Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ کتاب الغصب والغصبُ فيما يُنْقَل ويُحوَّل. العين، والنقصانُ في السعر كذلك؛ لأنه فُتورٌ يُلقيه الله في أنفس الناس فَيَزْهَدون في شراء العين، والعين في الحالين جميعاً على ما هي عليه، فلهذا لم يضمن الزيادة. - فإن غَصبها وهي تساوي مائة، فزادت في بدنها حتى صارت تساوي مائتين، ثم نقصت في البدن حتى صارت تساوي مائة: لم يضمن الزيادة عندنا؛ لأنها زيادةً لم يقع عليها القبض، فلا تكون مضمونةً، كزيادة السعر. ولأنها زيادةٌ حصلت في يده بغیر فعله، وهلکت بغير فعله. - فإن طلبها صاحبُها والزيادةُ باقيةٌ، فامتنع من ردِّها حتى نقصت: ضمن الزيادةَ؛ لأنه لمَّا امتنع من الردِّ: صار ضامناً، كالمودَع إذا جحد الوديعةَ. * قوله: (والغصبُ فيما يُنقَل ويُحَوَّل)؛ لأن ضمانَ الغصب متعلُّقٌ بالنقل والتحويل. والدليل على ذلك: أن مَن حال بين رجلٍ وبين متاعه، أو غصب مالكَه، ومَنَعَه مِن حَفْظ ماله حتى تلف: لم يضمنه. كذا في ((الينابيع)). - ولو حوَّل المتاعَ، ونَقَلَه، فهلك: ضمنه. - والنقلُ والتحويل: واحدٌ. وقيل: التحويلُ: النقلُ من مكان، وإثباتُه في مكان آخر، والنقل: يُستعمل بدون الإثبات في مكانٍ آخر. ١٢٢ كتاب الغصب وإِذا غَصَبَ عقاراً، فهلك في يده: لم يضمنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد : يضمنُه. * قوله: (وإذا غصب عقاراً، فهلك في يده: لم يضمنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمدٌ: يضمنُه). وهلاكُهُ إنما يكون بانهدام البناء بآفةٍ سماوية، أو بذهابِ ترابه، أو بغلبة السيل على الأرض، فيَذهبُ بأشجاره وترابه، فإذا كان مثل هذا: فلا ضمان علیه عندهما. وقال محمدٌ: يضمن. - فإن حدثت هذه الأشياء بفعل أحد من الناس: فضمانُه على المتلف عندهما. وقال محمدٌ: هو مخيَّرٌ: إن شاء ضمَّن الغاصبَ، وإن شاء ضمَّن المتلفَ. - فإن ضمَّن الغاصبَ: رجع على المتلف. - وأجمعوا على أنها لو تلفت من سكناه: ضمن؛ لأنه تَلِفَ بفعله. وقولُ الشافعيّ(١) في غَصْب العقار: مثلُ قولِ محمدٍ؛ لتحقُّق إثبات اليد الغاصبة، ومن ضرورة ذلك: زوالُ يدِ المالك؛ لاستحالة اجتماع اليدين على محلّ واحدٍ في حالةٍ واحدةٍ. ولهما: أن الغصب بإزالة يد المالك بفعلٍ في العين، وهذا لا يُتصوَّر (١) نهاية المحتاج ١٤٨/٥. ١٢٣ كتاب الغصب وما نَقَصَ منه بفِعْله، وسُكناه : ضَمِنَه في قولهم جميعاً. وإِذا هَلَك المغصوبُ في يد الغاصب، بفِعْله أو بغير فِعْله: فعليه ضمانُه. وإن نقص في يده: فعليه ضمانُ النقصان. في العقار؛ لأن يد المالك لا تزول إلا بإخراجه عنها، وهو فعلٌ فيه، لا في العقار، فصار كما إذا بَعُد المالك عن ماشيته. ولأن العقار في المكان الذي كانت يدُ صاحبه ثابتةً عليه، فلا يضمن، والغصبُ إنما يتحقق بالنقل والتحويل. * قوله: (وما نَقَصَ منه بفعله، وسكناه: ضَمِنَه في قولهم جميعاً)؛ لأنه إتلافٌ. * قوله: (وإذا هلك المغصوبُ في يد الغاصب بفعله أو بغير فعله: ضمنه). - هذا