Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب السرقة
كتاب السرقة
إذا سرق البالغُ، العاقلُ عشرةَ دراهمَ،
كتاب السرقة
السرقة في اللغة: عبارةٌ عن أَخْذُ مال الغير على وجه الخُفية، ومنه:
استراق السمع.
وقد زِيدت عليه أوصافٌ في الشريعة.
والمعنى اللغويُّ مراعىّ فيه ابتداءً وانتهاءً، أو ابتداءً، لا غير، كما إذا
نَقَبَ البيتَ علىُ الخُفية، وأَخَذَ المالَ من المالك مكابرةً على الجِهار،
ھ
يعني ليلاً، وأما إذا كان نهاراً: اشترط الابتداءَ والانتهاء.
- وإنما شُرِطُ الأخذُ على الخُفية: لأن الأخذ على غير الخُفية: يكون
نَهْباً وخِلْسةً وغصباً.
- وأما قَطْع الطريق: فهو الخروج لأخذ المال على وجه المجاهرة، في
موضعٍ لا يَلحقُ المأخوذَ منه الغَوْثُ.
* قال رحمه الله: (إذا سرق البالغُ العاقلُ عشرةَ دراهمَ)، يعني دُفعةً
واحدةً.

٣٨٢
كتاب السرقة
أو ما قيمتُه عشرةُ دراهمَ، مضروبةً أو غيرَ مضروبةٍ، .
.
- وسواء كانت العشرة لمالك واحدٍ، أو لجماعة، إذا كانت في حِرْزٍ
واحدٍ: فإنه يُقطع.
- ويشترط في ثبوت القطع: أن يكون السارق من أهل العقوبة، بأن
يكون بالغاً، وأن يكون المسروق نصاباً كاملاً، وهو مقدّرٌ بعشرة دراهم
عندنا.
وقال الشافعي(١): ربع دینار.
وقال مالك(٢): ثلاثة دراهم.
* قوله: (أو ما قيمتُه عشرةُ دراهم).
فيه إشارةٌ إلى أن غير الدراهم تُعتبر قيمته بها وإن كان ذهباً.
- ويُعتبر أن تكون قيمةُ المسروق عشرةً من حين السرقة إلى حين
القطع، فإن نقص السعر فيما بينهما: لم يُقطع، وهذا عندهما.
وقال محمد: لا عبرة بالنقصان بعد الأخذ.
- وإذا سَرَقَ المالَ في بلدٍ، وترافعا جميعاً إلى حاكمٍ في بلدٍ آخر: فلا
بدَّ أن تكون قيمةُ المسروق نصاباً في البلدين جميعاً.
* قوله: (مضروبةً، أو غيرَ مضروبةٍ).
(١) مغني المحتاج ١٥٨/٤.
(٢) عند المالكية ربع دينار أو ثلاثة دراهم. جواهر الإكليل ٢٩٠/٢.

٣٨٣
كتاب السرقة
من حِرْزٍ لا شُبْهةَ فيه : وَجَبَ عليه القَطْعُ.
اختلفت الرواية في ذلك، وظاهر الرواية: أنه يُشترط المضروبة، وبه قال
أبو يوسف ومحمد، وهو الأصح؛ لأن اسمَ الدراهم يُطلق على المضروبة
عرفاً، حتى لو سرق عشرةَ دراهم تِبْراً قيمتُها أقل من عشرةٍ مضروبةٍ: لم
يُقطع.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه سوَّى بين المضروبة وغيرها، کنصاب
الزكاة.
- ثم المعتبر في الدراهم: أن تكون العشرة منها وزن سبعة مثاقيل؛
بدلیل مقادير الدیات.
- وإن سرق دراهم زيوفاً أو نَبَهْرجةً أو ستَّوقةً: لم يُقطع حتى تساوي
عشرة دراهم جياداً، إذ لا عبرة للوزن فيها.
- وكذا إذا سرق نُقَرةً وزنُها عشرةٌ، وقيمتها أقل: لم يُقطع.
- ولو سرق نصفَ دينارٍ قيمتُه عشرةُ دراهم جياداً: قُطع، وإن كانت
أقل: لم يُقطع.
- ولا قطعَ على مجنونٍ ولا صبيٍّ؛ لأنهما غير مخاطبين، ولكن
يضمنان المال.
- وإن كان يُجَنُّ ويُقيق، فسرق في حال إفاقته: قُطع. كذا في ((الخُجندي)).
* قوله: (مِن حِرْزٍ لا شُبهةَ فيه: وجب عليه القطعُ).

