Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ كتاب الطهارة وأما الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسةٌ : جاز الوضوءُ منه إذا لم يُرَ لها أثرٌ؛ لأنها لا تَستقرُّ مع جَرَیان الماء. * قوله: (وأما الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسةٌ: جاز الوضوء منه): و حدُّ الجاري: ما لا يتكرَّر استعمالُه، وقيل: ما يَذْهب بِتِبْنِه. - ولو جلس الناس صفوفاً على شَطُّ نهرٍ، وتوضؤوا منه: جاز، وهو الصحيح. وعن أبي يوسف قال: سألتُ أبا حنيفة رحمه الله عن الماء الجاري يغتسلُ فيه رجلٌ من جنابة: هل يتوضأ رجلٌ أسفلَ منه؟ قال: نعم. * قوله: (إذا لم يُرَ لها أثرٌ؛ لأنها لا تستقرُّ مع جريان الماء). الأثر هو: اللونُ والطعم والرائحة. - وهذا إذا كانت النجاسةُ مائعةً، أما إذا كانت دابةً ميتةً: إن كان الماء يجري عليها، أو على أكثرها، أو على نصفها: لا يجوز استعمالُه. وإن كان يجري على أقلها، وأكثرُه يجري على موضعٍ طاهر، وللماء قوةٌ: فإنه يجوز استعمالُه إذا لم يوجد للنجاسة أثرٌ. وفي ((شرح ابنٍ أبي عَوْف)): إذا كانت النجاسةُ مرئيةً، كدابة ميتة: لم و يجز الوضوء مما قَرُب منها، ويجوز مما بَعُد. - وهذا إنما هو قول أبي يوسف خاصةً، وأما عندهما: فلا يجوز الوضوء من أسفلها أصلاً. * وفي هذه المسألة تفصيل: ١٦٢ كتاب الطهارة والغَديرُ العظيمُ الذي لا يَتحرَّك أحدُ طَرَفَيْهِ بتحريك الطرفِ الآخر، إذا و وقعتْ نجاسةٌ في أحدٍ جانبَيْه : جاز الوضوءَ من الجانب الآخر. - إن كانت الميتة شاغلةً لبعض النهر: جاز الوضوء مما بَعُد، ولا يجوز مما قَرُب. ويُعرف القُرب والبُعد: بأن يُجعل في الماء صِبْغَ، فما بلغ الصِّبغ من جَرْية الماء: فلا تصح منه الطهارة، ويصح مما وراء ذلك. - وإن كانت شاغلةً لكل النهر، أو لأكثره: لم يجز الوضوء مما سَفَل ٩ منها أصلاً، ويصح من أعلاها. - وإن شغلت نصفَ النهر: فالصحيح أنه لا تجوز به الطهارةُ. * قوله: (والغديرُ العظيمُ: الذي لا يتحرَّك أحدُ طرفَيْه بتحريك الطرف ٩ الآخر، إذا وقعتْ نجاسةٌ في أحد جانبيه: جاز الوضوء من الجانب الآخر). التحريك عند أبي حنيفة: يُعتبر بالاغتسال من غير عُنفٍ، لا بالتوضیء؛ لأن الحاجة إلى الاغتسال في الغُدْران أشدُّ من الحاجة إلى التوضىء؛ لأن الوضوء يكون في البيوت غالباً. وعند أبي يوسف. يُعتبر باليد؛ لأن هذا أدنى ما يُتوصَّل به إلى معرفة الحركة. وعند محمد: بالتوضئء، وصحَّح في ((الوجيز)) قولَ محمد. ووجهه: أن الاحتياج إلى التوضئ أكثرُ من الاحتياج إلى الاغتسال، ١٦٣ كتاب الطهارة فکان الاعتبارُ به أولى. - وهذا التقدير في الغدير قولُ العراقيين، بأن يكون بحيث لا يتحرك أحدُ طرفيه بتحرك الطرف الآخر. وبعضُهم قدَّره بالمساحة، بأن يكون عشرة أذرع طولاً، في