Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كتاب إحياء المَوَات ومَن أحياه بإذن الإمام : مَلَكَه. وإن أحياه بغير إذنه : لم يملِكْه عند أبي حنيفة، وقالا: يملكه. - العادِي: هو ما تقدَّم خرابُه، لا أنه مكانٌ لعَادٍ؛ لأن جميع الموات لم تکن لعَادِ. - وقوله: إذا وقف إنسان في أقصى العامر: يعني إنساناً جَهْوَرِيَّ الصوت. وهذا الذي اختاره الشيخ قولُ أبي يوسف. - وذكر الطحاوي أن ما ليست ملكاً لأحد، ولا هي من مرافق البلد، وكانت خارجَ البلد، سواء قرُبت أو بعُدت: فهي مَواتٌ، وهو قول محمد. فأبو يوسف اشترط البعدَ؛ لأن الظاهر أن ما يكون قريباً من القرية: لا ينقطع ارتفاقُ أهلِها عنه. ومحمدٌ اعتبر انقطاعَ ارتفاقِ أهل القرية عنها حقيقة. * قوله: (ومَن أحياه بإذن الإمام: مَلَكَه، وإن أحياه بغير إذن الإمام: لم يَمْلِكْه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يَمْلِكُهُ). لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن أحيا أرضاً ميتةً: فهي له))(١). ولأبي حنيفة: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((ليس للمرء إلا ما طابتْ به نفسُ إمامه))(٢). (١) سنن الترمذي (١٣٧٩)، وقال: حسن صحيح. (٢) المعجم الكبير للطبراني (٣٥٣٣)، وفي مجمع الزوائد ٣٣١/٥: فيه عمرو ٢٢٢ كتاب إحياء المَوَات ويَملكُ الذميُّ بالإحياء كما يَملكُ المسلمُ. ولأنه حقٌّ للمسلمين، فليس لأحدٍ أن يختصَّ به بدون إذن الإمام، کمال بیت المال. - ثم عند أبي حنيفة إذا لم يَملكها بالإحياء، ومَلَّكه إياها الإمامُ بعد الإحياء: تصير ملكاً له. - والأَوْلى للإمام أن يَجعلَها له إذا أحياها، ولا يَستردَّها منه، وهذا إذا ترك الاستئذانَ جهلاً. أما إذا تَرَكَه تهاوناً بالإمام: كان له أن يستردَّها؛ زجراً له. فإذا تَرَكَها له الإمامُ: تَرَكَها بعُشرٍ أو خراج. - وفي (الهداية)) (١): يجب فيها العُشر؛ لأن ابتداء توظيف الخراج على المسلم لا يجوز، إلا إذا سقاها بماء الخراج، حينئذٍ يكون إبقاء الخراج و على اعتبار الماء. * قوله: (ويَملك الذميُّ بالإحياء كما يَملك المسلمُ)؛ لأن الإحياء سببُ الملك، إلا أن عند أبي حنيفة إذن الإمام من شَرْطه. ابن واقد، وهو متروك، معرفة السنن والآثار (١٢١٧٥)، وقال: لا حجةَ في هذا الإسناد. اهـ، أما العلامة قاسم في التعريف والإخبار ٤٧٣/٢ فقال: رواه الطبراني، وفيه ضعف، وذكر أحاديث في الصحاح يُستدل بها للمسألة بدل الاستدلال بالحديث المذكور أعلاه. (١) ٤ / ٩٩. ٢٢٣ كتاب إحياء المَوَات ومَن حَجَّر أرضاً ولم يَعْمُرْها ثلاثَ سنين: أَخَذَها الإمامُ منه، ودفعها إلى غيره. قوله: (ومَن حَجَّر أرضاً، ولم يُعْمُرْها ثلاثَ سنين: أَخَذَها الإمامُ منه، ودَفَعَها إلى غيره). حجَّر: بالتشديد، ويُروى بالتخفيف أيضاً. لأنه إذا ترك عمارتَها ثلاثَ سنين: فقد أهملها، والمقصودُ من دار الإسلام إظهارُ عمارة أراضيها؛ تحصيلاً لمنفعة المسلمين، من حيث العُشر أو الخراج. ولأن التحجير ليس بإحياءٍ يَملك به، وإنما الإحياء هو العمارة، والتحجيرُ إنما هو للإعلام، سمِّي به؛ لأنهم كانوا يُعلِّمونه بوضع الحجارة حولَه، أو يُعلِّمونه لحَجْر غیرِهم عن إحيائه. - وإنما قَدَّره بثلاث سنين؛ لأن الغالب أن الأراضي تُزرع في السنة مرةً، وأكثرُ ما جُعل للارتياء(١) في جنس ما يُستدل به على الرغبة والاختيار: الثلاثُ، وهي الثلاثُ من ذلك النوع، فإذا تركها هذا القدر: فالظاهر أنه قَصَدَ إتلافَها وموتها، فوجب على الإمام إزالةُ يده عنها. وهذا كله ديانةً، أما إذا أحياها غيرُه قبل مضيِّ هذه المدة: ملَكَها، وإنما هذا كالاستيام، فيُكره، ولو فَعَلَه: جاز العقد. (١) أي لمعرفة ما ارتآه. ٢٢٤ كتاب إحياء المَوَات ولا يجوز إحياءُ ما قَرُب من العامر، ويُترَكُ مرعىٍّ لأهل القرية، ومَطْرَحاً لحصائدهم. ومَنْ حَفَرَ بئراً في بَرِّيَّةٍ : فله حَرِيمُها. فإن كانت البئر للعَطَن : فحريمُها من كلِّ جانبٍ أربعون ذراعاً. وإن كانت للناضح : فحريمُها : ستونَ ذراعاً. قوله: (ولا يجوز إحياءُ ما قَرُب من العامر، ويُترَكُ مَرْعَىّ لأهل القرية، ومَطْرَحاً لحصائدهم)، ومُحتَطَبهم؛ لتحقّق حاجتهم إليها، فلا ءِ تكون مَواتاً؛ لتعلَّق حقُّهم بها. * قوله: (ومَن حَفَرَ بئراً في بَرِّيَّةٍ: فله حريمُها). معناه: إذا حَفَرَ في أرضِ مواتٍ بإذن الإمام عند أبي حنيفة، وبإذنه وغير إذنه عندهما؛ لأن حَفْر البئر إحياء، ولأن حريم البئر: كفِنَاء الدار، وصاحبُ الدار أحق بفناء داره، فكذا حريم البئر. * قوله: (فإن كانت البئرُ للعَطَنِ(١): فحريمُها أربعون ذراعاً). يعني من كل جانب أربعون، هو الصحيح، عَطَئاً لماشيته. - فإن كان الحَبْلُ الذي يَنزِعُ به يجاوِزُ الأربعين: فله منتهىُ الحَبْل؛ لأن الحاجة داعيةٌ إلى ذلك. كذا في ((شرحه)). * قوله: (وإن كانت للنَّضح: فحريمُها ستون ذراعاً)، هذا عندهما. (١) أي مُناخ الإبل ومَبْركها. المصباح المنير. ٢٢٥ كتاب إحياء المَوَات وإن كانت عَيْناً : فحريمُها ثلاثُمائةِ ذراعٍ . فمَن أراد أن يَحِفِرَ بئراً في حريمها : مُنع منه. وقال أبو حنيفة: أربعون، كما في العَطَن. - والكلام في طول الحَبْل: كالكلام في العَطَن. وعلى قولهما: ستون من كل جانب. ذكره الخُجندي. - والذراع المعتبر: يزيد على ذراع العامة بقبضة. - والناضح: البعير الذي يُستقى عليه الماء. * قوله: (وإن كانت عيناً: فحريمُها ثلاثمائة ذراع). - وفي ((الهداية))(١): خمسمائة ذراع؛ لأن العين تُستخرَج للزراعة، فلا بدَّ من موضعٍ يجري فيه الماءُ، ومن حَوْضٍ يَجتمع فيه الماءَ، ومن نهر و يجري فيه الماءُ إلى المزرعة، فلهذا قُدِّر بالزيادة. والتقديرُ بخمسمائة: من كل جانبٍ. * قوله: (ومَن أراد أن يَحفِرَ في حريمِها بئراً: مُنع منه)؛ كي لا يؤديَ إلى تفويت حقُّه، والإخلالِ به، فإن