٣٨٤
كتاب السرقة
·
- الحِرْزُ شرطٌ لوجوب القطع، حتى لو انتهب أو اختلس أو سرق مالاً
ظاهراً، كالثمار على الأشجار، أو الحيوان في المراعي: لا يجب القطع.
- والحِرْز على وجهين: أحدهما: المبنيُّ لحفظ المال والأمتعة،
وسواء في ذلك أن يكون داراً أو دكاناً أو خَيْمةً أو فُسطاطاً(١) أو صندوقاً.
والحرز الثاني: أن يكون مُحرزاً بصاحبه؛ ((لأن النبي عليه الصلاة
والسلام قَطَعَ سارقَ رداءٍ صفوان، وكان تحتَ رأسه))(٢)، فجعله محرَزاً به.
ـ وسواء كان صاحبه نائماً أو مستيقظاً؛ لأن صفوان كان نائماً حين
سرق رداؤه.
- فإن دخل السارق الدارَ، وعَلِمٍ به المالكُ، والسارقُ يعلم ذلك: لا
يُقطع؛ لأنه جَهْرٌ، وليس بخُفية، وإن لم يَعلم المالك: قُطع.
- وإن دخل اللِّصُّ ليلاً وصاحبُ الدار فيها: إن علم كلّ واحدٍ منهما
بصاحبه: لم يُقطع، وإن لم يَعلم، أو علم أحدهما دون الآخر: قُطع.
- ولا قَطْعَ على مَن سرق في دار الإسلام من حربي مستأمِن.
- وإن سرق المسلمُ من الذمي: قُطع.
(١) بيتٌ من شَعر. المصباح المنير (فسط).
(٢) سنن أبي داود (٤٣٩٤)، سنن ابن ماجه (٢٥٩٥)، سنن النسائي ٦٩/٨،
وينظر نصب الراية ٣٦٨/٣ ونقل عن صاحب التنقيح أنه حديث صحيح.

٣٨٥
كتاب السرقة
والعبدُ، والحُرُّ في القطع سواء.
ويجب القطعُ بإقراره مرةً واحدةً، أو بشهادة شاهدَيْن.
- وقوله: لا شبهة فيه: أي في الحرز؛ لأن الشبهة فيه تُسقط القطعَ،
على ما نبيِّن إن شاء الله.
* قوله: (والحرُّ والعبدُ في القطع سواءً)؛ لإطلاق الآية من غير
فصلٍ، ولأن القطع لا يتنصف.
- وكذا الرجل والمرأة فيه سواءٌ؛ للآية.
* قوله: (ويجب القطع بإقراره مرةً واحدةً)، هذا عندهما.
وقال أبو يوسف: لا يُقطع إلا بإقراره مرتين في مجلسين مختلفين.
وروي عنه الرجوع إلى قولهما.
* قوله: (أو بشهادة شاهدين).
- ولا يجوز بشهادة رجلٍ وامرأتين؛ لأنه حدٍّ، فإن شهد رجل
وامرأتان: لم يُقطع، ويجب المال؛ لأن شهادة النساء مع الرجال حجةً في
الأموال.
- وينبغي للقاضي أن يسأل الشاهدين عن كيفية السرقة، وماهيتها،
وزمانها، ومكانها، وقَدْرها؛ للاحتياط، كما في الحدود.
- ويُعتبر في إقامة القطع في السرقة بالإقرار: حضورُ المسروق منه،
ومطالبتُه بإقامته عندهما.

