Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كتاب الرهن فإِن هَلَكَ النماءُ هَلَكَ بغير شيءٍ. وإن هلك الأصلُ، وبقيَ النماءُ : افتكَّه الراهنُ بحصته، ويُقْسَم الدَّيْنُ على قيمة الرهن يوم القبض، وعلى قيمةِ النماء يوم الفَكاك، فما أصاب الأصلَ : سَقَطَ من الدين، وما أصاب النماءَ : افتَكَّه الراهنُ به. نفس الرهن، فلا تدخل تحت عقده، كما لو اكتسب العبد كسباً، أو وُهب له هبة. - فإن آجره المرتهن بغير إذن الراهن: كانت الأجرة للمرتهن، وعليه أن يتصدّق بها؛ لأنها حصلت له من وجه محظور. : قوله: (فإن هلك: هلك بغير شيءٍ)، يعني النماء. * قوله: (وإن هلك الأصلُ، وبقيَ النماءُ: افتكَّه الراهنُ بحصته، ويُقْسَم الدينُ على قيمة الرهن يوم القبض، وعلى قيمة النماء يوم الفَكاك، فما أصاب الأصلَ: سَقَطَ من الدين بقدره، وما أصاب النماءَ: افتكَّه الراهن به). وإنما قُسِم على قيمة الأصل يوم القبض؛ لأن الرهن دخل في ضمانه بالقبض، فاعتُبرت قیمته عنده. وإنما اعتُبرت قيمة النماء يوم الفَكاك؛ لأن النماء قبل الفكاك: غيرُ مضمون عليه، وبالفكاك: يضمن، فاعتبرت قيمته يوم دخوله في الضمان. ٤٧٥ فإن لم يفتكّه الراهن بعد هلاك الأم حتى مات: ذهب بغير شيءٍ، وصار الولد كأن لم يكن، وسقط الدينُ بهلاك الأم؛ لأنه لا حصة للولد قبل الفَكاك. ٢٢٢ كتاب الرهن - وصورة المسألة: رجلٌ رهن شاةً تساوي عشرة بعشرة، فولدت، ثم هلكت: قُسِم الدين على قيمة الشاة يوم رُهنت، وعلى قيمة الولد في الحال، فإن كانت قيمته في الحال عشرة: هلكت الشاة بحصتها، وهو نصف الدين خمسة دراهم. فإن ازدادت قيمة الولد بعد هلاك الأم، حتى صارت تساوي عشرين: بطلت تلك القسمة، وتبيَّن أن حصة الأم كانت ثلاثة وثلثاً. ولو صارت قيمة الولد ثلاثين: تبيَّن أن حصة الأم الربع. ولو انتقصت قيمة الولد بعد ذلك، حتى صارت خمسة: تبيَّن أن حصة الأم ثلثا الدين، وهي ستة وثلثان. - ولو رهن جاريةً، فولدت عند المرتهن من غير مولاها، ثم ماتت، وبقيَ الولد، وأراد الراهن افتكاكه: فإن كان الدين مائةً، وقيمةُ الأم خمسين، وقيمة الولد عشرين: فإنك تقسم الدين عليهما، فما أصاب الأمَّ: سقط من الدين، وذلك خمسة أسباعه، أي خمسة أسباع المائة، وهو أحدٌ وسبعون وثلاثة أسباع. وما أصاب النماءَ، وهو سُبُعان، وهو ثمانية وعشرون وأربعة أسباع: افتگَّه الراهن به. - ولو كان الدين عشرةً، وقيمةُ الزيادة يوم الفكاك خمسة، وقيمةُ الأصل عشرة، فهلك الأصل: يفتك الزيادة بثلث العشرة، وهو ثلاثة وثلث. ٢٢٣ کتاب الرهن وتجوز الزيادة في الرهن، - ولو كانت قيمةُ الزيادة يوم الفَكاك عشرين، وقيمةُ الأصل عشرة، والدين عشرة، فهلك الأصل: يفتكُّ الزيادةَ بثلثي العشرة، وهو ستة و ثلثان. - ولو نقصَتْها الولادة: جُبر النقصانُ بالولد، حتى لو نقصت من قيمتها عشرة، والولدُ يساوي عشرة: لا يسقط من الدين شيء. * قوله: (وتجوز الزيادة في الرهن)، وهذا