إذا كان منقولاً، فإن كان الهلاكُ بفعلٍ غيرِهِ: رجع عليه بما ضمن؛ لأنه قرَّر علیه ضماناً كان يمكنه أن يتخلَّص منه برد العین. * قوله: (فإن نقص في يده: فعليه ضمانُ النقصان). يعني النقصان من حيث فوات الجزء، لا من حيث السعر. - ومراده: غير الربوي، أما في الربوي: لا يُمكن ضمانُ النقصان مع استرداد الأصل؛ لأنه يؤدي إلى الربا. ١٢٤ كتاب الغصب - وإذا وجب ضمانُ النقصان: قُوِّمت العينُ صحيحةً يومَ غَصَبَها، ثم تُقوَّم ناقصةَ: فيغرم ما بينهما. - وإن غصب عبداً، فَأَبَقَ من يده ولم يكن أَبَقَ قبل ذلك، أو كانت أمةً، فزنت في يده ولم تكن زنتْ قبل ذلك، أو سرقت: فعلى الغاصب ضمانُ ما نقص من العبد والجارية من السرقة والإباق والزنا. - وإن أصابها حُمَّىَ في يد الغاصب، فردها محمومةً، فماتت عند صاحبها: ضمن الغاصب ما نقصتْها الحُمَّى، دون قيمتها؛ لأن الموت ليس من الحُمَّىُ التي كانت في يد الغاصب، وإنما هو من الحُمَّى التي حدثت في يد صاحبها؛ لأن الحُمَّى يحصل منها الألم جزءاً فجزءاً، ثم تتكامل بما يتجدد من الحُمَّى من بعده، فتموت من ذلك. - وإن غصبها محمومةً، فماتت في يد الغاصب: ضمن قيمتَها محمومةً يوم غصبها. - فإن كانت زنت في يد المولى، أو سرقت، ثم غصبها، فأُخذت بحدٍّ الزنا والسرقة، فماتت من ذلك: فلا ضمانَ عليه؛ لأنها تلفت بسببٍ كان في يد المولى. - وكذا لو حَبِلتْ في يد الغاصب من زوج كان لها في يد المولىُ، فماتت من ذلك: فلا ضمانَ على الغاصب. ١٢٥ کتاب الغصب ومَن ذبح شاةَ غيرِه بغير أمره : فمالكُها بالخيار: إن شاء ضمَّنه قيمتها، وسلَّمها إليه، وإن شاء ضمَّنه نقصانَها. ومَن خَرَقَ ثوبَ غيرِهِ خَرْقاً يسيراً : ضَمِنَ نقصانَه. - وكذا لو كان المولىُ أحبلها، ثم غصبها، فماتتْ في يد الغاصب من الحبل: لا ضمانَ على الغاصب؛ لأن التلف حصل بسببٍ كان في يد المولى، فهو كما لو قَتَلَها المولى في يد الغاصب. - فإن كان الغاصبُ غَصَبَها وهي حُبلى من غير إحبالٍ من المولىُ، ولا من زوجٍ كان لها في يد المولى، فماتت في يد الغاصب من ذلك: ضمن قيمتها؛ لأنها تلفت في يد الغاصب بغير فعل المولى، ولا بسببٍ كان في يده. - فإن زنت أو سرقت في يد الغاصب، فردَّها على المولىُ، فأُخذت بذلك في يده: فعلى الغاصب قيمتُها؛ لأنها تلفت بسببٍ كان في يده. * قوله: (ومَن ذَبَحَ شاةَ غيرِهِ: فمالكُها بالخيار: إن شاء ضمَّنْه قيمتَها، وسلَّمها إليه، وإن شاء ضمَّنْه نقصانَها). وهذا ظاهرُ الرواية، وهو قول محمد. - وكذا لو سلخها، وقطع لحمَها، ولم يَشْوِهِ. وفي رواية: يُضمِّنْه نقصانَها. - وإن كانت الدابةُ غيرَ مأكولةِ اللحم، فقطع طرفَها: فللمالك أن يُضمِّنْه جميعَ قيمتها؛ لوجود الاستهلاك من كل وجه، بخلاف المأكولة. * قوله: (ومَن خَرَقَ ثوبَ غيره خَرْقاً يسيراً: ضمن نقصانَه)، والثوبُ ١٢٦ كتاب الغصب وإن خَرَقَه خَرْقاً كبيراً يُبْطِلُ عليه عامةَ منفعته: فلمالكه أن يضمِّنه جمیعَ قیمته. لمالكه؛ لأن العين قائمةٌ من كل