Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب الطهارة
.
والنومُ مضطجعاً
- قال في ((الواقعات)) رجلٌ نزع خاتماً من أصبع نائم، ثم أعاده في
ذلك النوم: يبرأ، إجماعاً.
- وإن استيقظ قبل أن يعيده، ثم نام في موضعه، فأعاده في النومة
الثانية: لا يبرأ عند أبي يوسف؛ لأنه لما انتبه: وجب رده إليه، فلما لم
يرده حتى نام: لم يبرأ بالرد إليه وهو نائمٌ.
بخلاف الأُولى؛ لأنه هناك وجب الردُّ إلى النائم، وقد وُجد، وهنا
لما استيقظ: وجب رده إلى مستيقظٍ، فلا يبرأ بالرد إلى نائم.
وعند محمد: يبرأ؛ لأنه ما دام في مجلسه ذلك: لا ضمانَ عليه.
۔ ولو تکرر نومه ویقظتُه: فإن قام عن مجلسه ذلك ولم یرده إليه، ثم
نام في موضع آخر، فردَّه وهو نائمٌ: لم يبرأ من الضمان، إجماعاً؛
لاختلاف المجلس والسبب.
* قوله: (والنومُ مُضْطجعاً).
الذي تقدَّم هو الناقض الحقيقيُّ، وهذا الحكميُّ.
- وهل النومُ حدثٌ، أم لا؟
الصحيح أنه ليس بحدث؛ لأنه لو كان حدثاً: استوى وجودُه في
الصلاة وغيرها، ولكنا نقول: الحدثُ ما لا يخلو عنه النائم.
- وقوله: والنوم مضطجعاً: هذا إذا كان خارجَ الصلاة، وأما إذا كان
فيها، كالمريض إذا صلى مضطجعاً: ففيه اختلافٌ، والصحيح أنه ينتقض
أيضاً، وبه نأخذ، وقال بعضُهم: لا ينقض.

١٤٢
كتاب الطهارة
أو متكئاً، أو مستنداً إلى شيءٍ لو أُزيل لسَقَط.
والغلبةُ على العقل بالإغماء، والجنونُ.
: قوله: (أو متكئاً): أي على أحد وَرِكَيْه: فهو كالمضطجع.
قوله: (أو مستنداً إلى شيءٍ لو أُزيل عنه: لسقط):
الاستناد: هو الاعتماد على الشيء.
و
- ولو وضع رأسَه على ركبتيه، ونام: لم ينتقض وضوءه إذا كان مثبِّتاً
مقعدته على الأرض.
- وإن كان مُحتبياً، ورأسُه على ركبتيه: لا ينتقض أيضاً.
* قوله: (والغلبةُ على العقل بالإغماء، والجنونُ):
الإغماء: آفةٌ تعتري العقلَ وتغلِبُه، والجنون: آفةٌ تعتري العقلَ وتسلُّبُه.
ويقال: الإغماء: آفةٌ تُضعِف القُوى، ولا تُزيل الحِجَا، وهو العقل،
والجنون: آفةٌ تزيل الحِجَا، ولا تزيل القُوى.
- وهما حدثان في الصلاة وغيرِها، قلَّ ذلك أو كثُر.
- وكذا السُّكْر ينقض الوضوءَ أيضاً في الأحوال كلها، في الصلاة
وغيرها، والسكرانُ هو: الذي تختلُّ مِشيتُه، ولا يَعرِف المرأةَ من
الرجل.
- وقوله: والجنونُ: بالرفع، ولا يجوز خفضُهُ بالعطف على الإغماء؛
لأنه عكسُه، ويجوز خفضُه على المجاورة.

