Indexed OCR Text
Pages 301-320
فقال النبي ◌َّ: " ويل أمه (١)، مِسْعَرَ حرب، لو كان له أحد" ،
فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر ،
قال : وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل ، فلحق بأبي بصير ،
فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم ، إلا لحق بأبي بصير ،
حتى اجتمع [ ١٢٧/ب ] منهم عصابة ، قال : فوالله ما يسمعون
بعير لقريش إلى الشام ، إلا اعترضوا لها ، فقتلوهم ، وأخذوا
أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي 18: يناشدونه بالله والرحم ،
إلا أرسل إليهم ، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﴿ ﴿، فأنزل
الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَ أَبْدَِّهُمْ عَنكُمْ وَأَبْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾
حتى بلغ: ﴿حَمَّة الْجَاهِلِيّة﴾ (٢) وكانت حميتهم أنهم لم يقرّوا
أنه نبي الله، ولم يقروا بسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينه
.
وبين البيت (٣)
( ث٦٦٧٨ ) حدثنا إسحاق عن عبد الرزاق عن عكرمة بن عمار قال : أخبرني
أبو زميل سماك الحنفي أنه سمع ابن عباس يقول : كاتب الكتاب يوم
الحديبية علي بن أبي طالب (٤) .
(١) ويل أمه : كلمة ذم تقولها العرب في المدح ، ولا يقصدون معنى ما فيها من الذم .
الفتح ٣٥٠/٥ .
(٢)
سورة الفتح : ٢٤ - ٢٦.
أخرجه "عب" عن معمر ٣٣٠/٥-٣٤٢، رقم ٩٧٢٠ ، و"خ" في الحج ، باب من أشعر
(٣)
وقلّد بذي الحليفة ثم أحرم ٥٤٢/٣ رقم ١٦٩٤-١٦٩٥، فذكره مختصرا ، وفي
الشروط في الجهاد ، المصالحة مع أهل الحرب ، وكتابة الشروط ، من طريق عبد الرزاق ،
فذكره مطولاً ٣٢٩/٥-٣٣٣ رقم ٢٧٣١- ٢٧٣٢، وفي مواضع أخرى كثيرة .
(٤) رواه "عب" عن عكرمة ٣٤٢/٥-٣٤٣ رقم ٩٧٢١.
- ٣٠١ -
قال أبو بكر : وقد تكلم بعض أهل العلم في معاني أحرف من هذا الحديث ،
من ذلك قوله : الغميم : قال : هو ما بين عسفان وصجعان ،
وقوله : قترة الجيش الفترة هو الغبار ، يريد غبرة الجيش ، وحكى عن
أبي عبيدة أنه قال في قوله: ﴿وَلاَ يَرهَق وجُوهَهُم قتر ولا ذِلةٌ﴾ الآية(١)
قال : القتر الغبار (٢).
وقوله : فألحت ، يريد لزمت مكانها، أو لم تبرح ، يقال : ألح الجمل ،
وخلدت الناقة ، وحرن الفرس ، والثمد : الماء القليل ، وجمعه ثماد ،
ويقال : ماء مثمود ، إذا كثر عليه الناس حتى يفنى ، ورجل مثمود ،
وقد ثمدته النساء ، إذا نزفت ماءه لكثرة الجماع .
وقوله : يتبرض الناس تبرضاً ، أي يأخذونه قليلاً قليلاً ، يقال : برضت له
برضاً إذا أعطيته ، شيئاً يسيراً .
وقوله : [ ١٢٨/ ألف ] ما زال يجيش لهم بالري أي يرتفع ماؤه ، وقوله : إذ
جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة ، وكان عيبة
نصح رسول الله من أهل تهامة ، قوله : عيبة نصح رسول الله : يعني
موضع سره ، ومن يستنصح ويأتمن على أمره ، ومنه قوله : الأنصار
کماشي و عيبتي .
و قوله : معهم العوذ المطافيل ، يريد النساء والصبيان ، والعوذ جمع عائذ .
وقوله : فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ،
أو ينفذن الله أمره ، والسالفتان ناحيتا مقدم العنق من بدن معلق القرط
إلى الترقوة ، كأنه قال : لا أزال أجاهد حتى أنفذ لأمر الله وأبلغه ،
أو يفرق بين رأسي وجسمي .
(١) سورة يونس : ٢٦ .
(٢) قاله في مجاز القرآن ٢٧٧/١ .
- ٣٠٢ -
و قوله : فوالله إني لأرى وجوهاً ، وأرى أشواباً من الناس ، خلقاً أن يفروا ،
ويدعوك ، قال : هم الأخلاط من الناس ، وكذلك الأوباش .
قال أبو بكر : وقد تضمن خبر المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم عدد
أبواب من كتاب [١١/٣/ألف] المناسك ، والجهاد ، وغير ذلك
من الأحكام ، والآداب ، أحببت إثبات ما حضرني من ذلك بعقب
حديثهما ، فمن ذلك :
م١٩٥٠- أن نبي الله سن ذا الحليفة ميقاتاً لمن أراد العمرة من أهل المدينة في
سنة ست ، وسن المواقيت بعد ذلك، قال رسول الله وخ طي بعد ذلك قبل
أن يحج : يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ، وأهل الشام من الجحفة ،
وأهل نجد من قرن ، و أهل اليمن من يلَمْلَمْ .