عشرة أذرع عرضاً، بذراع الكِرباس؛ توسعةً في الأمر على الناس. قال في ((الهداية))(١): وعليه الفتوى، وهو اختيار البخاريين. وذراع الكِرباس: سبعُ قُبْضات، وهو أقصرُ من ذراع الحديد بقُبضة. - فإن كان الغدير مثلثاً: فإنه يُعتبر أن يكون كل جانب خمسة عشر ذراعاً وخُمُس ذراعٍ. ومساحته أن تضرب أحدَ جوانبه في نفسه: يكون مائتين وواحداً وثلاثين وجزءاً من خمسةٍ وعشرين جزءاً من ذراع، وتأخذ ثلث ذلك وعُشرَه: فهو المساحة. فثلتُه في هذه الصورة على التقريب يكون: سبعةً وسبعين، وعُشره على التقريب: ثلاثةً وعشرين، فذلك مائةٌ وشيءٌ قليلٌ لا يبلغ عُشر ذراع. - وإن كان مدوَّراً: اعتُبر أن يكون قُطْرِه أحدَ عشر ذراعاً وخُمُس ذراع، ودَوْره: ستة وثلاثين ذراعاً، فمساحتُه: أن يُضرب نصفُ القطر وهو (١) ١٩/١ . ١٦٤ كتاب الطهارة لأن الظاهرَ أن النجاسةَ لا تَصِلُ إليه. وموتُ ما ليس له نَفْسٌ سائلةٌ. خمسةٌ ونصفٌ وعُشرٌ في نصف الدور، وهو ثمانية عشر يكون: مائة ذراع وأربعة أخماس ذراع. - وأما حدُّ العُمق: فالأصح أن يكون بحالٍ لا تنحسر الأرض بالاغتراف، وعليه الفتوى، وقيل: مقدارُ ذراع، وقيل: مقدارُ شِبْرٍ. - قوله: جاز الوضوء من الجانب الآخر: فيه إشارةٌ إلى تنجُّس موضع الوقوع، سواء كانت النجاسة مرئيةً أو غيرَ مرئية، وهو اختيار العراقيين. وعند الخراسانيين والبلخيين: إن كانت مرئيةً: فكما قال العراقيون، وإن كانت غير مرئية: يجوز التوضؤ من موضع الوقوع، وهو الأصح. كما في ((الوجيز)). قوله: (لأن الظاهر أن النجاسة لا تصلُ إليه)؛ لاِّساعه وتباعد أطرافه. : قوله: (وموتُ ما ليس له نَفْسٌ سائلةٌ): أي دمٌّ سائلٌ. والدليل على أن الدم يسمىُ نَفْساً: قول الشاعر(١): تسيل على حدِّ السيوف نفوسُنا وليس على غير السيوف تسيلُ (١) هو السَّمَوْءَل بن غريض بن عادیاء الأزدي، شاعر جاهلي حكيم، ت ٦٥ قبل الهجرة، ولاميّتُه هذه من أشهر الشعر. ينظر الأعلام ١٤٠/٣. ١٦٥ كتاب الطهارة في الماء: لا ينجِّسُه، كالبقِّ، والذُّبَابِ، والزَّنابيرِ، والعقارب. وموتُ ما یعیش في الماء فیه : لا يُقسده، · قوله: (إذا مات في الماء: لا يُنجِّسه): تقييدُه بالماء: ليس بشرط، بل يَطَّرد في الماء وغيره؛ لأن عدم التنجس فیه؛ لعدم الدم، لا للمعدن. - وكذا إذا مات خارج الماء، ثم أُلقي فيه: لا ينجِّسه أيضاً. * قوله: (كالبَقِّ، والذُّباب، والزَّنابير، والعقارب). البَقُّ: كبار البعوض، وقيل: الكتان. - وإنما ذَكَرَ الذبابَ بلفظ الواحد، والزنابيرَ بلفظ الجمع؛ لأن الذباب کله جنسٌ واحدٌ، والزنابير أجناسٌ شتى. وسمي الذباب ذباباً؛ لأنه كلما ذُبَّ: آبَ، أي كلما طُرِدٍ: رَجَعَ. * قوله: (وموتُ ما يعيش في الماء فيه): إذا مات في الماء: (لا يُفسده)، وهو الذي يكون توالده ومثواه فيه، سواء كان له دمٌ سائل، أوْ لا، في ظاهر الرواية. وعن أبي يوسف: إذا كان له دمٌّ سائلٌ: أوجب التنجُّس. - واحترز بقوله: يعيش فيه: عما يتعيش فيه، ولا يعيش فيه، كطير الماء: فإنه ينجِّسه. - وقيَّد بالماء: إذ لو مات في غيره: أفسده عند بعضهم، وإليه أشار ١٦٦ كتاب الطهارة كالسمك، والضِّفْدَع، والسَّرطان. والماءُ المستعملُ لا يجوز استعمالُه في طهارة الأحداث. الشيخ، وقيل: لا يفسده، وهو الأصح. * قوله: (كالسمك والضفدع والسَّرَطان): قدَّم السمكَ؛ لأنه مُجمَعٌ عليه، والباقي فيه خلاف الشافعي(١)، فإنه عنده: يفسده، إلا السمك، والسرطان. والسرطانُ هو: العُقَّامِ. والضِّفْدع: بكسر الدال، وناسٌ يفتحونها، والكسرُ أفصح. * قوله: (وأما الماءُ المستعمَلُ: فلا يجوز استعمالُه في طهارة الأحداث). - قيَّد بالأحداث؛ لأنه يُزيل الأنجاسَ. - وسواءٌ توضأ به، أو اغتسل به من جنابة: فإنه مستعمَلٌ. ۔ ویکره شربه. - واختُلف في صفته: فروىُ الحسنُ عن أبي حنيفة أنه نجسٌ نجاسةً غليظةً، حتى لو أصاب الثوبَ منه أكثرُ من قَدْرِ الدرهم: منع الصلاة. وهذا بعيدٌ جداً؛ لأن الثياب لا يمكن حفظُها من يسيره، ولا يمكن التحرزُ عنه. (١) مغني المحتاج ٧٨/١. ١٦٧ كتاب الطهارة والمستعمَلُ: كلُّ ماءٍ أُزيل به حَدَثٌ، أو استُعمل في البدن على وجه القُربة . وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه نجسُ نجاسةً مخفّفة، كبول ما يُؤکل لحمه، وبهذا أخذ مشايخُ بلخ. وروى محمدٌ عن أبي حنيفة: أنه طاهرٌ غيرُ مطهِّر للأحداث، كالخل واللبن، وهذا هو الصحيح، وبه أخذ مشايخ العراق. - وسواء في ذلك كان المتوضئء طاهراً أو محدثاً في كونه مستعملاً. * قوله: (والمستعمَلُ: كلُّ ماءِ أُزيل به حَدَثٌ، أو استُعمل في البدن على وجه القُربة). هذا قول أبي يوسف، وقيل: هو قول أبي حنيفة أيضاً. وقال محمد: لا يصير مستعملاً إلا بنية القُربة. - فقوله: أُزيل به حدثٌ: بأن توضأ متبرِّداً، أو علَّم إنساناً الوضوءَ، أو غَسَلَ أعضاءَه من وَسَخِ أو تراب، وهو في هذا كله محدثٌ. - وقوله: على وجه القُربة: بأن توضأ وهو طاهرٌ بنية الطهارة. * ويتفرع من هذا أربع مسائل: ١ - إذا توضأ المحدِث ونوىُ القُربة: صار مستعمَلاً، إجماعاً. ٢- وإذا توضأ الطاهرُ ولم ينوها: لا يصير مستعملاً، إجماعاً. ٣- وإذا توضأ الطاهرُ ونواها: صار مستعملاً، إجماعاً؛ لأن عند أبي ١٦٨ كتاب الطهارة يوسف يصيرُ مستعملاً بأحد شرطين: إما أن يَستعمله بنية القربة، أو يرفعَ به الحدثَ. ٤- والرابعة: وهي مسألةُ الخلاف، وهي: ما إذا توضأ المحدِث ولم ينوها: فعند أبي يوسف: يكون مستعملاً، وعند محمد: لا يصير مستعملاً. ولو كان جنباً واغتسل للتبرُّد: صار مستعملاً عند أبي يوسف، خلافاً لمحمد. - وقوله: في البدن: قيَّد به؛ لأن ما كان من غسالة الجمادات، كالقدور