Indexed OCR Text

Pages 1-20

الجوهزة الثَّيْرَةُ
شَرْحُ لِخَصَر الإمَام القُدُورِيّ ٣٦٢ - ٤٢٨ هـ
فِي الفِقْهِ الحَنَفِيّ
لِلإِمَامِ أبِي بَكْرِ بْن عَلِيّالحَدَّاد
٧٢٠ - ٨٠٠ هـ
رَحِمَهُ اللهُتعَالى
تَحْقِيقُ
أ.د.سَائِد بكداش
الجزءُ القَّانِي
أروقة

3
3
or

ء
لِلِبُحُوثِ وَالاسْتِشَارَاتِ الْمَصْرِفِيَّة الإِسْلَامِيَّة
شَرَكَة غَيْرِ رِبْحِيَّة أسَّسَتْهَا المصَارِف الإسْلامِيَّة في دولة قطر، وهيشركة تُعنى
بِالبُحُوُثِ وَالدِّرَاسَاتِ التِي تَخْدِمُ تَطوّر الصِّنَاعَة المَصْرِفِيَّة الإِسْلَامِيَّة وَفَقَ آخِرِ
المُسُجَدَّات الفِقْهِيَّة وَتَعْمَل عَلى إِعْدَادِ دَلِيْل عَمَل إلزاميّ يَسْتَنِدُ إِلى مَعَايْ وَضْوَابِطَ
شَرْعِيَّة مُوَحَّدَة لِكُلّ مُنْتَجَ وَتَعْمَل عَلى تَخِطِ العُقُودِ الشّرْعِيَّة، وَاللّهَ نَّأْل أن يَجْعَل
شَرَكَة ((دِرَاسَات)) حِصْنًا مِنْ حُصُون الدّفَاعِ عَنْ دِيْنِهِ وَشَرْعِهِ، وَأَنْ يُوَقِّقَ
القَائِمِينَ عَلَيْها إلى مَافِيهِ الخَيْرِ وَالرَّشَاد
د.وَلِيْدِبْنِهَادِي
رئيس هيئة الرّقَابَة الشّرْعِيَّة
المُشْرِفُ العَامَ عَى شَرَكَة (دِرَاسَات))

■الجوهرة النيرة
شرح لمختصر الإمام القدوري في الفقه الحنفي
تأليف : الإمام أبي بكر بن علي الحداد
تحقیق : الأستاذ الدکتور سائد بكداش
الطبعة الأولى : ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥م
جميع الحقوق محفوظة باتفاق وعقد
قیاس القطع : ١٧ × ٢٤
الناشر
شركة دراسات للبحوث والاستشارات المصرفية الإسلامية
Research Studies & Consulting Islamic Banking
الدوحة - قطر
التنفيذ الطباعي والتوزيع
٢،٢١
زوقة
ء
لِلدّرَاسَاتِ وَالنّشْرِ
هاتف وفاكس : ٤٦٤٦١٦٣ (٠٠٩٦٢٦)
ص.ب : ١٩١٦٣ عمّان ١١١٩٦ الأردن
البريد الإلكتروني : info@arwiqa.net
الموقع الإلكتروني : www.arwiqa.net

٥
باب صلاة المسافر
باب صلاة المسافر
السفرُ الذي تتغيَّرُ به الأحكامُ: أن يَقصِدَ الإنسانُ موضعاً بينه وبين
ذلك الموضع مسیرة ثلاثةِ أیامٍ ولياليها
باب صلاة المسافر
هذا من باب إضافة الشيء إلى شرطه، أو: الفعل إلى فاعله.
- ووجه المناسبة بينه وبين سجود التلاوة: أن التلاوةَ سببٌ للسجود،
والسفرَ سببٌ لقصر الصلاة.
وإنما قدَّم سجودَ التلاوة عليه؛ لأن سبب السجود: التلاوةَ، وهي
عبادةٌ، وسببَ قصرِ الصلاة: السفرُ، وليس هو بعبادة، بل هو مباحٌ،
والعبادة مقدّمةٌ على المباحات.
* قال رحمه الله: (السفرُ الذي تتغيَّر به الأحكامُ): أي الأحكام الواجبة عليه.
وتغيُّرُها: قَصْرُ الصلاة، وإباحةُ الفطر، وامتدادُ مدة المسح إلى ثلاثة أيام،
وسقوطُ الجمعة، والعيدينٍ، والأضحيةِ، وحرمةُ خروج المرأة بغير مَحرَم.
* قوله: (أن يقصد الإنسانُ موضعاً بينه وبين مصره: مسيرةُ ثلاثة
أيامٍ(١)، فصاعداً).
(١) وفي نسخة القدوري ٦١١هـ، و١٣٢٤ هـ: ((أيامٍ ولياليها))، وكذلك في الجامع
الصغير لمحمد ص٧٧، والهداية ١ / ٨٠، وأما النُّسخ التي لم تَذكر: ولياليها: فوجهها:

