Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ باب الأنجاس وغَسْلُه بالماء أفضل. وقال الشافعي(١): لا بدَّ من ثلاثة أحجار، أو حجرٍ له ثلاثة أحرف. لنا: قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن استجمر: فليوتر، مَن فعل: فحسنٌ، ومَن لا: فلا حرج))(٢). * قوله: (وغَسْلُه بالماء: أفضل): يعني بعد الحجارة. واختلف فيه: فقيل: مستحبٌّ، وقيل: سُنَّةٌ في زماننا، وقيل: سُنَّةٌ على الإطلاق، وهو الصحيح، وعليه الفتوى. وقال شيخ الإسلام: الاستنجاء نوعان: بالحجر، وبالماء: فبالحجر: سُنَّةٌ، وإتباعُ الماء أدبٌ وفضيلة. وقيل: مستحبٌّ؛ لأنه روي عن الصحابة(٣) أنهم كانوا يستنجون بالماء مرةً، ويتركونه أخرى، وهذا حدُّ الفضيلة والأدب. وقال بعض المشايخ: إنما كان إتباع الماء مستحباً في الزمان الأول، أما في زماننا: فهو سنةً أيضاً؛ لما روي عن الحسن البصري أنه سئل عن الاستنجاء بالماء؟ فقال: سنّةٌ. قيل له: كيف يكون سُنَّةً، والخيارُ من الصحابة تركوه؟! (١) مغني المحتاج ٤٥/١. (٢) سنن أبي داود (٣٦)، وسكت عنه، وينظر نصب الراية ٢١٧/١. (٣) ينظر نصب الراية ١/ ٢١٧. ٢٨٢ باب الأنجاس فإن تجاوزت النجاسةُ مَخرَجَها : لم يجُزْ فيه إلا الماءَ، أو المائعُ. فقال: إنهم كانوا يَبعَرون بعراً، وأنتم تَثْلِطون ثَلْطاً، فكان في زماننا سنةً، كالاستنجاء بالحجر في زمانهم. كذا في ((النهاية)). تَثْلِطون: بكسر اللام: ثَلْطاً: بسكون اللام: وهو إخراج الغائط رقيقاً. - وهل يشترط ذهاب الرائحة؟ قيل: نعم، وقال بعضهم: لا، بل يستعمل حتى يغلب على ظنه أنه قد طهر. : قوله: (فإن تجاوزت النجاسةُ مَخرَجَها: لم يَجُزْ فيه إلا الماء). وفي بعض النسخ(١): إلا المائع، وذلك لا يستقيم إلا على قولهما، أما عند محمد: فلا يجزئه إلا الماء. - ثم إن كان المتجاوِزُ أكثرَ من قدر الدرهم: وجب إزالته بالماء، إجماعاً، وإن كان أقلَّ: فعندهما: لا يجب بالماء، ويجزئه الحجر، وعند محمد: لا يجزئه الحجر. - وفي ((الفتاوى)): إذا تجاوزت النجاسةُ مخرجَها، وهي أكثر من قدر الدرهم: يجب إزالتُها، وإن كانت أقلّ ولكن إذا ضُمَّ مع موضع الاستنجاء يصير أكثرَ من قدر الدرهم: لا يُضمُّ عندهما، وقال محمد: يُضمُّ. (١) أي نسخ القدوري. ٢٨٣ باب الأنجاس ولا يستنجي بعَظْمٍ، ولا برَوْثٍ، ولا بطعامٍ، ولا بيمينه إلا من عُذْرٍ . فعلى هذا: إذا لم يستنج بحجرٍ ولا غيره، وكانت لم تتجاوز مخرجَها: جازت صلاتُه إذا لم تكن على بدنه نجاسةٌ، بالإجماع. - وإن كان على بدنه نجاسةٌ قدر الدرهم، لا غير: إن لم يستنج: لا تجوز صلاته؛ لأن على بدنه أكثرَ من قدر الدرهم. وإن استنجى: جازت صلاتُه، سواء استنجى بالحجر أو بالماء. - ولو لم يستنج، ولكن مسح ما على بدنه بالحجارة: لم يجز؛ لأن النجاسة على البدن لا تجوز إزالتها بالحجارة. - هذا حكم الغائط، وأما البول إذا تجاوز عن رأس الإحليل أكثر من قدر الدرهم: فالظاهر أنه يجزئ فيه الحجر عند أبي حنيفة. وعند محمد: لا يجزئه الحجر، إلا إذا كان أقلّ من