وجه، وإنما دخله عيبٌ، فيضمن العيبَ. * قوله: (وإن خَرَقَه خَرْقاً كثيراً (١) يُبطل عليه عامةَ منافعه: فلمالكه أن يُضمَّنَه جميعَ قيمته)؛ لأنه استهلاكٌ له. - وإذا ضمن قيمته: مَلَكَه؛ لأن صاحبه لمَّا ملك القيمة: ملك الغاصبُ بدلَها، حتى لا يجتمع في ملك المغصوب منه البدلان. وإن شاء صاحب الثوب ضمَّنْه النقصانَ؛ لأنه لم يستهلكه استهلاكاً تاماً، ولا اتصل بزيادة، والمماثلة فيه غير معتبرة، فلهذا جاز أن يضمنه النقصان، ويأخذه. كذا في ((شرحه)). - فقوله: لم يستهلكه استهلاكاً تاماً: يُحترز مما لو أحرقه. - وقوله: ولا اتصل بزيادة: يُحترز مما لو صبغه. - وقوله: والمماثلة غير معتبرة: يُحترز من المكيل والموزون. وقوله: خَرْق: هو بالتخفيف، بدليل قوله: خَرْقاً، ولم يقل: تخريقاً. - وقوله كثيراً: هو بالثاء المثلثة؛ لأنه ذكره في مقابلة قوله: يسيراً، ولو كان بالباء الموحدة: لقال في الأول: خَرْقاً صغيراً. كذا في ((المستصفى)). (١) وفي كثيرٍ من نسخ القدوري: كبيراً، وقد رجَّح المؤلف الحداد بالثاء، كما سینص على هذا بعد قليل. ١٢٧ كتاب الغصب وإذا تغيّرت العينُ المغصوبةُ بِفِعْل الغاصب حتى زال اسمُها، وعُظْمُ منافعها : زال مِلْكُ المغصوبِ منه عنها، ومَلَكَها الغاصبُ، وضَمِنها، ... - واختلف المتأخرون في الخَرْق الفاحش: قال بعضهم: هو ما أوجب نقصانَ ربع القيمة، وما دونه: یسیر. وقال بعضهم: ما أوجب نقصانَ نصف القيمة. وقيل: ما لا يَصلح الباقي بعده لثوب. وفي ((الهداية)) (١): إشارةُ الكتاب إلى أن الفاحش ما تبطل به عامة المنافع، والصحيح أنه ما يفوت به بعض العين، وبعض المنفعة، واليسير: ما لا يفوت به شيء من المنفعة، وإنما يدخل فيه النقصان. وفي ((المحيط)): الفاحش: ما يستنكف أوساط الناس من لُبْسه مع ذلك. - ولو قال الرجل: أُخرُقْ ثوبي هذا، ففعل: يأثم، ولا يضمن. - وإن خَرَقَ صكَّ غيره: يضمن قيمتَه مكتوباً عند أكثر المشايخ، ولا يضمن المال؛ لأن الإتلاف صادف الصكَّ، ولم يصادف المال. قوله: (وإذا تغيَّرت العينُ المغصوبة بفعل الغاصب، حتى زال اسمُها، وعُظْمُ منافعِها: زال ملكُ المغصوب منه عنها، ومَلَكَها الغاصبُ، وضَمنَها). (١) ٤ / ١٧. ١٢٨ كتاب الغصب ولم يَحِلَّ له الانتفاعُ بها حتى يؤدِّيَ بدلَها. وعند الشافعي(١): لا ينقطعُ حقُّ المالك عنها. - وقوله: ومَلَكَها الغاصب: قال نجم الدين النسفي: الصحيح عند المحققين من أصحابنا أن الغاصبَ لا يملك المغصوبَ، إلا عند أداء الضمان، أو القضاء بالضمان، أو بتراضي الخصمين على الضمان. فإذا وُجد شيء من هذه الثلاثة ثبت الملك، وإلا: فلا. - وبعد وجود شيءٍ من هذه الثلاثة: إذا ثبت الملك: لا يحل للغاصب تناولُه، إلا أن يجعله صاحبُه في حِلّ. * قوله: (ولم يحِلَّ له الانتفاعُ بها حتى يؤديَ بدلَها). - فيه إشارةٌ إلى أنه إذا قضى القاضي بالضمان: لا يحلّ له الانتفاع ما ءِ لم يؤد الضمان. وليس كذلك، فقد نصَّ في ((المبسوط))(٢): أنه يحلّ له الانتفاع إذا ءِ قضى القاضي بالضمان، ثم