Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
باب الحضانة
- وإذا أرادت أن تنقله إلى بلدها، وقد وقع النكاح في غيره: فليس لها
ذلك؛ لأنه لم يلتزم المُقَامَ في بلدها، فلا يجوز لها التفريقُ بينه وبين ولده
من غير التزامه.
- ولا يجوز لها أيضاً أن تنقله إلى البلد الذي تزوجها فيه؛ لأنه دار
غربة.
- هذا كله إذا كان بين البلدين تفاوتٌ، أما إذا تقاربا، بحيث يُمكنُ
الأب أن يطلع على ولده، ویبیت في بيته: فلا بأس به.

٨٢
تتمة أحكام النفقات
[تتمة أحكام النفقة]
* وعلى الرجل أن ينفق على أبويه، وأجدادِه، وجداته إذا كانوا فقراء
وإن خالفوه في دينه .
تتمة أحكام النفقات
* قوله: (وعلى الرجل أن يُنفِق على أبويه وأجداده وجدَّاته إذا كانوا
فقراءَ وإن خالفوه في دِینه).
ويُعتبر فيهم الفقرُ، ولا تُعتبر الزَّمانة.
- وسواء كانت الأجداد والجدَّات من قِبَل الأب، أو من قِبَل الأم.
- فإن كان الابنُ فقيراً، والأبُ فقيراً، إلا أنه صحيحُ البدن: لم يُجبر
الابنُ على نفقته، إلا أن يكون الأبُ زَمِناً لا يَقدِر على الكسب: فإنه
يشارك الابنُ في نفقته.
- وأما الأم إذا كانت فقيرةً: فإنه يلزم الابن نفقتُها وإن كان معسراً،
وهي غير زَمِنة؛ لأنها لا تقدر على الكسب.
- وإذا كان الابنُ يقدر على نفقة أحد أبويه، ولا يقدر عليهما جميعاً:
فالأمُّ أحقُّ؛ لأنها لا تقدر على الكسب.

٨٣
تتمة أحكام النفقات
ولا تجب النفقةُ مع اختلاف الدِّين إلا للزوجة، وللأبوين، والأجدادِ،
والجدات، والولدِ، وولد الولد.
وقال بعضُهم: الأب أحقُّ؛ لأنه هو الذي تجب عليه نفقة الابن في
صغره، دون الأم.
وقيل: يقسمها بينهما.
- وإن كان للرجل أبٌ وابنٌ صغيرٌ، وهو لا يقدر إلا على نفقة
أحدهما: فالابنُ أحقُّ.
وقيل: تُجعل بينهما.
- وإن كان له أبوان، وهو لا يقدر على نفقة أحد منهما: فإنهما يأكلان
معه ما أكل.
- وإن احتاج الأبُ إلى زوجةٍ، والابنُ موسرٌ: وجب عليه أن يُزوِّجه،
أو يشتري له جاريةً، وتلزمه نفقتُها وكسوتُها أيضاً، كما تجب نفقة الأب
وكسوته.
فإن كان للأب أمُّ ولد: لزم الابن نفقتُها أيضاً.
- وإن كان للأب زوجتان أو أكثر: لم تلزم الابن إلا نفقةً واحدةً،
ويدفعها إلى الأب، وهو يوزّعها عليهن.
- وقوله: وإن خالفوه في دينه: يعني إذا كانا ذميين، أما إذا كانا حربيين:
لا تجب وإن كانا مستأمنين؛ لأنه منهيٌّ عن بِرِّ مَن يقاتلنا في الدين.
* قوله: (ولا تجب النفقةُ مع اختلاف الدِّين، إلا للزوجة، والأبوين،
والأجداد، والجدَّات، والولد، وولد الولد).