قدر الدرهم. * قوله: (ولا يستنجي بعَظْمٍ، ولا برَوْثٍ، ولا برجيعٍ، ولا بطعامٍ، ولا بیمینه، إلا من عذر). يكره الاستنجاء بثلاثة عشر شيئاً: بالعظم، والرَّوْث، والرَّجيع، والطعام، والفحم، والزجاج، والوَرَق، والخَزَف، والقَصَب، والشعر، والقطن، والخِرقة، وعلفِ الحيوان، مثل الحشيش وغيره. - فإن استنجى بها: أجزأه، مع الكراهة؛ لحصول المقصود. ٢٨٤ باب الأنجاس - أما العظم والروث؛ فلقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن استنجى بعظم أو روث: فقد برئتْ منه ذمة محمد صلى الله عليه وسلم)) (١). ولأن العظمَ: زادُ الجن، والروثَ: علفُ دوابهم. ويروى أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((أتاني وفدُ جِنِّ نَصِيْبين، وهم نِعِمَ الجِنُّ، فسألوني الزادَ، فدعوتُ اللهَ لهم أن لا يَمُرُّوا بعظمٍ ولا بروثةٍ إلا وجدوا عليه طعاماً، وقال: إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه يوم أُكل، ولا روثةً إلا وفيها حبُّها يوم أُكلت))(٢). وروي («أنهم سألوه المتاعَ، فمتَّعهم بكل عظمٍ ورَوْثَةٍ وبعرةٍ، فقالوا: يقذِّرها علينا الناسُ، فنهى عليه الصلاة والسلام عن الاستنجاء بذلك)). - وأما الوَرَق: فقيل: إنه ورق الكتابة، وقيل: ورق الشجر، وأيَّ ذلك کان: فهو مكروهٌ. - وأما بالطعام: فهو إسرافٌ وإهانةٌ. - وأما بالخزف والزجاج والفحم: فإنه يَضرُّ بالمَقعدة. (١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وينظر لأحاديث النهي عن ذلك: صحيح البخاري (١٥٥)، صحيح مسلم (٥٨)، نصب الراية ٢١٩/١. (٢) أصل حديث وفد نصيبين في صحيح البخاري (٣٨٦٠)، وقريب من هذا اللفظ في مسند الشاميين (٢٨٧١). ٢٨٥ باب الأنجاس - وأما الرجيع: فإنه نجسٌ، وهو العَذِرة اليابسة، وقيل: الحجر الذي قد استُنجي به. - وأما باليمين: ((فلأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه))(١). - وأما باقي هذه الأشياء: فقيل: إنها تُورث الفقرَ، والله أعلم. (١) صحيح البخاري (١٥٣)، صحيح مسلم (٦٥). ٢٨٦ كتاب الصلاة كتاب الصلاة أولُ وقتِ الفجرِ : إذا طلع الفجرُ الثاني، وهو البياضُ المعترِضُ في الأُفُق . كتاب الصلاة الصلاةُ في اللغة: هي الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾. التوبة / ١٠٣: أي ادعُ لهم، ﴿إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنُ لَهُمْ﴾: أي إن دعاءك واستغفارك لهم طمأنينة لهم في أن الله تعالىُ قَبِل توبتَهم. وفي الشرع: عبارةٌ عن أفعالٍ، وأقوالٍ(١) متغايرة، يتلو بعضُها بعضاً. * قال رحمه الله: (أولُ وقت الفجر: إذا طلع الفجرُ الثاني). - بدأ بالفجر؛ لأنه وقتٌ لم يُختلف في أوله، ولا في آخره. - وسمِّي فجراً؛ لأنه يُفجِّرِ الظلام. * قوله: (وهو البياضُ المعترِض في الأُفق). - قيَّد بالمعترض: احترازاً عن المستطيل، وهو الفجر الأول، يبدو طولاً، ويسمى الفجر الكاذب. (١) وفي نسخ: وأذكار. ٢٨٧ كتاب الصلاة وآخرُ وقِتِها : ما لم تطلُعِ الشمسُ. وأولُ وقتِ الظهرِ : إذا زالت الشمس. وآخرُ وقِتِها عند أبي حنيفة رحمه الله: إذا صار ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَيْه، سوی فيءِ الزوال. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : إذا صار ظِلّ كلّ شيءٍ مِثلَه. - والأُفق: واحدُ الآفاق، وهي أطراف السماء. * قوله: (وآخرُ وقتها: ما لم تطلع الشمس): أي قبل طلوعها. قوله: (وأولُ وقت الظهر: إذا زالت الشمسُ): أي زالت من الاستواء إلى الانحطاط. - وسمي ظهراً؛ لأنه أول وقتٍ ظَهَرَ في الإسلام. - ولا خلاف في أول وقته. ؛ قوله: (وآخرُ وقِتِها عند أبي حنيفة: إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيْه، سوىُ فَيْءِ الزوال). و الفَيْءَ في اللغة: اسمٌ للظل بعد الزوال، سُمِّي فيئاً؛ لأنه فاء من جهة ولا يقال لما قبل الزوال: فيء، وإنما يقال له: ظلّ، لا غير. A3 المغرب إلى جهة المشرق، أي رجع. وقد يسمى ما بعد الزوال: ظلاً. 93 * قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: إذا صار ظلّ كل شيءٍ مثلَه)، وهي روايةً عن أبي حنيفة. ٢٨٨ كتاب الصلاة وأولُ وقتِ العصرِ : إذا خرج وقتُ الظهر على القولين. وآخرُ وقِتِها : ما لم تغرُبِ الشمسُ. وأولُ وقتِ المغرب : إذا غربت الشمس. وآخرُ وقِتِها : ما لم يَغِب الشَّفَقُ، وهو البياضُ الذي يُرى في الأُفُقِ بعد الحُمْرة عند أبي حنيفة، . والاحتياط: أن لا يؤخِّر الظهرَ إلى المثل، وأن لا يصليَ العصر حتى يبلغ المثلين؛ ليكون مؤدِّياً لهما في وقتهما بالإجماع. كذا قال شيخ الإسلام. * قوله: (وأولُ وقت العصر: إذا خرج وقتُ الظهر على القولين): أي على اختلاف القولين عند أبي حنيفة بعد المثلين، وعندهما بعد المثل. * قوله: (وآخرُ وقتها: ما لم تغرب الشمس). وقال الثوري: ما لم تتغير. * قوله: (وأولُ وقت المغرب: إذا غربت الشمس)، وهذا لا خلاف فيه. * قوله: (وآخرُ وقتها: ما لم يَغِبِ الشفقُ). * واختلفوا في الشفق، كما في قوله: (وهو البياضُ الذي يُرى في الأُفق بعد الحُمرة عند أبي حنيفة)؛ لأن الشفق عبارةٌ عن الرِّقَّة، ومنه: الشفقة، وهي رِقّة القلب، والبياض: أرَقُّ من الحمرة. وهو مذهب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، واختيار المُبرِّد من أهل اللغة. ٢٨٩ كتاب الصلاة وقال أبو يوسف ومحمد : هو الحُمْرة. وأولُ وقتِ العشاء: إذا غاب الشفقُ، وآخرُ وقِتِها : ما لم يَطلُعِ الفجرُ الثاني. ولأنه أحوط من الحُمْرة؛ لأن الأصل في الصلاة: أن لا يثبت منها شيء إلا بيقين. * قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: هو الحُمْرة). وهو مذهب علي كرَّم الله وجهه، وهي رواية عن أبي حنيفة، وهو اختيار الأصمعيِّ والخليلِ من أهل اللغة. ولأن الغوارب ثلاثة: الشمس، والشفقان، وكذا الطوالع ثلاثةٌ أيضاً: الفجران، والشمس. ثم المتعلق بالطوالع من دخول الوقت وخروجه هو: أوسط الطوالع، فكذا الغوارب يجب أن يتعلق دخول الوقت وخروجه بأوسطها، وهو الحمرة. فقولهما: أوسع للناس، وقوله أحوط. * قوله: (وأولُ وقت