٦
باب صلاة المسافر
القصد هو: الإرادة لِمَا عَزَمَ عليه.
وإنما شُرِط: القصد، فقال: أن يقصد: ولم يقل: أن يسير؛ لأنه لو
طاف جميعَ الدنيا ولم يقصد مكاناً بعينه بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام: لا
يصير مسافراً.
وكذا القصد نفسه من غير سَيْر: لا عبرةً به.
وإنما الاعتبار باجتماعهما، فلا معتبرَ بالقصد المجرَّد عن السير، ولا
بالسير المجرَّد عن القصد، بل المعتبر اجتماعُهما.
- قوله: مسيرة ثلاثة أيام: يعني نهاراً، دون لياليها؛ لأن الليل للاستراحة.
- ويعني بثلاثة أيام: أقصرَ أيام السنة، وذلك إذا حلَّت الشمس البلدة.
- وهل يشترط سفر كل يوم إلى الليل؟
الصحيح: أنه لا يشترط، حتى لو بكَّر في اليوم الأول، ومشى إلى
الزوال، وبلغ المرحلةَ، ونزل للاستراحة، وبات فيها، ثم بكّر في اليوم
الثاني كذلك إلى الزوال، ثم في اليوم الثالث كذلك: فإنه يصير مسافراً. كذا
في ((الفتاوى)).
لأنه لا بدَّ له من النزول؛ لاستراحة نفسه ودابته؛ لأنه لا يطيق السفر
من الفجر إلى الفجر، وكذلك الدابةُ لا تُطيق ذلك، فأُلحقت مدة
أن ذكر الأيام يستتبع ذكر الليالي، وينظر حاشية أبي السعود على ملا مسكين ٣٠١/١.

٧
باب صلاة المسافر
بسَيْر الإبل، ومشي الأقدام.
ولا يُعتبر في ذلك السيرُ في الماء.
الاستراحة بمدة السفر للضرورة.
- والفقه في تقدير المدة بثلاثة أيام: أن الرخصة شُرعت لإزالة مشقة
الوحدة، وكمالُ المشقة: الارتحالُ من غير الأهل، والنزولُ في غيرهم،
وذلك في اليوم الثاني؛ لأن في اليوم الأول: الارتحال من الأهل، والنزول
في غيرهم، وفي اليوم الثالث: الارتحال من غيرهم، والنزول فيهم، وهذا
إنما يُتصور إذا كان له أهلٌ في الموضع الذي قصده.
* قوله: (بسَيْر الإبل(١)): يعني القافلة، دون البريد.
قوله: (ولا يُعتبر في ذلك السيرُ في الماء): أي لا يُعتبر السير في
البَرِّ: بالسير في البحر، ولا السير في البحر: بالسير في البَرِّ، وإنما يُعتبر في
كل موضع منهما ما يليق بحاله.
حتى لو كان موضعٌ له طريقان: أحدهما في الماء، وهي تُقطع في
ثلاثة أيام إذا كانت الرياح مستوية، والثاني: في البرِّ، وهي تُقطع في
يومين، فإنه إذا ذهب في طريق الماء: يقصر، وفي البر: لا يَقصر.
- ولو كان إذا سار في البر: وصل في ثلاثة أيام، وإذا سار في البحر:
وصل في يومين: قصر في البر، ولا يقصر في البحر.
- والمعتبر في البحر ثلاثة أيام في ريح مستوية، أي: غير غالبة، ولا ساكنة.
(١) وفي نسخ عديدةٍ قديمة من القدوري زيادة: ((ومَشْي الأقدام)).

٨
باب صلاة المسافر
وفَرْضُ المسافر عندنا في كل صلاة رباعيةٍ : ركعتان، لا تجوز له
الزيادةُ عليهما عمداً.
فإن صلى أربعاً، وقد قَعَدَ في الثانية مقدارَ التشهد : أجزأته الركعتان
عن فرضه، وكانت الأخریان له نافلة.
كما في الجبل: يعتبر فيه ثلاثة أيام وإن كان في السهل يُقطع في أقل
منها.
- ولو كانت المسافة ثلاثاً بالسير المعتاد، فسار إليها على الفَرَس، أو
البريدِ جَرْياً حثيثاً، فوصل في يومين أو أقل: قصر.
قال أبو حنيفة رحمه الله: في مصرٍ له طريقان: إحداهما: تُقطع في
ثلاثة أيام، وأخرى: في يومين: إن اختار الأبعدَ: قَصَرَ، وإن اختار
الأقربَ: لا يقصر.
* قوله: (وفَرْضُ المسافر عندنا في كل صلاة رباعية: ركعتان).
- قيّد بالرباعية: احترازاً عن الفجر والمغرب: فإنه لا قَصْرَ فيهما.
- وقيَّد بالفرض: احترازاً عن السنن: فإنها لا تُقصر.
* قوله: (لا تجوز له الزيادةُ عليهما عمداً).
إنما قال هكذا، ولم يكتف بقوله: وفرضُ المسافر ركعتان؛ ليعلم أنه
إذا زاد على ذلك: صار عاصياً عندنا.
** قوله: (فإن صلى أربعاً، وقَعَدَ في الثانية مقدارَ التشهد: أجزأته
ركعتان عن فرضه، وكانت الأخريان له نافلةً)، ويصير مسيئاً بتأخير السلام.

٩
باب صلاة المسافر
وإن لم يقعد في الثانية مقدارَ التشهد : بطلت صلاته.
ومَن خرج مسافراً: صلى ركعتين إذا فارق بيوتَ المصر.
- وهذا إذا أحرم بركعتين، أما إذا نوى أربعاً: فإنه يبني.
- على الخلاف فيما إذا أحرم بالظهر ست ركعات، ينوي الظهرَ،
وركعتين تطوعاً:
فقال أبو يوسف: يجزئه عن الفرض خاصةً، ويبطل التطوع.
وقال محمد: لا تجزئه الصلاة، ولا يكون داخلاً فيها، لا فرضاً ولا
تطوعاً؛ لأن افتتاح كل واحدة من الصلاتين يوجب الخروج من الأخرى،
فکذا هنا عند محمد تفسد، ولا تکون فرضاً ولا نفلاً.
وقال بعضهم: تنقلب كلها نفلاً.
قوله: (وإن لم يقعد في الثانية قدرَ التشهد: بطلت صلاته)؛
لاختلاط النافلة بها قبل إكمال أركانها، كما في الفجر.
- ولو أنه لما ترك القعدة هنا، وقام إلى الثالثة، فنوى الإقامةَ، وأتمها
أربعاً: فإنه تجوز صلاتُه، ويتحول فرضُه أربعاً.
* قوله: (ومَن خرج مسافراً: صلى ركعتين إذا فارق بيوتَ المصر).
يعني من الجانب الذي خرج منه، لا جوانبَ كل البلد، حتى لو كان قد
خلَّف الأبنيةَ التي في الطريق الذي خرج منه: قَصَرَ وإن كان بحذائه أبنيةٌ
أخرى من جانبٍ آخر من المصر.

١٠
باب صلاة المسافر
ولا يزال على حكم السفر حتى ينويَ الإقامةَ في بلدٍ خمسةَ عشر يوماً،
فصاعداً، فیلزمه الإتمامُ.
وإن نوى الإقامةَ أقلّ من ذلك : لم يُتِمَّ .
: قوله: (ولا يزال على حكم السفر حتى ينويَ الإقامةَ في بلدٍ) تصلح
للإقامة (خمسة عشر يوماً، فصاعداً، فيلزمه الإتمام، وإن نوى الإقامة أقل
من ذلك: لم يُتَمَّ)؛ لأن الإقامة أصلٌ كالطَّهْر، والسفر عارضٌ كالحيض،
وقد ثبت أن أقلَّ الطهر خمسة عشر يوماً، فكذا الإقامة.
وإنما اعتبرناه بذلك؛ لأنهما مدتان موجبتان، أي مدةُ الإقامة توجبُ
الإتمامَ، ومدةُ الطهر توجِبُ على المرأة الصومَ والصلاةَ.
- وقوله: حتى ينويَ الإقامةَ: اشتراطُ النية إنما هو في حق مَن هو أصلٌ
بنفسه، أما في حق مَن هو تَبَعٌ لغيره، كالعبد: فإنه يصير مقيماً بنية
المولى، والمرأةُ بنية الزوج إذا كانت قد قبضت المهرَ المعجَّل، وكذا
الجُنْد مع السلطان.
- وهذا إذا عَلِمَ التبعُ نيةَ الأصل، أما إذا لم يعلم: فالأصح أنه لا يصير
مقیماً. كذا في ((الوجيز)).
- وإذا نوى المسافر الإقامةَ في الصلاة: أتمها سواء كان منفرداً أو
مقتدياً، مسبوقاً كان أو مدركاً.
- وقيَّد بقوله: في بلد: إشارةً إلى أنه لا تصح نية الإقامة في المفازة،
وهو الظاهر من الرواية.