حفر: فللأول أن يكْبِسها تبرُّعاً. - فإن أراد أن يأخذ الثاني بكَبْسها: قيل: له ذلك؛ لأن حَفْرَه جنايةٌ منه، كما في الكُنَاسة يُلقيها في دار غيره، فإنه يُؤخذ برَفْعها. وقيل: يُضمَّنْه النقصانَ، ثم يَكْبِسُها لنفسه، وهو الصحيح. (١) ٤ /١٠٠. ٢٢٦ كتاب إحياء المَوَات وما تَرَكَ الفراتُ، أو الدَّجلةُ، وعَدَلَ عنه ويجوز عَوْدُه إليه: لم يَجُزْ إحياؤه. وإن كان لا يجوز أن يعود إليه: فهو كالمَوَات إذا لم يكن حريماً لعامٍ، يَملكُهُ مَنْ أحياه بإذن الإمام عند الإمام. - وإن حفر الثاني بئراً وراءَ حريمِ الأُولىُ، فذهب ماءُ البئر الأُولىُ: فلا شيءَ عليه؛ لأنه غيرُ متعدٍّ في الحفر. ۔ وللثاني الحريمُ من الجوانب الثلاثة، دون الجانب الأول، لسَبْق ملك الحافر الأول فيه. - والشجرة تُغرس في أرضٍ مواتٍ لها حريمٌ أيضاً، حتى لم يكن لغيره أن يغرس شجراً في حريمه؛ لأنه يَحتاج إلى حريمٍ له؛ ليَجُذُّ فيه ثمرَه، ويضعَه فيه، وهو مقدَّرٌ بخمسة أذرع. كذا في ((الهداية))(١). * قوله: (وما تَرَكَ الفراتُ أو الدِّجْلةُ، وعَدَلَ عنه الماء: فإن كان يجوز عَوْده إليه: لم يجز إحياؤه)؛ لحاجة العامة إلى كونه نهراً. * قوله: (وإن كان لا يجوز أن يعود إليه: فهو كالمَوات، إذا لم يكن حريماً لعامرٍ، يَملكه مَن أحياه بإذن الإمام). واشتراطُ إذن الإمام إنما هو قول أبي حنيفة. (١) ٤/ ١٠١. ٢٢٧ كتاب إحياء المَوَات ومَن كان له نهرٌ في أرض غيره: فليس له حريمُه عند أبي حنيفة، إلا أن يُقيمَ البينةَ على ذلك. وقالا : له مُسَنَّةٌ يمشي عليها، ويُلقي عليها طينَه. قوله: (ومَن كان له نهرٌ في أرض غيره: فليس له حريمٌ عند أبي حنيفة، إلا أن يقيمَ البينةَ على ذلك. وقال أبو يوسف ومحمد: له مُسَنَّاةٌ يمشي عليها، ويُلقي عليها طينَه)؛ لأن النهر لا يُنتَفَع به إلا بحريمٍ يُلقي عليه طينَه، ويجتاز عليه إلى النهر؛ لَيَنظرَ مصالحَه، فكان الظاهر أن الحريم له. ولأنه يَحتاج إلى المشي؛ لتسييل الماء عنه، ولا يُمكنه المشيُ عادةً و في بطن النهر، ولا يُمكنه إلقاءَ الطين إلى مكانٍ بعيدٍ إلا بحَرَجٍ، فيكون له الحریمُ؛ اعتباراً بالبئر. ولأبي حنيفة: أن الحريم في البئر عَرَفْناه بالأثر، ولأن الانتفاع بالماء في النهر ممكنٌ بدون الحريم، ولا يُمكن في البئر إلا بالاستقاء، ولا استقاءَ إلا بالحريم. - وقوله: مُسَنَّاة: وهي الطريق، وقيل: هي الزُّبَيْر، بلُغَتنا (١). - فعند أبي يوسف: له قَدْرُ نصف بطن النهر من كل جانب. وعند محمد: قَدْرُ جمیعه من كل جانب. (١) ومعلومٌ أن المؤلف رحمه الله من أهل اليمن المبارك. ٢٢٨ كتاب إحياء المَوَات وثمرة الخلاف: أن ولاية الغرس لصاحب الأرض عند أبي حنيفة، وعندهما: لصاحب النهر. - وأما إلقاءُ طينِ النهر عند أبي حنيفة: فاختلف فيه المشايخُ: قال بعضُهم: ينقله إلى موضعٍ غيرِ مملوكِ لأحدٍ، وقال بعضُهم: له أن يُلقيه على المُسْنَّاة