العشاء: إذا غاب الشفق على القولين): أي على اختلاف القولين: عنده: إذا غاب البياض، وعندهما: إذا غابت الحمرة. * قوله: (وآخرُ وقتها: ما لم يطلع الفجر الثاني). - وقد ذكر الله تعالى أوقات الصلوات كلها في القرآن مجملةً، فقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوْةَ طَرَفَ النَّهَارِ﴾. هود/١١٤ : يعني العصر والفجر، ٢٩٠ كتاب الصلاة وأولُ وقتِ الوترِ : بعدَ العشاء، وآخرُ وقتها : ما لم يَطلُحِ الفجر. ﴿وَزُلَفَّا مِنَ الَّيْلِ﴾: يعني المغرب والعشاء. وقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. الإسراء/٧٨: أي زوالها، وهو الظهر. - وقال في موضع آخر: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾. الروم/١٧: أي: فصلَّوا الله ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾، يعني المغرب والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: يعني الفجر، ﴿وَعَشِيًّا﴾: يعني العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ : يعني الظهر. - وقوله تعالى: ﴿وَسَِّّعْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾. ق/٣٩: يعني الفجر، ﴿وَقَبْلَ اُلْغُرُوبِ﴾: يعني العصر، ﴿ وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾: يعني المغرب والعشاء. - وسميت الصلاة: تسبيحاً؛ لما فيها من التسبيح: سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى، سبحانك اللهم وبحمدك. - وقوله تعالى: ﴿وَإِدْبَرَ النُّجُومِ﴾. الطور/٤٩: يعني ركعتي الفجر. - وقوله: ﴿وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾. ق/٤٠: يعني ركعتي المغرب، وقيل: الوتر. * قوله: (وأولُ وقت الوتر: بعد العشاء، وآخرُ وقتها: ما لم يطلع الفجر)، هذا عندهما. ٢٩١ كتاب الصلاة وقال أبو حنيفة: وقتُه: وقت العشاء، يعني إذا غاب الشفق، إلا أن فِعْلَه مرتَبٌ على فِعْل العشاء، فلا يُقدَّم عليها عند التذكر. والاختلاف في وقتها: فَرْعُ الاختلاف في صفتها، فعنده: الوتر واجبٌ، فإذا كان واجباً: صار مع العشاء: كصلاة الوقت والفائتة. وعندهما: سنةٌ مؤكدة، وإذا كان سُنَّةً: شُرع بعد العشاء، كركعتي العشاء. وفائدة الخلاف: إذا صلى العشاءَ بغير وضوء ناسياً، وصلى الوتر بوضوء، ثم تذكر، أو صلى العشاءَ في ثوبٍ، والوترَ في ثوب آخرَ، فتبيَّن أن الذي صلى فيه العشاء نجسٌ: فإنه يعيد العشاء، دون الوتر عنده. لأن من أصله: أنهما صلاتان واجبتان جَمَعَهما وقتٌ واحد، کالمغرب والعشاء بمزدلفة، وكالفائتة مع الوقتية، إذا صلى الفائتةَ على غير وضوء ناسياً، ثم الوقتيةَ بوضوء: فإنه يعيد الفائتة، ولا یعید الوقتیةَ، كذلك الوتر مع العشاء. وعندهما: يعيد العشاء والوتر؛ لأن من أصلهما: أنه سُنَّةٌ؛ لأنه يُفعل بعد العشاء على طريق التبع، فلا يثبت حكمه قبل العشاء، فإذا أعاد العشاءَ: أعاد ما هو تبعٌ لها، كالركعتين بعد العشاء. - وفي ((النهاية)): لو أوتر قبل العشاء متعمداً: أعادها بلا خلاف. - وإن أوتر ناسياً للعشاء، أو صلى العشاءَ على غير وضوء، ثم نام، وقام، وتوضأ وأوتر، ثم تذكر: فعنده: لا يعيد الوتر. ٢٩٢ كتاب الصلاة ويُستحبُّ الإسفارُ بالفجر. والإبرادُ بالظهر في الصيف، وعندهما: يعيدها في الحالتين؛ لأنها سنةٌ من سنن العشاء، كركعتيها. - ولو صلى العشاء وركعتيها، ثم تبيَّن له فسادٌ في العشاء وحدها: أعادها وأعاد الركعتين، إجماعاً؛ لأنها تُبنى عليها. [الأوقات المستحب أداء الصلوات فيها : ] * قوله: (ويُستحبُّ الإسفارُ بالفجر). الذي تقدَّم من الأوقات هو أوقات الجواز، والآن شرع في أوقات الاستحباب. - وحدُّ الإسفار: أن يَدخل مُغلِساً، ويُطوِّلَ القراءةَ، ويَختمَ بالإسفار. وقال الحَلواني: يبدأ بالإسفار، ويختم به، وهو الظاهر. وقيل: حدُّ الإسفار: أن يصليَ في النصف الثاني. وقيل: هو أن يصليَ في وقتٍ لو صلى بقراءةٍ مسنونة مرتَّلة، فإذا فرغ و لو ظهر له فسادٌ في طهارته: أمكنه الوضوءَ والإعادةُ قبل طلوع الشمس. - وهذا كله في السفر والحضر في الأزمنة كلها، إلا يوم النحر بالمزدلفة للحاج. * قوله: (والإبرادُ بالظهر في الصيف). - وحدُّه: أن يصليها قبل المثل. ٢٩٣ كتاب الصلاة وتقديمُها في الشتاء. وتأخيرُ العصر ما لم تتغيَّر الشمسُ. - وإنما يستحب الإبراد بثلاثة شرائط: أحدها: أن يصلي الصلاةَ بجماعةٍ في مسجدٍ جماعة. والثاني: أن يكون في البلاد الحارة. والثالث: أن يكون ذلك في شدة الحر. وقال الشافعي(١): إن صلىُ في بيته: قدَّمها. * قوله: (وتقديمُها في الشتاء)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا (٢) فعل (٢). * قوله: (وتأخيرُ العصر ما لم تتغير الشمس)، هذا في الأزمنة كلها. - واختلفوا في التغيُّر: قال بعضهم: هو أن يتغير الشعاع على الحيطان. وقيل: هو أن يتغير القرص، ويصيرَ بحال لا تَحَار فيه الأعين، وهو الصحيح. - فإن صلى في الوقت المكروه عصرَ يومه: جاز، مع الكراهة. (١) مغني المحتاج ١٢٦/١. (٢) شرح معاني الآثار ١٨٨/١، سنن البيهقي ١٩١/٣، وينظر صحيح البخاري (٩٠٦). ٢٩٤ كتاب الصلاة وتعجيلُ المغرب. وتأخيرُ العشاء إلى ما قبل ثلثِ الليل. ويُستحبُّ في الوتر لمَن يَألفُ صلاةَ الليل أن يؤخِّر الوترَ إلى آخر الليل، فإن لم يَثِقْ بالانتباه : أوتر قبل النوم. * قوله: (وتعجيلُ المغرب). - يعني في الأزمنة كلها، إلا في يوم الغيم: فإنه يستحب التأخير حتى يتيقن الغروبَ بغالب الظن. * قوله: (وتأخيرُ العشاء إلى ما قبل ثلث الليل). والتأخير إلى نصف الليل: مباحٌ. - وإلى ما بعد النصف: مكروهٌ. - وهذا كله في الشتاء، أما في الصيف: فيستحب تعجيلها؛ لأجل قصر اللیل. * قوله: (ويستحبُّ في الوتر لمَن يألفُ صلاةَ الليل أن يؤخرها إلى آخر الليل). لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن طمع أن يقوم آخر الليل: فليوتر آخرَه، فإن صلاة الليل محضورة))(١). * قوله: (فإن لم يثق من نفسه(٢) بالانتباه: أوتر قبل النوم). (١) صحيح مسلم (٧٥٥). (٢) قوله: من نفسه: غير مثبت في نسخ القدوري. ٢٩٥ كتاب الصلاة لما روى أبو هريرة قال: ((أوصاني خليلي أن لا أنام حتى أُوتر))(١). وهو محمولٌ على أنه كان لا يثق من نفسه بالانتباه. وقالت عائشة رضي الله عنها: ((مِن كلِّ الليل قد أوتَرَ رسولُ الله صلىُ الله عليه وسلم: أوتَرَ أولَه، وأوسطَه، وآخرَه، وانتهى واستمرَّ وترُه إلى السَّحَرَ، وقُبض وهو يوتر بسَحَرَ))(٢). - وإذا كان يومُ غَيْم: فالمستحب في الفجر والظهر والمغرب: التأخيرُ. وفي العصر والعشاء: التعجيلُ؛ لما في العشاء من تقليل الجماعة؛ لأجل الظلام، ولما في تأخير العصر: من توهم الوقوع في الوقت المكروه. - وضابُطه: أنك تقابل العين بالعين، فتقابل التعجيل بالعصر والعشاء، وتؤخر الباقي، والله أعلم. (١) صحيح مسلم (٧٢١). (٢) صحيح البخاري (٩٩٦)، صحيح مسلم (٧٤٥)، وينظر البدر المنير ٢٢٩/١٠. ٢٩٦ كتاب الصلاة باب الأذان الأذانُ سُنَّةٌ مؤكّدةٌ للصلوات الخمس، والجمعةِ، دون ما سواها. باب الأذان الأذان في اللغة: هو الإعلام. وفي الشرع: عبارةٌ عن إعلامِ مخصوصٍ، في أوقات مخصوصةٍ، بألفاظِ مخصوصةٍ جُعلت عَلَماً للصلاة. - وإنما قدَّمَ ذِكرَ الأوقات على الأذان؛ لأنها أسبابٌ، والسبب مقدَّمٌ على الإعلام، إذ الإعلامُ إخبارٌ عن وجود المُعْلَم به، فلا بدَّ للإخبار من سابقة وجودِ المخبر به. ولأن أثر الأوقات في حق الخواص، وهم العلماء، والأذان إعلامُ في حقِّ العوامِّ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العام، أو لزيادة مرتبة العلماء. - قال الإمام الكَرْدَري: حقيقٌ للمسلم أن يتنبّه بالوقت، فإذا لم يتنبه بالوقت: فليُنَبِّهْه الأذان. * قال رحمه الله: (الأذانُ سُنَّةٌ للصلوات الخمس، والجمعة، دون ما سواها). - الأصل في ثبوت الأذان: الكتابُ، والسُّنَّة. ٢٩٧ کتاب الصلاة أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾. المائدة/٥٨. وقولُه تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ﴾. الجمعة /٩. - وأما السُّنَّة: فحديث عبد الله بن زيد الأنصاري، وهو معروفٌ(١). - وهل الأذان أفضلُ، أم الإمامة؟ قال بعضُهم: هو أفضل من الإمامة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الأئمة ضُمناء، والمؤذِّنون أُمناء، فأرشدِ اللهُ الأئمةَ، واغفرْ للمؤذنين))(٢)، والأمينُ: أحسنُ حالاً من الضمين. ولأنه عليه الصلاة والسلام دعا للأئمة بالرشد، ودعا للمؤذنين بالمغفرة، والغفرانُ أفضل من الرشد. - ومعنى قوله: أُمناء: أي على المواقيت، فلا يؤذَّنون قبل دخول الوقت. وقيل: لأنهم مشرِفون على مواضع عالية، فيكونون أمناء على العورات. (١) سنن أبي داود (٤٩٩)، سنن الترمذي (١٨٩)، وقال: حسن صحيح. (٢) مسند أحمد ٢٨٤/٢، سنن البيهقي ٤٣٠/١، سنن أبي داود (٥١٧)، سنن الترمذي (٢٠٧)، وإسناده جيد، ينظر البدر المنير ٤٢٩/٦، التلخيص الحبير ٢٠٦/١. ٢٩٨ كتاب الصلاة وصفةُ الأذان أن يقول : الله أكبر، الله أكبر ... إلى آخره. وقال بعضهم: الإمامة أفضل؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم والخلفاءَ من بعده كانوا أئمةً، ولم يكونوا مؤذَّنين، وهم لا يختارون من الأمور إلا أفضلَها. - وقوله: سُنَّةٌ للصلوات الخمس: أي سنة مؤكدةً. - وقوله: والجمعة: فإن قيل: هي داخلة في الخمس، فلمَ أفرَدَها، وخصَّها بالذكر؟ قيل: خصَّها بالذكر؛ لأن لها أذانَيْن، ولتتميز عن صلاة العيدين؛ لأنها تُشبه العيدين من حيث اشتراط الإمام، والمصر، فربما يظن ظانّ أنها کالعيد. - وقوله: دون ما سواها: كالوتر، والتراويح، وصلاة الجنازة، والعيد، والكسوف. * قوله: (وصفةُ الأذان: أن يقول الله أكبر الله أكبر ... ) إلى آخره: أي أكبر مما اشتغلتم به، وطاعتُه أوجب، فاشتغلوا بطاعته، واتركوا أعمالَ الدنيا، وكان السلفُ إذا سمعوا الأذان: تركوا كلّ شيء كانوا فيه. * قوله: (أشهدُ أن لا إله إلا الله): أي اعلَموا أني غيرُ مخالفٍ لكم فیما دعوتُكم إليه. ٢٩٩ کتاب الصلاة ومنه: قولُه تعالى حاكياً عن شعيب عليه السلام: ﴿وَمَّا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنْكُمْ عَنْهُ﴾. هود/٨٨. * قوله: (أشهدُ أن محمداً رسول الله): محمدٌ: اسمٌ عربيٍّ، أي مستغرِقٌ لجميع المحامد. والرسول هو: الذي يتابع أخبارَ الذي بَعَثَه، مأخوذٌ من قولهم: جاءت الإبلُ رُسُلاً، أي متتابعةً. - واعلم أن ذِكْرَ الله تعالى يليه ذكرُ نبيه عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. الانشراح / ٤: أي لا أُذكَر إلا وتُذكرُ معي، فهو يُذكر في الشهادتين، وفي الأذان، والإقامة، والخطبة، والتشهد. قال حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه يمدحُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: من الله مشهودٌ يلوح ويشهد أغرُّ عليه للنبوة خاتمٌ إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد وضمَّ الإلهُ اسمَ النبي مع اسمه فذو العرش محمودٌ وهذا محمد وشَقَّ له من اسمه ليُجلَّه * قوله: (حيَّ على الصلاة): أي هَلُمُّوا تعالوا إليها. ٣٠٠ كتاب الصلاة ولا ترجيع فيه. ويزيدُ في أذانِ الفجر بعد الفلاح : الصلاةُ خيرٌ من النوم، مرتين. * قوله: (حيَّ على الفلاح): أي هَلُمُّوا إلى ما فيه فلاحُكُم، ونجاتكم، والفلاح هو: النجاة والبقاء، والمفلحون هم: الناجون. * قوله: (ولا ترجيعَ فيه). وقال الشافعي(١): يُرجَّعُ، وهو: أن يَرْجِعَ المؤذنُ بعد قوله في المرة الثانية: أشهد أن محمداً رسول الله سرّاً، إلى قوله في المرة الأُولىُ: أشهد أن لا إله إلا الله، رافعاً صوتَه(٢). : قوله: (ويزيدُ في أذان الفجر بعد الفلاح: الصلاةُ خيرٌ من النوم، مرتين). لما روي «أن بلالاً رضي الله عنه أذَّن للفجر، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُؤْذِنه بالصلاة، فقيل له: إنه نائمٌ، فقال بلال: الصلاة خيرٌ من النوم، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما أحسن هذا، اجعله في أذانك للفجر))(٣). (١) مغني المحتاج ١٣٦/١. (٢) فالترجيع: أن يأتي بالشهادتين مرةً سراً، ومرةً جهراً. (٣) سنن ابن ماجه (٧١٦)، سنن البيهقي ٤٢٣/١، وقال: إسناده صحيح، وينظر نصب الراية ٢٦٤/١.