Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ كتاب المضاربة كتاب المضاربة المضاربةُ عقدٌ على الشركة بمالٍ من أحد الشريكين، وعملٍ من الآخر. كتاب المضاربة المضاربة في اللغة: مشتقةٌ من: الضرب في الأرض، وهو السفر، قال الله تعالى: ﴿وَءَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِىِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾. المزمل / ٢٠، أي يسافرون لطلب رزق الله. وفي الشرع: عبارةً عن عقدٍ بين اثنين، يكون من أحدهما المالُ، ومن الآخر التجارةُ فیه، ویکون الربح بينهما. وركثُها: الإيجاب والقبول، وهو أن يقول: دفعتُ إليك هذا المال مضاربةً، أو معاملةً، أو: خذ هذا المالَ، واعمل به مضاربةً، على أن ما رزق الله من شيء فهو بيننا نصفان، فيقول المضارب: قَبِلتُ، أو أخذت، أو رضیت. * قال رحمه الله: (المضاربةُ عقدٌ على الشركة بمالٍ من أحد الشريكين، وعملٍ من الآخر). مراده: الشركة في الربح. ٤٤٢ كتاب المضاربة - ثم المضاربة تشتمل على أحكامٍ مختلفة: - فإذا دفع المالَ: فهو أمانةٌ، كالوديعة إلى أن يعمل فيه؛ لأنه قَبَضَه بأمر مالكه. - فإذا اشترى به: فهو وكالةٌ؛ لأنه تصرُّفٌ في مال الغير بأمره. - فإذا ربح: صار شريكاً. - فإذا فسدت: صارت إجارةً؛ لأن الواجب فيها أجرُ المثل. - فإذا خالف المضاربُ شرطَ ربِّ المال: فهو بمنزلة الغاصب، فيكون المالُ مضموناً عليه. - ويكون الربحُ للمضارب، ولكنه لا يطيبُ له عندهما، وقال أبو یوسف: یطیبُ له. - فإذا أراد ربُّ المال أن يجعل المالَ مضموناً على المضارب، فالحيلة في ذلك: أن يُقرضَه المضاربَ، ويسلِّمَه إليه، ويُشهِد عليه، ثم يأخذه منه مضاربةً بالنصف أو الثلث، ثم يدفعه إلى المستقرض، ويستعين به في العمل، حتى إنه لو هلك في يده: فالقرضُ عليه، وإذا ربح ولم يهلك: يكون الربح بينهما على الشرط. كذا في ((الخُجندي)). فصار للمضارب خمسُ مراتب: هو في الابتداء أمينٌ، فإذا تصرف فهو وكيلٌ، فإذا ربح فهو شريكٌ، فإذا فسدت فهو أجيرٌ، فإذا خالف فهو غاصبٌ. ٤٤٣ كتاب المضاربة ولا تصحُّ المضاربةُ إلا بالمال الذي بَيَّا أن الشركة تصحُّ به. ومِن شَرْطِها : أن يكون الربحُ بينهما مُشَاعاً، لا يَستحقُّ أحدُهما منه دراهمَ مسمَّةً. : قوله: (ولا تصح المضاربةُ إلا بالمال الذي بيّنًا أن الشركة تصح به). يعني أنها لا تصح إلا بالدراهم والدنانير، فأما الفلوس: فعلى الخلاف الذي بيَّنَّه في الشركة، وهو أن عند محمد: تجوز المضاربة بها، وعندهما: لا تجوز. - وإن قال: اقبض ما لي على فلانٍ من الدين، واعمل به مضاربةً: جاز إذا قبضه، وعمل به؛ لأنه أضاف المضاربة إلى المقبوض، وذلك أمانة في يده، وهو مقتضى المضاربة. - وإن قال: اعمل بما لي عليك من الدَّين مضاربةً: لم يجز عند أبي حنيفة، وما اشتراه المضاربُ بذلك: يكون له ربحه، وعليه خسارته، ولا يبرأ من دين الطالب؛ لأن المديون لا يبرأ من الدين إلا بقبض الطالب، أو وكيله، أو بإبرائه عن ذلك، ولم يوجد واحدٌ من هذه الوجوه، فبقيَ الدَّيْن بحاله. ولأن عقد المضاربة يقتضي أن يكون رأس المال أمانةً في يده، والدينُ يكون مضموناً عليه، وذلك ينافيها. قال أبو يوسف ومحمد: تجوز المضاربة، ويبرأ المضارب من الدين. * قوله: (ومِن شَرْطها: أن يكون الربح بينهما مشاعاً، لا يستحق أحدهما منه دراهمَ مُسمَّاةَ)؛ لأن شرط ذلك يقطع الشركة؛ لجواز أن لا يحصل من الربح إلا تلك الدراهم المسماة. ٤٤٤ كتاب المضاربة - قال في ((شرحه)): إذا دفع إلى رجل مالاً مضاربةً، على أن ما رزق الله فللمضارب مائة درهم: فالمضاربة فاسدة. فإن عمل في هذا، فرَبِحَ أو لم يربح: فله أجرُ مثله، وليس له من الربح شيء؛ لأنه استوفى عملَه عن عقدٍ فاسدٍ ببدل، فإذا لم يُسلم إليه البدل: رجع إلى أجرة المثل، كما في الإجارة. قال أبو يوسف: له أجرُ مثله لا يُجاوز به المسمى. وقال محمدٌ: له الأجرُ بالغاً ما بلغ. وعن أبي يوسف: أنه إذا لم يربح: لا أجرَ له؛ لأن المضاربة الفاسدة لا تكون أقوى من الصحيحة، ومعلومٌ أن المضارب في الصحيحة إذا لم يربح: لم يستحقَّ شيئاً، ففي الفاسدة أولى. وقال محمدٌ: له الأجر، رَبِحَ أو لم يربح؛ لأنها إذا فسدت: صارت إجارةً، والإجارةُ يجب فيها الأجر، ربح أو لم يربح، والمال في المضاربة الفاسدة غير مضمون بالهلاك؛ اعتباراً بالمضاربة الصحيحة. كذا في ((الهداية))(١). - وفي ((الكرخي)): لا يضمن عند أبي حنيفة؛ على أصله: أن الأجير المشترك لا يضمن، وعلى قولهما: هو مضمون؛ على أصلهما في تضمين الأجير المشترك، والمضاربة الفاسدة قد صارت إجارةً؛ بدلالة وجوب (١) ٢٠٣/٣. ٤٤٥ كتاب المضاربة ولا بدَّ أن يكون المالُ مسلَّماً إلى المضارب، ولا يَدَ لربِّ المال فيه. فإذا صحَّت المضاربةُ مطلقةً: جاز للمضارب أن يشتريَ، ويبيعَ، ويسافرَ، ويُبْضِعَ، ويوكِّلَ. أجر المثل فيها، والمضاربُ في حكم الأجير المشترك؛ لأنه لا يستحق الأجر إلا بالعمل. * قوله: (ولا بدَّ أن يكون المالُ مسلَّماً إلى المضارب، لا يدَ لرب المال فيه). أي لا يجوز أن يشترط العملَ على رب المال، فإن شرط عملَ رب المال: فسدت المضاربة؛ لأنه شرطٌ يَمنع خلوصَ يدِ المضارب، فلا یتمکن من التصرف. وهذا بخلاف الأب والوصي إذا دفعا مالَ اليتيم مضاربةً، وشرطا عملَهما: حيث يجوز؛ لأنهما ليسا بمالكَيْن للمال، فصارا كالأجنبيين؛ لأن لكل واحدٍ منهما أن يأخذ مالَ الصغير مضاربةً، فإن شرطا عملَ الصغير: فسدت؛ لأنه هو المالك للمال. والمكاتبُ إذا شَرَطَ عملَ مولاه: لم تفسد المضاربة؛ لأن المولى لا يملك أکساب مکاتبه، فهو فيها کالأجنبي. قوله: (فإذا صحَّت المضاربةُ مطلَقةً): أي غيرَ مقيدة بالزمان، والمكان، والسلعة: (جاز للمضارب أن يشتريَ، ويبيعَ، ويسافرَ، ويُضع ويودع، ويوكّل)؛ لإطلاق العقد. ٤٤٦ كتاب المضاربة ولأن المقصود منها الاسترباح، وهو لا يحصل إلا بالتجارة، فينتظم ما هو من صُنْع التجار، والتوكيل والإبضاع والإيداع من صُنْعهم وعادتهم. ولأن له أن يستأجرَ معه في المال بعوضٍ، فإذا