Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
باب صلاة الجمعة
باب صلاة الجمعة
لا تصح الجمعةُ إلا في مِصْرٍ جامعٍ،
باب صلاة الجمعة
مناسبتُها للسفر: من حيث إن كلَّ واحدٍ منهما مُنصِّفٌ للصلاة
بواسطة، فالأول: بواسطة السفر، وهذا: بواسطة الخُطبة، إلا أن الأول
شامل في كلَّ ذوات الأربع، وهذا في الظهر خاصةً، والخاصُّ بعد العام.
- والجمعة: مشتقةٌ من الاجتماع.
- وهي فريضةٌ محكمةٌ، لا يَسع تركُها، ويُكفَر جاحدُها.
* قال رحمه الله: (لا تصح الجمعةُ إلا في مصرٍ جامع).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا جمعة، ولا تشريقَ، ولا فطرَ إلا في
مصرٍ جامع))(١).
(١) قال في نصب الراية ١٩٥/٢: غريب مرفوعاً. اهـ لكن العلامة قاسم في
التعريف والإخبار ٣٢٣/١ قال: أخرجه مرفوعاً محمد بن الحسن في ((الأصل))، في
باب من تجب عليه الأضحية. اهـ، وهو في ((الأصل)) ٤١٣/٥، قال: للأثر الذي بلغنا
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. اهـ، وهو أيضاً في الآثار لأبي يوسف ص٦٠
(٢٩٧)، أن أبا حنيفة بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ، وروي موقوفاً من قول
علي رضي الله عنه، ينظر مصنف عبد الرزاق (١٥٧٥)، ابن أبي شيبة (٥٠٩٨).

٢٢
باب صلاة الجمعة
أو في مصلَّى المِصر.
قوله: (أو في مصلّى المصر)؛ لأن له حكمَ المصر.
- وليس الحكم مقصوراً على المصلى، بل تجوز في جميع أفنية
المصر، وقدَّروه بمنتهىُ حدِّ الصوت، والأذان.
* ثم شرائط لزوم الجمعة اثنا عشر:
سبعةٌ في نفس المصلي، وهي: الحرية، والذكورة، والبلوغ،
والإقامة، والصحة، وسلامة الرِّجلين، وسلامة العينين.
وخمسةٌ في غير المصلي: المصر، والسلطان، والجماعة، والخطبة،
والوقت.
- واختلفوا في صفة المصر:
ءِ
قال بعضهم: هو كلّ بلدٍ فيها أسواقٌ، ووالِ يُنصِف المظلومَ من
الظالم، وعالم يُرجَع إليه في الحوادث.
وقال بعضهم: هو أن يوجد فيه حوائجُ الدِّین، وعامةُ حوائج الدنيا،
فحوائج الدين: القاضي والمفتي، وحوائج الدنيا: أن يعيش فيها كل صانع
بصناعته من السَّنَة إلىُ السَّنَة.
وفي ((الهداية)) (١): هو كلّ موضع له أميرٌ وقاضٍ ينفَّذ الأحكامَ، ويُقيم
الحدود.
وضعَّفه ابن الملقن في البدر المنير ٣٧٧/١١، والنووي في المجموع ٤٨٨/٤.
(١) ١ / ٨٢.

٢٣
باب صلاة الجمعة
وعن أبي يوسف: إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم: لم يسعهم.
- ومَن كان خارج المصر: لا يجب عليه دخولُ المصر للجمعة؛
لانفصاله عن المصر، ألا ترى أنه لو خرج مسافراً، وبلغ ذلك المكانَ:
قَصَرَ؛ لانقطاع حكم المصر.
وقال الشافعي(١): يجب عليه إذا سمع النداء.
- والقَروي إذا دخل المصرَ يوم الجمعة: إن نوى أن يمكث يومَه
ذلك: لزمته الجمعة، وإن نوى أن يخرج قبل دخول الوقت أو بعده: فلا
جمعةً علیه. كذا في ((الوجيز)).
- ولا بأس أن يُجمِّع الناسُ في المصر في موضعين، ولا يجوز في
أكثر من ذلك(٢).
وعن أبي يوسف: لا تجوز في موضعين، إلا أن يكون بين الجامعين
نھرٌ عظیم.
وإن لم يكن: فالجمعة لمَن سَبَقَ، وعلى الآخرين إعادة الظهر.
وإن صلَّوْا معاً، ولا يُدرى مَن سبق: لا تجوز صلاتهم جميعاً.
(١) مغني المحتاج ١/ ٢٧٧.
(٢) قال في الدر المختار ٢٨/٥ - ٢٩ (مع ابن عابدين ط دمشق): وتُودَّى في
مصر واحد بمواضع كثيرة مطلقاً، على المذهب، وعليه الفتوى. اهـ، ووافقه ابن
عابدین، ونقل ما يؤكّد ذلك.

