Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب الطهارة
وإذا وُجد في البئر فأرةٌ، أو غيرُها، ولا يَدرون متى وقعت، ولم
تنتفخ، ولم تتفسَّخ : أعادوا صلاةَ يومٍ وليلةٍ إذا كانوا توضؤوا منها،
وغَسَلوا كلّ شيءٍ أصابه ماؤها.
وإن كانت قد انتفختْ، أو تفسَّختْ: أعادوا صلاةَ ثلاثةِ أيامٍ ولياليها
وعند أبي يوسف: وجهان أيضاً: أحدهما: تُحفر حُفَيرة بقدر طول
الماء وعرضه وعمقه، وتُخصَّص بحيث لا ينشف، ويُصبُّ فيها ما يُنزح
منها حتى تمتلئء.
والثاني: تُجعل فيها قصبةٌ، ويُجعل لمبلغ الماء علامة، فينزح منها
عشرون مَثَلاً، ثم تعاد القصبة فينظر كم نقص، فيُنزح لكل قدرٍ من ذلك
عشرون.
- وعند محمد: وجهان: أحدهما: ما في المتن.
والثاني: ما بین مائتين وخمسين إلى ثلثمائة، وكأنه بنى جوابه على ما
شاهد من آبار بلده.
وفائدة الخلاف بين ما في المتن والوجه الثاني: أنه يُكتفى بنزح مائتين
وعشرين على ما في المتن، ولا يُكتفى به على الوجه الثاني.
* قوله: (وإذا وُجد في البئر فأرةٌ ميتةٌ، أو غيرُها، ولا يدرون متى
وقعت، ولم تنتفخٍ، ولم تتفسخ: أعادوا صلاةَ يومٍ وليلةٍ إذا كانوا توضؤوا
منها، وغَسَلوا كلّ شيء أصابه ماؤها.
وإن كانت قد انتفخت، أو تفسَّخت: أعادوا صلاةً ثلاثة أيام ولياليها

١٨٢
كتاب الطهارة
في قول أبي حنيفة رحمه الله.
في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى).
مَيْتَةٌ: بالتخفيف؛ لأن بالتشديد: يُطلَق على الحي، قال الله تعالى:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾. الزمر / ٣٠: أي ستموتُ، وما قد مات: يقال له: مَيْت:
بالتخفيف، قال الشاعر:
ومَن يَكُ ذا رُوْحٍ فذلك ميِّتٌ وما المَيْتُ إلا مَن إلى القبر يُحمَل
- قوله: إذا کانوا توضؤوا منها: أي وهم محدثون.
- قوله: وغَسَلوا كلّ شيءٍ أصابه ماؤها: أي غسلوا ثيابَهم من نجاسة.
- أما إذا توضؤوا منها وهم متوضئون، أو غسلوا ثيابَهم من غير نجاسة:
فإنهم لا يعيدون، إجماعاً، كذا أفاد شيخنا موفق الدين(١) رحمه الله.
والمعنى فيه: أن المارَّ صار مشكوكاً في طهارته ونجاسته، فإذا كانوا
محدِثين بيقينٍ: لم يَزُل حدثُهم بماءٍ مشكوكِ فيه، وإذا كانوا متوضئين: لا
تبطل صلاتهم بماءٍ مشكوكٍ في نجاسته؛ لأن اليقين لا يَرتفع بالشك.
- وإن وَجَدَ في ثوبه نجاسةً مغلَّظة أكثرَ من قدر الدرهم، ولم يَعلم
بالإصابة: لم يُعِد شيئاً، بالإجماع، وهو الأصح؛ لأن الثوب بمرأى
بصره، فلا بدَّ أن يطلع عليه هو أو غيرُه، فإذا لم يطلع عليها: عُلِم أنها
أصابته للحال، بخلاف البئر؛ لأنها غائبةٌ عن بصره.
(١) لم أقف على ترجمة له بعد بحثٍ طويل.