أبضع: حصل المالُ بغیر عوضٍ، فهو أولى. - وله أن يستأجر مَن يعملُ معه من الأَجراء؛ لأنه قد لا يقدر على العمل بنفسه. - وله أن يستأجر بيتاً يَحفظ فيه المتاعَ؛ لأنه لا يُتوصل إلى حفظه إلا بذلك. - وله أن يستأجر الدوابَّ لحمله؛ لأن الربح يحصل بنقل المتاع من موضع إلى موضع. - وأما المسافَرة بالمال في المضاربة المطلقة: فالمشهور أن له ذلك في برِّ، أو بحر. - وله أن يتَّجر في جميع التجارات. وعن أبي يوسف: ليس له أن يسافر بالمال في المضاربة المطلقة في بَرِّ أو بحر إلا بإذن صاحب المال، ولكن له أن يخرج به إلى موضع يقدر على الرجوع منه إلى أهله في ليلته، فيَبيت معهم؛ لأن السفر بالمال فيه خطرٌ، فلا يجوز إلا بإذن المالك. - قوله: ويسافر بالمال: وقد بيَّنَّه. ٤٤٧ كتاب المضاربة وليس له أن يدفعَ المالَ مضاربةً إلا أن يأذن له ربُّ المال في ذلك، أو يقولَ له : اعمَل برأيك. - وينفقُ على نفسه في السفر، دون الحضر من رأس المال، فإن أنفق من المال في الحضر: ضمن. ونفقتُه: طعامُهُ وشرابُه وكسوتُه وركوبُه، وعلفُ الدابة التي يركبها في سفره، ويتصرف عليها في حوائجه، وغَسْلُ ثيابه، ودُهْنُ السراج، وفراشٌ و ينام عليه، وشراءَ دابة للركوب واستئجارُها؛ لأن هذه الأشياء لا بدَّ له منها. - وأما الدواء، والحجامة، والفَصْدُ، والادهان، والاختضاب، وما يرجع إلى إصلاح البدن: فهو في ماله دون مال المضاربة. وفي ((الكرخي)): الدُّهْن في مال نفسه عندهما، وقال محمدٌ: في مال المضاربة، كالطعام والشراب. - وأما الفاكهة: فالمعتاد منها: يجري مجرى الطعام والإدام. - وأما اللحم: فقال أبو يوسف: له أن يأكل منه، كما كان يأكل منه في العادة. - وإذا رجع المسافر إلى مصره، ومعه من الثياب التي اكتساها، ومن الطعام الذي اشتراه للنفقة شيء: ردَّه في مال المضاربة. * قوله: (وليس له أن يدفع المالَ مضاربةً، إلا أن يأذنَ له ربُّ المال في ذلك، أو يقولَ له: اعمل برأيك)؛ لأن الشيء لا يتضمن مثلَه؛ لتساويهما في القوة، فلا بدَّ من التنصيص عليه، أو التفويض المطلَق إليه، ٤٤٨ كتاب المضاربة وإن خَصَّ له ربُّ المال التصرُّفَ في بلدٍ بعينه، أو في سلعةٍ بعينها : لم يَجُزْ له أن يتجاوز ذلك. كما في التوكيل، فإن الوكيل ليس له أن يوكل غيرَه، إلا إذا قيل له: اعمل برأيك. بخلافٍ في الإيداع والإبضاع؛ لأنه دونه، فيتضمنه. وبخلاف الإقراض، حيث لا يملكه وإن قيل له اعمل برأيك؛ لأنه ليس من صنيع التجار، بل هو تبرُّعٌ، كالهبة والصدقة. - وأما الدفع مضاربةً في قوله: اعمل برأيك: فهو من صنيع التجار. * قوله: (وإن خَصَّ له ربُّ المال التصرُّفَ في بلدٍ بعينه، أو في سلعة بعينها: لم يجز له أن يتجاوز ذلك)؛ لأنه توكيلٌ، فيتخصَّص. - وكذا ليس له أن يدفعه بضاعةً إلى مَن يُخرجها من تلك البلد؛ لأنه لا يملك الإخراج بنفسه، فلا يملك تفويضه إلى غيره. - فإن خرج إلى غير ذلك البلد، أو دفع المال إلى مَن أخرجه: لا یکون مضموناً علیه بمجرّد الإخراج حتى يشتري