Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ باب صدقة الفطر قوله عليه الصلاة والسلام: ((أدُّوا عن كل حرٍّ وعبد، صغيرٍ أو كبيرٍ نصفَ صاعٍ من بُرٍّ، أو صاعاً من شعير))(١). وقال ابن عمر: ((فَرَضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زكاةَ الفطر على الذكر والأنثى، والحر والعبد صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير))(٢). ٣- وشرطُها: وهي في الإنسان: الحرية، والإسلام، والغنى. وفي الوقت: طلوع الفجر من يوم الفطر. وفي الواجب: أن لا تنقص عن نصف صاع. ٤- وركنُها: وهو أداء قدر الواجب إلى مَن يستحقه. ٥- وحكمُها: وهو الخروج عن عهدة الواجب في الدنيا، ونَيْل الثواب في الآخرة. ٦ - ومَن تجب عليه؟ وهو الحر المسلم الغني. ٧- وقدر الواجب: وهو نصف صاعٍ من برٍّ، أو صاعٍ من شعير، أو تمر. ٨- ومما يتأدى به الواجب؟ وهو من أربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. (١) سنن أبي داود (١٦١٥)، المستدرك للحاكم ٣١٤/٣، وينظر لروايات الحديث ووجوهه: نصب الراية ٤٠٦/٢، التعريف والإخبار ٨١/٢. (٢) صحيح البخاري (١٥٠٣)، صحيح مسلم (٩٨٤). ٢٤٢ باب صدقة الفطر إذا كان مالكاً لمقدار النصاب، ٩- ووقت الوجوب: وهو طلوع الفجر من يوم الفطر. ١٠ - ووقت الاستحباب: وهو قبل الخروج إلى المصلى. ١١- ومكان الأداء: وهو مكانُ مَن تجب عليه؛ لإمكان مَن وجبت عليه لأجلهم من الأولاد والعبيد. بخلاف الزكاة: فإن هناك المعتبرُ مكان المال؛ لأن الوجوب في صدقة الفطر متعلَّق بذمته، وفي الزكاة: الواجب جزء من المال، حتى إن الزكاة تسقط بهلاك المال. وصدقة الفطر لا تسقط بهلاك العبد بعد الوجوب على المولى، فاعتُبر مکان المولى. * قوله: (إذا كان مالكاً لمقدار النصاب). وعند الشافعي(١): تجب على الفقير إذا كان له زيادةٌ على قُوت يومه لنفسه وعیاله. وشَرَطَ الشيخُ الحريةَ؛ ليتحقق التمليك. والإسلامَ؛ لتقع الصدقةُ قُربةً. (١) مسند أحمد (٧١٥٥، ٧٣٤٨)، وقد علقه البخاري، وخرَّجه ابن حجر في الفتح ٢٩٤/٣، وعزاه لمسند أحمد. ٢٤٣ باب صدقة الفطر فاضلاً عن مسكنِهِ، وثيابِه، وأثاثِه، وفرسِه، وسلاحِهِ، وعبيدِه للخدمة. يُخرج ذلك عن نفسه، وعن أولاده الصغار، وعن مماليكه للخدمة. وشَرَطَ اليسار؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنىَ))(١). وقَدَّر اليسارَ بالنصاب؛ لتقدير الغنى في الشرع به. وسواءٌ مَلَكَ نصاباً، أو ما قيمته نصابٌ من العروض أو غيرها، فضلاً عن کفایته، ولا یکون علیه دینٌ. * قوله: (فاضلاً عن مسكنه، وثيابِه، وفرسِهِ، وسلاحِهِ، وعبيده للخدمة)؛ لأن هذه الأشياء مستحقّةٌ بالحوائج الأصلية، والمستحَقُّ بها: کالمعدوم. ــ وكذا كتب العلم إن كان من أهله، ويُعفى له في كتب الفقه عن نسخة من كل مصنَّفٍ، لا غير، وفي الحديث: عن نسختين. - ولو كان له دارٌ واحدةٌ يسكنها، ويفضل عن سكناه منها ما يساوي نصاباً: وجبت عليه الفطرة. - وكذا في الثياب، والأثاث. * قوله: (يُخرِج ذلك عن نفسه، وعن أولاده الصغار، وعن ممالیکه)؛ لأن السبب: رأسٌ يمونه، ويلي عليه. (١) مغني المحتاج ٤٠٣/١. ٢٤٤ باب صدقة الفطر - ويعني مماليكه: للخدمة. - ويؤدي عن مدبَّريه، وأمهات أولاده، وعن عبده المودَع والمرهون إذا كان له ما یوفي الدين، وزيادة نصاب. - ويُخرج عن عبده المؤجّر، والمُعَار، والمأذون وإن كان مستغرقاً بالدين؛ لأنه یلي علیه ویمونُه. - ولا تجب عن مماليك هذا المأذون، سواء كان عليه دينٌ أَوْ لا؛ لأنهم عبيد التجارة. - وتجب عن العبد الذي في رقبته جنايةٌ عمداً أو خطأ؛ لأن الجناية لا تُزيل الملكَ عنه. وأما العبد المجعولُ مهراً: إن كان بعينه: تجب على المرأة فطرتُه، سواء قبضَتْه أوْ لا؛ لأنها ملكَتْه بنفس العقد، ولهذا جاز تصرُّفها فيه قبل القبض. - ولا يؤدّى عن الآبق، والمغصوب، والمجحود، ولا عن المأسور، ولا عن المستسعى؛ لأنه بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة. - والعبدُ المعلَّق عتقُه بمجيء يوم الفطر: إذا عَتَقَ: تجب فطرتُه على المولى. - وإن أوصى بخدمة عبده لرجل، وبرقبته لآخر: فقطرتُّه على الموصى له بالرقبة، ونفقتُه على الموصى له بالخدمة. ٢٤٥ باب صدقة الفطر ولا يؤدِّي عن زوجته. ولا عن أولاده الكبار وإن كانوا في عياله. * قوله: (ولا يؤدي عن زوجته)؛ لقصور الولاية والمؤنة، فإنه لا يليها في غير حقوق النكاح، ولا يمونُها في غير الرواتب، كالمداواة، وشبهها. * قوله: (ولا عن أولاده الكبار وإن كانوا في عياله)، بأن كانوا زَمْنى؛ لانعدام الولاية. - فإن أدى عنهم، أو عن زوجته بغير أمرهم: أجزأهم؛ استحساناً؛ لثبوت الإذن عادةً. - ثم إذا كان للولد الصغير والمجنون مالٌ: فإن الأب يُخرج صدقةً فطرتهما من مالهما عندهما. وقال محمدٌ وزفر: لا يُخرِج من مالهما، ويُخرِج من مال نفسه؛ لأنها قُربةٌ، ومن شرطها: النية، فلا تجب في مال الصغير والمجنون، كسائر العبادات، فإذا ثبت أنه لا يُخرِجها من مالهما: صارا كالفقيرين، فُيُخرج الأبُ عنهما من ماله. ولهما: أن الفطرة تجري مجرى المؤنة، بدليل أن الأب يتحملها عن ابنه الفقير، فإذا كان غنياً: كانت في ماله، كنفقته ونفقة ختانه، فُيُخرج أبوهما أو وصيه أو جدُّهما أو وصُّه فطرةَ أنفسهما ورقيقهما من مالهما. - وكذا الأضحية: على هذا الخلاف. ٢٤٦ باب صدقة الفطر وقال محمد وزفر: إذا أخرجهما الأب من مال الصغير أو المجنون: لزمه الضمان. - ولا يجب على الأب صدقةُ الفطر عن مماليكهما من مال نفسه، بالإجماع، كالنفقة. ويؤدي عنهم من مال ابنه. - وأما الولد الكبير المجنون إذا كان فقيراً: إن بلغ مجنوناً: ففطرته على' أبيه. وإن بلغ مُقيقاً، ثم جُنَّ: فلا فطرة على أبيه؛ لأنه إذا بلغ مجنوناً فقد استمرت الولاية عليه، وإذا أفاق: فقد انتقلت الولاية إليه. - ولا تجب على الجد فطرة بني ابنه إذا كان أبوهم فقيراً، أو ميتاً، في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنها تجب عليه، كما تجب على الأب. - وفي ((قاضي خان)): لا يؤدي عن أولاد ابنه المعسر إذا كان حياً، باتفاق الروايات. - وكذا إذا كان ميتاً، في