٨٤
تتمة أحكام النفقات
ولا يشارك الولدَ في نفقة أبويه أحدٌ.
- ولا تجب على النصراني نفقةُ أخيه المسلم.
- ولا على المسلم نفقةُ أخيه النصراني؛ لأن النفقة متعلِّقة بالإرث.
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. البقرة/ ٢٣٣.
- بخلاف العتق عند الملك؛ لأنه متعلِّق بالقرابة والمَحرَمية، قال عليه
الصلاة والسلام: ((مَن مَلَكَ ذا رَحم مَحرم منه: عَتَقَ عليه))(١).
* قوله: (ولا يشارك الولدَ في نفقة أبويه أحدٌ).
مثل أن يكون له أبٌّ غنيٌّ، وابنُ غنيٌّ: فنفقتُه على الابن، دون الأب؛
لأن مال الابن مضافٌ إلى الأب.
قال عليه الصلاة والسلام: ((أنتَ ومالك لأبيك))(٢).
- وهي على الذكور والإناث بالسويَّة، في ظاهر الرواية، وهو
الصحیح؛ لأن المعنی یشملهما.
- ولو كان له ابنٌ، وابنُ ابنٍ: فنفقتُه على الابن؛ لأنه أقرب.
- وإن كان الابنُ صغيراً، أو مجنوناً: فنفقةُ هؤلاء تُقدُّر في ماله.
(١) سنن ابن ماجه (٢٥٢٥)، سنن النسائي الكبرى (٤٨٩٧)، وتُكلِّم فيه، لكن
صحَّحه ابن حزم وعبد الحق وابن القطان، كما في التلخيص الحبير ٢١٢/٤، وينظر
التعريف والإخبار ١١٠/٣.
(٢) تقدم تخريجه ٢٢٨/٢.

٨٥
تتمة أحكام النفقات
والنفقةُ واجبةٌ لكلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه إذا كان صغيراً فقيراً، أو كانت
امرأةً بالغةً فقيرةً، أو كان ذكراً زَمِناً، أو أعمى فقيراً.
ويجب ذلك على قَدْر الميراث.
قوله: (والنفقةُ لكل ذي رحم محرم منه، إذا كان صغيراً فقيراً، أو
كانت امرأةً بالغةً فقيرةً، أو كان ذكراً زَمِناً، أو أعمىً فقيراً)، أو مجنوناً
فقيراً، (ويجب ذلك على قدر الميراث).
وقال الشافعي(١): لا تجب النفقة إلا للوالدين والأولاد.
- ثم لا بدَّ من الحاجة والصغر والأنوثة والزَّمانة والعمى؛ لتحقق
العجز عن الكسب، بخلاف الأبوين؛ لأنه يلحقُهما تعبُ الكسب، والابنُ
مأمورٌ بدفع الضرر عنهما، فتجب نفقتُهما مع قدرتهما على الكسب.
ولا تجب نفقة ذوي الأرحام إلا على الغني؛ لأنها صلةٌ.
- فإذا كان فقيراً: فهو غير قادر على صلة الرحم.
- واختلفوا في حد الغنى في ذلك:
فقال أبو يوسف: هو مقدّرٌ بالنصاب.
وقال محمد: بما يَفضُل عن نفقة نفسه وعياله شهراً.
ولا معنىً لاعتبار النصاب؛ لأن ذلك معتبرٌ في حقوق الله المالية،
وهذا حقُّ آدميٌّ، فلا يُعتبر فيه النصابُ، وإنما يُعتبر فيه الإمكان.
(١) مغني المحتاج ٤٤٦/٣.