م١٩٥١- ومن ذلك: أن الأفضل والأعلى [١٢٨/ب] الإحرام من المواقيت،
استدلالاً بأن النبي 3 / لما خرج يريد العمرة عام الحديبية ترك الإحرام من
منزله ، وأحرم من ذي الحليفة ، وكذلك فعل في حجة الوداع ، فدل
على أن الإحرام من المواقيت أفضل من إحرام الرجل من دويرة
أهله ، ومن قبل المواقيت ، لأن الإحرام قبل المواقيت محظور ، وقد فعله
جماعة من أصحاب رسول الله و33 واتباع السنن أفضل ، وليس معنى
قوله: ﴿وأتموا الحجّ والعُمرة﴾ الآية (١) أن يحرم الإنسان من دويرة أهله،
ولو كان ما قالوه معنى الآية ، لكان أشد الناس له استعمالاً من نزل عليه
القرآن ، وفرض عليه البيان، ففي إحرام رسول الله وَ﴿ من الميقات ،
وتركه أن يحرم من منزله ، دليل على أن تأويل الآية ليس كما
تأوله أولئك .
(١) سورة البقرة : ١٩٦.
- ٣٠٣ -
ويؤكد ذلك قوله : يهل أهل المدينة من ذي الحليفة .. الحديث ، يأمرهم قبل
خروجهم أن يحرموا من مواقيتهم ، وقد تأول بعضهم قول من قال : تمام
العمرة أن تحرم من دويرة أهلك : إن المراد به من بين المواقيت ،
وبين مكة ، استدلالاً بخبر ابن عباس عن النبي وَطّ: ومن كان أهله
دونهن فمهله من أهله ، وكذلك فكذلك حتى أهل مكة يهلون
منها ، فإن كان علي رضي الله عنه ، أراد هذا المعنى ، فهو صحيح
موافق خبر ابن عباس ، ولا أحسبه أراد غير ذلك ، لأنه حاضر مع
النبي الكلية [١٢٩/ألف] عام الحديبية، وهو كان كاتب الكتاب،
وغير جائز أن يظن به غير ذلك ، ومما يؤيد أنه لا يجوز أن يظن بعلي
رضي الله عنه غير ذلك خبره الذي :
( ث ٦٦٧٩ ) حدثنا علي بن الحسن حدثنا يعلى بن عبيد الطيالسي ، وأبو نعيم
قالا : حدثنا مسعر عن عمرو بن مرة عن أبي البحتري عن أبي عبد
الرحمن قال أبو نعيم : عن علي ، وقال يعلى : قال علي : إذا حدثتم عن
رسول الله ﴿ بشيء فظنوا به الذي هو أهدى ، والذي هو أنقى ،
والذي هو أتقى .
فإذا كان رضي الله عنه يأمر فيما يحتمله التأويل أن يظن بأخبار رسول الله { ₪ الذي
هو أهدى ، فكيف يجوز أن يظن به أنه عدل عما رأى النبي صَ لٌّ بسنة
لأمته مرةً بعد مرة وخالفه .
م ١٩٥٢- ومن ذلك : أنه سن إشعار البدن قبل حجة الوداع بأعوام ، وفعل ذلك
في حجة الوداع، وقد خالف فعل النبي ◌َُّّ من زعم أن الإشعار مثلة ،
محتجاً بأن النبي ﴿ ﴿ّ نهى عن المثلة، ونهى النبي ◌َّ عن المثلة، إنما كان
عام خيبر ، وإشعار البدن في حجة الوداع في سنة عشر ، ولم يكن له ،
عزاه بعد حجة الوداع .
- ٣٠٤ -
م١٩٥٣ - ومن ذلك : أن السنة أن يشعر المرء بدنته قبل الإحرام ، لأن في
حديثهما: إن النبي [١١/٣/ب] { قلد الهدي، وأشعره ، وأحرم
بالعمرة ، فاعلم أنه أحرم بالعمرة بعد الإشعار ، والتقليد ، وإذا كان
ذلك [١٢٩/ب ] كذلك، فقد اغفل من قال: إن من قلد فقد أحرم ،
لأن في الحديث أنه قلد الهدي ، وأشعر ، وأحرم ، ففي ذلك دليل على
أن إحرامه كان بعد التقليد ، والإشعار ، إذ غير جائز أن يقال لمن قد
لزمه الإحرام بالتقليد ، أحرم ، بعد ذكر التقليد ، لأن الإحرام لا يدخل
على إحرام قبله إلا حيث دلت السنة من إدخال الحج على العمرة .
م١٩٥٤- ومن ذلك السنة في تقليد الهدي، وقد فعل النبي ◌َ ◌ّ ذلك في سنة تسع
في العام الذي حج فيه أبو بكر ، ذكرت عائشة أنها فتلت قلائد هدى
رسول الله 35 ثم قلدها رسول الله بيده، ثم لم يحرم على رسول
الله ◌َّ شيء كان أحله الله له، حتى نحر الهدي ، وفعل ذلك في حجة
الوداع ، وكل ذلك يدل على أن المرء لا يكون بالتقليد محرماً .
م١٩٥٥ - ومن ذلك تقديم الأئمة الطلائع ، والعيون بين يدي الجيوش ، إقتداء
برسول الله ﴿ لما بعث عام الحديبية بين يديه عيناً له من خزاعة، يخبره
عن قريش، قال: وسار رسول الله﴿ حتى إذا كان بغدير الأشطاط
قريباً من عسفان ، أتاه عينه الخزاعي ، مع ما يجمع فاعل ذلك من الحزم
والاحتياط والتحرز من عيون العدو وبغتاته ، مع ما فيه من المبالغة
في باب الاستعداد والتأهب للقاء العدو ، وربما ظفرت الطليعة
بالعلج يدل على غفلات العدو [ ١٣٠/ألف ] وعوراته ، ويخبر عن
قرب العدو وبعده ، وموضع نزوله ، وما يدبر من كيد الإمام
وأهل الإسلام ، فيحترز الإمام من مكائده ويغتنم غفلاته ، فربما ظفر
بالحيلة ، وربما نجا بالتيقظ .