عندنا. وقال زفر: لا تجوز. - فإذا صحت الزيادة في الرهن: يُقسم الدين على قيمة الأصل يوم القبض، وعلى قيمة الزيادة يوم قُبضت، حتى لو كانت قيمة الزيادة يوم قبضها خمسمائة، وقيمةُ الأصل يوم القبض ألفاً، والدين ألف: يُقسم الدين أثلاثاً: يكون في الزيادة ثلث الدين، وفي الأصل ثلثاه. - وإن كانت قيمة الزيادة مائتين: ففيها سدسُ الدَّيْن، ولا يُعتبر نقصان قيمة الأصل في السعر؛ لأن الضمان تعلَّق بالقبض، فالمعتبر بالقيمة يوم القبض. - وإن نقص الأصل في يده: ذهب من الدين بقدر النقصان. - فإن زاده الراهنُ بعد نقصان الأصل رهناً آخرَ: قَسَمْتَ ما بقيَ من الدين في الأول على قيمة الباقي منه، وعلى قيمة الزيادة يوم قبضت، وکان الدین فیهما على قدر ذلك. ٢٢٤ كتاب الرهن ولا تجوز الزيادةُ في الدَّيْن عند أبي حنيفة ومحمد، ولا يصير الرهنُ رهناً بها . وقال أبو يوسف : تجوز الزيادةُ في الدَّيْن أيضاً. كرجل رهن جاريةً تساوي ألفاً بألف، ثم اعورَّت، فزاده عبداً يساوي ألفاً، فقد ذهب باعورارها نصفُ الدين، وبقي فيها خمسمائة مقسومة على قيمتها عوراء، وعلى قيمة العبد الزيادة يوم قُبض: فيكون في العبد ثلثا خمسمائة، وهو ثلث الألف إن هلك بثلث الألف، وإن هلكت العوراء: ذهب بهلاکها ثلث خمسمائة، وقد ذهب بالعور خمسمائة. * قوله: (ولا تجوز الزيادةُ في الدَّيْن عند أبي حنيفة ومحمد). وقال زفر والشافعي(١): لا تجوز فيهما (٢). (ولا يصير الرهنُ رهناً بها. وقال أبو يوسف: هو جائزٌ). فأبو يوسف سوَّى بين المسألتين، فقال: تجوز الزيادة في الرهن، والزيادةُ في الدین. وزفر سوَّى بينهما أيضاً، وقال: لا يجوز كلاهما. وهما فرَّقا بينهما، فقالا: زيادةُ الرهن على الرهن جائزةً، والزيادة في الدين: لا تجوز؛ لأن الزيادة في الرهن تؤدي إلى شيوع الدين، وذلك لا (١) مغني المحتاج ١٢٢/٢، وينظر لهذا النقل الهداية ١٥٦/٤. (٢) أي زيادة الدين، وزيادة الرهن. ٢٢٥ کتاب الرهن وإذا رهن عيناً واحدةً عند رجلين بدينٍ لكل واحدٍ منهما عليه : جاز، وجمیعُها رهنٌ عند كل واحدٍ منهما، . يمنع صحة الرهن؛ لأنه لو رهن بنصف الدين رهناً: جاز، وشيوعُ الرهن يمنع صحة الرهن، فافترقا. - وصورة الزيادة في الدين: إذا رهن عبداً يساوي ألفين بألف، ثم استقرض الراهنُ من المرتهن ألفاً أخرى على أن يكون العبد رهناً بهما جميعاً: فإنه يكون رهناً بالألف خاصة. ولو هلك: يهلك بالألف الأول، ولا يهلك بألفين. ــ وكذا إذا رهن عبداً بمائة، وقيمتُه مائتان، ثم أخذ الراهنُ من المرتهن مائةً أخرى على أن يكون العبد رهناً بالدينين، ثم مات العبد: فإنه يسقط الدين الأول، والفضلُ من العبد أمانةٌ، ويبقى الدين الثاني بلا رهن. وهذا معنى قوله: ولا يصير الرهن رهناً بها. وقال أبو يوسف: الزيادة في الدين جائزةً، ويسقط بموته الدينان جميعاً. * قوله: (وإذا رهن عيناً واحدةً عند رجلين بدينِ لكل واحدٍ منهما عليه: جاز، وجميعُها رهنٌ عند كل واحدٍ منهما)؛ لأن الرهن أُضيف إلى جميع العين في صفقةٍ واحدة، ولا شيوعَ فيه. - وهذا بخلاف الهبة من رجلين، حيث لا تجوز عند أبي حنيفة ؛ لأن المقصود بالهبة: الملكُ، ويستحيل أن تكون الهبة ملكاً لهذا، وملكاً لهذا، فلا بدَّ أن يكون كلّ واحد منهما مالكاً للنصف، فيحصل قَبْضه في مُشاع، فلا تصح الهبة. ٢٢٦ كتاب الرهن والمضمونُ على كل واحد منهما : حصةُ دينه منها . فإن قضى أحدَهما دينَه: كانت كلَّها رهناً في يد الآخر حتى يستوفيَ دينَه. ومَن باع عبداً على أن يَرهنَه المشتري بالثمن شيئاً بعَيْنه: فإن امتنع المشتري من تسليم الرهن : لم يُجْبَر عليه، وكان البائعُ بالخيار : إن شاء رَضِيَ بتَرْك الرهن، وإن شاء فَسَخ البيعَ، إلا أن يدفع المشتري الثمنَ حالاً، أو يدفع قيمةَ الرهن : فتكون رهناً مكانه. وأما الرهن: فالمقصود منه الوثيقة، لا الملك، ويمكن أن يُجعل جميع الرهن وثيقةً لهذا، وجميعه وثيقةً لهذا، فلا يؤدي إلى الإشاعة. قوله: (والمضمونُ على كل واحدٍ منهما حصةُ دينه منها). أي من العين؛ لأن عند الهلاك: يصير كل واحد منهما مستوفياً حصته، إذ الاستيفاء مما يتجزأ، فكان المضمون عليه مقدار ذلك. قوله: (فإن قضى) الراهنُ (أحدَهما دينَه: كانت كلها رهناً في يد الآخر حتى يستوفيَ دينَه)؛ لأنها في أيديهما رهنٌ واحد. - فإن هلك الرهن عنده بعد قضاء دين صاحبه: استرد من الدين قضاء ما أعطاه؛ لأنه ما دام في يد الآخر: فحكم الرهن باقٍ عليه، فصار كالرهن من واحد إذا استوفى دينه، ثم هلك الرهن في يده بعد ذلك. قوله: (ومَن باع عبداً على أن يرهَنَه المشتري بالثمن شيئاً بعينه، فإن امتنع المشتري من تسليم الرهن: لم يُجبر عليه، وكان البائع بالخيار: إن شاء رضيَ بترك الرهن، وإن شاء فسخ البيعَ، إلا أن يدفع المشتري الثمنَ حالاً، أو يدفع قيمةَ الرهن رهناً مكانه). ٢٢٧ کتاب الرهن أما جواز شرط الرهن في البيع: فهو استحسانَ، والقياس: أن يفسد البيع؛ لأنه شَرَطَ في العقد منفعةً للبائع لا يقتضيها العقد. ووجه الاستحسان: أن الثمن الذي به رهن: أوثقُ من الثمن الذي لا رهن به، فصار ذِكرُ ذلك صفةً في الثمن، وشَرْطُ صفات الثمن: لا يُفسد العقد. ــ وهذا إذا كان معيَّناً، أما إذا لم يعيَّن الرهنُ: فالبيع فاسدٌ، ولهذا شرط الشيخ بقوله: بعينه. - ولو شرط في البيع رهناً مجهولاً، واتفقا على تعيين الرهن في المجلس: جاز العقد. - وقوله: فامتنع المشتري من تسليم الرهن: لم يُجبر عليه: هذا قولنا. وقال زفر: يُجبر؛ لأن الرهن إذا شُرط في البيع: صار حقاً من حقوقه. ولنا: أن الرهن عقدُ تبرع من جانب الراهن، ولا إجبار على التبرعات، ولكن البائع بالخيار على ما ذَكَرَ الشيخ؛ لأنه ما رضي إلا به، فيُخيَّر لفواته، إلا أن يدفع الثمن حالاً؛ لحصول المقصود. ـ ومَن اشترى شيئاً بدراهم، فقال للبائع: أمسك هذا الثوب حتى أعطيك الثمن: فالثوب رهنٌ عند أبي حنيفة؛ لأنه أتى بما