٣٨٦
كتاب السرقة
وإذا اشترك جماعةٌ في سرقةٍ، فأصاب كلَّ واحدٍ منهم عشرةُ دراهم :
قُطعوا.
1
وإن أصابه أقلُّ من ذلك: لم يُقْطَع.
وقال أبو يوسف: لا يُعتبر ذلك.
- وأما في ثبوته بالشهادة: فلا بدَّ من حضوره، إجماعاً.
: قوله: (وإذا اشترك جماعةٌ في سرقةٍ، فأصاب كلّ واحدٍ منهم
عشرةُ دراهم: قُطع، وإن أصابه أقلَّ: لم يُقطع).
- وإذا لم يجب القطع: ضمن ما أصابه من ذلك.
- وإن سرق واحدٌ من جماعةِ عشرةَ دراهم: قُطع، ويكون ذلك القطع
لهم جميعاً.
- ولو دخل داراً، فسرق من بيت منها درهماً، فأخرجه إلى صَحْنُها،
ثم عاد، فسرق درهماً آخر، ولم يزل يفعل هكذا حتى سرق عشرةً: فهذه
سرقةٌ واحدةٌ، فإذا خرج بالعشرة من الدار: قُطع.
- وإن خرج في كل مرةٍ من الدار، ثم عاد حتى فعل ذلك عشر مرات:
لم يُقطع؛ لأنها سرقات.
- ولو سرق ثوباً لا يساوي عشرةَ دراهم، وفي طَرَفِه دراهم مصرورةٌ
تزيد على العشرة:
فعن أبي حنيفة إذا لم يعلم بالدراهم: لم يُقطع، وإن علم بها: قُطع.
وعن أبي يوسف: عليه القطع، عَلِمَ أو لم يعلم.

٣٨٧
كتاب السرقة
ولا يُقطَع فيما يوجد تافِهاً، مباحاً في دار الإسلام، كالخشب،
والقَصَبِ، والحشيشِ، والسمكِ، والطيرِ، والصيد.
* قوله: (ولا قَطْعَ فيما يوجد تافهاً مباحاً في دار الإسلام، كالخشب،
والقَصَب، والحشيش، والسمك، والطير، والصيد).
- وكذلك الزِّرْنيخ، والمَغْرَةَ(١)، والماء.
- والتافهُ هو: الشيءُ الحقيرُ.
- ويدخل في الطير: الدجاجُ، والإِوَزُّ، والحَمَام.
- وعن أبي يوسف: يُقطع في كل شيءٍ، إلا الطين، والتراب،
والسِّرْقين.
- قال أبو حنيفة: ولا قطع في شيءٍ من الحجارة، والكُحل، والملح،
والقُدُور، والفَخَّار، وكذا اللَّبِن، والآجُرِّ، والزجاج.
- وعن أبي حنيفة: في الزجاج: القطع.
- وقال أبو يوسف: أقطع في ذلك كله.
- وعن أبي حنيفة: يُقطع في الجواهر كلها، واللؤلؤ، والياقوت،
والزُّمُرُّد، والفَيروزج؛ لأنه لا يوجد تافهاً، فصار كالذهب والفضة.
- وقوله: كالخشب: يعني ما سوىُ السَّاجِ والقَنَا والأَبْنُوس والصَّنْدل.
(١) طين أحمر تُصبغ به الثياب. القاموس المحيط (مغر).

٣٨٨
كتاب السرقة
وكذلك لا قَطْعَ فيما يُسرِعُ إليه الفسادُ، كالفواكهِ الرَّطْبةِ، واللحمِ،
واللَّبَنِ، والبِطِّيخِ.
ولا في الزَّرع الذي لم يُحْصَد، والثمرِ على الشجر.
* قوله: (ولا فيما يُسرِعُ إليه الفسادُ، كالفواكه الرَّطْبة، واللَّبَنِ،
واللحم، والبطيخ).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا قَطْع في ثَمَرٍ، ولا كَثَر)) (١).
والكَثَرُ: هو الجُمَّار، وقيل: الوَدِيُّ، وهو النخل الصغار.
وقال أبو يوسف: يُقطع في ذلك كله.
- ولو سرق شاةً مذبوحةً، أو ذبحها بنفسه، ثم أخرجها: لا يُقطع؛
لأنها صارت لحماً، ولا قطعَ فيه.
- والفواكه الرَّطْبة: مثلُ العنب، والسَّفَرْجِل، والتفاح، والرمان،
وأشباه ذلك: لا قطع فيها وإن كانت مجدودةَ في حظيرة، وعليها بابٌ
مقفلٌ.
- وأما الفواكه اليابسة: كالجَوْز واللوز: فإنه يُقطع فيها إذا كانت محرَزةً.
- وكذا لا قطعَ في بَقْلٍ، ولا باذنجان، ولا رَیْحان.
- ويُقطع في الحِنَّاء، والوَسْمة؛ لأنه لا يُسرع إليها الفساد.
* قوله: (ولا في الفاكهةِ على الشجر، والزرعِ الذي لم يُحصَد)،
(١) سنن أبي داود (٤٣٨٨)، سنن الترمذي (١٤٤٩)، صحيح ابن حبان
(٤٤٦٦).

