Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ کتاب الشهادات والسَّتْرُ أفضلُ، إلا أنه يجب أن يشهد بالمال في السرقة، فيقولُ: أَخَذَ، ولا يقولُ : سَرَقَ. - هذا إذا كانوا أربعةً، أما إذا كانوا أقلَّ: فالسترُ واجبٌ؛ لأنها تكون قذفاً. - وإنما كان مخيّراً فيها؛ لأنه بين حسبتَيْن: إقامة الحد، والتوقّي عن الهتك، فإن سَتَرَ: فقد أحسن، وإن أظهر: فقد أظهر حقاً لله تعالى، فلذلك خُيِّر فيها. * قوله: (والسَّتْرُ أفضل)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (مَن سَتَّرَ مسلماً سَتَرَه الله في الدنيا والآخرة))(١). ولأن الإظهار حقٌّ الله تعالى، وهو غنيٌّ عنه، والسَّتْر: تَرْكُ كَشْفٍ الآدمي، وهو محتاجٌ إلیه، فكان أولى. * قوله: (إلا أنه يجب أن يَشهد بالمال في السرقة)؛ لأن المال حقُّ الآدمي، فلا يسعه کتمانُه. * قوله: (فيقول: أَخَذَ، ولا يقولُ: سرق)؛ لأن قوله: أخذ: يوجب الضمان، وقوله: سرق: يوجب القطع، وقد نُدِب إلى الستر فيما يوجب القطعَ، وتجب عليه الشهادة فيما يوجب الضمان. ولأن في قوله: أخذ: إحياءً لحقِّ المسروق منه، ألا ترى أنه لو قال: سرق: وجب القطع، والضمانُ لا يجامعُ القطعَ، فلا يحصل في قوله: سرق: إحياء حقه. (١) صحيح مسلم (٢٦٩٩). ١٤٢ كتاب الشهادات والشهادةُ على مراتبَ، منها : الشهادةُ في الزنا، يُعتبر فيها أربعةٌ من الرجال، ولا تُقُبُل فيها شهادةُ النساء. ومنها : الشهادةُ ببقيّة الحدود والقصاص، تُقبل فيها شهادةُ رجلَيْن، ولا تُقبلُ فيها شهادةُ النساء. * قوله: (والشهادة على مراتب، منها: الشهادة في الزنا، يُعتبر فيها أربعةٌ من الرجال). قال الله تعالى: ﴿فَأَسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾. النساء / ١٥. - واختلفوا في الشهادة على اللواط: فعند أبي حنيفة: يُقبل فيه رجلان عدلان؛ لأن موجَبَه التعزير عنده. وعندهما: لا بدَّ من أربعة، کالزنا. - وأما إتيان البهيمة: فالأصح عند أصحابنا جميعاً أنه يُقبل فيه شاهدان عدلان، ولا تُقبل فيه شهادة النساء. * قوله: (ولا تُقبل فيها شهادة النساء)؛ لأن الحدود تؤثّر فيها الشبهة، والنساء شهادتهن شبهة؛ لأنها قائمة مقام شهادة الرجال، فهي كالشهادة على الشهادة. * قوله: (ومنها: الشهادة ببقية الحدود والقصاص، تُقبل فيها شهادة رجلين، ولا تُقبل فيها شهادة النساء)؛ لما رُوي عن الزهري أنه قال: ((مضت السُّنَّةُ من لَدُن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده ١٤٣ کتاب الشهادات وما سوى ذلك من الحقوق : تُقبل فيها شهادةُ رجلَيْن، أو رجلٍ وامرأتين، سواءً كان الحقُّ مالاً، أو غيرَ مال، مثلُ النكاح، والطلاقِ، والوكالةِ، والوصيةِ. أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود والقصاص))(١). - وقد قالوا: إن شهادة النساء مع الرجال تُقبل في الإحصان. وعند زفر: لا يُقبل إلا الرجال. - وكذلك قال أبو يوسف ومحمد: تُقبل شهادة النساء مع الرجال في