- ٣٠٥ -
م١٩٥٦ - ومن ذلك ما دل على قبول خبر الواحد ، وأن خبره حجة يلزم قبولها ،
إذا كان المخبر ثقة ، ولا يجوز أن يبعث الإمام في ذلك غير ثقة ، لأن
طليعة رسول الله و ﴿ كان رجلاً واحداً، ولم يكن الرسول و﴿ ليبعث
من يخبره عن العدو بخبر ، إلا من يقبل ذلك منه ، لأن ذلك إن كان
على غير ما قلناه، فلا معنى للبعثة، ولا فائدة، والنبي ◌َّ لا يأمر
بما لا معنى له .
م١٩٥٧ - ومن ذلك الرخصة في مسير الرجل وحده طليعة لجيش ، لأن الخزاعي قد
مضى وحده سائراً، بأمر البي { ﴿ ، ويشبه أن يكون معنى خبر ابن عمر
عن النبي ◌ُّ: لو يعلم الناس من الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليل
وحده أبداً في غير باب الضرورة ، والحرب ، لا لحاجة إليه ، فإذا
كانا اثنين ، فغير مكروه لهما السير في شيء من الأحوال ، يدل على ما
قلناه خبر مالك بن الحويرث أن النبي ﴿﴿ قال له ولصاحب له : " إذا
سافرتما فأذنا ، وأقيما ، وليؤمكما أكبركما (١)، فإن احتج محتج بخبر
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي {﴿ قال:" الراكب شيطان ،
والراكان شيطانان ، والثلاثة ركب " (٢).
فقد [ ١٣٠/ب ] اختلف أهل العلم في القول بهذا الإسناد ، وقد عارضه
خبر مالك بن الحويرث ، وإذا تعارضت الأخبار رجعت الأمور إلى أنها
علی الإباحة ، حتى نعلم حظراً ، يعني خبر يعارضه .
م١٩٥٨- ومن ذلك الرخصة في هجوم الواحد على الجماعة الكثيرة العدد من
العدو، استدلالاً بأن النبي ﴿ّ بعث عينه الخزاعي ، عيناً وحده إلى عدو
(١) تقدم الحديث برقم ١١٧٥ ، في كتاب الأذان .
(٢) ذكره الشيخ الألباني في الأحاديث الصحيحة. وعزاه في تخريجه إلى مالك ، وابي داؤد ،
والترمذي، والحاكم، والبيهقي، وأحمد، وقال: إسناده حسن. ٩٢/١ رقم ٦٢.
- ٣٠٦ -
كثير، وفي معنى ذلك قول [١٢/٣/ألف] النبي ﴿ّ عام الأحزاب: من
يأتيني بخبر القوم ؟ فقال الزبير: أنا فقال النبي ◌ُ ◌ّ : " لكل نبي حواري ،
وحواري الزبير " ، وقد ذكرت إسناده فيما مضى (١) .
م١٩٥٩- وفيها السنة في مشاورة الإمام أصحابه فيما يشكل عليه من أمر عدوهم ،
إقتداء برسول الله ﴿ لما قال حين جاءه عينه الخزاعي ، يخبره عن
قريش وجمعهم له ، وعزمهم على قتاله ، وصده عن البيت
الحرام : " أشيروا علي " ، وقد فعل هذا قبل ذلك ببدر ، استشار
من استشار من أصحابه في أمر الأسارى ، فأشار عليه أبو بكر ، وعمر
ما أشارا به ، وقد ذكرت هذه القصة فيما مضى (٢)، وكل ذلك اتباعاً
لأمر الله، وليتأدب به الأئمة، قال الله جل ذكره: ﴿وَشَاوِرُهُمْ فِي
الأَمْر﴾ الآية (٣).
م١٩٦٠- كان الحسن البصري يقول في هذه الآية: قد علم الله أنه ليس به إليهم
حاجةً ، ولكن أراد أن يستن به بعده (٤) .
وقال الحسن البصري : ما شاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم .
وقال الضحاك : [١٣١/ب] ما أمر الله بالمشورة إلا لما علم بما فيها من البركة ،
وكان سفيان يقول : بلغني أنها نصف العقل (٥) ، وقد ذكرت الأخبار في
تقدم الحديث برقم في کتاب الجهاد .
(١)
تقدمت هذه القصة في الحديث المسند برقم ٦٦٢٣ - ٦٦٢٤ .
(٢)
(٣)
سورة آل عمران : ١٥٩ .
ذكره السيوطي وقال : أخرجه سعيد بن منصور ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي
(٤)
عن الحسن . الدر المنثور ٣٥٨/٢.
(٥) ذكره السيوطي وقال : أخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم عن الضحاك ،
وعن سفيان . الدر المنثور ٣٥٩/٢ .
- ٣٠٧ -
هذا في غير هذا الموضع، وإذا كان النبي ◌ُ ◌ّ مع نزول الوحي عليه مما
يدرك به عن الصواب ، قد أمر بذلك ، فمن ليس في معناه من الأئمة
بعده ، أولی أن لا يستبد أحدهم برأي دون أصحابه ، لأن الصواب ربما
أجراه الله على لسان من دون الإمام في العلم ، والرأي ، يقال : " إن
عمر بن الخطاب كان يشاور حتى المرأة " .
