Indexed OCR Text

Pages 1-20

الجوهرة التيْرة
٥
w y
شَرٌْ لِخْتَصَر الإمَام القُدُورِيّ ٣٦٢- ٤٢٨ هـ
فِي الفِقْهِ الحَنَفِيّ
لِلإِمَامِ أبِي بَكْرِبْن عَلِيّ الحَدَّاد
٧٢٠ - ٨٠٠ هـ
رَحِمَهُ اللهُ تعَالى
تَحْقِيْقُ
أ.د.سَائِد بكداش
الجُزْءُ الأَوَّلُ
أروقة
5

core
3

لِلِبُحُوثِ وَالاسْتِشَارَاتِ المَصْرِفِيَّةِ الإِسْلامِيَّة
شَرَكَة غَيْرِ رِبْحِيَّة أسَّسَتْهَا المصَارِف الإسْلامِيَّة في دولة قطر، وَهِي شَرِكَة تُعنى
بِالْحُثِ وَالدِّرَاسَاتِ التِي تَخْدِ مُ تَطَوُّرِ الصِّنَاعَة المَصْرِفِيَّة الإِسْلَامِيَّةِ وَفْقَ آخِرِ
المُجَدَّات الفِقْهِيَّة وَتَعْمَلُ عَلَى إِعْدَادِ دَلِيْل عَمَل الزَّامِيّ يَسْتَنِدُ إلى مَعَايِيْ وَضْوَابِطَ
شَرْعِيَّةٌ مُوَحْدَة لِكُلّ مُنْتَجَ وَتَعْمَل عَلَى تَخِيط العُقُدِ الشّرْعِيَّة، وَاللهَتأل أن يَجْعَل
شَرَكَة ((دِرَاسَات)) حِصْنًا مِنْ حُصُون الدّفَاعِ عَنْ دِيْنِهِ وَشَرْعِهِ، وَأَنْ يُوَفِّقَ
القَائِمِينَ عَلَيْها إلى مَافِيهِ الخَيْرِ وَالرَّشَاد
د.وَلِيِدِبْنِهَادِي
رَئيسْ هَيْة الرّقابَة الشّرْعِيَّة
المُشْرِفُ العَامَ عَلَى شَرَكَة ((دِرَاسَات))

■الجوهرة النيرة
شرح لمختصر الإمام القدوري في الفقه الحنفي
تأليف : الإمام أبي بكر بن علي الحداد
تحقیق : الأستاذ الدکتور سائد بكداش
الطبعة الأولى : ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥م
جميع الحقوق محفوظة باتفاق وعقد
قياس القطع : ١٧ × ٢٤
الناشر
5
شركة دراسات للبحوث والاستشارات المصرفية الإسلامية
Research Studies & Consulting Islamic Banking
الدوحة - قطر
ء
التنفيذ الطباعي والتوزيع
زوقَِّةٌ لِلدّرَاسَاتِ وَالنّشْرِ
هاتف وفاكس : ٤٦٤٦١٦٣ (٠٠٩٦٢٦)
ص.ب : ١٩١٦٣ عمّان ١١١٩٦ الأردن
البريد الإلكتروني : info@arwiqa.net
الموقع الإلكتروني : www.arwiqa.net

٥
مقدمة المحقق
بسمالله الرحمن الرحيم
مقدمة المحقق
الحمدُ لله الكريمِ الوهَّاب، المُعطي بحكمته وفضلِه مَن شاء ما شاء،
وأفضلُ الصلاة وأكملُ التسليم على سيدنا محمدٍ سيدِ الرُّسُل والأنبياء،
وعلى آله الخِيَرَة الأصفياء، وأصحابِه البرَرَة الأتقياء، ورضيَ الله عن
السادة الأئمةِ الفقهاء، ومَن اقتفى أثرَهم إلى يوم الحَشْرِ واللقاء، وارضَ
عنا معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، وبعد :
فإن كتاب: ((الجوهرة النيرة))، للإمام أبي بكر الحدَّاد، هو شرحٌ عظيمٌ
للكتاب المبارك الشهير بـ ((مختصر القُدُوري))، في فقه الإمام الأعظم أبي
حنيفة النعمان، الكتابِ العمدةِ الحجةِ عند السادة الحنفية، ومؤلِّفُه هو
الإمامُ البارِعُ الجليلُ، المُبدعُ النبيل، الفقيهُ الثَّبْتُ، الحُجَّةُ النظَّار، المحدِّثُ
المحقِّقُ المدقُّق: أبو الحسين أحمدُ بن محمد القُدُوري البغداديُّ، المولود
سنة ٣٦٢هـ، والمتوفى سنة ٤٢٨هـ، رحمه الله تعالى.
أما صاحب ((الجوهرة النيرة)): فهو الإمامُ العالمُ العامِل، العابدُ الوَرِعِ،
الزاهدُ الواعظ، العلاَّمةُ المفَّن، الفقيهُ النبيهُ الحَصِيف، المفسِّرُ المَتَقِن
و
المُنيف: أبو بكر بن علي الحداد، من أشهر علماء اليَمَن السعيد، صاحبُ
المصنَّفات الجليلة كثرةً وإفادةً، في الفقه الحنفي خاصة، وفي التفسير