إذا أدى البدلَ: يحل له الانتفاع؛ لأن حق المالك صار مستوفىٌ بالبدل، فجعل مبادلةً بالتراضي. - وكذا إذا أبرأه؛ لسقوط حقه. - وكذا إذا ضمَّنْه الحاكم، أو ضمَّنْه المالك، لوجود الرضا منه؛ لأنه (١) مغني المحتاج ٢٩٠/٢. (٢) ١١ / ٩٥. ١٢٩ کتاب الغصب وهذا كمَن غَصَبَ شاةً، فذبحها، وشواها أو طبخها، أو غَصَبَ حنطةً، فطحنها، أو حديداً، فانَّخذه سيفاً، أو صُفْراً، فعَمِله آنيةً. وإن غصب فضةً أو ذهباً، فضَرَبَها دراهمَ، أو دنانيرَ، أو آنيةً: لم يَزُلْ مِلْكُ مالكِها عنها عند أبي حنيفة. لا يقضي الحاكم إلا بطلبه. قوله: (وهذا كمن غَصَبَ شاةً، فذَبَحَها، وشَوَاها أو طَبَخَها، أو غصب حنطةً، فطَحَنَها، أو حديداً، فانَّخذه سيفاً، أو صُفراً، فعَمِلَه آنيةً(١). * قوله: (وإن غصب فضةً أو ذهباً، فضَرَبَها دراهمَ أو دنانيرَ أو آنيةً: لم يزُل ملكُ مالكِها عنها عند أبي حنيفة). فيأخذُها ولا شيءَ للغاصب، ولا يعطيه لعمله شيئاً؛ لأن العين باقيةٌ من كل وجه؛ لأن الاسم باق، وكونه موزوناً باقٍ أيضاً. - وكذا جريان الربا فيه موجودٌ. * قوله: (وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا سبيلَ للمغصوب منه على الدراهم والدنانير المضروبة، وعلى الغاصب مثلُ الفضة التي غَصَبَها ومَلَكَها (٢)؛ لأنه أحدث فيها صنعةً معتبرةً. (١) أُثبتَ هذا القدرُ من مختصر القدوري في نسخ من الجوهرة، دون أخرى، ولم يأت لهذه المقولة شرحٌ فيها. (٢) قول الصاحبين هذا في هذه الجملة كلها غير مثبتٍ في نسخ القدوري. ١٣٠ كتاب الغصب ومَن غَصَبَ سَاجَةً، فبنى عليها: زال مِلْكُ مالكِها عنها، ولزم الغاصبَ قیمتُها . - وأما إذا سَبَكَ الفضةَ أو الذهب، ولم يَصُغْهما، ولم يَضربْهما دراهمَ ولا دنانير، بل جعلهما صفائحَ مَطْلَوَّةٍ: لم تنقطع يدُ صاحبها عنها، إجماعاً. - ولو غَصَبَه دراهمَ، فخلطها بدراهمه، حتى صارت لا تتميَّز: فعليه مثلُها، ولا شركةَ بينهما فيها عند أبي حنيفة. وقالا: هو بالخيار: إن شاء ضمَّنْه مثلَها، وإن شاء شاركه بقدرها، يعني إذا صاغها حُلياً أو آنية. - قال في ((الكرخي)): إذا غصبه طعاماً، فزرعه: كان عليه مثله عند أبي حنيفة، ويتصدق بالفضل، وعندهما: لا يتصدق بالفضل. - وهذا إذا ضمن بعد انعقاد الحَبِّ؛ لتمكن الحَبِّ(١)، أما لو ضمن قبل انعقاد الحَبِّ: طاب له الفضلُ، بالإجماع. - وكذا كل نوىّ غَرَسَه، فنبت: ضمن قيمته، يعني إذا غصبه، فغرسه؛ لأنه إذا نبت: صار مستهلَكاً، فهو كالحب إذا نبت. - وكذا إذا غصب دقيقاً، فخَبَزَه، أو بيضاً، فصار فُرُوخاً: مَلَكَه؛ لزوال اسمه، أو تراباً، فجعله لَبِناً أو آنيةً، أو قطناً، فغَزَلَه، أو خشباً، فعمله سفينةً: ففي هذا كله یزول ملكُ مالكه عنه. * قوله: (ومَن غَصَبَ ساجَةً(٢)، فبنى عليها: زال مِلكُ مالكها عنها، ولزم الغاصبَ قیمتُها). (١) وفي غالب النسخ: الخبث، وفي أخرى: الحبس. (٢) الساج: شجر عظيم جداً، ولا ينبت إلا ببلاد الهند. اللباب ٤٧٩/٣. ١٣١ کتاب الغصب ومَن غَصَبَ أرضاً، فغرس