وجملة الأمر أن المشورة لا تؤدي إلا إلى خير ، وعلى أن المخطى بعد أن يشاور
أصحابه أعذر عندهم من المستبد برأيه دونهم ، ويدل على أن الصواب
يجب قبوله ممن أشار به ، وإن كانت امرأةً، لأن النبي ◌َ﴿ّ يوم الحديبية،
لما فرغ من قضية الكتاب ، قال لأصحابه : " قوموا فانحروا ثم احلقوا "،
فلما لم يقم أحد ، دخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقي من الناس ،
قالت أم سلمة : يانبي الله : أتحب ذلك ، اخرج ، ثم لا تكلم أحداً منهم
حتى تنحر بدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك ، فقام فخرج ، وفعل ذلك ،
فإن قال قائل: قد روي عن النبي ﴿ أنه قال: " لن يفلح قومٌ تملكهم
امرأة " ، فذلك على معنى الإمرة ، لأن بعض الملوك لما توفي ولوا أمرهم
امرأةٌ ، فقال النبي ﴿ّ: " لن يفلح قومٌ تملكهم امرأةٌ" على معنى الإمرة
لا على معنى المشورة .
(ح ٦٦٨٠) حدثنا يحيى بن محمد قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال : حدثنا
هشيم [١٣١/ب] عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب
قال: قال رسول الله { ل : " رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس،
وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة ، ولن يهلك
امرؤ بعد مشورة (١) .
(١) أخرجه "شب" في الأدب ، باب ما جاء في اصطناع المعروف ، عن هشيم ٣٦١/٨
رقم ٥٤٨٠.
- ٣٠٨ -
م١٩٦١ - ومن ذلك الدليل على إباحة سبي ذراري المشركين ، قبل قتل الرجال
إذا خرج قوم من المشركين عوناً لقوم آخرين من المشركين ، ذلك
بيّن في قوله : أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم أم ترون
أن نؤم البيت ، فمن صدنا عنه قاتلناه ، لما كان سبي ذراري القوم ،
وترك ذلك مباحا .
م١٩٦٢- ومن ذلك إباحة قتال المحرم من صده عن البيت ، وعن قضاء
المناسك ، موجود ذلك في قوله : أم ترون أن نؤم البيت ، فمن
صدّنا عنه قاتلناه .
م١٩٦٣ - وقوله: " والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات
الله إلا أعطيتهم إياها"، تحتمل معنيين : أحدهما يريد إن شاء الله ،
فأضمر ذلك واختصر الكلام، لأن النبي ◌َ ◌ّ لا يجوز أن يقول
إنه [ ١٢/٣/ ألف ] فاعل فعلاً فيما يستقبل إلا على ما أمر الله به، قال
الله: ﴿وَلا تَقُولُنَّ لِشَيءٍ إِنِي فَاعِلٌ ذَلِك غَداً إلا أَنْ يَشاءَ الله﴾ الآية (١).
أو يقول قائل : إن الله لما أعلمهم أنه معطيهم كل خطة دعت إليه
قريش يعظمون بها حرمات الله ، ترك الإستثناء لعلمه بأنه فاعل
ذلك لا محالة ، لما أعلمه الله ذلك ، والمعنى الأول أحب إلي مع
أن رجوعه بعدما صالحهم وتركه قتالهم في الحرم، [ ١٣٢ /ألف ]
من تعظيم حرمات أهله، استدلالاً بقول النبي وَ ﴿ّ لما فتح الله عليه
مكة : " إن الله حبس الفيل عن مكة، وسلط عليها رسول الله
والمؤمنين ، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما
أحلت لي ساعةً من نهار ، وإنها ساعتي هذه ".
(١) سورة الكهف : ٢٣ .
- ٣٠٩ -
وقد يجوز أن يكون معنى ذلك أي لا تبدؤا فيها بقتال ، لا أن محاربة من حاربهم لا
يجوز ، استدلالاً بقوله جل ثناؤه: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المسجدِ الحَرَاء
حَتَى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُم﴾ الآية (١)، وهذا موافق
لقوله : أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ، فيكونوا مقاتلين
إذا بدؤا بالقتال ، لا مبتدئين قتالاً في الحرم .
م١٩٦٤ - ومن ذلك انتزاعه السهم من كنانته ، لما شكوا إليه العطش ، وأمره إياهم
أن يجعلوه في الماء ، وذلك أحد علامات النبوة التي أعطاه الله ليتحقق
عند من حضر ذلك أمره ، وإنه نبي مرسل ، وليزدادوا من أمره وصدقه
بذلك بصيرة .
م١٩٦٥- ومن ذلك الإباحة لإمام المسلمين مهادنة المشركين إلى مدة معلومة ، على
غير مال يأخذه منهم ، إذا كان ذلك على النظر للمسلمين ، فإن الله قد
فرض قتال المشركين من أهل الأوثان حتى يسلموا ، وقتال أهل الكتاب
حتى يسلموا ، أو يعطوا الجزية ، وإنما فرض ذلك على من أطاق قتالهم ،
دون من له مهادنتهم ممن يعجز عن قتالهم ، إلى مدة معلومة يرجو أن
يقوى إلى تلك المدة ، إذ من يخلف عن القتال للعذر غير آثم ، ولا حرج،
وقد وادع النبي [١٣٢/ب] ﴿ ﴿ عند قدومه المدينة ناساً على غير مال
أخذه ، وفعل ذلك عام الحديبية لأنه رأى أن أحوط للمسلمين مهادنة
عدوهم إلى مدة يقوون بانقضائها عليهم ، فهادنهم عشر سنين ، كما
ذكر ابن إسحاق ، يأمن فيهن الناس ، ويكف بعضهم عن بعض ، ويقال :
نزلت هذه الآية مرجعه من الحديبية: ﴿ إنّا فَتَحْنَالَكَ فَتْحَاَ مَبيناً﴾ (٢).