٦
مقدمة المحقق
وغيره من العلوم عامةً، بل ممن بَرَعَ في أنواعٍ كثيرةٍ منها، المولودُ سنة
٧٢٠هـ، والمتوفى سنة ٨٠٠هـ، رحمه الله تعالى.
و((الجوهرة النيرة)) كتابٌ رفيعٌ نفيسٌ، ساطعٌ نورُه، متألَّقٌ في حُسْنه،
سَهْلُ العبارة، قريبُ المعنى، شَرَحَ فيه مؤلِّفُه كاملَ نصِّ مختصر
القدوري، مع زيادةٍ مسائلَ فقهيةٍ مهمةٍ كثيرة، وفروعٍ منتقاةٍ غاليةٍ جمَّةٍ
غزيرة، يحتاجُها الطالبُ المبتدي، والعالمُ الفقيه المُرْتوي، بل يسعى إليها
كلَّ مَن تصدَّر للتدريس والإفتاء والإفادة، وأراد حَلّ المشكلات وزيادة.
هذا، وقد اختصره مؤلِّفُه من كتابه الآخر، وشَرْحِهِ الكبيرِ لمختصر
القدوري: ((السِّرَاج الوهَّاج))، الذي جاء في نحو ألف ورقة، ووقع
مختصرُه ((الجوهرة)) في نحو ثلثه، أو أزيد بقليل.
وكتابُ ((الجوهرة النيرة)) كاسمه، جوهرةٌ فقهيةٌ غاليةٌ، ودُرَّةٌ حنفيةٌ
مضيئةٌ عالية، تُنير الدُّروبَ، وتُيسّر الخطوبَ، كتابٌ مليءٌ غزيرٌ بأصول
المسائل وفروعها، يُعَدُّ من أعظم شروح القدوري، وأكثرِها انتشاراً
وتداولاً في حياة مؤلّفه وفيما بعده، أي بعد القرن الثامن الهجري، بل
قالوا عنه: ((كتابٌ لم يَسمحِ الدهرُ بمِثالِهِ، ولم يَنْسُجْ ناسِجٌ على مِنواله)).
وقد أفاض مؤلِّفُه رحمه الله بذِكْر الخلاف بين الإمام أبي حنيفة وبين
أصحابه أبي يوسف ومحمد وزفر في أغلب المسائل، وفي أحيانٍ أخرى
يورد خلافَ الحسن بن زياد ومحمد بن شجاع الثلجي، وكذلك فيما بين
علماء الحنفية وأئمتهم عامة.
هذا، مع اهتمامه بذِكْر الروايات عن الإمام أبي حنيفة وغيره، وكذلك

٧
مقدمة المحقق
بيان المفتى به والراجح في المذهب في كثيرٍ من المسائل المختلَف فيها،
وأحياناً يَتركُ ذِكرَه وبيانَه.
كذلك كانت للمؤلف رحمه الله عنايةً ببيان خلاف الإمام الشافعي في
مواطن كثيرة، وخلافِ الإمام مالك ولكن بنسبةٍ أقلّ، مع ذكر دليلهما
ووجه قولهما باختصار، كما يذكر في مراتٍ ليست بكثيرة خلافَ الإمام
أحمد، وبخاصة في قسم العبادات، وهكذا أحياناً نادرة يذكر الخلاف
العالي بين الفقهاء، أو خلافَ بعضهم .
* أما من ناحية ذِكْر المؤلّف لأدلة المسائل، وبيان وجهة نظر الأقوال
المذكورة: فالكتاب فيه أدلةٌ ليست بالقليلة من الكتاب والسُّنَّة لكثيرٍ من
رؤوس المسائل، وأما الفروع والزيادات التي يأتي بها في شرح مقولة
القدوري فإنه يُبيِّن وجهةَ نظر صاحب کل قول فيها باختصار.
ويمتاز المؤلّف في الجوهرة النيرة بذكر الأمثلة الموضِّحة لمسائل
الكتاب، الميسِّرة لفهمها، وخاصة في أبواب البيوع والمعاملات.
وهكذا كثيراً ما يربط الفرع المذكورَ بضابطٍ فقهي يضمُّ أمثلةً أخرى،
أو بقاعدة فقهية تشمل مسائل عديدة، ويُمكن القول إنه من الكتب
المتوسطة في الاستدلال.
وقد كانت نسبة الاستدلال في الربع الأول من الكتاب أكثر بشكل
واضح من بقية الكتاب، وبَلَغَ عددُ الآيات الكريمة التي استدل بها المؤلف
في الكتاب كله نحو ٥٠٠ آية، وأما الأحاديث المستدلّ بها فكانت نحو
٥٠٠ حديث أيضاً، مع بيان وجه الدلالة منهما.

٨
مقدمة المحقق
وله في مواطن عديدة من الكتاب استدلالاتٌ رائعةٌ نادرة، ولفتات
بديعةٌ ماتعة في بيان وجه الدلالة، يَطرب لها طالبُ العلمِ، ويَطيرُ بها فَرِحاً
مسروراً بغير جناح.
- وقد شبَّهت هذا الكتابَ بكثرة ما حوى من الفروع والمسائل بصيدليةٍ
عظيمة، مليئة بالأدوية النافعة والعقاقير الناجعة، وهي تنتظر وتحتاج إلى
طبيبٍ فقيهٍ ماهرٍ حاذقٍ يختار منها الدواءَ الناجعَ المناسبَ ليُنزِله بحِكمته
وبُعد نظره على ما يُعرَض عليه من أسئلةٍ موجّهةِ إليه، ونوازل جديدة
مطروحةٍ عليه؛ ليعود ذلك عليها بَلْسَماً شافياً، وناصحاً وافياً كافياً.
* وقدَّر الله تعالى لهذا الكتاب أن يُطبع أكثر من طبعةٍ في أواخر القرن
الثالث عشر الهجري، في ديار السلطنة العثمانية، ولكن بدون خدمة
علميةٍ له، ثم صُوِّرت تلك الطبعات كما هي، وانتشر الكتاب، وعمَّ نفعُه
وهو على صورته السقيمة التي خرج عليها.
وهكذا حين أكرمني الله تعالى بخدمة كتاب العلاّمة الميداني شرح
مختصر القدوري: ((اللباب في شرح الكتاب))، تطلَّعتُ حينها لإخراج
(الجوهرة النيرة)) بصورةٍ علميةٍ مُرْضِيةٍ بقدر المستطاع، وانشرح صدري
لذلك، ثم جاء عونُ الله تعالى وتوفيقُه، ويسَّر لي تحقيقَه وإظهارَ هذه
الجوهرة المضيئة المنيرة، بإثبات النص الصحيح للكتاب من خلال نُسخٍ
خطية عديدة، وجَعْلِ نصِّه مُشرِقاً بتفقير عباراته وجُمَله، وتمییز مسائله عن
بعضها البعض، بما يوضِّحها، وييسر فهمَها، بوضع علامات الترقيم،
وشرح غريب النص ومغلَقه بما يناسب حال قارئ هذا الكتاب، وکریم

