Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ باب السَّلَم وفي المذروعات. ولا يجوز السَّلَمُ في الحيوان، ولا في أطرافه. - والمكيلات: مثل الحنطة والشعير والذرة والدُّخن والأرز وغير ذلك، فإذا علم قدره بالوزن: جاز. - والموزونات: كالحديد والصُّفْر والزعفران وغير ذلك. - والمعدودات التي لا تتفاوت: كالجوز والبيض، يجوز السلم فيها عندنا، والصغيرُ والكبير فيها سواء باصطلاح الناس على إهدار التفاوت فيها، بخلاف البِطِّيخ والقِّاء والرمان؛ لتفاوت آحاده، ألا ترى أنه لا يقال: هذه البيضة بكذا، وهذه بكذا، وكذا الجوز. وقال زفر: لا يجوز السلم في البيض والجوز. - وأما بيض النَّعام: فقد روي عن أبي حنيفة أنه لا يجوز السلم فيه؛ لأنه يتفاوت. * قوله: (والمَذْروعات)؛ لأنه يمكن ضبطها بذكر الذراع، وهي الثياب، فلا بدَّ من ذكر صفة الثوب وطوله وعرضه وذرعه. - وإن كان مما جرت العادة ببيعه وزناً، كالحرير: فلا بدَّ من ذکر وزنه مع ذلك. * قوله: (ولا يجوز السلم في الحيوان، ولا في أطرافه)، يعني الرؤوس والأكارع؛ للتفاوت؛ لأنه عدديٌّ متفاوتٌ، لا مقدارَ له، ولا ينضبط بالصفة، ويتفاوت بالسِّمَن والهُزال، والسنِّ، والنوع، وشدة ١٤٢ باب السَّلَم ولا في الجلود عدداً. ولا في الحَطَبِ حُزَماً، ولا في الرَّطْبة جُرَزاً. العَدْو، والهَمْلجة، وهو سيرٌ سهلٌ للبراذين. وقد تجدُ فرسين مستويين في السنِّ والصفة، ثم يشتري أحدَهما بأضعاف ما يشتري به الآخر؛ للتفاوت بينهما في المعاني الباطنة. وهذا أيضاً في بني آدم لا يخفى، فإن العبدين والأمتين يتساويان سنَّاً وصفة، ويختلفان في العقل، والأخلاق، والمروءة. * قوله: (ولا في الجلود عدداً)؛ لأنها لا تنضبط بالصفة، ولا توزن عادةً، ولكنها تباع عدداً، وهي عدديٌّ متفاوتٌ؛ لأن فيها الصغير والكبير. - فإن سمى منها شيئاً يصلح للمصحف، معلوماً، وذَكَرَ طوله وعرضه وجودته: جاز. ــ وكذا لا يجوز السلم في الوَرَق، إلا أن يَشترط ضرباً منه معلومَ الطول والعرض، والجودة، فحينئذٍ يجوز السلم فيه. * قوله: (ولا في الحَطَب حُزَماً)؛ لأنه متفاوتٌ مجهولٌ، إلا إذا عُرف ذلك، بأن بُيِّن طولُ الحبل الذي تُشدُّ به الحُزمة، أنه ذراعٌ أو ذراعان: فحينئذٍ يجوز السلم فيه. * قوله: (ولا في الرَّطْبة جُرَزاً). هو بتقديم الراء المهملة على الزاي المعجمة، جمع: جُرْزة: بضم الجيم، وإسكان الراء، وهي القُبضة من القَتِّ ونحوه. ١٤٣ باب السَّلَم ولا يجوز السلمُ حتى يكون المسلَمُ فيه موجوداً من حين العقد إلى حين المَحِلِّ. * قوله: (ولا يجوز السلم حتى يكون المسلم فيه موجوداً من حين العقد إلى حين المَحِل). المَحِل: بكسر الحاء: مصدرٌ بمعنى: الحلول. وحدُّ الوجود: أن لا ينقطع من السوق، وحدُّ الانقطاع: أن لا يوجد في السوق وإن كان يوجد في البيوت. - قال في ((الهداية)) (١): ولو كان المسلَم فيه منقطعاً عند العقد، موجوداً عند المَحِل، أو على العكس، أو منقطعاً فيما بين