(١)
سورة البقرة : ١٩١ .
(٢) سورة الفتح : الآية الأولى.
- ٣١٠ -
( ح٦٦٨١ ) حدثنا علي بن عبد العزيز قال : حدثنا حجاج قال : حدثنا حماد
عن قتادة عن أنس أن هذه الآية نزلت على رسول الله محا
مرجعه من الحديبية، والنبي ◌ُّ وأصحابه يخالطون الحزن
والكآبة ، وقد حيل بينهم وبين مناسكهم ، ونحروا الهدي
بالحديبية ، فقال قتادة عن أنس أن النبي ﴿ قال: " نزلت
علي آية أحب إلي من الدنيا جميعاً ، قال: فلما تلاها نبي الله
عليهم ، فقال رجل من القوم : هنيئاً مرياً لك يا رسول الله ،
قد بيّن الله لك ما يفعل بك ، فماذا يفعل بنا ؟ فأنزل الله
بعدها: ﴿لِيُدخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَان ◌َذَلِك عِندَ الله
فَوْزاً عَظِيماً﴾ الآية (١) (٢).
( ث٦٦٨٢ ) حدثنا موسى حدثنا يحيى حدثنا وكيع عن أبي جعفر الرازي عن
قتادة عن أنس ﴿ إنّا فَتَحْنالَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ الآية، قال : خيبر ، وقال
الشعبي : نزلت يوم الحديبية ، فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ،
وبايعوا بيعة الرضوان ، وأطعموا نخيل خيبر ، وظهرت الروم على
فارس ، وفرح المؤمنون بتصديق كتاب [ ١٣٣/ألف ] الله وظهور أهل
الكتاب على المجوس (٣) .
(١) سورة الفتح : ٥ .
(٢) أخرجه " خ" في المغازي " باب غزوة الحديبية، من طريق شعبة عن قتادة ٤٥٠/٧-٤٥١
رقم ٤١٧٢ ، و"م" في الجهاد "باب صلح الحديبية في الحديبية" من طريق قتادة
١٤١٣/٣ رقم ٩٧ (١٧٨٦ ).
(٣) ذكره السيوطي وقال: أخرجه سعيد بن منصور ، وابن جرير ، وابن المنذر، والبيهقي في
البعث . الدر المنثور ٧/ ٥٠٩ .
- ٣١١ -
م١٩٦٦ - وقد اختلف أصحابنا في المعنى الذي له صالح رسول الله و373 أهل
مكة [ ١٣/٣/ألف ] عام الحديبية .
فقالت طائفة : إنما صالح قريشاً على جهة النظر لأهل الإسلام من وجوه شتى لكثرة
عدد المشركين ، وعزمهم على منعه ، وممن معه من الدخول عليهم ،
وطلباً للتفرغ لقتال غيرهم ، وأمناً لمن أراد الدخول في الإسلام ،
وليتقوى لحربهم فيما يستقبل ، وإنما يجوز للإمام مهادنة العدو على النظر
لأهل الإسلام إلى مدة معلومة ، لا يجوز مهادنتهم إلى غير مدة ، لأن ذلك
يوجب الكف عنهم على الأبد ، ولا يجوز ذلك ، لأن قتالهم متى قدر
عليه يجب إذا كانوا أهل أوثان حتى يسلموا ، و قتال الذين أوتوا
الكتاب يجب حتى يسلموا ، أو يؤدّوا الجزية ، وإذا هادنهم على غير
مدة ، كان ذلك عقداً خلاف ظاهر كتاب الله ، وذلك مردود لأن الله
أمر بقتال المشركين ، ولا يجوز أن يعقد عقداً خلاف أمر الله .
وقالت طائفة : أن النبي ◌ُ﴿ إنما صالحهم وهو غير عاجز عن قتالهم ، ألا تراه أخبر
أن قريشاً قد نهكتهم الحرب ، وأضرت بهم ، ولم يصالحهم على وضع
الحرب بينهم هذه المدة ، لأنهم أقوى منه ، وأكثر عدداً وعدة منه ، بل
طمعاً أن يسلموا أو بعضهم .
م١٩٦٧ - وفي مهادنة الإمام أهل الشرك مدة أطول من مدة الحديبية
قولان أحدهما : إن ذلك لا يجوز أن يهادن قوماً أكثر من
عشر [ ١٣٣/ب ] سنين، لأن ذلك أقصى ما يحفظ عن رسول الله حماد
أنه هادن قوماً ، وذلك أن الله فرض قتال المشركين ، فلما هادن
رسول الله 345 مشركي أهل مكة ، كانت تلك المدة مع العذر
الموجود أقصى مدة ، يجوز للإمام أن يهادن إلى مثلها على الصلاح
لأهل الإسلام ، وبه أقول .
- ٣١٢ -
والقول الثاني إن ذلك للإمام ، يصالح على قدر ما يرى فيه الصلاح
لأهل الإسلام .
م١٩٦٨- ومتى أبنا للإمام أن يصالح قوماً على ماذكرناه ، فانقضت المدة التي
صالحهم عليها ، واحتاج الإمام إلى ان يمدد بينه وبينهم صلحاً إلى مدة
ثانية ، فله أن يفعل ذلك إلى أن يقوى أهل الإسلام ، لأن العلة التي لها
صالحهم في المرة الأولى ، قائمة حين صالحهم المرة الثانية ، ولا فرق
بينهما لحاجة أهل الإسلام إلى ذلك .