يُنبئ عن معنى الرهن، وهو الحبسُ إلى وقت الإعطاء، والعبرةُ في العقود للمعاني. ٢٢٨ کتاب الرهن وللمرتهن أن يحفظ الرهنَ بنفسه، وزوجتِهِ، وولدِهِ، وخادِمه الذي في عياله . وإن حَفِظه بغير مَن في عياله، أو أودعه : ضَمِن. وقال أبو يوسف وزفر: لا يكون رهناً، بل يكون وديعة؛ لأن قوله: أمسك يحتمل الرهن، ويحتمل الإيداع، فيُقضى بأقلهما ثبوتاً، وهي الوديعة. بخلاف ما إذا قال: أمسكه بدَيْنك، أو: بما لَكَ، فإنه لمّا قابله بالدين: فقد عيَّنَ جهةَ الرهن. قلنا: لمَّا مدَّه إلى الإعطاء: عُلم أن مراده الرهن. * قوله: (وللمرتهن أن يحفظ الرهنَ بنفسه، وزوجته، وولده، وخادمه الذي في عياله). يعني: ولده الكبير الذي في عياله. والمراد بخادمه: هو الحر الذي أجّر نفسه. * قوله: (وإن حفظه بغير مَن في عياله، أو أودعه: ضمن)؛ لأن يد المرتهن غيرُ أيديهم، فصار بالدفع متعدياً. - وهل للراهن أن يضمِّن المودَع؟ قال أبو حنيفة: لا، وعندهما: إن شاء ضمَّنْه، فإن ضمَّنْه: رجع على المودع. ٢٢٩ کتاب الرهن وإذا تعدَّى المرتهنُ في الرهن : ضَمِنه ضمانَ الغصب بجميع قيمته. وإذا أعار المرتهنُ الرَّهْنَ للرَّاهن، فقَبَضَه: خَرَجَ من ضمان المرتهن. فإن هَلَكَ في يد الراهن : هَلَكَ بغير شيءٍ. قوله: (وإذا تعدى المرتهنُ في الرهن: ضمنه ضمانَ الغصب بجميع قيمته)؛ لأنه بالتعدي خرج من أن يكون ممسكاً له بالإذن، وصار كأنه أَخَذَه بغير إذنه، فيصير غاصباً، ولأن الزيادة على مقدار الدين: أمانةٌ، والأمانات تُضمن بالتعدي. - فإن رهنه خاتماً، فجعله في خنصره: فهو ضامنٌ؛ لأنه متعدٍّ بالاستعمال؛ لأنه غير مأذون فيه، وإنما الإذن بالحفظ، وهذا ليس بحفظ. واليمنى واليسرى في ذلك: سواء. وإن جعله في بقية الأصابع: كان رهناً بما فيه؛ لأنه لا يُلبس كذلك عادةً، فكان حفظاً، لا لُبْساً. - وكذا الثوب إِن لَبِسَه لُبساً معتاداً: ضمن، وإن جعله على عاتقه: لم يضمن. - وإن لَبِسَ خاتماً فوق خاتم: إن كان ممن عادته يتجمَّل بلُبْس خاتمين: ضمن، وإن كان ممن لا يتجمَّل به: فهو حافظٌ، فلا يَضمن. * قوله: (وإذا أعار المرتهنُ الرهنَ للراهن، فقَبَضَه: خرج من ضمانه)؛ لأنه باستعارته وقَبْضه من المرتهن: أزال القبض الموجب للضمان. قوله: (فإن هلك في يد الراهن: هلك بغير شيء)؛ لفوات القبض المضمون. ٢٣٠ کتاب الرهن وللمرتهن أن يسترجعه إلى يده، فإذا أخذه : عاد الضمان عليه. * قوله: (وللمرتهن أن يسترجعه إلى يده، فإذا أخذه: عاد الضمان عليه). يعني بغير استئنافِ عقدٍ؛ لأن قبض العارية لا يتعلق به الاستحقاق، فبقيَ الرهن على ما هو عليه. - ولو مات الراهن، والرهنُ في يده عاریةً: فالمرتهن أحق به من سائر الغرماء. - ولو أعاره أحدُهما أجنبياً بإذن الآخر: سقط حكم ضمان الرهن في الحال، ولكل واحد منهما أن يرده رهناً كما كان. - وهذا بخلاف الإجارة والهبة من أجنبي إذا باشره أحدهما بإذن الآخر، حيث يخرج من الرهن، ولا