تزكية شهود النساء، وعند أبي حنيفة: لا تجوز. - وأما الشهادة في السرقة: يُقبل فيها في حقِّ المال رجلٌ وامرأتان. - ولا يُقبل في حق القطع إلا رجلان. فلو شهد رجلٌ وامرأتان بالسرقة: ثبت المال، دون القطع. * قوله: (وما سوى ذلك من الحقوق: تُقبل فيها شهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين، سواء كان الحقُّ مالاً أو غير مال، مثل النكاح، والعتاق، والطلاق، والوكالة، والوصية)، وغير ذلك. والمراد بالوصية ها هنا: الإيصاء؛ لأنه قال: أو غيرَ مالٍ، فلو كان المراد: الوصية: لكان مالاً. (١) مصنف عبد الرزاق ٣٣٣/٨، مصنف ابن أبي شيبة ٥١١/١٤ (٢٩٣٠٧)، وينظر تعليقي على اللباب ١١٧/٥. ١٤٤ کتاب الشهادات وتُقبل في الولادة، والبَكَارة، والعيوبِ بالنساء في موضعٍ لا يطّلعُ عليه الرجالُ شهادةُ امرأةٍ واحدة. ولابدَّ في ذلك كلَّه من العدالة، ولفظِ الشهادة. * قوله: (وتُقبل في الولادة، والبكارة، والعيوب بالنساء في موضعٍ لا يَطَّلع عليه الرجال: شهادةُ امرأةٍ واحدةٍ)، إلا أن الاثنين أحوط. - وقوله: والعيوب بالنساء: يعني إذا ادعى العيبَ بالجارية: فإن قولهن مقبولٌ، ويُحلَّف البائع أيضاً. - وأما شهادة النساء وحدهن على استهلال المولود: فلا تُقبل عند أبي حنيفة في حق الإرث؛ لأنه مما يطّلع علیه الرجال، فلا بدَّ فیه من رجلين، أو رجل وامرأتین. وعندهما: تُقبل شهادتهن في حق الإرث، ويكفي في ذلك امرأةٌ واحدة عندهما؛ لأنه صوتٌ عند الولادة، وتلك الحالة لا يحضرها الرجال. - وأما في حق الصلاة عليه: فمقبولةٌ، بالإجماع؛ لأنها من أمور الدين. - وأما الرضاع: فلا تُقبل فيه إلا شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين عندنا؛ لأنه مما يطلع عليه الرجال؛ بدليل أن لذي الرَّحِم المَحرَم منها أن ينظر إلى ثديها، ويشاهدَ إرضاعها. : قوله: (ولا بدَّ في ذلك كله من العدالة، ولفظ الشهادة). هذا إشارةً إلى جميع ما تقدم، حتى تُشترط العدالة ولفظ الشهادة في شهادة النساء في الولادة، وغيرها، هو الصحيح؛ لأنها شهادةً؛ لما فيه ١٤٥ كتاب الشهادات فإن لم يذكر الشاهدُ لفظَ الشهادة، وقال: أعلم، أو: أتيقّنُ: لم تُقبل شهادته. من معنى الإلزام، حتى اختص بمجلس القضاء، وشُرط فيه الحرية والإسلام. كذا في ((الهداية))(١). - وأما لفظ الشهادة: فلا بدَّ منه؛ لأن في لفظها زيادة توكيد، فإن قوله: أشهد: من ألفاظ اليمين، فكان الامتناع من الكذب بهذه اللفظة أشدَّ. - وإنما شُرطت العدالة: لقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ ﴾. البقرة/ ٢٨٢. - قال في ((الذخيرة)): أحسن ما قيل في تفسير العدل: أن يكون مجتنباً للكبائر، ولا يكون مُصِرَّاً على الصغائر، ويكون صلاحُه أكثرَ من فساده، وصوابه: أکثر من خطئه. - وقال في ((الينابيع)): العدلُ: مَن لم يُطعَن عليه في بطنٍ ولا فرجٍ، أي لا يقال: إنه يأكل الربا والمغصوبَ وأشباهَ ذلك، ولا يقال: إنه زانٍ، فإن موضع الطعن البطن