والقصاع والحجارة: لا يكون مستعملاً. - وكذا إذا غسل ثوباً من الوسخ من غير نجاسة: لا يكون مستعملاً. - وإن غسل يدَه للطعام، أو من الطعام: كان مستعملاً؛ لأنه تقرُّبٌ، قال عليه الصلاة السلام: ((الوضوء قبل الطعام: ينفي الفقرَ، وبعده: ينفي اللَّمَم)) (١)، يعني: الجنون. (١) مسند الشهاب ٢٠٥/١، المعجم الأوسط للطبراني ١٦٤/٧، وبلفظ: (مَن أحبَّ أن يُكثِّر الله خيرَ بيته: فليتوضأ إذا حضر غداؤه، وإذا رُفع)": عند ابن ماجه (٣٢٦٠)، ويلفظ: ((الوضوءَ قبل الطعام وبعده: بركة الطعام)): عند الحاكم في المستدرك و ١٠٦/٤، وغيره من كتب السنن، كأبي داود (٣٧٥٥)، والترمذي (٣٦١٤)، وينظر مجمع الزوائد ٢٣/٥، وفيض القدير للمناوي ٣٧٦/٦، وإتحاف السادة المتقين ٢١٢/٥، وفي كل طريق لوحده ضعفٌ وكلام، وبهذه الطرق المتعددة، والشواهد المتتابعة يكسبُ الحديثُ فضلَ قوة، بل لا يخرج إسناده عن حدِّ الحُسن، كما قال ١٦٩ كتاب الطهارة وكلّ إهابٍ دُبغ : فقد طَهُر، . ءِ وقيل: للطعام: يصير مستعملاً، ومنه: لا يصير مستعملاً. * قوله: (وكلّ إهابٍ دُبغ فقد طَهُر). الإهاب: الجلدُ الذي لم يُدْبَغ، فإذا دُبغ: سُمِّي أديماً. - وكل جلدٍ يطهر بالدباغ: فإنه يطهر بالذكاة، وما لا: فلا. - وفي ((الهداية))(١): ما طَهُر بالدباغ: طهُر بالذكاة، وكذا لحمُه، في الصحيح وإن لم يكن مأكولاً. وفي ((الفتاوى)): الصحيح: أنه لا يطهر لحمُه. وفي ((النهاية)): إنما يطهر لحمُه إذا لم يكن نجسَ السؤر. - ثم على قول صاحب ((الهداية)): إنما يطهر لحمُه وجلدُه بالذكاة: إذا وُجدت الذكاةُ الشرعية، بأن كان المذكِّي من أهل الذكاة بالتسمية، أما إذا كان مجوسياً: فلا بدَّ في الجلد من الدباغ؛ لأن فعلَه أمانةٌ، لا ذكاةٌ. ويشترط أيضاً: أن تكون الذكاة في محلِّها، وهو ما بين اللَّبَّة واللَّحيين. - وقميصُ الحية(٢): طاهرٌ، كذا قال الحَلواني، وجلدُها: نجسٌ لا يطهر بالدباغة؛ لأنه لا يحتملها. المنذري في الترغيب والترهيب ١٥٠/٣، وأيضاً فعلى القول بضعفه: فإنه يستحب العمل بالضعيف في فضائل الأعمال، ولا شك أن النظافة وغسل اليدين منها، والله أعلم. (١) ١/ ٢١ . (٢) وهو الذي تبدِّله الحية كل مدة من الزمن، ويكون فوق جلدها. ١٧٠ كتاب الطهارة وجازت الصلاةُ فيه، والوضوءَ منه، إلا جلدَ الخنزير، والآدميِّ. و - وقوله: دُبغ: فيه إشارةً إلى أنه يستوي أن يكون الدابغ مسلماً، أو كافراً، أو صبياً، أو مجنوناً، أو امرأةً. - وجلدُ الكلب: يطهر بالدباغ عندنا. وقال الشافعي(١): لا يطهر، وهو رواية أيضاً عن الحسن بن زياد. - والدباغ نوعان: حقيقيٌّ، كالشَّبِّ، والقَرَظ، وقشور الرمان، وأشباه ذلك، وحُكميٌّ: كالشمس، والتراب. - فإن عاود المدبوعُ بالحكميِّ الماءَ: فيه روايتان: في روايةٍ: يعود نجساً، وفي رواية: لا يعود نجساً. قال الخُجَنديُّ: وهو الأظهر. * قوله: (وجازت الصلاةُ عليه، والوضوءَ منه). و - وكذا تجوز الصلاة فيه، بأن يلبسه. - فإن قيل: ليس هذا موضع تطهير الأعيان النجسة، فلمَ ذَكَرَه الشيخ هنا؟ قيل: لأجل قوله: والوضوءُ منه. * قوله: (إلا جلدَ الخنزيرِ، والآدميِّ): - في هذا الاستثناء دلالة على طهارة جلد الكلب بالدباغ، وقد بيَّنَّه. - وكما يطهر جلدُه بالدباغ، فكذا بالذكاة. (١) كنز الراغبين (شرح الجلال المحلي على المنهاج) ٧٣/١. ١٧١ كتاب الطهارة وشعرُ الميتة، وعَظْمُها، وحافِرُها، وعَصَبُها، وقَرْنُها : طاهرٌ. - وإنما قدَّم ذِكْرَ الخنزير على الآدمي؛ لأنه موضع إهانةٍ، وفي موضع الإهانة: يُقدَّمِ المُهان. كقوله تعالى: ﴿لَِّّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اُللَّهِ﴾. الحج / ٤٠، فقدَّم الصوامعَ والبِيَع على المساجد؛ لأجل ذكر الهَدْم؛ لأنه إهانة. والبيع: جَمْع: بِيْعة: بکسر الباء، وهي للنصارى. والصوامع: للصابئين. والصلوات: كنائس اليهود، وكانوا يسمونها بالعبرانية: صلوات. - والفيل: كالخنزير عند محمد، لا يطهر جلدُه بالدباغ، وعظامُهُ نجسةٌ لا يجوز بيعُها، ولا الانتفاع بها. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا بأس ببيع عظامه، ويَطُهُرُ جلدُه بالدباغة. كذا في ((الخُجندي)). قوله: (وشعرُ الميتة وعظمُها: طاهرٌ). أراد ما سوى الخنزير، ولم تكن عليه رطوبةٌ. - ورُخِّص في شعره للخرَّازين؛ للضرورة (١)؛ لأن غيره لا يقوم مقامه عندهم. (١) والآن حين لم تَعُد هناك ضرورة: لا يجوز استعماله. ينظر ابن عابدين ٧٣/٥ ط البابي الحلبي. ١٧٢ كتاب الطهارة وعن أبي يوسف: أنه كرهه أيضاً لهم. - ولا يجوز بيعه في الروايات كلها. - والريشُ والصوفُ والوَبَرُ والقَرْنُ والخُفُّ والظُّلْفُ والحافر كل هذه طاهرةٌ من الميتة، سوى الخنزير. - وهذا إذا كان الشعرُ محلوقاً، أو مجزوزاً، وأما إذا كان منتوفاً: فإنه يكون نجساً. - وكذا شعرُ الآدمي، إن كان محلوقاً أو مجزوزاً: فهو طاهرٌ، وإن كان منتوفاً: فهو نجسٌ. - وعن محمدٍ في نجاسة شعر الآدمي وظفره وعظمه روايتان. فبنجاسته أخذ الماتريديُّ، وبطهارته أخذ أبو القاسم الصفَّار، واعتمدها الكرخيُّ، وهو الصحيح. وعند الشافعي(١): شعر الميتة وعظمها: نجسٌ. وعند مالك(٢): عظمُها: نجسٌ، وشعرها: طاهرٌ. - ولم يذكر الشيخُ بيضَ الميتة ولبنَها، فنقول: الدجاجة إذا ماتت، وخرجت منها بيضةً بعد موتها: فهي طاهرة، (١) مغني المحتاج ٨٨/١. (٢) جواهر الإكليل ٨/١. ١٧٣ كتاب الطهارة يَحلَّ أكلها عندنا، سواء اشتدَّ قشرُها، أم لا؛ لأنه لا يَحُلُّها الموتُ. وقال الشافعي(١): إن اشتدَّ قشرُها: فكذلك، وإن لم يشتدَّ: فهي نجسةٌ، لا يحلُّ أكلُها. - وإن ماتت شاةٌ، فخرج من ضرعها لبنٌ: قال أبو حنيفة: هو طاهرٌ، يَحِلَّ شربُه، ولا ينجُس بنجاسة الوعاء(٢). وعندهما: هو طاهرٌ في نفسه؛ لأنه لا يَحُلَّه الموتُ، إلا أنه ينجس 93 بنجاسة الوعاء، فلا يَحِلّ شربه. وعند الشافعي(٣): هو نجسٌ، فلا يَحلَّ شربُه. - وإن مات جَدْيٌ: فإنفَحَتُه (٤) طاهرةٌ، يجوز أكل ما في جوفها، سواء كان مائعاً أو جامداً عند أبي حنيفة. وعندهما: إن كان مائعاً: لا يجوز، وإن كان جامداً وغُسل: جاز أكله. وعند الشافعي(٥): لا يجوز أكله. والإِنفَحَة: بكسر الهمزة، وفتح الفاء مخفّفةً: كَرِشُ الجَدْي ما لم يأكل. (١) المجموع ٢٤٤/١. (٢) أي الضرع، فإنه ينجس؛ لأنه جزء من الميتة. (٣) المجموع ٢٤٤/١. (٤) سيأتي شرحها بعد قليل من كلام المصنف. (٥) مغني المحتاج ٧٨/١. ١٧٤ كتاب الطهارة وإذا وقعتْ في البئر نجاسةٌ: نُزِحت، وكان نَزْحُ ما فيها من الماء طهارةً لها . فإن ماتتْ فيها فأرةٌ، أو عُصفورةٌ، أو صَعْوَةٌ، أو سودانيةٌ، أو سَامُّ أبرصَ : [تطهير الآبار حال وقوع النجاسة فيها : ] قوله: (وإذا وقعت في البئر نجاسةٌ): أي مائعةٌ كالبول والدم والخمر. قوله: (نُزِحت): يعني البئر، والمراد: ماؤها، ذَكَرَ المحلَّ وأراد الحالَّ، كما يقال: جرى النهرُ، وسال الميزابُ، ومنه قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾. يوسف / ٨٢. * قوله: (وكان نَزْحُ ما فيها من الماء: طهارةً لها): فيه إشارةٌ إلى أنه يطهر الوَحَلُ، والأحجارُ، والدلو، والرِّشاء، ويدُ النازح. [كيفية تطهير الآبار إن مات فيها حيوان : ] * قوله: (فإن ماتت فيها فأرةٌ أو عصفورٌ أو صَعْوةٌ أو سودانيةٌ): إنما يكون النزح بعد إخراج الفأرة، أما ما دامت فيها: فلا يُعتدُّ بشيء من النزح. * قوله: (أو سامُّ أبرصَ): بتشديد الميم: الوَزَعُ الكبير، وهما اسمان جُعلا اسماً واحداً، فإن شئتَ أعربتَ الأولَ وأضفت إلى الثاني، وإن ١٧٥ كتاب الطهارة نُزِح منها ما بين عشرينَ دلواً إلى ثلاثينَ دَلواً، . شئتَ بنيتَ الأولَ على الفتح، وأعربتَ الثاني بإعراب ما لا ينصرف، وإن شئتَ بنيتَهما جميعاً على الفتح، مثل: خمسةَ عشرَ. * قوله: (نُزِح منها ما بين عشرين دلواً إلى ثلاثين): العشرون: بطريق الإيجاب، والعشرةُ: بطريق الاستحباب. - وهذا إذا لم تكن الفأرة هاربةً من الهرة، ولا مجروحةً، أما إذا كانت كذلك: يُنزح جميعُ الماء وإن خرجت حيةً؛ لأنها تبول إذا كانت هاربةً. 93 - وكذا الهرة إذا كانت هاربةً من الكلب، أو مجروحةً: يُنزح كلّ الماء؛ لأن البول والدم نجاسةٌ مائعةٌ. - وحكم الفأرتين، والثلاث، والأربع: كالواحدة. - والخمسٍ: كالهرة، إلى التسع. - والعشرِ: كالكلب، وهذا عند أبي يوسف. وقال محمد: الثلاثُ: كالهرة، والستُّ: كالكلب، إلى التسع. - وكذلك العصفور، وما في معناه. - وأما فأرتان: فكفأرةٍ واحدة، بالإجماع. - وفي الهرتين: يُنزح جميع