٩
مقدمة المحقق
مستواه العلمي.
هذا مع تخريج الأحاديث الواردة في الكتاب، وبيان درجة كلٍّ منها
من خلال كلام أهل الشأن في ذلك، وكذلك وضعتُ مختصر القدوري في
أعلى الصفحة مميّزاً عن الشرح.
وقد خَلَتْ طبعتَيْ الكتاب القديمتين السَّقِيمتَيْن من كل هذه
الخدمات، وبخاصة ما يتعلق بالأخطاء المطبعية الفظيعة الكثيرة الواقعة
فيهما، والأسقاط العديدة، وازدحام مسائل الكتاب وتداخل بعضها
ببعض، ونحو هذا مما أخلَّ بالكتاب، وأبعد الاستفادةَ منه عن كثيرين،
ولا يَعرِفُ هذا إلا مَن عايَنَه وخَبَرَه، وأسهر الليالي المِلاحَ معه، وكما
قالت العرب سابقاً: ((وَيْلٌ للشَّجِيِّ من الخَلِيّ).
وإن في خدمة الجوهرة النيرة وتقديمِه بهذه الصورة المشرقة إضافةً
جديدةً للحنفية، وعطاءً سديداً مديداً في الفقه الحنفي، نقدِّمه لكل مَن
يَدْرُس مختصر القدوري أو يُدرِّسه، ليكون سبباً وعوناً على تيسير فهم
وتفهيم هذا المختصر المبارك الذي كُتب له القبول في مشارق الأرض
ومغاربها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
* وقد بذلتُ جهدي في خدمته وتصحيحه وتقديمه بالشكل الماثل
بين يدي القارئ الكريم، وكنتُ أسير في رحلتي الطويلة مع الكتاب
ويَمِثُل نُصْبَ عينيَّ قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((سدِّدوا وقاربوا))،
وقولُه أيضاً: ((يا عليّ! قُل: اللهم اهدِنِي وسدِّدْني)).
وما عملي هذا إلا جهد البشرِ المجبولِ على الضعف، وخيرُ الناس
مَن يَعذُر الناس.

١٠
مقدمة المحقق
وراحلتي بين الرَّواحلِ ظالعُ
فسِيْروا علىُ سَيْري فإني ضَعِيفُكم
إلهي أنتَ مقصودي، ورضاكَ مطلوبي، وأنتَ سَنَدي وعَوْني، وما
توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، نعم المولى، ونعم النصير.
وأسأل الله سبحانه العفو والعافيةَ والقبول، وأرجوه جلَّ وعلا أن يُتَمِّم
بالخير، وأن يغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا وأزواجنا وأولادنا وأحبابنا،
ولكل مَن له حقٌّ علينا، وللمسلمين أجمعين، وأن يُعجِّل بالفرج العامِّ،
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
وكتبه
أ.د/ سائد بن محمد یحیی بكداش
جامعة طيبة - المدينة المنورة
قسم الدراسات الإسلامية

١١
مصادر ترجمة صاحب الجوهرة النيرة
مصادر ترجمة صاحب الجوهرة النيرة
لم أُترجم هنا للإمام القدوري صاحب المتن؛ مكتفياً بما كتبتُه عنه
مطوَّلاً في مقدمة تحقيقي لكتاب: ((اللباب في شرح الكتب))، للعلامة
الشيخ عبد الغني الميداني.
وأما مصادر ترجمة الشارح الإمام أبي بكر الحداد صاحب الجوهرة فهي:
١- العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية ٢٩٦/٢، للعلامة
المؤرِّخ موفق الدين علي بن الحسن الخزرجي الزبيدي، ت ٨١٢هـ، وقد
عاش نيفاً وسبعين سنة.
٢- تاج التراجم، للعلامة قاسم بن قُطْلوبُغا، ت ٨٧٩هـ، ص ١٤١.
٣- طبقات الخواص أهلِ الصدقِ والإخلاص، للعلامة أحمد بن
أحمد بن عبد اللطيف الشَّرْجي الزبيدي، ت ٨٩٣هـ، صاحب: ((التجريد
مختصر صحيح البخاري))، ص٣٩١.
٤- العقيق اليماني في وفيات وحوادث المِخْلاف السليماني، للضَّمَدي
عبد الله بن علي بن النعمان، توفي بعد سنة ١٠٦٨ هـ، (مخطوط في مجلد