١٨٣
كتاب الطهارة
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: ليس عليهم إعادة شيٍ
حتى يتحقَّقُوا متى وقعت.
وسُؤْرُ الآدميِّ، وما يؤكَلُ لحمُه : طاهرٌ.
- ولو وَجَدَ في ثوبه مَنياً: أعاد الصلاةَ من آخر نومة نامها فيه.
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله تعالى: ليس عليهم
إعادةُ شيءٍ حتى يتحققوا متى وقعت).
وكان أبو يوسف أولاً يقول بقول أبي حنيفة، حتى رأى طائراً في
منقاره فأرةٌ میتةٌ ألقاها في بئرٍ، فرجع إلى قول محمد.
لأنهم (١) على يقينٍ من طهارة البئر فيما مضى، وفي شكٍّ من نجاستها
الآن، فلا يزول اليقينُ بالشك.
وأبو حنيفة يقول: قد زال هذا الشك بيقين النجاسة، فوجب اعتباره،
ولأن للموت سبباً ظاهراً، وهو الوقوع في الماء، فيُحال بالموت عليه.
- وعدم الانتفاخ: دليل قُرْب العهد، فقُدِّر بيومٍ وليلة، والانتفاخُ دليل
التقادم، فقُدِّر بالثلاث، ألا ترى أن مَن دُفن قبل أن يُصلى عليه: فإنه
يُصلى على قبره إلى ثلاثة أيام، ولا يُصلى عليه بعد ذلك؛ لأنه يتفسخ.
[أحكام الأسار : ]
* قوله: (وسُؤر الآدمي، وما يُؤكل لحمُه: طاهرٌ):
(١) تعليل لقول الصاحبين.

١٨٤
كتاب الطهارة
وسُؤْرُ الكلب، والخنزير، وسباعِ البهائم : نجسٌ.
السؤر على خمسة أنواع:
١ - سؤرٌ طاهرٌ، بالاتفاق.
٢ - وسؤرٌ نجسٌ، بالاتفاق.
٣- وسؤرٌ مختلفٌ فیه.
٤ - وسؤرٌ مكروهٌ.
٥ - وسؤرٌ مشكوكٌ فيه.
١ - أما الطاهر: فسؤر الآدمي، وما يُؤكل لحمه.
ويدخل فيه الجُنُبُ، والحائض، والنفساء، والكافرُ، إلا سؤر شارب
الخمر، ومَن دَمِيَ فوه إذا شربا على فورهما: فإنه نجسٌ، فإن ابتلع ريقَه
مراراً: طهُر فمُه، على الصحيح.
- وكذا سؤر مأكولِ اللحم: طاهرٌ، كلبنه، إلا الإبلَ الجلاَّلة، وهي
التي تأكل القَذَر: فإن سؤرها مكروهٌ، فإن كانت تُعلف، أو أكثر علفها
علف الدواب: لا یکره.
٢- وأما النجس: فسؤر الكلب والخنزير، إلا أن في سؤر الكلب
خلاف مالك(١)، فإنه عنده طاهرٌ، ويُغسل الإناء منه سبعاً عنده على طريق
العبادة، لا على سبيل النجاسة.
: قوله: (وسؤر الكلبِ، والخنزيرِ، وسباع البهائم: نجسٌ).
(١) الشرح الكبير ٤٣/١، جواهر الإكليل ٧/١.

١٨٥
كتاب الطهارة
قدَّم الكلبَ والخنزير؛ لموافقة الشافعي(١) لنا فيهما، وأخَّر السباعَ؛
لمخالفته لنا فيها.
وسباعُ البهائم: ما يَصطاد بنابه، كالأسد والذئب والفهد والنمر
والثعلب والفيل والضبع، وأشباه ذلك.
٣- والسؤر المختلف فیه: هو سؤر السباع، فعندنا هو نجسٌ.
وعند الشافعي : طاهرٌ.
لنا: أنها محرَّمةُ الألبان واللحم، ويمكن الاحتراز من سؤرها، فكان
سؤرها نجساً، كسؤر الكلاب والخنازير.
وأما قوله عليه الصلاة السلام حين ((سئل عن الماء يكون في
الفَلَوات، وما ينوبُه من السباع والكلاب، فقال: لها ما أخذتْ في بطونها،
وما بقي: فهو لنا شرابٌ وطهورٌ) (٢): فهو محمولٌ على الماء الكثير، ألا
تراه ذَكَرَ الكلابَ، وسؤرُها نجسٌ، بالاتفاق.
- قال في ((النهاية)): ذَكَرَ محمدٌ نجاسةَ سؤر السباع، ولم يبيِّن أنها
نجاسةٌ غليظة أو خفيفة، وقد روي عن أبي حنيفة: أنها غليظةٌ، وعن أبي
یوسف: خفيفةٌ کبول ما يؤكل لحمه.
(١) المجموع ١/ ١٧٣.
(٢) سنن ابن ماجه (٥١٩)، وهو ضعيف، كما في نصب الراية ١٣٦/١،
والدراية ١ / ٦٢.