م١٩٦٩ - ومن ذلك أن للإمام إذا رأى مصالحة عدو ومهادنتهم ، أن يبدأ هو ،
فيعرض ذلك، لأن النبي ◌َ ◌ّ بدأ فقال لبديل بن ورقاء: " إن قريشاً قد
نهكتهم الحرب ، فإن شاؤوا هادنتهم مدة ، ويخلوا بيني وبين الناس ،
فإن أظهر ، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس ، فعلوا وإلا فقد
جمعوا ، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى
تنفرد سالفتي أو لینفدن الله أمره ".
م١٩٧٠ - ومن ذلك أن معاقدة بعض وجوه المشركين الإمام عن أصحابه
جائز، لأن الذي عقد الصلح بين النبي ﴿ وبين أهل مكة، إنما
عقده سهيل بن عمرو وحده [ ١٣٤/ألف ] ، ولعل ذلك
عن رأي أصحابه .
م١٩٧١- ومن ذلك إباحة الوقوف على رأس الإمام في حال الحرب ، عند مجيء
رسول العدو بالسيوف ، ترهيباً للعدو ، وحراسة للإمام ، أن ينال
بمكروه ، وهذا في حال الضرورة ، استدلالاً بقيام المغيرة بن شعبة على
رأس النبي ﴿ وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي {7. ،
[١٣/٣/ب] ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخْر يدك عن لحية
رسول الله ، فرفع عروة يده .
- ٣١٣ -
فدل ذلك على أن الفرق بين هذه الحال وبين الحال التي قال النبي ◌َّ: " من أحب
أن يمثل الرجال قياماً ، فليتبوأ مقعده من النار " (١) ، وذلك إذا
لم تكن ضرورة .
م١٩٧٢ - ومن ذلك أن أموال أهل الشرك وإن كانت ماحة للمسلمين ، مغنومة
إذا أخذوا ذلك منهم قهراً ، فإنها ممنوعة بالأمان لهم عليها ، مردودة
إلى أربابها ، إذا أخذوا ذلك في حال الأمان لهم ، يدل على ذلك قول
النبي ◌َ ◌ّ للمغيرة: " أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في
شيء "، وإنما حرم ذلك على المغيرة لأمنهم لما صحبوه ، وقد أمن كل
منهم صاحبه ، على نفسه ، وماله ، فكان سفكه دمائهم ، وأخذه أموالهم
في ذلك الوقت غدراً منه بهم ، والغدر غير جائز ، والأمانات مؤداة إلى
الأبرار ، والفجار ، والمؤمنين ، والمشركين .
م١٩٧٣- ومن ذلك الدليل على طهارة النخامة ، لأن فيما ذكره عروة بن مسعود
لأصحابه ، من فعل أصحاب رسول الله [١٣٤/ب] * قوله : فوالله
لما يتنخم رسول الله فخامة إلا وقعت في يد رجل منهم ، فدلك بها
وجهه ، وجلده ، وهذا يلزم النخعي حيث قال : إن البزاق إذا وقع
في الماء ، أهراق الماء ، وقد ذكرنا الأخبار الدالة على طهارة البزاق
في كتاب الصلاة (٢).
م١٩٧٤- ومن ذلك استحباب الفأل، لقول النبي ® ® فيما ذكر عكرمة: " قد
سهل لكم من أمركم"، لما أقبل سهيل، وقد كان النبي ◌ُّ يحب الفأل.
(١) أخرجه "د" في الأدب ، باب في قيام الرجل للرجل من حديث معاوية ٣٩٧/٥-٣٩٨
رقم ٥٢٢٩، وذكره الألباني في الأحاديث الصحيحة ، وذكر من خرجه ، ثم قال : هذا
حديث صحيح. ٨٢/١-٨٦ رقم ٣٥٧ .
(٢) تقدمت المسألة ، راجع رقم ٧٥ ، ذكر الوضوء بسؤر الحائض والجنب.
- ٣١٤ -
( ح٦٦٨٣ ) حدثنا إسماعيل بن قتيبة حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا یزید حدثنا
شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﴿: " لا عدوى
ولا طيرة، وأحب الفأل الصالح "(١).
م١٩٧٥ - ومن ذلك أن للإمام أن يقر فيما يصالح عليه ، من رأى صلحه صلاحاً ،
بعض ما فيه الغيم والضعف ، فيما يشرطه العدو على أهل الإسلام في
صلحهم ، إذا كان يرجو فيما يستقبل عاقبة نفع ذلك ، بعد أن لا يكون
فيما يعطيهم الله معصية ، فمما أعطاهم من ذلك في ذلك اليوم ، تركه
كتاب بسم الله الرحمن الرحيم ، وكتب " باسمك اللهم" ، وكتاب ذكر
محمد مكان ذكر رسول الله ، والإنصراف عنهم عامه على غير تمام
العمرة ، ورده من جاء منهم مسلماً إليهم ، وقد ضاق بذلك بعض
من حضره من المسلمين واضطربوا منه ، وعجبوا إذ لم يحتمل
عقولهم ، وأن لهم ما فعله النبي ◌ُ ◌ّ مما كان محموداً في العاقبة ،
غير الصديق رضوان الله عليه [١٣٥/ألف ] ، فإنه ممن خص
بعد رسول الله ﴿ بمعرفة صواب ذلك وفهمه ، وقد قال
عمر بن الخطاب : " اتهموا الرأي على الدين".
( ح٦٦٨٤) حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا يونس بن عبد الله العنبري
قال : حدثنا مبارك بن فضالة عن عبد الله بن عمر عن نافع عن
ابن عمر عن عمر قال : اتهموا الرأي على الدين ، فلقد رأيتنا أرد
أمر رسول الله ﴿ برأي اجتهاداً ، والله ما آلوا عن الحق ، وذلك يوم
أبي جندل في الكتاب بين رسول الله وأهل مكة ، فقال : " اكتب بسم
(١) أخرجه "شب" عن يزيد ٤١/٩ رقم ٦٤٤٨، و"خ" في الطب " باب لا عدوى " من طريق
شعبة ٢٤٤/١٠ رقم ٥٧٧٦ ، و"م" في السلام، باب الطيرة والفأل ، من طريق همام
وشعبة عن قتادة ١٧٤٦/٤ رقم ١١١، ١١٢ (٢٢٢٤).