١٢
مصادر ترجمة صاحب الجوهرة النيرة
ضخم)(١)، والترجمة فيه مأخوذةٌ بأكملها من طبقات ((الخواص))،
ومنسوخة منه.
٥- كما توجد ترجمة للمؤلف الإمام الحداد على غلاف نسخة
((السراج الوهاج)) شرح مختصر القدوري، المودَعة في مكتبة (المولد) مكة
المكرمة، وغالبها مأخوذٌ من ((طبقات الخواص))، مع تصرف يسير، ومع
زیادات.
٦- البدر الطالع بمحاسن مَن بعد القرن السابع، للشوكاني محمد بن
علي، ت ١٢٥٠ هـ، ١٦٦/١.
٧- كشف الظنون، لحاجي خليفة، ت ١٠٦٧ هـ، في مواضع عدة
عند ذكره لكُتُب الإمام الحداد.
٨- هدية العارفين، للبغدادي إسماعيل باشا، ت ١٣٣٩ هـ، ٢٣٥/٢.
٩ - الأعلام، للزركلي خير الدين، ت ١٣٩٦ هـ، ٦٧/٢.
١٠ - معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، ت ١٤٠٢ هـ، ٦٧/٣.
(١) وقد حصلتُ على ترجمته من مخطوطةٍ للكتاب بمساعي الأخ الكريم
الفاضل الدكتور محمد أبو بكر باذيب، شكر الله سعيه، وجزاه الله خيراً.

١٣
ترجمة صاحب الجوهرة النيرة
ترجمة صاحب الجوهرة النيرة
* اسمه، ونسبه :
هو الإمام العلامة أبو بكر بن علي بن محمد بن داود ابن الشيخ علي
بن عبد الرحمن(١) الحداد، أبو العتيق، رضيُّ الدين، العَبَّادي الزَّبِيدي
اليمني الحنفي.
والعَبَّاديُّ: نسبة لقرية: العَبَّادية، من قرى زبيد، ثم انتقل إلى مدينة
زبيد، وهي مدينةٌ مشهورة من مدن اليمن المبارك السعيد، وقد استقرَّ
بها، وتوفي بها، فنُسب إليها، فقيل له: العبَّادي الزَّبِيْدي.
والحدَّاد: نسبة لصَنْعة الحِدَادة وعَمَلِ الحديد، وقد اشتهر بها، فيُقال
له: الحَدَّاد، والحدَّادي.
* ولادته :
ولد الإمام أبو بكر الحداد في قرية العَبَّادية، في رجب، سنة ٧٢٠هـ،
كما جاء في تاج التراجم(٢)، للعلامة قاسم بن قطلوبغا، ولم أرَ غيرَه ذَكَرَ
(١) كل مَن ترجم للحداد ذَكَرَ من آبائه إلى جده المباشر فقط، وهو محمد،
لكن هذه الزيادة في ذکر بقية آبائه وجدتُها في ترجمة له گُتبت على غلاف نسخة كتاب
(السراج الوهاج)) شرح مختصر القدوري، في مكتبة (المولد) مكة المكرمة.
(٢) ص ١٤١.

١٤
ترجمة صاحب الجوهرة النيرة
سنةَ ولادته.
* طلبه للعلم، وذِكْرُ شيوخه :
تفقه في بدايته بوالده الفقيه الشيخ علي بن محمد الحداد، بقرية
العبادية، ثم انتقل إلى مدينة زبيد، وأكمل تفقهه وتعلَّمَه العلومَ المتنوعة
على عددٍ من كبار مشايخ زمانه، منهم:
١- العلامة الفقيه الإمام أبو الحسن علي بن نوح الأُبَوِيُّ(١)، نسبةً لأُبيِّ
ابن كعب، الصحابيِّ الجليل المشهور رضي الله عنه، وكان علاّمةً في الفقه
الحنفي، ويَحفظ كتاب ((الهداية)) للمرغيناني، وينقل عنه عن ظهر غيب.
وكان مع كماله في العلم: صاحبَ عبادة وزهادة وصلاح وولاية،
المتوفى سنة ٧٥١هـ، رحمه الله تعالى.
٢- العلامة المحدِّث الفقيه الحنفي أبو إسحاق إبراهيم بن عمر
العلوي(٢)، الإمام المفَّن في كثير من العلوم، المتوفى سنة ٧٥٢هـ، رحمه
الله تعالى.
٣- الإمام أبو بكر بن علي بن موسى الهاملي(٣)، سراج الدين، الفقيه
الحنفي، نزيل زبيد، له: شرحُ مختصر القدوري، وكتاب: «دُرُّ المهتدي
وذُخر المقتدي))، ويُعرف بالمنظومة الهاملية، في الفروع، مشهورٌ متداول،
وقد شَرَحَه تلميذُه المترجَم أبو بكر الحداد، كما سيأتي في مصنفاته،
(١) له ترجمة في طبقات الخواص، ص ٢٢٦.
(٢) له ترجمة في طبقات الخواص، ص ٥٢.
(٣) له ترجمة في هدية العارفين ٢٣٥/٢، الأعلام للزركلي ٦٧/٢.