١٨٦
كتاب الطهارة
وسؤرُ الهِرَّة،
٤- وأما السؤر المكروه: فهو سؤر الهرة والدجاجة المخلاّة، وسواكن
البيوت، كالفأرة، والحية، وسباع الطير، وهي التي لا يُؤكل لحمُها،
كالصقر والباز والعُقَّاب والغراب الأسود والحِدَأة، وأشباه ذلك.
* قوله: (وسؤر الهرة).
أما كراهة سؤرها: فهو قولهما، وعند أبي يوسف: ليس بمكروه.
- وهل كراهيته عندهما كراهة تحريم، أو تنزيهِ؟
الصحيح: أنها كراهة تنزيه.
وفي ((الهداية)) (١): كراهيتُه؛ لحرمة لحمها، وهو قول الطحاوي، وهذا
يشير إلى القُرب من كراهة التحريم.
وقيل: لعدم تحاميها النجاسةَ، وهو قول الكرخي، وهو الصحيح،
وهذا يشير إلى كراهة التنزيه.
- وإنما يكره الوضوء بسؤرها عندهما إذا وُجد غيرُه، أما إذا لم يوجد
غيره: لا یکره.
وكان القياس أن يكون سؤرها نجساً؛ نظراً إلى اللحم، إلا أن
الضرورة بالطواف أسقطت ذلك، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة
(١) ٢٣/١.

١٨٧
كتاب الطهارة
والدجاجةِ المُخلَّة، وسباعِ الطير، وما يسكنُ البيوتَ، مثلُ الحية والفأرة :
مكروهٌ.
والسلام: ((إنها من الطوَّافين عليكم والطوَّافات))(١).
- فإن لحست الهرة عضوَ إنسان: يكره أن يصلي من غير غسله
عندهما.
- وكذا إذا أكلت من شيء: يكره أكل باقيه.
قال في ((الكامل)): إنما يكره ذلك في حق الغني؛ لأنه يقدر على
بَذْله، أما في حق الفقير: لا يكره؛ للضرورة.
- فإن أكلت الهرةُ فأرةً، وشربتْ على فورها: تنجَّس الماء، إلا إذا
مكثتْ ساعةً، لغَسْلها فمها بلُعابها.
* قوله: (والدجاجة المخلاّة، وسباع الطير، وما يَسكن البيوتَ، مثل
الحية والفأرة: مكروهٌ)؛ لأنها تخالط النجاسات، إذ لو كانت محبوسةً
بحيث لا يصل منقارُها إلى ما تحت قدمها: لا يكره؛ لأن الأصل فيها
الطهارةُ؛ نظراً إلى اللحم، بخلاف الهرة فإنها ولو حُبست: لا تزول
الكراهة؛ لأنها غير مأكولة اللحم.
- وأما كراهة سؤر سباع الطير؛ فلأنها تأكل الميتات عادةً، فأشبهت
الدجاجة المخلاّة، فلو حُبست: زالت الكراهة؛ لأنها تشرب بمنقارها،
(١) سنن أبي داود (٧٥)، سنن الترمذي (٩٢)، وقال: حسن صحيح، سنن ابن
ماجه (٣٦٧)، وينظر نصب الراية ١٣٦/١.