ما لم يفحش. - وأما المرور: فقد قيل: يُمنَع منه عنده، وقيل: لا يُمنَع؛ للضرورة. وقال أبو جعفر: نأخذ بقوله في الغَرْس، ويقولهما في إلقاء الطين، والله أعلم. ٢٢٩ کتاب المأذون کتاب المأذون إذا أَذِنَ المولى لعبده في التجارة إذناً عاماً: جاز تصرُّفُه في سائر التجارات، يشتري، ویبيعُ، كتاب المأذون الإذنُ: عبارةٌ عن فَكِّ الحَجْر، وإسقاطِ الحقِّ عندنا. - والعبدُ بعد ذلك يتصرّف لنفسه بأهليته؛ لأنه بعد الإذن: بقيَ أهلاً للتصرف بلسانه الناطق، وعقله المميِّز. وانحجارُه عن التصرف لحقِّ المولىُ؛ كي لا يتعلَّقِ الدينُ برقبته أو كَسْبه، وذلك مالُ المولىُ، فلا بدَّ من إذنه؛ كي لا يبطل حقّه من غير رضاه. * قال رحمه الله: (إذا أَذِنَ المولىُ لعبده في التجارة إذناً عاماً: جاز تصرُّفُه في سائر التجارات)، بأن يقول له: أذنتُ لكَ في التجارة، ولا يقدِّده. * قوله: (يبيعُ، ويشتري)، يعني بمثل القيمة، وبنقصانٍ لا يُتغابن فيه عند أبي حنيفة، وبنقصانٍ يسيرٍ، إجماعاً. - ولا يجوز عندهما بالغَبْن الفاحش؛ لأنه بمنزلة التبرُّع، فلا ينتظمه الإذنُ، بخلاف اليسير؛ لأنه لا يُمكنُه الاحتراز عنه. ٢٣٠ کتاب المأذون ویَرهَنُ، ويَسترهن. ولأبي حنيفة(١): أنه متصرِّفٌ بأهلية نفسه، فصار كالحرِّ. - وعلى هذا: الصبيُّ المأذونُ له. - فإن حابى العبدُ المأذونُ في مرض موته: يُعتبر من جميع المال إذا لم یکن علیه دینٌ. فإن كان: فمِن جميع ما بقي؛ لأن الاقتصار في الحرِّ على الثلث لِحَقِّ الورثة، ولا وارثَ للعبد. - وإن كان الدَّيْنُ محيطاً بما في يده: يقال للمشتري: أَدِّ جميعَ المحاباة، وإلا فاردُدِ المبيعَ، كما في الحرِّ. - وله أن يُسلِم، ويَقبل السَّلَم؛ لأنه تجارةٌ. - وله أن يوكُّل بالبيع والشراء؛ لأنه قد لا يَتَفرَّغ بنفسه. * قوله: (ويَرهنُ، ويَسترهِنُ)؛ لأنهما من توابع التجارة، فإنها إيفاء واستيفاء. - ويَملكُ أن يستأجر الأجراءَ والبيوتَ؛ لأنه من صنيع التجار. - ويأخذَ الأرضَ مزارعةً؛ لأن فيه تحصيلَ الربح. ــ وله أن يشارك شركةَ عِنان، ويدفعَ المالَ مضاربةً، ويأخذَها؛ لأنه من عادة التجار. (١) أي في جواز بيعه بالغبن الفاحش. كما في السراج الوهاج. ٢٣١ کتاب المأذون وإذا أَذِن له في نوعٍ منها، دون غيره : فهو مأذون في جميعها. - وله أن يؤجِّر نفسَه عندنا، خلافاً للشافعي(١). - وليس له أن يبيع نفسه؛ لأنه يَنحجرُ، ولا أن يرهنَ نفسَه؛ لأنه يُحَس، فلا يَحصل مقصودُ المولىُ. - أما الإجارة: فلا يَنحجرُ بها، ويحصلُ بها المقصودُ، وهو الربح. ؛ قوله: (وإن كان أَذِنَ له في نوعٍ بعَيْنه، دون غيره: فهو مأذونٌ له في جميعها)، مثل أن يأذن في البُرِّ: فإنه يجوز فيه، وفي غيره. وقال زفر: لا يكون مأذوناً له إلا في ذلك النوع؛ لأن الإذن توكيلٌ وإنابةً من المولىُ. ولنا: أنه إسقاطُ الحق، وفكُّ الحَجْر، وعند ذلك تظهر مالكيةُ العبد، فلا يختص