ذلك: لا يجوز. وقال الشافعي(٢): يجوز إذا كان موجوداً وقت المحل؛ لوجود القدرة على التسليم حالَ وجوبه. ولنا: أن القدرة على التسليم: بالتحصيل، فلا بدَّ من استمرار الوجود ولأن كلَّ حال من أحوال المدة يجوز أن يكون مَحلاً للمدة، بأن 13 في مدة الأجل؛ ليتمكن من التحصيل. يموت المسلَم إليه، فاعتُبر أن يكون موجوداً فيه. - ولو أسلم فيما هو موجودٌ من حين العقد إلى حين المَحِل، فحَلَّ السلم، فلم يقبضه حتى انقطع: فالسلم صحیحٌ على حاله، وربُ السلم بالخيار: إن شاء (١) ٧٢/٣. (٢) مغني المحتاج ١٠٦/٢. ١٤٤ باب السَّلَم فسخ السلم، وأخذ رأسَ ماله، وإن شاء انتظر إلى حال وجوده. - ولو أسلم فيما يجوز أن ينقطع عن أيدي الناس، كالرطب إن أسلم في حال وجوده، وجعل المحلّ قبل انقطاعه: جاز. وإن جعل المَحِلّ بعد انقطاعه: لا يجوز. - ويجوز السلم في السمك المالح، وزناً معلوماً، وضرباً معلوماً؛ لأنه معلوم القدر، مضبوطُ الوصف، مقدورُ التسليم؛ إذ هو غير منقطع. - ولا يجوز السلم فيه عدداً؛ لأنه متفاوت. والمالح هو: الذي شُقَّ بطنه، وجُعل فيه الملح. - ولا خير في السلم في السمك الطريِّ، إلا في حينه، وزناً معلوماً، وضرباً معلوماً؛ لأنه ينقطع في زمان الشتاء، حتى لو كان في بلدٍ لا ينقطع: يجوز مطلقاً، وإنما يجوز وزناً، لا عدداً. وعن أبي حنيفة: أنه لا يجوز في لحم الكبار منها، وهي التي تنقطع؛ اعتباراً بالسلم في اللحم عنده. كذا في ((الهداية)) (١). وفي الكرخي: لا يجوز السلم في السمك عند أبي حنيفة، لا طريِّه، ولا مالحه؛ لأنه يختلف بالسِّمَن والهُزال، فهو كاللحم. وقال أبو يوسف: يجوز في المالح إذا سمى وزناً معلوماً. (١) ٧٢/٣. ١٤٥ باب السَّلَم ولا يصحُّ السلمُ إلا مؤجَّلاً، - والأفصح أن يقال: سمك مِلْحٌ، أو مملوح، ولا يقال: مالح، إلا في لغةٍ رديئة، احتجوا لها بقول الشاعر: بَصْرِيةٌ تزوجتْ مِصرياً أطعمها المالحَ والطريّاً والحجة للغة الفصيحة: قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِعٌ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْعُ أُجَابٌ﴾. فاطر / ١٢، أي شديد الملوحة، ولم يقل: مالح. - وأما السمك الصغار إذا كان يكال: فالصحيح أنه يجوز السلم فيه، کیلاً ووزناً. - ولا يجوز السلم في اللحم عند أبي حنيفة، وإن بيَّن موضعاً من الشاة؛ لأنه يختلف بالسِّمَن والهزال، وقلة العظام وكثرتها. وعندهما: يجوز السلم في اللحم إذا سمى مكاناً معلوماً من الشاة؛ لأنه موزونٌ مضبوطُ الوصف، ولهذا يُضمن بالمثل، ويجوز استقراضه وزناً. - ولا يجوز السلم في لحم الطيور، إجماعاً؛ لأنه لا يُمكن وصف موضعٍ منه. - ويجوز السلم في الألية، وشحم البطن وزناً؛ لأنه لا يختلف. * قوله: (ولا يصح السلم إلا مؤجَّلاً). - فإن أسلما حالاً، ثم أدخلا الأجلَ قبل الافتراق، وقبل استهلاك ١٤٦ باب السَّلَم ولا يصحُّ إلا بأجلٍ معلوم. ولا يصحُّ السلمُ بمكيالِ رجلٍ بِعَيْنه، ولا بذراعٍ رجلٍ بعَيْنه، ولا