٢٤
باب صلاة الجمعة
ولا تجوز في القُرَىُ.
ولا تجوز إقامتُها إلا للسلطان،
وعند محمد: تجوز في موضعين وثلاثة.
وعن أبي حنيفة: لا تجوز إلا في موضع واحد.
- ولا يكره الخروجُ إلى السفر يوم الجمعة قبل الزوال، وبعده(١).
وقال مالك(٢): يكره إذا زالت الشمس.
* قوله: (ولا تجوز في القرى).
- فإن قلتَ: قد عُرف هذا بقوله: لا تجوز إلا في مصرٍ جامع، فما
الحاجة إلى ما ذكره؟
قيل: هذا تأكيدٌ، وقد جاء التأكيد في القرآن: قال الله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُواْ
الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾. الرحمن /٩، ثم قال: ﴿وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ﴾، وقد عُلم هذا
بقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾.
* قوله: (ولا تجوز إقامتُها إلا للسلطان)؛ لأنها تُقام بجَمْعٍ عظيم،
وقد تقع المنازعة في التقدم، والتقديم، وغير ذلك، أي في التقدم بين
الإمامين، والتقديم بين الجماعة، وغير ذلك، أي في الموضع الذي يُصلى
(١) ينظر لأقوال أخرى في المذهب: حاشية ابن عابدين ٨٦/٥.
(٢) نصَّ الإمام خليل في المختصر ص٩٨ (مع جواهر الإكليل) على حرمة سفر
مَن تلزمه الجمعة بالزوال.

٢٥
باب صلاة الجمعة
أو لمَن أَمَره السلطان.
ومِن شرائطها : الوقتُ، فتصحُّ في وقت الظهر، ولا تصحُّ بعده.
ومن شرائطها : الخُطبةُ قبل الصلاة.
فيه، والأداءِ في أول الوقت وآخره، وفي نَصْب الخطيب.
ولأنه قد يَسبقُ بعضُ الناس إلى الجامع، فيُقيمونها لغرضٍ لهم،
وتفوتُ على غيرهم، فجعل أمرُها إلى السلطان؛ لأنه أقربُ إلى تسكين
الفتنة، والتسوية بینھم.
* قوله: (أو لمَن أَمَرَه السلطان): يعني الأمير، أو القاضي.
* قوله: (ومِن شرائطها: الوقت، فتصح في وقت الظهر، ولا تصح
بعده)، حتى لو خرج الوقتُ وهو فيها: استقبل الظهرَ، ولا يبني الظهرَ
على الجمعة؛ لأنهما مختلفان.
وعند مالك(١): يبني.
لنا: أنهما صلاتان يُجهَر في إحداهما بالقراءة، ولا يُجهر في الأخرى:
فلا يجوز بناء إحداهما على الأخرى، كالفجر والظهر.
* قوله: (ومِن شرائطها: الخطبةُ قبل الصلاة).
- ثم للخطبة شرطان: أحدهما: أن تكون بعد الزوال.
والثاني: بحضرة الرجال.
(١) الشرح الكبير ١/ ٣٧٢.