١٨٨
كتاب الطهارة
وسؤرُ الحمار والبغلِ : مشكوكٌ فيهما،
وهو عَظْمٌ، بخلاف الهرة فإنها تشرب بلسانها، وهو لحمٌ، والعظم طاهرٌ،
بخلاف اللحم.
- فإن قيل: ينبغي أن يكون سؤرها نجساً؛ نظراً إلى اللحم، كسباع
البهائم.
قيل: إنها تشرب بمناقيرها، والسباع بألسنتها، وهي رطبةٌ بلعابها،
ولأن سباع الطير تتحقق فيها الضرورة، فإنها تَنقَضُّ من الهواء فتشرب،
فلا يمكن صَوْنُ الأواني عنها.
* قوله: (وسؤر البغل والحمار: مشكوكٌ فيهما).
٥- وهذا هو النوع الخامس من الأسآر.
- وهل الشك في طهارته، أو في طُهوريته؟
قال بعضُهم: في طهارته؛ لأنه لو كان طاهراً: لكان طهوراً، وبهذا
93
قَطَعَ الصيرفيّ رحمه الله.
وتفريعُه على هذا القول: أن العرق واللعاب يُعفى عنه في الأبدان
والثياب ما لم يفحش؛ للضرورة.
وأن لبنه: نجسٌ، حتى لو أصاب الثوبَ منه أكثرُ من قدر الدرهم: مَنَعَ
الصلاةَ، ولا يجوز شربه.
- وقال بعضهم: الشك في طُهوريته، ولا شك في كونه طاهراً، وهو

١٨٩
كتاب الطهارة
اختيار صاحب ((الهداية))(١)، وصاحب ((الوجيز))، وقال في ((الهداية)): وهو
الأصح.
وتفريعه عندهم: أن لبنه وعرقه طاهرٌ، ولو وقع في الماء: يجوز
الوضوء به ما لم يغلب على الماء. نصَّ على هذا في ((الوجيز)).
- وهل يطهِّرِ النجاسةَ على هذا القول؟
قال بعضهم: نعم، وقال بعضهم: حكمُه: أنه لا يُطهِّرِ النجسَ، ولا
ينجِّس الطاهر. كذا في ((إيضاح)) الصيرفي.
- وفي ((الهداية))(٢): لبن الحمار: طاهرٌ، وكذا: عرقه طاهرٌ.
وقال في ((النهاية)): أما عرقه: فصحيحٌ، وأما لبنه: فغير صحيح، بل
الرواية في الكتب المعتبرة نجاستُه، أو تسوية النجاسة والطهارة فيه، ولم
يرجِّح جانبَ الطهارة أحدٌ، إلا في روايةٍ غير ظاهرة عن محمد.
- وفي ((المحيط)): لبنُ الأتان: نجسٌ، في ظاهر الرواية.
وروي عن محمد: أنه طاهرٌ، ولا يؤكل.
قال التمرتاشي: وعن البزدوي: أنه يُعتبر فيه الكثير الفاحش، وهو
الصحیح.
(١) ١/ ٢٤.
(٢) ٢٤/١.

١٩٠
كتاب الطهارة
فإن لم يجد غيرَهما : توضأ بهما، وتيمَّم، وبأيِّهما بدأ : جاز.
وعن شمس الأئمة: الصحيح أنه نجسُ نجاسةً غليظةً؛ لأنه حرامٌ،
بالإجماع.
- وعَرَقُ الحمار: طاهرٌ، في الروايات المشهورة.
- وسؤر البغل: مثل سؤر الحمار؛ لأنه من نسل الحمار، فيكون
بمنزلته؛ لأن أُمَّ من الخيل، وأباه من الحمير، فكان كسؤر فرسٍ خُلِط
بسؤر حمار.
قوله: (فإن لم يجد غيرَهما: توضأ بهما وتيمم، وأيَّهما قدَّمه:
جاز):
وقال زفر: لا يجوز إلا أن يقدِّم الوضوء على التيمم؛ لأنه ماءٌ واجبُ
الاستعمال، فأشبه الماءَ المطلق.
ولنا: أن المطهِّر أحدُهما، فيفيد الجمعَ، دون الترتيب.
ـ ومعنى قولهم: يفيد الجمعَ: أي لا تخلو الصلاة الواحدة عنهما وإن
لم يوجد الجمعُ في حالة واحدة، حتى إنه لو توضأ بسؤر الحمار،
وصلى، ثم أحدث وتيمم وصلى تلك الصلاة أيضاً: جاز؛ لأنه جمع
الوضوء والتيمم في حق صلاة واحدة. كذا في ((النهاية)).
- وعن نصير بن يحيىُ: في رجلٍ لم يجد إلا سؤر حمار؟ قال:
يُهريقُه حتى يصير عادِماً للماء، ثم يتيمم.
فعُرض قولُه على أبي قاسم الصفَّار، فقال: هو قولٌ جيدٌ.