في طعامٍ قريةٍ بعَيْنها، ولا في ثمرةِ نخلةٍ بعَيْنها . رأس المال: جاز. ؛ قوله: (ولا يجوز إلا بأجلٍ معلوم). واختلفوا في أدناه: فقيل: شهرٌ، وقيل: ثلاثة أيام، والأول أصح. كذا في ((الهداية))(١). * قوله: (ولا يصح السلم بمكيالِ رجلٍ بعينه). - هذا إذا لم يُعرف مقداره؛ لأنه ربما يضيع، فيؤدي إلى المنازعة. - ولا بدَّ أن يكون المكيال مما لا يَنقبض ولا ينبسط، كالقصاع، فإن کان مما ينقبض وينبسط: لا يجوز. * قوله: (ولا بذراعٍ رجلٍ بعينه). - هذا إذا لم يُعرف مقداره أيضاً؛ لأنه قد يموت قبل حلول أجل السلم. * قوله: (ولا في طعامٍ قريةٍ بعينها، ولا في تمرِ نخلةٍ بعينها)؛ لأنه قد ينعدم. - ولو أسلم في حنطةٍ جديدة، أو في ذرة جديدة: لم يجز؛ لأنه لا (١) ٣ / ٧٣. ١٤٧ باب السَّلَم ولا يصحُّ السلمُ عند أبي حنيفة إلا بسبعٍ شرائطَ تُذْكَر في العقد : جنسٌ معلوم، ونوعٌ معلوم، وصفةٌ معلومة، ومقدارٌ معلوم، وأجلٌ معلوم. ومعرفةُ مقدار رأس المال إذا كان مما يتعلق العقدُ على قدره، کالمکیل، والموزون، والمعدود . يُدرى أيكون في تلك السنة منها شيء أم لا؟ * قوله: (ولا يصح السلم إلا بسبع شرائط، تُذكر في العقد: ١ - جنسٌ معلوم)، مثل حنطة، أو شعير، أو ذُرة، أو تمر. ٢- قوله: (ونوعٌ معلوم)، مثل تمر بَرْني، أو مَعقلي، أو ذرة بيضاء، أو حمراء. ٣- قوله: (وصفةٌ معلومة)، مثل جيد، أو وسط. ٤ - قوله: (ومقدارٌ معلوم)، كقوله: قفيز، أو مُدٍّ، أو رِطل، أو مَنِّ. ٥- (وأجلٌ معلوم)، مثل شهر، أو سَنَة. ٦- قوله: (ومعرفةُ مقدار رأس المال إذا كان مما يتعلق العقدُ على قدره، كالمكيل والموزون والمعدود). واحترز بذلك: عن الثياب والحيوان. وهذا إنما يُشترط عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كان رأس المال عيناً مشاراً إليه: لم ١٤٨ باب السَّلَم وتسميةُ المكان الذي يُوَفِّه فيه إذا كان له حَمْلُ ومُؤْنةٌ. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يُحتاج إلى تسمية رأس المال إذا كان معيَّناً، ولا إلى مكان التسليم، ويسلَّمُه في موضع العقد . ولا يصحُّ السلمُ حتى يَقبضَ رأسَ المال قبل أن يُقارِقَه. يُحتج إلى معرفة قدره؛ لأن المقصود يحصل بالإشارة، فأشبه الثمنَ، والأجرة. ولأبي حنيفة: أن جهالة ذلك تؤدي إلى جهالة المقبوض في الثاني؛ لأنه إذا أسلم كفّاً من دراهم، فوجد في بعضها زيوفاً: انفسخ العقد فيه، ولم يُعلم مقداره من رأس المال. ولا يشبه هذا إذا كان رأس المال ثوباً؛ لأن قدره ليس بمعقود علیه. ٧ - قوله: (وتسميةُ المكان الذي يوقِيه فيه إذا كان له حَمْلُ ومُؤنة). هذا عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: ليس ذلك بشرط. - وأما ما لا حَمْل له ولا مؤنة: فإنه يسلِّمه إليه حيث لقيه عند أبي حنيفة، وعندهما: يسلِّمه في مكان العقد، وهذا كالمسك، ونحوه. * قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يُحتاج إلى تسمية رأس المال إذا كان معيَّناً، ولا إلى مكان التسليم، ويسلَّمه في مكان العقد)؛ لأنه مَلَكَ في هذا المكان، فيسلمه فيه. * قوله: (ولا يصح السلم حتى يقبضَ رأسَ المال قبل أن يُفارقه). ١٤٩ باب السَّلَم . - فإن دخل أحدهما في الماء: إن كان صافياً: لا يبطل السلم، وإن کان گدراً: بطل. - وإن ناما في مجلسهما، أو أُغمي عليهما، أو قاما يمشيان معاً: لم يبطل. ۔ والصرفُ علی ھذا. - ولا يصح السلم إذا كان فيه خيارُ الشرط لهما، أو لأحدهما؛ لأنه يمنع تمام القبض، فإن أسقط الخيارَ قبل الافتراق، ورأسُ المال قائمٌ: جاز، خلافاً لزفر. - ولو افترقا في السلم بعد القبض، ثم وَجَدَ المسلَمُ إليه رأسَ المال زيوفاً، أو نَبَهْرَجةً: فإن تُجوِّز بها: صحَّ السلم، وإن استبدلها: بطل السلم عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: إن استبدلها في مجلس الرد: لا يبطل. - وأما إذا وَجَدَ بعضَها زيوفاً، فاستبدله: إن كان يسيراً: لا يبطل. - واختُلف في قدره: فذكر محمد أنه يَستبدل أقل من النصف، فإن كانت الزيوف النصفَ: بطل العقد فيها. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه يَستبدل ما بينه وبين الثلث، فإن زاد على الثلث: انتقض العقد فيها. - فإن وجد رأسَ المال ستّوقاً أو رصاصاً بعد الافتراق: بطل العقد، إجماعاً؛ لأن السَّتَّوق والرصاصَ ليسا من جنس حقه، فصار كأنهما افترقا ١٥٠ باب السَّلَم ولا يجوز التصرُّفُ في رأس المال، ولا في المسلم فيه قبل قبضه. من غير قبض. * قوله: (ولا يجوز التصرف في رأس المال، ولا في المسلَم فيه قبل قبضه). ١ - أما رأس المال: فإنَّ قَبْضَه في المجلس واجبٌ؛ لحقِّ الله تعالى، والتصرف فيه: يُسقط ذلك. - ولا يجوز للمسلم إليه أن يُبرِّى ربَّ السلم من رأس المال؛ لأن قَبْضَه في المجلس واجبٌ، فإذا أبرأ منه: سقط القبضُ، وبطل العقد. - وهذا إذا قَبِل ربُّ السلم البراءةَ، فإن ردَّها: لم يَبطل السلم. - ولا يجوز أن يأخذ عوضَ رأس المال شيئاً من غير جنسه؛ لأنه يَسقط القبض. ٢- وأما المسلَم فيه: فلقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن أسلم في شيء: فلا يصرِفْه إلى غيره))(١). ولأنه مبيعٌ، والتصرف في المبيع قبل القبض: لا يجوز، ولهذا لا يجوز أن يأخذ عوضَ المسلَم فيه شيئاً من غير جنسه. - ولو تقايلا السلم: لم يجز أن يأخذ برأس المال شيئاً من غير جنسه، قال عليه الصلاة والسلام: ((ليس لكَ إلا سَلَمك، أو رأس مالك))(٢). (١) سنن أبي داود (٣٤٦٨)، سنن ابن ماجه (٢٢٨٣)، وحسّنه الترمذي في العلل الكبير ٥٢٤/١، كما في نصب الراية ٥١/٤، وينظر البدر المنير ٦٢٨/١٦. (٢) سنن الدارقطني (٢٩٧٧)، روي مرفوعاً وموقوفاً، وينظر نصب الراية ٤/ ٥١. ١٥١ باب السَّلَم ولا تجوز الشركةُ، ولا التولیةُ في المسلم فيه قبل قبضه. ويجوز السلمُ في الثياب إذا سمَّىُ طولاً، وعرضاً، ورُقْعةً. ولا يجوز السلمُ في الجواهر، ولا في الخَرَز. أراد بالسلم: المسلَمَ فيه، فصار تقديرُهُ: لا تأخذْ إلا