٣٨٩
كتاب السرقة
يعني لا قَطْعَ فيهما؛ لعدم الإحراز.
- وأما إذا قُطعت الفاكهة بعد استحكامها، وحَصْدِ الزرع، وجَعْلِه في
حظيرة، وعليها بابٌ مغلَقٌّ: قُطِع.
- ولا قَطْعَ في سرقةِ الثياب التي بُسطت للتجفيف.
- وإن سَرق شاةً من المَرعىُّ، أو بقرةً أو بعيراً: لم يُقطع وإن كان هناك
راعٍ.
- فإن آواها بالليل إلى حائطِ قد بُني لها، عليه بابٌ مغلَقٌ، أو معها
حافظٌ، أو ليس معها حافظٌ، فكَسَر البابَ، ودَخَلَ، وسَرَقَ بقرةً أو شاةً
تساوي عشرةَ دراهم، وأخرجها وهو يقودُها أو يسوقُها أو راكبٌ عليها: قُطع.
- وفيَّد بقوله: بابٌ مغلَقٌ: لأنه يُعتبر إغلاقُ الباب في هذه المواضع؛
لأن من طبعها النفور.
- أما الحنطة في الحظيرة، وسائرُ الأمتعة: لا يُعتبر فيها الإغلاقُ.
- ويُقطع في الحبوب كلِّها، والأدهان، والطِّيب، والعُود والمِسْك؛
لأنه مما لا يُسرع إليه الفساد.
- ويُقطع في الخل أيضاً؛ لأنه لا يُسرع إليه الفساد.
- ويُقطع في سرقة القطن، والكُتَّان، والصوف، والدقيق، والسَّمْن،
والتمر، والزبيب، والعسل، والملبوس، والمفروشِ، والأواني من الحديد،
والصُّفْر، والرصاص، والأَدُمِ، والقراطيسِ، والسكاكين، والمقاريضِ،

٣٩٠
كتاب السرقة
ولا قَطْعَ في الأشربة المُطْرِبة، ولا في الطُّنْبُورِ .
ولا في سرقة المصحف وإن كان عليه حِليةٌ.
والموازين، والأرسان.
- ولا يُقطع في الأُشنان؛ لأنه يوجد تافهاً مباحاً.
: قوله: (ولا قَطْعَ في الأشربة المُطرِبة): أي المُسْكِرة، والطَّرَبُ:
النشاطُ.
- ويقطع في سرقة الفُقَّاعِ، والدُّبْس، والخَلِّ.
- ولا يُقطع في الخُبز، والثَريد.
* قوله: (ولا في الطُّنْبور)، وكذا الدُّفِّ، والمِزْمار؛ لأنها للملاهي.
: قوله: (ولا في سرقة المصحفِ وإن كان عليه حِليةٌ) تساوي ألفَ
درهم.
وعن أبي يوسف: يُقطع فيه مطلقاً.
وعنه: يُقطع إذا بلغت قيمةُ الحِلية عشرة دراهم.
لنا: أن المقصودَ مِن تناوله القراءةُ فيه، وذلك مأذونٌ فيه عادةً،
والحليةُ إنما هي تابعةٌ، ولا عبرةَ بالتَّبَع، ألا ترى أن مَن سرق آنيةً فيها
خمرٌ، وقيمةُ الآنية تزيد على النصاب: لا يُقطع.
- وكذا لا قَطْعَ في كتب الفقه، والنحو، واللغة، والشِّعر؛ لأن
المقصود ما فيها، وهو ليس بمال.