فيها، أو بنى: قيل له: اِقْلَعِ الغَرْسَ والبناءَ، وردّها إلى مالكها فارغةً. وقال زفر والشافعي(١): يُنْقَض البناءُ، ويُردُّها على صاحبها. قال الهُنْدُوانيُّ: إنما لا يُنقَض البناءُ عندنا إذا بنى حواليها، أما إذا بنى على نفسها: يُنْقَض. وإطلاق ((الكتاب)): يردُّ ذلك، وهو الأصح، يعني أنه لا يُنقض، سواء بنى عليها أو حواليها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)) (٢). وفي قلع البناء ضررٌ، ويمكننا توفيةُ الحقَّيْن من غير ضرر، بأن يُلزم الغاصب قيمتها، إذ هي تقوم مقامها. * قوله: (ومَن غصب أرضاً، فغرس فيها، أو بنى: قيل له: اقلَعِ البناء والغرسَ، وردّها إلى مالكها فارغةً). لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ)(٣). (١) مغني المحتاج ٢٩٣/٢. (٢) سنن ابن ماجه (٢٣٤٠)، وحسَّنه النووي في أربعينه، وفي أذكاره ص٣٥١، وأطال في تخريجه وذكر طرقه الزيلعي في نصب الراية ٤/ ٣٨٤. (٣) سنن أبي داود (٣٠٧٣)، سنن الترمذي (١٣٧٨)، قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات ١٤/٢/٣: إسنادُ أبي داود صحيح. اهـ، وكذلك صحَّحه ابن الملقن في البدر المنير ١٧/ ٣٠٤، وغيرهما. ١٣٢ کتاب الغصب فإن كانت الأرضُ تَنْقُصُ بقَلْع ذلك: فللمالك أن يَضْمَن له قيمةَ البناء والغرسِ مقلوعاً، ويكونُ له. ولأن ملك صاحبِ الأرض باقٍ، فإن الأرض لم تَصِرْ مستهلكةٌ، والغصبُ لا يتحقق فيها، فيُؤمر الغاصبُ بتفريغها، كما إذا أشغل ظرفَ غيره بطعامه. - ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ): أي ليس الذي عِرْقٍ ظالمٍ، وهو الذي يُغرس في الأرض غصباً، ووَصَفَ العِرْقَ بالظلم، والمراد: صاحبُه. وفي بعض الروايات: ((ليس لعرقِ ظالمٍ: على الإضافة إلى العِرْق. * قوله: (فإن كانت الأرض تَنْقُص بقلع ذلك: فللمالك أن يَضمَنَ له قيمةَ البناء والغرس مقلوعاً، ويكون له). لأن فيه نظراً لهما، ودَفْعَ الضرر عنهما، ويضمن قيمتَه مقلوعاً؛ لأنها الحالةُ التي يجب فيها ردُّها، فتُقوَّم الأرضُ بدون الشجر والبناء، وتُقُوَّم وهما بها، ولكن لصاحبها أن يأمر بقلعه، فيضمن فضلَ ما بينهما. - ولو غصب فَصِيلاً (١)، وأدخله بيتَه، فكَبِرَ حتى صار لا يخرج إلا بهدم الجدار، وقلع الباب: فإن كانت قيمةُ الفصيل أكثرَ من قيمة الدار: وجب عليه هدمُ البناء، وردُّ الفصيل. (١) ولد الناقة. المصباح المنير. ١٣٣ کتاب الغصب وإن كانت قيمةُ البناء والهدم أكثرَ: غَرِمَ قيمةَ الفَصيل؛ لأنه يأخذ حقَّه من القيمة من غير ضرر. - وكذا إذا ابتلعت الدجاجةُ لؤلؤةً لغير صاحبها: لم يُجبر صاحبُها على ذبحها؛ لأنه لم يكن بفعلٍ حصل منه، فيُقال لصاحب اللؤلؤة: إن شئت فخذ القيمة، وإن شئتَ فاصبر حتى تَزْرِقَها الدجاجةُ، أو يذبحَها مالكُها باختياره. وروي عن محمد: أنه يقال لصاحب اللؤلؤة: أعط صاحبَ الدجاجة قيمةَ الدجاجة، وخذ الدجاجةَ. وفي رواية: يُنظر أيُّهما أكثر قيمةً: فصاحبه بالخيار. كذا في ((العيون)). - ولو وقع درهمٌ أو