المسلَم فيه حال بقاء السلم، أو رأسَ المال حين انفساخ العقد. - ثم إذا تقايلا السلمَ: لم يجز لرب المال أن يشتريَ من المسلَم إليه برأس المال شيئاً حتى يقبضه کله. - ويجوز تأجيلُ رأس المال بعد الإقالة؛ لأنه دينٌ لا يجب قبضه في المجلس، کسائر الدیون. : قوله: (ولا تجوز الشركةُ، ولا التوليةُ في المسلَم فيه قبل قبضه)؛ لأنه تصرُّفٌ فيه قبل القبض. * قوله: (ويجوز السلم في الثياب إذا سمَّى طولاً وعرضاً ورُقعةً): بالقاف، أي غِلظةً وثَخانةً؛ لأنه أسلم في مقدور التسليم. - وإن كان في ثوبٍ حرير: فلا بدَّ من بيان جنسه، ووزنه أيضاً؛ لأنه مقصودٌ فیه. * قوله: (ولا يجوز السلم في الجواهر، ولا في الخَرَز)؛ لأنها تتفاوت تفاوتاً فاحشاً. - وأما السلم في الخبز: ففيه خلاف: ١٥٢ باب السَّلَم ولا بأس في السلم في اللَّبِن والآجُرٍّ إذا سمَّى مِلْبَناً معلوماً. وكلُّ ما أمكن ضَبْطُ صفته، ومعرفةُ مقداره : جاز السلمُ فيه. قال في ((الهداية))(١): السلم فيه جائزٌ، في الصحيح. احترز بقوله: في الصحيح: عما روي عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز السلم في الخبز، ذكره في ((المبسوط))(٢)، فقال: وأما السلم في الخبز: فلا يجوز عند أبي حنيفة؛ لأنه يتفاوت بالنُّضْج، وعدمه. وفي ((الذخيرة)): عن الإمام خُواهَر زاده: لا يجوز السلم في الخبز عند أبي حنيفة، لا وزناً ولا عدداً، وعند أبي يوسف: يجوز وزناً. واختار المشايخُ رحمهم الله تعالى قولَ أبي يوسف إذا أتى بشرائط السلم؛ لحاجة الناس إليه. كذا في ((النهاية)). - وفي صغار اللؤلؤ الذي يباع وزناً: يجوز السلم فيه؛ لأنه مما يُعلم بالوزن. - ولا يجوز السلم في الرُّمَّان، والبطيخ، والقِتَّاء، والسفرجل؛ لاختلاف الصغير والکبیر فیه. قوله: (ولا بأس بالسلم في اللَّبِن والآجرِّ إذا سمىُ مِلْبَنا معلوماً)؛ لأنه عدديٌّ يمكن ضبطه، وإنما يصير معلوماً إذا ذُكر طوله وعرضه وسُمكه. * قوله: (وكلَّ ما أمكن ضبطُ صفته ومعرفة مقداره: جاز السلمُ فيه)؛ (١) ٦٦/٣. (٢) ٤ ١ / ٣١. ١٥٣ باب السَّلَم وما لا يُمكن ضَبْطُ صفته، ولا يُعرَف مقدارُه : لا يجوز السلمُ فيه. لأنه لا يُفضي إلى المنازعة. * قوله: (وما لا يمكن ضبطُه، ولا معرفة مقداره: لا يجوز السلم فيه)؛ لأنه مجهولٌ يُفضي إلى المنازعة. ١٥٤ مسائل متفرقات في البيع [مسائل متفرقات في البيع] ويجوز بيعُ الكلب، والفهدِ، والسباع، والبازي. مسائل متفرقات في البيع [حكم بيع الكلب ونحوه : ] * قوله: (ويجوز بيع الفهد، والكلب، والسباع). المعلَّمُ، وغيرُ المعلّم في ذلك سواءٌ. وعن أبي يوسف: لا يجوز بيع الأسد، ولا الكلب العقور؛ لأنه لا يُنتفع بهما. - ويجوز بيع الهرّة، بالإجماع. - ويجوز بيع الفيل؛ لأنه يُنتفع بالحَمل عليه، وبعَظمه. وفي ((الهداية))(١): الفيل: كالخنزير عند محمد، نجسُ العين، حتى لا يطهر جلدُه بالدباغة، وعظامُه نجسةٌ، لا يجوز بيعها، ولا الانتفاع بها. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: هو بمنزلة السباع، يباع عظمُه، ويُنتفع به، ويطهر جلده بالدباغة. (١) ٤٦/٣، وكذلك عزا إليها في السراج الوهاج، وينظر لقول محمد حاشية ابن عابدين ٢٠٤/١. ١٥٥ مسائل متفرقات في البيع ولا يجوز بيعُ الخمر، والخنزير. ولا يجوز بيعُ دود القَرِّ إلا أن يكون مع القَزِّ. - وأما القرد: فروى الحسن عن أبي حنيفة: أن بيعَه جائزٌ؛ لأنه يمكن الانتفاع بجلده، کالسباع. وعن أبي يوسف: لا يجوز بيعُه؛ لأنه في الغالب يُبتاع للملاهي. - وأما لحوم السباع: فعن أبي حنيفة في بيعها روايتان: في رواية: لا يجوز ولو كانت مذكّةً، وهو الصحيح؛ لأنه لا يُنتفع به، ولا عبرةً بإطعامه للكلاب. وفي رواية: يجوز إذا كانت مذكَّةً؛ لأنه طاهرٌ على ما قيل. - ولا يجوز بيع جلود الميتات قبل الدباغ. - ولا يجوز بيع جلد الخنزير ولو كان مدبوغاً؛ لأنه لا يطهر بالدباغ. - وأجاز أصحابنا جميعاً بيعَ السِّرْجين، والبعر، وشرائه، والانتفاعِ به للوقود. - ولا يجوز بيع لبن بنات آدم. * قوله: (ولا يجوز بيع الخمر، والخنزير)؛ لأنهما حرام. * قوله: (ولا يجوز بيع دود القَزِّ، إلا أن يكون مع القَزِّ). وهذا عندهما، وقال محمد: يجوز وإن لم يظهر فيه القزُّ. ١٥٦ مسائل متفرقات في البيع ولا النَّحْلِ إلا مع الكُوَّارات. وأهلُ الذمة في البِيَاعات كالمسلمين، إلا في الخمر والخنزير خاصَّةً، فإنَّ عَقْدَهم على الخمر : كعقد المسلم على العصير، وعَقْدَهم علىُ الخنزير : كعقد المسلم على الشاة. * قوله: (ولا النحلِ، إلا أن يكون مع الكُوَّارات). وقال محمد: يجوز وإن انفرد إذا كان مجتمعاً محرَزاً. - ولا يجوز بيع الهواءِّ، كالأحناش، والحيات، والعقارب، والفأرة، والبُوم، والضفدع، وغير ذلك. [حكم بياعات أهل الذمة :] * قوله: (وأهلُ الذمة في البياعات: كالمسلمين سواء، إلا في الخمر والخنزير خاصةً، فإن عقدهم على الخمر: كعقد المسلم على العصير، وعقدَهم على الخنزير: كعقد المسلم على الشاة). لأنها أموالٌ في اعتقادهم، ونحن أُمرنا أن نتركهم وما يعتقدون. - وإذا باع ذمي من ذمي خمراً أو خنزيراً، ثم أسلما، أو أحدُهما قبل القبض: بطل البيع. - وإن كان بعد القبض: جاز البيع، سواء قبض الثمنَ، أو لم يقبضه. 13 - فإن صارت خلاً قبل القبض: فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذه، وإن شاء تركه عندهما. ١٥٧ مسائل متفرقات في البيع وقال محمدٌ: العقد باطلٌ؛ لأنه قد بطل بالإسلام، فلا يصح إلا بالاستئناف. - ولو اشترى الذميُّ عبداً مسلماً: جاز، وأُجبر على بيعه؛ لئلا يَستذلَّه بالخدمة. - وكذا إذا أسلم عبدُ الذمي: أُجبر على بيعه. - وكذا إذا اشترىُ مُصحَفاً: أُجبر على بيعه. ١٥٨ باب الصَّرْف کتاب الصَّرْف الصَّرْفُ هو : البيعُ. باب الصَّرْف الصرف في اللغة هو: الزيادة، ومنه سميت العبادة النافلة: صرفاً، والفرضُ: عدلاً. ومنه الحديث: ((مَن انتمى إلى غير أبيه: لا يقبل الله منه صَرْفاً، ولا عَدْلاً))(١). العدل