١٤٣
كتاب الطهارة
والقهقهةُ في كل صلاةٍ ذاتِ ركوع وسجود .
* قوله: (والقهقهةُ في كل صلاةِ ذاتِ ركوعٍ وسجودٍ)، سواء بدتْ
أسنانُه، أو لم تبدُ، وسواء قهقه عامداً أو ساهياً، متوضئاً أو متيمماً.
- ولا تبطل طهارةُ الغُسل.
- والقهقهة: ما يكون مسموعاً له ولجاره.
والضحك: ما يكون مسموعاً له، دون جاره، وهو يُفسد الصلاةَ، ولا
ينقض الوضوء.
والتبسُّم: ما لا يكون مسموعاً له، وهو لا يفسدُهما جميعاً.
- وقهقهة النائم في الصلاة: لا تنقض الوضوءَ، وتُفسد الصلاة.
- ولو نسيَ كونه في الصلاة، فقهقه: انتقض وضوءه.
- وقهقهةُ الصبي: لا تنقض الوضوءَ، إجماعاً، وتُفسد صلاتَه. كذا في
((المستصفى)).
- والباني في الحدث إذا جاء متوضئاً، وقهقه في الطريق: تفسد
صلاته، ولا تنقضُ وضوءه.
- وإذا اغتسل الجنُبُ وصلى، وقهقه: لا يَبطل الغُسل، وإنما تبطل
طهارة أعضاء الوضوء، حتى إنه لا يجوز له أن يصليَ من غير تجديد
وضوء.
- وقوله: ذاتٍ ركوع وسجود: يُحترز من صلاة الجنازة، وسجدة
التلاوة، فإنه إذا قهقه فيهما: لا ينتقض وضوءه، وتبطل صلاتُه وسجدتُه؛
م

١٤٤
كتاب الطهارة
وفَرْضُ الغُسْلِ : المضمضةُ، والاستنشاقُ، وغَسْلُ سائرِ البدن.
لأن صلاة الجنازة ليست بصلاة مطلقة، حتى لو حلف: لا يصلي، فصلى
صلاة الجنازة: لا يحنث.
[فرائض الغُسل : ]
* قوله: (وفرضُ الغُسلِ: المضمضةُ والاستنشاقُ)، يعني الغُسل من
الجنابة والحيضِ والنفاس.
وعند الشافعي(١): سُنَّتان.
* قوله: (وَغَسْلُ سائر البدن).
السائرُ: الباقي، ومنه: السؤر: الذي يُبقيه الشارب.
- ولو انغمس الجُنُّب في البحر، أو الغديرِ العظيم، أو الماءِ الجاري
و
انغماسةً واحدةً، ووصل الماء إلى جميع بدنه، وتمضمض، واستنشق:
أجزأه.
- وكذا إذا أصابه المطرُ، ووصل الماء إلى جميع بدنه.
و
- ولو اغتسل الأقلفُ، ولم يصل الماءُ إلى ما تحت القُلْفة: أجزأه؛
لأنها خلْقة.
- ولو اغتسلت المرأةُ وتحت أظفارها عجينٌ قد يبس وجفّ، ولم
و
يصل الماء إلى ما تحته: وجب عليها إيصال الماء إلى ما تحته.
(١) مغني المحتاج ٧٣/١.

١٤٥
كتاب الطهارة
- وأما إذا كان تحت أظفارها وسخٌ: فإنه يجزئها من غير إزالته.
- ولو كان على بدنه قشرُ سمك، أو خبزٌ ممضوغٌ متلبِّدٌ: وجب إزالته.
- وكذا الخضاب المتجسِّد، والحنَّاء.
[أنواع الغُسل : ]
* واعلم أن الغُسل على أحد عشر وجهاً:
- أربعةٌ فريضةٌ:
١ - وهو الغُسل من الإيلاج في قُبُلٍ أو دُبُر، إذا غابت الحشفةُ، على
الفاعل والمفعول به، أنزل أو لم يُنزل.
٢- والثاني: الغُسل من الإنزال عن شهوة، بأيِّ وجه كان، من إتيان
بهيمةٍ، أو معالجة الذَّكَر باليد، أو بالاحتلام، أو بالقُبلة، أو باللمس
الشهوة، والرجلُ والمرأة في ذلك سواء.
٣- والثالث: الغُسلُ من الحيض.
٤- والرابع: من النِّفاس.
- وأربعةٌ منه سُنَّةٌ:
٥- غُسل الجمعة.
٦- وغُسل العيدين.
٧- وغُسل الإحرام، سواء كان إحرامَ حَجَّةٍ أو عُمرة.