٨٦
تتمة أحكام النفقات
* قوله: فيجب ذلك علىُ قَدْر الميراث: کما إذا كان له جدٌّ وابنُ ابنٍ:
فعلى الجد سدسُ النفقة، والباقي على ابن الابن.
- وإن كان له أمُّ وأخٌ، أو أمُّ وعمّ: فعلى الأم الثلث، والباقي على
الأخ إذا كان لأبٍ وأمِّ، أو لأبٍ.
- ولو كان للأب ثلاثةُ إخوةٍ متفرِّقون، وله ابنٌ صغيرٌ معسرٌ، أو كبير
زَمِن: فنفقته على أخيه من أبيه وأمه، وعلى أخيه من أمه أسداساً.
ونفقةُ الولد على الأخ من الأب والأم خاصةً.
- ولو كان الأب معسراً زَمِناً، وله ابنٌ صغيرٌ، وله أخٌ موسرٌ: فُرضت
نفقته على عمه.
- وإذا كان الرجل معسراً، وله زوجةٌ، وللزوجة أخٌ موسرٌ: أُجبر
أخوها على نفقتها، ويكون ذلك ديناً على الزوج، يَتْبعه به إذا أيسر؛ لأن
الزوج لا يشاركُه في نفقة زوجته أحدٌ.
- ولو كان للرجل عمٍّ وخالٌ: فالنفقة على العم؛ لأنه وارثٌ.
- وإن كان له خالٌ وابنُ عمِّ: فالنفقة على الخال؛ لأنه ذو رحم محرم.
- ولو كان له عمةٌ وخالةٌ وابنُ عمٍّ: فعلى الخالة الثلث، وعلى العمة
الثلثان؛ لأن رحم ابن العم غيرُ كامل.
- وإذا كان له ثلاثُ أخوات متفرِّقات، وابن عم: فالنفقة على
الأخوات أخماساً على قدر الميراث.

٨٧
تتمة أحكام النفقات
وتجب نفقةُ الابنةِ البالغةِ، والابنِ الزَّمِنِ على أبويه أثلاثاً: على الأب :
الثلثان، وعلى الأم: الثلث.
ولا تجب نفقتُهم مع اختلاف الدِّين.
ولا تجب على الفقير.
- ولو كان له إخوةٌ متفرِّقون: فالنفقة على الأخ من الأب والأم، وعلى
الأخ من الأم أسداساً؛ لأن الأخ من الأب لا يرث معهما.
* قوله: (وتجب نفقة الابنة البالغة والابن الزَّمِن على الأبوين أثلاثاً،
على الأب: الثلثان، وعلى الأم: الثلث)؛ اعتباراً للميراث، وهذه رواية
الخصاف.
وفي ظاهر الرواية: كلّ النفقة على الأب.
* قوله: (ولا تجب نفقتُهم مع اختلاف الدين)؛ لبطلان أهلية الإرث.
- والضمير في: نفقتُهم: راجعٌ إلى غير الابنة البالغة، والابن الزمن.
كذا في ((المستصفى)).
يدل عليه ما ذكر في ((شرح القدوري)): ويُجبر الكافر على نفقة ابنته
المسلمة، ويُجبر المسلم على نفقة ابنته النصرانية.
ووجهه: أن هذا الرحم متأكِّدٌ، فتجب صلته مع اختلاف الدين.
* قوله: (ولا تجب على الفقير)؛ لأنها تجب صلةً، والفقير يستحقها
على غيره، فكيف تُستَحقُّ عليه؟!
- بخلاف نفقة الزوجة والولد الصغير.

٨٨
تتمة أحكام النفقات
وإذا كان للابن الغائب مالٌ : قُضيَ فيه بنفقة أبويه.
وإن باع أبوه متاعَه في نفقته : جاز عند أبي حنيفة.
وإن باع العقارَ: لم يجز.
- وقد قالوا: إن العبد لا تجب عليه نفقةُ ولده الحر؛ لأنه لا ولاية له
عليه، ولا يدَ، ولأن أكسابه لمولاه.
- وكذا لا تجب على الحر نفقةُ ولده المملوك؛ لأنه ملك الغير.
* قوله: (وإذا كان للابن الغائب مالٌ: قُضيَ فيه بنفقة أبويه).
- ولا يُنفَق من مال الغائب إلا على الأبوين والزوجة والولد الصغير.
- وللأب أن يُنفِق على نفسه من مال الابن الغائب إذا كان محتاجاً؛
لأن له شبهةَ ملكٍ في ماله.
* قوله: (فإن باع أبوه متاعَه في نفقته: جاز عند أبي حنيفة).
- وإنما يتولى البيعَ الأبُ، دون الأم.
- أما الأم إذا انفردت: لا تتولاه.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيع الأب؛ لأنه لا ولايةَ له عليه؛
لانقطاعها بالبلوغ.
- وقد قال محمد: إن القاضي لا يبيع للأب العُروضَ، ولكن لا
يعترض عليه في بيعها.
* قوله: (وإن باع العقارَ: لم يجز)، يعني بالإجماع.

