخرجت مثلَي الخراج: أخذ الخراج کله. - ويؤخذ الخراجُ من أرض النساء والصبيان والمجانين. * قوله: (وإن غلب على أرض الخراج الماء، أو انقطع عنها، أو اصطلم الزرعَ آفةٌ: فلا خراجَ عليهم)؛ لأنه فات التمكُّن من الزراعة. - وكذا إذا كانت الأرض نَزَّةً، أو سَبْخةً. - وقوله: أو اصطلم الزرعَ آفةٌ: يعني إذا ذهب كلّ الخارج، أما إذا ذهب بعضُه: قال محمد: إن بقي مقدارُ الخراج، ومثله بأن بقي مقدار قفيزين ودرهمين: يجب الخراج، وإن بقي أقل من مقدار الخراج: أُخذ نصفه. (١) ١٥٨/٢. وإن عطَّلها صاحبُها : فعليه الخراجُ. قال مشايخنا: والصواب في هذا: أن يُنظر أولاً ما أنفق هذا الرجل في هذه الأرض، ثم يُنظر إلى الخارج، فيُحسب ما أنفق أولاً من الخارج، فإن فَضَلَ منه شيءٌ: أُخذ منه على نحو ما بيناه. - وما ذُكر في ((الكتاب)) أن الخراج يسقط بالاصطلام: محمولٌ على ما إذا لم يبق من السَّنَة مقدارُ ما يُمكنه أن يزرع الأرضَ، أما إذا بقي ذلك: فلا يسقط الخراج. كذا في ((الفوائد)). - وقوله: أو اصطلم الزرعَ آفةٌ: يعني سماويةٌ لا يمكن الاحتراز عنها، كالاحتراق ونحوه، أما إذا كانت غيرَ سماوية ويُمكن الاحتراز عنها، كأكل القِرَدة والسباع والأنعام ونحوه: لا يسقط الخراج، على الأصح. وذكر شيخ الإسلام أن هلاك الخارج قبل الحصاد: يُسقِط الخراجَ، وهلاگه بعد الحصاد: لا يُسقطه. - ولو مات صاحب الأرض بعد تمام السَّنَة: لم يؤخذ خراجُ الأرض من تَرِكَتِه عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وذكر في زكاة ((الأصل)) أنه يؤخذ من تَرِكته، بخلاف العُشر، فإنه لا يسقط بموت مَن هو عليه، في ظاهر الرواية، وفي رواية ابنِ المبارك: يسقط. قوله: (وإن عطَّلها صاحبُها: فعليه الخراج)؛ لأنه متمكنٌ من الزراعة، وهو الذي فوَّت الزراعةَ. ٣١٧ فصلٌ في العُشْرِ والخراج ومَن أسلم من أهل الخراج : أُخِذَ منه الخراجُ على حاله. ويجوز أن يشتريَ المسلمُ أرضَ الخراج من الذمِّي، ويؤخذُ منه الخراجُ. ولا عُشْرَ في الخارج من أرض الخراج. - وهذا إذا كان الخراج موظّفاً، أما إذا كان خراجَ مقاسمةٍ: لا يجب شيء. كذا في ((الفوائد)). ـ ومَن انتقل إلى أخسِّ الأمرين من غير عُذرٍ: فعليه خراج الأعلىُ؛ لأنه هو الذي ضيَّع الزيادةَ، وهذا يُعرف، ولا يُقتى به؛ كي لا تتجرَّأَ الظلمةُ على أخذ مال المسلمين. كذا في ((الهداية))(١). : قوله: (ومَن أسلم من أهل الخراج: أُخذ منه الخراجُ على حاله)؛ لأن الأرض اتصفت بالخراج، فلا تتغيَّر بتغيُّر المالك. * قوله: (ويجوز أن يشتريَ المسلمُ أرضَ الخراج من الذميِّ، ويؤخذ منه الخراجُ، ولا عُشرَ في الخارج من أرض الخراج). يعني إذا اشترى المسلمُ أرضَ الخراج: فعليه الخراجُ، لا غير، ولا عُشرَ عليه، ولا يجتمع خراجٌ وعُشرٌ في أرض واحدة. وعند الشافعي(٢): يُجمع بينهما؛ لأنهما حقَّان مختلفان وَجَبًا في محلّیْن بسببین مختلفين، فلا يتنافيان. (١) ١٥٨/٢. (٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص١١٩. ٣١٨ فصلٌ في العُشْر والخراج - فقوله: حقَّان مختلفان: يعني أن أحدهما: مؤنةً في معنى العقوبة، وهو الخراج، والثاني: مؤنةً في معنى