يعود إليه إلا بعقد مستأنَف. - ولو مات الراهن قبل الرد إلى المرتهن: كان المرتهنُ أسوةَ الغرماء فيه؛ لأنه قد تعلق بالرهن حقٌّ لازمٌ بهذه التصرفات، فيبطل به حق الراهن، أما بالعارية: فلم يتعلق به حقٌّ لازمٌ، فافترقا. - وإن استعاره المرتهنُ من الراهن، فهلك قبل أن يأخذ في العمل: هلك على ضمان المرتهن؛ لبقاء يد المرتهن. - وكذا إذا هلك بعد الفراغ من العمل؛ لارتفاع يد العارية، وبقاء يد الراهن، فعاد ضمانه. ٢٣١ كتاب الرهن - وإن هلك في حالة العمل: هلك بغير ضمان؛ لأن يد العارية أمانةٌ، وهي حادثة بعد زوال قبض الرهن. - وكذا إذا أذن الراهن للمرتهن بالاستعمال. ۔ ومن استعار شيئاً لیرهنه، فما رهنه به من قليل أو كثير: فهو جائز. ۔ وهذا إذا لم يسمِّ له ما یرهنه به، فإن سمی له قدراً من الدين: فليس له أن يرهنه بأقل منه، ولا أکثر. - وكذا إذا سمى له صنفاً من الدين: ليس له أن يرهنه بصنفٍ غيره. - وإنما لم يجز أن يرهنه بأقل مما سمى؛ لأن المعير رضيَ أن يجعله مضموناً بذلك القدر، حتى إذا هلك: رجع به، فإذا جعله مضموناً بأقل منه: لم يحصل الغرض من الضمان. - وإنما لم يجز أن يرهنه بأكثر مما سمى له؛ لأنه لم يرض أن يستوفي من ماله إلا ذلك القدر، ولأن المعير يتوصل إلى أَخْذ عاريته بقضاء دين المرتهن، فإذا أذن في مقدارٍ يتمكن من أدائه: لم يجز أن يرهنه بأكثر منه، فيعجز عن أدائه. - فإن رهنه بغير ما سمى له من القدر، أو الصنف: فهو مخالفٌ، فيضمن قيمةَ الرهن إن هلك في يد المرتهن؛ لأنه تصرَّفَ في ملكه على وجهٍ لم یأذن له فیه، فصار غاصباً. ـ وللمعير أن يأخذه من المرتهن، ويفسخَ الرهنَ. ٢٣٢ کتاب الرهن ــ وكذا إذا استعاره ليرهنه عند رجلٍ بعينه، فرهنه عند غيره؛ لأن المالك رضي بیدٍ مخصوصة، ولم یرض بغيرها. - وكذا إذا قال له: ارهنه بالكوفة، فرهنه بالبصرة: كان ضامناً؛ لأنه مخالفٌ متعدٍّ. - ثم إن شاء المعير ضمَّن المستعيرَ، ويتم عقد الرهن بينه وبين المرتهن؛ لأنه ملكه بأداء الضمان، فتبيَّن أنه رَهَنَ ملكَ نفسه. وإن شاء ضمَّن المرتهن، ويرجع المرتهن بما ضمن وبالدين على الراهن. - فإن هلك في يد المرتهن وقد رهنه على الوجه الذي استعاره غير مخالف: ضمن الراهنُ للمعير قدرَ ما سقط عنه بهلاك الرهن من الدين؛ لأنه وفَّى دينه منه بأمره، فكان له الرجوعُ عليه بما وفى، ولا يلزمه أكثر من ذلك. - والمعيرُ متطوِّعٌ في الزيادة. - ولو عَجَزَ المستعيرُ عن فَكاك الرهن، فافتكَّه مالكُه: رجع بما كان الرهن یهلك به، ولا يرجع بأكثر من ذلك. بيانُه: إذا أعاره عبداً قيمتُه مائةٌ، وأذن له أن يرهنه بمائتين، فافتكه المعير بمائتين: رجع بمائة؛ لأن العبد لو هلك في يد المرتهن: صار ٢٣٣ كتاب الرهن مستوفياً لهذا القدر، ولم يكن للمعير أن يرجع بأكثر منه، فكذا إذا اقتضى بنفسه: لم يرجع بأكثر منه. ـصل : قال في ((الكرخي)): إذا آجر الراهنُ الرهنَ من المرتهن: خرج من