والفرج، ولهما توابع، فإذا سَلِم عنهما وعن توابعهما: كان عدلاً، والكذبُ من جملة الطعن في البطن؛ لأنه يخرج منه. * قوله: (فإن لم يذكر الشاهدُ لفظَ الشهادة، وقال: أعلم، أو: أتيقن: لم تُقبل شهادته)؛ لأن بهذه اللفظة لم يكن شاهداً؛ لأن الله تعالى اعتبر الشهادة بقوله: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتِ﴾. النور/٦. (١) ١١٨/٣. ١٤٦ کتاب الشهادات وقال أبو حنيفة : يَقتصر الحاكمُ على ظاهر عدالة المسلم، إلا في الحدود والقصاصٍ، فإنه يَسأل عن الشهود . وإن طَعَنَ الخصمُ فيهم : سأل عنهم. وقال أبو يوسف ومحمد: لابدَّ أن يسأل عنهم في السرِّ، والعلانية. : قوله: (وقال أبو حنيفة: يَقتصر الحاكمُ على ظاهر عدالة المسلم). يعني: لا يسأل عنه حتى يَطعن الخصمُ فيه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((المسلمون عدولٌ بعضُهم على بعضٍ، إلا محدوداً في قذف)»(١). * قوله: (إلا في الحدود والقصاص، فإنه يَسأل عن الشهود)؛ لأنه يُحتال لإسقاطها، فيُشترط الاستقصاء فيهما. * قوله: (فإن طعن الخصمُ فيهم: سأل عنهم). - وكذا إذا وقع للقاضي في شهادتهم الشكُّ والارتياب، فلا بدَّ أن يَسأل عن عدالتهم؛ لتزول التهمة، ولا تزولُ إلا بالتزكية. * قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: لا بدَّ أن يسأل عنهم في السرِّ والعلانية)، يعني في جميع الحقوق، وسائر الحوادث، سواء طعن الخصمُ فیھم، أو لم يطعن. (١) المصنَّف لابن أبي شيبة ٦٤١/١٠ (٢١٠٤٢)، وينظر تعليق محقق الكتاب فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عوامة، وأن في سنده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، وأن للحديث عدة شواهد، وينظر نصب الراية ٤ /٨١. ١٤٧ كتاب الشهادات والفتوى على قولهما في هذا الزمان. كذا في ((الهداية))(١). - وكيفية السؤال عنهم في السرِّ والعلانية: أن يكتب الحاكمُ أسماءً الشهود وأنسابَهم حتى يَعْرِفهم المزكِّي، ويسألَ عن جيرانهم وأصدقائهم، ويرسلَ بالكتاب إليهم، فيكتب المزكّون: العَيْنَ: تحت اسم العدل، ولا يكتبون: الفاء: تحت اسم الفاسق؛ صيانةً لعِرْض المسلم. - وفي ((النهاية)): تزكية السرِّ: أن يبعث القاضي رسولاً إلى المزكي، ويكتبَ إليه كتاباً فيه أسماءَ الشهودِ حتى يَعْرِفِهم، ويكونُ المكتوبُ إليه عدلاً، له خبرةٌ بالناس، ولا يكون منزوياً غيرَ مخالطٍ للناس؛ لأنه إذا لم يخالِطْهم: لم يعرف العدلَ من غيره، ويردُّ المكتوبُ إليه الجوابَ. فمَن عَرَفَه بالعدالة: كتب تحتَ اسمه: هو عدلٌ جائزُ الشهادة، ومَن عرفه بالفسق: لا يكتب شيئاً تحت اسمه؛ احترازاً عن هَتْك الستر، أو يقول: الله أعلم، إلا إذا عدَّله غيرُهُ، وخاف إن لم يصرِّح بذلك: قضىُ القاضي بشهادته، فحينئذٍ يصرح بذلك. ومَن لم يعرفه بعدالةٍ ولا فسقٍ: کتب تحت اسمه: مستورٌ. ويكونُ جميعُ ذلك في السرِّ؛ كي لا يُطَلَعَ عليه فيُخدَعَ المعدِّل، أو يُتهدّد، أو يستمالُ بالمال. - وأما تزكية العلانية: فإن القاضي يجمع بين المعدِّل والشاهد، ولا بدَّ (١) ١١٨/٣. ١٤٨ كتاب الشهادات منهما في تزكيةٍ في العلانية؛ لتنتفيَ شبهةً تعديل غيره، فيقول القاضي للمعدِّل: هذا الذي عدَّتَه في السر؟ فإن قال بحضرة المدعى عليه: نعم: قُضي عليه حينئذ. وقيل: صفة التزكية في العلانية: أن يقول المعدِّل عند الحاكم: إنه عدلٌ مرضيُّ القول جائزُ الشهادة. - قال ابن سَلَمة: لا بدَّ أن يقول: هو جائزٌ الشهادة؛ لأن العبد قد یکون عدلاً، وشهادته لا تجوز. وقيل: يُكتفى بقوله: هو عدلٌ؛ لأن الحرية ثابتةٌ بالدار، وهذا أصح. كذا في ((الهداية))(١). وقال أبو يوسف: يقول في تعديله: ما أعلم منه إلا خيراً. - ولو قال: لا بأس به: فقد عدَّله وزكَّاه، والتزكية كانت في عهد الصحابة علانيةً، ولم تكن في السرِّ تزكيةٌ؛ لأنهم كانوا صلحاء، وكان المعدِّل لا يخاف الأذيةَ من الشهود إذا جرحهم، وفي زماننا تُركت تزكية العلانية، واكتُفي بتزكية السرِّ؛ تحرُّزاً عن الفتنة والأذية؛ لأن الشهود يؤذون الجارحَ. وعن محمد أنه قال: تزكية العلانية بلاء وفتنة. كذا في ((الهداية))(٢). (١) ١١٨/٣. (٢) ١١٨/٣. ١٤٩ كتاب الشهادات - وإذا رأى المزكي رجلاً حافظاً للجماعة، ولم يرَ منه ريبةً: قال أبو سليمان: يسعه أن يعدِّلَه. - وإن كان لا يعرفه، فجاء شاهدان عدلان فعدَّلاه عنده: وسِعَه أن يُعدِّله بقولهما. كذا في ((الينابيع)). - وتعديلُ الواحد جائزٌ عندهما، والاثنان أحوط. وقال محمد: لا بدَّ من اثنين؛ اعتباراً بالشهادة. - وعلى هذا الخلاف: المترجِمُ عن الشاهد، ورسولُ القاضي إلى المعدِّل، يعني إذا كان رسولُ القاضي إلى المعدِّل واحداً، والمترجِمُ عن الشهود: جاز عندهما، والاثنان أحوط. وعند محمد: لا بدَّ من اثنين؛ لأن التزكية في معنى الشهادة، فيُعتبر فيها العدد، كما تُعتبر فيها العدالة. وهما يقولان: التزكية في السر ليست في معنى الشهادة، ولهذا لا يُشترط لفظ الشهادة، وكذا العدد، بالإجماع، على ما قال الخَصَّاف؛ لاختصاصهما بمجلس القضاء. - ويشترط أربعةً في تزكية شهود الزنا عند محمد. كذا في ((الهداية))(١). (١) ١١٩/٣. ١٥٠ كتاب الشهادات وما يتحمَّله الشاهدُ على ضربَيْن : أحدُهما : ما يثبتُ حكمُه بنفسه، مثلُ البيعِ، والإقرارِ، والغصبِ، والقتلِ، وحُكْمِ الحاكم. فإذا سمع ذلك الشاهدُ، أو رآه: وَسِعَه أن يَشهد به وإن لم يُشْهَد عليه . وقد قال أبو حنيفة: أقبلُ في تزكية السر المرأةَ والعبدَ والمحدودَ في القذف إذا كانوا عدولاً، ولا أقبل في تزكية العلانية إلا تزكيةَ مَن أقبل شهادتَه؛ لأن تزكية السر من باب الإخبار، والمخبَرُ به أمرٌ ديني، وقولُ هؤلاء في الأمور الدينية مقبولٌ إذا كانوا عدولاً، ألا ترى أنه تُقبل روايتهم في الإخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجب الصوم بقولهم. - وتزكية العلانية: نظير الشهادة، فيُشترط فيها أهلية الشهادة، وكذا العدد، بالإجماع، على ما