١٤٦
كتاب الطهارة
وسُنَّةُ الغُسْلِ: أن يبدأ المغتسِلُ فَيَغسِلَ يديه، وفَرْجَه، ويُزِيلَ نجاسةً
إن کانت علی بدنه،
٨- وغُسل يوم عرفة للوقوف.
- وغُسلان واجبان:
٩- غُسل الموتى.
١٠- وغسل النجاسة إذا كانت أكثرَ من قدر الدرهم في المغلّظة،
وربع الثوب في المخفّفة.
١١ - وغُسلٌ مستحبٌّ، وهو كثيرٌ، من ذلك: غُسل الكافرِ والكافرة إذا
أسلما، والصبيِّ والصبيةِ إذا أدركا بالسنِّ، وكذا المجنون إذا أفاق.
[سنن الغُسل : ]
* قوله: (وسُنَّةُ الغُسل: أن يبدأ المغتسِلُ فيغسل يديه وفرجَه).
سمَّه: مغتسلاً؛ لأنه قَرُب من الاغتسال، كما قلنا: إذا استيقظ
المتوضئ من نومه.
- والسُّنَّة:
١ - أن يبدأ بالنية بقلبه، ويقولَ بلسانه: نويتُ الغُسلَ لرفع الجنابة.
٢- ثم يُسمِّي اللهَ تعالى عند غسل اليدين.
٣- ثم يستنجي، ثم يغسل ما أصابه من النجاسة.
٤- ويستحب أن يبدأ بشقُّه الأيمن.
* قوله: (ويزيلَ نجاسةً إن كانت على بدنه):

١٤٧
كتاب الطهارة
ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رِجليه، ثم يُقيضَ الماءَ على رأسه،
وسائرٍ جسده ثلاثاً، .
وفي بعض النسخ: ويزيلَ النجاسةَ: معرَّفاً بالألف واللام، إلا أن
التنكير أحسن.
- وإنما قال: إن كانت على بدنه: ولم يقل: إذا كانت؛ لأن: إن:
تدخل علىُ خَطَر الوجود، و: إذا: تدخل على أمرٍ كائنٍ، أو منتظَرٍ لا
محالةَ، والنجاسةُ قد توجد، وقد لا توجد.
* قوله: (ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رِجلَيْه).
- فيه إشارةٌ إلى أنه يمسح رأسَه، وهو ظاهر الرواية.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يمسحه؛ لأنه لا فائدةَ فيه؛ لأن
الإسالة تعدم المسحَ، والصحيح أنه یمسحه.
- وقوله: إلا رجليه: هذا إذا كان في مستنقَع الماء، أما إذا كان على
لوحٍ، أو قُبْقَاب، أو حجر: لا يؤخِّر غسلَهما.
* قوله: (ثم يُفيضَ الماءَ على رأسه وسائر جسده ثلاثاً).
الأُولىُ: فرضٌ، والثنتان: سُنَّتان، على الصحيح.
- ويجب أن يوصِل الماءَ إلى جميع شعره وبَشَره ومَعاطف بدنه،
فإن بقيَ منه شيء لم يُصِبْه الماء: فهو على جنابته حتى يغسلَ ذلك
الموضع.
- فإن کان في أصبعه خاتمٌ ضيِّقٌ: حركه حتى يصل الماء إلى ما تحته.
و

١٤٨
كتاب الطهارة
ثم يتنحَّى عن ذلك المكان فيَغسِلَ رِجليه.
وليس على المرأة أن تَنقضَ ضفائرَها في الغُسْلِ إذا بلغ الماءُ أصولَ
الشعر .
- ويُخلِّل أصابعَه إذا كان الماءَ قد وصل إلى ما بينهما، وأما إذا لم
يصل: فالتخليل فرضٌ.
* قوله: (ثم يتنحَّى عن ذلك المكان، فيغسلَ رِجليه).
هذا إذا كان في مستنقَع الماء، أما إذا كان على حجرٍ أو غيره، وقد
غَسَلَهما عَقِيب مسحٍ رأسه: فلا يلزمه إعادةُ غَسْلهما.
و
- ولو تقاطر الماء في وقت الغُسل في الإناء: إن كان قليلاً: لا يُفسدُ
الماءَ، وإن كان كثيراً: أفسده.
وحدُّ القليل: ما لا يَنفرج ماءُ الإناء عند وقوعه ولا يستبين.
وعن محمد: إن كان مثلَ رؤوس الإبر: فهو قليلٌ، وإلا: فهو كثير.
كذا في ((الفوائد)).
: قوله: (وليس على المرأة أن تنقضَ ضفائرَها في الغُسل إذا بلغ الماءُ
أصولَ الشعر).
وقال الإمام أحمد (١): يجب على الحائض النَّقْضُ، ولا يجب عليها
في الجنابة.
(١) كشاف القناع ١٥٤/١.