١١
باب صلاة المسافر
وإذا دخل المسافرُ بلداً، ولم ينوٍ أن يقيم فيه خمسةَ عشر يوماً، وإنما
يقول: غداً أخرج، أو بعد غدٍ أخرج، حتى بقيَ على ذلك سنين : صلى
ر کعتين .
وعن أبي يوسف: أن الرُّعاة إذا نزلوا موضعاً كثيرَ الكلأ والماء، ونوَوْا
إقامةَ خمسة عشر يوماً، والماء والكلأَ يكفيهم لتلك المدة: صاروا مقيمين.
لكن ظاهر الرواية: أن نية الإقامة لا تصح إلا في العمران والبيوتٍ
المتخذة من الحجر والمدر والخشب، لا الخيام، والأخبية، والوَبَر.
- ولو صلى الظهرَ في منزله، ثم سافر قبل خروج الوقت، فلما دخل
وقتُ العصر صلى صلاةَ المسافر، ثم بدا له فترك السفر قبل الغروب،
وتبيَّن له أنه صلاهما بغير وضوء: فإنه يقضي الظهر ركعتين والعصر أربعاً.
- وكذا لو صلاهما وهو مقيمٌ، وسافر قبل الغروب، وتبيَّن له فسادٌ فيهما:
فإنه يصلي الظهر أربعاً، والعصرَ ركعتين؛ لأن الوجوب يتعلق بآخر الوقت.
- ولو سافر في آخر الوقت: يقصر عندنا وإن لم يبق من الوقت إلا
مقدارَ التحريمة.
وقال زفر: إن بقي من الوقت قدر ما يصلي ركعتين: قصر، وإلا: فلا.
- وإن أقام في آخر الوقت: إن كان قد صلى في حال السفر: جاز،
وإلا: صلى أربعاً، بالاتفاق، سواءٌ قلَّ ما بقي من الوقت، أو كثُر.
قوله: (وإن دخل المسافرُ بلداً، ولم ينو أن يقيم فيه خمسة عشر
يوماً، وإنما يقول: غداً أخرج، أو بعد غدٍ أخرج، حتى بقيَ على ذلك
سنین: صلى ركعتين).

١٢
باب صلاة المسافر
وإذا دخل العسكرُ أرضَ الحرب، فنوَوُا الإقامةَ بها خمسةَ عشر يوماً:
لم يُتِمُّوا الصلاةَ.
((لأن ابن عمر أقام بأَذْرَبِيجان ستة أشهر، وكان يقصر))(١).
((وعن أنس أنه أقام بنَيْسابور سَنَةً يقصر))(٢).
* قوله: (وإذا دخل العسكرُ أرضَ الحرب، فنووا إقامةَ خمسةَ عشر
يوماً: لم يُتْمُّوا الصلاةَ).
ظاهر هذا: ولو كانت الشوكة لهم؛ لأن حالهم مبطِلٌ عزيمتَهم؛ لأنهم
بين أن يَغلبوا: فَيَقَرُّوا، وبين أن يُغْلَبوا: فَيَفِرُّوا، فلم تكن دارَ إقامة،
کالمفازة.
- والعبد إذا كان مع مولاه، أو المرأةُ مع زوجها: فالعبد مقيمٌ بإقامة
مولاه، والمرأة مقيمةً بإقامة زوجها، ومسافران بسفرهما؛ لأن إقامتهما لا
تقف على اختيارهما.
- والعبد بين الموليين في السفر: إذا نوى أحدُهما الإقامةَ، دون
الآخر:
قال في ((الفتاوى)): لا يصير العبدُ مقيماً؛ لأن إقامة أحدهما إن
أوجبت إقامته: فمسافرةُ الآخر تمنعُه، فيبقى على ما كان.
(١) مسند أحمد (٥٥٥٢)، سنن البيهقي ٢٧٤/٤، بسند صحيح، كما في
التعريف والإخبار ٣١٨/١.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٨٢٨٨).