قال الخَصَّاف. - وعلى هذا: فتزكية الوالد لولده في السرِّ: جائزٌ؛ لأنها من باب الإخبار. كذا في ((النهاية)). - وكذا تعديل الأعمى والمملوك عندهما، خلافاً لمحمد. كذا في ((الينابيع)). : قوله: (وما يتحمّله الشاهد على ضربين: أحدهما: ما يَثبت حكمُه بنفسه، مثل البيع والإجارةِ والنكاحِ والإقرارِ والغصبِ والقتلِ وحكمٍ الحاكم، فإذا سمع ذلك الشاهدُ، أو رآه: وَسِعَه أن يَشْهَد به وإن لم يُشْهَدْ عليه). ١٥١ کتاب الشهادات ويقولُ : أشهد أنه باع، ولا يقولُ : أَشهَدَني. - وأما إذا سمع الحاكمَ يقول: حكمتُ لفلانٍ على فلانٍ بألف درهم: إن سمعه يقول ذلك في موضعٍ يجوز حكمُه فيه: جاز له أن يشهد بذلك وإن لم يأمره الحاكمُ بذلك. وإن کان سمِعَه في موضع لا يجوز حکمه فیه: لا يجوز له أن يشهد بذلك. * قوله: (ويقول: أشهد أنه باع). هذا في البيع الصريح ظاهرٌ، وأما إذا كان البيع بالتعاطي: فإنه يشهد على الأخذ والإعطاء، ولا يَشهد على البيع. وفي ((الذخيرة)): لو شهد على البيع: جاز. - وفي الإقرار يقول: أشهد أن فلاناً أقرَّ بكذا. - ولو فسَّر للقاضي بأن قال: أشهد بالسماع: لا يُقبل. كذا في ((النهاية)). * قوله: (ولا يقول: أَشَهَدَني)؛ لأنه كذبٌ. ۔ ولو سمعه من وراء حجاب: لا يجوز له أن یشهد. - ولو فسَّره للقاضي: لا يقبله؛ لأن النغمة تُشبه النغمةَ، إلا إذا كان داخل البيت، وعلم أنه ليس فيه أحدٌ، ثم جلس على الباب، وليس فيه مَسلكٌ غيرُه، فسمع إقرارَ الرجل، ولا يراه؛ لأنه حصل له العلمُ في هذه الصورة. - رجلٌ كتب على نفسه صكاً بحقِّ، وقال لقومٍ: اشهدوا عليَّ بما في هذا الصك: جاز لهم أن يَشهَدوا علیه. ١٥٢ کتاب الشهادات ومنه : ما لا يَثبتُ حُكْمِه بنفسه، مثلُ الشهادة على الشهادة، فإذا سمع شاهداً يَشهد بشيءٍ : لم يجز أن يَشهد على شهادته، إلا أن يُشْهِدَه. وكذلك لو سَمِعَه يُشهِدُ الشاهدَ على شهادته: لم يَسَعِ السامعَ أن يَشهَد . - وإن کتَبَه غيرُه، وقال لهم ذلك: لم يجز حتى يقرأه عليهم. * قوله: (ومنه: ما لا يثبت حكمُه بنفسه، مثل الشهادة على الشهادة، فإذا سمع شاهداً يشهد بشيءٍ: لم يجز له أن يشهد على شهادته، إلا أن يُشهِده)؛ لأن الشهادة غيرُ موجبةٍ بنفسها، وإنما تصير موجبةً بالنقل إلى مجلس القضاء، فلا بدَّ فيها من الإنابة والتحمُّل، ولم يوجد، ألا ترى أنه لو رجع عن الشهادة بعد ما شهد بها عند الحاكم: لم يُلزمه الحاكمُ شيئاً، ولم يقطع بشهادته حقاً. فإذا صح هذا: قلنا: مَن سمع شاهداً يَشهد على رجلٍ بشيءٍ: لم يجز له أن يشهد بذلك؛ لأنه شهد بما لم يثبت به حقٌّ على المشهود عليه. - قال في ((النهاية)): هذا إذا سمعه في غير مجلس القضاء، أما لو سمع شاهداً يشهد في مجلس القاضي: جاز له أن يَشهد على شهادته وإن لم یُشهده. * قوله: (وكذلك لو سمعه يُشهِد شاهداً على شهادته: لم يَسَعِ السامعَ أن يشهد على ذلك)؛ لأنه إنما حمَّل غيره، ولم يحمِّلْه. - ولو قال الشاهد لرجلٍ: أنا أشهد