الماء، إجماعاً. - وما كان بين الفأرة والهرة: فحُكمه: حكم الفأرة. - وما كان بين الهرة والكلب: كالهرة. ١٧٦ كتاب الطهارة وهكذا أبداً يكون حكمُه: حكمَ الأصغر. * ولو أن هرةً أخذت فأرةً، فوقعتا جميعاً في البئر: إن كانت الهرة حيةً، والفأرةُ ميتة: نُزح عشرون دلواً. - وإن كانتا ميتتين: أجزأهم نَزْح أربعين، ويدخل الأقل في الأكثر. - وإن كانتا حيتين: أُخرجتا، ولا يُنزح شيء. - وإن كانت الفأرة مجروحةً، أو بالت: نُزِح جميع الماء. - وهل تطهر البئر بالدلو الأخير إذا انفصل عن الماء، أو حتى يتنحى عن رأس البئر؟ فعند أبي يوسف: حتى يتنحى عن رأس البئر، وعند محمد: بالانفصال عن الماء. وفائدته: فيما إذا أخذ من ماء البئر بعد الانفصال من الماء قبل أن يتنحى عن رأس البئر: فعند أبي يوسف: نجسٌ، وعند محمد: طاهرٌ. - ولو نَضَبَ ماء البئر، وجفَّت بعد وقوع الفأرة، أو غيرِها قبل النزح، ثم عاد: لم تطهر إلا بالنزح عند أبي يوسف. وعند محمد: تطهر بالجفاف، حتى لو صلى رجلٌ في قَعْرها: جازت صلاتُه عند محمد، خلافاً لأبي يوسف. - ولو نَضَبَ الماء، ولم يجفَّ أسفلُها حتى عاودها الماء: اختلف المشايخ فيه على قول محمد، والصحيح: أنه لا بدَّ من النزح. ١٧٧ كتاب الطهارة بحَسَب كُبْرِ الحيوان، وصُغْره. وإن ماتتْ فيها حمامةٌ، أو دجاجةٌ، أو سِنَّوْرٌ: نُزِح منها ما قال في ((الصحاح)): نضب الماء: أي غار في الأرض. - ولو وجب في البئر نَزْح عشرين، فنُزح عشرٌ فَنَفِد الماء، ونبع غيرُه بعد ذلك: لزمهم عشرٌ أخرى؛ تتميما للوظيفة عند أبي يوسف. وقال محمد: لا يُحتاج إلى نَزْح شيءٍ آخر؛ لأنه لا يكون أشد حالاً من الكلب. كذا في ((الفتاوى)). - وهل تُشترط المتابعة في النزح، أم لا؟ عندنا: لا تُشترط، وعند الحسن بن زياد: تُشترط. * قوله: (بحَسَب كُبْر الحيوان وصُغْره): الكُبر: بضم الكاف، وإسكان الباء: للجُثَّة، وكذا الصُّغْر: بضم الصاد، وتسكين الغَيْن. وأما بكسر الكاف وفتح الباء، وبكسر الصاد وفتح الغَيْن: فللسِّنِّ. ومعنى المسألة: إذا كان الواقع كبيراً، أو البئر كبيرةً: فالعشرة مستحبة. وإن کانا صغیرین: فالاستحبابُ دون ذلك. وإن كان أحدهما صغيراً، والآخر كبيراً: فخمسٌ مستحبةٌ، وخمسٌ دونها في الاستحباب. * قوله: (وإن ماتت فيها حمامةٌ، أو دَجاجةٌ، أو سنَّوْر: نُزح منها ما ١٧٨ كتاب الطهارة بين أربعين دلواً إلى ستين دلواً. وإن مات فيها كلبٌ، أو شاةٌ، أو آدميٌّ: نُزح جميعُ مائها. بين أربعين دلواً إلى ستين دلواً)؛ إضعافاً للوجوب، والاستحباب في الفأرة. وفي ((الجامع الصغير)) (١): خمسون، وهو الأظهر؛ إضعافاً للوجوب، دون الاستحباب. الدَّجاجة: بفتح الدال، على الأفصح، ويجوز كسرها، وهو شاذٌّ، وأما ضمُّها: فخطأٌ. وفي السَِّّوْرَيْن، والدجاجتين، والحمامتين: يُنزح كلُّ الماء. * قوله: (فإن مات فيها كلبٌ، أو شاةٌ، أو دابةٌ، أو آدميٌّ: نُزِح جميعُ مائها). موت الكلب ليس بشرط، حتى لو خرج حياً: يُنزح جميع الماء. - وكذا كل ما سؤره نجسٌ، أو مشكوكٌ فيه: يجب نزح الكل وإن خرج حياً. - وما سؤره مكروهٌ: إذا خرج حياً: فالماء مكروهٌ، يُنزح منه عشر دلاء. - والشاة إذا خرجت حيةً ولم تكن هاربةً من السبع: فالماء طاهر، وإن كانت هاربةً: نُزُح كلّ الماء عندهما، خلافاً لمحمد. (١) في الجامع الصغير لمحمد بن الحسن ص ٦٥: أربعون، أو خمسون. ١٧٩ كتاب الطهارة وإن انتفخ الحيوانُ فيها، أو تفسَّخ: نُزح جميعُ ما فيها، صَغُرَ الحیوانُ، أو کبر. وعددُ الدِّلاء يُعتبر بالدَّلْو الوَسَطِ المستعمَلِ للآبار في البلدان، فإن نُزِح منها بدلوٍ عظيم : قَدْرُ ما يسعُ من الدلو الوسط : احتُسِبَ به . قوله: (وإن انتفخ الحيوانُ فيها، أو تفسَّخ: نُزح جميع مائها، صغيراً كان الحيوانُ، أو كبيراً). - وكذا إذا تمعَّط(١) شعرُه. الانتفاخ: أن تتلاشى أعضاؤه، والتفسُّخ: أن تتفرق عضواً عضواً. - ولو قُطع ذنب الفأرة، وأُلقي في البئر: نُزح جميع الماء؛ لأنه لا يخلو من رطوبة. - فإن جُعل على موضع القَطْع شمعةٌ: لم يجب إلا ما في الفأرة. * قوله: (وعددُ الدِّلاء يُعتبر بالدلو الوسط المستعمَل للآبار في البلدان). والمعتبر في كل بئرٍ: بدلوها. فإن لم يكن لها دلوٌ: يُتَّخذ لها دلوٌ يسع صاعاً. * قوله: (فَإِن نُزح منها بدلوٍ عظيم قَدْرُ ما يسع من الدلو الوَسَط: احتُسب به)؛ لحصول المقصود مع قلة التقاطر. (١) أي تساقط. مختار الصحاح (معط). ١٨٠ كتاب الطهارة وإن كانت البئرُ مَعِيناً لا تُنزح، وقد وَجَبَ نَزْحُ ما فيها: أخرجوا مقدارَ ما كان فيها من الماء . وقد رُوي عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: يُنزَح منها مائتا دلوٍ إلى ثلاثمائة دلوٍ. وقال زفر والحسن بن زياد: لا يجوز؛ لأن عند تكرار النزح يَنْبِّع الماء من أسفلها، ويؤخذ من أعلاها، فيكون في حكم الجاري، وهذا لا يحصل بنزح الدلو العظيم مرةً أو مرتين. قلنا: معنى الجريان ساقطٌ؛ لأنه يحصل بدون النزح. * قوله: (وإن كانت البئر مَعيناً لا تُنزَح وقد وجب نَزْحُ ما فيها: أخرجوا مقدارَ ما كان فيها من الماء. وقد روي عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: يُنزح منها مائتا دلو إلى ثلاثمائة دلوٍ). وفي معرفة ذلك ستة أوجه: - وجهان عند أبي حنيفة: أحدُهما: يؤخذ بقول أصحاب البئر إذا قالوا بعد النزح: ما كان في بئرنا أكثر من هذا. والثاني: يَنْزِلُ البئرَ رجلان لهما معرفةٌ بأمر الماء، ويقولان بعد النزح: ما كان فيها أكثر من هذا. وهذا أشبه بالفقه؛ لأن الله تعالى اعتبر قول رجلين، فقال: ﴿يَحْكُمُ پِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ ﴾. المائدة / ٩٥.