١٣
باب صلاة المسافر
وإذا دخل المسافرُ في صلاة المقيم مع بقاء الوقت : أتمّ الصلاةَ.
وإن دخل معه في فائتةٍ : لم تَجُزْ صلاتُه خلفَه.
وقال بعضهم: يصير مقيماً؛ لأنه قد وقع التعارض بين الإقامة
والسفر، فتُرجح الإقامةُ؛ احتياطاً لأمر العبادة.
- وإذا نوى المولى الإقامةَ، ولم يَعلم العبدُ حتى صلى أياماً صلاةً
مسافرٍ، ثم أخبره بذلك: كان عليه إعادةُ تلك الصلاة.
- وكذا المرأةُ إذا أخبرها زوجُها بنية الإقامة: تلزمها الإعادة.
- وعن أبي يوسف ومحمد: إذا أمَّ العبدُ مولاه في السفر، ونوى
المولى الإقامةَ: صحت بنيته، حتى لو سلّم العبدُ على ركعتين: كان عليهما
إعادةُ تلك الصلاة.
- وكذا لو كان العبد مع مولاه في السفر، فباعه من مقيم، والعبد في
الصلاة: ينقلب فرضُه أربعاً.
* قوله: (وإذا دخل المسافرُ في صلاة المقيم مع بقاء الوقت: أتمّ
الصلاة)، سواء أدرك أولَها أو آخرها؛ لأنه التزم متابعةَ الإمام بالاقتداء به.
- ثم إنه لو أفسد صلاتَه: تعود ركعتين؛ لأنها إنما صارت أربعاً في
ضمن الاقتداء، فعند فواته: يعود الأمر الأول.
- قوله: مع بقاء الوقت: بقاؤه: أن يكون قدر ما يسع التحريمة.
- وكذا إذا اقتدى مسافرون بمسافر، فنوى الإمامُ الإقامةَ: لزمه وإياهم
جميعاً الإتمامُ.
** قوله: (وإن دخل معه في فائتةٍ: لم تجز صلاتُه خلفه): يعني فائتةً

١٤
باب صلاة المسافر
وإذا صلى المسافرُ بالمقيمين ركعتين: سلِّم، ثم أتمّ المقيمون
صلاتَهم وُحْداناً.
في حق الإمام والمأموم، وهي رباعيةٌ.
- أما إذا كانت ثلاثيةً أو ثنائيةً، أو كانت فائتةً في حق الإمام، مؤدَّةً
في حق المأموم، كما إذا كان المأمومُ يرىُ قولَ أبي حنيفة في الظهر،
والإمامُ يرى قولَهما: فإنه يجوز دخولُه معه في الظهر بعد المثل، قبل
المثلين.
- وقوله: لم تجز صلاتُه خلفَه: هذا إذا دخل معه بعد خروج الوقت.
أما إذا دخل معه في الوقت، ثم خرج الوقتُ وهم في الصلاة: لم
تفسد؛ لأن الإتمام لزمه بالشروع معه في الوقت، فألتحق بغيره من
المقيمين، كما إذا اقتدى به في العصر، فلمَّا فرغ من التحريمة: غربت
الشمس: فإنه يُتِمُّ أربعاً.
- ولو صلى مقيمٌ ركعةً من العصر، ثم غربتِ الشمسُ، فجاء مسافرٌ
واقتدى به في العصر: لم یکن داخلاً في صلاته.
* قوله: (وإذا صلى المسافرُ بالمقيمين: صلى بهم ركعتين، ثم أتم
المقيمون صلاتَهم): يعني وحداناً، ولا يقرؤون فيما يقضون؛ لأنهم لاحقون.
والأصل: أن اقتداء المقيم بالمسافر: يصح في الوقت، وبعد خروجه؛
لأن فرضه لا يتغير، بخلاف المسافر إذا اقتدى بالمقيم: فإنه لا يصح إلا
مع بقاء الوقت.