الرهن، ولا يعود إليه إلا بالاستئناف. - وكذا إذا أجَّره الراهن من غير المرتهن، فأجازه المرتهن، أو أجَّره المرتهن من غيره، فأجازه الراهن: جازت الإجارةُ، وخرج المرهون من الرهن، ولم يَعُد إليه؛ لأن الإجارة عقدٌ يتعلق بها الاستحقاق، فإذا تراضيا عليها: كان إبطالاً للرهن؛ لأنها لا تصح مع بقاء الرهن، فكأنهما تفاسخا. - وفي ((الخُجندي)): ليس للمرتهن أن يؤجِّر الرهن، فإن آجره بغير إذن الراهن، وسلَّمه إلى المستأجر، وهلك في يد المستأجر: كان الراهن بالخيار: إن شاء ضمَّن المرتهنَ قيمتَه وقت التسليم إلى المستأجر، ويكون رهناً مكانه، وإن شاء ضمَّن المستأجر. فإن ضمَّن المستأجرَ: رجع بما ضمن على المرتهن؛ لأنه غَرَّه، ولا تجب عليه الأجرة. وإن ضمَّن المرتهنَ: لا يرجع بما ضمن على المستأجر، ولكن يرجع عليه بما استوفى من المنافع إلى وقت الهلاك، ولا يَطيب له. ٢٣٤ كتاب الرهن وإذا مات الراهنُ: باع وصيُّه الرهنَ، وقضى الدينَ. فإن لم يكن له وَصيٌّ: نَصَبَ القاضي له وصياً، وأمره ببيعه. - ولو لم يهلك الرهن، واسترده المرتهن: عاد رهناً كما كان. - وإن آجره المرتهنُ بإذن الراهن، أو الراهنُ بإذن المرتهن، أو آجره أحدُهما بغير إذن صاحبه، ثم أجازها: صحت الإجارة، وبطل الرهن، وتكون الأجرةُ للراهن، وولايةُ قبضِها إلى العاقد، ولا يعود رهناً إذا انقضت مدة الإجارة، إلا بالاستئناف. - وليس للراهن أن يرهنَ الرهنَ، فإن رهنه، فأجاز المرتهن: بطل الرهن الأول. * قوله: (وإذا مات الراهن: باع وصيُّه الرهنَ، وقضىُ الدينَ)؛ لأن وصيَّه قائمٌ مَقامَه. * قوله: (فإن لم يكن له وصيٌّ: نَصَبَ القاضي له وصياً، وأمره ببيعہ). - هذا إذا كان ورثتُه صغاراً، أما إذا كانوا كباراً: فهم يخلفون الميت في المال، فكان عليهم تخليصُه، والله أعلم. ٢٣٥ کتاب الحَجْر کتاب الحجر الأسبابُ الموجِبةُ للحَجْر ثلاثةٌ : الصِّغَرُ، والرِّقُّ، والجنونُ. ولا يجوز تَصرُّفُ الصغيرِ إلا بإذن وليِّه. كتاب الحَجْر الحَجْرُ في اللغة: المَنْعُ، ومنه سُمِّي الحَجَرُ: حَجَراً؛ لصلابته؛ لأنه يَمنعُ الغيرَ عن أن يؤثِّر فيه. ومنه سُمِّي الحطيمُ: حِجْراً؛ لأنه مُنع من البيت. - وفي الشرع: عبارة عن المنع عن التصرفات على وجهٍ يقوم الغيرُ فيه مقامَ المحجور عليه. * قال رحمه الله: (الأسبابُ الموجبةُ للحَجْر ثلاثةٌ)، أراد بالموجبة: المُثبتة. * قوله: (الصِّغَرُ، والرِّقُ، والجنونُ. ولا يجوز تصرُّفُ الصبيِّ إلا بإذن وليِّه). - المراد: الصبيُّ الذي يعقل، أما غيرُهُ: فلا يجوز ولو أَذِنَ له وليُّه. وتفسير العاقل: أن يَعلم أن البيع سالِبٌ، والشراءَ جالِبٌ، ويعلمَ أنه لا يجتمع الثمنُ والمُثْمَن في ملكِ واحدٍ. ٢٣٦ كتاب الحَجْر ولا تصرُّفُ العبدِ إلا بإذن سيِّده. ولا يجوز تصرُّفُ المجنونِ المغلوبِ علىُ عَقْله بحال. ومَن باعٍ مِن هؤلاء شيئاً، أو اشتراه وهو يعقلُ البيعَ ويَقصِدُه : سس قال في ((شاهان)): ومِن علامة كونه غيرُ عاقل: إذا أعطىُ الحلواني فلوساً، فأخذ الحلوى، وجعل يبكي، ويقول: أعطني فلوسي: فهذا علامةٌ كونه غير عاقل، وإن أخذ الحلوى، وذهب ولم يَستردَّ الفلوسَ: فهو عاقلٌ. * قوله: (ولا يجوز تصرُّف العبدِ إلا بإذن سيده)؛ كي لا يملك رقبتَه بتعلُّق الدين به، وبالإذن رضيَ بفوات حقِّه. * قوله: (ولا يجوز تصرُّف المجنونِ المغلوبِ على عقله بحالٍ): أي سواء أَذِنَ له ولُّه، أم لا. - والمراد به: الذي لا يُفيق أصلاً، أما إذا كان يُقيقُ ويَعقلُ في حالِ إفاقته: فتصرُّفه في حال إفاقته جائزٌ. * قوله: (ومَن باع من هؤلاء شيئاً، أو اشتراه): المرادُ: الصبيُّ والرقيق. أطلق لفظَ الجمع على الاثنين: وهو جائزٌ، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُوَ إِخْوَةٌ﴾. النساء/ ١١، والمراد: الأَخَوان. وقيل: أراد به العبدَ، والصبيَّ، والمجنونَ الذي لا يُقيق. * قوله: (وهو يعقلُ العقدَ ويَقصدُه): أي ليس بهازلٍ، ولا خاطئ، فإن بَيْع الهازل: لا يصح وإن أجازه الولي. ٢٣٧ کتاب الحَجْر فالوليّ بالخيار : إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحةٌ، وإن شاء فَسَخه. وهذه المعاني الثلاثةُ تُوجب الحَجْرَ في الأقوال، دون الأفعال. : قوله: (فالوليّ بالخيار: إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحةٌ، وإن شاء ءِ فَسَخَه). يُحترز من الغَبْن الفاحش: فإنه لا يجوز وإن أجازه الولي، بخلاف الغَبْن اليسير. - فإن قيل: التوقف عندكم في البيع، أما الشراء: فإنه لا يتوقف، فإن الأصل فيه النفاذُ على المباشِر. قلنا: نعم، إذا وُجد نفاذاً على العاقد، كما في شراء الفضولي، وهنا لم يوجد النفاذ؛ لعدم الأهلية، أو لضرر المولى، فأوقفناه. * قوله: (وهذه المعاني الثلاثةُ توجِب الحَجْرَ في الأقوال). يريد في الصبي الذي لا يعقل، والمأذونِ الذي لا يعقل البيع والشراء، أما إذا كان الصبيُّ المأذون يعقل البيعَ والشراء: فإنه يؤاخذ بأقواله في الأموال، كما يؤاخذ في الأفعال، حتى لو أقرَّ أن لفلان عليه مائة درهم: لزمه. وكذا العبد المأذون يؤاخذ بأقواله، كما يؤاخذ بأفعاله، فإن كان للعبد كسبٌ: سلَّم منه للمقَرِّ له، فإن لم يفِ: بِيع العبد فيه. والصبيُّ يُنتظر حتى يَستغني. قوله: (دون الأفعال)؛ لأن الأفعال لا مردَّ لها؛ لوجودها حِسَّاً ٢٣٨ کتاب الحجر فالصبيُّ والمجنونُ لا تصحُّ عقودُهما، ولا إقرارُهما، ومشاهدةً، بخلاف الأقوال؛ لأن اعتبارها بالشرع. - والقصد من شرطه: إلا إذا كان فعلاً يتعلق به حكمٌ يندرئ بالشبهات، كالحدود والقصاص، فيُجعل عدمُ القصد في ذلك: شبهة في حق الصبي والمجنون. - وإنما لم توجب هذه المعاني الحجرَ في الأفعال؛ لأن الأفعال تصح منهم، كما تصح من غيرهم، ولهذا قالوا: إن استيلاد المجنون صحيحٌ؛ لأن الفعل يصح منه. - ولو أقرَّ بالاستيلاد: لم يصحَّ منه؛ لأن إقراره ناقصٌ. - ولو ملك الصبيُّ أو