١٤٩
كتاب الطهارة
والمعاني الموجبةُ للغُسل : إنزالُ المنيِّ على وجه الدَّفْق والشهوةِ من
الرجل والمرأة.
- وفي تخصيص المرأة: إشارةٌ إلى أنه يجب على الرجل النَّقْضُ؛
لعدم الضرورة في حقه.
- ولو ألزقت المرأةُ رأسَها بالطِّيب بحيث لا يصل الماءَ إلى أصول
الشعر: وجب عليها إزالته؛ ليصل الماء إلى أصوله.
- فإن احتاجت المرأةُ إلى شراء الماء للاغتسال للجنابة: إن كانت
غنّيَّةَ: فثمنُه عليها، وإن كانت فقيرةً: فعلى الزوج.
وقيل: يقال له: إما أن تَدَعَها تذهبُ إلى الماء، أو تنقلَه أنتَ إليها.
وقال أبو الليث: يجب على الزوج، كما يجب عليه للشرب.
- وأما ثمنُ ماء الوضوء: فعلى الزوج، إجماعاً.
- وأما ثمنُ ماءِ الاغتسال من الحيض: إن انقطع لأقلّ من عشرة أيام:
فعلى الزوج، وإن انقطع لعشرةٍ: فعليها؛ لأنه يقدر على وطئها دون
الاغتسال، فكانت هي المحتاجةُ إليه لأداء الصلاة.
[ما يوجب الغُسل : ]
قوله: (والمعاني الموجبةُ للغُسل: إنزالُ المنيِّ على وجه الدَّفْق
والشهوة من الرجل والمرأة).
هذه المعاني موجبَةً للجنابة، لا للغُسل، على الصحيح؛ لأنها تنقضُه،
فکیف تُوجِبه؟!

١٥٠
كتاب الطهارة
وإنما سببُ وجوب الغُسل: إرادةُ الصلاة، أو إرادةُ ما لا يَحِلُّ فعلُه مع
الجنابة.
وأما هذه التي ذكرها الشيخ: فشروطٌ، وليست بأسباب.
- والمنيُّ: خائِرٌ أبيض، ينكسر منه الذكر عند خروجه، ويُخلَق منه
الولدُ، ورائحتُه عند خروجه: كرائحة الطَّلْع، وعند يُبْسه: كرائحة البيض.
قوله: على وجه الدَّفْق والشهوة: هذا بإطلاقه: لا يستقيم، إلا على
قول أبي يوسف؛ لأنه يشترط لوجوب الغُسل ذلك.
وأما على قولهما: فلا يستقيم؛ لأنهما جَعَلا سببَ الغُسل: خروجَه عن
شهوةٍ، ولم يجعلا الدَّفْقَ شرطاً، حتى إنه إذا انفصل عن مكانه بشهوة،
وخرج من غير دفقٍ وشهوة: وجب الغسل عندهما، وعنده: تُشترط الشهوة
أيضاً عند خروجه.
- ومعنى قوله: على وجه الدَّفق: أي نزل متابعاً.
- ولو احتلم، أو نظر إلى امرأةٍ بشهوة، فانفصل المنيُّ منه بشهوة،
فلما قارب الظهورَ: شدَّ على ذَكَره حتى انكسرت شهوتُه، ثم تَركَه، فسال
بغير شهوة: وجب الغُسل عندهما، وعنده: لأ يجب.
- وكذا إذا اغتسل المجامعُ قبل أن يبول أو ينام، ثم خرج باقي المنيِّ
بعد الغُسل: وجب عليه إعادة الغُسل عندهما، وعنده: لا يجب.
- وإن خرج بعد البول أو النوم: لا يُعيد، إجماعاً.