١٩١
كتاب الطهارة
- وقال في ((النوادر)): لو توضأ بسؤر الحمار وتيمم، ثم أصاب ماءً
٩
طاهراً، ولم يتوضأ به حتى ذهب الماء، ومعه سؤر حمارٍ: فعليه إعادة
التيمم، وليس عليه إعادة الوضوء بسؤر الحمار؛ لأنه إن كان مطهِّراً: فقد
توضأ به، وإن كان نجساً: فليس عليه أن يتوضأ به لا في المرة الأولى، ولا
في المرة الثانية.
- وسؤر الفرس: طاهرٌ عندهما؛ لأنه مأكولُ اللحم عندهما.
وكذا عند أبي حنيفة أيضاً طاهرٌ، في الصحيح؛ لأن كراهة لحمه؛
لإظهار شرفه، لا لنجاسته.
- وأما سؤر الفيل: فنجسٌ؛ لأنه سبُعٌ ذو ناب.
- وكذا سؤر القِرد: نجسٌ أيضاً؛ لأنه سبُعٌ.
- وعَرَقُ كل شيء: مثل سؤره.
ــ وعَرَقُ البغل والحمار ولعابُهما إذا وقعا في الماء: يجوز شربه،
ولكن إذا أراد الوضوءَ به، ولم يجد غيره: فإنه يتوضأ به، ویتیمم.
- وإن أصاب الثوبَ شيء من لعابهما أو عَرَقهما: فإنه لا يمنع الصلاةَ
وإن فَخُش، في ظاهر الرواية.
وعن أبي يوسف: يمنع إذا فَحُش. كذا في ((الخُجَندي)).
- وعَرَقُ الجنب والحائض والنفساء: طاهرٌ، والله أعلم.

١٩٢
باب التیمم
باب التيمم
٤١
باب التیمم
لما بَيَّن الشيخُ الطهارةَ بالماء بجميع أنواعها من الصغرى والكبرى،
وما ينقضها: عقّبها بخَلَفها، وهو التيمم؛ لأن الخَلَفَ أبداً يقفُو الأصلَ،
أي لا يكون إلا بعده.
* والتيمم ثابتٌ بالكتاب والسُّنَّة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
النساء / ٤٣.
وأما السنة: فقوله صلى الله عليه وسلم: ((التيمم طهورُ المسلم ما لم
يجدِ الماء)(١).
- والتيمم في اللغة: هو القصد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيِثَ
مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾. البقرة/ ٢٦٧، أي لا تقصدوا.
وفي الشرع: عبارةً عن استعمال جزءٍ من الأرض طاهرٍ، في محل
التيمم.
(١) سنن أبي داود (٣٣٢)، سنن الترمذي (١٢٤)، وقال: حسن صحيح،
وينظر نصب الراية ١٤٨/١.

١٩٣
باب التیمم
ومَن لم يَجِدِ الماءَ وهو مسافرٌ،
وقيل: عبارةٌ عن قَصْدٍ إلى الصعيد للتطهير، وهذه العبارة أصح؛ لأن
في العبارة الأولى اشتُرط استعمالُ جزءٍ من الأرض، والتيمم بالحجر يجوز
وإن لم يوجد استعمال جزئه.
: قوله: (ومَن لم يجد الماءَ وهو مسافرٌ):
- المراد من الوجود: القدرةُ على الاستعمال، حتى إنه لو كان
مريضاً، أو على رأس بئرٍ بغير دلوٍ، أو كان قريباً من عينٍ وعليها عدوٍّ أو
سَبُعٌ أو حيةٌ لا يستطيع الوصولَ إليه: لا يكون واجداً.
- والمراد أيضاً من الوجود: ما يكفي لرفع حدثه، وما دونه:
كالمعدوم.
- ويشترط أيضاً إذا وُجد الماء: أن لا يكون مستحقّاً بشيء آخر، كما
إذا خاف العطشَ على نفسه، أو رفيقه، أو دابتِه، أو كلابِه لماشيته أو
صيده في الحال، أو في ثاني الحال: فإنه يجوز له التيمم.
- وكذا إذا كان محتاجاً إليه للعجن، دون اتخاذ المَرَقَة.
- وسواء كان رفيقَه المخالطَ له، أو آخرَ من أهل القافلة.
- فإن قيل: لم قدَّم المسافرَ على المريض، وفي القرآن تقديم
المريض، قال الله تعالى: ﴿وَإِن كُنُم ◌َّرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. النساء / ٤٣؟
قيل: لأن الحاجة إلى ذِكْر المسافر أمسُّ؛ لأنه أعمُّ وأغلب؛ لأن
المسافرين أكثرُ من المرضى، وإنما قَدَّم في القرآن المريضَ؛ لأن الآية

١٩٤
باب التيمم
أو خارجَ المِصر وبينَه وبين المِصر نحو المِيل أو أكثر،
نزلت لبيان الرخصة، وشُرعت الرخصةُ مَرَحَمَةً للعباد، والمريضُ أحقُّ
بالمرحمة.
* قوله: (أو خارجَ المصر):
نُصب على الظرف، تقديره: أو في خارج المصر: أي في مكانٍ خارج
المصر.
- وسواء في كونه خارجَ المصر للتجارة، أو للزراعة، أو للاحتطاب،
أو للاحتشاش، أو غير ذلك.
- وفيه إشارةٌ إلى أنه لا يجوز التيمم لعدم الماء في المصر، سوى
المواضع المستثناة، وهي ثلاثة:
خوفُ فَوْت صلاة الجنازة، أو صلاة العيد، أو خَوْف الجنب من البرد.
وعن السُّلَمي: جواز ذلك(١)، والصحيح عدم الجواز؛ لأن المصر لا
يخلو عن الماء.
* قوله: (وبينَه وبين المصر نحو المِيل، أو أكثر):
التقييد بالمصر غير لازم، والمراد: بينه وبين الماء.
والتقييد بالمِيل هو المشهور، وعليه أكثر العلماء.
وقال بعضهم: أن يكون بحيث لا يسمع الأذانَ.
(١) أي جواز التيمم في المصر لعدم الماء مطلقاً، وليس في الصور الثلاث فقط.

١٩٥
باب التیمم
أو كان يجدُ الماءَ، إلا أنه مريضٌ، فخاف إن استَعمل الماءَ : اشتدّ مرضُه،
وقيل: إن كان الماء أمامَه: فميلان، وإن كان خلفه، أو يمينه، أو
يساره، فمِیل.
وقال زفر: إن كان بحالٍ يصل إلى الماء قبل خروج الوقت: لا يجوز له
التيمم، وإلا: فيجوز وإن قَرُب.
وعن أبي يوسف: إن كان بحيث إذا ذهب إليه وتوضأ: تذهب القافلة،
وتَغیبُ عن بصره: يجوز له التيمم.
قال في ((الذخيرة)): وهذا حسنٌ جداً.
- والمِيلُ: ألفُ خطوة للبعير، وهو أربعة آلاف ذراع(١).
- فإن قيل: ما الحاجة إلى قوله: أو أكثر: وقد عُلم جوازه مع قدر
المیل؟
قيل: لأن المسافة إنما تُعرف بالحَزْر والظن، فلو كان في ظنه نحو
الميل أو أقل: لا يجوز، وإن كان في ظنه نحو الميل أو أكثر: جاز، حتى
لو تیقن أنه میل : جاز.
* قوله: (أو كان يجدُ الماءَ إلا أنه مريضٌ، فخاف إن استعمل الماءَ:
اشتدّ مرضُه).
المريضُ له ثلاث حالات:
(١) ويساوي الميل بالأمتار: ١٨٤٨ متراً.