٢٦
باب صلاة الجمعة
يَخْطُب الإمامُ خُطبتين يَفْصِلُ بينهما بقَعدةٍ .
- ولو خطب بعد الصلاة، أو قبل الزوال: لا تجوز الجمعة.
* قوله: (يخطب الإمامُ خطبتين يَفصِل بينهما بقَعدة).
- ومقدارهما: مقدارُ سورةٍ من طِوال المفصَّل.
- ومقدار ما يقرأ فيها(١) من القرآن: ثلاث آيات قصار، أو آيةٌ طويلة.
- وقراءة القرآن في الخطبة: سُنَّةٌ عندنا.
وقال الشافعي(٢): واجبةٌ.
- ومقدار الجلوس بينهما عند الطحاوي: مقدار ما يَمَسُّ موضعَ
جلوسه من المنبر.
وفي ظاهر الرواية: مقدار ثلاث آيات. كذا في ((الفتاوى)).
- قال في ((النهاية)): وهذه القعدة عندنا للاستراحة، وليست بشرط.
وعند الشافعي(٣): شرطٌ.
- حتى لا يُكتفى عنده بالخطبة الواحدة وإن طالت.
- قال الخُجَندي: السُّنَّة في الخُطبة: أن يحمد الله، ويُثني عليه،
ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويعظَ الناسَ، ويقرأ القرآنَ،
(١) لعله أراد المقدار المسنون مما يقرأه من القرآن في الخطبة، والله أعلم.
(٢) مغني المحتاج ٢٨٦/١.
(٣) مغني المحتاج ٢٨٧/١.

٢٧
باب صلاة الجمعة
ويخطُب قائماً على طهارة.
فإن اقتصر على ذكر الله تعالى: جاز عند أبي حنيفة، وقالا: لا بدَّ من
ذِكْرٍ طويلٍ يُسمىُ خُطبةً.
وإن خطب قاعداً، أو على غير طهارةٍ : جاز، ويكره.
ويدعوَ للمؤمنين والمؤمنات، ويكونَ الجهرُ في الخطبة الثانية دون الأُولىُ.
* قوله: (ويَخطبُ قائماً على طهارة)؛ لأن القيام فيها متوارَثٌ.
وروي أن ابن مسعود(١) رضي الله عنه سئل عن ذلك، فقال للسائل:
ألستَ تتلو قولَه تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. الجمعة/ ١١.
* قوله: (فإن اقتصر على ذِكْر الله تعالى: جاز عند أبي حنيفة)؛ لقوله
تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. الجمعة/ ٩، ولم يَفصِل.
- وهذا إذا كان على قصد الخطبة، أما إذا عطس، فحمد الله، أو
سبَّح، أو هلَّل متعجباً من شيء: فإنه لا ينوب عن الخطبة، إجماعاً.
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: لا بدَّ من ذِكرٍ طويلٍ يسمى
خطبة)، وأدناه: من قوله: التحيات لله إلى ... قوله: عبده ورسوله؛ لأن
الخطبة هي الواجبة، والتسبيحُ: لا يسمى خطبة.
* قوله: (وإن خطب قاعداً، أو على غير طهارة: جاز)؛ لحصول المقصود،
وهو الذِّكر والوعظ، (إلا) أنه (يكره)؛ لما فيه من الفصل بينهما وبين الصلاة.
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٥٢٣٣).

٢٨
باب صلاة الجمعة
ومن شرائطها : الجماعةُ،
وعند أبي يوسف: لا تجوز الخطبة بدون الطهارة؛ لأنها بمنزلة
الصلاة، حتى لا تجوزُ قبل الوقت.
قلنا: ليست كالصلاة؛ لأنها تُؤدى مستدبرَ القبلة، ولا يُفسدها الكلامُ.
- وكذا لو خطب مضطجعاً: أجزأه؛ لحصول المقصود.
- ولو خطب صبيٌّ يعقل؟
قال بعضهم: لا يجوز؛ لأن لها شبهاً بالصلاة.
وقال بعضهم: يجوز؛ لأنها ذِكرٌ، وليست بصلاة.
- ولو أن الخطيب لما فرغ من الخطبة سبقه الحدث، فذهب إلى بيته،
وتوضأ، وجاء فصلى بهم: جاز.
- ولو تغدَّى في بيته، وجاء: لم يجز أن يصليَ بهم ما لم يُعِد الخطبة.
- ولو سبقه الحدث بعد الشروع في الصلاة، فقدَّم رجلاً ممن شهد
الخطبة، أو لم يشهدها: جاز.
- ولو أن الخطيب سبقه الحدث قبل الشروع في الصلاة، فأمر رجلاً
يصلي بهم: إن كان المأمورُ شهد الخطبة: جاز، وإلا: فلا، بخلاف الأول.
والفرق: أن في الأول قد انعقدت الصلاة، فلا يُحتاج إلى الخطبة في
حال بقائها، وهنا: لم تنعقد، فصار كالإمام نفسه يصلي بغير خطبة.
* قوله: (ومِن شرائطها: الجماعةُ).