لؤلؤةٌ في مِحَبَرة، وكان لا يخرج إلا بكسرها: إن كان ذلك بفعل صاحب المِحَبَرة، وكان أكثرَ قيمةً من المَحَبَرة: كُسرت، ولا غُرْم على صاحب الشيء الواقع فيها. وإن وقع بفعل صاحب الشيء، أو بغير فعلِ أحدٍ: كُسرت أيضاً، وعلى صاحب الشيء قيمةُ المحبرة إن شاء، وإلا : صَبَرَ حتى تنكسر. - ولو أَدخلت بهيمةُ رأسَها في قِدْرٍ أو بُرْمة (١)، ولم تخرج إلا بكسرها: فهو على مسألة الفَصيل. - ولو غصب خيطاً، فخاط به ثوباً: فعليه قيمتُه، ولا يُنزَع. (١) القِدْر من الحَجَر. المصباح المنير. ١٣٤ كتاب الغصب ومَن غَصَبَ ثوباً، فصَبَغَه أحمرَ، أو سَويقاً فلَنَّه بسمنٍ : فصاحبُه بالخيار : إن شاء ضمَّنْه قيمةَ ثوبه أبيضَ، ومِثْلَ السَّوِيقِ، وسلَّمهما للغاصب، وإن شاء أخذهما، وضَمِنَ ما زاد الصِّبْغُ والسَّمْنُ فيهما. ـ ومَن ركب دارَ غيره لإطفاء حريقٍ وقع في البلد، فانهدم جدارٌ من الدار بركوبه: لم يضمن قيمةَ الجدار؛ لأن ضرر الحريق عامٌّ على المسلمين، فكان لعامة المسلمين دَفْعُ ذلك عنهم، كما إذا حَمَلَ العدوُّ على المسلمين، فدفع عنهم رجلٌ ذلك العدوَّ بآلةِ غيرِه حتى تلفت الآلةُ: لم يضمن من قيمتها شيئاً، كذلك هذا. * قوله: (ومَن غصب ثوباً، فصبغه أحمرَ، أو سويقاً، فلتَّه بسمنٍ: فصاحبه بالخيار: إن شاء ضمَّنْه قيمةَ ثوبه أبيضَ، ومثلَ السويق، وسلّم ذلك للغاصب، وإن شاء أخذهما، وغَرِمِ ما زاد الصِّبْغُ والسَّمْنُ فيهما). لأن فيه رعايةَ الحقَّيْن من الجانبين، والخيرةُ لصاحب الثوب؛ لكونه صاحب الأصل؛ لأن ماله متبوعٌ، ومالُ الغاصب تبعٌ. - وأما إذا غصب ثوباً، فقَصَرَه: فإن لصاحبه أن يأخذه بغير شيء؛ لأن القِصارة ليست بزيادة عينٍ في الثوب، وما استعمله فيه من الصابون وغيره یتلف، ولم تبق له عینٌ. - وكذا إذا غسله بالصابون والماء. - وقيَّد بقوله: فصبغه: إذ لو ألقتْه الريحْ في صِبْغ إنسانٍ، فانصبغ به: فإن صاحب الثوب يؤمر بتسليم قيمة الصِّبْغ؛ لأنه لا جناية من صاحب الصِّبْغ، أو يكون الثوبُ مشتركاً بينهما على قدر حقَّيْهما. ١٣٥ كتاب الغصب - وإنما ذكر في الثوب القيمةَ، وفي السويق المثلَ؛ لأن السويق مثليٌّ. وقال في ((الأصل)): يضمن قيمةَ السويق؛ لأنه يتفاوت بالقلي، فلم يبق مثلياً. - وهذا إذا كان الصَّبْغ يزيد في الثوب في العادة، كالعُصفر والزعفران، أما إذا كان يُنقصه: فصاحبه بالخيار: إن شاء ضمَّنْه قيمةَ ثوبه أبيض، وسلَّمه للغاصب، وإن شاء أخذه ولا شيءَ للغاصب. - والصفرة في الصَّبْغ: كالحمرة. - وقَيَّد بقوله: فصَبَغَه أحمرَ: احترازٌ عن السواد: فإن فيه خلافاً: فعند أبي حنيفة هو نقصانٌ، وعندهما: زيادةٌ، كالحمرة. - فإذا صَبَغَه أسود: كان صاحبُه بالخيار عند أبي حنيفة: إن شاء ضمَّنْه قيمةَ ثوبه أبيض، وتركه له، وإن شاء أخذه أسودَ، ولا شيء للغاصب؛ لأنه أدخل فيه نقصاً. وقال أبو يوسف ومحمد: هو كالعُصفر، فيعطيه ما زاد الصَّبْغ فيه، وإن شاء ضمَّته قیمةً ثوبه أبیض. ومن أصحابنا مَن قال: لا خلافَ بينهم في