٣٩١
كتاب السرقة
ولا في الصليبِ الذهبِ، ولا في الشِّطْرَنْجِ، ولا النَّرْدِ.
ولا قَطْعَ على سارقِ الصبيِّ الحرِّ وإن كان عليه حُلِيٌّ .
- ولو سَرَقَ إناءَ فضة قيمتُه مائةٌ، فيه نبيذٌ، أو ماءٌ، أو طعامٌ لا يبقىُ،
أو لَبَنٌّ: لا يُقطع، وإنما يُنظرُ إلى ما في الإناء.
وعند أبي يوسف: إذا كانت قيمةُ الإناء عشرةَ دراهم: قُطع.
* قوله: (ولا في الصليبِ الذهبِ والفضةِ)؛ لأنه مأذونٌ في كَسْره.
- وكذا الصنمٍ من الذهب والفضة.
- فأما الدراهمُ التي عليها التماثيلُ: فإنه يُقطع فيها؛ لأنها ليست مُعدَّةً
للعبادة.
- ولو سرق ذميٌّ من ذميِّ خمراً: لم يُقطع؛ لأن معنى المالية فيها ناقصٌ.
* قوله: (ولا في الشِّطْرَنجِ، ولا في النَّرْد) وإن كانت من ذهبٍ أو
فضةٍ؛ لأنها للملاهي.
* قوله: (ولا قَطْعَ على سارق الصبيِّ الحرِّ وإن كان عليه حليةٌ)؛ لأن
الحرَّ ليس بمال، والحِليةَ تبعٌ له.
وقال أبو يوسف: يُقطع إذا كانت الحلية نصاباً.
- والخلاف في الصبي الذي لا يمشي، ولا يَتكلّم، أما إذا كان يمشي
ويتكلم: فلا قطعَ فيه، إجماعاً وإن كان عليه حليةٌ كثيرةٌ؛ لأن له يداً على
نفسه، وعلى ما علیه.

٣٩٢
كتاب السرقة
ولا قَطْعَ في سرقة العبدِ الكبير .
ويُقْطَعُ في سرقة العبدِ الصغير.
ولا قَطْعَ في الدفاتِرِ كلّها، إلا في دفاترِ الحساب.
- وإن سرق جِرَاباً فيه مالٌ كثيرٌ، أو جُوَالقَ فيها مالٌ: قُطع؛ لأنها
أوعيةٌ للمال، والمقصودُ بالسرقة المالُ، دون الوعاء.
* قوله: (ولا قَطْعَ في سرقة العبدِ الكبيرِ)؛ لأنه في يد نفسه، فكان
غصباً، لا سرقة.
* قوله: (ويُقطع في سرقة العبدِ الصغيرِ)، يعني إذا كان لا يُعبِّر عن
نفسه، ولا يتكلم؛ لأنه مالٌ، ولا يدَ له على نفسه، كالبهيمة، وأما إذا كان
يُعبِّر عن نفسه: فهو كالبالغ.
وقال أبو يوسف: لا يُقطع وإن كان صغيراً لا يتكلم، ولا يَعقل؛ لأنه
آدميٌّ من وجهٍ، مالٌ من وجه. كذا في ((الهداية))(١).
* قوله: (ولا قَطْعَ في الدفاترِ كلّها، إلا في دفاتر الحساب)؛ لأن ما
فيها لا يُقصَد بالأخذ وإن كانت كتبَ النحو والفقه والشِّعر؛ لأن المقصود
بسرقتها: ما فيها، وهو ليس بمالٍ.
- وأما دفاتر الحساب، وهم أهل الديوان، فالمقصود منها الورقُ،
دون ما فيها، والورقُ مالٌ، فيجب فيه القطع.
(١) ١٢١/٢.