١٥
باب صلاة المسافر
ويستحب له إذا سلَّم أن يقول: أتِمُّوا صلاتكم، فإنَّا قومٌ سَفْرٌ.
وإذا دخل المسافرُ مصرَه : أتمّ الصلاةَ وإن لم ينوِ الإقامةَ فيه.
ومَن كان له وطنٌ، فانتقل عنه، واستوطن غيرَه، ثم سافر، فدخل
وطنَه الأولَ: لم يُتَمَّ الصلاة.
: قوله: (ويستحب له إذا سلَّم أن يقول: أَتمُّوا صلاتكم فإنا قومٌ سَفْرٌ):
أي مسافرون، وسَفْر: جَمْعُ: مسافر، كرَكْب: جمع: راكب، وصَحْب:
جمع: صاحب.
- وقوله: إذا سلّم: يعني التسليمتين، هو الصحيح.
* قوله: (وإذا دخل المسافرُ مصرَه: أتمّ الصلاةَ وإن لم ينو المُقَام
فيه)، سواء دخله بنية الاجتياز، أو دخله لقضاء حاجة؛ لأن مصره متعيِّنٌ
للإقامة، فلا يحتاج إلى نية.
** قوله: (ومَن كان له وطنٌ، فانتقل عنه، واستوطن غيره، ثم سافر،
فدخل وطنَه الأولَ: لم يُتِمَّ الصلاةَ).
- وإن استحدث وطناً أهلياً، وأهله الأولون باقون في الوطن الأول:
فكلُّ واحدٍ منهما وطنٌ أهليٌّ له.
* واعلم أن الأوطان ثلاثة:
وطنٌّ أهليٌّ، ووطنُ إقامةٍ، ووطنُ سكنى.
- فالأهليُّ: ما كان متأهَّلُه فيه، لا يبطل إلا بمثله.
- ووطن الإقامة: ما نوى أن يقيم فيه خمسةَ عشر يوماً، فصاعداً.

١٦
باب صلاة المسافر
يبطل بالأهلي، وبمثله، وبإنشاء سفر ثلاثة أيام.
- ووطن السكنى: ما نوى أن يقيم فيه أقلّ من خمسة عشر يوماً.
وهو أضعف الأوطان، يبطل بالكل.
- وهل من شرط وطن الإقامة: تقدُّم سفرٍ عليه؟
فيه روايتان: إحداهما: لا يكون إلا بعد سفر ثلاثة أيام.
والثانية: يكون وطناً وإن لم يتقدمه سفرٌ، ولم يكن بينه وبين أهله ثلاثة
أیام.
ـ ومِن حُكْم وطن الإقامة: أنه ينتقض:
١ - بالأهلي؛ لأنه فوقه.
٢- وبوطن الإقامة؛ لأنه مثله.
٣- وبإنشاء السفر؛ لأنه ضده.
ولا ينتقض بوطن السكنی؛ لأنه دونه.
بيانُ هذا: زَبِيديٌّ خرج إلى المَهْجَم(١)، فاستوطنها، ونقل أهله إليها،
ثم سافر منها إلى عَدَن، فمرَّ بزَبِيد: فإنه يصلي فيها ركعتين؛ لأن وطنه
الأول قد بطل باستحداث هذا الثاني.
(١) بلدٌ وولايةٌ من أعمال زَبِيد باليمن، بينها وبين زبيد ثلاثة أيام. معجم البلدان
٢٢٩/٥.

١٧
باب صلاة المسافر
وإذا نوى المسافرُ أن يقيم بمكة ومِنىِّ خمسةَ عشر يوماً: لم يُتُمَّ الصلاة
إلا أن يَبِيْتَ بأحدهما.
- فإن كان قد استحدث بالمَهْجم أهلاً، وأهلُه الأولون باقون بزبيد،
فسافر من المهجم إلى عَدَن، فمرَّ بزبيد: صلى بها أربعاً؛ لأن كلاهما
وطنٌ له.
- فإن كان وطنه ابتداء بزبيد، فخرج منها إلى مكة، فنوى المُقام
بالمَهْجَم خمسة عشر يوماً، فصاعداً: فإنه يُتُمَّ ما دام بها، فإذا خرج منها
إلى مكة، ثم عاد إلى المَهْجَم: صلى بها ركعتين حتى يأتي إلى زبيد؛ لأنه
قد بطل بإنشاء السفر إلى مكة، فسقط حكمه.
- وكذا إذا خرج من المَهْجَم إلى حَرَض(١)، فنوى المُقام بها خمسة
عشر يوماً، فصاعداً، ثم رجع إلى زبيد: صلىُ بالمَهْجم ركعتين؛ لأنه قد
بطل بوطنٍ إقامةٍ مثله.
- فإن كان خرج من المَهْجم بعد إقامته بها إلى مَوْر (٢)، ثم رجع إلى
المهجم: صلى بها أربعاً؛ لأن وطنه بها لم يبطل؛ لأنه لم يوجد منه إنشاء
سفرٍ صحیح، فصار کأنه خرج إلى المصلی.
* قوله: (وإذا نوى المسافرُ أن يقيم بمكة ومِنىّ خمسةَ عشر يوماً: لم
يُتْمَّ الصلاة إلا أن يبيت بأحدهما).
(١) بلدٌ في أوائل اليمن من جهة مكة. معجم البلدان ٢٤٣/٢.
(٢) ساحلٌ لقرئ اليمن، وهي من أعمال زبيد. معجم البلدان ٢٢٠/٥.