٨٩
تتمة أحكام النفقات
وإن كان للابن الغائبِ مالٌ في يد أبويه، فأنفقا منه: لم يَضْمَنَا.
وإن كان له مالٌ في يدِ أجنبيٌّ، فَأَنفَقَ عليهما بغير إذن القاضي :
ضَمِنَ.
وإذا قضى القاضي للولد، والوالدين، وذوي الأرحام بالنفقة، فمضت
مدةٌ: سقطت، إلا أن يأذن لهم القاضي في الاستدانة عليه.
قوله: (وإن كان للابن الغائب مال في يد أبويه، فأنفقا منه: لم
يضمنا)؛ لأنهما استوفيا حقَّهما.
قوله: (وإن كان له مالٌ في يدِ أجنبيٌّ، وأنفق عليهما منه بغير إذن
القاضي: ضمن)؛ لأنه تصرَّفَ في مال الغير بغير ولاية، فلزمه الضمان.
* قوله: (وإذا قضى القاضي للولد والوالدين وذوي الأرحام بالنفقة،
فمضت مدةً: سقطت) ؛ لأن نفقتَهم تجب كفايةً للحاجة، حتى لا تجبُ
مع اليسار، وقد حصلتِ الكفايةُ بمضيِّ المدة.
- بخلاف نفقة الزوجة إذا قضى بها؛ لأنها تجب مع يسارها، فلا
تسقط.
* قوله: (إلا أن يأذن لهم القاضي في الاستدانة عليه)؛ لأن للقاضي
ولايةً عليه، فصار إذنُه كأمر الغائب، فيصير ديناً في ذمته، فلا تسقط
بمضيِّ المدة، وکان لهم الرجوع به.
- ولو أن عبداً صغيراً أعتقه مولاه، ولا شيء له: فإنه يُنفَق عليه من
بيت المال؛ لأنه ليس له قرابةٌ أغنياء.

٩٠
تتمة أحكام النفقات
وعلى المولى أن يُنفق على عبده، وأمتِه.
* قوله: (وعلى المولى أن يُنفِق على عبده وأمته).
لقوله عليه الصلاة والسلام في المماليك: ((إنهم إخوانُكم، جعلهم الله
تحت أيديكم، أطعِموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تعذّبوا
عبادَ الله))(١).
وسواء في ذلك القِنُّ والمدبر وأم الولد، صغيراً كان أو كبيراً، مرهوناً
أو مؤجراً.
- ويجب على المولى شراء الماء للطهارة لرقيقه.
- ولا تجب نفقة المكاتب على سيده.
- وإذا كان للرجل عبيدٌ: يُستحبَّ له أن يسوِّي بينهم في الطعام والإدام
والكسوة، وتكون من غالب قوت البلد وإدامه.
- وإذا ولدت أمتُه منه: فله أن يُجبِرها على إرضاع الولد.
- بخلاف الزوجة؛ لأن لبنَها ومنافعها له.
- فإن أراد أن يُسلِم الولدَ إلى غيرها، وأرادت هي إرضاعَه: فله ذلك؛
لأنها ملکه.
- وقد يريد الاستمتاع بها أو خدمتها.
(١) مسند أحمد (١٦٤٠٩)، وفيه عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف، وأصل
الحديث في الصحيحين بلفظ قريب: صحيح البخاري (٣٠)، صحيح مسلم
(١٦٦١).

