Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ كتاب المساقاة فإن دَفَعَ نخلاً فيه ثمرةٌ مساقاةً، والثمرةُ تزيدُ بالعمل : جاز. وإن كانت قد انتهت : لم يجز. وإذا فسدت المساقاةُ : فللعامل أجرُ مثله. وتبطل المساقاةُ بالموت. الرِّطابُ: جمع: رَطْبة: كالقَصْعة والقِصاع، والجَفْنة والجفان. والبُقول: غيرُ الرِّطاب، فالبقول مثلُ الكُرَّات والبَقْل والسِّلْق ونحو ذلك. والرِّطاب: كالقِثَّاء والبطيخ والرُّمُّان والعنب والسَّفَرجل والباذنجان، وأشباه ذلك. * قوله: (فإن دفع نخلاً فيه ثمرةٌ مساقاةً، والثمرةُ تزيدُ بالعمل: جاز، وإن كانت قد انتهت: لم يجز)؛ لأن العامل إنما يَستحق بالعمل، ولا أثرَ للعمل بعد التناهي والإدراك. * قوله: (وإذا فسدت المساقاةُ: فللعامل أجرُ مثله)؛ لأنه في معنى الإجارة الفاسدة، وصار كالمزارعة إذا فسدت. - ثم عند أبي يوسف: له أجرُ مِثله، لا يُزاد على ما شُرط له. وعند محمد: له أجرُ مثله، بالغاً ما بلغ. * قوله: (وتبطل المساقاةُ بالموت). أما موت صاحب النخل: فلأن النخل انتقل إلى غيره. وأما موت العامل: فلتعذر العمل من جهته. ٢٦٢ كتاب المساقاة • - فإن مات صاحبُ النخل والثمرة بُسْرٌ أخضر: فللعامل أن يقوم عليه كما كان يقوم قبل ذلك إلى أن يُدرِك ولو كره ذلك ورثتُه؛ لأن في ذلك دفعَ الضرر عن العامل من غير إضرارٍ بالورثة. - فإن رضيَ العاملُ بالضرر، بأن قال: أنا آخذ نصيبي بُسْراً أخضرَ: فالورثةُ بالخيار بين ثلاثة أشياء: إن شاؤوا صَرَمُوه، وقَسَموه. وإن شاؤوا أعطَوْه قيمةَ نصيبه. وإن شاؤوا أنفقوا على البُسر حتى يبلغ، ويرجعون بما أنفقوا في حصة العامل. - وإن مات العامل: فلورثته أن يقوموا عليه وإن كره صاحبُ النخل؛ لأن فيه النظرَ من الجانبين. - وإن أرادوا أن يَصرِموه بُسْراً: كان صاحب النخل بين الخيارات الثلاثة التي ذكرناها. - وإن ماتا جميعاً: فالخيار لورثة العامل؛ لقيامهم مقامَه. - فإن أبى ورثة العامل أن يقوموا عليه: كان الخيارُ لورثة صاحب النخل على ما بيّنًا. - وإذا انقضتْ مدةُ المعاملة وهو بُسرٌ أخضرُ: فللعامل أن يقوم عليه حتى يُدرِك لكن بغير أجر؛ لأن الشجر لا يجوز استئجاره. ٢٦٣ کتاب المساقاة وتُفْسَحُ بالأعذار، كما تُفسخُ الإجارةُ - بخلاف المزارعة في هذا؛ لأن الأرض يجوز استئجارها، وكذلك العمل على العامل ها هنا، وفي المزارعة: عليهما. * قوله: (وتُفْسَخ بالأعذار، كما تُفْسَخ الإجارةُ). - ومن الأعذار: أن يكون العامل سارقاً، يُخاف منه سرقةُ السَّعَف والثمر؛ لأن فيه ضرراً على صاحب النخل. - ومن ذلك أيضاً: مرضُ العامل إذا كان يُضعفه عن العمل، فإن أراد العاملُ تَرْكَ العمل: هل يكون عذراً؟ فيه روايتان: إحداهما: لا، والثانية: نعم، والله أعلم. ٢٦٤ كتاب النكاح كتاب النكاح كتاب النكاح النكاحُ في اللغة: حقيقةٌ في الوطء، هو الصحيح، وهو مجازٌ في العقد؛ لأن العقد يُتُوصَّل به إلى الوطء، فسُمِّي نكاحاً، كما سُمِّ الكأسُ خمراً. والدليل على أن الحقيقة فيه الوطء: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَانَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾. النساء/ ٢٢، والمراد به الوطء؛ لأن الأمة إذا وطئها الأب: حَرُّمتْ على الابن. وكذلك قوله تعالى: ﴿الَِّ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةٌ﴾. النور/٣، والمراد به: و وكذا قوله عليه الصلاة والسلام: ((لَعَنَ اللهُ ناكحَ البهيمة))(١). م الوطء. (١) لم أقف على هذا اللفظ، وثبت في كتب السنن بلفظ: ((ملعونٌ مَن وقع على بهيمة))، وبلفظ: ((مَن وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة))، وتُنظر أحاديث عديدة في لعن مَن أتى بهيمة كتاب: ((الزواجر))، لابن حجر الهيتمي ١٣٩/٢، التعريف والإخبار للعلامة قاسم ١٩٥/٣، وذكر أن بعضهم رجَّح وقفه، وينظر نصب الراية ٣٤٣/٣. ٢٦٥ كتاب النكاح النِّكاحُ ينعقدُ بالإيجاب والقَبولِ بلفظَيْن يُعبّر بهما عن الماضي. أو يُعبَّر بأحدهما عن الماضي، وبالآخر عن المستقبل. مثلُ أن يقول : زَوِّجْني، فيقول: زوَّجتُك. قال رحمه الله: (النكاحُ ينعقدُ بالإيجاب والقبول). لأنه عقدٌ، فافتَقر إلى الإيجاب والقبول، كعقد البيع؛ لأن البُضع على ملك المرأة، والمالُ يثبتُ في مقابلته، فلم يكن بدٌّ من إيجابٍ من المرأة، أو ممن يلي عليها، وقبولٍ من الزوج. * قوله: (بلفظَيْن). وقد ينعقد بلفظٍ واحدٍ، مثل ابنِ العم يُزوِّج ابنةَ عمه من نفسه، فإنه يكفيه أن يقول بحضرة شاهدين: إني تزوجتُ بهذه. - وكذا إذا كان وليَّ صغيرَيْن، أو وكيلاً من الجانبين: كفاه أن يقول: زوَّجتُ هذه من هذا، ولا يَحتاج إلى قبولٍ عندنا، خلافاً لزفر. - وكذا إذا زوَّج أمتَه من عبده، يعني الصغيرَیْن. * قوله: (يُعَبَّر بهما عن الماضي): أي يُبَيَّن بهما، والتعبيرُ هو البيان، قال الله تعالى: ﴿إِن كُتُمْ لِلْرُّغْيَا تَعْبُرُونَ﴾. يوسف / ٤٣، أي تبيِّون. * قوله: (أو يُعبَّر بأحدهما عن الماضي، وبالآخرِ عن المستقبل، مثل أن يقول: زوِّجْني، فيقول: زوَّجتُك). ٢٦٦ کتاب النكاح ولا ينعقدُ نكاحُ المسلِمَيْنِ إلا بحضور شاهدَيْن، حُرَّيْن، بالغَيْنِ، عاقلَيْن، مسلمَيْن، رجلَيْن، أو رجلٍ وامرأتَيْن، وهذا استحسان، والقياس أن لا يجوز؛ لأن المستقبَل استفهامٌ، وعدَةٌ، فلا ینعقد به. وجه الاستحسان: أن النكاح لا تقع فيه المساومة، فكان