١٥
ترجمة صاحب الجوهرة النيرة
المتوفى سنة ٧٦٩هـ، رحمه الله تعالی.
٤- الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم القَرْبَتي.
٥- وأخذ النحوَ عن الشهاب أحمد بن مليح النحوي.
٦- وعن الجمالِ محمد بن موسىُ الدَّوالي.
٧- كما أخذ الأدبَ عن أبي الحسن علي بن سليمان المصفي.
٨- وهناك شيخٌ له لم أقف على ترجمته، يذكره في الجوهرة النيرة
مرات كثيرة، فيقول: قال شيخنا موفق الدين، أو: كذا أفاد شيخُنا موفق
الدین رحمه الله.
وغير هؤلاء من العلماء الكبار.
* تلاميذه :
كان الإمام أبو بكر الحداد مباركاً موفّقاً في تدريسه ونشر العلم، كثير
الطلبة، صبوراً عليهم، وقد تفقَّه به جمعٌ كثيرٌ من أهل بلده زبيد، ومن
الغرباء، ونَفَعَ الله به خَلْقاً لا يُحصَوْن، حتى قال صاحب طبقات
الخواص(١): ((وانتفع به الطلبة نفعاً عظيماً)).
ومن أشهر تلاميذه:
١- ولده الفقيه أحمد بن أبي بكر بن علي الحداد، وكان من عباد الله
الصالحين، العلماء العاملين، ولما لم تَطِبْ له مدينتُه زبيد: انتقل إلى قرية
العبادية قرية والده، وأقام هناك حتى توفي رحمه الله تعالی.
(١) طبقات الخواص، ص ٣٩٣.

١٦
ترجمة صاحب الجوهرة النيرة
وله ذريةٌ أخيارٌ صالحون، يتردّدون فيما بين القرية المذكورة ومدينة
زبید، وهم علی سَنَن أبیھم(١) ...
٢- الفقيه العالم العارف محمد بن عمر بن محمد بن عبد الله بن
شَوْعان، الإمام المفَّن في العلوم، المتوفى سنة ٨٢٢هـ(٢).
٣- أحمد بن عبد اللطيف الشرجي الزبيدي، والد صاحب ((طبقات
الخواص)).
٤- الفقيه الهُمَام العلوي.
٥- الفقيه الصِّدِّيق بن البرهان.
وغير هؤلاء جَمْعٌ كثيرٌ لا يُحصَوْن، لكن لم تذكر كتب التراجم إلا
القليل منهم.
(١) ينظر العقود اللؤلؤية في الدولة الرسولية ٢٩٦/٢.
(٢) له ترجمة في طبقات الخواص، ص ٣٢٩.

١٧
ثناء العلماء عليه
ثناء العلماء علیه
وذِكْرُ سيرته الطِّية العَطِرة
جاءت ثناءات عاليةٌ غاليةٌ متعددة تبيِّن مقامَ الإمام الشيخ أبي بكر بن
علي الحداد، وذُكرت عن سيرته المرضية أخبارٌ طيِّبةٌ عطرةٌ نادرة، تَشحذ
الهِمَم، وتُذكي وَقْدة الشوق إلى العلم والعمل، وأسوق هنا ما وقفتُ عليه
من ذلك في کتب مترجمیه:
* جاء في ((العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية))، للخزرجي(١):
((كان أبو بكر الحداد فقيهاً عارفاً كبيراً، متفنِّناً، ورعاً صالحاً)).
* وقال العلامة الشيخ أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الشرجي
الزبيدي في ((طبقات الخواص)) (٢)، وهو يَترجم لأهل الصدق والإخلاص،
وذكر منهم أبا بكر الحداد، فقال:
((كان فقيهاً عالماً كبيراً، عابداً ورعاً زاهداً، كثيرَ الاجتهاد في العلم
والعمل، متواضعاً، متقلَّلاً في مَطعمه ومَشربه ومَلبَسه، وجميعٍ أموره، مع
الورع التام)». اهـ
(١) ٢٩٦/٢.
(٢) ص ٣٩١.