٢٩
باب صلاة الجمعة
وهي شرط الانعقاد المبتدأ عندهما.
وعند أبي حنيفة: شرط الانعقاد المؤكّد، وذلك بالركعة.
وعند زفر: شرط الدوام.
وفائدته: فيما إذا نفروا عنه بعد الشروع قبل التقييد بالسجدة:
فعندهما: يُتُمُّها جمعة، وعند أبي حنيفة: يستقبل الظهر.
ولو نفروا بعد السجود: أتمَّها جمعةً، خلافاً لزفر.
- ولو كَبَّر الإمام، وتغافل القوم، ولم يكبروا حتى فرغ من الثناء،
وأخذ في القراءة مقدار آية قصيرة، ثم كبروا: فسدت الجمعةُ للإمام والقوم
جميعاً.
أما لو كبّروا قبل أن يأخذ في القراءة: تجوز الجمعة.
وقال أبو يوسف: إن كبروا قبل أن يقرأ ثلاث آيات قصار، أو آية
طويلة: صحت الجمعة، وإلا: فلا.
وقال محمد: إن شرعوا قبل أن يرفع رأسه من الركوع: صحت
الجمعة، وإلا: فلا.
- ولو خطب، ونَفَرَ عنه الناس، ولم يبق معه إلا النساء أو الصبيان: لم
يُصلّ بهم الجمعة؛ لأنهم ليسوا من أهلها، أي لا يجوز أن يكونوا أئمةً
فیھا بحال.
- وإن بقي معه عبيدٌ، أو مسافرون، أو مرضى: صلى بهم الجمعة.

٣٠
باب صلاة الجمعة
وأقلُّهم عند أبي حنيفة : ثلاثةٌ سوى الإمام، وقالا: اثنان سوى الإمام.
ويجهر الإمامُ بالقراءة في الركعتين.
وليس فيهما قراءةُ سورةٍ بعَيْنها .
- ولو فرغ من الخطبة، فذهبوا كلهم، وجاء آخرون لم يشهدوا
الخطبة، فصلى بهم الجمعة: أجزأه.
* قوله: (وأقلهم عند أبي حنيفة ومحمد (١): ثلاثةٌ سوى الإمام).
والشرط فيهم: أن يكونوا صالحين للإمامة، أما إذا كانوا لا يصلحون
لها، كالنساء والصبيان: لا تصح الجمعة.
* قوله: (وقال أبو يوسف: اثنان سوى الإمام)؛ لأن للمَثْنى: حكمَ
الجماعة، حتى إن الإمام يتقدّم عليهما.
ولهما: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ
اُللَّهِ﴾. الجمعة/٩، فهذا يقتضي منادياً، وهو المؤذِّن، وذاكراً وهو الإمام،
وقوله: فاسعَوْا: خطابُ جَمْعٍ، وأقل الجمع: ثلاثة.
* قوله: (ويجهرُ الإمامُ بالقراءة في الركعتين)؛ لأن النبي عليه الصلاة
والسلام جَهَرَ فيهما(٢).
* قوله: (وليس فيهما قراءة سورةٍ بعينها).
و
(١) ذُكر محمدٌ مع أبي حنيفة في نسخ من القدوري، وفي نسخ مع أبي يوسف.
(٢) صحيح مسلم (٨٧٧).