٩١
تتمة أحكام النفقات
فإن امتنع، وكان لهما كسبٌ: اكتسبا، وأنفقا على أنفسهما.
وإن لم يكن لهما كَسْبٌ : أُجبِرَ المولى على بيعهما، أو نفقتهما.
وقيل: ليس له ذلك؛ لأن فيه تفريقاً بينها وبين ولدها.
* قوله: (فإن امتنع، وكان لهما كسبٌ: اكتسبا، وأنفقا على أنفسهما)؛
لأن فيه نظراً للجانبَيْن؛ بقاءَ المملوك حياً، وبقاءَ ملك المالك له.
- وإن لم يفِ كسبُهما بنفقتهما: فالباقي على المولى.
- وإذا امتنع المولى من الإنفاق على العبد: فللعبد أن يأخذ بيده من
مال المولىُ، ويأكلَ إذا لم يكن مكتسباً، فإن كان مكتسباً: ليس له ذلك.
كذا في ((المحيط)).
- وإن كان العبد مشتركاً، فامتنع أحدُهما: أنفق الثاني، ورجع عليه.
* قوله: (وإن لم يكن لهما كسبٌ: أُجبر المولى على نفقتهما، أو على
بيعهما).
وذلك بأن يكون العبدُ زَمِناً، والجارية لا يؤجّر مثلُها؛ لأن في بيعهما
إيفاءَ حقِّهما وحقِّ المولىُ بالعوض.
[أحكام التعامل مع العبيد : ]
- ولا يجوز للمولى تكليفُ العبد ما لا يُطيق من العمل.
۔ ویستحب إذا استخدمه نهاراً: أن يتركه ليلاً.
- وكذا بالعكس.

٩٢
تتمة أحكام النفقات
- ويستحب أن يأذن له بالقيلولة في أيام الصيف إذا أعيا، على ما
جرت به العادة.
- وعلى العبد بذل المجهود في الخدمة والنصيحة، وتَرْك الكسل.
[أحكام التعامل مع البهائم : ]
ـ ومَن ملك بهيمةً: لزمه علفُها وسقيُها.
فإن امتنع من ذلك: لم يجبر عليه؛ لأنها ليست من أهل الاستحقاق،
ولا يُجبر على بيعها، إلا أنه يؤمر به ديانةً فيما بينه وبين الله تعالى، على
طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بالإنفاق وإما بالبيع؛ لأن
في ترك الإنفاق: تعذيباً لها، وقد «نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن
تعذيب الحيوان))(١).
وعن أبي يوسف: أنه يُجبر على الإنفاق عليها، والأول أصح.
- ويكره الاستقصاء في حَلْب البهيمة إذا كان ذلك يضرُّ بها؛ لقلة
العلف.
- ويكره تَرْك الحَلْب أيضاً؛ لأنه يضرُّ بالبهيمة.
- ويستحب أن يَقصَّ الحالبُ أظفارَه؛ لئلا يؤذيَها.
- ويستحب أن لا يأخذ من لبنها إلا ما فَضَلَ عن ولدها ما دام لا يأكل غيره.
(١) صحيح البخاري (٣٠١٦)، وينظر البدر المنير ١٤٣/٢١.

٩٣
تتمة أحكام النفقات
ـ ويكره تكليف الدابة ما لا تُطيقه من تثقيل الحمل، وإدامة السير،
وغيره.
- وكذا إذا كان له نحلٌ يُستحب أن يُبقيَ لها في كُوَّراتها شيئاً من
العسل.
- ويستحب أن يكون ذلك في الشتاء أكثر؛ لأنه يتعذر عليها الخروج
في أيام الشتاء.
- وإن قام شيء بغذائها مَقام العسل: لم يتعيَّن عليه إبقاء العسل.
- ولو كانت الدابة بين شريكين، فامتنع أحدُهما من الإنفاق عليها:
◌ُجبر على ذلك.
مسألة: قال في ((الواقعات)): رجلٌ طلق امرأته طلاقاً بائناً، فجاء رجلٌ
إليها وهي في العدة، وقال لها: أنا أُنفِق عليك ما دمتِ في العدة بشرط أن
أتزوجك إذا انقضت عدتُك، فرضيت، فأنفق عليها حتى مضت عدتُها،
ثم أبت أن تتزوج به: فله أن يرجع عليها بما أنفق؛ لأنه أنفق بشرطٍ فاسد.
- وهذا إذا أنفق عليها بهذا الشرط، أما إذا أنفق عليها ولم يَشرط عليها
التزويج، لكن علمت به عرفاً أنه أنفق لذلك: فالصحيحُ أنه لا يرجع عليها
بشيء؛ لأنه متبرِّعٌ، والله أعلم.