٣٩٣
كتاب السرقة
ولا قَطْعَ في سرقة كلبٍ، ولا فهدٍ، ولا دُفٍّ، ولا طَبْلٍ، ولا مِزْمَارٍ .
ويُقْطَعُ في السَّاجِ، والقَنَا، والآبُنُوسِ، والصَّنْدلِ.
- والمراد بذلك: دفاترُ قد مضى حسابُها، أما إذا لم يمض: لم يُقطع؛
لأن غرضه ما فيها، وذلك غيرُ مال.
- وأما دفاتر التجار: ففيها القطع؛ لأن المقصود منها الورقُ.
** قوله: (ولا قَطْعَ في سرقة كلبٍ، ولا فهدٍ)؛ لأنهما ليسا بمالٍ على
الإطلاق، إذ في ماليتهما قصورٌ؛ لأنه لا يجوز بيعهما عند الشافعي(١).
- ولهذا لو سرق كلباً وفي عُنُقُه ◌َطَوْقُ ذهبٍ: لا يُقطع؛ لأن المقصود
سرقة الكلب، وهذا تابعٌ له، إذ لو أراد سرقةَ الطوق لقَطَعَه من عنق
الكلب، وأخذه.
* قوله: (ولا دُفِّ، ولا طَبْلٍ، ولا مِزْمار)؛ لأن هذه معازف ◌ُ(٢) قد
نُدِب إلى گَسْرها.
والمراد بالطَّبْلِ: طَبْلُ اللهو، أما طبل الغزاة: ففيه اختلافٌ، والمختار:
أنه لا قطعَ فيه أيضاً.
* قوله: (ويُقطَع في السَّاج، والقَنَا، والآبِنُوس، والصَّنْدل)؛ لأنها
(١) تحفة المحتاج ٢٣٨/٤، شرح المنهج مع حاشية الجمل ٢٢/٣.
(٢) الدف ليس من آلات المعازف واللهو، وهو مما أباحه الشارع، بل ندب إلى
الضرب به في النكاح، فهو متقوِّم شرعاً، لكن يحتمل أنه يُستعمل في غير المباح،
فيُتأوَّل أَخْذه لإزالة المنكر، ولذا لم يجب القطع في أخذه. ينظر فتح باب العناية
٤٠٤/٢، وتبيين الحقائق ٢١٧/٣.

٣٩٤
كتاب السرقة
وإذا أُّخِذَ من الخشب أوانٍ، أو أبواب : قُطْعَ فيها.
ولا قَطْعَ على خائنٍ، ولا خائنةٍ، ولا نَّاشٍ،
أموالٌ عزيزةٌ مُحرَزةٌ.
* قوله: (وإذا اتُّخِذَ من الخشب أوانٍ، أو أبوابٌ: قُطع فيها)؛ لأنها
بالصنعة التحقت بالأموال النفيسة.
- ولا يُقطع في أبواب المساجد؛ لأنها غير مُحرَزة.
- ولو سرق فُسطاطاً: إن كان مركَّباً منصوباً: لم يُقطع، وإن كان
ملفوفاً: قُطع.
- ولا قطعَ في سرقة الحصير، وبواري القصب؛ لأن الصنعة فيها لم
تَغْلِب على الجنس، ألا ترى أنها تُبسط في غير الحرز.
* قوله: (ولا قَطْعَ على خائنٍ ولا خائنةٍ)، وهما اللذان يأخذان ما في
أيديهما من الشيء المأمون.
* قوله: (ولا نَبَّاشٍ)، هذا عندهما.
وقال أبو يوسف: عليه القطع؛ لأنه مالٌ متقوِّمٌ مُحرَزٌ بحِرزِ مثله.
ولنا: أن الشبهة تمكّنت في الملك؛ لأنه لا ملكَ للميت حقيقةً، ولا
للوارث؛ لتقدُّم حاجة الميت.
- وإن كان القبر في بيتٍ مُقْفَلٍ: فهو على الخلاف، في الصحيح؛ لأنه
يُتْأوَّل الدخولُ فيه لزيارة القبر.

٣٩٥
كتاب السرقة
ولا مُنْتَهِبٍ، ولا مُخْتَلِسٍ.
ولا يُقْطَعُ السارقُ من بيت المال.
- وكذا لو سرقه من تابوتٍ في القافلة وفيه ميتٌ.
- ولو سرق من القبر دراهمَ أو دنانيرَ: لم يُقطع، إجماعاً.
· قوله: (ولا مُنتهبٍ، ولا مُختلِسٍ).
الانتهاب هو: الأخذُ علانيةً قهراً، والاختلاس هو: أن يخطف الشيء
مے
بسرعةٍ علىُ غَفْلة.
- وأما الطرَّار إذا طرَّ من خارج الكُمِّ: لا يُقطع.
وبيانه: إذا كانت الدراهم مشدودةً من داخل الكُمِّ، فأدخل يده في
الكُمِّ، وحلَّ العقدةَ، وأخذ من الخارج: لا يقطع.
وإن كانت العُقدة مشدودةً من خارج، فحلَّه، وأدخل يدَه فيها،
وأخرجه: قُطع.
وقال أبو يوسف: يُقطع، سواء طرَّ من الخارج أو الداخل.
ومن أصحابنا مَن قال: يُنظر: إن كان بحيث إذا قُطعت: سقطت في
الكم: قُطع؛ لأنه أخذها من الحرز، وإن كان بحيث إذا قُطعت: تسقط
على الأرض: لم يُقطع.
قوله: (ولا يُقطع السارقُ من بيت المال)؛ لأنه مالٌ لكافة
المسلمين، وهو منهم.