القصد بلفظه الإيجابَ، فصار بمنزلة الماضي. وقوله: وبالآخر عن المستقبل: يريد بالمستقبل: لفظ الأمر، مثل زوِّجْني. * قوله: (ولا ينعقد نكاح المسلِمَيْن إلا بحضور شاهدَيْن، حُرَّيْن، مسلمَيْن، بالغَيْن، عاقلَيْن، رجلَيْن). ويشترط حضورهما عند العقد، لا عند الإجازة. - وقيَّد بالحرِّ: لأن العبد لا شهادةَ له؛ لأنه لا يجوز أن يقبل النكاح لنفسه بنفسه. - وقيَّد بالبلوغ والعقل: لأنه لا ولايةَ بدونهما. ــ ولا بدَّ من اعتبار الإسلام في أنكحة المسلمين؛ لأنه لا شهادةً للكافر على المسلم؛ لأن الكافر لا يلي النكاحَ على ابنته المسلمة، فلا یکون شاهداً في مثله. * قوله: (أو رجلٍ وامرأتين). ٢٦٧ کتاب النكاح عدولاً كانوا أو غيرَ عدولٍ، مَحْدودِيْن في قَذْفٍ ، أو غيرَ مَحْدودِین. وقال الشافعي(١): لا تُقبل شهادةُ النساء في النكاح والطلاق والعتاق والوكالة. : قوله: (عدولاً كانوا أو غيرَ عدول، أو محدودِيْن في قذفٍ أو غيرَ محدودیْن). - ولا يثبت عند الحاكم إلا بالعدول، حتى لو تجاحدا، وترافعا إلى الحاكم، أو اختلفا في المهر: فإنه لا يَقبل إلا العدولَ. ولأن النكاح له حكمان: حكم الانعقاد، وحكم الإظهار: فحكم الانعقاد: أن كل مَن ملك القبولَ لنفسه: انعقد النكاح بحضوره، ومَن لا : فلا. - فعلى هذا: ينعقد بشهادة الأعمى والأخرس والمحدود في القذف، وبشهادة ابنَيْه، أو ابنَيْها. ولا ينعقدُ بشهادة العبد والمكاتَب وإن كان للمكاتب أن يُزُوِّج أمتَه؛ لأن ولايته ليست بولاية نفسه، وإنما هي مستفادَةً من جهة المولى. - وأما حكم الإظهار، وهو عند التجاحد: فلا يُقبل فيه إلا العدول، كما في سائر الأحكام. - ومِن شَرْط الشهادة في انعقاد النكاح: أن يَسمع الشهودُ كلامَهما (١) مغني المحتاج ١٤٤/٣. ٢٦٨ كتاب النكاح فإن تزوَّج مسلمٌ ذِمِّيةً بشهادة ذِمِّيَّيْن: جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد : لا يجوز إلا أن يَشهدَ شاهدان مسلمان. جميعاً، في حالة واحدة، حتى لو كان أحدُ الشاهدين أصمَّ، فسمع الآخرُ، ثم خرج، وأسمع صاحبه: لم يجز. - وكذا إذا سمع الشاهدان كلامَ أحدِ العاقدَيْن، ولم يسمعا كلامَ الآخر: لم يصح النكاح. - وهل يُشترط فهمُ الشاهدين العقدَ؟ قال في ((الفتاوى)): المعتبر السماعُ، دون الفهم، حتى لو تزوج بشهادة أعجميّيْن: جاز. وقال في ((الظهيرية)): يُشترط الفهم أيضاً، وهو الصحيح. * قوله: (فإن تزوج مسلمٌ ذميةً بشهادة ذِمِّيَّيْن: جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف)، يعني في حقِّ الانعقاد، لا في حقِّ الإظهار. (وقال محمد وزفر: لا يجوز). فإن وقع التجاحدُ في النكاح، أو في قدر المهر، أو