٩٤
كتاب العِثْق
كتاب العَتَاق
كتاب العِثْق
العِثْقُ(١) في اللغة هو: القوة؛ لأنه إزالة الضعف، وهو الرِّق، وإثبات
القوة الحكمية، وهي الحرية.
وإنما كانت الحرية قوةً حكمية؛ لأن بها يَظهرُ سلطانُ المالكية، ونفاذُ
الولاية والشهادة، إذ المملوك لا يقدر على شيءٍ من هذا.
قال الله تعالى: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾. النحل / ٧٥.
- وفي الشرع: عبارةٌ عن إسقاط المولىُ حقّه عن مملوكه بوجهٍ يصير به
من الأحرار.
- والإعتاقُ: مندوبٌ إليه، قال عليه الصلاة والسلام: ((أيما مؤمنٍ أعتق
مؤمناً في الدنيا: أعتق الله بكل عضوٍ منه عضواً منه من النار))(٢).
(١) جاء عنوان الكتاب في نسخ من الجوهرة كما أثبتُّ، وفي نسخ أخرى،
وكذلك في نسخ القدوري بلفظ: ((كتاب العَتاق)).
(٢) المعجم الكبير للطبراني (١٠٦٤٠)، وبلفظ قريب جداً في صحيح البخاري
(٢٥١٧)، صحيح مسلم (١٥٠٩).

٩٥
كتاب العثْق
العِثْقُ يقع من الحرِّ البالغِ العاقلِ في ملكه.
ولهذا استحسنوا أن يُعتق الرجلُ العبدَ، والمرأةُ الأمةَ؛ لتحقّق مقابلة
الأعضاء بالأعضاء.
((وعن أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله! أي الرِّقاب خيرٌ؟ قال: أعلاها
ثمناً، وأنفسُها عند أهلها))(١).
* قال رحمه الله: (العتقُ يصح من الحرِّ البالغ العاقل في مِلْكِه).
- شَرَطَ الحريةَ؛ لأن العتق لا يصح إلا في الملك، ولا ملكَ للمملوك.
- وشَرَطَ البلوغَ؛ لأن الصبيَّ ليس من أهله؛ لكونه ضرراً ظاهراً؛
ولهذا لا يملكه الولي علیه.
- وشَرَطَ العقلَ؛ لأن المجنون ليس من أهل التصرف.
- وكذا إذا قال الصبي: كلّ مملوكِ أملكه حرَّاً إذا احتلمتُ: لا يصح؛
ءِ
لأنه ليس بأهلٍ لقولٍ مُلزِمٍ.
- وإنما شَرَطَ أن يكون في ملكه: لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا عِثْقَ
فيما لا يملك ابنُ آدم)) (٢).
(١) صحيح البخاري (٢٥١٨)، صحيح مسلم (١٣٦).
(٢) سنن أبي داود (٢١٨٤)، سنن الترمذي (١١٨١)، وقال: حسن صحيح،
وينظر نصب الراية ٢٧٨/٣.

٩٦
كتاب العِثْق
فإذا قال لعبده، أو أمَته: أنتَ حُرُّ، أو: مُعْتَقٌ، أو: عَتَيقٌ، أو:
مُحرَّرٌ، أو: قد حرَّرتُكَ، أو: أعتقتُكَ: فقد عَتَقَ، نوى المولىُ بذلك
العتقَ، أو لم ینوٍ .
* قوله: (فإذا قال لعبده أو لأمته: أنت حرٌّ، أو عتيقٌ، أو مُعتَقٌ، أو
محرَّرٌ، أو قد حرَّتُك، أو أعتقتُك: فقد عَتَقَ، نوى المولىُ العتقَ أو لم ينو).
لأن هذه الألفاظ صريحٌ فيه، فأغنى عن نيِّته.
- قال في ((الكرخي)): الصريح على ثلاثة أضرب:
١ - إخبارٌ: كقوله: قد أعتقتك أو حررتك.
٢ - وصفةٌ: كقوله: أنت حرٌّ أو عتيقٌ.
٣- ونداء: كقوله: يا حرُّ، يا عتيق، يا مُعتَق.
- فإن قال: نويتُ أنه حرٌّ من العمل، أو نويتَ الكذب: لم يصدَّق في
القضاء، ويُصدّق دِیانةً.
- وإن قال: يا حر، واسمه: حرٌّ: لم يَعتق؛ لأن مراده الاستحضار
باسم عَلَمه.
- ولو زاحمتْه امرأةٌ في الطريق، فقال: تأخري يا حرة، فبانت أمتُه: لا
تعتق.
- ولو قال لعبده: قل لمَن استقبلك: أنا حرٌّ، فقال العبد ذلك: عتق،
إلا إذا قال له: سمَّيتُك حراً: حينئذ لا يعتق.