هو: الفرض، والصرف هو: النفل. وسُمِّي الفرضُ: عدلاً؛ لأنه أداء الحق إلى المستحِق. كذا في ((النهاية)). وفي الشرع: عبارةٌ عن النقل والردِّ في بدليه، بصفةٍ مخصوصة. * قال رحمه الله: (الصرف: هو البيع)؛ لأنه إيجابٌ وقبول في مالين، ليس فيه معنى التبرع. (١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، لكن ورد في صحيح البخاري (٤٣٢٦)، وصحيح مسلم (١١٤) بلفظ: ((من ادعى أباً في الإسلام غير أبيه، يعلم أنه غير أبيه: فالجنة عليه حرام)). ١٥٩ باب الصَّرْف إذا كان كلّ واحدٍ من عِوَضَيْه من جنس الأثمان. ءِ وهذا معنى البيع، إلا أنه لمَّا انفرد بمعانٍ عن البيع: اختُصَّ باسمٍ، کالسلم. ءِ * قوله: (إذا كان كلّ واحدٍ من عوضيه من جنس الأثمان). الصرف اسمٌ لعقود ثلاثة: بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وأحدُهما بالآخر. - وإذا اختُصَّ باسم الصرف: اختُصَّ بشرائط ثلاثة: أحدها: وجودُ التقابض من كلا الجانبين قبل التفرق بالأبدان. والثاني: أن يكون بائَّاً، لا خيارَ فيه. - فإن أبطل صاحب الخيار خيارَه قبل التفرق، ورأسُ المال قائمٌ: انقلب جائزاً، خلافاً لزفر. والثالث: أن لا يكون بدلُ الصرف مؤجلاً، فإن أبطل صاحبُ الأجل أجلَه قبل التفرق، ونَقَد ما عليه، ثم تفرقا عن قبض من الجانبين: انقلب جائزاً، خلافاً لزفر. - رجلٌ له جاريةٌ، في عُنقها طوق فضة وزنه مائة درهم، باعهما جميعاً بألف درهم حالَّة: جاز البيع في الجارية والطّوْق، ويكون الطوق بمائة من الألف صرفاً، والجارية بتسعمائةٍ بيعاً. - فلو افترقا عن غير قبضٍ من الجانبين: بطل الصرف، وبيعُ الجارية صحیح بتسعمائة. ١٦٠ باب الصّرّف فإن باع فضةً بفضة، أو ذهباً بذهب : لم يَجُزْ إلا مِثْلاً بمِثْل. - بخلاف ما إذا باعهما بألفٍ إلى أجل: فالصرف باطلٌ، إجماعاً، ويبطل بيع الجارية أيضاً عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يبطل في الجارية. فأبو حنيفة فرَّق بينهما، فقال في الأُولى: لا يبطل في الجارية؛ لأن العقد فيهما انعقد على الصحة، وإنما بطل الصرف؛ لفوات شرطٍ من شرائطه، فلم يوجب ذلك إبطالَ البيع في الجارية. وفي الثانية: إنما يبطل بيع الجارية؛ لأن الصرف انعقد على الفساد، فأوجب ذلك فسادَ بيع الجارية. : قوله: (فإن باع فضةً بفضة، أو ذهباً بذهب: لم يجز إلا مثلاً بمثل)؛ لأن المساواة شرطٌ في صحة ذلك، حتى لو باع إناء فضةٍ بإناء فضةٍ: لا يجوز متفاضلاً. بخلاف ما إذا باع إناءً مصنوعاً(١) من نحاس بإناءٍ من نحاس: حيث يجوز متفاضلاً، مع أن النحاس بالنحاس متفاضلاً لا يجوز؛ لأن الوزن منصوصٌ عليه في الفضة والذهب، فلا يتغير فيه بالصناعة. ولا يخرج من أن يكون موزوناً بالعادة؛ لأن العادة لا تعارض النصَّ، وأما النحاس والصُّفْر فيتغيران بالصناعة. - وكذا الحديد حكمه: حكم النحاس؛ لأن الوزن ثابت فيهما بالعرف، فيخرج من أن يكون موزوناً بالصَّنْعة؛ لتعارف الناس في بيع (١) وفي نسخ: مصوغاً.