٣١
باب صلاة الجمعة
ولا تجب الجمعةُ على مسافرٍ، ولا امرأةٍ، ولا مريضٍ، ولا عبدٍ، ...
وقال الشافعي(١): يستحب أن يقرأ في الأُولىُ سورةَ الجمعة، وفي
الثانية سورةَ المنافقين.
* قوله: (ولا تجب الجمعة على مسافرٍ)؛ لأنه تلحقه المشقة بأدائها؛
لأنه ينقطع بانتظار الإمام عن سفره، فسقطت عنه كالصوم.
قوله: (ولا امرأة)؛ لأنها منهيةٌ عن الخروج، ومشغولةٌ بخدمة
الزوج.
* قوله: (ولا مريضٍ)؛ لعجزه عن ذلك.
- وأما المُمَرِّض: فالأصح أنه إن بقي المريضُ ضائعاً بخروجه: لم
تجب عليه.
* قوله: (ولا عبد)؛ لأنه مشغولٌ بخدمة مولاه، فإن أَذِنَ له مولاه:
وجبت علیه.
وقال بعضهم: يخيّر.
- وهل تجب على المكاتب؟
قال بعضهم: نعم، وقال بعضهم: لا، والأصح الوجوب.
- وكذا معتَق البعض في حال سعايته: كالمكاتب.
وأما المأذون: فلا تجب عليه. كذا في ((الفتاوى)).
(١) مغني المحتاج ٢٩٠/١.

٣٢
باب صلاة الجمعة
ولا أعمىَّ.
فإن حضروا، وصلَّوْا مع الناس : أجزأهم عن فرض الوقت.
ويجوز للمسافر، والعبدِ، والمريضِ، ونحوِهم أن يؤمَّ في الجمعة.
* قوله: (ولا على أعمى) ولو وجد قائداً عند أبي حنيفة.
وعندهما: إذا وجد قائداً: وجبت عليه؛ لأنه قادرٌ على المشي، وإنما
لا يهتدي.
ولأبي حنيفة: أنه يشق عليه السعي، فأشبه الزَّمِن.
- وكذا الأجير: لا يذهب إلى الجمعة والجماعة إلا بإذن المستأجر.
وقال أبو علي الدقاق: ليس له منعُه، لكن يُسقط من الأجرة بقسطه.
- وكذا لا يجب على المختفي من الأمير الظالم.
- وتسقط أيضاً بعُذر المطر والوَحَل.
* قوله: (فإن حضروا وصلّوا مع الناس: أجزأهم عن فرض الوقت)؛
لأنهم تحمَّلوه، فصاروا كالمسافر إذا صام.
* قوله: (ويجوز للمسافر والعبد والمريض ونحوهم أن يؤمُّوا في
الجمعة).
وقال زفر: لا يجوز؛ لأنه لا فرضَ عليهم، فأشبهوا الصبيَّ والمرأةَ.
ولنا: أن الخطاب يتناولهم، إلا أنهم عُذِروا؛ دفعاً للحرج، فلو لم
يسقط عنهم فرضُ الوقت بأدائهم الجمعة: كان فيه فساد الوضع؛ لأن

٣٣
باب صلاة الجمعة
ومَن صلى الظهرَ في منزله يومَ الجمعة قبل صلاة الإمام، ولا عُذْرَ له :
گُرِه له ذلك، وجازت صلاتُه.
الإسقاط عنهم لدفع الحرج.
والقول بعدم الجواز: يؤدي إلى الحرج.
وأما الصبي: فلا يقع فعلُه فرضاً، فيكون فيه بناء الفرض على النفل،
فلذلك لا يجوز.
وأما المرأة: فلا تصلح لإمامة الرجال.
وإذا ثبت انعقاد الجمعة بائتمامهم: اعتُدَّ بهم في عدد المؤتمین،
كالحر المقیم.
وقال الشافعي(١): يجوز أن يكونوا أئمةً، ولا يُعتدُّ بهم في العدد.
* قوله: (ومَن صلى الظهرَ في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام،
ولا عُذر به: كُره له ذلك، وجازت صلاتُه).
وقال زفر: لا يجزيه الظهر، إلا بعد فراغ الإمام من الجمعة؛ لأن مِن
أصله: أن الجمعة هي الفريضة أصلاً، والظهرَ كالبدل، ولا يُصار إلى
البدل مع القدرة على الأصل.
ولنا: أن أصل الفرض هو الظهر في حق الكافة، وهذا هو الظاهر من
الدليل، قال عليه الصلاة والسلام: ((أول وقت الظهر حين تزول
الشمس))(٢).
(١) مغني المحتاج ٢٤٠/١.
(٢) سنن الترمذي (١٥١)، سنن أبي داود (٣٩٣)، وللحديث طرق وشواهد،