به خارج البلد. - فإن هلك المال قبل التصرف: فلا ضمان عليه. - وكذا لو أعاده إلى البلد: عادت المضاربةُ كما كانت على شرطها. - وإن اشترى به قبل العَوْد: صار مخالفاً ضامناً، ويكون ذلك له؛ لأنه تصرَّفَ بغير إذن صاحب المال، فيكون له ربحُه، وعليه وَضِيعتُه. ولا يطيبُ له الربح عندهما، خلافاً لأبي يوسف. ٤٤٩ كتاب المضاربة وكذلك إن وقَّت للمضاربة مدةً بعينها : جاز، وبطل العقدُ بمضيِّها. - وإن اشتری ببعضه، وأعاد بقیته إلى البلد: ضمن قدر ما اشترى به، ولا يضمن قدر ما أعاد. - وألفاظ التخصيص والتقييد: أن يقول: خذ هذا مضاربةً بالنصف على أن تعمل به في الكوفة، أو: فاعمل به في الكوفة. - أما إذا قال: واعمل به في الكوفة: بالواو: لا يكون تقييداً، وله أن يعمل فيها وفي غيرها؛ لأن الواو حرف عطف ومَشورة، وليس من حروف الشرط. قوله: (وكذلك إذا وقَّت للمضاربة مدةً معلومة بعينها: جاز، وبطل العقد بمضيِّها)؛ لأنها توكيلٌ، فتُوقَّتُ بما وقَّته. - وإذا اختلفا في العموم والخصوص: فالقول قول مَن يدعي العموم. - ولو قال: اعمل به في سوق الكوفة، فعمل في الكوفة في غير سوقها: جاز. - وإن قال: لا تعمل إلا في سوق الكوفة، فعمل في غير سوقها: فهو مخالفٌ، ويكون ما اشتراه لنفسه. - وإن قال: على أن تشتريَ من فلانٍ، أو تبيع منه: صح التقييد، وليس له أن يتعداه؛ لأن في هذا التقييد فائدةً، وهي الثقةَ بفلان في المعاملة. ٤٥٠ كتاب المضاربة وليس للمضارب أن يشتريَ أَبَا ربِّ المال، ولا ابنَه، ولا مَن يَعْتِقُ عليه . فإن اشتراهم : كان مشترياً لنفسه، دون المضاربة. وإن كان في المال رِبْحٌ، فليس له أن يشتريَ مَن يَعْتِقُ عليه. * قوله: (وليس للمضارب أن يشتريَ أبا ربِّ المال، ولا ابنَه، ولا مَن يَعتق عليه)، بقرابة أو غيرها. مثل أن يحلف ربُّ المال على عبد؛ لأن المضاربة إذنٌ في التصرف الذي يحصل به الربح، وذلك بالتصرف فيه مرةً بعد أخرى، وبدخولهم في ملك رب المال: يعتقون، فلا يصح تصرُّفه فیھم. - وكذا ليس له أن يشتريَ مَن قد ولدت من رب المال؛ لأنها تصير أمَّ ولدٍ لرب المال، فلا يقدر على بيعها. - وكذا ليس له أن يشتريَ خمراً، ولا جلودَ الميتة، فإن فعل: ضمن. * قوله: (فإن اشتراهم: كان مشترياً لنفسه، دون المضاربة)؛ لأن الشراء متىُ وَجَدَ نفاذاً على المشتري: نفذ علیه. - ولو اشترى شيئاً شراءَ فاسداً مما يُملك إذا قُبض: فليس بمخالف؛ لأن الإذن في الشراء عامٍّ في الصحيح والفاسد، وذلك مما يُمكن بيعُه بعد قبضه. * قوله: (فإن كان في المال ربحٌ: فليس له أن يشتريَ مَن يَعتق على نفسه)؛ لأنه يَعتق عليه نصيبُه، ويَفسدُ نصيب رب المال، أو يعتق، على الخلاف المعروف، فیمتنع التصرف. ٤٥١ كتاب المضاربة فإذا اشتراهم : ضمن مالَ المضاربة . وإن لم يكن في المال ربحٌ: جاز له أن يشتريَهم. فإن زادت قيمتُهم : عَتَقَ نصيبُهُ منهم، ولم يضمن لرب المال شيئاً. ويسعى المعتَقُ لرب المال في قيمة نصيبه منه. * قوله: (فإن اشتراهم: ضَمِنَ مالَ المضاربة)؛ لأنه يصير مشترياً لنفسه، فيضمن بالنقد من مال المضاربة. * قوله: (فإن لم يكن في المال ربحٌ: جاز له أن يشتريَهم)؛ لأنه لا مانع من التصرف؛ إذ لا شركةً له فيه، ولأنه يقدر على بيعهم بحكم المضاربة. * قوله: (فإن زادت قيمتُهم: عَتَقَ نصيبُه منهم، ولم يضمن لرب المال شيئاً)؛ لأنه لا صُنْعَ من جهته في زيادة القيمة، ولا في تملّكه الزيادةَ؛ لأن ءِ هذا شيء ثبت من طريق الحكم، فصار كما إذا ورثه مع غيره. ويكون ولاؤه بينهما على قدر الملك عند أبي حنيفة. وعندهما: عتق كلَّه، وولاؤه للمضارب، ويسعى في رأس المال، وحصة رب المال من الربح. * قوله: (ويسعى المعتَقُ في قدر نصيبه منه)؛ لأن ذلك القدر قد سُلِّم له بالعتق، فوجب عليه ضمان قیمته. - وإن كان الذي دفع المال امرأةً، فاشترى به المضارب زوجَها: صح الشراء، وبطل النكاح؛ لأنه قد دخل في ملكها بالشراء. ٤٥٢ كتاب المضاربة - ولو اشترى المضاربُ عبداً وفيه فضلٌ على رأس المال، نحو أن يكون رأس المال ألفاً، فاشترى به عبداً يساوي ألفين: ظَهَرَ للمضارب فيه نصيبٌ، وهو ربع العبد، وذلك نصف الربح، حتى إن المضارب لو أعتقه: نفذ عتقُه في ربعه، وإن أعتقه رب المال: نفذ عتقُه في ثلاثة أرباعه. - ولو لم يكن في قيمة العبد فضلٌ على رأس المال: فليس للمضارب فيه نصيبٌ، حتى لو أعتقه: لا يَعتق، وإن أعتقه رب المال: عتق، وصار مستوفياً لرأس ماله. - وإن اشترى المضارب بمال المضاربة عبدين، قيمة كل واحد منهما مثل رأس المال: فإن كل واحد منهما يكون مشغولاً برأس المال، ولا يظهر للمضارب فيه نصيبٌ، حتى إن المضاربَ لو أعتقهما معاً، أو متفرّقاً: لا ينفذ عتقه في واحد منهما. - وإن أعتقهما ربُّ المال: نُظرت: إن أعتقهما معاً: عتقا جميعاً، ويضمنُ للمضارب خمسَمائة، موسراً كان أو معسراً، وولاؤهما جميعاً لرب المال؛ لأنه أتلف على المضارب نصيبه من الربح، وهو خمسمائة، فكان ذلك ضمانَ إتلاف، فيضمن موسراً كان أو معسراً. وإن أعتقهما متفرّقاً: فإن العبد الأول يَعتق كلُّه، ويصير مستوفياً لرأس المال، ويتعين العبدُ الآخر للربح، فإذا أعتقه: نفذ عتقُه في نصفه، ويكون حكمُه كحكم عبدٍ بين شريكين أعتقه أحدُهما. ٤٥٣ كتاب المضاربة وإذا دفع المضاربُ المالَ مضاربةً إلى غيره، ولم يأذن له ربُّ المال في ذلك : لم يضمن بالدفع، ولا بتصرُّف المضاربِ الثاني حتى يربحَ، فإذا رَبِحَ : ضَمِنَ المضاربُ الأولُ المالَ لربِّ المال. : قوله: (وإذا دفع المضاربُ المالَ مضاربةً إلى غيره، ولم يأذن له ربُّ المال في ذلك)، أي لم يقل له: اعمل برأيك: (لم يضمن بالدفع، ولا بتصرف المضارب الثاني حتى يربح، فإذا ربح: ضَمِنَ المضاربُ الأول لرب المال)، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا عمل به: ضمن، ربح أو لم يربح، وهو ظاهرُ الرواية عن أبي حنيفة. وقال زفر: يضمن بالدفع، عَمِلَ أو لم يعمل. - ثم ذكر في ((الكتاب)): يضمن الأول، ولم يذكر الثاني: فقيل: ينبغي أن لا يضمن الثاني عند