العبادة، وهو العُشر. - وقوله: في محلَّيْن مختلفين: يعني أن محل الخراج: الذمة، ومحل العشر: الخارج. - وقوله: بسببَيْن مختلفين: فسببُ وجوب العشر: النماء الحقيقي، وهو وجود الخارج، وسببُ الخراج: النماء التقديري، وهو التمكّن من الزراعة. ولنا: قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يجتمعُ عُشرٌ وخراجٌ في أرض (١) مسلم))(١). ولأن الخراج يجب في أرضٍ فُتحت عَنوةً وقهراً، والعشر في أرض أسلم أهلُها طوعاً، والوصفان لا يجتمعان في أرضٍ واحدة. - وعلى هذا الخلاف: الزكاةُ مع أحدهما، كما إذا اشترى أحدُهما أرضَ عُشرٍ، وأرضَ خراجٍ للتجارة: كان فيها العُشر، أو الخراج، دون زكاة التجارة. (١) عزاه الزيلعي في نصب الراية ٤٤٢/٣ لابن عدي في الكامل ٢٧١٠/٧، وأخرجه أبو نعيم في مسند أبي حنيفة ١ /٨١ أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يجتمع على مسلم خراجٌ عشرٌ. اهـ ٣١٩ فصل في الجزية وأحكام أهل الذمة [فصل في الجزية وأحكام أهل الذمة] والجِزْيةُ على ضَرْبين: جزيةٌ تُوضَع بالتراضي والصلح، فتُقدَّر بِحَسَب ما يقعُ عليه الاتّفاق . وجزيةٌ يَبتدىء الإمامُ وَضْعَها إذا غَلَبَ الإِمامُ على الكفار، وأقرَّهم على أملاکھم. فيَضعُ على الغنيِّ الظاهرِ الغِنى: في كل سنة: ثمانيةً وأربعين درهماً، يأخذُ منه في كل شهرٍ أربعةَ دراهم. فصل في الجزية وأحكام أهل الذمة * قوله: (والجزيةُ على ضَرْبَيْن: جزيةٌ توضَع بالتراضي والصُّلْح، فتُقدَّر بحَسَب ما يقع عليه الاتفاق)، كما «صالح النبيُّ صلى الله عليه وسلم بني نجران على ألف ومائتي حُلَّةٍ))(١). ولأن الموجِب هو التراضي، فلا يجوز التعدي إلى غير ما وقع عليه. * قوله: (وجزيةٌ يَبتدى الإمامُ بوضعها إذا غَلَبَ الإمامُ على الكفار، وأقرَّهم على أملاكهم، فيضعُ على الغني الظاهرِ الغنى، في كل سَنَةٍ ثمانيةً وأربعين درهماً، يأخذ منه في كل شهرٍ أربعةَ دراهم). (١) سنن أبي داود (٣٠١٤)، قال العلامة قاسم في تخريج أحاديث الاختيار ٣١٩/٣: رجال أبي داود موثقون، إلا أنه قيل: في سماع إسماعيل السدي من ابن عباس نظر. اهـ، وينظر نصب الراية ٤٤٥/٣. ٣٢٠ فصل في الجزية وأحكام أهل الذمة وعلى المتوسط الحال: أربعةً وعشرين درهماً، في كل شهرٍ درهمین . وعلى الفقير المعتَمِل : اثني عشر درهماً، في كل شهر درهماً. - والظاهرُ الغِنى هو: صاحبُ المال الكثير. وقيل: هو الذي يملكُ عشرة آلاف. - ثم إذا كان الرجلُ في أكثر السنة غنياً: أُخذ منه جزية الأغنياء. وإن كان في أكثرها فقيراً: أُخذ منه جزية الفقراء. ـ ومَن مرض أكثرَ السنة: لم تُؤخذ منه جزيةٌ؛ لأن المريض لا يقدر على العمل، فهو كالزَّمِن. - وكذا إذا مرض نصفَ السنة؛ لأن الموجبَ والمسقطَ تساويا فيما طريقُه العقوبة، فكان الحكم للمسقط، کالحدود. - فإن صحَّ أكثرُ السَّنَة: فعليه الجزية؛ لأن للأكثر حكمَ الكل. * قوله: (وعلى المتوسط الحال: أربعةٌ وعشرون درهماً، في كل شهر درهمان). - المتوسط الحال: الذي له مالٌ، لكنه لا يستغني به عن العمل. وقيل: هو مَن يملك مائتي درهم، فصاعداً. * قوله: (وعلى الفقير المُعتَمِل اثني عشر درهماً، في كل شهر: درهمٌ).