٣٤
باب صلاة الجمعة
ولم يَفصِل بين هذا اليوم وغيره، إلا أنه مأمورٌ بإسقاطه بأداء الجمعة.
ولأن مبنى التكليف على التمكُّن، وهو متمكِّنٌ من أداء الظهر بنفسه،
دون الجمعة؛ لتوقّفها على شرائط لا تتمُّ به وحده، وعلى التمكّن يدور
التكليف.
ولأنه إذا فات الوقت: قضىُ الظهرَ، دون الجمعة.
فإذا ثبت عندنا أن أصل الفرض هو الظهر، وقد أداه في وقته: أجزأه.
وحاصله أن فرض الوقت عند أبي حنيفة وأبي يوسف: الظهر، وقد
أُمر بإسقاطه بالجمعة.
وقال محمد: لا أدري ما أصل فرض الوقت في هذا اليوم؟ ولكن
يسقط عنه الفرض بأداء الظهر، أو الجمعة.
يعني أن أصل الفرض: أحدُهما، لا بعينه، ويتعين بفعله.
- وفائدته إذا أحرم للجمعة بنية فرض الوقت: لا يجوز عندنا؛ لأن
فرض الوقت هو الظهر، ولا تتأدى الجمعة بنية الظهر، وعند زفر: يجوز؛
لأن فرض الوقت: الجمعة عنده، وقد نواها.
- وقوله: قبل صلاة الإمام: قيَّد بذلك؛ احترازاً عن قول زفر، فإن
عنده: لا يجزئه الظهر إلا بعد فراغ الإمام من صلاة الجمعة. كذا في
((النهاية)).
ينظر التعريف والإخبار ١٠٠/١.

٣٥
باب صلاة الجمعة
فإنْ بدا له أن يَحضُرَ الجمعةَ، فتوجَّه إليها : بطلت صلاةُ الظهر عند
أبي حنيفة بالسعي، .
- وقوله: ولا عُذر به: فلو كان به عُذرٌ من الأعذار التي ذكرناها،
فصلى الظهر، ثم شهد الجمعة: كانت الجمعة فرضَه عندنا، وانقلب ظهره
نفلاً؛ لأنه إذا شهدها: فهو والصحيح سواء.
وقال زفر: فرضُه: الظهر، ولم ينفسخ؛ لأن الجمعة غيرُ واجبة عليه،
فوقعت الظهر موقعَ الفرض من غير إعادة.
وفائدته: إذا صلىُ المعذورُ، أو العبدُ الظهرَ في منزله، ثم دخل في
الجمعة مع الإمام، فقَبْل أن يُتُم الإمامُ الجمعة: خرج وقت الظهر:
فعندنا: تلزمه إعادة الظهر؛ لأن ظهرَه الأول انقلبت نفلاً.
وعند زفر: لا تلزمه الإعادة؛ لأن هذا اليوم في حقه: كسائر الأيام،
وفي سائرها لو صلى الظهر في بيته، ثم صلاها مع الجماعة: كان فرضه ما
أداه في بيته، كذا هذا.
لكنا نقول: الجمعة أقوى من الظهر؛ لأنه يُشترط لها ما لا يشترط
للظهر، ولا يَظهر الضعيفُ في مقابلة القوي.
قوله: (فإن بدا له أن يَحضر الجمعةَ، فتوجَّه إليها: بطلت صلاةٌ
الظهر عند أبي حنيفة بالسعي).
فإن صلى الجمعةَ: أجزأته، وإن لم يصلُّها: أعاد الظهر.