أبي حنيفة، وعندهما: يضمن؛ بناء على اختلافهم في مودَع المودَع. وقيل: رب المال بالخيار: إن شاء ضمَّن الأولَ، أو الثاني، إجماعاً، وهو المشهورُ، وهذا ظاهرٌ عندهما، وكذا عنده. والفرق له بين هذه وبين مودَع المودَع: أن المودَع الثاني يقبض لمنفعة الأول، فلا يكون ضامناً، وهنا يعمل المضارب الثاني لنفع نفسه، فجاز أن یکون ضامناً. ٤٥٤ كتاب المضاربة وإذا دفع إليه المالَ مضاربةً بالنصف، وأَذِنَ له أن يدفعه مضاربةً، فدفعه بالثلث : جاز. فإن كان ربُّ المال قال له: على أن ما رَزَقَ الله تعالى بيننا نصفان : فلربِّ المال نصفُ الربح، وللمضارب الثاني ثلثُ الربح، وللمضارب الأولِ السدسُ. ثم إن ضمَّن الأولَ: صحَّت المضاربة بين الأول والثاني؛ لأنه مَلَكَه بالضمان من حين خالف بالدفع إلى غيره، فصار كما إذا دفع مالَ نفسه، وإن ضمَّن الثاني: رجع على الأول بما ضَمِنَ؛ لأنه عاملٌ له. وتصح المضاربة، والربحُ بينهما على ما شرطا؛ لأن قرار الضمان على الأول، فكأنه ضمَّنْه ابتداءً، ويطيب الربحُ للثاني، ولا يطيب للأول؛ لأن الثاني يستحقه بعمله، ولا خُبْثَ في العمل، والأول يستحقه بملكه المستند بأداء الضمان، وهو لا يَعرى عن نوع خُبْث. * قوله: (فإذا دفع إليه المال مضاربةً بالنصف، وقد أذن له أن يدفعه مضاربةً، فدَفَعَه بالثلث: جاز. فإن كان ربُّ المال قال له: على أن ما رزق الله بيننا نصفان: فلرب المال نصف الربح، وللمضارب الثاني ثلث الربح، وللمضارب الأول السدس). لأن الدفع إلى الثاني مضاربةً قد صحَّ؛ لوجود الأمر به من جهة المالك، وربُّ المال شَرَطَ لنفسه نصفَ جميع ما رزق الله، فلم يَبق للأول ٤٥٥ كتاب المضاربة وإن كان قال : على أن ما رَزَقَك الله تعالى بيننا نصفان: فللمضارب الثاني الثلثُ، وما بقي بين ربِّ المال، والمضاربِ الأول نصفان. فإن قال : على أن ما رزق الله تعالى فلي نصفُه، فدَفَعَ المالَ إلى آخرَ مضاربةً بالنصف : فللمضارب الثاني نصفُ الربح، ولرب المال النصفُ، ولا شيءَ للمضارب الأول. إلا النصف، وقد جعل من ذلك بقدر ثلث الجميع للثاني، فلم يَبق له إلا السدس. * قوله: (وإن كان قال: على أن ما رَزَقَك الله بيننا نصفان: فللمضارب الثاني الثلثُ، وما بقيَ بين رب المال والمضارب الأول نصفان). لأنه فوَّض إليه التصرفَ، وجعل لنفسه نصفَ ما رزق الله الأول، وقد رزقه الله الثلثين، فيكون بينهما، بخلاف الأول؛ لأنه جعل لنفسه هناك نصف جميع الربح، فافترقا. - ولو كان قال له: فما ربحتَ من شيءٍ فبيني وبينك نصفان، وقد دفع إلى غيره بالنصف: فللثاني النصفُ، والباقي بين الأول ورب المال؛ لأن الأول شَرَطَ للثاني نصفَ الربح، وذلك مفوَّض إليه من جهة رب المال، فيستحقه، وقد جعل ربُّ المال لنفسه نصفَ ما ربح الأول، ولم يربح إلا النصف: فیکون بينهما. * قوله: (وإن قال له: على أن ما رزق الله من شيءٍ فلي نصفُه، ودَفَعَ المالَ مضاربةً بالنصف: فللثاني نصف الربح، ولرب المال نصف الربح، ولا شيء للمضارب الأول). ٤٥٦ كتاب المضاربة فإِن شَرَطَ للمضاربِ الثاني ثلثي الربح : فلربِّ المال نصفُ الربح، وللمضارب الثاني نصفُ الربح، ويضمن المضاربُ الأولُ للمضارب الثاني مقدارَ سدس الربح من ماله. - وكذا إذا قال له: فما كان من فضلٍ فبيني وبينك نصفان، وذلك لأنه جعل لنفسه مطلق الفضل، فيكون للثاني النصفُ بالشرط، ويخرج الأول بغير شيء. * قوله: (فإن شَرَطَ المضاربُ الأول للثاني ثلثي الربح: فلرب المال النصف، وللمضارب الثاني النصف، ويضمن المضارب الأول للثاني سدسَ الربح في ماله). لأنه شرط للثاني شيئاً هو مستحَقُّ لرب المال، فلم يَنفذ في حقه، لكن التسمية في نفسها صحيحة؛ لكون المسمى صحيحاً في عقدٍ يملكه، فيلزمه الوفاء به. - ولو قال ربُّ المال للمضارب: اعمل بهذا المال على أن ما رزق الله من شيء فلكَ ثلثُه، ولي ثلثُه، ولعبدي ثلثُه: فهو جائزٌ، والثلثان لرب المال، سواء كان على العبد دينٌ، أوْ لا، إذا لم يُشترط عمل العبد. وإن شُرط عملُه: كان على ما شُرط للعبد إن كان عليه دينٌ عند أبي حنيفة؛ لأن من أصله: أنه إذا كان على العبد دينٌ: لم يستحق المولى کسبه. وقال أبو يوسف ومحمد: ما شُرط له: فهو لمولاه، سواء كان عليه دینٌ أو لم یکن. ٤٥٧ كتاب المضاربة - وإن قال له: اعمل بهذا المال على أن ما رزق الله من شيء فلك ثلثه، ولعبدك ثلثه، ولي ثلثه: فهو جائزٌ أيضاً، والثلثان للمضارب، والثلثُ لرب المال. وهذا على وجهين: إن لم يكن على العبد دينٌ: فالمشروطُ له مشروطٌ للمضارب. وإن كان مديوناً: إن شُرط عملُه: جاز عند أبي حنيفة، ويكون ذلك للعبد؛ لأن المضارب لا يملك كسبَه إذا كان مديوناً عند أبي حنيفة. وإن لم يُشرط عملُه: فهو لرب المال؛ لأن الربح لا يُستحق إلا بالعمل، وذلك غيرُ مشروط عليه، فلا يكون له منه شيء، ويكون لرب المال؛ لأنه كالمسكوت عنه، فيستحقُّه برأس ماله. وقال أبو يوسف ومحمد: يكون للمضارب؛ لأنه يملك كسبَ عبده وإن كان مديوناً، يعني فيما إذا شُرط عملُه. - وإن شرط الثلثَ لابن المضارب، أو لزوجته: فالمضاربة جائزة، وما شُرط لهما: فهو لرب المال؛ لأن ابن المضارب وزوجته لا يستحقان الربح من غير عمل ولا مال، فصار المشروطُ لهما كالمسكوت عنه، وما سُكت عنه من الربح: استحقَّه ربُّ المال برأس ماله. - وإن أعطاه المالَ على أن الربح كلَّه للمضارب: فهو قرضٌ، فيكون للمضارب ربحه. ٤٥٨ كتاب المضاربة - وإن قال: على أن ربحَه لي: فهو بضاعة. وإن قال: خذ هذا المال على أن لك نصفَ الربح، أو ثلثَه، ولم يزد على هذا: فالمضاربة جائزةٌ، وللمضارب ما شُرط له، والباقي لرب المال. - وإن قال: خذه على أن لي نصف الربح، ولم يزد على هذا: فالاستحسان أنها جائزةٌ، ويكون للمضارب النصف. - وإن قال: على أن نصف الربح لي، ولك ثلثه، ولم يزد على هذا: فالثلث للمضارب، والباقي لرب المال. - وإن قال: على أن ما رزق الله بيننا: فهو جائزٌ؛ لأن كلمة البين: كلمةٌ للقسمة، وهي تقتضي المساواة، فيكون الربح بينهما نصفين. - وإن قال: على أننا