بنوعٍ دون نوع، بخلاف الوكيل، فإنه يتصرف في مال غيره. - وإن وقَّت له الإذنَ، مثل أن يقول: أذنتُ لك شهراً في التجارة: فهو مأذونٌ له أبداً حتى يحجر عليه؛ لأن إذنه إطلاقٌ من حَجْر، فلا يتوقف التصرفُ فيه، كالبلوغ والعتق. - وكذا إذا رآه المولى يبيع ويشتري، فلم يَنْهَه، وسكت عن ذلك: كان إذناً؛ لأنه يتصرف لنفسه، وللمولىُ حقٌّ في تصرفه، فصار سكوته رضاً به، كما أن المشتري لمَّا كان متصرِّفاً لنفسه، وللشفيع حقٌّ في تصرفه: كان سكوته عن الطلب: إسقاطاً لحقُّه، كذا هذا. (١) روضة الطالبين ١٨١/٤، حاشية قليوبي على شرح الجلال ٣٠٢/٢. ٢٣٢ كتاب المأذون وإن أَذِن له في شيءٍ بِعَيْنه : فليس بمأذونٍ. - ولا يُشبِه هذا إذا رأى رجلاً يبيع له شيئاً، فسكت عنه: لم يكن سكوتُه إذناً في جواز بيعه؛ لأن بائع عبدٍ غیره إنما يصح تصرُّفه بالتوكیل، فإذا لم يوجد منه الرضا بالتوكيل: لم يصحَّ بيعُهُ. - وإن قال له: أجِّرْ نفسَك، أو اقعُدْ قصَّاراً أو صبَّاغاً: فهو إذنٌ له في التجارة، وله أن يتصرف في ذلك وفي غيره؛ لأن الإجارة من التجارة، وذِكْرُ بعض التجارة: إذنٌ له في جميعها. * قوله: (وإن أَذِنَ له في شيءٍ بعينه: فليس بمأذونٍ له)؛ لأنه استخدامٌ، مثل أن يأمره بشراء ثوبٍ للكسوة، أو طعامٍ لأهله، وهذا لأنه لو صار مأذوناً بهذا: ينسدُّ عنه بابُ الاستخدام. - ولو قال له: إذا جاء غدٌ فقد أذنتُ لك في التجارة: صار مأذوناً له إذا جاء غدٌ. - وكذا إذا قال الرجل: إذا جاء غدٌ فأنتَ وكيلي، فجاء غدٌ: فإنه يكون وکیلاً. - ولو قال لوكيله: إذا جاء غدٌ فقد عزلتُك، أو قال لعبده المأذون: إذا جاء غدٌ فقد حَجَرْتُ عليك، أو قال للمطلِّقة الرجعية: إذا جاء غدٌ فقد راجعتُك: فإنه لا يصح هذا كلَّه، ولا يصيرُ الوكيل معزولاً، ولا العبد محجوراً، ولا المطلقةُ مراجعةً. ٢٣٣ کتاب المأذون وإقرارُ المأذون بالديون، والغُصوبِ: جائزٌ. - ثم العبد لا يصير مأذوناً إلا بالعلم، حتى لو قال المولىُ: أذنتُ لعبدي في التجارة وهو لا يَعلم: لا يصير مأذوناً، كالوكالة. - ولو قال: بايعوا عبدي فقد أذنتُ له في التجارة، فبايعوه والعبدُ لا يعلم بإذن المولى: يصير مأذوناً، في رواية كتاب المأذون. ومن أصحابنا مَن قال: يكون مأذوناً من غير خلاف. - والحَجْرُ عليه لا يصح إلا إذا علم، فأما إذا لم يَعلم: لا يصير محجوراً. - وإن حَجَرَ عليه في سُوقه وهو لا يَعلم: إن أخبره رجلان، أو رجلٌ وامرأتان، عدلين كانا أو غير عدلين، أو رجلٌ عدلٌ وامرأةٌ عدلةٌ: صار محجوراً، بالإجماع. - وإن كان المخبر واحداً غيرَ عدل: لا يصير محجوراً إلا إذا صدَّقه، وعندهما: يَنحجرُ، سواء صدَّقه أو كذَّبه إذا ظهر صِدْقُ الخبر. - وإن كان المخبر رسولاً: صار محجوراً، بالإجماع، صدَّقه أو كذَّبه. * قوله: (وإقرارُ المأذون بالديون والغُصوب: جائزٌ). - وكذا بالودائع إذا أقرَّ باستهلاكها؛ لأن الإقرار من