١٥١
كتاب الطهارة
والتقاء الخِتانَيْن من غير إنزالٍ .
و
والحيضُ، والنفاسُ.
- ولو استيقظ فوجد على فخذه أو ذَكَرِه بللاً، ولم يَذكر الاحتلامَ: فإن
كان ذَكَرُه منتشراً قبل النوم: فلا غُسل عليه، إلا أن يتيقن أنه منيٌّ، وإن
كان ساكناً قبل النوم: فعليه الغُسل.
- وفي ((الخُجَنْديِّ): إن كان منّيَّاً: وجب الغسل، بالاتفاق، وإن كان
وَدْيا: لا يجب الغُسلُ، بالاتفاق، وإن كان مَذْياً: وجب الغُسلُ عندهما،
سواء تذكر الاحتلامَ، أَوْ لا.
وقال أبو يوسف: لا يجب إلا إذا تيقّن الاحتلامَ.
* قوله: (والتقاءَ الخِتانَيْن من غير إنزال): أي مع تواري الحشفة.
و
- فإن تيقَّن ملاقاةَ الفرج من غير توارٍ: لا يوجب الغُسل.
- والمرادُ بالتقائهما: محاذاتُهما، وهو عبارةٌ عن إيلاج الحشفة كلها.
- وفي قوله: والتقاء الختانين: نظرٌ، فإنه لو قال: وبغيبوبة الحشفة،
كما قال حافظ الدين في ((الكنز))(١): لكان أحسنَ وأعمَّ؛ لأن إيلاج
الحشفة في الدبر: يوجب الغُسلَ، وليس هناك ختانان يلتقيان.
- ولو كان مقطوعَ الحشفة: يجب الغُسل بإيلاج مقدارها من الذَّكَر.
* قوله: (والحيضُ، والنفاسُ).
(١) كنز الدقائق ص ١٤٠.

١٥٢
كتاب الطهارة
وسَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغُسْلَ للجمعة،
أي الخروجُ منهما؛ لأنهما ما داما باقيَيْن: لا يجب الغُسل؛ لعدم
الفائدة.
- واختلف المشايخ: هل يجب الغُسل بالانقطاع ووجوب الصلاة، أو
بالانقطاع، لا غير؟
فعند ((الكرخي)) وعامة العراقيين: بالانقطاع، وهو اختيار الشيخ.
وعند البخاريين: بوجوب الصلاة، وهو المختار.
وفائدته: إذا انقطع بعد طلوع الشمس، وأخَّرت الغُسلَ إلى وقت
الظهر: فعند العراقيين: تأثم، وعند البخاريين: لا تأثم.
- والنفاس: كالحيض.
- ولو أجنبت المرأةُ، ثم حاضت، فاغتسلت: فعند أبي يوسف:
الغُسلُ من الأول، وهو الجنابة، وعند محمد: هو منهما جميعاً.
وفائدته: أنها إذا حلفت: لا تغتسل من هذه الجنابة، ثم حاضت،
فاغتسلت بعد الطّهر: حنثت عند أبي يوسف، وعند محمد: لا تحنث.
وإن اغتسلت قبل أن تطهر من الحيض: حنثت، إجماعاً.
* قوله: (وسنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغُسلَ للجمعة(١)،
(١) صحيح البخاري (٨٧٧)، وأما أدلة سنية الغُسل للعيدين والإحرام: فتنظر
أحاديثها المتعددة وروايات كتب السنن لها في نصب الراية ١ / ٨٥ - ٨٦.

١٥٣
كتاب الطهارة
والعيدين، والإحرامِ، وعَرَفَةَ .
والعيدين، والإحرام).
سواء كان إحرامَ حجٍّ أو عمرة.
- (و) كذا يوم (عرفة)؛ للوقوف.
- واختلف أصحابنا هل غُسل الجمعة للصلاة، أو لليوم؟
قال أبو يوسف: للصلاة.
وقال الحسن: لليوم(١).
وفائدته: إذا اغتسل قبل طلوع الفجر، ولم يُحدِث حتى صلى
الجمعة: يكون آتياً بالسُّنَّة عند أبي يوسف، وعند الحسن: لا.
- وكذا إذا اغتسل بعد صلاة الجمعة قبل الغروب: يكون آتياً بالسُّنَّة
عند الحسن، خلافاً لأبي يوسف.
- ولو اغتسلت المرأة: لا تنال فضيلة الغُسل عند أبي يوسف؛ لأنه لا
جمعةَ عليها، وعند الحسن: تتالُها.
- والغُسل للعيدين: بمنزلة الغُسل للجمعة.
- واعلم أنه يقال: غُسلُ الجمعة، وغُسل الجنابة: بضم الغَيْن، وغَسل
الميت، وغسل الثوب: بفتحها، وضابطُه: أنك إذا أضفتَ إلى المغسول:
فَتَحْتَ، وإذا أضفت إلى غيره: ضَمَمْتَ.
(١) ينظر اللباب ٣١/٢، وما نقلتُه في تعليقي عن ابن عابدين ٥٦٢/١ من
ترجيحه أنه للنظافة وقطع الرائحة، لا للصلاة، نقلاً عن بحثٍ في هذا للنابلسي.