١٩٦
باب التیمم
١- أحدُها: إذا كان يَستضرُّ باستعمال الماء، كمَن به جَدَريٌّ، أو
حُمَّىَ، أو جراحةٌ يضره الاستعمال: فهذا يجوز له التيمم، إجماعاً.
٢- والثانية: إن كان لا يضره إلا الحركة إليه، ولا يضره الماء،
كالمبطون، وصاحب العِرْقِ المَدِيني، فإن كان لا يجد من يستعين به: جاز
له التيمم أيضاً، إجماعاً.
وإن وُجد: فعند أبي حنيفة: يجوز له التيمم أيضاً، سواء كان (١) من
أهل طاعته، أوْ لا، وأهلُ طاعته: عبدُه، أو ولدُه، أو أجيرُه.
وعندهما: لا يجوز له التيمم. كذا في ((التأسيس)).
وفي ((المحيط)): إذا كان من أهل طاعته: لا يجوز، إجماعاً.
٣- والثالثة: إذا كان لا يقدر على الوضوء، لا بنفسه ولا بغيره، ولا
على التيمم، لا بنفسه ولا بغيره: قال بعضهم: لا يصلي؛ على قياس قول
أبي حنيفة حتى يقدر على أحدهما.
وقال أبو يوسف: يصلي تشبهاً، ويُعيد.
وقول محمد مضطربٌ: في رواية(٢) ((الزيادات)): مع أبي حنيفة.
وفي رواية أبي سليمان: مع أبي يوسف.
(١) أي المستعان به.
(٢) وفي نسخ: روايات.

١٩٧
باب التيمم
أو خاف الجُنُّبُ إن اغتسل بالماء : أن يَقتُلَه البردُ، أو يُمْرِضَه: فإنه يَتِيمَّم
بالصعيد الطاهر.
والتیممُ : ضربتان،
- ولو حُبِس في المصر ولم يجد ماء، ووجد الترابَ الطاهر: صلى
بالتيمم عندنا، وأعاد إذا خلص، وعند زفر: لا يصلي.
- وقال محمد بن الفضل: إن كان مقطوعَ اليدين والرجلين، أو كان
بوجهه جراحةٌ: صلى بغير طهارة.
* قوله: (أو خاف الجُنُبُ إن اغتسل بالماء أن يقتلَه البردُ، أو يُمْرِضَه:
فإنه يتيمم بالصعيد الطاهر).
هذا إذا كان خارجَ المصر، إجماعاً.
وكذا في المصر أيضاً عند أبي حنيفة، خلافاً لهما.
- وقَيَّد بالغَسل؛ لأن المحدث في مصرٍ إذا خاف من التوضئ الهلاكَ
من البرد: لا يجوز له التيمم، إجماعاً، على الصحيح. كذا في ((المصفَّى)).
* قوله: (والتيمم: ضربتان).
- وهل الضربتان من التيمم؟
قال ابن شجاع: نعم، وإليه أشار الشيخ، وقال الإسبيجابي: لا.
وفائدته: فيما إذا ضرب، ثم أحدث قبل مسح الوجه، أو نوى بعد
الضرب: فعند ابن شجاع: لا يجوز؛ لأنه أتى ببعض التيمم، ثم أحدث،
فينتقض، وعند الإسبيجابي: يجوز، كمَن ملأ كفّه ماءَ للوضوء، ثم
أحدث، ثم استعمله في الوجه: فإنه يجوز.