١٨
باب صلاة المسافر
ومَن فاتته صلاةٌ في السفر : قضاها في الحضر ركعتين.
ومَن فاتته صلاةً في الحضر : قضاها في السفر أربعاً.
والعاصي والمُطيعُ في سفرهما : في الرُّخصة سواءً.
لأن اعتبار النية في موضعين: يقتضي اعتبارها في مواضع، وهو
ممتنعٌ، إلا إذا نوى أن يقيم بالليل في أحدهما: فإنه يصير مقيماً بدخوله
فيه؛ لأن إقامة الإنسان تضاف إلى موضع مَبِيته.
ولأن نية الإقامة: ما كانت في موضع واحد؛ لأنها ضد السفر.
والانتقالُ من موضع إلى موضع: يكون ضَرْباً في الأرض، ولا يكون
إقامةً.
* قوله: (ومَن فاتته صلاةً في السفر: قضاها في الحضر ركعتين، ومَن
فاتته صلاة في الحضر) أي في حال الإقامة: (قضاها في السفر أربعاً).
لأن القضاء: بحسب الأداء.
- وقيَّد بقوله: في حالة الإقامة؛ لأنه قد يكون في الحضر وهو
مسافرٌ، كمن صلى الظهر، ثم سافر في الوقت، ثم دخل وقت العصر
وهو مسافرٌ، فصلى العصر ركعتين، ثم رجع إلى وطنه، ثم غربت
الشمس، ثم تبيَّن له أنه صلاهما على غير وضوء: فإنه يقضي الظهر
ركعتين، والعصرَ أربعاً.
* قوله: (والعاصي والمطيع في سفرهما في الرخصة: سواءً).

١٩
باب صلاة المسافر
وقال الشافعي (١): سفرُ المعصية لا يفيد الرخصة، كمن سافر بنية قَطْع
الطريق، أو البغي، أو حجَّت المرأةُ من غير مَحرَم، أو أَبَقَ العبدُ.
وعندنا: يترخَّص هؤلاء برخصة المسافر: من القصر، والفطر، وجواز
الصلاة المكتوبة على الراحلة إذا خافوا، واستكمال مدة المسح؛ لإطلاق
النصوص، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ
أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. البقرة/ ١٨٤.
علَّق رخصة الإفطار بنفس السفر.
وكذا قوله عليه الصلاة والسلام في قصر الصلاة: ((فَرْضُ المسافر:
ركعتان))(٢). من غير فَصْلٍ.
وقوله عليه الصلاة والسلام: ((يَمسح المقيم يوماً وليلةً، والمسافر
ثلاثة أيام ولياليها)»(٣). كلَّ هذا من غير قيد.
- وكذا مَن غصب خُقّاً، ولَبِسَه: ترخَّص بالمسح.
- وكذا تجوز الصلاة في الأرض المغصوبة.
- ولم يذكر الشيخ حُكْمَ السنن؟ قال في ((الفتاوى)): لا قصر فيها.
(١) مغني المحتاج ٢٦٢/١، ٢٦٨.
(٢) صحيح البخاري (٣٥٠)، صحيح مسلم (٦٨٥).
(٣) صحيح مسلم (٢٧٦).

٢٠
باب صلاة المسافر
- وهل الأفضل فعلُها، أو تركها؟
فالجواب: إن كانت القافلة نازلةً: فالفعل أفضل، وإن كانت سائرةً:
فالترك أفضل؛ لئلا يضرّ بنفسه وبرُفقته.