جنسه، فشهد ذمِّيّان وهي ذميةٌ: إن كانت هي المدَّعية: لم تُقبل شهادتُهما، بالإجماع؛ لأن شهادة الذمي على المسلم لا تُقبل. وإن كان الزوجُ هو المدعي، وهي تُنكره: قُبلت شهادتهما على كل حال، في قولهما. ٢٦٩ كتاب النكاح وقال محمد: إذا قالا: كان عند العقد معنا مسلمان غيرُنا: تُقبل في صحة النكاح، دون المهر، وإن لم يقولا ذلك: لا تُقبل. - هذا إذا كانا وقت الأداء كافرين، أما إذا كانا وقت التحمُّل كافرين، ووقتَ الأداء مسلمين: فعندهما: شهادتهما مقبولةً على كل حال. وعند محمد: إن قالا: كان عندنا مسلمان غيرُنا: تُقبل، وإلا: فلا. - ثم إذا تزوج ذميةً: فله منعُها عن الخروج إلى البِيَع والكنائس، ولا يُجبرها على الغُسل من الحيض والنفاس. - قال في ((الهداية)) (١): ومَن أمر رجلاً أن يزوج ابنته الصغيرة، فزوَّجها والأبُ حاضرٌ بشهادة رجلٍ واحدٍ سواهما: جاز النكاح؛ لأن الأبَ يُجعل مباشراً؛ لاتحاد المجلس، ويكون الوكيلُ سفيراً ومعبِّراً، فيبقى المزوِّج شاهداً. - وإن كان الأب غائباً: لم يجز؛ لأن المجلس مختلفٌ، فلا يمكن أن يُجعل الأبُ مباشراً. - وعلى هذا: إذا زوَّج الأبُ ابنتَه البالغةَ بمَحضر شاهدٍ واحدٍ: إن كانت حاضرةً: جاز، وإن كانت غائبةً: لا يجوز؛ لأنها إذا كانت حاضرة: تُجعل كأنها هي التي باشرت العقدَ، وكان الأبُ مع ذلك الرجل شاهدين. (١) ١/ ١٩١. ٢٧٠ كتاب النكاح ولا يَحِلُّ للرجل أن يتزوج بأُمِّه. ولا بجَدَّاته من قِبَل الرجال والنساء. ولا بينِتِهِ، ولا بينتِ ولدِهِ، وإن سَفَلت. ولا بأختِهِ، ولا ببناتِ أختِهِ، ولا ببناتِ أخيه. ولا بعمَّتِهِ، ولا بخالتِهِ. ولا بأمِّ امرأتِه : دَخَلَ بينتها، أو لم يَدخل. [المحرَّماتُ من النساء : ] : قوله: (ولا يَحِلُّ للرجل أن يتزوج بأُمِّه، ولا بجَدَّاته). صوابه: أن يقول: أمَّه، بغير باء؛ لأن الفعل يتعدى بنفسه، قال الله تعالى: ﴿زَوَّجْتَكَهَا﴾. الأحزاب / ٣٧، ولم يقل: زوَّجناك بها. - فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾. الدخان/ ٥٤. قلنا: مراده: قَرَنَّاهم بحورٍ عين؛ لأن الجنة ليس فيها عقدُ نكاح. * قوله: (ولا بابنته، ولا بابنة ولده وإن سَفَلَت، ولا بأخته، ولا بينات أخيه، ولا ببنات أخته وإن سَفَلْن، ولا بعمَّته، ولا بخالته). - وكذلك عمة الأب والجد، وخالةُ الأب والجد حرامٌ عليه وإن علون. - والحكمة في تحريم هؤلاء: تعظيمُ القرابة، وصَوْنهنُّ عن الاستخفاف، وفي الافتراش استخفافٌ بهن. * قوله: (ولا بأُمِّ امرأته، دخل بابنتها أو لم يدخل). ٢٧١ كتاب النكاح ولا ببنتِ امرأتِه التي دخل بها، سواءً كانت في حِجْرِهِ، أو في حِجْر غيره . ولا بامرأةٍ أبيه وأجدادِه، لقوله