الحقيقة، إلا أن أبا حنيفة أجاب على ما شاهد في زمانه، فإنهم كانوا لا يلبسون السوادَ، وكان نقصاناً عندهم، وهما أجابا على ما في زمانهما، فإنهم كانوا يلبسون السواد، وكان زيادةً عندهم، فعلى هذا: هو اختلافُ عصرٍ وزمان. ١٣٦ كتاب الغصب ومَن غصب عيناً، فغيَّيَها، فضَمَّنه المالكُ قيمتَها : مَلَكَها الغاصبُ. والقولُ في القيمة قولُ الغاصب مع يمينه، إلا أن يقيم المالكُ البينةَ بأكثر من ذلك. فإن ظهرت العينُ، وقيمتُها أكثرُ مما ضَمِن، وقد كان ضَمِنَها بقول المالك، أو ببينةٍ أقامها، أو بنكولِ الغاصب عن اليمين: فلا خيارَ للمالك. - وإن كان صاحبُ الثوب هو الذي غصب العُصفرَ، فصبغ به ثوبَه: كان الثوبُ له، وعليه ضمان مثلِ العصفر: إن كان يكال: فمثل كيله، وإن كان يوزن: فمثل وزنه، وإن كان مما لا يكال ولا يوزن: فقيمتُه يوم أخذه، وليس لصاحب العصفر أن يحبس الثوب؛ لأن الثوب متبوعٌ، ولیس بتابع. * قوله: (ومَن غصب عيناً، فغيَّبها، فضمَّنه المالكُ قيمتَها: مَلَكَها الغاصب بالقيمة، والقول في القيمة قولُ الغاصب مع يمينه)؛ لأن المالك يدعي زيادةً، وهو يُنكر، فالقول قول المنکر مع یمینه. * قوله: (إلا أن يقيم المالكُ البينةَ بأكثر من ذلك)؛ لأن البينة أَوْلى من اليمين. * قوله: (فإن ظهرت العينُ، وقيمتُها أكثرُ مما ضمن، وقد ضمنها بقول المالك أو ببينةٍ أقامها، أو بنكولِ الغاصب عن اليمين: فلا خيار للمالك)، وهي للغاصب؛ لأنه مَلَكَها برضا المالك، حيث ادعى هذا المقدار. ١٣٧ كتاب الغصب وإن كان ضَمِنَها بقول الغاصب مع يمينه : فالمالكُ بالخيار : إن شاء أمضى الضمانَ، وإن شاء أخَذَ العينَ، وردَّ العوضَ. وولدُ المغصوبة، ونماؤها، وثمرةُ البستان المغصوب : أمانةٌ في يد الغاصب . فإن هلك : فلا ضمان عليه، إلا أن يتعدَّىُ فيها، أو يَطلُبَها مالكُها، فَيَمْنَعَه إِيَّاها. * قوله: (وإن كان ضمنها بقول الغاصب مع يمينه: فالمالك بالخيار: إن شاء أمضى الضمانَ، وإن شاء أخذ العينَ، وردَّ العوض)؛ لأنه لا يتمُّ رضاه بهذا المقدار. - ولو ظهرت العينُ وقيمتُها مثلُ ما ضمن أو دونه في هذا الفصل الآخر: فكذا الجواب في ظاهر الرواية، يعني أن المالك بالخيار؛ لأنه لم يتمَّ رضاه، حيث لم يُعطَ ما يدعيه، وهذا هو الأصح، خلافاً لما يقوله الكرخي: إنه لا خيار له. * قوله: (وولدُ المغصوبة، ونماؤها، وثمرةُ البستان المغصوب: أمانةٌ في يد الغاصب، فإن هلكت: فلا ضمانَ عليه، إلا أن يتعدى فيها، أو يطلبَها مالكُها، فيمنعه إياها). وقال الشافعي(١): زوائدُ الغصب مضمونةٌ، متصلةً كانت أو منفصلةً. (١) تحفة المحتاج ٤١/٦. ١٣٨ كتاب الغصب وما نَقَصَت الجاريةُ بالولادة : فهي في ضمان الغاصب. والخلاف راجع إلى أصلٍ، وهو: أن الغصب عندنا إزالةُ اليد المُحقة قصداً، وإثبات اليد المبطلة ضمناً، وعنده: الغصب إثباتُ اليد المبطلة قصداً، وإزالة اليد المحقة ضمناً. وفائدة ذلك: في الزيادة الحادثة في يد الغاصب، وهي نوعان: منفصلةٌ، كالولد والثمر، ومتصلةٌ، كالسِّمَن، وكلاهما