١٥٤
كتاب الطهارة
وليس في المَذْي، والوَدْيِ غُسْلٌ، وفيهما الوضوء.
والطهارةُ من الأحداث
* قوله: (وليس في المَذْيِ والوَدْيِ غُسْلٌ، وفيهما الوضوء).
المَذْيُ: ماءٌ أبيض رقيقٌ يخرج عند الملاعبة.
والوَدْيُ: ماءٌ أصفر غليظٌ يخرج بعد البول، وكلاهما بتخفيف الياء.
و
- وقوله: وفيهما الوضوء: فإن قيل: قد استفيد وجوب الوضوء بقوله:
كلّ ما خرج من السبيلين: فلمَ أعادهما؟
قلنا: إنما دخلا هناك ضمناً، لا قَصْداً، ومن الأشياء ما يدخل ضمناً،
ولا يدخل قَصْداً، كبيع الشِّرْب والطريق، فربما يُتوهَّم أنهما يدخلان
ضمناً، لا قصداً.
- فإن قلتَ: وكيف يُتصور الوضوء من الوَدْيِ وهو قد وجب بالبول
السابق؟
قلتُ: يُتصوَّر فيمن به سلسُ البول إذا أودى: يتوضأ، ويكون وضوءُه
من الودي خاصةً.
ويُتصوَّر أيضاً فيمن بال وتوضأ، ثم أودى: فإنه يتوضأ من الودي.
[الماء الذي يُتُطهّر به : ]
* قوله: (والطهارةُ من الأحداث).

١٥٥
كتاب الطهارة
جائزةٌ بماء السماء، والأوديةِ، والعيونٍ، والآبارِ، والبحارِ .
ولا تجوز الطهارةُ بما اعتُصر من الشجر، والثمر.
طهارةُ الأحداث هي الوضوءَ والغُسلُ، والألف واللام: للعهد، أي
الأحداث التي سَبَقَ ذِكْرها، من البول والغائط والحيض والنفاس وغيرها.
* قوله: (جائزةٌ بماء السماء).
ولم يقل: واجبةً؛ لأن معناه: إذا اجتمعت هذه المياه، أو انفرد
أحدُهما، ولم يتضيقِ الوقت، وإلا فهي واجبةٌ.
- وقوله: من الأحداث: ليس هو على التخصيص؛ لأنه لما كان مزيلاً
للأحداث: كان مزيلاً للأنجاس بالطريق الأَوْلى.
* قوله: (وماءِ البحار): إنما قال: وماءَ البحار، ولم يقل: والبحار:
رداً لقول من يقول: إنه ليس بماء، حتى ((حُكي عن ابن عمر رضي الله
عنهما أنه قال: التيمم أحبُّ إليَّ منه))(١).
* قوله: (ولا تجوز الطهارة بما اعتُصر من الشجر، والثَّمَر).
بالقصر، على أن: ما: بمعنى الذي، وإن كان يصح بمعنى الممدود؛
لأن المنقول(٢): هو الموصول.
- وإنما قَيَّد بالاعتصار؛ لأنه لو سال بنفسه: جاز الوضوء به، إلا أن
(١) الطهور، لأبي عبيد (٢٤٨).
(٢) أي المنقول في نسخ القدوري هو: ما: اسم الموصول بمعنى: الذي.