تعالى ﴿ وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾. النساء/٢٣، من غير قيد الدخول، وإنما تَحرم بمجرد العقد إذا تزوجها تزويجاً صحيحاً. أما إذا تزوجها تزويجاً فاسداً: فلا تحرم أمُّها، إلا إذا اتصل به الدخول، أو النظر إلى الفرج بشهوة، أو اللمسُ بشهوة. · قوله: (ولا ببنتِ امرأته التي دخل بها، سواءٌ كانت في حِجره، أو حِجْر غيره). - وكذلك بنتُ الربيبة، وأولادُها وإن سفلن؛ لأن جدتهن قد دخل بها، فحَرُمْن عليه، كأولادها منه، وصارت كأم زوجته، فإنها تحرم عليه هي وأمهاتُها وجداتُها وإن علون، وأمهاتُ آبائها وإن علون. - ثم إذا لم يدخل بالأم: حلَّ له تزويج البنت في الفُرقة والموت؛ لأن الدخول الحكمي: لا يوجب التحريم. * قوله: (ولا بامرأة أبيه وأجداده)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم﴾. النساء/ ٢٢، وهو يتناول العقدَ والوطء، فكل مَن عَقَدَ عليها الأبُ عَقْدَ النكاح جائزاً: فهي حرامٌ على الابن بمجرد العقد. أما إذا كان النكاح فاسداً: فإنها لا تَحرم بمجرد العقد، إلا إذا اتصل وُ به الوطء، أو النظر إلى الفرج بشهوة، أو اللمسُ بشهوة. ٢٧٢ كتاب النكاح ولا بامرأةٍ ابنه وبني أولاده. ولا بأُمِّه من الرضاعة، ولا بأخته من الرضاعة. - قال في ((شرحه)): سواء وطئها الأبُ حراماً أو حلالاً؛ لأن اسم النكاح يقع على العقد والوطء جميعاً. وسواء كان الأب من النسب أو الرضاع في تحريم منكوحته وموطوءته. - ومَن مسَّها أو قبَّلها أو نظر إلى فرجها بشهوة، وكذلك نساء أجداده: حرامٌ علیه. * قوله: (ولا بامرأة ابنه، وبني أولاده). ولا يُشترط الدخولُ في امرأة الابن والأب إذا كان النكاح صحيحاً، أما إذا كان فاسداً: يجوز قبل الدخول. وسواءً في ذلك ابنُه من الرضاع، أو النسب. - وكذا امرأةُ ابنِ الابن وإن سَفَل حرامٌ على الأب. - وأما إذا كان للابن أمةٌ: لا تحرم على الأب ما لم يطأها الابن؛ لأنها لا تسمىُ حليلةً، والتحريم مقيَّدٌ بقوله تعالى: ﴿وَحَلَِّلُ أَبْنَابِكُمُ﴾. النساء / ٢٣. - ولا بأس أن يتزوج الرجلُ ربيبةَ أبيه، وأمَّ زوجة أبيه. - وكذا يجوز للأب أن يتزوج أمَّ حليلة ابنه، وبنتَها. * قوله: (ولا بأُمِّه من الرضاعة، ولا بأخته من الرضاعة). ٢٧٣ كتاب النكاح ولا يَجْمَعُ بين أختَيْن بنكاحٍ، ولا بمِلْك يمينٍ وطاً. ــ وكذلك أمهاتُ التي أرضعته، وبناتُها، وأخواتُها، وبناتُ أخيه، وبناتُ أخته من الرضاعة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((يَحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))(١). * قوله: (ولا يجمع بين أختين بنكاح، ولا بملك يمين). معناه: لا يجمع بين أختين