٣٩٦
كتاب السرقة
ولا من مالٍ للسارق فیه شركةٌ.
* قوله: (ولا من مالٍ للسارق فيه شركةٌ)؛ لأن ثبوت ملكه في بعض
المال: شبهةٌ.
- ولو أوصى له بشيءٍ، فسرقه قبل موت الموصي: قَطع، وإن سرقه
بعد موته وقبل القبول: لم يُقطع.
- ومَن له علىُ آخرَ دراهمَ، فسرق منه مثلَها: لم يُقطع.
والحالَّ والمؤجل فيه سواء.
- وإن سَرق منه عروضاً تساوي عشرة دراهم: قُطع؛ لأنه ليس له
ولاية الاستيفاء منه.
وعن أبي يوسف: لا يُقطع؛ لأن له أن يأخذه عند بعض العلماء؛
قضاءً عن حقه.
- وأما إذا قال: أخذتُه رهناً بحقِّي، أو قضاءً بحقِّي: دُرى عنه القطع،
بالإجماع.
- وإن كان حقّه دراهمَ، فسرق دنانيرَ، أو على العكس:
قيل: يُقطع؛ لأنه ليس له حقُّ الأخذ.
وقيل: لا يُقطع؛ لأن النقود جنسٌ واحدٌ.
والتوفيقُ بينهما: أن على القول الأول: يُحمل على أن السارق لا

٣٩٧
كتاب السرقة
ومَن سَرَقَ من أبويه، أو ولده، أو ذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه: لم يُقْطَع .
يَعرف الخلافَ الذي يقوله أصحابُ الشافعيّ(١)، أن الغريمَ يجوز له أن
یأخذ من غیر جنس حقه.
وعلى القول الثاني: يُحمل على أنه يَعرف الخلافَ، ويُعتدُّ به، وذلك
يورث شبهةً تُسقط القطع.
- وإن سرق حُلياً من فضة، وعليه دراهم، أو حُلياً من ذهب، وعليه
دنانير: قُطع؛ لأنه لا يكون قضاء عن حقه، إلا على وجه البيع
والمعاوضة، فصار كالعروض. كذا في ((الكرخي)).
- وإن سرق العبدُ من غريم مولاه، أو الرجلُ من غريم أبيه: قُطع.
- وإن سرق من غريم ولده الكبير: قُطع.
وإن كان الولد صغيراً: لم يُقطع؛ لأن حق قبض دیونه إليه.
- وإن سرق من غريم مكاتَبِه، أو من غريم عبدِه المديون: قُطع؛ لأنه
ليس له حقُّ القبض في ديونهما.
فإن لم يكن على عبده دينٌّ، وسرق من غريمه من جنس دينٍ عبده:
لم يُقطع؛ لأن دينَ عبدِه مالُه.
* قوله: (ومَن سرق من أبويه، أو ولده، أو ذي رَحِمٍ مَحرَمٍ منه: لم
يُقطع).
(١) مغني المحتاج ٤٦٢/٤، روضة الطالبين ١٤٩/١٠.

٣٩٨
كتاب السرقة
وكذلك إذا سَرَقَ أحدُ الزوجين من الآخر،
.
- وإن سرق من بيت ذي الرَّحم المَحرم متاعَ غيرِهِ: لم يُقطع.
- وإن سرق مالَه من بيت غيرِه: قُطع؛ اعتباراً للحرز وعدمه. كذا في
((الهداية))(١).
- وإن سرق من أُمِّه من الرضاعة: قُطع.
وعن أبي يوسف: لا يُقطع؛ لأن له أن يدخل عليها من غير استئذان
ولا وَحْشةِ.
- بخلاف ما إذا سرق من أخيه من الرضاعة: فإنه يُقطع، إجماعاً.
* قوله: (وكذلك إذا سَرَقَ أحدُ الزوجين من الآخر)؛ لأن بينهما سبباً
يوجب التوارث.
- ولو سرق من أجنبيةٍ، ثم تزوجها قبل أن يُقضى عليه بالقطع: لم
يُقطع.
وإن تزوجها بعد القضاء بالقطع: فكذلك أيضاً لم يُقطع عندهما.
وقال أبو يوسف: يُقطع.
- ولو سرقت المرأةُ من زوجها، أو سرق هو منها، ثم طلقها ولم
يدخل بها، فبانت بغير عدة: لم يُقطع واحدٌ منهما؛ لأن أصله غيرُ موجبٍ
للقطع.
(١) ١٢٣/٢.