١٥٦
كتاب الطهارة
ولا بماءٍ غَلَب علیه غيرُه
الحَلواني اختار أنه لا يجوز؛ لأنه يُطلَق عليه ماء الشجر(١).
: قوله: (ولا بماءٍ غَلَبَ عليه غيرُهُ).
اختلفوا فيه: هل الغلبة بالأجزاء، أو بالأوصاف؟
ففي الهداية (٢): بالأجزاء، وهو الصحيح.
- وفي ((الفتاوى الظهيرية)): محمدٌ اعتبر اللونَ، وأبو يوسف اعتبر الأجزاء.
٠
وأشار الشيخُ إلى أن المعتبر بالأوصاف.
والأصح أن المعتبر: بالأجزاء، وهو أن المخالط إذا كان مائعاً: فما
دون النصف: جائزٌ، فإن كان النصفَ أو أكثرَ: لا يجوز.
ومحمدٌ اعتبر الأوصافَ: إن غيَّر الثلاثةَ: لا يجوز.
وإن غيَّر واحداً: جاز.
وإن غيَّر اثنين: فكذا لا يجوز(٣)، على الصحيح.
والتوفيق بينهما: إن كان مائعاً جنسُه جنسَ الماء، كماء الدُّبَّاء: فالعبرة
للأجزاء، كما قال أبو يوسف.
(١) قال ابن عابدين ٦٠٤/١: مَن راجع كتب المذهب: وجد أكثرها على عدم
الجواز. اهـ، وينظر اللباب ٣٣/٢.
(٢) ١٨/١.
(٣) وفي نسخة مكة من السراج الوهاج: يجوز. قلت: لكن سيأتي بعد قليل: أنه
لا يجوز عند القدوري، وأن الصحيح أنه يجوز، وكأن في المسألة خلافاً.

١٥٧
كتاب الطهارة
فأخرجه عن طَبْع الماء، كالأشربة، والخَلِّ، وماءِ الباقلاء، والمَرَقِ،
وإن كان جنسه غيرَ جنس الماء، كاللبن: فالعبرة للأوصاف، كما قال
محمد، والشيخُ اختار قولَ محمد، حيث قال: فغيَّر أحدَ أوصافه.
* قوله: (فأخرجه عن طَبْع الماء):
وطَبْعُه: الرِّقَّةُ والسيلان، وتسكينُ العطش.
* قوله: (كالأشربة): أي المتَّخذة من الثمار، كشراب الرمان.
- ثم إن الشيخَ راعى في هذا صنعةً(١) اللفِّ والنشر، فقوله: اعتُصر من
الشجر: لَفٌّ، وكذا: بماءٍ غلب عليه غيرُهُ: لَفٌّ أيضاً.
- وقوله: كالأشربة: تفسيرٌ لما اعتُصر من الشجر والثمر.
* وقوله: (والخَلِّ): إن كان المخلوطُ بالماء: فهو مما غلب عليه
غيرُهُ، وإن كان خالصاً: فهو مما اعتُصر من الثمر.
* وقوله: (والمَرَقِ): تفسيرٌ لما غَلَبَ عليه غيرُه.
- ونظير هذا: قوله تعالى: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ
فِيهِ وَلِتَبْثَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾. القصص / ٧٣.
فقوله: ﴿لِتَسْكُاْ فِيهِ﴾: راجعٌ إلى الليل، ﴿وَلِتَبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ،﴾: راجعٌ
إلى النهار.
* قوله: (وماءِ الباقلاء): المراد: المطبوخ، بحيث إذا برد: ثَخُنَ، وإن
(١) وفي نُسخٍ: صيغة.

١٥٨
كتاب الطهارة
وماءِ الزَّرْدَج.
وتجوز الطهارةُ بماءٍ خالطه شيءٌ طاهرٌ فغيّر أحدَ أوصافه،
لم يُطبخ: فهو من قبيل: وتجوز الطهارة بماءٍ خالطه شيء طاهرٌ.
والباقِلاَء: هو الفُوْل، إذا شدَّدتَ اللام: قَصَرْتَ، وإذا خفَّفْتُها:
مددتَ، الواحدة: باقلاَّة، وباقلاة: بالتشديد والتخفيف.
* قوله: (وماءِ الزَّرْدَج).
ذكره من قَسيم المَرَق، والصحيحُ: أنه قسمٌ من: وتجوز الطهارة بماء
خالطه شيء طاهرٌ.
وماءُ الزَّرْدَج هو: ماء العُصْفِر المنقوع، فيُطرَح، ولا يُصَبَغ به.
* قوله: (وتجوز الطهارةُ بماءٍ خالطه شيءٌ طاهرٌ فغيَّر أحدَ أو صافه).
الأوصاف ثلاثةٌ: الطعمُ واللونُ والرائحةُ، فإن غيَّر وصفَيْن: فعلى
إشارة الشيخ: لا يجوز الوضوء به، لكن الصحيح أنه يجوز، كذا في
((المستصفى)).
- فإن تغيَّرت أوصافُه الثلاثةُ، بوقوع أوراق الأشجار فيه في وقت
الخريف: يجوز الوضوء به عند عامة أصحابنا.
وقال الميداني(١): يجوز شربُه؛ لأنه طاهرٌ، ولا يجوز الوضوء به؛
(١) الحسين بن حفص الميداني الأصبهاني، تفقَّه على الإمام أبي يوسف
القاضي، وهو الذي نقل فقه أبي حنيفة إلى أصبهان، المتوفى سنة ٢١٢هـ. ينظر
الجواهر المضية ١٠٨/٢، تاج التراجم ص ١٥٨.