ظاهر الرواية. - ولا يؤدي عن الجنين؛ لأنه لا تُعرف حياته. - ولا تلزم الرجل الفطرةُ عن أبيه وأمه وإن كانا في عياله؛ لأنه لا ولاية له عليهما، کأولاده الكبار. ٢٤٧ باب صدقة الفطر ولا يُخرِجُ عن مكاتَبه، ولا عن مماليكه للتجارة. والعبدُ بين الشريكين : لا فطرةَ علىُ واحدٍ منهما. وقيل: إذا كان الأب فقيراً مجنوناً: تجب على ابنه فطرته؛ لوجود الولاية، والمؤنة. * قوله: (ولا يُخرج عن مكاتبه)؛ لقصور الملك فيه، ولعدم الولاية علیه، لأنه خارجٌ عن يده وتصرُّفه. بخلاف المدبّر وأم الولد: فإن ملکه کاملٌ فیهما، بدلیل حِلُّ الوطء في المدبرة وأم الولد، ولا كذلك المكاتبة، فإنه لا يحل له وطؤها. - ولا يُخرج المكاتب أيضاً عن نفسه؛ لفقره. وقال مالك(١): يؤدي المكاتب عن نفسه ورقيقه. * قوله: (ولا عن مماليكه للتجارة)؛ لأنه يؤدي إلى الثَّنَى؛ لأن زكاة التجارة واجبة فيهم، فإذا قلنا بوجوب الفطرة فيهم: كان فيه تثنيةُ الصدقة على المولى في سنةٍ واحدة، بسبب مالٍ واحد، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا ثِنَى في الصدقة))(٢). أي لا تؤخذ في السنة مرتين. * قوله: (والعبدُ بين شريكين: لا فطرة على واحدٍ منهما). (١) الشرح الكبير ٥٠٧/١. (٢) نصب الراية ٤٤٥/٣، معزياً لابن أبي شيبة ٦١/٧ (١٠٨٣٧)، مرسلاً بإسناد حسن، الأموال، لأبي عبيد القاسم بن سلام (٩٨١). ٢٤٨ باب صدقة الفطر ويؤدِّي المولىُ المسلمُ الفطرةَ عن عبده الكافر . لقصور الولاية والمؤنة في حق كل واحد منهما، بدليل أنه لا يملك تزويجَه؛ ولأن كل واحد منهما لا يملك رقبةً كاملةً. - ولو كان جماعةُ عبيدٍ أو إماءٍ بينهما: فلا شيء عليهما عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: على كل واحد منهما ما يخصُّه من الرؤوس، دون الأشقاص. كما إذا كان بينهما خمسةُ أعبد: يجب على كل واحد منهما صدقة الفطر عن عبدين، ولا يجب عليهما في الخامس شيء. - ولو كان بينهما جاريةٌ، فجاءت بولدٍ، فادَّعياه معاً: كان ولدَهما، والجاریةُ أُّ ولدٍ لهما. - ولا تجب عليهما فطرة الجارية، إجماعاً. وتجب عند أبي يوسف في الولد على كل واحد منهما فطرةٌ كاملة؛ لأن السبب لا يتبعَّض، فهو ابنٌ لكلّ واحدٍ منهما على الكمال، ولهذا یرث من کل واحدٍ منهما على الكمال. وقال محمد: عليهما جميعاً فطرةٌ واحدة بينهما؛ لأنها مؤنة، كالنفقة. - فإن مات أحدُهما، أو أعسر: فهي على الآخر بتمامها. * قوله: (ويؤدي المولىُ المسلمُ الفطرةَ عن عبده الكافر)؛ لأن السبب قد تحقَّق، وهو رأسٌ يمونُه، ويلي عليه، والمولى من أهلها. ٢٤٩ باب صدقة الفطر والفطرةُ: نصفُ صاعٍ من بُرٍّ، أو صاعٌ من تمرٍ، أو زبيبٍ، أو شعيرٍ. - ولو كان على العكس: فلا وجوب، أي إذا كان العبدُ مسلماً، والمولى كافراً؛ لأن المولى ليس من أهلها. * قوله: (والفطرةُ: نصفُ صاعٍ من بُرٍّ، أو صاعٌ من تمرٍ، أو زبيبٍ، أو شعير). وقال الشافعي(١): لا يجزئ من البُرِّ إلا صاعٌ كامل. - ودقيق الحنطة وسَوِيقها: مثلُها في الجواز، يجزئ منها نصف صاع. - وكذا دقيق الشعير وسويقه: مثله، لا يجزئ منه إلا صاعٌ كامل. - وأما الزبيب: فعند أبي حنيفة: يجزئ منه نصف صاع؛ لأن البُرَّ والزبيبَ متقاربان في المعنى؛ لأنه يؤكل كل واحد منهما بجميع أجزائه، بخلاف الشعير والتمر، فإنه يُلقى منهما النوى والنخالة، وبهذا ظهر التفاوت. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز في الزبيب إلا صاعٌ كاملٌ، كالشعير، وهي رواية الحسن أيضاً عن أبي حنيفة. - ويعتبر نصف صاع من بُرِّ وزناً، روى ذلك أبو يوسف عن أبي حنيفة، وعن محمد: کیلاً. - ثم الدقيق أَوْلى من البُرِّ، والدراهمُ أَوْلى من الدقيق؛ لدفع الحاجة. وعن أبي بكر الأعمش تفضيل الحنطة؛ لأنه أبعد من خلاف الشافعي، (١) مغنى المحتاج ١ /٤٠٥. ٢٥٠ باب صدقة الفطر فإن عنده لا يجوز الدقيق ولا السويق ولا الدراهم. وعندنا: يجوز أن يعطيَ عن جميع ذلك القيمة، دراهم وفلوساً وعروضاً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم))(١). ولأنه إذا أخرج الدقيق: فقد أسقط عنهم المؤنة، وعجّل لهم المنفعة. - وما سوى ما ذكرناه من الحبوب: لا يجوز إلا بالقيمة. - فإن قلت: فما الأفضل: إخراج القيمة، أو عين المنصوص؟ قلت: ذكر في ((الفتاوى)) أن أداء القيمة أفضل، وعليه الفتوى؛ لأنه أدفع لحاجة الفقير. وقيل: المنصوص أفضل؛ لأنه أبعد من الخلاف. - وأما الخبز: فتُعتبر فيه القيمة، وهو الصحيح. كذا في ((الهداية))(٢). احترز: بالصحيح: عن قول بعض المتأخرين: أنه إذا أدى مَنَوَيْن من خبز الحنطة: يجوز؛ لأنه لما جاز من الدقيق والسويق باعتبار العين، فمن الخبز أجوز؛ لأنه أنفع للفقراء. (١) أخرجه محمد بن الحسن في الأصل ١٧٤/٢، ابن سعد في الطبقات ١٩١/١، سنن الدارقطني ١٥٢/٢، وإسناده ضعيف، كما قال النووي في المجموع ١٢٦/٦، وينظر البدر المنير ٣٢٩/١٤، التعريف والإخبار ٣٤٢/١. (٢) ١١٧/١. ٢٥١ باب صدقة الفطر والصاعُ عند أبي حنيفة ومحمد : ثمانيةُ أرطالٍ بالعراقي. وقال أبو يوسف : خمسةُ أرطالٍ وثلثُ رِطْلٍ . ووجوبُ الفطرة يتعلَّقُ بطلوع الفجر الثاني من يوم الفطر، وحاصله: أن فيما هو منصوصٌ عليه: لا تعتبر القيمة، حتى لو أدى نصف صاع من تمر تبلغ قيمته نصف صاع من بُرُّ، أو أكثر: لا يجوز؛ لأن في اعتبار القيمة هنا إبطال التقدير المنصوص عليه في الخبر. : قوله: (والصاع عند أبي حنيفة ومحمد: ثمانيةُ أرطال بالعراقي، وقال أبو يوسف: خمسةُ أرطال وثلث) بالعراقي أيضاً. قال الصيرفي: الصاع: أربعة أزبد بزبدي زَبِيد السنقري، على قول مَن قال ثمانية أرطال. وعلى قول من قال خمسة أرطال وثلث: زبديان ونصف بالسنقري. * قوله: (ووجوب الفطرة يتعلق بطلوع الفجر الثاني من يوم الفطر). وقال الشافعي(١): بغروب الشمس في اليوم الأخير من رمضان، حتى إن مَن أسلم، أو وُلد ليلة الفطر: تجب فطرته عندنا، وعنده: لا تجب. - وعلى عكسه: مَن مات فيها من مماليكه، أو ولده: تجب فطرته عنده؛ لأنه مات بعد الوجوب، وعندنا: لا تجب؛ لعدم تحقق شرط وجوب الأداء، وهو طلوع الفجر من يوم الفطر. (١) مغني المحتاج ٤٠١/١. ٢٥٢ باب