توابع التجارة، إذ لو لم يصح: لاجتنبتِ الناسُ مبايعته ومعاملته. - وهذا إذا كانت الديون ديونَ التجارة، أما المهرُ والجناية: فإنه متعلِّق برقبته، يُستوفى منه بعد الحرية، ولا يُستوفى من رقبته. ٢٣٤ كتاب المأذون وليس له أن يتزوَّجَ، ولا أن يُزوِّجَ مماليكَه. والمراد من المهر: ما كان من التزويج بغير إذن المولى. - ولو أقرَّ بمهر امرأة، وصدَّقته: فإنه لا يصح في حقِّ المولىُ، ولا يؤاخذ به إلا بعد الحرية. - وإن أقرَّ أنه افتضَّ حرةً أو أمة بكراً بأصبعه: فعندهما: لا يلزمه في الحال، إلا بتصديق المولىُ، وهو إقرارٌ بجناية. وقال أبو يوسف: هو إقرارٌ بالمال، ويؤخذ به في الحال. قال في ((المنظومة))(١): في مقالات أبي يوسف رحمه الله: لو قال مأذونٌ أزالت أصبعي عُذْرَتَها يُؤخذ للحال اسمَعِ ولم یصرِّح بما إذا يجب عليه. قال في ((المستصفى)): يحتمل أن يكون بالمهر، كما إذا دفع أجنبيةً، فسقطت، فذهبت عُذرتُها: يجب عليه مهر مثلها. * قوله: (وليس له أن يتزوَّج، ولا أن يُزوِّج مماليكَه)؛ لأن التزويج ليس من التجارة، والإذنُ إنما ينصرف إلى التجارة، وإذا لم يصح، ولم يُجِزْه المولى: فسد، فإذا دخل بها: فالمهر عليه بعد الحرية؛ لأنه لزمه بسببٍ غير ثابتٍ في حق المولى. وأما تزويجُه لمماليكه: فإن زوَّج عبدَه: لم يجز، إجماعاً؛ لأن فيه (١) للنسفي ص٣٢١. ٢٣٥ کتاب المأذون ولا یکاتب، ضرراً؛ بدلالة أنه يَستحقُّ رقبتَه بالمهر والنفقة. - وإن زوَّج أمتَه: فكذلك لا يجوز أيضاً عندهما. وقال أبو يوسف: يجوز؛ لأنه يحصل المالُ بمنافعها، فأشبه إجارتَها. ولهما: أن التزويج ليس من التجارة. - وعلى هذا الخلاف: المضارِبُ والشريكُ شركةَ عنان. - قال في ((المنظومة))(١): في مقالات أبي يوسف رحمه الله: ويملك المأذونُ تزويجَ الأمة وصاحبُ العِنان والمضاربة - قيَّد بالمأذون؛ لأن المكاتب يملك ذلك، إجماعاً. - وقيَّد بالأمة؛ لأنه لا يجوز لهم تزويجُ العبد، إجماعاً. - وقَيَّد بصاحب العِنان؛ لأن المفاوض يملك ذلك، إجماعاً. * قوله: (ولا يكاتِب)؛ لأنه ليس من التجارة؛ لأن التجارة مبادلةٌ المال بالمال، والبدلُ في الكتابة مقابَلٌ بفكِّ الحَجْر، فلم يكن تجارةً، إلا أن يُجيزَه المولىُ، ولا دينَ عليه؛ لأن المولىُ قد مَلَكَه، ويُصير العبدُ نائباً عنه، وترجع الحقوقُ إلى المولىُ؛ لأن الوكيل في الكتابة سفيرٌ عنه. - فإذا كاتب، ولا دينَ عليه، فأجازه المولىُ: جاز، فإذا جاز فمالُ الكتابة للمولى، لا سبيلَ للعبد على قبضه؛ لأن حقوق عقد الكتابة لا (١) للنسفي ص ٢٨٢. ٢٣٦ کتاب المأذون ولا يُعْتِقَ علىُ مالٍ. تتعلِّق بالعاقد، وقَبْضُ مال الكتابة من حقوق العقد. - فإن دفع المكاتَبُ إلى العبد: لا يبرأ إلا أن يوكِّله المولىُ بقبضها، فحينئذٍ يجوز، ويَعتق المكاتبُ. - فإن لَحِقَ المأذونَ دينٌ بعد ما أجازه المولىُ: فالكتابةُ للمولىُ، لیس للغرماء فيها شيء؛ لأن