١٨
ثناء العلماء عليه
* وقال عنه أيضاً:
((وكان مباركَ التدريس، كثيرَ الطلبة، صبوراً عليهم، بحيث أخبرني
بعضُ مشايخي رحمهم الله تعالى: أن الفقيه أبا بكر الحداد كان يُقرئ* في
اليوم والليلة نحواً من خمسة عشر درساً، لا يضجر ولا يتبرَّم)). اهـ
* وقال أيضاً حين ذَكَرَ مصنَّفاته وبيَّنها:
((هذا مع الاشتغال بالعبادة والصيام والقيام، والتدريس، وغير ذلك.
ومع الاشتغال بالعيال والفقر، فإنه إنما کان یأکل من کَسْب يده، كان
يَنسخُ الكُتُبَ ويبيعُها، في المذهب والتفسير والحديث وغير ذلك.
وكان إذا أتمَّ كتاباً يتبادر الناسُ ويشترونه بأغلى الأثمان، تبرُّكاً به، مع
ضعف خطه، إلا أن الكتاب لا يَخرج من بين يديه إلا مصحَّحاً ما يحتاج
مقابلةً، وربما ينسخ بالأجرة.
* ومما يُحكى عنه من ورعه: أنه وَصَلَه بعضُ الأمراء بكِيْس فيه ألفُ
دينار صدقةً من الملك الأفضل، فقال: ما لي به حاجة، ارجع إلى
السلطان يَصرِفُه في مصالح المسلمين، فقال الطواشيُّ: يا سيدي! ما يُمكن
أن نردّه على السلطان، قال: فخُذْه أنتَ، وإلا اعمل به ما شئتَ، فلما ألحّ
الطواشيُّ، دخل البيتَ وأغلق البابَ، قال الطواشيُّ: فسمعتُه يقول وهو
داخلٌ: ﴿بَلْ أَنْتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُون﴾ النمل /٣٦.
وله مِن هذا القَبيل حكاياتٌ كثيرةٌ، لولا خوف التطويل لذكرتُ كثيراً
منها، ولكن في هذا القدر كفاية إن شاء الله تعالى.
* وكان رحمه الله كثيرَ الوعظ لمَن جالَسَه، ولمَن قرأ عليه.

١٩
ثناء العلماء عليه
ولا يَقدِر أحدٌ أن يذكر عنده شيئاً من أمور الدنيا، ولا شيئاً من أحوال
الناس وأمورهم)). اهـ من طبقات الخواص.
* وقال الإمام العلامة قاسم بن قُطْلُوبُغا (١) واصفاً له: ((إمامٌ فقيهٌ،
عابدٌ، متزهِّدٌ)).
* وأثنى عليه العلامة الشوكاني في (البدر الطالع))(٢)، فقال:
((برع في أنواعٍ من العلم، واشتهر ذِكْرُهُ وطار صيتُه، وله زهدٌ وورعٌ
وعِفَةً وعبادة)). اهـ
* وجاء في ترجمةٍ له على غلاف نسخة خطية من كتابه: ((السراج
الوهَّاج)) ما يلي:
(كان فقيهاً عالماً عاملاً عابداً)).
* كما جاء في آخرها:
((انتهى للفقيه الإمام الزاهد الناسك العابد تقي الدين أبي بكر بن علي
الحداد)). اهـ
* ومن ثناءات العلماء عليه في الفقه الحنفي خاصة، وبيان قَدْره
العالي فيه، وإتقانه له:
- ما قاله صاحب ((العقود اللؤلؤية))(٣):
((وكان يومئذٍ أكبر أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى في مدينة زبيد)). اهـ
(١) تاج التراجم ص ١٤١ .
(٢) ١٦٦/١.
(٣) ٢٩٦/٢.

٢٠
ثناء العلماء عليه
- وقال صاحب ((طبقات الخواص))(١):
((وله في مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه مصنَّفاتٌ جليلةٌ، لم
يُصنِّف أحدٌ من علماء الحنفية باليمن منذ زمن الإسلام إلى عصرنا مثلَها
كثرةً وإفادةً)). اهـ
(١) ص ٣٩٢.