صدقة الفطر فمَن مات قبل ذلك : لم تجب فطرتُه. ومَن أسلم، أو وُلد بعد طلوع الفجر : لم تجب فطرتُه. - ثم صدقة الفطر يدخل وقت وجوبها بطلوع الفجر، ويخرج وقت الوجوب بطلوعه أيضاً، ولا يفوت أداؤها بعد ذلك، بل في أيِّ وقتٍ أدَّاها: تكون أداءً، لا قضاءً، فبان لك أنها تدخل، ثم تخرج على الفور من غیر استقرار. * قوله: (فمَن مات قبل ذلك: لم تجب فطرتُه)؛ لأن وقت الوجوب وُجد وليس هو من أهل الصدقة، فلم تلزمه. - وإن مات بعد طلوع الفجر: فهي واجبةٌ عليه؛ لأنه أدرك وقت الوجوب وهو من أهله. * قوله: (ومَن أسلم، أو وُلد بعد طلوع الفجر: لم تجب فطرته)، على ما ذكرنا. ـ ومَن كان كافراً فأسلم قبل طلوع الفجر، أو كان فقيراً فاستغنى حينئذ، وطلع الفجر وهو مسلمٌ غنيٌّ: تجب فطرته. - ولو قال لعبده: إذا جاء يوم الفطر فأنتَ حرٌّ، فجاء يوم الفطر: عَتَقَ، وتجب على المولى فطرتُه قبل العتق بلا فصل. - وإذا مات مَن عليه زكاةٌ، أو فطرةٌ، أو كفارةٌ، أو نذرٌ، أو حجٌّ، أو صيامٌ، أو صلواتٌ، ولم يوصٍ بذلك: لم تؤخذ من تركته عندنا، إلا أن يتبرع ورثتُه بذلك، وهم من أهل التبرع، فإن امتنعوا: لم يُجبروا عليه. ٢٥٣ باب صدقة الفطر ويُستحب للناس أن يُخرِجوا الفطرةَ يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلَّى. فإن قدَّموها قبل يوم الفطر : جاز. - وإن أوصى بذلك: يجوز، وينفذ من ثلث ماله. - وإن مات قبل أداء العُشر من غير وصية: فإنه يؤخذ العُشر. * قوله: (والمستحبُّ للناس أن يُخرِجوا الفطرةَ بعد طلوع الفجر يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم))(١). والأمر بالإغناء: كي لا يتشاغل الفقيرُ بالمسألة عن الصلاة، وذلك بالتقديم قبل الخروج إلى المصلى، و((كان عليه الصلاة والسلام يُخرجها قبل أن يخرج إلى المصلىُ))(٢). قوله: (فإن قدَّموها قبل يوم الفطر: جاز)؛ لأنه أدَّى بعد تقرّر السبب، فأشبه التعجيلَ في الزكاة. - قال في ((الفتاوى)): يجوز تعجيلها قبل يوم الفطر بيومٍ، أو يومين. - وقال خلف بن أيوب: يجوز إذا دخل شهر رمضان، ولا يجوز قبله. (١) تقدم قريباً ص ٢٥٠. (٢) قال في نصب الراية ٤٣١/٢: أخرجه الحاكم في كتابه: علوم الحديث. اهـ مختصراً، سنن البيهقي ١٧٥/٤، وفي السند مَن تُكلم فيه. ٢٥٤ باب صدقة الفطر وإن أخَّروها عن يوم الفطر: لم تسقط، وكان عليهم إخراجُها. - وقال نوح بن أبي مريم: يجوز في النصف الأخير من رمضان، ولا يجوز قبله. والصحيح: أنه يجوز إذا دخل شهر رمضان، وهو اختيار محمد بن الفضل، وعليه الفتوى(١). : قوله: (وإن أخَّروها عن يوم الفطر: لم تسقط، وكان عليهم إخراجُها)؛ لأن وجه القُربة فيها معقولٌ، وهو أن التصدق بالمال قُربةٌ في كل وقت، فلا يتقدَّر وقت الأداء فيها. بخلاف الأضحية: فإن القُربة فيها، وهو إراقة الدم: غير معقولة، فلا تکون قُربة إلا في وقت مخصوص. - فالفطرة لا تسقط بالتأخير وإن طالت المدة وتباعدت. ــ وكذا بالافتقار، إذا افتقر بعد يوم الفطر؛ لأن وجوبها لم يتعلق بالمال، وإنما يتعلق بالذمة، والمالُ شرطٌ في