٣٦
باب صلاة الجمعة
وقالا : لا تبطل صلاةُ الظهر حتى يدخل مع الإمام.
- والعبدُ والمريض والمسافر وغيرهم سواء في الانتقاض بالسعي. كذا
في ((المصفى)).
- وهذا إذا سعى إليها والإمامُ في الصلاة، أو قبل أن يصلي، أما إذا
سعى إليها وقد صلاها الإمامُ: لا يبطل ظهرُه.
- وفي ((النهاية)): إذا سعى قبل أن يصليَها الإمام إلا أنه لا يرجو
إدراكَها لُبُعد المسافة: لم يبطل ظهرُه عند العراقيين، ويبطل عند البلخيين،
وهو الصحيح.
- ولو توجه إليها قبل أن يصليَها الإمامُ، ثم إن الإمام لم يصلُّها، لعذر
أو لغير عذر: اختلفوا في بطلان ظهره، والصحيح أنه لا يبطل. كذا في
((النهاية)).
- ولو كان خروجه وفراغُ الإمام معاً: لم يبطل ظهرُه.
- ولو كان قد صلى بجماعة، وتوجَّه إليها: بطلت الظهر في حقه، ولم
تبطل في حقهم.
* قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: لا تبطل حتى يدخل مع الإمام).
فيه إشارةٌ إلى أن الإتمام ليس بشرط لارتفاض الظهر عندهما.
وذكر شيخ الإسلام أن على قولهما: لا يرتفض ظهرُه ما لم يؤد
الجمعة كلها.

٣٧
باب صلاة الجمعة
ويكره أن يصلّيَ المعذورون الظهرَ بجماعةٍ يوم الجمعة في المِصر.
وكذلك أهلُ السجن.
وهذا خلاف ما في ((القدوري)) و((الهداية))(١)، حيث قالا: لا يبطل
حتى يدخل مع الإمام، ولم يقولا: حتى يكملها مع الإمام.
قال في (الفتاوى)): الرُّسْتاقيُّ(٢) إذا سعى يوم الجمعة إلى المصر يريد
إقامةَ الجمعة وإقامةَ حوائجه، ومعظمُ مقصوده إقامةُ الجمعة: ینال ثواب
السعي إليها، وإن كان معظم قصده إقامةَ حوائجه: لا ينال ثواب السعي
إلى الجمعة.
* قوله: (ويكره أن يصلي المعذورون الظهرَ في جماعةٍ يوم الجمعة
في المصر)؛ لما فيه من الإخلال بالجمعة؛ لأنه قد يقتدي بهم غيرُهم.
؛ قوله: (وكذا أهلُ السجن).
- قال التمرتاشيُّ: مريضٌ صلى الظهر في منزله يوم الجمعة بأذان
وإقامة: قال محمد: هو حَسَنٌ.
- وكذا جماعةُ المرضى، بخلاف أهل السجن: فإنه لا يباح لهم ذلك؛
لأن المرضى عاجزون، بخلاف المسجونين؛ لأنهم إذا كانوا ظَلَمةً: قدروا
على إرضاء الخصوم، وإن كانوا مظلومين: أمكنهم الاستغاثة، وكان
علیهم حضور الجمعة.
(١) ١/ ٨٤.
(٢) أي القَروي.

٣٨
باب صلاة الجمعة
ومَن أدرك الإمامَ يومَ الجمعة : صلى معه ما أدرك، وبنى عليها
الجمعة .
وإن أدركه في التشهد، أو في سجود السهو : بنى عليها الجمعةَ عند
أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمد : إن أدرك معه أكثرَ الركعة الثانية : بنى عليها الجمعةَ،
وإن أدرك أقلَّها : بنى عليها الظهرَ.
* قوله: (ومَن أدرك الإمامَ يوم الجمعة: صلى معه ما أدرك، وبنى
عليها الجمعة).
فإذا قام هذا المسبوق إلى قضائه: كان مخيَّراً في القراءة: إن شاء
جهر، وإن شاء خافت.
* قوله: (وإن أدركه في التشهد، أو في سجود السهو: بنى عليها
الجمعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف).
وظاهر هذا: أنه يسجد للسهو في صلاة الجمعة، والمختار عند
المتأخرين: أنه لا يسجد في الجمعة والعيدين؛ لتوهم الزيادة من الجهَّال.
* قوله: (وقال محمد: إن أدرك معه أكثرَ الركعة الثانية: بنى عليها
الجمعة)، يعني إذا أدركه قبل أن يركع، أو في الركوع.
قوله: (وإن أدرك أقلَّها)، بأن أدركه وقد رفع رأسَه من الركوع:
(بنى عليها الظهر)، إلا أنه ينوي الجمعةَ، إجماعاً.