أن لفلانٍ على فلانِ ألف درهم، فاشهَدْ علیه بذلك: لم يُلتفت إلى ذلك. ١٥٣ کتاب الشهادات ءِ ولا يَحِلّ للشاهد إذا رأى خطَّه أن يَشهدَ، إلا أن يَذْكَرَ الشهادةَ. - وكذا لو قال: فاشهَد بما شهدتُ به، أو اشهَدْ عليَّ بما شهدتُ به: فذلك كله باطلٌ، حتى يقول: اشهَد على شهادتي؛ لأن جميع هذه الألفاظ أمرٌ بالشهادة لا على طريق التحميل، وهذا المأمور لم يعاين إقرارَ المشهود عليه، ولا أشهده الشاهدُ على نفسه. - بخلاف ما إذا قال: اشهَدْ على شهادتي؛ لأن ذلك استنابةً في نقل شهادته، وإشهادٌ له على نفسه بذلك. قوله: (ولا يَحِلَّ للشاهد إذا رأى خطَّه أن يَشهد، إلا أن يَذكرَ الشهادةَ)؛ لأن الخطَّ يُشبه الخطّ، فلم يحصل له العلم به بيقين، وهذا قولهما. وقال أبو يوسف: يحل له أن يشهد. 93 - وفي ((الهداية))(١): محمدٌ مع أبي يوسف. وقيل: لا خلاف بينهم في هذه المسألة، وأنهم متفقون على أنه لا يحل له أن يشهد في قول أصحابنا جميعاً، إلا أن يذكر الشهادة. - وإنما الخلاف بينهم فيما إذا وجد القاضي شهادة في ديوانه؛ لأن ما في قِمَطْره تحت ختمه يُؤمَن عليه من الزيادة والنقصان، فحصل له العلم، ولا كذلك الشهادة في الصك؛ لأنها في يد غيره. (١) ١٢٠/٣. ١٥٤ کتاب الشهادات - وعلى هذا إذا ذكر المجلسَ الذي كانت فيه الشهادة، أو أخبره قومٌ ممن يثق بهم أنَّا شهدنا نحن وأنتَ. كذا في ((الهداية))(١). - وفي ((البزدوي الصغير)): إذا استيقن أنه خطه، وعلم أنه لم يُزَدْ فيه شيء، بأن كان مخبوءاً عنده، أو علم بدليلٍ آخر أنه لم يُزَد فيه، لكن لا یحفظ ما سمع: فعندهما لا يسعه أن یشهد. وعند أبي يوسف: يسعه، وما قاله أبو يوسف هو المعمول به. قال في ((التقويم)): قولهما هو الصحيح. (١) ١٢٠/٣. ١٥٥ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل [فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل] ولا تُقبلُ شهادةُ الأعمىُ، . فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل * قوله: (ولا تُقبل شهادةُ الأعمىُ). ۔ و کذا قضاؤه لا يجوز. - ثم شهادته على وجهين : - أحدهما: إن كان تحمَّلها وهو بصيرٌ، ثم أدَّاها وهو أعمىَّ: لم يجز عندهما. وقال أبو يوسف: يجوز؛ لأنه لم يُفتَقَد منه في حال الأداء إلا معاينة المشهود عليه، فإذا صحَّ تحمُّله: جاز أداؤه، كما لو شهد بصيرٌ على میت، أو على غائب. ولهما: أن العمىُ يمنع التحمُّل، فمنع الأداء، كالجنون. ولأن حالة الأداء آكد من حالة التحمل؛ بدليل أن التحمل يصح في حالٍ لا يصح فيه الأداء، مثل أن يكون فاسقاً، أو عبداً، أو صبياً وقت التحمل، فإن تحمُّلَه صحيحٌ، فإذا كان العمى يمنع التحمُّل: فأوْلى وأحرى أن يمنع الأداء. ١٥٦ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل ولا المملوكِ، - والثاني: إذا أدى الشهادة عند الحاكم وهو بصيرٌ، ثم عميَ قبل الحكم بها: لم يجز للحاكم أن يحكم بها عندنا؛ لأن من شرط صحة الحكم بالشهادة عندنا: بقاء