بنكاح، يعني عقداً، ولا بملك يمين، يعني وطئاً. - أما في الملك من غير وطء: فله أن يجمع ما شاء. - وسواءٌ كانتا أختين من النسب أو الرضاع. - وإن تزوج أختَ أمةٍ له قد وطئها: صح النكاح، ولا يطأ الأمة وإن كان لم يطأ المنكوحةَ؛ لأن المنكوحة موطوءةٌ حُكماً. ولا يطأ المنكوحةَ إلا إذا حرَّم الموطوءةَ على نفسه بسببٍ من أسباب الملك، ببيع أو تزويج أو هبةٍ أو عتق أو كتابة. وعن أبي يوسف: أن الكتابة لا تُبيح له ذلك. - ولو تزوج جاريةً، فلم يطأها حتى اشترى أختَها: فليس له أن يستمتع بالمشتراة؛ لأن الفراش ثبت لأختها بنفس النكاح، فلو وطئ التي اشتراها: صار جامعاً بينهما بالفراش. (١) صحيح البخاري (٢٦٤٥)، صحيح مسلم ١٠٦٨/٢. ٢٧٤ کتاب النكاح - ولو كانت له أمةٌ، فلم يطأها حتى تزوج أختَها: حلَّ له أن يطأ المنكوحةَ؛ لعدم الجمع وطئاً، إذ المرقوقة ليست موطوءةً حُكماً. - وإن تزوج أختين في عقدٍ واحد: يُفرَّق بينه وبينهما. فإن كان قبل الدخول: فلا شيء لهما، وإن كان بعده: فلكل واحدة الأقلّ من مهر مثلها ومن المسمى. - ثم لا يجوز له تزوُّج واحدةٍ منهما حتى تنقضيَ عدةُ الأخرى. - وإن تزوجهما في عقدين: فنكاح الأَولىُ جائزٌ، ونكاحُ الأخرى باطلٌ، ويُفرَّق بينه وبين الأخرى. فإن كانت غيرَ مدخولة: فلا شيءَ لها، وإن دخل بها: فلها الأقلّ من مهر مثلها ومن المسمى. ولا يفسد نكاح الأُولى، إلا أنه لا يطأ الأُولىُ ما لم تنقضِ عدة الأخرى. - وإن تزوجهما في عقدين، ولا يدري أيتَهما أولاً: فإنه لا يتحرى في ذلك، ولكن يُفرَّق بينهما وبينه؛ لأن نكاح إحداهما باطلٌ بيقين، ولا وجه إلى التعيين؛ لعدم الأولوية، ولا إلى التقييد مع التجهيل، فيتعيَّن التفريق. ويلزمه نصفُ الصداق، فيكون بينهما، يعني نصف المسمى؛ لأنه وجب للأُولى، وانعدمت الأولوية، فيُصرف إليهما جميعاً. ٢٧٥ كتاب النكاح ولا يَجْمَعُ بين المرأة وعمَّتِها، ولا خالِتِها، ولا ابنةِ أخيها، ولا ابنةٍ أختِها . ولا يَجْمَعُ بين امرأتين لو كانت كلَّ واحدةٍ منهما رجلاً: لم يجز له أن یتزوج بالأخرى. ولا بأس بأن يَجمعَ بين امرأةٍ، وابنةِ زوجٍ كان لها من قبل. : قوله: (ولا يَجمع بين المرأة وعمَّتها، ولا خالتها، ولا بنتِ أخيها، ولا بنتِ أختها). - فإن قلتَ: لمَ قال: ولا بنتِ أخيها، وقد عُلم بقوله: ولا يَجمع بين المرأة وعمتها؟ قلت: لإزالة الإشكال؛ لأنه ربما يُظنَّ أن نكاح ابنة الأخ على العمة لا يجوز، ونكاح العمة عليها يجوز؛ لتفضيل العمة عليها، كما لا يجوز نكاح الأمة على الحرة، ويجوز نكاح الحرة على الأمة، فبيَّن أن ذلك لا يجوز من الجانبين. : قوله: (ولا يَجمع بين امرأتين لو كانت كلَّ واحدة منهما رجلاً: لم يجز أن يتزوج بالأخرى). سواءً كان التحريم بالرضاع أو بالنسب. * قوله: (ولا بأس أن يَجمع بين امرأةٍ وابنةِ زوجٍ كان لها من قبله)؛ لأنه لا قرابةَ بينهما، ولا رضاعَ. ٢٧٦ کتاب النكاح ومَن زنىُ بامرأةٍ : حَرُمَتْ عليه أمُّها، وابنتُها. وقال زفر: لا يجوز؛ لأن ابنة الزوج لو قدَّرتَها ذكراً: لا يجوز له أن يتزوج امرأةً أبيه. قلنا: امرأةُ الأب لو صوَّرَتَها رجلاً: جاز له تزويج هذه، فالشرط أن يُتصوَّر التحريم من الجانبين. - وحاصله: أن المانع من النكاح خمسةُ أوجه: النَّسَبُ، والسبب، والجمع، وحقُّ الغير، والدِّين. فالنسب: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات. والسبب: الرضاع، والصهورية. والجمع: هو الجمع بين الأختين، ومَن في معناهما، والجمع بين أكثر من أربع. والتحريم لحقِّ الغير: زوجةُ غيرِهِ، ومعتدَُّه. والتحريم لأجل الدِّين: المجوسیات، والوثنيات، سواء كان بنكاح، أو بملك یمین. ** قوله: (ومَن زنىُ بامرأة: حَرُمت عليه أمُّها، وابنتُها). - وكذا إذا مسَّ امرأةً بشهوةٍ: حرمتْ عليه أمُّها وابنتُها. - وكذا إذا مسَّتْه هي بشهوة. - والمشتهاة: أن تكون بنت تسع سنين، فصاعداً. ٢٧٧ كتاب النكاح - وبنتُ خمسٍ، فما دونها: لا تكون مشتهاةً، وما فوقها إلى الثمان: إن كانت سمينةً: فهي مشتهاةٌ، وإلا: فلا. - وفي ((العيون)): إن لم تكن سمينةً: فإلى عشر، وإن كان يُجامع مثلُها: فهي مشتهاة. - ويُكتفى بالمَسِّ بشهوة: أحدُهما، ولا يُشترط انتشار الآلة. وفي ((الهداية)) (١): يُشترط، أو تزدادَ انتشاراً، وهو الصحيح. - فإن كان عِنِّيناً، أو مجبوباً: فهو أن يتحرَّك قلبُه بالاشتهاء. - وإن مسَّها من وراء ثوب: إن كان صفيقاً يمنعُ وصولَ حرارة بدنها إلى يده: لا تثبتُ الحُرمة، وإن کان رقيقاً لا يمنع: ثبتت. - وإن مسَّ شعرَها بشهوة: إن مسَّ ما اتصل برأسها: ثبتت الحرمةُ، وإن مسَّ المسترسلَ: لا تثبت. - وإنما يَحرم المسُّ إذا لم يُنزِل، أما إذا أنزل باللمس: فالصحيح أنه لا يوجب الحرمةَ؛ لأنه بالإنزال تبيَّن أنه غيرُ مفضٍ إلى الوطء. - وإن مسَّ امرأةً، وقال: لم أشته، أو قبَّلها، وقال ذلك: فإنه يُصدَّق إذا كان المَسُّ على غير الفرج، والقُبلة في غير الفم، أما إذا كان كذلك: لا يُصدَّق؛ لأن الظاهر يُكذِّبه. (١) ١٩٣/١. ٢٧٨ كتاب النكاح - وكذا إذا نظر إلى فرج امرأة بشهوة: حُرمت عليه أمُّها وابنتُها. وتكلموا في النظر إلى الفرج: قال أبو يوسف: النظر إلى منبت الشعر یکفي. وقال محمد: لا تثبت الحرمة حتى ينظر إلى الشَّقِّ. وقال السرخسي(١): لا تثبت حتى ينظر إلى الفرج الداخل. والأصح أن المعتبر هو النظر إلى داخل الفرج، لا