شريكان في الربح: جاز، ويكون بينهما نصفين؛ لأن الشركة تقتضي المساواة، قال الله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِىِ الثُّلُثِ﴾. النساء / ١٢. - وإن قال للمضارب: على أن لك شِرْكاً في الربح: جاز عند أبي يوسف، والربح بينهما نصفان؛ لأن الشِّرْك: مشتقٌ من: الشركة، والشركة تقتضي المساواة. وقال محمد: المضاربةُ فاسدةٌ؛ لأن الشِّرْك: عبارةٌ عن النصيب، وهو مجهولٌ. ٤٥٩ كتاب المضاربة وإذا مات ربُّ المال، أو المضاربُ: بطلت المضاربةُ. وإن ارتدَّ ربُّ المال عن الإسلام، ولَحِقَ بدار الحرب: بطلت المضاربة . مسألة : إذا اشترى المضارب جاريةً من مال المضاربة: فليس لرب المال أن يطأها، سواء كان في المال ربحٌ أم لا؛ لأنه إذا كان فيه ربحٌ: فهي و مشتركة، ووطءَ المشتركة: لا يجوز، وإن لم يكن فيه ربحٌ: فللمضارب فيه حقٌّ يُشبه الملك، ألا ترى أن ربَّ المال لو مات: كان للمضارب أن يبيعها، فأشبهت الجاريةَ المشتركة. * قوله: (وإذا مات ربُّ المال، أو المضاربُ: بطلت المضاربة). أما موت المضارب: فلأن عقد المضاربة عُقد له، دون غيره، فأشبه الوكالة، وموتُ الوكيل: يبطل الوكالة. وأما موت رب المال: فلأن المضاربة تصرُّفٌ بالإذن، والموت يزيل الإذنَ، ولأن المضاربة توكيلٌ، وموتُ الموكِّل يبطل الوكالة. * قوله: (فإن ارتدَّ ربُّ المال عن الإسلام، ولَحِقَ بدار الحرب: بطلت المضاربة): هذا على وجهين: إن حَكَمَ الحاكمُ بلَحَاقه: بطلت من يوم ارتدَّ؛ لأنه بذلك تزول أملاكه، وتنتقل إلى ورثته، فصار کموته. وإن لم يَحكم بلَحَاقه: فهي موقوفة: إن رجع إلى دار الإسلام مسلماً: جازت المضاربة، ولم تبطل. ٤٦٠ كتاب المضاربة وإن عَزَلَ ربُّ المال المضاربَ، ولم يَعلم بعَزْله حتى اشترى، وباع : فتصرُّفه جائزٌ. - وإن كان المضارب قد اشترى بالمال عَرْضاً، فارتدَّ رب المال بعد ذلك، ولَحِقَ بدار الحرب: فبيع المضارب لذلك العرض جائزٌ؛ لأنه لو مات في هذه الحالة: لم ينعزل، فلا ينعزل برِدَّته قبل الحكم بلَحاقه. والأصل: أن ملك المرتد موقوفٌ عند أبي حنيفة، فتصرُّفه: كذلك. وعندهما: الردة لا تؤثّر في حكم الأملاك، فتصرُّف المضارب في حال ردة رب المال: جائزٌ. - فإن مات رب المال، أو قُتل، أو لَحِقَ بدار الحرب وحُكم بلَحاقه: بطلت أيضاً عندهما؛ لأن هذه الأسبابَ تُزيل الأملاكَ عندهما أيضاً. - وإن كان المضارب هو المرتد: فالمضاربة على حالها، في قولهم جميعاً. - فإن مات المضارب، أو قُتل، أو لَحِقَ بدار الحرب وحُكم بلَحاقه: بطلت المضاربة؛ لأن هذه الأشياء کالموت. - وأما المرأة: فارتدادها وغيرُ ارتدادها سواءٌ، إجماعاً، سواء كانت هي صاحبة المال، أو المضاربة، إلا أن تموت، أو تلحق بدار الحرب فُيُحكم بلَحاقها؛ لأن ردتها لا تؤثِّر في أملاكها، فكذا لا تؤثِّر في تصرفها. * قوله: (وإذا عَزَلَ ربُّ المال المضاربَ، ولم يَعلم بعزله حتى اشترى وباع: فتصرُّفه جائزٌ)؛ لأنه وكيلٌ من جهته، وعَزْلُ الوكيلَ قصداً يتوقف على علمه.