الكتابة لمَّا صحت بالإجازة: خرج العبدُ من كسب المأذون، وصار في يد المولى، وما أَخَذَه المولى من كسب العبد قبل الدين: لا يتعلق به حق الغرماء. - وإن كان المأذونُ كاتَبَ وعليه دينٌ، قليلٌ أو كثيرٌ: فالكتابةُ فاسدةٌ وإن أجازها المولى؛ لأن المولىُ لا يَملك التصرفَ في كسب العبد مع وجود الدين، فلا يملك إجازةَ الكتابة. * قوله: (ولا يُعْتِقَ على مالٍ)؛ لأنه لا يملكُ الكتابةَ، فالعتقُ أَوْلِيُ؛ لأن العتق تبرُّعٌ. - ولا يُقرِضَ؛ لأنه تبرُّعٌ، كالهبة، قال عليه الصلاة والسلام: ((قَرْضٌ مرتين: صدقةٌ مرة))(١). (١) سنن ابن ماجه (٢٤٣٠)، قال في الزوائد: إسناده ضعيف، صحيح ابن حبان (الإحسان) (٥٠١٨)، وعزاه السيوطي في الجامع الصغير ٥١٥/٤ (مع فيض القدير) إلى تاريخ ابن النجار، ورمز إلى ضعفه، وأخرجه البيهقي في السنن ٣٥٤/٥ بلفظ: ((مَن أقرض شيئاً مرتين: كان له مثل أجر أحدهما لو تصدَّق به))، وقال: تفرَّد به عبد الله بن الحسین، وليس بالقوي. اهـ ٢٣٧ کتاب المأذون ولا يَهَبَ بعوض، ولا بغير عوض، إلا أن يُهدِيَ اليسيرَ من الطعام، أو يُضيِّف مَن يُطْعِمُه. : قوله: (ولا يَهَبَ بعوضٍ، ولا بغير عوضٍ). ولا يتصدقَ؛ لأن ذلك تبرُّعٌ. - وليس له أن يتكفّل بالنفس، ولا بالمال، إلا بإذن المولىُ، فإن أذن له المولى: جاز إذا لم يكن عليه دينٌ، أما إذا كان مديوناً: فلا يجوز. - وأما المكاتب: فلا تجوز كفالتُه ولو أَذِنَ له المولى. - فإن كَفَلَ: لا يؤاخَذ بها في الحال، ويؤاخَذُ بها بعد الحرية. - وللمأذون أن يُعيرَ الدابةَ والثوبَ؛ لأنه من عادة التجار. - وله أن يدفعَ المالَ مضاربةً، وأن يأخذَ المالَ مضاربةً. - ويجوز أن يشاركَ شركةً عنان؛ لأنها تنعقد على الوكالة، دون الكفالة، وهو يملكُ أن يوكِّل، ويتوكَّل. - ولا يجوز أن يشارك شركةَ مفاوضة؛ لأنها تنعقد على الكفالة، وهو لا یملگھا. - ويجوز له أن يأذنَ لعبده في التجارة. قوله: (إلا أن يُهديَ اليسيرَ من الطعام، أو يُضيِّفَ مَن يُطعِمُهُ (١))؛ لأنه من عادة التجار. (١) وفي نسخ: من يصله. ٢٣٨ كتاب المأذون وديونُه متعلِّقةٌ برقبته : يُباع فيها للغرماء، إلا أن يَفْدِیه المولىُ، ... - بخلاف المحجور عليه؛ لأنه لا إذنَ له. - وعن أبي يوسف: أن المحجور عليه إذا أعطاه المولى قوت يومه، فدعا بعضَ رُفقائه على ذلك الطعام: لا بأس به. بخلاف ما إذا أعطاه قوتَ شهرٍ؛ لأنهم لو أكلوه قبلَ الشهر: يتضرر به المولى. - قالوا: ولا بأس أن تتصدق المرأةُ من بيت زوجها بالشيء اليسير، كالرغيف ونحوه؛ لأن ذلك غير ممنوعٍ منه في العادة. ولا يجوز بالدراهم والثياب والأثاث. * قوله: (وديونُه متعلَّقةٌ برقبته، يُباع فيها للغرماء، إلا أن يَفديَه المولى). والمراد: دين التجارة، أو ما في معناها، كالبيع والشراء والإجارة والاستئجار، وضمان الغُصوب، والودائع إذا جَحَدَها، وما يجب من العُقْر بوطء المشتراة بعد