٣٩٩
كتاب السرقة
أو العبدُ من سيده، أو من امرأةٍ سيِّدِهِ، أو من زوجٍ سيِّدَتِه، والمولى
من مكاتَبِهِ، والسارقُ من المَغْنَم.
والحِرْزُ على ضربَيْن: حِرْزٌ لمعنىً فيه، كالبيوت والدُّور، وحِرْزٌ
بالحافظ .
- وإن سَرَقَ من امرأته المبتوتة، أو المختلعة إن كانت في العدة: لم
يُقطع، سواء كانت مطلَّقةً اثنتين أو ثلاثاً.
- وكذا إذا سرقت هي من زوجها، وهي في العدة: لم تُقطع.
: قوله: (أو العبدُ من سيده، أو من امرأةٍ سيده، أو من زوجٍ
سيدته، أو المولى من مكاتبه): فإنه لا يُقطع.
- ولا فرق بين أن يكون العبدُ مدبراً أو مكاتباً أو مأذوناً أو أمَّ ولدٍ
سرقت من مولاها.
- وكذا إذا سرق المولى من مكاتبه: لا يُقطع؛ لأن له في كسبه حقاً.
* قوله: (وكذا السارقُ من المَغْنَم): لا قَطْعَ عليه؛ لأن له فيه نصيباً.
* قوله: (والحِرزُ على ضربين: حِرزٌ لمعنىَ فيه، كالبيوت والدُّور)،
ويسمى هذا حرزاً بالمكان، وكذلك الفَساطيط والحوانيت، فهذه كلها
حِرِزٌ وإن لم يكن فيها حافظٌ، سواء سرق من ذلك وهو مفتوحُ الباب أو لا
بابَ له؛ لأن البناء لقصد الإحراز، إلا أنه لا يجب القطع إلا بالإخراج؛
لقیام ید مالکه علیه.
- بخلاف المُحرَز بالحافظ، حيث يجب القطع فيه بمجرد الأخذ؛
لزوال يد المالك بذلك.
* قوله: (وحرزٌ بالحافظ)؛ كمَن جلس في الطريق أو في الصحراء أو

٤٠٠
كتاب السرقة
في المسجد وعنده متاعه، فهو مُحرَزٌ به، وقد ((قطع النبيُّ صلى الله عليه
وسلم سارقَ رداءٍ صفوان من تحت رأسه وهو نائمٌ في المسجد))(١).
- ولا فرقَ بين أن يكون الحافظ مستيقظاً أو نائماً، والمتاعُ تحته أو
عنده، هو الصحيح؛ لأنه يُعد النائم عند متاعه حافظاً له في العادة.
- ولهذا لا يضمن المودَعُ والمستعيرُ بمثله؛ لأنه ليس بتضييع.
- وقوله: بالحافظ: هذا إذا كان الحافظ قريباً منه بحيث يراه، أما إذا
بَعُد بحيث لا يراه: فليس بحافظ.
ءِ
- قال مشايخنا: كلّ شيءٍ معتبرٌ بحِرز مثله، كما إذا سرق الدابة من
الإصطبل، أو الشاةَ من الحظيرة: فإنه يُقطع، وإذا سرق الدراهمَ أو الحليَّ
من هذه المواضع: لا يُقطع.
- وفي ((الكرخي)): ما كان حِرزاً لنوع: فهو حرزٌ لكل نوعٍ، حتى
جعلوا شريجةَ البقَّال، وقواصر التمر حرزاً للدراهم أو الدنانير واللؤلؤ.
قال: وهو الصحيح.
الشريجةُ: الجِرَار، أو الوَشحة.
- ولو سرق الإبلَ من الطريق مع حِمْلُها: لا يُقطع، سواء كان صاحبها
عليها أوْ لا؛ لأن هذا مالٌ ظاهرٌ غيرُ مُحرَز.
(١) تقدم تخريجه ص ٣٨٤.