- ٣١٥ -
الله الرحمن الرحيم " ، فقالوا : إذا صدقناك بما تقول ، ولكن نكتب
كما كنت تكتب ، باسمك اللهم، فرضى رسول الله لحلّ، وأبيت
عليهم حتى قال لي : " يا عمر ! أتراني رضيتُ وتأبى أنت ؟
قال : فرضيت. [١٤/٣/ ألف ] .
قال أبو بكر : وكان رسول الله وَ﴿ أعلمهم بالله، وأشدهم له خشيةً،
ولأمره تعظيماً ، ولدينه إعزازاً ، ولم يجب إلى ذلك إلا بعد أن
رأى أن ذلك أحوط لأهل الإسلام ، ولعل فعله ذلك كان عن أمر
ربه ، بل لا شك فيه ، لقوله لعمر: " إني رسول الله ، ولست
أعصيه ، وليس في شيء من ذلك الله معصيته " ، وذلك أن المعنى في
قوله : " باسمك اللهم " كالمعنى في قوله : " بسم الله الرحمن الرحيم" ،
لأن كل ذلك مخاطبة لله وحده لا شريك له ، ليس منه شيء
يضاف إلى غيره ، وكذلك قوله : هذا ما قاضى [ ١٣٥/ب ] عليه
محمد بن عبد الله، مع قول ذكر رسول الله و﴿ ﴿، لا يغير معنى
النبوة ، ونسبته إلى أبيه صدقاً وحقاً ، وليس في رد من رد منهم
فيما شرطوه في الكتاب ، أكثر من تخوف الفتنة على من
رُد إليهم منهم ، وقد وضع الله الحرج عن من فتن منهم عن
دينه ، فأعطى بلسانه مكرهاً خلاف ما يعقد عليه قلبه ،
فأما معطياً بلسانه على الإكراه ما لا يضره ، أو صابراً على
المكروه ، حتى يقتل شهيداً، على أنهم إنما كانوا يردون إما
إلى أب ، أو إلى أخ ، أو ذوي رحم يؤمن عليه منهم مكروهاً ،
لأن أولئك الذين ذكرناهم من أهاليهم أشفق عليهم من أن
يسلموه للمكروه ، وقد أمضى الله لنبيه ما فعل من ذلك ،
وسَّاه فتحاً مبيناً .
- ٣١٦ -
قال الزهري : انصرف رسول الله ﴿ من وجهه ذلك ، يعني غزوة الحديبية
قافلاً ، حتى إذا كان بين مكة والمدينة، نزلت سورة الفتح: ﴿ إنّا فَتَحْنا
لَكَ فَتْحاً مُيناً﴾ الآية (١).
( ث ٦٦٨٥ ) حدثنا علي بن عبد العزيز: قال حدثنا أحمد بن محمد قال : حدثنا
إبراهيم عن محمد بن إسحاق عن الزهري .
قال أبو بكر : وقد تبين صلاح ذلك لأن أبا جندل صار من أمره بعد ذلك حین
جيء بأبي بصير ، واجتمعت العصابة التي اجتمعت ، وصار من أمرهم
أن قريشاً أرسلت إلى رسول الله ﴿ يناشدونه بالله ، و الرحم،
إلا أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل إليهم النبي وَ لَّ، فأما
من [ ١٣٦/ ألف ] اشتد عليه ذلك من أصحاب رسول الله ، ووجدوا
من ذلك ، فلم يريدوا إلا عز الدين ، وكرهوا دخول الضعف
والوهن على الإسلام ، مع أن الأعلى من ذلك والأفضل تسليم من
سلم منهم ، لما سلّم له رسول الله من ذلك ، ورضي به ، وقد
تبين فضل أبي بكر في ذلك على عمر، قال عمر: فأتيت النبي ◌ِ ﴿:
فقلت : ألست يا نبي الله حقاً ؟ قال : بلى ! قال : ألسنا على الحق ،
وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى ! قلت : فلم نُعط الدنية في
ديننا إذاً ؟ قال: " إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو
ناصري "، قلت : أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟
قال : أفأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ قال : لا ، قال : فإنك آتيه ومطوف
به ، قال : فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبا بكر ! أليس هذا نبي الله حقاً ؟
قال : بلى ، قلت ، ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى ،
(١) سورة الفتح : الآية الأولى .
- ٣١٧ -
قلت : فلم نُعط الدنية في ديننا؟ قال : أيه الرجل! إنه
رسول الله ، ليس يعصي ربه ، وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه
حتى تموت ، فوالله إنه لعلى الحق ، قلت : أوليس كان عدتنا أنا
سنأتي البيت ونطوف به ، قال : بلى ، أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟
قال : لا، قال : فإنك آتيه ومطوف به ، قال الزهري : قال
عمر : ففعلت لذلك أعمالا .
م١٩٧٦ - ففي جواب أبي بكر بمثل ما أجاب [ ١٤/٣/ب ] به رسول
الله ◌َ ، دليل على أن أبا بكر كان أعلم الناس بأحكام الله، وأحكام
رسوله { 34، ودينه ، بعد نبي الله صلى الله [ ١٣٦/ب ] عليه وسلم،
وفي قوله : إني رسول الله، ولست أعصيه ، وهو ناصري ، دليل على
أنه أجاب إلى ما أجاب به ، بأمر الله .