أمانةٌ في يد الغاصب عندنا. وعنده: كلاهما مضمونٌ؛ لأنه وُجد عنده إثباتُ الید على الولد. وعندنا: لم توجد إزالةُ اليد المحقة، ويدُ المالك لم تكن ثابتةً على هذه الزيادة حتى يزيلها الغاصبُ. - ثم حدوث الولد على وجهين: إن حدث في يده بعد الغصب: فهو أمانةٌ، إلا أن يتعدى فيه، أو يمنعَه منه. - ولا فرق بين أن يَغصبها حاملاً أو حائلاً في أن الولد أمانةٌ؛ لأن الحملَ لا قيمة له. والوجه الثاني: أن يَغصبها والولدُ معها: فإنه يضمن الولدَ؛ لأنه قد وقع عليه القبضُ الموجِب للضمان. * قوله: (وما نقصت الجارية بالولادة: فمِن ضمان الغاصب). وصورته: إذا حبلت عند الغاصب، أو زنت بعبد الغاصب، أما إذا كان الحبل من الزوج أو المولىُ: فلا ضمان عليه. ١٣٩ كتاب الغصب فإن كان في قيمة الولد وفاء به : جُبِر النقصانُ بالولد، وسَقَطَ ضمانُه عن الغاصب. * قوله: (فإن كان في قيمة الولد وفاء به: جُبر النقصان بالولد، وسقط ضمانُه عن الغاصب). وقال زفر: لا ينجبر بالولد؛ لأن الولد ملكُه، فلا يصلح جابراً لملكه. ولنا: أن الولادة فوَّتت جزءاً، وأفادت مالاً، فوجب أن يُجبر الفائتُ بالفائدة، كمن قطع يدَ المغصوبة، فأخذ الغاصبُ أرشها وفيه وفاءً، وکمن قلع سنَّها، فنبتت. - وإن لم يكن في الولد وفاء: فإنه يقوم مقامَ ما بإزائه، ويَغرم الغاصبُ فضلَ النقصان. - وكذا إذا مات الولد: فعليه ضمان النقصان؛ لأنه لما مات صار کتلف الأرش في يده. - ولو تلف الأرش في يده: كان عليه الإتيانُ بغيره، فكذا إذا تلف الولد. ـ ومَن غصب جاريةً، فزنى بها، ثم ردها، فحبلت، وماتت في نفاسها: ضمن قيمتها يوم عَلِقت، وهذا عند أبي حنيفة. وعندهما: لا ضمان عليه؛ لأن الردَّ قد صحَّ، والهلاكُ بعده بسببٍ حَدَثَ في يد المالك، وهو الولادة، فلم يضمن الغاصب، كما إذا حُمَّت في يد الغاصب، ثم ردها، فهلكت، أو زنت في يده، ثم ردها، فجُلِدت، فهلکت منه. ١٤٠ كتاب الغصب ولا يَضمنُ الغاصبُ منافعَ ما غَصَبه، إلا أن يَنْقُصَ باستعماله، فَيَغْرَمُ النقصانَ. ولأبي حنيفة: أنه غصبها، وما انعقد فيها سببُ التلف وردّها وفيها ذلك: فلم يوجد الردُّ على الوجه الذي أخذه، فلم يصح الرد. قوله: (ولا يضمن الغاصبُ منافعَ ما غَصَبَه، إلا أن يَنقص باستعماله له، فيَغرم النقصان). صورته: إذا غصب عبداً خبّازاً، فأمسكه شهراً ولم يستعمله، ثم رده إلى المالك: لا یجب علیه ضمانُ منافع الشهر عندنا. - وصورة إتلاف المنافع: أن يستعمل العبدَ أياماً، ثم يرده على مولاه، فعندنا: لا یضمن. - قال الخُجَندي: ولا أجرةَ على الغاصب في استخدامه عبدَ الغصب، ولا في سکنی دارٍ غصبها. وفي ((الكرخي)): إذا آجر الغاصبُ العبدَ المغصوب: فالأجرة للغاصب، ويتصدق بها. - ولو غصب طعاماً، فأكله المالك وهو يعرفه أو لا يعرفه، أو أطعمه إياه الغاصب وهو لا يعرفه، أو كان ثوباً، فألبسه إياه وهو لا يعرفه: فقد برئ منه الغاصب؛ لأنه قد سُلُّم له بالأكل واللبس، فلو ضمَّن الغاصبَ: السَلِم له العوضَ والمعوض، وهذا لا يصح.