١٥٩
كتاب الطهارة
كماء المَدِّ، والماءِ الذي يختلط به الأُشنانُ والصابونُ والزعفرانُ.
وكلَّ ماءٍ وقعت فيه نجاسةٌ: لم يَجُزِ الوضوءُ به: قليلاً كان أو كثيراً.
لأنه لمَّا صار مغلوباً: كان مقيّداً.
* قوله: (كماءِ المَدِّ): هو السَّيْلُ، وإنما خصَّه بالذِّكْر؛ لأنه يأتي بغُثَاءِ
وأشجارٍ وأوراقٍ.
- ولو تغيَّر الماء بطول الزمان، أو بالطَّحْلب: كان حكمه حكمَ الماء
المطلَقِ.
* قوله: (والماء الذي يختلطُ به الأُشنان والصابونُ والزعفران)؛ لأن
اسم الماء باقٍ فيه على الإطلاق، واختلاطُ القليل من هذه الأشياء لا
یمکن الاحتراز عنه.
- وكذا إذا اختلط الزَّاجُ(١) بالماء حتى اسودَّ: فهو على هذا.
* قوله: (وكلّ ماءِ وقعت فيه نجاسةٌ: لم يَجزِ الوضوء به).
و
وِ
- وكذا إذا غلب على ظنِّنا ذلك.
- وأراد به: غيرَ الجاري، وما هو في معناه، كالغدير العظيم.
* قوله: (قليلاً كان الماءُ أو كثيراً): أي قليلاً، كالآبار والأواني، أو
كثيراً، كالغدير: فينجس موضعُ الوقوع وإن كان كثيراً.
(١) نوع من المعادن، ففي المعجم الوسيط ٤٠٥/١ (زاج): الزاج الأبيض:
كبريتات الخرصين، والزاج الأزرق: كبريتات النحاس.

١٦٠
كتاب الطهارة
لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ بحفظ الماء من النجاسة، فقال عليه
الصلاة والسلام : ((لا يَبولَنَّ أحدُكم في الماء الدائم، ولا يَغتسِلنَّ فيه من
الجَنَابة)).
وقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا استيقظ أحدكم من مَنامه، فلا
يَغْمِسَنَّ يدَه في الإناء حتى يَغْسِلَها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتتْ يدُه)).
: قوله: (لأن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بحفظ الماء من النجاسة
فقال: ((لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم): أي الراكد، (ولا يغتسلنَّ فيه من
الجنابة)) (١) :
إنما قال: أَمَرَ: وهو نهيٌ؛ لأن النهي عن الشيء: أمرٌ بضدِّه عند عامة
المشايخ.
- ويُستدلَّ بهذا الحديث لمَن يقول بنجاسة الماء المستعمل؛ لأنه قَرَنَ
المستعملَ بالبول، فدلَّ على أن الاغتسال فيه: کالبول فيه.
فيجاب عنه: أن صاحب الجنابة لا يخلو بدنه عن نجاسة المنيِّ عادةً،
والعادةُ كالمتيقَّن.
قوله: (وقال عليه الصلاة والسلام: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه
فلا يَغمسنَّ يدَه في الإناء حتى يغسلَها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت
يدُه)(٢)): يعني في مكان طاهرٍ، أو نجسٍ.
(١) بلفظ قريب جداً في صحيح البخاري (٢٣٩)، صحيح مسلم (٢٨٢)،
واللفظ المذكور في سنن أبي داود (١٨٢).
(٢) صحيح مسلم (٢٧٨).