الوجوب، فهلاكه بعد الوجوب: لا يُسقطها، كالحج. بخلاف الزكاة: فإنها تسقط بهلاك المال؛ لأنها متعلقةٌ بالمال. (١) نقل في اللباب للميداني ٣٧٢/٢ أنه يجوز قبل رمضان، بل يجوز التعجيل لسنين، وأنه ظاهر الرواية، كما عامة المتون والشروح، وأنه صحَّحه غيرُ واحد، وأكَّد هذا قبل الميداني شيخه ابن عابدين ١٦٧/٦. ٢٥٥ باب صدقة الفطر ولا نقول: إن الأضحية تسقط بمضيِّ أيام النحر، ولكن ينتقل الوجوب إلى التصدق بالقيمة؛ لأن الإراقة لا تكون قُربة إلا في وقت مخصوص، وأما التصدق بالمال: فقُربةٌ في كل وقت. ـ ومَن سقط عنه صوم رمضان؛ لكِبَرٍ، أو مرض: فصدقة الفطر لازمةٌ له، لا تسقط عنه؛ لأنها تجب على الصغار وعنهم مع عدم الصوم منهم، فكذا لا تسقط بعدم الصوم عن البالغ، والله أعلم. ٢٥٦ كتاب الصوم کتاب الصوم کتاب الصوم إنما أخَّرِه مع أنه عبادةٌ بدنيةٌ، كالصلاة، وقدَّم الزكاةَ عليه؛ اقتداءً بالقرآن، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾. البقرة/ ٤٣. وكذا في الحديث: ((بُني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسولُ الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصومٍ رمضان، وحجِّ البيت من استطاع إليه سبيلاً)(١). - والصومُ في اللغة هو: الإمساكُ عن أيِّ شيء كان، في أيِّ وقتٍ كان. قال الله تعالى: ﴿فَقُولِ إِنِّىِ نَذَرْتُ لِلَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. مريم /٢٦، أي: إمساكاً عن الكلام. - وفي الشرع: عبارة عن إمساكِ مخصوص، وهو الكفُّ عن قضاء الشهوتين: شهوةِ البطن، وشهوةِ الفرج. من شخصٍ مخصوصٍ، وهو: أن يكون طاهراً من الحيض والنفاس. في وقت مخصوصٍ، وهو: ما بعد طلوع الفجر إلى الغروب. بصفة مخصوصة، وهي: أن تكون على قصد التقرب. (١) تقدم ص١٥١. ٢٥٧ كتاب الصوم الصومُ ضربان : واجبٌ، ونفلٌ. فالواجب ضربان : منه ما يتعلّقُ بزمانٍ بعَيْنه، كصوم رمضان، والنذرِ المعيَّن، فيجوز صومُهُ بنَيَّةٍ من الليل. فإن لم ينوٍ حتى أصبح : أجزأتْه النيةُ ما بينه وبين الزوال. - ثم للصوم ثلاث درجات: صومُ العموم، وصومُ الخصوص، وصومُ خصوصِ الخصوص. - فصوم العموم: كفُّ البطن والفرج عن قضاء الشهوتين. - وصوم الخصوص: كفُّ السمع والبصر واللسان واليد والرِّجل، وسائر الجوارح عن الآثام. - وصوم خصوصِ الخصوص: صومُ القلب عن الهموم الدَّيَّة، والأفكارِ الدنيوية، وكفّه عما سوى الله تعالى بالكلية. * قال رحمه الله تعالى: (الصوم ضربان: واجبٌ، ونفلٌ). وفي ((شرحه)): الصوم ثلاثة أضرُب: - صومٌ مستحِقُّ العين: كصوم رمضان، والنذر المعيَّن. - وصومٌ في الذمة: كالنذور المطلقة، والكفارات، وقضاء رمضان. - وصومٌ هو نفلٌ. * قوله: (فالواجب منه: ضربان: منه ما يتعلق بزمانٍ بعينه، كصوم رمضان، والنذر المعين، فيجوز صومُهُ بنيةٍ من الليل، وإن لم ينو حتى أصبح: أجزأته النية فيما بينه وبين الزوال). ٢٥٨ كتاب الصوم وفي ((الجامع الصغير))(١): قبل نصف النهار، وهو الأصح؛ لأنه لا بدَّ من وجود النية في أکثر النهار. ونصفُه: من وقت طلوع الفجر إلى وقت الضحوة الكبرى، لا وقت الزوال. وقال الشافعي(٢): لا يجوز إلا بنيةٍ من الليل. - ثم النية وقتها من طلوع الفجر، ويجوز تقديمها من الليل؛ للضرورة؛ لأن وقت الطلوع وقت نومٍ وغفلة، وقد لا يستبين له الفجر، ومن الناس مَن لا يعرف الفجر، فلهذا جاز التقديم. - وكما جاز التقديم: جاز التأخير أيضاً فيما كان عيناً من الصيام، دون ما كان ديناً. - والمستحب أن ينويَ من الليل؛ خروجاً عن الخلاف. ۔ ولو نوى من الليل، ثم أصبح مغمىَ عليه، ثم أفاق بعد أيام: جاز صومه لليوم الأول الذي نواه في ليلته، ولم يجز فيما بعد ذلك. - ولو نوى قبل غروب الشمس صومَ الغد: لم يجز. - وإذا نوى من النهار: ينوي أنه صائمٌ من أوله، حتى إنه لو نوى أنه (١) ص٨٨. (٢) مغني المحتاج ٤٣٣/١. ٢٥٩ كتاب الصوم صائمٌ من حين نوى، لا من أول النهار: لا يصير صائماً. - ثم النية هي: معرفتُه بقلبه أيَّ صومٍ يصوم. - والسُّنَّةُ أن يتلفظ بها بلسانه، فيقول إذا نوى من الليل: نويتُ أن أصوم غداً لله تعالى من فرض رمضان. وإن نوى من النهار يقول: نويتُ أن أصوم هذا اليوم لله تعالى من فرض رمضان. ولو قال: نويتُ أن أصوم غداً إن شاء الله تعالى، أو نويتُ أن أصوم اليوم إن شاء الله تعالى: ففي القياس: لا يصير صائماً؛ لأن الاستثناء يُبطل الكلام، كما في البيع والطلاق والعتاق ونحو ذلك. وفي الاستحسان: يصير صائماً؛ لأن استثناءه هذا ليس على حقيقة الاستثناء، وإنما هو على الاستعانة وطلب التوفيق من الله، فلا يصير مبطلاً للنية، بخلاف الطلاق ونحوه. والفرق: أن الاستثناء عمل اللسان، فيبطل ما يتعلق باللسان من الأحكام، كالطلاق والعتاق ونحوهما، وأما النية: فعمل القلب، لا تعلق لها باللسان، فلا تبطل بالاستثناء الذي هو عمل اللسان. كذا في ((الذخيرة». - ولو نوى الفطرَ: لم يكن مفطراً حتى يأكل أو يشرب. - وكذا إذا نوى التكلم في الصلاة، ولم يتكلم: لم تفسد صلاتُه. ٢٦٠ کتاب الصوم والضربُ الثاني: ما يثبت في الذمة، كقضاء رمضان، والنذرٍ المطلَق، والكفارات، فلا يجوز صومُهُ إلا بنيّةٍ من الليل. وعند الشافعي(١): يبطل صومه وصلاته. كذا في ((الفتاوى)). ۔ ولو نوی لیلاً، ثم أکل: لم تفسد نیته. - ولو نوت المرأة في الحيض ليلاً، ثم طهرت قبل الفجر: صحَّ صومها. - ثم إنما تجوز النية قبل الزوال إذا لم يوجد منه بعد الفجر ما يضاد الصوم، وأما إذا وُجد، كالأكل والشرب أو الجماع ناسياً: لم تجز النية بعد ذلك. - والسحور في شهر رمضان: نيةً. ذكره نجم الدين النسفي. - وكذا إذا تسخَّر لصومٍ آخر: كان نیةً له. - وإن تسحر على أنه لا يصبح صائماً: لا يكون نية. ۔ ویحتاج إلى تجدید النیة لکل یوم عندنا. وقال مالك(٢): تكفيه نيةٌ واحدةٌ لجميع الشهر. - ثم صوم رمضان يتأدى بمطلَق النية، وبنية النفل، وبنية واجبٍ آخر. * قوله: (والضرب الثاني: ما يثبت في الذمة، كقضاء رمضان، والنذر المطلق، والكفارات: فلا يجوز صومه إلا بنيةٍ من الليل): يعني من بعد غروب الشمس. (١) المجموع ٢٨٥/٣. (٢) جواهر الإكليل ١٤٨/١.