الشهود على حال أهلية الشهادة إلى أن يحكم بها الحاكم، حتى إذا ارتدوا أو فسقوا أو خرسوا أو رجعوا قبل الحكم بها: فإن ذلك يمنع القضاءَ بها، فكذا إذا عميَ قبل الحكم بشهادته. - بخلاف ما إذا مات الشهودُ، أو غابوا بعد الأداء قبل الحكم؛ لأن الأهلية بالموت: انتهت، وبالغَيْبة: بطلت، يعني في المال. - وكذا في الحدود، إلا في الرجم خاصةً، فإنه يسقط إذا غابت الشهود، أو ماتوا بعد القضاء؛ لفوات البداءة بهم. وعن أبي يوسف: لا يبطل الرجمُ أيضاً بموتهم، ولا بغَيْتهم. - وقد قالوا: إن شهادة الأعمى لا تُقبل في شيءٍ أصلاً. وقال زفر: تُقبل فيما طريقُه الاستفاضة، كالنسب والنكاح والموت ونحو ذلك؛ لأن الأعمى يقعُ له العلمُ بما طريقُه الاستفاضة، كما يقع للبصير. * قوله: (ولا المملوك)؛ لأن الشهادة من باب الولاية، وهو لا يلي على نفسه، فَأَوْلى أن لا يليَ على غيره، قال الله تعالى: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾. النحل / ٧٥. ١٥٧ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل ولا المحدودِ في قذفٍ وإن تاب. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾. البقرة/ ٢٨٢، فلا يدخل العبدُ تحت هذا؛ لأن عليه خدمةَ مولاه يمتنعُ بها عن الحضور إلى مجلس الحاكم، ولأنه ليس من أهل الضمان بالرجوع عن الشهادة. * قوله: (ولا المحدودِ في قذفٍ وإن تاب)؛ لقوله تعالى ﴿وَلَ نَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهْدَةً أَبَدًا﴾. النور / ٤. ولأن ردَّ شهادته من تمام الحدِّ، بخلاف المحدود في غير القذف؛ لأن الرد بالفسق، وقد ارتفع بالتوبة. وعند الشافعي (١) تُقبل شهادته إذا تاب؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾ . النور / ٥. قلنا: الاستثناء ينصرف إلى ما يليه، وهو الفسقُ، وقد قال أصحابنا: إن شهادته تُقبل ما لم يُقَم عليه الحدُّ؛ لأن الله تعالى شرط في إبطالها إقامةً الحد عليه، فما لم يوجد الشرط: بقي على ما كان عليه. - ولو ضُرب بعضُ الحدِّ، فهرب قبل تمامه: ففي ظاهر الرواية تُقبل شهادته ما لم يُضرب جمیعه. وفي روايةٍ: إذا ضُرب سوطاً واحداً: لا تُقبل شهادته. (١) الوجيز للإمام الغزالي ٢٥١/٢. ١٥٨ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل ولا شهادةُ الوالد لولده، وولد ولده، وفي رواية: إذا ضُرب أكثرَ الحد: سقطت شهادتُه، وإن ضُرب الأقل: لا تسقط. - ولو حُدَّ الكافرُ في قذفٍ، ثم أسلم: تُقبل شهادتُه؛ لأن للكافر شهادةً، فكان ردُّها من تمام الحد، وبالإسلام قد حدثت له شهادةٌ أخرى. - بخلاف العبد إذا حُدَّ، ثم أُعتق؛ لأنه لا شهادةَ له أصلاً، فتمام حدّ: ردُّ شهادته بعد العتق. - وأما إذا كان القذف في حالة الكفر، فحُدَّ في حالة الإسلام: بطلت شهادته على التأبید. - ولو حصل بعض الحد في حالة الكفر، وبعضُه في حالة الإسلام: ففيه ثلاث روايات: في ظاهر الرواية: لا تبطل شهادتُه على التأبيد، حتى إنه لو تاب: تُقبل؛ لأن المبطِل كمالُ الحدِّ، وكمالُه لم يوجد في حالة الإسلام. وفي رواية: إذا وُجد السوط الأخيرُ في حالة الإسلام: بطلت شهادته على التأبيد؛ لأن المبطِل لها هو السوط الأخير. وفي رواية: اعتُبر أكثرُ الحد، فإن وُجد أكثره في حالة الإسلام: تبطل شهادته، وإن وُجد أكثرُه في حالة الكفر: لا تبطل. : قوله: (ولا شهادةُ الوالدِ لولده، وولدِ ولدِه)؛ لأن مال الابن ١٥٩ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل ولا شهادةُ الولد لأبويه، وأجداده. ولا تُقبلُ شهادةُ أحدِ الزوجين للآخر. ولا شهادةُ المولىُ لعبده، ولا لمكاتبه. منسوبٌ إلى الأب، قال عليه الصلاة والسلام: ((أنتَ ومالك لأبيك))(١). فإذا كان كذلك: كان شهادته لنفسه، فلا تُقبل. - وولد الولد: بمنزلة الولد، وتجوز شهادته عليه؛ لانتفاء التهمة. * قوله: (ولا شهادةُ الولد لأبويه، وأجداده)؛ لأنه منسوبٌ إليهم بالولادة، والمنافعُ بين الآباء والأولاد متصلةٌ، ولهذا لا يجوز أداء الزكاة إليهم، فتمكَّنت فيهم التهمة. * قوله: (ولا تُقبل شهادةُ أحد الزوجين للآخر)؛ لأن الانتفاع بينهما متصلٌ عادةً، فيكون متهماً. * قوله: (ولا شهادةُ المولى لعبده)؛ لأنها شهادةٌ لنفسه من كل وجهٍ إذا لم يكن على العبد دينٌ، أو من وجه إن كان عليه دينٌ؛ لأن الحال موقوفٌ مراعىَ. قوله: (ولا لمكاتبِه)؛ لأنه على حُكم مِلكه، قال عليه الصلاة والسلام: ((المكاتَبُ رِقِّ ما بقيَ عليه درهمٌ)(٢). (١) تقدم ٢٢٨/٢. (٢) بلفظ: ((المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)): سنن أبي داود (٣٩٢٧)، وحسَّنه النووي في روضة الطالبين ٢٣٦/١٢، وينظر البدر المنير ١٦٦/٢٦. ١٦٠ فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل ولا شهادةُ الشريك لشریکه فيما هو من شرِ کَتهما. - وكذا لا تجوز شهادةُ الأجير لمن استأجره، والمراد بالأجير: التلميذ الخاص الذي يعدُّ ضرر أستاذه ضررَ نفسه، ونفعه نفعَ نفسه. وقيل: المراد به: الأجير مسانَهَةً، أو مشاهرةً. قوله: (ولا شهادةُ الشريكِ لشريكه فيما هو من شركتهما)؛ لأنه شهادةٌ لنفسه من وجه؛ لاشتراكهما في المال. - فإن شهد بما ليس من شركتهما: تُقبل؛ لانتفاء التهمة. - والأصل: أن كل شهادة جرَّت للشاهد مَغْنَماً، أو دفعت عنه مَغرَماً: لا تُقبل، وشهادةُ الشريك فيما هو من شركتهما: تجلب له مَغْنَماً، فلا تجوز. - ولو أودع رجلٌ رجلين وديعةً، فجاءه مدَّع فادعاها، فشهد له المودَعان: جازت شهادتُهما؛ لأنهما لم يَجرَّا إلى أنفسهما بشهادتهما مَغْنَماً، ولا دَفَعَا بها مَغرَماً. ــ وكذا إذا شهد المرتهنان بالرهن لرجلٍ غير الراهن: جازت شهادتهما؛ لأنه ليس لهما في هذه الشهادة نفعٌ، بل فيها إبطالُ حقهما من الوثيقة. - بخلاف ما إذا باع عيناً على اثنين، فادعى مدَّعِ تلك العينَ، فشهدا بها له: فإنه لا تجوز شهادتُهما؛ لأنها تدفع عنهما مَغرَماً، وهو إبطالُ الثمن عنهما، فهما يشهدان لأنفسهما، فلا تُقبل.