٣٩
باب صلاة الجمعة
وإذا خرج الإمامُ إلى الخُطبة يومَ الجمعة : ترك الناسُ الصلاةَ، والكلامَ
حتى يَفرُغَ من خُطبته.
[ما يفعله المصلي إذا قام الخطيب إلى المنبر : ]
قوله: (وإذا خرج الإمامُ إلى الخطبة يومَ الجمعة)، يعني من
المقصورة وظَهَرَ عليهم، فإن لم تكن هناك مقصورةً يخرج منها: لم يَتركوا
القراءةَ والذِّكرَ إلا إذا قام إلى الخطبة.
: قوله: (تَرَكَ الناسُ الصلاةَ والكلامَ حتى يَفرِغَ من خطبته).
وكذا القراءة، وهذا عند أبي حنيفة.
وقالا: لا بأس بالكلام قبل أن يخطب، وإذا نزل قبل أن يكبر
للإحرام؛ لأن الكراهة للإخلال بفرض الاستماع، ولا استماع في هذين
الحالين، بخلاف الصلاة؛ لأنها قد تمتدُّ.
ولأبي حنيفة: أن الكلام أيضاً قد يمتد طبعاً، فأشبه الصلاة.
- والمراد: مطلَقُ الكلام، سواء كان كلامَ الناس، أو التسبيح، أو
تشميت العاطس، أو ردَّ السلام.
- وفي ((العيون)): المرادُ به: إجابةُ المؤذن، أما غيرُه من الكلام: يكره،
بالإجماع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا قلتَ لصاحبك والإمامُ
يخطب: أنصت: فقد لَغَوْتَ)(١).
(١) صحيح البخاري (٩٣٤)، صحيح مسلم (٨٥١).

٤٠
باب صلاة الجمعة
وروي ((عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلاً يقول
لصاحبه والإمام يخطب: متى تخرج القافلة؟ فقال له صاحبه: أنصت، فلما
فرغ قال للذي قال: أنصت: أمَّا أنتَ فلا صلاةَ لك، وأما صاحبك:
فحمارٌ)(١).
وقيل: الخلاف في كلامٍ يتعلق بالآخرة، أما المتعلق بأمور الدنيا:
فمكروهٌ، إجماعاً.
- وهذا كله قبل الخطبة، وبعدها، أما فيها: فلا يجوز شيء من الكلام
والقراءة والذكر أصلاً؛ لأنه يمنع الاستماعَ.
- والمراد من الصلاة: التطوع، أما قضاء الفائتة: فيجوز وقت الخطبة
من غير كراهة.
- ولا يأكلُ ولا يشربُ والإمامُ يخطب.
- وكذا إذا ذكر الخطيب النبيَّ عليه الصلاة والسلام: استمَعوا، وصلَّوا
عليه في أنفسهم، ولم ينطقوا بها؛ لأنها تُدرك في غير هذه الحال،
والسماعُ يفوت.
- فإن رأى رجلاً عند بئرٍ، فخاف وقوعَه فيها، أو رأىُ عقرباً تدبُّ
على إنسان: جاز له أن يحذُّره؛ لأن ذلك يجب لحقِّ آدمي، وهو محتاجٌ
إليه، والإنصاتُ لحقِّ الله تعالى، ومبناه على المسامحة؛ لأن الله غنيٌّ عنه.
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٥٣٤٦)، (٢٦٦٢٧).