٩٧
كتاب العثْق
وكذلك إذا قال: رأسُكَ حُرٌّ، أو: وجهُكَ، أو: رقبتُكَ، أو:
بَدَنُكَ،
- قال أبو الليث: هذا في القضاء، أما فيما بينه وبين الله: لا يعتق في
الوجهين إذا أراد به الكذبَ.
- ولو قال لمن لا يُحسن العربية: قل لعبدك: أنت حرٌّ، فقال ذلك
وهو لا يعلم أنه عِتْقُ: عَتَقَ في القضاء، ولا يَعتق فيما بينه وبين الله تعالى.
- وكذا في الطلاق.
- ولو أراد الرجلُ أن يقول شيئاً، فجرى على لسانه العِثْقُ: عَتَقَ.
- ولو قال العبد لمولاه وهو مريضٌ: أنا حرٌّ؟ فحرَّك رأسَه: أي نعم: لا
يعتق.
- وإن قال لعبده: نسبُك حرٌّ، أو أصلُك حرٌّ: إن كان يَعلم أنه مَسبيَّ:
لا يعتق، وإن لم يكن مسبياً: عَتَقَ.
- وفي ((الواقعات)): لا يَعتق، من غير فصل.
- وإن قال: أنتِ حُ رُّ، أو قال لزوجته: أنتِ طَ أْلِ قٌ، فتهجَّى ذلك:
إن نوى به الطلاقَ والعتقَ: وقع، وإلا: فلا، ولم يَجعلوه صريحاً.
* قوله: (وكذلك إذا قال: رأسُك حرٌّ أو وجهُك أو رقبتُك أو بدنُك).
لأن هذه الأشياء يُعبَّر بها عن جميع البدن.
- وإن قال: رأسُكَ رأسَ حرٍّ، أو وجهُك وجهَ حرِّ، أو بدنُك بدنَ حرٍّ:
بالإضافة: لا يعتق.

٩٨
كتاب العثّق
أو قال لأَّمَتِه : فرجُكِ حٌّ.
ولو قال: لا ملكَ لي عليكَ، ونوىُ به الحريةَ: عَتَق، وإن لم ينوٍ : لم
يَعتِق.
وكذلك جميع كنايات العتق.
- وكذا إذا قال: مثل رأس حرِّ، أو مثل وجه حرِّ، أو مثل بدن حرّ: لا يعتق.
- وإن قال: رأسُك رأسٌ حرٌّ، أو وجهُكَ وجهٌ حرٌّ، أو بدنُك بدنٌ حرٌّ:
بالتنوين: عتق؛ لأن هذا وصفٌ، وليس بتشبيه.
- وكذا إذا قال: فرجُكِ فرجٌ حرٌّ: بالتنوين: عتقت؛ لما ذكرنا.
* قوله: (وكذا إذا قال لأمته: فَرْجُكِ حرٌّ): عتقت، لأن الفرج يُعَبَّر به
عن الجملة.
- وفي الدبر، والإست: روايتان، والصحيح: لا تَعتق.
- وإن قال لعبده: ذكرُك حرٌّ، أو فرجك حرٌّ: فالصحيح لا يعتق.
- وفي الدم: روايتان: أصحهما: العتقُ.
- وإن أضاف العتقَ إلى عضوٍ لا يُعبَّر به عن جميع البدن: لا يَعتق،
مثل: يدُك حرٌّ، أو رِجلك أو ساقك أو فخذك أو شعرك: لم يعتق وإن نوى.
* قوله: (وإن قال: لا مِلكَ لي عليك، ونوى به الحريةَ: عَتَقَ، وإن لم
ينو: لم يَعتق، وكذلك جميع كنايات العتق).
مثل: خرجتَ من ملكي، ولا سبيلَ لي عليكَ، ولا رِقَّ لي عليكَ،