المجنونُ ذا رَحِمٍ مَحرم منهما: عَتَقَ عليهما؛ لأن الملك یصح منهما. - ولو أعتقاه بالقول: لم يصح؛ لما ذكرنا. - وصورة استيلاد المجنون: أن يدخلَ في ملكه جاريةٌ قد ولدت منه بنکاح. * قوله: (والصبيُّ والمجنونُ لا تصحُّ عقودُهما، ولا إقرارُهما)؛ لأنه لا قولَ لهما. - أما النفع المحض: فيصح منهما مباشرتُه، مثل قبول الهبة والصدقة. - وكذا إذا آجر الصبي نفسَه، ومضى على ذلك العمل: وجبت الأجرة؛ استحساناً. ٢٣٩ کتاب الحَجْر ولا يقعُ طلاقُهما، ولا عَتَاقُهما. - ويصح قبول بدل الخلع من العبد المحجور بغير إذن المولى؛ لأنه نفعٌ محض. - وتصح عبارة الصبي في مال غيره، وطلاقٍ غيره، وعتاقٍ غيره إذا کان و کیلاً. * قوله: (ولا يقع طلاقُهما، ولا عَتَاقُهما)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((كل طلاق واقعٌ إلا طلاق الصبيِّ، والمعتوه))(١). والعَتاق يتمخَّض مضرةً؛ لأن الطلاق والعتاق إسقاطُ حق، فلا يصح من الصبي والمجنون كالهبة والبراءة. ولا وقوفَ للصبي على المصلحة في الطلاق بحالٍ؛ لعدم الشهوة. ولا وقوفَ للولي على عدم التوافق؛ لاحتمال وجود التوافق؛ على اعتبار بلوغه حدَّ الشهوة، فلهذا لا يتوقّفان على إجازته، ولا ينفذان بمباشرته، بخلاف سائر العقود. - ويعني بالطلاق: طلاق امرأته، أما إذا وكّل الرجلُ صبياً بطلاق امرأته، فطلَّقها: طلقت امرأة الموكُّل. (١) بهذا اللفظ قال عنه الزيلعي فى نصب الراية ٢٢١/٣: حديث غريب، وبلفظ: ((كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه)): عند الترمذي في سننه (١١٩١)، وقال: حديثٌ لا نعرفه إلا من حديث عطاء بن عجلان، وهو ضعيف، ذاهب الحديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. اهـ ٢٤٠ کتاب الحَجْر وإن أتلفا شيئاً : لزمهما ضمانُه. وأما العبدُ، فأقوالُه نافذةٌ في حق نفسه، غيرُ نافذةٍ في حق مولاه. فإن أقرَّ بمالٍ : لزمه بعد الحرية، ولم يلزمه في الحال. - ويعني بالعتاق أيضاً: إذا كان بالقول، أما إذا ملك ذا رَحِم مَحرم منه: عَتَقَ علیه. * قوله: (وإن أتلفا شيئاً: لزمهما ضمانُه)؛ لأن الأفعال تصح منهما، ولأن الإتلاف موجبٌ للضمان، ولا يتوقف على القصد، كما في مالٍ يتلف بانقلاب النائم عليه، والحائطِ المائل بعد الإشهاد. * قوله: (فأما العبد: فأقوالُه نافذةٌ في حق نفسه، غيرُ نافذةٍ في حق مولاه). أما نفوذها في حق نفسه؛ فلقيام أهليته، وأما عدم نفوذها في حق مولاه؛ فرعايةً لجانب المولى؛ لأن نفاذه لا يعرى عن تعلق الدَّيْن برقبته، أو كَسْبه، وكل ذلك مالُ المولىُ. : قوله: (فإن أقرَّ بمالٍ: لزمه بعد الحرية)؛ لوجود الأهلية، وزوال المانع. * قوله: (ولم يلزمْه في الحال)؛ لقيام المانع. - واعلم أن العبد لا يخلو: إما أن يكون مأذوناً، أو محجوراً: فإن كان محجوراً: فإنه يؤاخذ بأفعاله، دون أقواله، إلا فيما يَرجع إلى نفسه، مثل القصاص وحد الزنا وشرب الخمر وحد القذف، فإنه يصح