١٩٨
باب التیمم
يَمسحُ بإحداهما وجهَه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين.
* قوله: (يمسح بإحداهما وجهَه، وبالأخرى ذراعيه إلى المرفقين).
ولا يشترط تكراره إلى الثلاث، كما في الوضوء؛ لأن التراب ملوِّثٌ،
وليس بطهارة في الحقيقة، وإنما عُرف مطهِّراً شرعاً، فلا حاجة إلى كثرة
التلويث إذا كان المراد قد حصل بمرة.
- وقوله: بإحداهما: إشارةٌ إلى سقوط الترتيب.
- وقوله: يمسح: إشارةٌ إلى أنه لو ذرَّ الترابَ على وجهه، ولم
یمسحه: لم يُجْز، وقد نصّ عليه في ((الإيضاح)) أنه لا يجوز.
- ويشترط الاستيعابُ، وهو الصحيح.
- ولا يجب عليه مسح اللحية، ولا مسح الجبيرة.
- ولو مسح بإحدى يديه وجهَه، وبالأخرىُ(١) يدَه: أجزأه في الوجه
واليد الأُولىُ، ويُعيد الضرب لليد الأخرى.
- قوله: إلى المرفقين: احترازٌ عن قول الزهري، فإنه يَشترط المسحَ
إلى المنکبین.
وعن قول مالك(٢)، حيث يكتفي به إلى نصف الذراعين.
- وفيه: تصريحٌ باشتراط الاستيعاب، هو الصحيح.
(١) أي مسح باليد الأخرى اليد الأُولىُ.
(٢) الشرح الكبير ١٥٥/١.

١٩٩
باب التیمم
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه ليس بشرط، حتى لو مسح الأكثرَ:
جاز.
- فإذا قلنا بالاستيعاب: وجب نزع الخاتم، وتخليلُ الأصابع.
وفي ((الهداية)) (١): لا بدَّ من الاستيعاب، في ظاهر الرواية؛ لقيامه مقام
الوضوء.
* وسُنَّة التيمم: أن يسمِّي الله تعالى قبل الضرب.
ويُقبِلَ بيديه ويُدبِر، ثم ينفضَهما عند الرفع نفضةً واحدة، في ظاهر
الرواية، وعن أبي يوسف: نفضتين.
ويفعل في الضربة الثانية كذلك.
- وليس عليه أن يتلطخ بالتراب؛ لأن المقصود هو المسح، دون
التلویث.
وكيفية التيمم: أن يضرب بيديه ضربةً واحدةً، ويرفعَهما،
وينفضَهما حتى يتناثر الترابُ، ويمسحَ بهما وجهَه.
ثم يضرب أخرى، وینفضهما، ويمسحَ بباطن أربع أصابع يده اليسرىُ
ظاهرَ كفِّه اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق.
ثم بباطن كفه اليسرى باطنَ ذراعه اليمنىُ إلىُّ الرسغ، ويُمِرُّ بباطن
(١) ١/ ٢٥.

٢٠٠
باب التيمم
والتيممُ من الجَنَابة والحَدَثِ سواءٌ.
ويجوز التيممُ عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله بكل ما كان من
جنس الأرض،
إبهامه الیسری على ظاهر إبهامه الیمنی.
ثم يفعل بیده الیسری کذلك.
- فإن قيل: لم كان التيمم في الوجه واليدين خاصة؟
قيل: لأنه بدلٌ عن الأصل، وهو الغَسل، والرأس ممسوحٌ، والرِّجلان
فرضُهما متردِّدٌ بين المسح(١) والغسل.
* قوله: (والتيممُ من الجنابة والحَدَثِ: سواءٌ)، يعني فعلاً، ونيةً.
وعند أبي بكر الرازي: لا بدَّ من نية التمييز، إن كان للحدث: نوى
رفعَ الحدث، وإن كان للجنابة: نوى رفعَ الجنابة.
والصحيح أنه لا يحتاج إلى نية التمييز، بل إذا نوى الطهارةَ، أو
استباحةَ الصلاة: أجزأه.
- وكذا التيمم للحيض، والنفاس.
* قوله: (ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد بكل ما كان من جنس
الأرض).
وهو ما إذا طُبع: لا ينطبع ولا يَلين، وإذا أُحرق: لا يصير رماداً.
(١) أي عند لُبس الخف.