الاستحقاق، أو عَقَرَ دابةً، أو خَرَقَ ثوباً. - أما الدين الثابت بغير ذلك، كالمهر والجناية: فهو متعلِّقٌ بذمته، يُستوفى منه بعد الحرية، ولا يتعلَّق برقبته. - وقوله: يباع فيها: يعني يبيعه الحاكم، وليس للمولى أن يبيعه؛ لأن الملك للمولى، وللغرماء فيه حقٌّ، وفي بيعه: إسقاطُ حقُّهم؛ لأنهم قد يختارون تَرْكَ البيعَ؛ ليستوفوا من کَسْبه، فلم يكن له بيعُه بغير إذنهم. - فإذا باع بغير إذنهم: وقف على إجازتهم، كما في الرهن. ٢٣٩ کتاب المأذون ويُقْسَمُ ثمنُه بينهم بالحِصَص، - وإن أجاز بعضُهم، وأبىُ بعضُهم: لم يجز، إلا أن يتفقوا على ذلك. - وقوله: إلا أن يفديَه المولى: يعني يفديَه بجميع الدين؛ لأنه إذ فداه: لم يبق في رقبته للغرماء شيء يباع لأجله. قوله: (ويُقْسَمُ ثمنُه بينهم بالحِصَص). - سواء ثبت الدين بإقرار العبد، أو البينة. - فإن بقيَ لهم دينٌ: لا يطالب به المولى، ولكن يَتَّبعون به العبدَ بعد العتق. - وهذا إذا باعه القاضي، أما إذا باعه المولى بغير إذنهم: فلهم حقُّ الفسخ، إلا إذا كان في الثمن وفاء بديونهم، أو قضىُ المولىُ دينَهم، أو أبرؤوا العبدَ من الدين: فإنه يبطل حقُّ الفسخ. - وليس هذا كالوصي إذا باع التركةَ في الدين: ليس للغرماء حقُّ الفسخ. والفرق: أن هنا للغرماء استسعاءُ العبد، فلهم أن يفسخوا البيع، ويستسعوه في دَيْنهم، وهناك ليس لهم استسعاءَ التركة؛ لأن فيه تأخيرَ قضاء دین الميت. مسألة : إذا كان لرجلٍ على عبدٍ دينٌ، فوهبه المولى من صاحب الدين، فقَبِلَه: سقط الدينُ الذي عليه؛ لأن الإنسان لا يثبتُ له على عبده دينٌ. ٢٤٠ كتاب المأذون فإن فَضَلَ من ديونه شيء : طولب به بعد الحرية. وإن حُجِر عليه : لم يَصِرْ محجوراً عليه حتى يَظْهرَ حَجْرُه بين أهل سوقه. - فإن رجع المولىُ في هبته: لم يَعُدِ الدينُ عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه لمَّا مَلَكَه: سقطت المطالبةُ عنه، فصار كما لو أبرأه، فهو كالنكاح، ومعلومٌ أن رجلاً لو وهب أمةً لزوجها: انفسخ النكاح. ولو رجع في الهبة: لم يَعُدِ النكاح؛ لهذا المعنى. وقال أبو يوسف: يعود الدَّيْن على العبد. وعن محمد روايةٌ أخرى: أن المولى ليس له أن يرجع في العبد؛ لأن كون الدينِ على العبد: نَقْصٌ فيه، فزوالُه عنه: زيادةٌ حصلت، والعين الموهوبة متى حصلت فيها زيادةٌ في ملك الموهوب له: منعت الرجوعَ. * قوله: (فإن فَضَلَ شيءٌ من ديونه شيءٌ: طُولب به بعد الحرية)؛ لتقرُّر الدین في ذمته، وعدم وفاء الرقبة به. : قوله: (وإن حُجِر عليه: لم يَصِرْ محجوراً عليه حتى يَظهرَ الحَجْرُ بين أهل سُوْقه)؛ لأنهم صاروا معتقدين جوازَ التصرف معه، والمداينة له، فلا يرتفعُ ذلك إلا بالعلم. - ويُشترط علمُ أكثرِ أهلِ سوقه، حتى لو حُجر عليه في السوق، وليس فيه إلا رجلٌ أو رجلان: لا ينحجرُ؛ لأن المقصود خروجُه من الإذن بالشُهرة، وبالواحد والاثنين لا يشتهر.