م١٩٧٧ - ويدل قول رسول الله و﴿: فإنك آتيه ومطوف به ، بعدما قد تقدم
من الكلام ، على أن من حلف ليفعلن فعلاً لم يجعل لذلك وقتاً ،
أن وقت ذلك جميع حياته .
م١٩٧٨- وقد اختلف فيما يجب عليه إذا لم يفعل ذلك حتى مات إذا كانت اليمين
بطلاق أو عتق ، وقد بينته في غير هذا الموضع .
م١٩٧٩ - وفي إجابة أبي بكر بمثل ما أجاب به النبي الكَلَيْئا بيان فضل أبي بكر
على عمر .
وقول من قال من أهل العلم ، فيمن حلف بطلاق امرأته ليفعلن فعلاً ، له أجل
المولى ، خلاف ظاهر هذا الحديث .
م ١٩٨٠- ومن ذلك الدليل على صحة كتاب الكاتب ، هذا ما اشترى
فلان بن فلان من فلان بن فلان ، وعلى إغفال من أنكر ذلك ، وزعم
أن هذا ما نفي ، وليس بإثبات ، كأنه رأى أن كاتب : " هذا ما
- ٣١٨ -
اشترى"، ينفي بقوله أن يكون اشترى شيئاً يجعله في موضع جحدٍ ،
والدليل على إغفال هذا القائل بيِّن مِن الكتاب والسنة ، فأما الكتاب
فقوله: ﴿هَذا مَا كَرْ تُم لأْفُسِكُم﴾ الآية (١) وليس ذلك
جحد لما أعاد من ذكر الكنز، وأول الكلام وآخره يدل على أن .
معنى: ﴿هَذَا مَا كَتَرْتُم لأْفُسِكُم﴾ هذا الذي كزتم لأنفسكم ،
ليس على معنى الجحد ، ويدل على ذلك قوله : هذا ما قاضى عليه
محمد بن عبد الله، ومن هذا المعنى قوله: ﴿هَذا مَا [١٣٧/ب ]
تُوعَدُونَ لِيَومِ الحِسَابِ﴾ الآية (٢).
م١٩٨١ - ومن ذلك أن المحرم بحج أو بعمرةٍ إذا أحصر بعدوٍ ، يحل من إحرامه
وينحر هديه حيث أحصر، لأن النبي ◌َ ﴿ حل، ونحر ، وأمر أصحابه
بذلك بالحديبية في المكان الذي أحصروا فيه ، في الحل على ساعة من
الحرم ، وقد اختلفوا في وجوب القضاء على من فعل ذلك ، وقد بينت
ذلك في كتاب المناسك .
م١٩٨٢- ومن ذلك ذكر النسوة المؤمنات ، قال : ثم جاءه نسوة مؤمنات ،
فأنزل الله: ﴿يَا أُهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جَاءَكُم المؤمِنَاتُ مُهَاجِرَات﴾ حتى
بلغ: ﴿بعضَمِ الكَوافِر﴾ الآية (٣) ، فطلق عمر امرأتين كانتا
له في الشرك ، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان ، والأخرى
صفوان بن أمية .
(١) سورة التوبة : ٣٥ .
(٢) سورة ص : ٥٣ .
(٣) سورة الممتحنة: ١٠ .
- ٣١٩ -
وقد اختلف أهل العلم في الزوجين من غير أهل الكتاب يسلم أحدهما وقد
دخل بها ، وقد بينت اختلافهم فيه في كتاب الطلاق ، فكرهت
إعادة ذلك ههنا .
م١٩٨٣- ومن ذلك قتل أبي بصير أحد الرجلين اللذين دفعه النبي ◌ُ ◌ّ إليهما
ليرداه إلى مكة، ففي علم النبي ◌ُّ ذلك، وتركه إن يحكم عليه في ذلك
بشيء ، وإن كان المقتول ممن دخل في جملة من وقع الصلح بين النبي ﴿
وبينهم ، دليل على أن للإمام أن يقف عن الحكم على القاتل في مثل
هذا، وشبهه إذا لم يحضر أولياء القتيل، إقتداءاً برسول الله تع ﴿ّ .
م١٩٨٤- وقد اختلف الناس في دخول [١٣٧ /ب ] النساء في العقد الذي
كان بين رسول الله ﴿ وبين أهل مكة، فقال قوم: لم ينعقد
الصلح بينهم قط إلا على رد الرجال ، لأن في حديث المسور ، ومروان ،
وعلي : أنه لا يأتيك منا رجل ، وإن كان على دينك إلا رددته
علينا ، فاحتج لهذه اللفظة من قال : إن الصلح لم يكن بينهم يومئذٍ
إلا على رد الرجال .
وقال غيرهم: [ ١٥/٣/ألف ] انعقد الصلح بينهم على رد الرجال والنساء لأن
في خبر عقيل عن الزهري ، وعلي : " أنه لا يأتيك منا أحد ، وإن
كان على دينك إلا رددته علينا" ، قالوا: فدخل في قوله : "أحد"
الرجال والنساء، قالوا: ثم أنزل الله: ﴿إِذا جَاءك المُؤْمِنَات مُهَا جرات
فَامَتَحِنُوهُنَّاللّه أَغْلَمُ بِيَانِنٌ فَإِن عَلِمْتُمُوهُنْ مُؤْمِنَّات فَلاتَرجِعُوهُنّ
إلى الكفّار﴾ الآية (١)، فامتنع النبي وُ ث لما نزلت هذه الآية
أن يردهن إليهم .
(١) سورة الممتحنة : ١٠ .
- ٣٢٠ -