إلى جوانبه، وذلك لا يتحقق إلا عند اتكائها(٢)، أما إذا كانت قاعدةً مستويةً، أو قائمةً، فنظر إليه: لا تثبت الحُرمة. - ولا يُشترط في النظر إلى الفرج تحريكُ الآلة، هو الصحيح، وعليه الفتوى. وفي ((الفتاوى)): يُشترط ذلك. - وإن نظر إلى دُبرها بشهوة: لم تحرم عليه أمُّها وبنتُها. كذا في ((الواقعات)). - وإن نظرت المرأة إلى ذَكَر الرجل بشهوة، أو لمسته، أو قبَّلته بشهوة: تعلَّقت به حرمة المصاهرة، كما لو وُجد منه. (١) المبسوط ٢٠٨/٤. (٢) وفي نسخ: انكبابها. ٢٧٩ كتاب النكاح وإذا طلَّق الرجلُ امرأته طلاقاً بائناً : لم يَجُزْ له أن يتزوج بأختها حتى تنقضيَ عدَّتُها . قال في ((الينابيع)): النظر إلى الفرج بشهوة يوجب الحرمةَ، سواء كان بينهما حائل، كالنظر من وراء الزجاج، ومن وراء السترة، أو لم يكن حائل. - ولا عبرة بالنظر في المرآة؛ لأنه خيالٌ، ألا ترى أنه يراها من وراء ظهره. - وكذا إذا كانت على شفا الحوض، فنظر فرجَها في الماء: لا تثبت الحرمة. - وإن كانت هي في الماء، فرأى فرجَها وهي فيه: تثبت الحرمة. - هذا كله إذا كانت حيةً، أما الميتة: فلا يتعلق بلمسها، ولا بوطئها، ولا بتقبيلها حرمةُ المصاهرة. * قوله: (وإذا طلَّق الرجلُ امرأته طلاقاً بائناً أو رجعياً (١): لم يجز له أن يتزوج بأختها حتى تنقضيَ عِدَّتُها). - وكذا كلَّ مَن كانت في علة الأخت، كالعمة والخالة. - وكذا ليس له أن يتزوج أربعاً سواها. (١) قوله: ((أو رجعياً)): مثبتٌ في نسخ الجوهرة، وكذلك في الهداية ١٩٣/١، ولم يثبت في النسخ الخطية للقدوري. ٢٨٠ كتاب النكاح - وإن أعتق أمَّ ولده، ووجبت عليها العدةُ ثلاث حِيَض، فتزوج أختَها في عدتها، أو أربعاً من الأجانب: قال زفر: لا يجوز كلاهما. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجوز كلاهما. وأبو حنيفة فرَّق بينهما، فقال: نكاحُ الأخت: لا يجوز، ونكاح الأربع: يجوز. أما تزوُّج الأربع سواها في عدتها: فهو جائزٌ عند أصحابنا الثلاثة. وقال زفر: لا يجوز؛ لأنها معتدَّةٌ، كالحرة، ولأن العدة إذا حَرَّمت نكاحَ الأخت: حرَّمت نكاحَ الأربع، كعدة الحرة. ولنا: أن المَنْع من جهة العَدَد يجب تحريمُهُ بعقد النكاح، وعِدةٌ أم الولد لم تجب بعقد النكاح، فلم يَحْرُم الجمعُ. - وليس كذلك تحريمُ الأخت؛ لأن تحريم الجمع بين الأختين لا يختص بالنكاح، بدليل أنه لا يجوز الجمعُ بينهما في الوطء بملك اليمين، ويجوز أن يتزوج المرأةً وأختُها تحتَه يطأها بملك اليمين؛ لأن الأمة لا فراش لها. وكذا أختُ أمِّ ولده: يجوز له أن يتزوجها. وإذا جاز النكاح: لم يجز له أن يطأ الزوجةَ حتى يُحرِّم أمتَه، بأن يبيعها أو يُعتقها أو يُزُوِّجها.