٩٩
كتاب العثْق
وإن قال: لا سلطانَ لي عليكَ، ونوىُ به العتقَ: لم يَعِق.
وخلَّيتُ سبيلَك؛ لأن كل لفظةٍ من هذا تحتمل وجهين.
- فقوله: خرجتَ من ملكي: يحتمل بالبيع، وبالعتق.
- ولا سبيلَ لي عليك: لأنك وفّيتَ لي بالخدمة، فلا سبيل لي عليك
باللَّوْم والعقوبة، ويحتمل: لأنك معتَقٌ.
- وكذا إذا قال لأمته: قد أطلقتُك، ونوى العتقَ: عتقت؛ لأن الإطلاق
يقتضي زوالَ اليد، وقد تزول يده عنها بالعتق وغيره، وهو مثل: خليتُ
سبیلَكِ.
- ولو قال لها: طلَّقتك، ونوى العتقَ: لم تعتق؛ لأن الطلاق لا يزيل
اليدَ، وإنما يقتضي التحريم، والرق يجتمع مع التحريم؛ لأنه قد يشتري
أخته من الرضاعة، أو جاريةً قد وطئ أمها أو بنتَها، فلم يكن التحريم
دلالةً على العتق.
- وإن قال: فَرْجُكِ عليَّ حرامٌ: يريد العتقَ: لم تَعتق؛ لما ذكرنا.
* قوله: (وإن قال: لا سلطانَ لي عليكَ، ونوى به العتقَ: لم يَعتق)؛
لأن السلطان عبارةٌ عن اليد، وسُمِّي السلطان به؛ لقيام يده، وقد يبقى
الملك، دون اليد، كما في المكاتب، فكأنه قال: لا يدَ لي عليكَ.
- بخلاف ما إذا قال: لا سبيلَ لي عليك، ونوى به العتقَ: أنه يَعتق؛
لأن نفيَه مطلقاً إنما يكون بانتفاء الملك، ألا ترى أن للمولى على المكاتب
سبيلاً، فلهذا يحتمل العتقَ.

١٠٠
کتاب العِثْق
وإن قال : هذا ابني، وثبتَ على ذلك،
- وإن قال: لا سبيلَ لي عليك، إلا سبيل الوَلاء: عَتَقَ في القضاء، ولم
يُصدَّق على صرفه عن العتق؛ لأنه لما نفى السبيلَ عنه، وأثبت الولاءَ،
و
والولاءَ يقتضي الحريةَ: عُلم أنه أراد ذلك، فلا يُصدَّق على غيره.
وقيل: يُديَّن في القضاء.
قال في ((الواقعات)): إذا قال: عِثْقُك عليَّ واجبٌ: لا يَعتق.
: قوله: (وإن قال: هذا ابني، وثبت على ذلك: عَتَقَ).
- وكذا إذا قال لأمته: هذه بنتي أو أمي، أو قال لعبده: هذا أبي أو
عمي أو خالي: فهذه الألفاظ يقع بها العتق، ولا تحتاج إلى النية.
- فإن قال: نويتُ به الكذبَ: صُدِّق ديانةً، لا قضاءً.
- وقوله: وثبت على ذلك: معناه: إذا كان يولَد مثلُه لمثله.
- ثم إذا لم يكن للعبد نسبٌ معروفٌ: ثبت نسبُه منه، ويَعتق.
- وإن كان له نسبٌ معروفٌ: لا يثبت نسبُه منه، ويعتق.
وقيل: معنى قوله: وثبت على ذلك: أي لم يقل: إن شاء الله، متصلاً.
وقيل: احترز بذلك عمَّن لا يولد مثلُه لمثله.
- ولو قال لعبده: هذا أبي، ومثلُه لا يولَد لمثله: عَتَقَ عند أبي حنيفة،
وعندهما: لا يعتق.